← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30009

الجواهر من فقه الحنفية

سعد غدبوش

Полный текст (627 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

اللوحة الأخيرة من النسخة (ص)

стр. 37

اللوحة الأولى من نسخة (س)

стр. 38

اللوحة الأخيرة من نسخة (س)

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه التوفيق (١) الحمدُ الله الذي هدانا لمعرِفته، وأكرمَنا بتقواهُ وطاعتِه، وشرَّفنا بحمْلِ أمانتِه بعنايَتِه، بعد عجْزِ أَرْضِهِ وسماواتِهِ، وهي أداءُ خمسِ صلواته. والصلاةُ والسلامُ على أكرمِ أحبّائه (٢)، وأعظمِ أُمَنائِهِ مُحمَّدٍ أشرف رسُلِهِ وأنبيائه، وعلى آله وأصحابه المخْصُوصينَ بإحسانه، وعلى آله (٣) الطاهرين من أبنائه (٤)، صلاةً تَتَوالى على ممرِّ الدهورِ ومَكَرِّ الساعاتِ والشهور. أمّا بعدُ: فلا نعمةَ اللهِ تعالى على عبادِه أعظمُ مِن الإيمان والعبادةِ، ولا وسيلةَ إليهِما سِوى تَحصِيل علمِهِما بنور البصيرة (٥)، ولا نِقْمَةَ أعظمُ مِن الكُفرِ والمعصيةِ، ولا داعيَ إليهِما سوى عَمَى القلبِ بظُلمةِ الجهالةِ. فيَجِبُ على كلِّ عاقِلٍ بالِغٍ أن يكتَحِلَ بَصِيْرَته بكُحل العلمِ، الذي لا بدَّ منه حتَّى

стр. 40

يُذهِبَ العَمى الذي بظُلمةِ الجهل، ويَرَى الصراطَ المستقيمَ والنهجَ (١) القويمَ الذي بُعِث النَّبيُّ ﵇ لدعوته (٢) الناسَ إلى سلوكِ هذا المنهجِ، ولا يتأتَّى سلوكُه إلّا بمعرفة الصانعِ وأداءِ ما كُلِّف بِهِ (٣). فيقولُ العبدُ الفقيرُ المُقِرُّ بالذنب والتقصيرِ، مفارِقُ الوَطَنِ، وراكِبُ المِحَنِ، طَاهِرُ بنُ إسلامِ (٤) بن قاسمٍ الأنصاريُّ الخوارزميُّ غفرَ اللهُ ذنوبَهُ، وسَتَرَ يومَ القيامةِ عيوبَه: لمّا لَفَظَنِي رامِي (٥) الغُرْبَةِ مِن ديارِ خوارزمَ إلى هذه التربةِ - بمُقاساةِ مَتاعبِ الشدةِ والكُربة، بعد الرجوعِ (٦) من سَفَرِ الكعبةِ - وهي بلادُ الرُّومِ؛ أردتُ أنْ أجمعَ مختصرًا جامعًا هذا المقصودَ، مُشتملًا على المطلوبِ المعهودِ، لنفْسي ولخُلَّص إخواني من المتَعَبِّدين المنقطعينَ إلى اللهِ تعالى، فشرعتُ بتوفيق اللهِ تعالى في جمعِ هذا المختصرٍ وتأليفِهِ وترتيبِهِ وترصيفِه (٧). وذكرتُ في ابتدائه (٨) مسائلَ معدودةً من أصولِ الدِّين، حتى يحصُلَ للمُكلَّف في معرفةِ صانِعِهِ التحقيقُ واليقينُ.

стр. 41

ثمَّ (١) أحكام العبادة البدنيَّةِ مستوفًا مِن فُنُونِ المسائلِ، وَعَريًّا عن الدلائِلِ؛ ليَصغُرَ حجمُه، ويسهُلَ فهمُه، ويخِفَّ حملُه في الحَضَرِ والسفَرِ، ويُقرّبَ المسافةَ للطالِبِين، ويُهَوِّنَ الطريقَ على الراغبِين من مصنَّفاتِ المتقدِّمين ومن مُختاراتِ المُتأخِّرين، يَسْتَبْصِرُ به المبتدِي، ويَستذْكِرُ به المنتهِي. فأخذتُ مِن كُتُب علماءِ أصولِ الدِّين على (٢) مذهَبِ أهْلِ السنَّة والجماعةِ واليقين، وهي: ١ - "تبصرةُ الأدلة" (٣). ٢ - و"بحرُ الكلام" (٤). ٣ - ٤ - و "العمدةُ" و "الاعتماد" (٥). ٥ - و"أصولُ الركنيَّة" (٦).

стр. 42

٦ - و "التمهيدُ" (١). ٧ - و"الصابونيُّ" (٢). ٨ - و "قواعدُ العقائدِ" (٣). ونقلتُ من روايةِ عِبارَةِ كُتبِ الفقه وهي: ١ - "الهدايةُ" (٤). ٢ - و"النهايةُ" (٥). ٣ - و"جامعُ الصغيرِ الحسامي" (٦). ٤ - و"الكافي" (٧).

