← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30009

الجواهر من فقه الحنفية

سعد غدبوش

Полный текст (627 стр.). Показаны 596–627 · переход к 601.

стр. 596

"اللهُمَّ، قوِّم (١) أطفالَ التوبَةِ بنباتِ (٢) الصبرِ، وارفْق بمرضَى الهوَى في مارستانِ (٣) البلاءِ، وافتحَ مَسامِعَ الأفهامِ لِقَبولِ ما يَنفَعُ، وسلِّمْ (٤) سيّارَةَ الأفكارِ من قُطَّاعِ طريقِ الوسواسِ، وأخِرسْ (٥) طلائعَ المجاهَدَةِ من حَدِيقَةِ كمينِ الخنّاسِ، وأخرجنا إلى نُورِ اليقينِ من هذا الظلامِ، ولا تجعلْنا ممَّن رَأَى الصبحَ فنامَ، ولا تفضَحْنا بعيوبِنا، ولا تؤاخِذْنا بعدَدِ (٦) ذنوبِنا، برحمتِكَ يا أرحَمَ الراحمينَ". ثمَّ اعلمْ أيُّها الأخُ التائبُ الطالِبُ: أنَّ الإنسانَ له ظاهرٌ، وهو القالَبُ، ولَه باطنٌ (٧)، وهو القلبُ. - والظاهِرُ: محلُّ أحكام الشريعةِ كما تلَونا. - والباطِنُ: محلُّ أسرار الطريقةِ، والإنسانُ (٨) بقلْبِهِ لا بقالَبِهِ. قيلَ نظمًا: أَقبِلْ على القلبِ واستكمِلْ فضائِلَهُ … فأنتَ بالقلبِ لا بالجسمِ إنسانُ وإِنَّما تَشرَّفَ الآدميُّ بتَشريفِ القلبِ (٩)، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ بباطنِهِ لا

стр. 597

بظاهرِه؛ لأنَّ قلبَهُ مَحلُّ الخِطابِ الذي تميَّزَ به عن (١) سائِرِ الحيواناتِ، فينزِلُ (٢) القالَبُ منزلةَ القلبِ القشرَ من اللبِّ، ولا يَبعُدُ، فإنَّ القلبَ إنَّما سُمِّي (٣) لُبًّا؛ لكونِهِ مقصودًا. وكذلك الجوزُ واللوزُ وأمثالُهُما المقصودُ منهُما اللبُّ دونَ القِشرِ، ولا وُصولَ إلى اللبِّ إِلَّا بِكَسرِ القِشرِ، ومَنْ قَنِعَ بالقشرِ عن اللبِّ، فاشتَغَلَ (٤) بِتزييِنِه، فهوَ كصبيٍّ يلعبُ بالجَوْزِ، ويستَأنِسُ بقشرِهِ، ويغفلُ عن لُبِّهِ. وَرُبَّما يُزيَّنُ القِشرُ بألوانِ الحُمرَةِ والصفرَةِ … وغيرِهما، فيُتلى عليه قولُه تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ (٥) … ﴾؟ الآية [الحديد: ٢٠]. ومَن عَرَفَ المقصودَ من الجوزِ (٦) هو اللبُّ: لا يُبالي بِكسرِ القِشرِ؛ تحقيقًا للوصولِ إلى القلبِ (٧)، فإن كُنتَ أردتَ أن تَصِلَ إلى لُبِّكَ، وهو قلبُكَ الذي هو عَرْشُ رَبِّكَ، كما قالَ اللهُ تعالى: "لا يَسَعُنِي أرضِي ولا سمائِي، وإنَّما يسعُنِي قلبُ عبدِيَ المؤمنِ": فَعَليكَ بكَسْرِ ظاهِرِكَ، وقَهرِ نَفْسِكَ بحجرِ الرياضةِ، ومُخالفَةِ النفْسِ، وحِرمانِ مُشتهياتِها (٨).

стр. 598

ويُشيرُ إلى (١) ذَلِكَ رَسولُ اللهِ ﷺ بقولِه: "موتُوا قبلَ أن تَموتوا" (٢)، وهو قِتالٌ. وجِهادُها في الله، فهو أمرٌ لازمٌ على الطالبِ، وحقٌّ واجبٌ على السالكِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨]. وحقيقةُ الجهادِ: رَفعُ وجودِ (٣) المجازيِّ، فإنَّهُ (٤) الحِجابُ بينَ العبدِ والربِّ، كما قيلَ: وجودُكَ ذنبٌ لا يُقاسُ لهُ ذَنبٌ. وكما قالَ ابنُ منصورٍ:

стр. 599

بَيْنِي وَبَينَكَ (إِنِّي) تُزاحِمُني (١) … فارفَعْ بجودِكِ (إنِّي) مِنَ البَيْنِ (٢) كما في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢١٦]؛ يعني: تكره (٣) النفسُ رَفعَ وجودِها. ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: فيه خيرُ النفسِ، بأنْ يتبدَّلَ أوصافُ الوجودِ الحقيقيِّ، وهو قولُهُ تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ (٤) وهو مُتابعاتُ (٥) النفسِ (٦) بِحرمَانِها عن السعادةِ (٧) الأبديَّة، واللذَّاتِ (٨) الروحانيَّةِ، وذَوقِ المواهِبِ الربانيَّةِ. قولُهُ (٩) تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أَنَّ في كراهةِ النفسِ (١٠) ما أودَعَ من راحةِ القُلوبِ. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنَّ حياةَ القُلوبِ في موتِ النفسِ (١١).

