← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- أ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق الحمد لله على كرمه وفضْله والصلاة والسلام على رسول الله. خلال هذه السنوات العشر التي قضيتُها بمكة مجاورًا للبيت العتيق مالتْ نفسي إلى النظر في تاريخ مكة المكرمة والبحث عن مصادره ورجاله ومؤلفيه، فكنتُ أقضي الوقت بين مطالعات في ما سُطّر منه وبين قراءة ما كُتب حوله من بحوث ودراسات وتحقيقات مهتمًا بما يمكن أن تضاف إليه من قراءات واستنتاجات، مغرقًا في جمع ما شتّتْه يد الأيام من كُتبه ومسطوراته ووثائقه، محاولًا إبراز ملامح ما أنتجه المكّيون من مؤلفات في التاريخ والحضارة مُحصيًا ما بقي من مؤلفاتهم مخطوطًا أو مطبوعًا، مسجلًا ما ورد ذكره منها في نصوص التاريخ والتراجم، حتى جمعتُ من كل ذلك مادة أساسية تفتح آفاقًا جديدة للبحث في التاريخ المكي. وهكذا انطلقتُ في البحث عن آثار المؤرخين المكيين وما تركوه من كتب ورسائل، كان القليل منها مطبوعًا والكثير مخطوطًا والأغلب مذكورًا في المصادر ولكنه ضاع وعبثت به يد الأيام وطمسته عوامل السنين والنسيان. وفي سبيل ذلك كان لا بد لي أن أتتبّع الكثير من محتويات مكتبات المخطوطات في العديد من بلاد العالم - شرقًا وغربًا - وأن أتصيَّدَ المخطوطات من مؤلفات المؤرخين المكيين، أطالع بعضها وأحصل على مصورات الكثير منها، غير شحيح بكل ما استطعته من الوقت والجهد والتنقل والبذل. فكان - والحمد لله - صيدي ثريًّا أنيقًا، وكان ما اجتمع لدي من مصّوراتها نوادر تُبْهِج النفس وتهيّئ للباحث الزاد الثمين الذي يعينه في رحلته العلمية. فرتّبتُ ما جمعته وألّفتُ ما تفرّق منه وصنّفته في كتابي الذي عنوانه "التاريخ والمؤرخون بمكة، من القرن الثالث الهجري إلى القرن الثالث عشر، جمع وعرض وتعريف". وقد أصدرته مؤسسة

стр. 2

- ب - الفرقان سنة ١٩٩٤ م ليكون منطلَقًا للباحثين في تاريخ مكة المكرمة، ومشاركة متواضعة مني في إرساء أسُس تحتاجها الدراسات التاريخية المكية. وخلال سنوات اعتنائي بالتاريخ المكي اطلعتُ على العديد من مخطوطات مؤلفات المكيين التي دوّنوا فيها تاريخ مدينتهم الآمنة، فكان من بينها كتاب نادر لم تُعرفْ منه غير نسخة فريدة رديئة الخط نُقلت من جذاذات هي مسودة المؤلف، جَمَع فيه أخبار المجتمع المكي مُياومةً وأورد فيها وصفًا لحوادث عصره بعناية وتفصيل، تناول فيها مرحلة انتقالية شهدت تغييرًا سياسيًا واجتماعيًا حينما بسط العثمانيون نفوذهم على الحجاز وفرضوا عليه سياستهم وقوانينهم ونُظُمهم. هذا الكتاب الذي أشير إلى أهميته هو كتاب "نيل المنى، بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف" الورى لصاحبه المؤرخ جار الله بن فهد المكي ابن المؤرخ العز بن فهد المكي، ابن المؤرخ نجم الدين بن فهد المكي، ابن المؤرخ تقي الدين بن فهد المكي. بعد أن اطلعت على المخطوط وتتبعْتُ محتواه أيقنتُ بفائدته وطرافته فبادرتُ إلى تحقيقه وتقديمه للقراء والباحثين، فاختارتْه مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي (فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة) برعاية مؤسسها معالي الشيخ أحمد زكي يماني ليكون هذا الكتاب ضمن مطبوعاتها المفيدة الأنيقة. وإني إذ أتقدم للمؤسس الكريم معالي الشيخ لأُعْرِبَ له عن صادق تقديري وجزيل شكري أسأل الله أن يوالي نجاحات هذه المؤسسة ويعينها على مواصلة إنجازاتها في خدمة الثقافة والحضارة الإسلامية في مجالات عديدة من بينها تاريخ الحجاز وحرميْه المكي والمدني. والله ولي التوفيق وله الحمد أولًا وآخرًا محمد الحبيب الهيلة مكة المكرمة في ٢٥ ذي الحجة ١٤١٧ هـ