стр. 43

٥ - و "تحفة الفقهاء" (١). ٦ - و "خُلاصةُ الفتاوى" (٢). ٧ - و"قُنيُه الفتاوى" (٣). ٨ - و "منيةُ المفتي" (٤). ٩ - و"مقدمةُ الغزنويِّ" (٥). ١٠ - و"منيةُ المصلي" (٦). وميَّزْتُ مسائلَ العبادةِ بعلامةِ الحروفِ في أوَّل كلِّ مسألةٍ من أيِّ كتاب نَقلتُ من الكُتبِ العشرةِ المذكورةِ الفقهيّة: - أمّا علامةُ مسائلِ "الهدايةِ": "هد". - وعلامةُ "النهايةِ": "نه". - وعلامةُ "الجامع الصغير": "جص".

стр. 44

- وعلامة "الكافي": "كا". - وعلامة "تحفة الفقهاء": "تف". - علامة "خلاصة الفتاوى": "خف". - وعلامة قنية الفتاوى: "قن". - وعلامة "منية المفتي": "مم". - وعلامة "مقدِّمة الغزنوي": "منع". - وعلامة "منية المُصلِّي": "مص". ثمَّ أوردتُ (١) فيه من مسائل "المبسُوط"، و "الزيادات"، و "الجامع الكبير (٢)، و"الأمالي" (٣)، و "المحيط" (٤)، و "الملتقط"، و (٥) "شرح الزيادات" للإمام فخر الدين الحسن المعروف بقاضي خان، و"البدائع في شرح تحفة الفقهاء" (٦)،

стр. 45

و "النَّوادر" (١)، و "شرح الطَّحاويِّ" (٢)، و "التجْنيس" لصاحب "الهداية" (٣)، و "غُنيةِ الفقهاء" (٤)، و "عُمدةِ المفتي" (٥)، و "التَّجريد" (٦)، و "الذخيرةِ" (٧)، و "خزانةِ الفقهِ" (٨)، و"العيون" (٩)، و "النوازل" (١٠)، و"الرَّوضةِ" (١١)، و "شرح الإرشاد" (١٢)،

стр. 46

و"الجمع العلوم" (١)، و"جمع التَّفاريقِ" (٢)، و"القدوريِّ" (٣)، و "المنظومةِ" (٤)، و"الوقاية" (٥)، و "البداية (٦) مختصر الهدايةِ"، و "كفايةِ المنتهي" (٧)، و "فتاوى أبي اللَّيثِ السَّمرقنديِّ" (٨)، و"فتاوي قاضِي خان" (٩)، و "فتاوى الظَّهِيريَّةِ" (١٠)،

стр. 47

و"فتاوى الرُّسُتغفني" (١) و "واقعاتِ الصَّدرِ الشَّهيد"، و "واقعاتِ الحُلواني"، و "بُغية المنيةِ" لصاحب "القُنيةِ" (٢)، و "فتاوى الصغري" (٣)، "وفتاوى العصْرِ" (٤)، وفتاوى المِرغِينانِيِّ"، و"فتاوى الكُبرى" (٥)، وفتاوى حُسامِ الدين الرّازي" (٦)، و"فتاوى الجلاليَّة (٧)، و"فتاوى شرفِ الدِّين المكيِّ"، و"شرح شيخِ الإسلامِ" المعروفِ بخُواهر زادَه (٨)

стр. 48

و"تتمةِ الفتاوى" (١) و "فوائدِ الإمامِ أبي عليٍّ النسفيّ"، وفتاوى الفقيهِ أبي جعْفرٍ البلخيّ"، و "فتاوى شمس الأئمة الحلوانيّ" (٢)، و "فتاوى بهاءِ الدين الإسبيجابيّ" (٣)، و "فتاوى التُّمُرتاشي" (٤)، و فتاوى أبي الفضلِ الكِرمانيّ" (٥)، و"الإيضاحِ" (٦). ومن شروحِ الهداية: نحو: "نهاية الكفاية في دراية الهداية" (٧) التاج الشريعةِ (٨). وحواشي "الهداية" (٩)

стр. 49

و (١) "الكفاية" (٢)، و "غايةِ البيانِ" (٣) و "العِنايةِ" (٤). ثمَّ: "النافع" (٥) و "المستَصفَى" (٦) في شرحه. وشرحَى (٧) المنظُومةِ: "المصفَّى" (٨)، و "الحقائقِ" (٩). وشروح القدوريّ مثل: "شرح الزاهديِّ" (١٠) و "شرحِ أبي النَّصرِ الأقطع" (١١)،

стр. 50

و "الخلاصة" (١)، و "الينابيع" (٢)، و "مشكلاتِ القدوري" (٣)، و "تحفةِ الحريصِ في شرح التلخيص" (٤)، وهو مختصرُ "الجامع الكبير" و "بداية المرغينانيِّ" (٥). و"الكنزِ" (٦)، و "مجمعِ البحرين" (٧)، و "مختارِ الفتاوى" (٨)، و "حيرة الفقهاء" (٩)،