стр. 600

كما (١) قالَ إبراهيمُ الخوَّاصُ (٢): النفسُ صَنَمٌ، فَمَن عَبَدَ الصَنَمَ (٣): فهُوَ كعبدِ (٤) الصنَمِ، ومَن عَبَدَ اللهَ بالإخلاصِ: فهو الذي قَهَرَ نَفْسَهُ. وقالَ سُليمان بن داود ﵉: إِنَّ القاهِرَ لِنَفْسِهِ أَشَدُّ مِمَّن يَفتَحُ المدينةَ وَحْدَهُ. وقال أبو يزيدَ (٥): من أماتَ نَفْسَهُ يُلفُّ في كَفَنِ الرحمَةِ، ويُدفَنُ في أَرضِ الكَرَامَةِ (٦). وقال الواسطيُّ (٧): السلامةُ (٨) في مُخالفَتِها البلاءُ (٩) في مُتابَعَتِها (١٠)، الطريقُ

стр. 601

لا يَسلُكُهُ (١) إِلَّا (٢) المُجاهدُ (٣)، وقَاطعُ (٤) عَقبَاتِ النفسِ، وفي الطريقِ أخطارٌ ومَخاوفُ، فيها لصوصُ الشهَواتِ، والهواجسُ النفسانيَّةِ (٥)، وعَقَباتُ الأخلاقِ البهيميَّةِ والسبُعِيَّةِ، وفى كلِّ منزلٍ (٦) من منازِلِهِ حَيَّاتُ الأغيارِ وعقاربُ الأقاربِ، بَل أَضَرُّ مِنَ العقاربِ. وظُلمَةُ قساوةِ القلبِ أشَدُّ مِن ظُلمَةِ الليلِ البهيمِ، وفي كُلِّ وادٍ مِن أوديَتِهِ (٧) السباعُ المُهلِكَةُ المتهتِّكِ (٨) الضارَّةُ، وهِيَ الأخلاقُ الذَّمِيمَةُ: وهي حُبُّ الرئاسَةِ والعِزَّةِ، وذِئبُ الشَرَةِ على الفسادِ، وثعلبُ (٩) حِيَلِ الشيطانِ، وثُعبانُ نِفاقِ خُوّانِ الإخوانِ، وعَقَارِبُ طَعَنِ المعارِفِ ذاتِ الشمالِ. فكيفَ يَتَيسَّر للقلبِ العُبورُ على هذِه الأعداءِ (١٠)، وقُدَّامُهُ رَفيعُ المُرتَقى؛ كُلَّما زَلَّ عنهُ قَدَمُ سائرٍ سالكٍ: فإلى أمُّهُ هاويةٌ، وما أدراكَ ما هيَ، نارٌ حاميةٌ (١١)، وكُلَّما

стр. 602

ترقَّى درجةً فظنَّ أَنَّه قَرُبَ (١): بَعْدَ، وأُلْقِيَ بِلَمْحَةٍ مِن ذُروَةِ الجبلِ إِلى حَضِيضِ ما كانَ فيهِ مُنذُ سِنِينَ. ألا يا أيُّها (٢) الطالبُ (٣)، قدْ ضلَّ في هذا الطريقِ خَلقٌ عظيمٌ مِنَ العبادِ المُتَّقِينَ، وأَعِزَّةِ السالكينَ، إِلَّا عِبادَ اللهِ المُخلَصينَ، المُتَشبِّثِينَ بأذيالِ المُرشِدينَ، ولهذا أَمَرَ اللهُ تعالى بِطَلَبِ المُرشِدِ وقال (٤): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وقال أهلُ التحقيقِ: المُرادُ مِنَ الوسيلةِ: المُرشِدُ، فقالَ ﵇: "الرفيقُ ثمَّ الطريقُ" (٥)، وقالَ الشيخُ أبو عليٍّ الروذباريُّ (٦): لو أَنَّ رَجُلًا جَمَعَ العلومَ كُلَّها، وصَحِبَ طوائِفَ الناسِ، لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الرجالِ إلَّا بالرياضةِ بأمرِ شيخٍ مُرشِدٍ. ومن لم يأخُذ أدَبًا ظاهِرًا، ومُراقَبَةً باطنةً (٧) مِن مُرشِدٍ يُريدُ به (٨) عُيُوبَ أعمَالِه (٩)، ورُعوناتِ نَفْسِهِ: لا يَحصُلُ لهُ السلوكُ.

стр. 603

ومن اشتغلَ بالسلوكِ بِلا مُرشدٍ، كَمَن شَهِدَ معركةَ القِتالِ بِلا سلاحٍ، ورامَ أن يَصعدَ إلى (١) الهواءِ بِلا جَنَاحٍ. ثُمَّ أعلم أيُّها الطالِبُ: لا يَحصلُ لكَ المقصودُ، إِلَّا بِمُتابَعَةِ النبيِّ ﵇، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ثُمَّ اعلمْ أنَّ الحقيقةَ نتيجةُ الطَّريقةِ، والطَّريقةُ نتيجةُ الشَّريعةِ (٢)؛ يعني: إذا عمِلْتَهُ بما هو أقربُ إلى الورعِ والتَّقوى مِن (٣) غيرِ ملاحظةِ (٤) الرُّخصَةِ: يَظهرُ مِنها آثارُ الطريقةِ، وإذا انفتَحتِ الطريقةُ: يَظهرُ مِنها أسرارُ الحقيقَةِ. فيقولُ (٥) الفقيرُ الذليلُ المُحتاجُ (٦) إلى رحمةِ (٧) اللهِ تعالى: كُنتُ بمحروسةِ (٨) خوارزمَ في أيَّامِ رمضانَ، بحضرةِ شيخِي ومُرشِدِي، وبِمنزلةِ رُوحِي في جَسَدي، سألوا عن الشريعةِ والطريقةِ والحقيقةِ، قال الشيخُ: إذا أكلَ الصائمُ عمدًا يَبطُلُ صَومُهُ في الشريعةِ، وإذا اغتابَ يَبطُلُ صَومُهُ في الحقيقةِ (٩)، [فإذا خَطَرَ بِبالِهِ ما سِوى اللهِ يُفطِرُ (١٠) صَومُهُ في الحقيقَةِ] (١١).

стр. 604

فلا يكونُ (١) الوقوفُ على أسرارِ الحقيقةِ، إلَّا بإتيانِ الأعمالِ المبيَّنةِ ببيانِ لسانِ صاحِبِ الشرعِ؛ لأنَّ كُلَّ طريقةٍ تُخالِفُ الشريعَةَ: فهِيَ كفرٌ، وكُلَّ حقيقةٍ لا يَشهدُ عليها الكتابُ والسنَّةُ: فهوَ إلحادٌ وزندقةٌ (٢). ومَن زَعَمَ أَنَّ العُبورَ من حُجُبِ البشريَّةِ، والوقوفَ على أسرارِ الطريقةِ والحقيقةِ بغيرِ رياضةٍ بأمرِ مُرشِدٍ، وبِما (٣) يُخالِفُ الشَّريعةَ: فقد غلبَ عليهِ الضلالُ (٤) والنسيانُ، واستهواهُ (٥) الشيطانُ في الأرضِ حَيرانَ، حتَّى أوقَعتْهُ (٦) في أوديةِ الهِجرانِ، وأهلكَتْهُ في قيعانِ الخُسرانِ، وأسكنَتهُ في مَسكَنِ الخذلانِ، وأَغوَتهُ في بيداءِ الفِراقِ، ومالَهُ في الآخرةِ من خَلَاق.