стр. 3

معالم الكتابة التاريخية بمكة خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين يعتبر القرنان التاسع والعاشر الهجريان من أثرى القرون إنتاجًا فيما كتبه أبناء مكة وعلماؤها من تاريخ البلد الأمين. وكان من أشهر أعلام المؤرخين المكيين خلال هذين القرنين خمسة من كبارهم بفضل ما تركوه من مؤلفات وآثار علمية عظيمة وهم: - التقي الفاسي (ت ٨٣٢ هـ / ١٤٢٩ م). - النجم بن فهد (ت ٨٨٥ هـ / ١٤٨٠ م) - العز بن فهد (ت ٩٢٢ هـ / ٧/ ١٥١٧ م). - جار الله بن فهد (ت ٩٥٤ هـ / ١٥٤٧ م). - القطب النهروالي (ت ٩٩٠ هـ / ١٥٨٢ م). فقد ألّف الفاسي ما يزيد عن الثلاثين كتابا من كتب التاريخ خصّص أغلبها لتاريخ مكة ورجالها. وسلك في ذلك ثلاثة أنماط من الكتابة المتناولة لتاريخ مكة المكرمة. النمط الأول: كتابة تاريخ مدينة مكة ومعالمها وفضائلها ومنشآتها الدينية والحضارية والعلمية والعمرانية وغيرها. أشهر كتبه فيها: "شفاء الغرام، بأخبار البلد الحرام؛ وتحصيل المرام؛ وتحفة الكرام؛ والزهور المقتطفة؛ وترويح الصدور باختصار الزهور؛ واختصاره؛ وعجالة القرى للراغب في تاريخ أم القرى". وجميع هذه الكتب على منهج واحد متشابه متكامل.

стр. 4

النمط الثاني: كتابة تهتمّ بجمع تراجم علماء مكة ومشاهيرها. وضع الفاسي فيها كتابه "العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" وقال في أوله إنه جمع "تراجم الأعيان من أهل مكة وغيرهم ممن سكنها مدة سنين أو مات بها، وتراجم ولاة مكة وقضاتها وخطبائها وأيمتها .... وغيرهم ممن وسع أو عمّر المسجد الحرام والأماكن الشريفة .... أو ممن عمل من المآثر الحسنة الكائنة بمكة" (١). النمط الثالث: وضع الفاسي كتُبا يؤرخ فيها لولاة مكة وحكامها في مختلف العصور، فألّف كتاب "ولاة مكة في الجاهلية والإسلام" ثم اختصره في كتاب "تجريد ولاة مكة". وجاء بعده تلميذه المحدث الحافظ نجم الدين عمر بن محمد بن فهد المكي الهاشمي (ت ٨٨٥ هـ / ١٤٨٠ م) الذي ألّف أكثر من أربعين كتابا في التاريخ ومتعلقاته وخصّص عددا هاما منها لمكة وأهلها. فقد ألّف أول كتاب عرفناه في تاريخ مكة على منهج الحوليات إذْ وضع كتابه "إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" على غرار الكتب الكبيرة من الحوليات العامة مثل تواريخ الطبري وابن الأثير والذهبي وابن كثير وغيرهم. فقد أخذ منهجهم الذي طبقوه على التاريخ الإسلامي العام وخصصه هو لتاريخ مكة بداية من السنة الأولى للهجرة إلى سنة وفاته وهي ٨٨٥ هـ وبذلك كان الكتاب رائدا في هذا الفن. واهتم النجم بتراجم أهل مكة فوضع كتابه "الدر الكمين بذيل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين" أكمل فيه ما فات شيخه التقي الفاسي في كتابه "العقد الثمين" من المكيين الذين لم يترجمهم أو من ظهروا بعد وفاة الفاسي ممن عرفهم المؤلف وعاصرهم. واعتنى النجم أيضا بالتعريف بالعوائل المكية الشهيرة بالعلم والفضل، فألف _________ (١) الفاسي: العقد الثمين ١: ٣.