стр. 51

و "تحفةِ الملوكِ" (١) و "الإرشادِ" (٢). - ومن مسائلِ أصولِ الفقه من "البزدويّ" (٣)، و"الكشفِ الكبيرِ" (٤)، و"التقريرِ" (٥)، كلاهُما شرحان للبزدويّ؛ لقوّةِ الرواية في الاتفاقِ وتخفيفِ العملِ في الاختلافِ. - ثمَّ ذكرتُ فيه من كتب المشايخ في النَّصائح وآدابِ السلوكِ: كـ "إحياء العلومِ" (٦)، و"رسالة القشيري" (٧)

стр. 52

و "قُوت القلوبِ" (١)، و "خلاصةِ الحقائِق" (٢)، و "عوارف المعارف" (٣)، وكتابِ "النُّكت" (٤)، و"شرعة الإسلام" (٥)، و"حدائقِ الحقائق" (٦)، و"تحفةِ البرَرَة" (٧)، و"زبدةِ الحقائقِ" (٨)، و"رياض الصالحينَ"، و "آداب المتعلمين" (٩). سائلًا من (١٠) الله الذي لا يُصانُ المرءُ عن الغواية إلّا بتوفيقهِ وتأييدِه أنْ يغفرَ لي

стр. 53

خطيئاتي بفضله ورحمته، ولمن يَنظرُ فيه. فمَن وجدَ فيه سَبقًا من اللسان، وسهوًا في البيانِ، وغَلَطًا من القلمِ والبَنانِ، فلْيحمِلْ على أنَّ الله تعالى وَسَمَ عقلَ الإنسان بالعجز والنُّقصانِ، وأَلزِمَ فَصَحَاتِ الألسُنِ وصفَ الحصرِ في حِليةِ (١) البيانِ. ولْيسترْ عليها ذيلَ (٢) العفوِ والإغماضِ، ولْيجتنبْ عن فتحِ بابِ النظرِ والاعتراض، بل يصلحُها بنظرهِ الصائبِ وفِكرِه الثاقبِ، خصوصًا كنتُ في إباءٍ (٣) من تأليفٍ (٤) على جناح السَّفرِ وجَوْبِ البلاد في كَورِ الرومِ وصَياصِيْها (٥) مع تَفْرقةِ الخاطِر وجمودِ الفكر وفُتُورِ الإدراكِ من عناء (٦) الطريقِ وتعبِ السفر. فإنِّيِ للخطايا لمقْترِفٌ، وبالقصورِ والعجزِ لمعْترِفٌ، ولكنْ ليس لي في هذا المختصرِ من الاختراع إلا نقلُ رواياتِه، وجمعُ متفرِّقاتِه، وإظهارُ المرادِ بدفع احتمالاتِه، وَحَلِّ مشكلاتِه في معانيهِ وعباراتهِ لِمَا أشار إليه الشروحُ وسمعتُ من الثِّقات، دلالةً لطالبيه وتسهيلًا لمقتبسِيْه. و (٧) لمّا قَرُبَ سوادُه إلى الإتمام: ابتدأ (٨) يخطرُ ببالي في كلِّ أحوالي

стр. 54

زيارةُ الديار المصريّة والإسكندريّة، فحَداني حادي السَّفر، وحلَّني من قَيْدِ (١) الحضَر، حتى عَبَرتُ (٢) من البَحرِ إلى الإسكَندرية (٣). ولمّا وصلتُ بالبلدةِ الفاخرة المشهورةِ بالقاهرةِ، وهي محروسةُ مصرَ، فأقمت فيه، ونظرت في هذا السواد فوجدته (٤) غاية الاختصارِ، حتى لا توجدَ (٥) أكثرُ الواقعات في العبادات، فجمعتُ الكتبَ المذكورةَ في هذا المختصر، واشتغلتُ في إتمامه؛ بإيرادِ شرائدِه وجمعِ فرائدِه من عوائدِه و واقعاتِه في مسائلِ عباداته (٦)، وتعبْتُ في جمعه وتصحيحِه، وبذلْت جهدي في تنقيحِه وتهذيبِه، وجعلت اختتامَهُ بذكر (٧) آدابِ السالكين من أهل الطريقة، وسمَّيته "كتابَ الجواهر". وأتممتُ بعون الله سبحانَه تعميرَ بستانٍ لا يُغيِّرُ تغيُّرُ الفصوِل وردَهُ ورَيحانَهُ، راجيًا أن أجتنيَ من مغارِسِه أنوارَ الأدعيةِ المستجابةِ، وثمارَ (٨) الأثنيةِ المُستطابةِ، والله وليُّ الإصابة. ثمَّ عرضتُ على العلماء المتبحِّرين والفُضلاء المتفنِّينين فقبلوه (٩) بأحسنِ