стр. 605

ثُمَّ اعلمْ أيُّها الطالبُ المُرتاضُ، فَعليكَ بأربعةِ أُمُورٍ الجوعُ والسهرُ والصمتُ والخَلوةُ. أمَّا الجوعُ: فإنَّه يُنقِصُ دَمَ القلبِ؛ فيُبَيِّضُهُ، وفي بياضِهِ نورٌ يُذيبُ (١) شحمَ الفؤادِ، وفي إذابَتِهِ ورِقَّتِهِ مفتاحُ المكاشَفَةِ، كما أنَّ قَسوتَهُ سَبَبُ الحِجابِ، ومهْمَا نَقَصَ دَمُ القلبِ ضاقَ مِنْهُ مَسالِكُ العدوِّ، فإنَّ مجاريهِ العروقُ الممتلئةُ بالشهواتِ (٢). وقال عيسى ﵇: "يا معشرَ الحواريينَ، جَوِّعُوا بُطُونَكُم، لعلَّ قُلوبَكُم تَرَى ربَّكم" (٣). قال (٤) سهلٌ (٥): ما صارَ الأبدالُ أبدالًا، إلا بأربَعِ خِصالٍ: إخماصِ البُطُونِ، والسهرِ، والصمتِ، والاعتزالِ عن الناسِ. وفائدةُ الجوعِ في تنويرِ (٦) القلبِ أمرٌ ظاهرٌ يحصُلُ لكَ (٧) بالتجربةِ.

стр. 606

ثمَّ أعلم (١) أيُّها الطالبُ السالِكُ: لا يحصلُ لكَ المقصودُ (٢)، إلَّا بعدَ تَصفيَةِ الباطِنِ، ولا يَحصلُ (٣) التصفيةُ إلَّا بعدَ انتفاءِ (٤) الهواجسِ الشهوانيَّةِ الشيطانيَّةِ، ولا يَنتفي (٥) الهواجِسُ (٦) الشيطانيَّةُ إلَّا بالجوعِ والعطشِ؛ لقولِهِ ﵇: "إنَّ الشيطانَ يَجرِي مِنَ ابنِ آدمَ مَجْرَى الدَّمِ" (٧)، فَضَيِّقوا مجراهُ بالجوعِ والعطشِ. وقال ﵇: "ضَحِكُ الجوعِ (٨) خيرٌ من بُكاءِ الشبعان" (٩). [وقال الحكماءُ: إذا جاعَتِ الأجسادُ: صارَتِ الأجسادُ أرواحًا، وإذا شَبِعَت: صارت الأرواحُ أجسادًا] (١٠).

стр. 607

وقال الشبليُّ ﵀ (١): ما جِعتُ للهِ يومًا إلَّا رأيتُ (٢) قَلبِي بابًا مفتوحًا مِنَ الحِكمةِ، ومَا (٣) رأيتُهُ قطُّ. وقال أهلُ الرياضةِ: إنَّ الشبَعَ يَسُّدُ بابَ المكاشفةِ للسالِكِ، والجوعُ والعطشُ يكشِفُها. قيل لأبي يزيدَ البُسطاميِّ ﵀: بِمَ نِلتَ هذه المعرفةَ؟ قالَ: ببطنٍ جائعٍ، وجسدٍ عارٍ. وقالَ بعضُ المشايخِ: إِنَّ الله تعالى ما جَذَبَ أحدًا (٤) مِنَ الأولياءِ إِلَّا بالجوعِ والعطشِ (٥). وَحُكي أنَّ (٦) إبراهيمَ بنَ أدهمَ (٧):

стр. 608

إذا جاعَ نادَى بأعلى صوتِهِ (١): أين مُلوكُ الأَرضِ مِنْ هذا الطرَبِ؟! وقالَ مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الرازيُّ (٢): سَمِعتُ أبا (٣) محمَّدٍ الحريريَّ (٤) يقول: سَمِعتُ الجنيدَ يقولُ: ما أخذْنا التصوُّفَ من القيلِ والقالِ، ولكن أخذناهُ عن الجوعِ وتركِ الدنيا، وقطعِ المألوفاتِ والمُستحسناتِ، ومَن ظَنَّ أَن يَبْلُغَ مقصودًا، أو يَجِدَ مطلوبًا؛ لا مِنْ طريقةِ متابعةِ أهلِ (٥) السنَّةِ والجماعةِ: فهو مغرورٌ ومخذولٌ (٦). وأمَّا السهرُ: فإِنَّهُ يَجْلو القلبَ ويُصفِّيه، ويُنوِّرُهُ، ويَنضافُ إلى الصفَاءِ الذي حصلَ (٧) من الجوعِ، ويصيرُ القلبُ كالكوكبِ الدرِّيِّ، والمِرآةِ المجلوَّةِ، فَيَلوحُ فيه جمالُ الحقِّ، ويُشاهِدُ فيه رَفيعَ الدرجاتِ في الآخرةِ، وحقارةَ الدنيا وآفاتِها، فيُتِمُّ به رغبَتَهُ عنِ الدنيا، وإقبالَهُ على الآخرةِ. والسهرُ أيضًا نتيجةُ الجوعِ، فإنَّ السهرَ مَعَ الشِبَعِ غيرُ ممكنٍ، والنومُ

стр. 609

يُقسِّي القلبَ ويُميتُهُ؛ إلَّا إذا كان بِقَدْرِ الحاجةِ أو الضرورةِ (١)، فيكونُ سببَ المُكاشفةِ لأسرارِ الغيبِ. فقدْ قيلَ في صفةِ الأبدالِ: إنَّ (٢) أكلَهُم فاقةٌ، ونومَهُم غَلبَةٌ، وكلامَهُم ضرورةٌ. وقال إبراهيم الخوّاصُ: اجتمعَ رأيي ورأيُ (٣) سبعينَ صدِّيقًا على أنَّ كثرةَ النومِ مِنْ كَثرَةِ شُربِ الماءِ، وكثرةُ شُربِ الماءِ من كثرةِ الأكلِ. وكان وصيةُ شيخِي ومُرشِدي بِمنزلةِ رُوحي في جَسِدي لمريديهِ بِتركِ شُربِ الماءِ في بابِ (٤) الرياضةِ، وكانَ بَيْنَ إخواننا سالكونَ مَا شَرِبَ (٥) الماءَ مُدَّةً مديدةً، وزمانًا بعيدةً، وفي سببِ المُكاشفَةِ له أثرٌ عظيمٌ (٦).