стр. 5

خمسة كتب في الموضوع تذكر العوائل التالية: بني فهد؛ الطبور؛ النويريين؛ القسطلانيين؛ بني ظهيرة. وألّف النجم أيضًا في موضوع التعريف بولاة مكة المكرمة كتابه "بغية المرام" الذي أكمله وذيله ابنه العز، وصدر بعنوان "غاية المرام". كل ذلك بالإضافة إلى العديد من كتب معاجم الشيوخ والفهارس والمشيخات وورث العز بن فهد (ت ٩٢٢ هـ / ١٥١٧ م) عن والده النجم عنايته بتاريخ مكة فوضع ذيلا لحوليات والده، بدأه من حيث انتهى النجم وأنهاه بأخبار سنة وفاته هو. فجاء كتابه "بلوغ القرى، بذيل إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" تاريخًا لمكة مياومة، بداية من شهر رمضان ٨٨٥ هـ - تاريخ وفاة والده - وانتهاء بشهر ربيع الثاني من سنة ٩٢٢ هـ، أي قبيل وفاته بقليل. مُوردًا فيه الأخبار المفصلة لكل ما حدث بمكة في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والتنظيمات الإدارية وغيرها مع التركيز على أخبار الحرم المكي وموظفيه والحج وأمرائه وأخبار حوادثه. كما اهتم العز بن فهد في مؤلفاته الكثيرة الأخرى بمعاجم الشيوخ. وانتقل إرث الجد (النجم بن فهد) إلى الحفيد جار الله بن فهد (ت ٩٥٤ هـ / ١٥٤٧ م) الذي سلك مسلك والده في وضع ذيل ثان لكتاب جدّه "إتحاف الورى" يلحقه بكتاب والده وعنْوَانه "نيل المنى، بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" وهو الكتاب الذي نقدمه للباحثين محققا. فقد أرّخ فيه لمكة مياومة، تبدأ من شهر ذي الحجة سنة ٩٢٣ هـ، وتنتهي بشهر جمادى الثانية سنة ٩٤٩ هـ. ويعتبر الكتاب من أهم ما أنتجه جار الله بن فهد المكي، بالإضافة إلى كتب

стр. 6

كثيرة أخرى تهتمّ بمكة وتاريخها ورجالها وأوديتها وعمارتها وغير ذلك من متعلقاتها ويقف المد العلمي لعائلة بني فهد في الإنتاج التاريخي الخاص بمكة ليظهر مؤرخ مكي آخر هو قطب الدين النهروالي (ت ٩٩٠ هـ / ١٥٨٢ م) صاحب كتاب "الإعلام، بأعلام بلد الله الحرام" الذي يُعتبر كتابا هاما جمع فضائل مكة إلى تواريخ عمارة المسجد الحرام ومُعمّريه مع تواريخ مكة وخصوصًا في العهد العثماني وعلاقة العثمانيين بمكة وإسهاماتهم في تعمير ما فيها من المنشآت الدينية وغيرها. هذه أهمّ المؤلفات التاريخية التي ألفها أشهر المؤرخين المكيين خلال القرنين التاسع والعاشر الهجريين وكان من بينها كتاب نيل المنى لجار الله بن فهد المكي الهاشمي. * * *