стр. 55

قَبُولٍ، وأرجو أن يستغنيَ من استظهرَهُ (١) في باب العبادة البدنيَّةِ عن حمل الكُتب الكبارِ، واستصْحابِ الأسْفارِ في الأسفار (٢)، بل فاز بمسائِلِ العبادات البدنيَّة أجمع، وصارَ أذْكى القومِ وأجمعَ، وانتقل من ذلِّ السؤالِ والابْتِذالِ إلى عزِّ الاستدالِ (٣) والاستِقلالِ. وأتضرَّعُ إلى اللهِ الوهّابِ في أن يُكثِرَ نفعَه للطلّابِ، ويجعلَه مقبولًا في الفؤادِ، ووسيلةً يومَ الحشرِ (٤) للرَّشادِ، ومنْشورًا في البلادِ، وسببًا لنجاتي عن مؤاخذتهِ إيَّاي والعباد (٥) يومَ الحسرةِ والتَّنادِ، والله الموفِّقُ للإتمامِ والميسّرُ للاختتام. وجمعتُهُ على عشرةِ أبْواب (٦): البابُ الأَوَّلُ: في إثباتِ الصّانِع وتوحيدِه وكتبهِ ورُسلهِ والإيمانِ به. البابُ الثّاني: في الطَّهارةِ والسِّواكِ وأحكامِ المياهِ. البابُ الثَّالثُ: فِي نَواقض الوُضُوءِ والاستنجاءِ والأنجاسِ وتطهيرِها. البابُ الرّابعُ: فِي الاغتسالِ وما يُوجبُه.

стр. 56

البابُ الخامسُ: في صفةِ الصَّلاةِ والمسائلِ المنثورةِ فيها، والأذانِ والجماعةِ وأوقاتها. البابُ السّادس: في القراءةِ وسجودِ التلاوةِ والسَّهوِ والوِترِ (١) وسننِ الصَّلواتِ. البابُ السابعُ: في صلاةِ الجمعةِ والعيدينِ والجنائزِ. البابُ الثامنُ: في أحكامِ السَّفر والتيممِ والمسحِ والصومِ. البابُ التاسعُ: في فوائدَ متفرّقةٍ شتَّى. البابُ العاشرُ: في آدابِ السالكين من أهلِ الطَّريقةِ. * * *

стр. 57

الباب الأول في إثبات الصانع وتوحيدِه وكتبهِ ورسلهِ والإيمانِ به. اعلم - وفَّقك الله تعالى وإيّانا - بأنَّ الواجب على العبد المكلَّف أوّلًا طلبُ علم (١) معرفة الله تعالى؛ حتّى يصيرَ العبدُ به عالمًا علمَ التوحيدِ، سالمًا عن أمراضِ الجهلِ والتقليدِ، ومُسمَّىً (٢) باسم المهتدي والسعيد، ويَعرِفَ الله تعالى بالدليلِ. قال علماءُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعة - نصَرَهُمُ الله تعالى -: إِنَّ إيمانَ المقلِّد وهو الذي لا دليلَ معهُ في إثباتِ الصّانعِ وتوحيدِهِ - صحيحٌ (٣)؛ لوجودِ التَّصديقِ منه حقيقةً، وهو مؤمنٌ ومطيعٌ الله تعالى باعتقادِهِ وسائر طاعاتِه (٤)، وإن كان عاصِيًا لتركِ الاستِدلالِ في معرفةِ صانِعِهِ، وهو كفُسّاق أهلِ الملَّةِ في جَوازِ مغفرتِهِ وتعذيبِهِ

стр. 58

بقدْر ذنبهِ، وعاقبةُ أمره الجنّةُ لا محالةَ (١)، وهو مذهب أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ ابن حنبل رحمهم الله تعالى. وعند المعتزلةِ: ما لم يَعرِفْ صانِعَهُ وتوحيدَه بدِلالةِ (٢) العقل على وجهٍ يُمكِّنُه دفعَ الشبهة: لا يكون مؤمنًا. وطريقُ معرِفتِهِ على التَّحقيق: أنْ يعلم أنَّ (٣): - العالَم - هو ما سوى الله تعالى - مُحدَثٌ. - والمحدَثُ ما كان جائزَ الوجودِ. - وما كان جائزَ الوجودِ كان جائزَ العدمِ. - وما جاز عليه الوجودُ والعدمُ لم يكن وجودُه من إيجاد ذاتِه؛ لأنَّه: إنْ أحدثَ نفسَه بعد ما صارَ موجودًا فهو محالٌ؛ لأنَّه يلزم (٤) إيجادُ الموجود وتحصيلُ الحاصل. وإنْ أحدث نفسَه في حالةِ العدمِ فكذلك؛ لاستحالةِ وجودِ الفعل من المعدومِ. فثبت أنَّ اختصاصَه بالوجودِ دونَ العدمِ لم يكن إلّا بتخصيص مُخصِّصٍ، ولهذا لا يثبتُ بناءٌ بدون الباني، فلا بدَّ من مُحدِثٍ أحدَثهُ وخصَّهُ بالوجودِ، وهو اللهُ الهادي، فإذا أثبتَ (٥) وجودَه وجبَ عليه أن يوحِّده عن الشَّرِيكِ والنَّظيرِ.