стр. 610

وأمَّا الخلوةُ: هي تَركُ مُخالطةِ الخَلقِ بالانزواءِ والانقطاعِ، وأصلُها: منعُ الحواسِ بالخَلوةِ عن التصرُّفِ في المحسوساتِ، فإنَّ كلَّ (١) آفةٍ وقَعَتْ، وبلاءٍ ابْتُلِيَت (٢) يَدخُلُ مِن رُؤيَةِ النفسِ (٣) الحواسَّ، وبها تصيرُ النفسُ خبيثًا (٤) شقيًّا. فَبِمجاورةِ النفسِ الخبيثةِ (٥) الروحَ صارَ (٦) الروحُ النفيسُ خسيسًا (٧)، فاستحسنَ ما استحسَنَتْهُ (٨) النفسُ، واستلذَّ بما استلذَّتْ (٩) بِه النفسُ، واستمتعَ من المراتِعِ الحيوانيَّةِ، فانقطعَ عنهُ الأغذيةُ الروحانيَّةُ، ونَسِيَ حظائرَ القدسِ وجِوارَ الحقِّ في رياضِ الأُنسِ. فبالخلوةِ وعزلِ الحواسِّ ينقطعُ مددُ النفسِ عن أسبابِ الشِقاوةِ والخساسةِ، والشيطانُ بإعانةِ الهواءِ والشهواتِ (١٠)، ويجتمعُ (١١) القلبُ عن التفرقةِ (١٢)

стр. 611

ويحصلُ منهُ (١) الحضورُ، وهوَ سببُ العبورِ. وقال المشايخُ: من علامةِ الإفلاسِ الاستئناسُ بالناسِ. كذا قالَ السلفُ في الزمانِ الذي كانَ (٢) العِلمُ والعملُ مملوءًا، وأحكامُ الشريعةِ مرعيًّا، وطرقُ الطريقَةِ مسلوكًا، وأمَّا في زمانِنا هذا قد تطايرَتْ شراراتُ الشرورِ، وطَلَعَ فجرُ الفجورِ، وغابَ شَفَقُ الشفقةِ، ورَكَنَت أعلامُ العلومِ بالانتكاسِ، وأشرَفَتْ مناهجُ الطريقةِ على الاندراسِ والانطماسِ (٣). فعليكُم - أيُّها الإخوانُ والخِلانُ - في هذهِ الأحوانِ (٤)، باختيار الانفِرادِ والعُزلَةِ، واستبشار (٥) الانزواءِ والخَلوةِ، ويُشيرُ على ذلك ما رُوِيَ عن أبي (٦) يوسفَ بنِ أسباطٍ (٧) ﵀ (٨) قالَ: سمعتُ النَّوَرِيَّ (٩) يقولُ: واللهِ الذي لا إلهَ إلَّا هوَ لقدْ حلَّتِ العُزلَةُ في هذا الزمانِ.

стр. 612

قال الإمام فخرُ الإسلامِ (١) محمدٌ الغزاليُّ: لقدْ (٢) حلَّتِ العُزلَةُ في زمانِهِ، ففي (٣) زمانِنَا هذا وَجَبَتْ وافتُرِضَتْ. وعن سُفيانَ ﵀: أَنَّهُ كَتَبَ إلى عبَّادٍ الخوّاصِ: أمَّا بعدُ، فإِنَّكَ في زمانٍ كانَ أصحابُ النبيِّ ﷺ يَتعوَّذُونَ باللهِ مِنْهُ مِنْ أن يُدرِكُوهُ فيما بَلَغَنا، ولهمْ مِنَ العلمِ ما لَيْسِ لنا، فكيفَ بِنا حينَ أدركناهُ على قلَّةِ علمٍ، وقلَّةِ صبرٍ، وقِلَّةِ أعوانٍ على الخيرِ، وكَدَرٍ فاسدٍ (٤) بينَ (٥) الناسِ؟! وقال بعضُ السالكينَ (٦): العُزلَةُ ضَمادٌ يَلتَئِمُ به جراحاتُ تَفرِقَةِ الخواطرِ (٧)، وذِكْرُ اللهِ شِربَةٌ تَشفِي مرضَ القلبِ. كما قال (٨) الكاملُ المكمَّلُ نجمُ الدينِ الكُبَرَاءُ (٩): أَنَّ كلمةَ (لا إلهَ إِلَّا اللهُ)، معجونٌ مركَّبٌ مِنَ النفيِ والإثباتِ، فالنفيُ (١٠).

стр. 613

كالمُسهِّلِ يَزِيدُ (١) الموادَّ الفاسدةَ التي تَولَّدَ منها مرضُ القلبِ، وقيودُ الروحِ، وتقويةُ النفسِ، وبإثباتِ (إِلَّا اللهُ): يَحصُلُ لهُ (٢) صحَّةُ القلبِ والسلامةُ عَنِ الأخلاقِ الذمِيمَةِ (٣) بانحرافِ مزاجِهِ الأصليِّ. وقال الحسنُ البصريُّ: بينَا (٤) أطوفُ في أزقَّةِ البصرةِ مع شابٍّ عابدٍ سالكٍ مُرتاضٍ (٥)، إذا أنا بطبيبٍ جالسٍ على الكرسيِّ، وبينَ يديهِ رجالٌ ونساءٌ وصبيانٌ، وكلُّ واحدٍ مِنهُم يَستوصِفُ دواءَ دائِه. قالَ: فتقدَّم الشابُّ (٦) إلى الطبيبِ، فقالَ: هلْ عندكَ دواءٌ يشفِي مرضَ القلبِ؟ ويحصُلُ منه تَصفيةُ الباطنِ، قالَ (٧): نعمْ، خُذْ مِنِّي عَشَرة أشياء: خُذْ عُروقَ شجرةِ الفَقر، مع عروقِ شجرةِ التواضعِ (٨)، واجعل فيها إهليلجَ التوبةِ والإنابةِ إلى اللهِ تعالى، واطرَحْهُ في هاونِ الرِّضَى، واسْحَقْهُ بِمنجارِ صُوَّانِ (٩) القناعةِ، واجعَلْ في طِنْجِيرِ (١٠) التُّقَى والاعتقادِ، وصُبَّ عليهِ ماءَ الصدِق، واغلِهِ بنارِ المحبةِ والعشْقِ، واجعلهُ في قَدَحِ المسْكَنَةِ (١١)،