стр. 7

ترجمة جار الله بن فهد المكي مؤلف كتاب "نيل المنى" هو جار الله بن فهد من عائلة مكيَّة عريقة في العلم والنسب إذْ اشتهر من أبنائها علماء كثيرون وترجع أصولها إلى محمد ابن الحنفية ثالث أولاد الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -. أقامت العائلة بأصفون في صعيد مصر أمدا، ثم انتقلت إلى مكة المكرمة في أوائل القرن الثامن الهجري أو قبله بقليل. فإن بعض الفهود ترجمهم الفاسي في العقد الثمين - الذي خصّصه لأهل مكة - وكان بعض المترجمين فيه من بني فهد قد توفي في الثلث الأول من القرن الثامن مثل أبي الخير بن فهد الذي توفي سنة ٧٣٥ هـ (١) وجمال الدين بن فهد الذي توفي أيضا في سنة ٧٣٥ هـ (٢). وشارك أبناء هذه العائلة - وهم كُثْرٌ - في مختلف المجالات العلمية وخصوصًا الحديث والتاريخ والآداب واشتهرت بين العوائل المكية الكبيرة المعروفة بالفضل فتصاهرت معهم ووجدت منهم التقدير نظرا إلى أن الفهود أنصرفوا - غالبا - عن الوظائف الدينية والسياسية وغيرها. امتدت حياة هذه العائلة إلى أواخر القرن العاشر الهجري. فإن آخر مَن عُرف من علمائها هو عبد الرحمن بن عبد القادر بن العز بن فهد الذي توفي سنة ٩٩٥ هـ وبه انقطع ذكرهم (٣). وبذلك امتدت الحياة العلمية للفهود ثلاثة قرون كان لهم فيها العطاء الثقافي والتعليم والتأليف. _________ (١) الفاسي: العقد الثمين ٢: ٢٩٦. (٢) الفاسي: العقد الثمين ٢: ٧٩. (٣) مرداد: المختصر من نشر النور والزهر ص ٦١؛ الكتاني: فهرس الفهارس ص ٦٠٩، ٧٣٤.

стр. 8

وقد اشتهر منهم حُفّاظ أربعة هم الحافظ التقي بن فهد وابنه الحافظ النجم بن فهد وابنه الحافظ العز بن فهد وابنه - مؤلفنا - الحافظ جار الله الحافظ جار الله بن فهد. قال عنهم محدث المغرب الشيخ الكتاني " وأنت إذا تأملتَ قلّ أن تجد في بيت في الإسلام أربعة من الحفّاظ في سلسلة واحدة من بيت واحد يتوارثون الحفظ والإسناد غير هذا البيت العظيم" (١). وقد عرّف بهذه العائلة بعض أبنائها وغيرهم: - فألّف النجم بن فهد كتابا سمّاه "بذل الجهد في مَن سُمِّيَ بفهد أو ابن فهد". - وألّف حفيده جار الله بن فهد كتابا جمع فيه المدائح التي قيلتْ في بني فهد وعنوانه "حفظ المساق والعهد، في مدائح بي فهد". وكتابًا ذكر فيه وقف بيت بني فهد بمكة وعنوانه "حفظ العهود على حكم وقف دار الفهود". - وانتخب عمر الشمّاع من مؤلفات الفهود كتابا سماه "عرف الند، في المنتخب من مؤلفات بني فهد". وعرّف الدكتور ناصر بن سعد الرشيد بجهود هذه العائلة في الكتابة التاريخية من خلال بحث عنوانه "بنو فهد مؤرخو مكة" ضمن كتاب مصادر الجزيرة ٢: ٦٩ - ٩٠. وعرّفتُ بهذه العائلة في كتابي "التاريخ والمؤرخون بمكة" ص ٩٩ - ١٠٨. فمؤلف كتاب "نيل المنى بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى" الذي نقدمه محققا - بإعانة من الله - هو: جار الله محمد تقي الدين بن العز عبد العزيز بن النجم عمر بن تقي الدين محمد بن فهد المكي الهاشمي الشافعي. _________ (١) الكتاني: فهرس الفهارس ص ٩١٠ - ٩١٢.