стр. 59

فاعلم أنّ الصانعَ للعالمِ (١) واحدٌ، ولو كان صانِعَينِ: لثبت بينهما تمانعُ قولِهِ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢) [الأنبياء: ٢٢]، والتمانعُ دليلُ حدوثِهما أو حدوث أحدهما، فإنَّ أحدَهما لو أرادَ أن يخلقَ في شخصٍ واحدٍ حياةً، والآخرُ موتًا في تلك الحالةِ، فإمّا أن: - يحصلَ مرادُهما وهو محالٌ. - أو تعطَّلت إرادتُهما وهو تعجيزُهما. - أو نفذت إرادةُ أحدِهما دونَ الآخر، وفيه تعجيزُ من لم تنفذْ إرادتُهُ، والعاجزُ مُنحَطٌّ عن درجةِ الأُلوهيَّة؛ إذ العجزُ من أماراتِ الحدوث (٣). وإذا لم يُتصوَّر إثباتُ صانعين كان واحدًا ضرورةً. وهو قديمٌ؛ إذ لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا؛ لعدمِ الواسطةِ (٤) بينهما؛ إذ: القديمُ: ما لا ابتداءَ لوجودهِ. - والحادثُ: ما لوجودهِ ابتداءٌ. ولا واسطةَ بين السَّلبِ والإيجابِ، ولو كان حادثًا لافتقرَ إلى محدثٍ، وكذا الثاني والثالثُ، فيؤدِّي إلى التسلسلِ، فهو باطلٌ. فثبت أن الله تعالى موجودٌ، واحدٌ، قديمٌ، حيٌّ بحياةٍ أزليَّة سرمديَّة، لا سبيلَ

стр. 60

للفناء عليه، عالمٌ بعلم أزليٍّ، قادرٌ بقدرةٍ أزليةٍ، مريدٌ بإرادةٍ أزليةٍ، سميعٌ بصيرٌ بغير آلةٍ جِسمانية. متكلمٌ بكلام واحدٍ أزليٍّ قائمٍ بذاته، ليس من جِنسِ الحروفِ والأصواتِ، ليس بعَرَضٍ ولا جسمٍ ولا جَوهَرٍ، وهو قائمٌ بنفسه (١). منزَّهٌ عن صفاتِ النَّقصِ والحدوثِ، ولا يتَّصف بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، ولا بالتبعيضِ والتَّناهي، ولا بمشابهةِ المحدَثاتِ، ولا مُتمكِّنٌ (٢) في مكان، ولا مستقرٌ على العرش. خالقٌ، خلَقَ الجنَّ والإنسَ؛ ليعبدوه (٣)، وكيفيَّةُ العبادة وكميّتُها لا تُدرك بالعقول، فأرسل إليهم رسلًا مبيِّنين ما (٤) يجبُ عليهم، وكيف يجبُ، ومتى يجبُ، وعلى من يجبُ، مبشِّرين لمن أطاعَ بالجنَّة ونعيمها، منذرين لمن عصى بأنواعِ العذابِ وأليمِها. وأنَّ نبيَّنا عليه أفضلُ الصلاة والسلام مُحمَّدَ بنَ عبدِ الله بن عبد المطلب بن

стр. 61

هاشم بن عبد مناف رسولُ الله تعالى؛ لقوله تعالى لنبيِّه محمدٍ ﵇: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة. فكذَّبوه، فأظهر (١) الله تعالى لصدق دعواه على يديه المعجزاتِ الباهرات: كانشقاقِ القمر، وانجذاب الشَّجر، وتسليمِ الحجرِ عليه، ونبعِ الماءِ من بين أصابِعه، وحنينِ الخشبِ، وشهادةِ الشاةِ المصْليَّةِ (٢) المسمومةِ، وإشباعِ الخلقِ الكثيرِ بالزّادِ القليلِ، والإخبارِ من المغيَّبات … وغير ذلك. وأظهرُها (٣): القرآنُ الباقي على صفحاتِ الدَّهر، فهو من أعجب الآياتِ وأَبْيَنِ الدلالات، الذي عجز أهل الوبر والمدر، بل جميعُ الجنِّ والبشر عن الإتيان بما يوازي أقصرَ سورة منه أو يُداني، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وإذا ثبت نبوُّةُ رسولِنا ﵇ ثبت نبوّةُ سائرِ الأنبياء والمرسلين بإخبارِه؛ لأَنَّهُ صادقٌ في كلّ ما يقول. والرسلُ والأنبياءُ ﵈ مع علوِّ درجاتِهم بعضُهم قد فُضِّل على بعض، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].

стр. 62

والرَّسولُ أفضلُ من النَّبيِّ؛ إذ الرَّسول صاحبُ الشَّريعة، والنبيُّ كالخليفةِ والمُعيدِ والمكرِّر له لنصرة شريعتِه. وكلُّ رسولٍ نبيٌّ رفيعُ القدر مخبِرٌ من الله تعالى، من غير عكس. ولا يجوز تفضيلُ بعضِ الأنبياء على البعضِ على التعيين، ولكن يُقال: الرَّسول (١) أفضلُ من النبيّ، وأولو العزم - يعني: صاحب الكتاب - من غيرهم، ونبيُّنا محمد ﵇ أفضلُ من الكلِّ. ولا يقال: إنَّ مُحمَّدًا ﵇ أفضلُ من يونسَ ﵇ وغيره على التعيين؛ إذ فيه إيهامُ نقصِ المفضَّلِ عليه. وعددُ جميعِ الأنبياءِ والرسلِ ﵈ غيرُ معلومٍ للبشر، وأوّلُ الأنبياء آدمُ ﵇، وآخرُهم محمدٌ رسولُ الله (٢) ﵇. والإيمانُ بمحمَّدٍ ﵇ إيمانٌ بجميعِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وإيمانٌ بجميعِ الكتبِ السماويّةِ، وإيمانٌ بيومِ القيامة وما فيه. والإيمانُ: هو الإقرارُ باللسانِ، والتصديقُ بالجَنان. وقال الإمام أبو منصور الماتريديُّ (٣): الإيمانُ عبارةٌ عن مجرَّد التصديقِ، والإقرارُ لإجراءِ الأحكامِ (٤).