стр. 614

وروِّحْهُ بِمَرْوَحَةِ الرجاءِ، واشرَبْهُ بملعَقَةِ الإخلاصِ، فإِنَّكَ إِنْ شرِبتَ هذِه الشَّرْبَةَ تُزِيلُ (١) الموادَّ الناسوتيَّةَ، وتُثبِّتُ القوَّةَ اللَّاهوتيَّةَ، وتشفِي (٢) مرضَ القلبِ، ويحصُلُ (٣) تصفيةُ الباطنِ وتنويرُهُ. ثمَّ أعلم أيُّها الأخُ الطالبُ: أنَّه يجبُ على السالكِ أن يَجِدَّ غايةَ الجِدِّ والجَهْدِ في الانسلاخِ عَنِ الشهواتِ النفسانيَّةِ، ولا يحصُلُ القربُ إلى حضرةِ اللهِ تعالى إِلَّا بعدَ الانقطاعِ عَنِ الشهواتِ الظاهرةِ. كما حُكِي: أنَّ رجلًا (٤) جاءَ (٥) مِنَ المشايخِ حَضَرَ بابَ السلطانِ، والسلطانُ في حَرَمِهِ، فرأى الناسَ (٦) محجوبينَ عنهُ، إلَّا خادمًا كانَ يدخُلُ حرمَ السلطانِ متى شاءَ بلا حِجَابٍ، فسألَ (٧) عن حالِهِ (٨) وسببَ مَحرَمِيَّتِهِ بحَرَمِ السلطانِ؟ قالوا: لأنَّ آلةَ شهوتِهِ مقطوعةٌ عنْهُ، فهو خَصِيٌّ ومجبوبٌ. وقال (٩) الشيخُ: سبحانَ من أَشارَني ودلَّنِي على السلوكِ والقُربِ إِلى حَضْرَتِهِ بعدَ سبعينَ سنةً بخصيٍّ ومجبوبٍ (١٠)،

стр. 615

فمَنْ أرادَ القُرْبَ فعليه بتركِ (١) الشهوةِ النفسانيَّةِ، فإنَّ ارتكابَ الشهواتِ تسدُّ (٢) أبوابَ المكاشفاتِ. كما سُئِلَ ذو النون المِصريُّ ﵀: ما الذي احتَجَبَ بِهِ المُريدونَ عَنِ اللهِ تعالى؟ فقالَ: النفسُ بشهواتِها (٣)، والاشتغالُ بتَدْبيرِها. ثمَّ أعلم أيُّها الأخُ السالكُ: أَنَّ مَنبَعَ (٤) الشهواتِ حُطامُ الدنيا وحبُّها (٥)، فعليكَ بتجريدِ الظاهرِ من حُطامِها، وتخليةِ الباطنِ مِنْ حُبِّها (٦)، فلا يَغُرَّنَّكَ الظنُّ الفاسدُ في أنَّ الخوضَ في نعيمِ الدنيا بالأبدانِ لا يُوجِبُ محبَّتَها في الجَنَانِ. ويُبيِّن ذلكَ قولُ النبيِّ ﷺ أَنَّه قالَ: "إِنَّما مَثَلُ صاحب الدنيا كمَثَلِ الماشي في الماءِ، هلْ يستطيعُ الذي يَمْشِي في الماءِ ألّا تَبتلَّ (٧) قدماهُ؟ " (٨). وهذا يُعرِّفُكُ جهالةَ قومٍ ظنُّوا أنَّهم يخوضُونَ في نعيمِ الدنيا بأبدانِهم وقُلُوبُهُم عنها مطهَّرةٌ؛ وعلائِقُها عن باطِنِهم مُنقطعَةٌ، وذلكَ مكيدةُ (٩) الشيطانِ، بل لو أُخرِجوا (١٠) ممَّا هُمْ فيهِ:

стр. 616

لكانوا مِنَ (١) المتَفَجِّعينَ لِفِراقِها، كما (٢) أَنَّ المشيَ في الماءِ يقتضي بللًا لا محالةَ يلتَصِقُ بالقدَمِ، فكذلكَ مُلابَسةُ الدنيا (٣) علاقةٌ وظُلْمةٌ في القلبِ، بل علاقةُ القلبِ معَ الدنيا تَمنَعُ حلاوةَ العبادةِ، ونُورَ الرياضةِ، وذَهابُ حلاوةِ (٤) العبادةِ مِنَ القلبِ علامةُ البُعدِ من اللهِ تعالى، نعوذُ باللهِ (٥). ألا يا أيُّها السالكُ ذلكَ كذلكَ، وأنا أحذِّرُكَ عن ذلكَ، فعليكَ بِتصفيةِ بالِكَ، وتحليَةِ (٦) بَلبَالِك (٧)، ترفعْ (٨) محبَّةَ مالِكَ، حتَّى تَنجوَ مِن أعظَمِ المهالِكِ، وَيَسهُلُ لكَ العبُورُ (٩) عَنِ الحُجُبِ في المسالكِ.