стр. 9

ولد بمكة يوم ٢٠ رجب سنة ٨٩١ هـ / ٢٣ يوليو ١٤٨٦ م. أمّه من عائلة بني فهد واسمها كمالية بنت المحبّ أبي بكر أحمد بن محمد بن فهد الهاشمية المكية. اهتم به والده العز من عهد طفولته فوجّهه نحو العلم والدرس، حتى أنه كان يصطحبه الحلقات العلم بالحرم المكي والطفل لم يتجاوز الرابعة من عمر (١). حفظ جار الله القرآن وأخذ عن والده كتبا كثيرة منها الكتب الحديثية الكبيرة ولازمه في الإقامة والرحلة إذْ رحل معه إلى المدينة وإلى الطائف، فكان فيها آخذا ومتعلما. ومن بين الكتب التي أخذها عنه مجموعة من كتب السيرة والتاريخ من بينها تاريخ مكة للأزرقي. وتوجّه بعد ذلك جار الله إلى الرحلات العلمية خارج الحجاز فكانت رحلته الأولى إلى القاهرة سنة ٩١٣ هـ لطلب الحديث (٢). ثم تعددت بعد ذلك رحلاته إلى القاهرة كلما رحل إلى الشام أو قصد بلاد العثمانيين. ورحل في ربيع الأول سنة ٩١٤ هـ إلى اليمن وبقي بها أربعة أشهر لازم فيها المؤرخ عبد الرحمن الديبع الذي قال عنه "لازمني مدة إقامته بزبيد وحمل عني كثيرا" (٣). وكانت لجار الله بن فهد ثلاث رحلات إلى الشام. الأولى منها كانت خاصة بزيارة بلاد الشام والأخذ عن علمائها. والرحلتان الباقيتان كان فيها جار الله مارًا ببلاد الشام عندما كان قاصدا بلاد العثمانيين، بورصا وإسطنبول. الرحلة الأولى: سنة ٩٢٢ هـ. وفيها أقام بدمشق وحلب. ثم غادر الشام راجعا إلى مكة في شهر جمادى الثانية سنة ٩٢٣ هـ. بعد أن نال من العلم زادا مفيدا _________ (١) السخاوي: الضوء اللامع ٣: ٥٢. (٢) جار الله بن فهد: تحفة الناس ص ١٥٢. (٣) ابن الديبع: الفضل المزيد، على بغية المستفيد ص ٢١٥.

стр. 10

جمعه عن شيوخ الشام. وخلال مدة هذه الرحلة توفي والده وهو غائب عن مكة. وقد قدّم لنا تفاصيل عن رحلته هذه صديقه الوفي ابن طولون في كتابه مفاكهة الخلان (١). الرحلة الثانية: سنة ٩٢٨ هـ. زار فيها دمشق وحلب أيضا واتصل بعلمائها وهو في طريقه إلى بورصا وإسطنبول. وفيها ألّف كتابه "الجواهر الحسان، في مناقب السلطان سليمان بن عثمان". الرحلة الثالثة: سنة ٩٣٤ هـ، عاد فيها إلى دمشق وحلب فأقام بهما مدة وهو قاصد بلاد الأتراك، فجمع من كل بلد دخله بالشام أو بدولة العثمانيين علما وكتُبا وإجازات وعلاقات علمية مثمرة. وكان جار الله يعود من كل رحلة علمية من هذه الرحلات بعلم غزير وبزاد يجمعه من لقاءات الشيوخ وإجازاتهم ودروسهم. وربما يعود إلى موطنه مكة ومعه الكتب الهامة التي يضيفها إلى مكتبة بني فهد الشهيرة. ففي إحدى رحلاته عاد إلى مكة ومعه مجموعة من كتب الحديث والطبقات واللغة، مثل تاريخ بغداد للخطيب وكتاب فتح الباري وكتاب لسان الميزان وكلاهما لابن حجر العسقلاني وكتاب الشفاء للقاضي عياض وكتاب تهذيب الأسماء واللغات للنووي، وغيرها من المؤلفات المفيدة (٢). أما شيوخه الذين أخذ عنهم والتقط من علومهم ثقافته وتكوينه فهم كثْرٌ جمعهم في ثبته وفي فهرسته وفي معجم شيوخه، وهي كتب ثبتتْ نسبتها إليه لورودها في إخباره عن نفسه ولثبوت ذكرها في المصادر الأساسية لترجمته. ولكنها - ثلاثتها - فُقدت المكتبات ولم نعثر على شيء منها. إلا أن تأليفه لها يقوم _________ (١) ابن طولون: مفاكهة الخلان ٢: ٦ - ١٠، ١٤، ١٧ - ١٩، ٥٨، ٦٣. (٢) جار الله بن فهد: الجواهر الحسان ورقة ٤٦، ٥٣، ٦٢.