стр. 63

وقال الشافعيُّ: الإيمانُ هو الإقرارُ باللسان، والتصديقُ بالجنان، والعملُ بالأركان. والإيمانُ لا يزيدُ ولا ينقصُ باعتبار الحقيقةِ، وهو التصديق، ولكنّ صفاتِ الإيمان وأنوارَه تزيدُ وتنقص. وإنَّ الإيمان إقرارٌ وهداية، فالإقرارُ صنعُ العبد، وهو مخلوقٌ، والهدايةُ صنعُ الربِّ، وهو غيرُ مخلوقٍ (١). وقال الشافعيُّ ﵀: يزيدُ وينقُص. ثمَّ إِنَّ الإيمانَ والإسلامَ شيءٌ واحدٌ، والاسمانِ من قبيل الأسماءِ المترادفةِ، وكلُّ مؤمنٍ مسلمٌ، وكلُّ مسلمٍ مؤمنٌ، ووجودُ أحدِهما بدونِ الآخرِ مُحَالٌ؛ إذ هما جميعًا اسمٌ لشيءٍ واحدٍ كالقعودِ والجلوسِ، وهو الصحيحُ، خلافًا لأصحابِ الظواهرِ. ومن لوازم الإيمان: الخوفُ والرجاءُ، والأمن واليأس يستلزمان الكفر، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] وقال الله تعالى: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. والإيمانُ فرضٌ بالملائكة، فإنَّهم (٢) عبادُ الله الكرام. وخواصُّ بني آدم - وهم المرسلون - أفضل من جملةِ الملائكة، وعوامُّ بني آدم

стр. 64

من الأتقياء أفضلُ من عوامِّ الملائكة، وخواصُّ الملائكة أفضلُ من عوامِّ بني آدم ﵇. والإيمانُ فرضٌ بجميع الكتب السماويّة، ونقول: آمنّا بالله وبما أنزل إلينا وبما أنزل لجميع (١) الأنبياء، ولا نفرِّق بين أحد منهم، وما ينقلُه أهلُ الكتابِ من التوراةِ والإنجيل والزبورِ أو (٢) غيرِها من الصُّحفِ إن وافقَ كتابَنا أو سنّةَ نبيِّنا ﵇ نقبَلُهُ ونصدّقُهُ، وإلا فنردُّهُ، ولا يجوزُ لنا مطالعهُ كتبِهِم. والقرآنُ كلام الله تعالى غيرُ مخلوقٍ، والحبرُ والكاغدُ والكتابةُ من أفعال العبادِ. فلمّا (٣) كان الفاعلُ مخلوقًا فكان فعلُه أَوْلَى أن يكون مخلوقًا، وكلامُ الله تعالى ليس من جنسِ الحروفِ والأصواتِ، قديمٌ قائمٌ بذاته، ومعناهُ مفهومُ هذه (٤) الكلماتِ والآياتِ. وكراماتُ الأولياء جائزةٌ لتكون معجزةً لنبيِّه (٥)، حيث حصلَ هذا التشريفُ لمتابِعِهِ (٦) ببركةِ متابعتِه. ويجوزُ ذهابُ السيئاتِ بالحسناتِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].

стр. 65

ولا يجوزُ أن تَبطُلَ الحسناتُ بشؤمِ المعاصي إلّا بالكفرِ. ومرتكب الكبيرة عمدًا (١) غير مستحلٍّ لها ولا مستخفٍّ بمن نهى عنها لا يخرجُ من الإيمان؛ لبقاء التصديق. ولا يخرجُ أحدٌ من الإيمان إلّا من الباب الذي دخل فيه (٢). وأفعال العباد مخلوقةٌ الله تعالى، لا خالق لها سواه. والخير والشرُّ من الله تعالى. والحرام رزقٌ، وإنما يعذَّبُ آكلُه لمخالفته نهي الله تعالى باختياره. والمقتول ميِّت بأجله، والموتُ يوجد في المقتول بتخليق الله تعالى، وليس للقاتل فيه اختيارٌ، وإِنَّما يجب عليه القصاص أو الدية وكذا ضمان المتلفات؛ لمخالفته نهي الله تعالى اختيارًا بمباشرة السبب. والله تعالى لا يُبدِّل سنّته الجارية، وقال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٣]، وقد أجرى سُنَّته بخلق الموتِ والتلفِ عند مباشرة سببهما، والعبد منهيٌّ عنهما؛ فتُوجَّه عليه الدية (٣) والغرامة في الدنيا والعقوبة في الآخرة؛ لمباشرته المنهيَّ (٤). والمعاصي توجد بقضاء الله تعالى وتكوينه، وتقديره ومشيئته، لا برضائه وإذنه، والخيرات توجد بقضاء الله تعالى وتكوينه وتقديره ومشيئته ورضائه وإذنه (٥).