стр. 617

ومن الرياضةِ (١) السفرُ الظاهرُ (٢) في تهذيبِ الأخلاقِ والآدابِ، وقالوا: لكلِّ شيءٍ دباغةٌ، ودِباغةُ الرجُلِ غُربَتُه، والسفرُ الظاهِرُ أَن يَمنَعَ البدنَ عن (٣) فائِدَتِهِ، فالنفسُ في الوطنِ لا تُظهِرُ (٤) خبائِثَ أخلاقِها؛ لاستِئْنَاسِها بما يُوافِقُ طَبعَها من المألوفاتِ المعهودةِ. وإذا (٥) امتحِنَتْ بمَشَاقِّ الغُربَةِ، وانكشفَتْ غَوائِلُها، يحصلُ (٦) الوقوف على عيوبها، فيُمكِنُ الاشتغالُ بعَلائِقِها (٧)، ويقالُ: أسفَرَ الصبحُ إذا تنوَّرَ فظهرَ (٨) الأشياءُ سُمِّيَ بذلكَ؛ لأنَّه يُسفِرُ عَنِ (٩) المسافرِ؛ أي: يُظهِرُ ويَنكَشِفُ الأخلاقُ المقبولَةُ من المذمومَةِ. وإذا سافَرَ المسافرُ تاركًا حظَّ الدنيا (١٠): تطيبُ (١١) النفسُ وتلينُ، وتكونُ لها بالسفر دِباغةٌ حَتَّى تَذهَبَ (١٢) عنه الخشونةُ واليُبُوسَةُ والجِبلَّةُ (١٣) والعُفونةُ الطبيعيَّةُ،

стр. 618

كالجلودِ تَعودُ (١) من هيئةِ الجلودِ إلى هيئةِ الثيابِ، فتعودُ (٢) النفسُ مِنْ طبيعةِ الطغيانِ إلى طبيعةِ الإيمانِ. والمقصودُ من السفرِ (٣): زيارةُ الأولياءِ (٤) والمواضِعِ المُشرِّفةِ، وطلبُ المُرشِدِ، وصُحبةُ الأولياءِ، وانكسارُ النفسِ، واكتسابُ مَكارِمِ الأخلاقِ. ومن تجريدِ فضائلِ السفرِ: تضييقُ نطاقِ الأرزاقِ (٥)، وإذا دَخَلَ المسافِرُ البلدَ قصَدَ إلى الزاويةِ (٦): للفقيرِ بمنْزِلَةِ بيتِه، إذا (٧) بلغَ بابَ الزاويةِ قعَدَ على بابِ الزاويةِ، مُستقبِلَ القِبْلَةِ إِنْ تَيَسَّرَ. وينبغي أن يكونَ على طهارةٍ، واضعًا سُجّادتَهُ على كتفِهِ الأيسرِ بعدَ أَن يَضُمَّ ويلُفَّ طرفَيْهِ؛ يعني (٨): سُجادة رايه (٩) كدره ناسك (١٠)، ويصيرُ أحدُ طَرفَي السُّجَّادَةِ مِنَ العَرْضِ (١١) مفتوحًا، والآخرُ مشدودًا، وهذا بعدَ الضمِّ واللفِّ، ويضَعُ الطرفَ المفتوحَ إلى مَنكِبَيْهِ، والمشدودَ إلى عُنُقِهِ (١٢).

стр. 619

يقعدُ بالأدبِ (١) ولا يلتفِتُ إلى جوانبِه، ولا يُسلِّمُ أحدًا ولا يتكلَّمُ مع أحدٍ، إِلَّا عندَ الضرورةِ، حتَّى يَجيءَ الخادِمُ، فيأخذَ (٢) سُجَّادَتَهُ من منكبيه (٣) ويبسُطُ بينَ الفقراءِ بموضِعٍ يُناسِبُه، ثمَّ يَضَعُ الخَادِمُ القُفَلَ على رُكْنِ السُّجّادَةِ، وهو كَسْرُ رُكنِ السُّجَّادَةِ مِقدار خمسةِ أصابع أو (٤) فصاعدًا مِنَ اليسارِ مِنْ طَرَفِ الصعودِ، ثمَّ يَدُلُّ للوارِدِ (٥) إلى الزاويةِ، ويأخُذُ العَصا مِنْ يدِهِ، وينبغي أن يَبْتَدِئَ في الدخولِ برجلِهِ اليُمنَى، فإذا (٦) أرادَ أنْ يَنْزِعَ خُفَّهُ فِينْزِعُ أَوَّلًا خُفَّهُ اليسارَ، ثمَّ خُفَّهُ الأيمنَ (٧)، وفي اللّبسِ بالعَكسِ (٨). فإذا دَخَلَ بينَ الفقراء: لا يُسلِّمُ أحدًا مِنَ الفقراءِ (٩)، ولكنْ (١٠) يَفْحَصُ (١١) عَنْ (١٢) سُجَادَتِه، ووجُهه (١٣) إلى القِبلةِ، ثمَّ قَصَدَ إلى سُجَّادَتِه، وإِذا وَصَلَ سُجّادَتَهُ من طريقِ (١٤) الصعودِ: يَضَعُ رِجلَهُ اليُمنى على طرفِ السُّجَّادَةِ، ويَحُلُّ القُفلَ برجلِهِ

стр. 620

اليُسرى؛ يعني: يرفعُ الرُّكنَ المكسورَ برجلِه اليُسرى، ويبسُطُ، ثمَّ يَصعَدُ (١) على (٢) السُّجَّادَةِ. فوضعُ القِفلِ على رُكنِ السُّجَّادَةِ في عادةِ أهل التصوُّفِ، مثلُ: إغلاقِ بابِ المسجِدِ، ولا يصعَدُ على السُّجَّادَةِ حَتَّى يَفتَحَ هذا القُفلَ كما ذكرنا، ويَحفَظُ القدَمَ (٣) من أن يطأَ مَوضِعَ السجودِ من سُجَّادَتِهِ. ثمَّ يَستقبِلُ القِبلةَ، ويُصلِّي رَكعتينِ تحيَّةَ البُقعةِ، حتّى يُحضِرَ بواطنَ الفُقراءِ (٤) إلى حالِه، ثمَّ يقومُ (٥) ويُسلِّمُ على الجماعةِ، ويُقبِّلُ يدَ الشيخِ، ويُصافِحُ الفقراءَ، ثمَّ يَجيءُ ويقعُدُ على سُجّادَتِه، ويُخرجَ تاجَهُ وخِرقَتَهُ، ويَحُلُّ ذَيْلَ الخِرقَةِ، ويَعرِضُ خِرْقَتَهُ على الشيخِ والفُقرَاءِ؛ لينظُروا (٦) بالصفاءِ (٧). وإن كانَ المسافرُ واردًا بحضرَةِ الشيخِ السالكِ الكبيرِ الذي خِرقَةُ الوارِدِ منسوبٌ إليه: يُخرِجُ الواردُ تاجَهُ وخِرقَتَهُ، ويَضَعُ بينَ (٨) يدَي الشيخِ بعدَ حَلِّ ذيلِ الخِرقَةِ، والشيخُ يُلبِسُهُ بيدِهِ أو بيدِ الخادِمِ. ثمَّ يجيءُ ويَقعُدُ على سُجَّادَتِه، وهذه الرسومُ الظاهِرةُ التي (٩) استحسَنَها أهلُ