стр. 11

دليلا على كثرة شيوخه الذين أخذ عنهم. نُشير في ما يلي إلى عدد محدود من مشاهير هؤلاء الشيوخ فمنهم: - المحدث المؤرخ والده العز بن فهد الهاشمي المكي (ت ٩٢٢ هـ / ١٥١٧ م). - المحدث المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٩٠٢ هـ /١٤٩٧ م). - الفقيه القاضي زكرياء بن محمد الأنصاري (ت ٩٢٥ هـ / ١٥١٩ م). - الفقيه النحوي عبد الله باكثير المكي (ت ٩٢٥ هـ / ١٥١٩ م). - القاضي المحدث برهان الدين بن أبي شريف المقدسي (ت ٩٢٣ هـ / ١٥١٧ م). - الفقيه الإمام عبد الحق السنباطي (ت ٩٣١ هـ / ١٥٢٤ م). - المؤرخ عمر الشمَّاع (ت ٩٣٦ هـ/١٥٢٩ م). - المحدث أبو بكر العيدروسي (ت ٩١٤ هـ / ١٥٠٨ م). - الفقيه مؤرخ المدينة، النور علي السمهودي (ت ٩١١ هـ / ١٥٠٥ م). - المؤرخ عبد الرحمن العليمي المقدسي (ت ٩٢٨ هـ / ١٥٢٢ م)، وغيرهم. مع مجموعة من الشيخات الراويات للحديث مثل: - أم سلمة بنت محمد الطبرية المكية (ت ٩١٣ هـ /١٥٠٧ م). - فاطمة بنت الكمال بن سيرين (ت ٩٤١ هـ / ١٥٣٤ م). * * * * *

стр. 12

مؤلفاته: لجار الله بن فهد مؤلفات كثيرة، أحصيُتها فبلغتْ ٤٩ تأليفا، بين كتاب ورسالة أغلبها في التاريخ والتراجم ووصف البلاد الحجازية ومظاهرها الحضارية، وبعض مؤلفاته تتناول الحديث والأخلاق. نعرض فيما يلي قائمة مؤلفاته مرتبة على حروف المعجم، مع الإحالة إلى شيء موجز يعرّف بوجودها أو بمن ذكرها من أصحاب المصادر: (١) الاتعاظ بما ورد في سوق عكاظ. ذكره المؤلف في حسن القرى ص ٧٦. (٢) الإسعاف، في حماية كتب الأوقاف. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ١٦٠ ب. (٣) الأقوال المتبعة، في بعض ما قيل في مناقب أيمة المذاهب الأربعة. منه نسخة بالظاهرية رقم ٢١٣. (٤) البلدانيات. ذكره المؤلف في حسن القرى ص ٩، ١١ وغيرها. (٥) بلوغ الأرب، بمعرفة أي الأنبياء من العرب منه نسخة بمكتبة الحرم المكي برقم ٤٢٣ حديث. (٦) بلوغ الأرب في تملك السلطان سليم خان لأرض العجم والعرب. ذكره الشلي في السنا الباهر ورقة ٨٤ ب (نسخة شستر بيتي). (٧) بلوغ الأرب، في حكم تيجان العرب (العمامة). ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ٤٧ أ. (٨) بلوغ المنى، في بيان لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر منه نسخة في مكتبة برلين رقم ٦٠٦٣. (٩) بهجة الزمان، بعمارة الحرمين لملوك آل عثمان ذكره البغدادي في إيضاح المكنون ١: ٢٠١. (١٠) تاريخ مدينة جدة وأحوالها وقربها من مكة منه نسخة بمكتبة برلين