стр. 66

والموت مكتوبٌ على أهل الأرض والسماء، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥] إلا سكانَ الجنان والنيران من الغلمان والحُور والرضوان والزبانية والحيات والعقارب … وغيرها، فإنَّها خلقت للبقاء. وإذا مات ابنُ آدم ودُفِن يعيدُ الله تعالى الحياة فيه، بحيث يَعقِلُ السؤال ويقدِرُ على (١) الجواب، وإذا (٢) مات في البحر أو أكلَهُ السَّبُعُ (٣)؛ فهو مسؤول. والأصحُّ: أنَّ الأنبياء ﵈ لا يُسألون (٤). ويعذَّب في القبر الكفار وبعضُ العصاة من المؤمنين، من شاء الله تعذيبه. ثمَّ يحشرُ الله تعالى الأجسادَ ويحييها يوم القيامة، ثم يقرأ كُتُبَ أعمالهم، وهي كُتبٌ كتبها الملائكةُ الحَفَظةُ ﵈ أيام حياتهم. ويوضع الميزانُ، وهو عبارةٌ عما يُعرف به مقادير الأعمال، وتوزن أعمالهم خيرًا كان أو شرًا. ويوضع الصراطُ؛ وهو جسرٌ ممدود على متن جهنم، أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف، يمرُّ عليه الخلائق.

стр. 67

ثم يُدخِل الله تعالى أهلَ الجنَّةِ الجنَّةَ بفضله، ويُكرمهم بأن يُرِيَهُم ذاته تعالى وتقدّس من غير كيفٍ ولا تشبيهٍ. ويَرون أهلُ الجنة ذات الله تعالى بعيون رؤوسهم، لا في مكانٍ ولا في جهةٍ ولا ثبوتِ (١) مسافةٍ بين الرائي وبين الله تعالى (٢). ويُدخِلُ أهلَ النّارِ النّارَ بعدلِهِ، ويجوز أن يعفو بكرمه، أو بشفاعة النَّبيِّ ﵇، أو بشفاعة بعض الأخيار، عمَّن يستحقُّ النار بالذنب لا بالكفر، فإن العفو عن الكفر لا يجوز (٣). والجنَّةُ والنّارُ مخلوقتان اليوم، ولا فناءَ لأهليهما أبدًا. وبهذا القدْر اكتفينا من مسائلِ أصول الدين؛ لضيق نطاق المختصَرِ. * * * وإذا عَرَفَ المكلَّفُ صانعَه ووحَّدهُ بالدليل كما ذكرنا: فقد نجا من مزلَّة (٤) التقليد، وأحكم إيمانه بالتحقيق. وبعدَه يُفترَضُ عليه طلبُ علمِ ما يجبُ عليه من الصلوات الخمس، وفي اسم الصلاة ما يدلُّ على أنها تاليةُ الإيمانِ؛ لأنَّ المُصلِّي هو التالي للسابق.

стр. 68

ولا يتيسر أداؤها للعاقل البالغ القادر إلا بعد الطهارة، فيجب له (١) علم (٢) أحكام الطهارة؛ لأنَّ ما لا يُتوصَّل (٣) إلى الواجب إلا به يجبُ كوجوبه، فبيَّنتُ فيه أحكام الطهارة وأنواعها، وفرائضَ الصلاة وواجباتها وسنَنَها وآدابها؛ ليكونَ عَونًا على طاعة خالقه ورازقه، وتقرُّبا (٤) إلى رضاه ورحمته. وألتمسُ ممن رأى غير ما استخرجه خاطري (٥) السقيم -فإنَّ في الكلام وجوها، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ - أنْ يُصلِحَ الزلل، ويستبدل (٦) الخلل؛ لأني شرعتُ مع قلة البضاعة والعُدّةِ في هذا الأمر الصعب المنيع السُّدة (٧)، مستعينا بالله الميسِّر لكلّ عسير، وهو نعم المولى ونعم النصير. وأسألُ الله تعالى أن يجعل ما قصدته ونويته خالصا لوجهه، ومقرِّبًا من رحمته، وأن يغفر لي ولوالدي ولأستاذي إنه هو الغفور الرحيم. * * *

стр. 69

الباب الثاني في الطهارة والسواك وأحكام المياه اعلم أنَّ سبب وجوب الوضوء: الصلاة، وهو الأصح، يؤيده قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. ففرضُ الطهارة: - غسل الوجه. - واليدين. - والرجلين إن كانتا حافيتين. - مع المرفقين والكعبين. - ومسح الرأس. كذا ذكرهُ في "القُدوري" و "الهداية" … وباقي كُتب الفقه طُرًّا. وسُننها: - غسل اليدين إلى الرسغ. وذكر في "نهاية الكفاية في دراية الهداية" لتاج الشَّريعة (١): أنَّ المراد منه: تقديمُ

стр. 70

غسل اليدين، لا نفسَ الغَسْلِ فَإِنَّهُ فرضٌ (١). والرُّسغُ: مُنتَهى الكف عند المفصل. - وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء، هذا مختار الطحاوي والقدوري، كذا ذكر في "العناية شرح الهداية". والأصح: أنَّ التسمية مُستحبَّةٌ (٢)، كذا في "المبسُوط" و "الهداية" و "شرح تاج الشريعة".