стр. 621

التصوُّفِ، ولا يُنكَرُ على من يتقيَّدُ بذلكَ؛ لأنَّه مِن استحسانِ مشايخِ الشامِ ومصرَ والعراقِ. ومِن أدبِ الواردِ ألّا يَبْتَدِئَ بالكلامِ دونَ أن يُسأَلَ. ويَمكُثُ ثلاثةَ أيّامٍ، ولا يَقصُدُ زيارةً ومشهدًا أو غيرَ (١) ذلكَ ممّا هو مقصودٌ (٢) من المدينةِ حتَّى يَذهبَ عنهُ عناءُ السَّفَرِ (٣)، ويعودَ ظاهِرُه وباطنُهُ إلى الاستراحةِ والسكينَةِ والجمعِ حتّى يُجمَعَ (٤) في ثلاثةِ أيّامٍ، ويَستعِدُّ للقاءِ المشايخِ والمزاراتِ، ويستوفِيَ حظَّهُ مِن كُلِّ شيخٍ وأخٍ يَزورُهُ. ومِن آدابِ (٥) الوارِدِ ألَّا يَرِدَ الزاويةَ بعدَ العصرِ، ولكن يَرِدُ بعدَ الإشراقِ إلى العصرِ. ثمَّ اعلمْ أنَّ بناءَ الزوايا والخانقاهات لم يَكُنْ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ لمّا تقادمَ زمانُ الرسالةِ، وبَعُدَ عهدُ النبوَّةِ، وانقطعَ الوحيُ السماويُّ، وتوارَى النورُ المُصطفويُّ، واختلف الآراءُ، وتنوَّعَتِ الفئاتُ، وتفرَّدَ كلُّ ذِي رأيٍ برأيِه، وكَدَّرَ شرفُ العلمِ شوبَ الأهوِيَة، وتزعزعتْ أبنيةُ المُتَّقِينَ، واضطَرَبَتْ عزائمُ الزاهدِينَ، وغَلَبَتِ الجهالةُ (٦): كُشِفَ (٧) حِجَابُها، وكثرَتْ عادتُها (٨)، وتملّكَتْ

стр. 622

أربابُها، وتزخرَفَتِ الدنيا، وخطَرَ خُطّابُها (١). وتفرَّدَ المشايخُ معَ أتباعِهم بأعمالٍ صالحةٍ، وأحوالٍ سَنيَّةٍ، وصِدقٍ في العزيمةِ، وقُوَّةٍ في الدينِ، وزَهِدوا في الدنيا، واغتنموا العُزلةَ والوَحدَةَ، وبنوا لنفوسِهمُ الزوايا والخانقاهات، يجتمعونَ فيها تارةً ويتفرَّدونَ أخرى، فصارَ لهم بعدَ اللسانِ لسانٌ، وبعدَ العرفانِ عرفانٌ، وبعدَ الإيمانِ إيمانٌ غيرَ ما يتعاهدُونَها (٢)، فصارَ لهم بمُقتضى (٣) ذلكَ عُلومٌ يَعرِفُونَها، وإشاراتٌ يتعاهَدُونها، فهم أجسامٌ روحانيُّون، وفي الأرضِ سماويُّونَ، ومع الخلقِ ربّانيُّونَ، سكوتٌ نُظّارُ غيبٍ، فصار (٤) ملوكٌ تحت أظهارٍ (٥) فانيةٍ. فانتهى (٦) الطالبُ أنَّ وجْهَ الأرضِ لا يخلو منهم، وديارَ الإسلامِ (٧) بمُزَحْزَحٍ عنهم، فليَطْلُبِ الطالِبُ، وليَجْهَدِ (٨) السالِكُ؛ لقوله ﵇: "مَن طلب شيئًا وجدَّ وَجَد" (٩)، كما قالوا: "مَن قرع البابَ ولجَّ وَلَجَ". وذَكَرَ المشايخُ في كُتُبهم: أنَّ أكثرَ (١٠).

стр. 623

هذهِ الأعصارِ كما (١) خَلَتْ بواطنُهم عن لطائفِ الأفكارِ ودقائقِ الأعمالِ، ولم يحصُلْ لهم أُنسٌ باللهِ تعالى، وتذكرَةٌ (٢) في الخلوَةِ، وكانوا بطّالينَ غير مُحترفينَ (٣) ولا مشغولينَ ومُتقنّعينَ باللّبَاسِ، والمُتقنِّصِينَ (٤) بقناعِ الجهلِ واليأسِ ظاهِرٌ (٥)، وقد عمَّ صورةُ خَضِرٍ وإلياسَ ﵉، وباطنُهم مشحونةٌ بالحقدِ والغلِّ واليأسِ (٦)، وقد (٧) عمَّ فيهم الضلالُ، واجتمعَ عندَهم الحلالُ والحرامُ، ولا يُميِّزونَ الأصدقاءَ من الأعداءِ، ولا يعرِفُونَ الصوتَ من الصداءِ، وقد أَلِفوا البطالةَ، واستثقلوا العملَ، واستعاروا طُرُقَ الكسبِ، واستلافوا جانِبَ السؤالِ، واستطابُوا الزوايا المبيَّنةَ لهُم (٨) في البلادِ، ولبسوا خرقةً تشبه خرقةَ المشايخِ، واتَّخذوا من الخانقاهاتِ مُتنزَّهاتٍ. وربَّما تلقَّنوا (٩) ألفاظًا مُزخرفةً من الطامّاتِ، فينظرونَ إلى أنفُسِهِم وقد