стр. 13

رقم ٦٠٦٣. (١١) تاريخ يفيد في معرفة المترجمين في الضوء اللامع من الأحياء. ذكره مرداد في المختصر من نشر النور والزهر ص ١٥٢. (١٢) تأليف في دخول الطاعون لمكة والمدينة. ذكره المؤلف في نيل المنى ١٦٩ أ. (١٣) تحفة الإيقاظ بتتمة ذيل طبقات الحفاظ. ذكره المؤلف في نسخة كتبها من لحظ الألحاظ. انظر لحظ الألحاظ ص ٢٨٢. (١٤) تحفة الكرام، بمرويات حجاب بيت الله الحرام نسبه له السنجاري في منائح الكرم ج ٢ ورقة ٩٤ ب (نسخة طوب قابو). (١٥) تحفة اللطائف في فضائل الحبر ابن عباس ووجّ والطائف. طبع بتعليق محمد سعيد كمال، نادي الطائف الأدبي. (١٦) التحفة اللطيفة في أنباء المسجد الحرام والكعبة الشريفة. ذكره الغزي في الكواكب السائرة ٢: ١٣١. (١٧) تحفة المسند العالي بنخبة الأسانيد العوالي ذكره المؤلف في نيل المنى ٣٤ أ. (١٨) تحفة الناس، بخبر رباط سيدنا العباس. طبع في مجلة "الحكمة" الصادرة في بريطانيا، العدد السادس صفر ١٤١٦ هـ، ص ١٣٣ - ١٥٣. بتحقيق أبي عبيدة مشهور آل سلمان و أبي حذيفة أحمد الشقيرات. (١٩) تحقيق الرجا، لعلو المقر المحبي بن آجا ذكره العز بن فهد في غاية المرام ١: ٣٧. (٢٠) تحقيق الصفاء، في تراجم بني الوفاء. ذكره الكتاني في فهرس الفهارس ص ٩١٢. (٢١) تخريج مشيخة عبد الحق السنباطي. ذكره العيدروسي في النور السافر ص ٢٤٢. (٢٢) تخريج مشيخة محب الدين النويري. ذكره العيدروسي في النور السافرص ٢٤٢. (٢٣) ثبت جار الله بن فهد. ذكره المؤلف في نيل المنى ٤٨ ب