стр. 71

وذَكرَ في "فتاوى الظهيريَّة": أنَّ التَّسمية في ظاهر الرواية أدبٌ، فإنَّها ذُكرت بلفظ الاستحباب، والصحيح أنها سنة. "هد" يُسمّي قبل الاستنجاء وبعده، هو الصحيح. -والسواك. -والمضمضة. -والاستنشاق. -ومسحُ الأُذُنين. -وتخليلُ اللِّحية والأصابع. -وتكرار الغسل إلى الثلاث (١). "تف" أما تخليلُ اللحية: فهو من الأدب عند أبي حنيفة ومحمد. وعند أبي يوسف: سنَّةٌ، كذا ذكر أيضًا في "النهاية" و "فتاوى الظهيرية". وهكذا ذكر محمدٌ ﵀ في الآثارِ (٢). وذكر في "تحفة الفقهاء": أنَّ الموالاة من سُنن الوضوء، وهو أَلَّا يَشتغلَ بَينَ أفعالِ الوضُوءِ بعمل ليسَ منه.

стр. 72

وعند مالك: الموالاة فرضٌ، كذا في "تحفة الفقهاء" (١) و "فتاوى الظَّهيريَّةِ"، إلّا أنَّ فى "الظهيريَّة" ذَكرَ أنَّ المولاة عند الشافعى أيضًا فرضٌ (٢). "هد" مستحبُّها (٣) أن ينوي الطَّهارة ويستوعب رأسه بالمسح ويرتبَ الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن كذا في "القُدوري". - والنيَّة في الوضوء: سُنَّةٌ عندنا. وعند الشافعي: فرضٌ. وذكر في "خُلاصة الفتاوى": أنَّ الكرخيَّ أَشارَ في كتابه: أنَّ من ترك النيَّةَ في الوضوء فقد أساء وخالف السنة، وهكذا قال المتقدمون، خلافًا لبعض المتأخرين (٤).

стр. 73

- والاستيعاب في المسح: سنةٌ، كذا في الهداية والكنز وغيره (١). "هد" الترتيب المنصوص في الوضوء: سُنَّةٌ عندنا، كذا أيضًا في "الكنز". وعند الشافعي: فرضٌ (٢)، كذا في "الهداية" و "الكافي". وإذا أراد الوضوء: يبدأ بالنيَّة، ينوي بقلبه ويقول بلسانه: نويتُ أن أتوضّا للصلاة (٣)؛ رفعًا للحدث، وتقرُّبًا إلى الله تعالى. [وهي مستحبَّةٌ عندنا في الوضوء والغُسلِ. وعند الشافعي: فرضٌ، كذا في "الكافي"] (٤). وذكر في "الكفاية": الأفضل أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم (٥). "نه" المنقول عن السلف في التسمية: بسم الله العظيم، والحمد لله على دينِ (٦) الإسلام" (٧). "قن" لو قال في ابتداء الوضوء: لا إله إلا الله، أو: الحمد الله، أو: أشهد أن لا إله إلا الله، صارَ مقيمًا لسنَّةِ التسمية، كذا رُوي عن الإمام صاحب "المحيط" (٨).

стр. 74

- ثم يغسل يده ثلاثًا، ويقول: الحمد لله الذي جعل الماء طهورًا، والإسلام نورًا (١). "مص" لو كان في يد المتوضِّئ نجاسة رطبة يأخذُ عُروة القُمْقُمَةِ (٢) كلَّما صبَّ الماءَ فإذا غسل يده ثلاثا: طَهُرَت اليد والعروة. "قن" المسألة بحالها إذا وضع يده من العُروة في كلِّ مرَّة في غير موضع المرَّةِ الأُولى: فالعُروة لا تَطهُرُ مع طهارة اليد. "مم" إنْ عَجَز عن الوضوء لشقاقٍ (٣) في يده يستعين بغيرِهِ ليُوَضِّئَهُ، وإِنْ تَيَمَّمَ ولم يستعن: جازَ. "مص" إن وجد ولم يستعن: جازَ تيمُّمُهُ عند أبي حنيفة، وإن لم يجد من يُوَضِّئُهُ: جاز بلا خلاف.

стр. 75

"قن" يلزم الوضوء للأقطع (١). - ثم يستاك، وسنذكرُ كيفية استعمال السِّواك، مُستوفًا بعد ذكر الطَّهارة إن شاء الله تعالى. - ثم يتمَضْمَضُ فمَهُ (٢) ثلاثًا، ويُوصل الماء إلى جميع فمه، ويقولُ: اللهم أعنِّي على تلاوة ذكرك وشكرك وحسن عبادتِكَ وقيام طاعتِكَ. - ثم يستنشق ثلاثًا بيده اليمنى، ويتمخَّط (٣) بيده اليسرى، ويقول: اللهم ريحني رائحة الجنَّةِ وارزُقني نعيمها (٤) ولا تريحني رائحةً منَ النَّارِ (٥).
следующие страницы →