стр. 624

شبّهُوا (١) المشايخَ في خِرقَتِهم وفي سيَاحتِهم وفي لفظِهِم وعباراتِهِم (٢) وفي آدابِ (٣) ظاهرِهم من سيرَتِهم، فيظُنُّونَ بأنفُسِهم خيرًا، ويحسَبُونَ أَنَّ كُلَّ سوداءَ تَمرةً، وبيضاءَ شحمةً، فيتوهَّمُونَ (٤) أَنَّ المُشاركةَ في الظواهِرِ تُوجِبُ المُساهَمةَ في الحقائقِ، هيهات! (٥). فما أغدَرَ (٦) حماقةَ من لا يُميِّزُ بين الشحمِ والوَرَمِ، فهؤلاء بُغَضاءُ اللهِ تعالى. اللهمَّ، أيقظنا من نَومَةِ (٧) الغرور والغفلَةِ، واحفظنا من اتّباعِ الهوى والضلالةِ، واهدِنا الصراطَ المُستقيمَ والنهجَ القويمَ إنَّك رؤوفٌ رحيمٌ. أمَّا بعدُ: فإنَّ الفقيرَ الحقيرَ المُتحيِّرَ في تِيهِ الحَيرَةِ (٨) والوحشَةِ، والمُبتلَى في دارِ الغُربَةِ بالكربَةِ، والطالِبِ [الحيرَةَ (٩) مع إساءةِ الأدبِ الزِّيفةِ والقربةِ، والمعترِفَ بكثرةِ الذنوبِ والجريمةِ، والمُقِرَّ بقلَّةِ البضاعةِ، محرِّرَ هذه الفوائدِ، ومُؤلِّفَ هذه الفرائدِ، العبدَ الخائفَ من ذنْبِ نفسِهِ، الأنصاريَّ طاهرَ بنَ إسلامِ بنِ قاسمٍ الأنصاريَّ، بصَّرَهُ الله بعيوبِ نفسِهِ قبل أن يُذيقَهُ الحِمامَ من كأسِهِ، وجُعِلَ يومُه خيرًا من أمسِهِ، وخُتِمَ له وقت خروجِ نَفَسِه، ولقَّنَهُ الجوابَ عندَ دخولِ رَمسِهِ، وجعلَهُ في زمرةِ

стр. 625

أصحاب اليمين يومَ العرضِ الأكبرِ، ورزَقَهُ شفاعةَ صاحِبِ الحوضِ (١) والكوثِرِ. فيسألُ من فضلِ اللهِ تعالى أن يَجعلَ ما جَمَعَهُ خالصًا لحضرَتِهِ، الموصوفِ بالكرمِ، المخصوصِ بالقِدَمِ، ويعفوَ (٢) عمّا طغَى فيه القلمُ، وزلَّ (٣) به القدَمُ، ولهى القلبُ، وسهى وقتَ الكتابةِ والرقْمِ، ويرضَى عمَّن طالَعَ في هذا المُختصَرِ، ورأى في النقلِ خَللًا، وفي المعنَى زللًا، وفي اللفظِ خطأً وخطلًا، وفي الإعرابِ فسادًا أو حِولًا أصلحَهُ كرمًا وفضلًا، عصَمَهُ اللهُ تعالى بعصمتِهِ، القديمِ أبدًا وأزلًا، والعُذرُ عند كرامِ الناسِ مَقبولُ. وقد فَرَغَ المُؤلِّفُ من تسويدِهِ وتنقيحِهِ، وأنامِلُه من تجريدِهِ (٤) وتعليقِهِ في غُرَّةِ رمضانَ المُبارَكِ (٥)، عامَ إحدى وسبعينَ وسبعمئةٍ، ثمَّ المأمولُ من كرمِ المارِّ بِهِ (٦) أنجحَ اللهُ بإنجاحِ مآربِهِ، والمطموعُ مِن إحسانِ الَّذي طالعَ في هذا، ومِن شِيمَتِهِ الكريمة، والمُلتمَسُ مِن أنْعَامِهِ الجسيمةِ؛ أن يَذكُرَ العبدَ العاصي؛ الغريقَ في بحارِ المعاصي؛ والخائفَ يومَ يُؤخَذُ بالنواصي، مؤلِّفَ هذا المُختصَرِ ببعضِ دعَوَاتِهِ في بعض أوقاته؛ خصوصًا عقيبَ مُطالعتِه وقراءَتِهِ في مُستطاباتِ ساعاتِه، في أثناءِ مُناجاتِه، وأشرَفِ أوقاتِهِ؛ ليغفرَ اللهُ لهُ ولوالدَيهِ ولأستاذِهِ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ] (٧).

стр. 626

فجمَعَ هذا المختصرَ على أن يكونَ تذكرةٌ مِنْهُ (١) للإخوانِ في اللهِ المُنقطعينَ إلى اللهِ تعالى كمثلِ بضاعةٍ مَزجيَّةٍ (٢)؛ رجاءَ (٣) استيفاءِ الدعاءِ منهم إذا اعتاصَ هذا على أفهامِ العامّةِ: فقدَحُوا فيهِ، وخاضوا فيه فيما لم يُحسِنوا، فأيُّ كلامٍ أفصحُ من كلام ربِّ العالمين؟! وقد قالوا لهُ: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾! فالمَرجُوُّ من فضلِ اللهِ الخلّاق ألّا يُؤاخِذَه فيما جمعه في رحبات (٤) هذه الأوراق، المسؤولِ (٥) منه الرحمةُ والمغفرةُ والثوابُ، إنَّه هو الغفّارُ الوَهّابُ

стр. 627

للمؤمنين سبيلَ الصواب، وإليه المَرجِعُ والمآبُ (١). [تمَّت هذه الكتاب، قد وقع الفراغُ من كتابة هذا الكتاب على يد الضعيف عبد الرحيم بنبيري، عفا الله تعالى عنه وعن والديه، وأحسن إليهما وإليه وسائر المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، في محروسة القسطنطينيَّة، حماها الله تعالى عن الآفات والكروب، في أوسط صفر المظفَّر من يوم الأحد، وقتَ العصر، سنة تسعة وثمانين وتسعمئة من هجرة النَّبويَّة، تم] (٢). وكان الفراغُ تعليقُه يوم السبت المُبارَك تاسعَ عَشَرَ شَعبان المُعظَّمِ، قدرُه سنة ثمانٍ وستِّين وثمانمئة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، غفرانك ربَّنا وإليك المَصيرُ، والحمد لله رب العالمين (٣).