стр. 14

(٢٤) الجواهر الحسان في مناقب السلطان سليمان بن عثمان. منه نسخة بالمكتبة السليمانية بإسطنبول رقم ٩٢٧؛ وثانية بمكتبة جامعة إسطنبول (دار المثنوي) رقم ٣٦٠. (٢٥) حسن السلوك في فضل الملوك. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ٣٤ أ. (٢٦) حسن القرى، في أودية أم القرى. نشره المستشرق R. B. Serjeant وطبع في مجلة العرب سنة ١٤٠٣ هـ. (٢٧) حفظ العهود على حكم وقف دار الفهود. ذكره المؤلف في نيل المنى ١٧٥ أ. (٢٨) حفظ المساق والعهد، في مدائح بني فهد. ذكره المؤلف في نيل المنى ١٥٨ ب. (٢٩) الخبر المرفوع، في أيام الأسبوع. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ١٥٦ أ؛ ومنه نسخة بجامعة Yale بأمريكا، رقم ٢٢٥. (٣٠) رحلة إلى حلب. ذكرها الغزي في الكواكب السائرة ١: ١٣٩. (٣١) رحلة إلى دمشق. ذكرها ابن طولون في مفاكهة الخلان ٢: ٩. (٣٢) رسالة في كتاب السر في ديوان مصر. ذكرها المؤلف في تحفة اللطائف ٩٦. (٣٣) غاية الأماني والمسرات، لعلو سلطان الحجاز أبي زهير بركات. ذكرها العز بن فهد في غاية المرام ١: ٣٧. (٣٤) فهرسة جار الله بن فهد. ذكرها الكتاني في فهرس الفهارس ص ٢٩٦. (٣٥) قمع الشهوات، في ردّ كذب ناظم القهوات. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ٧٧ أ. (٣٦) القول المبرور، في فضل عرفة والدعاء بها المأثور ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ٦٩ ب. (٣٧) القول المعظم المنيف، في الموعظة وتعظيم أهل الحديث. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ١٥٨ ب.

стр. 15

(٣٨) القول المؤتلف، في نسبة الخمسة البيوت إلى الشرف. منه نسخة بمكتبة الحرم المكي رقم ١١٨ تراجم دهلوي. (٣٩) كشف القناع عن هول الوداع. ذكره البغدادي في هداية العارفين ٢: ٢٤٢. (٤٠) معجم الشعراء الذين سمع منهم الشعر. ذكره الغزي في الكواكب السائرة ١٣٩:١. (٤١) معجم شيوخ جار الله بن فهد. ذكره المحي في خلاصة الأثر ٢: ٤٥٧. (٤٢) منهل الظرافة بذيل مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة. منه نسخة بمكتبة مكة المكرمة (دار) (المولد) برقم ٤ (٢) تاريخ. (٤٣) مورد الطالب الظمي، مرويات الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي. ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون ص ١٩٠١. (٤٤) مولد مختصر. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ١٥٨ ب. (٤٥) نخبة قرة العين بمبرة وفاء الدين. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ١٥٨ أ. (٤٦) نزهة الأبصار، بأخبار الأعمار. ذكره المؤلف في نيل المنى ورقة ١٥٨ أ. (٤٧) النكت الظراف في الموعظة بذوي العاهات من الأشراف منه نسخة بمكتبة شستر بيتي رقم ٣٨٣٨. (٤٨) نهاية السول، في فضل آل بيت الرسول ﷺ . منه نسخة بمكتبة برلين رقم ٩٦٢٧. (٤٩) نيل، بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى. وهو الذي نعرّف به وننشره محققا بعد هذه المقدمة. * * * * *

стр. 16

لقد كانت حياة جار الله بن فهد مليئة بالإنتاج ثرية بالأحداث والمشاركات المفيدة في مجتمعه. وإنّ شخصية متميزة مثل هذه الجديرة بدراسة جامعية جادة ومتعمّقة، تستفيد من كل العناصر المؤسسة لترجمته وأثره في مجتمعه ومنهجه في معالجة القضايا التاريخية ومواجهة المشاكل الاجتماعية خاصة وقد عُرفتْ من مؤلفاته نصوص لم تكن متوفرة لدى الباحثين سابقا، من بينها كتابه هذا "نيل المنى". توفي جار الله بن فهد في سحر ليلة الثلاثاء الخامس عشر من جمادى الأولى سنة ٩٥٤ هـ /٣ يوليو سنة ١٥٤٧ م. ورغبة في إنارة دروب الباحثين وإفادتهم نورد هنا عرضا لأهم المصادر والمراجع المعتمدة لترجمة جار الله بن فهد: - أخباره متوفرة في الكثير من مؤلفاته، وهي تقدم للباحث معطيات أساسية لإنجاز بحوث حول شخصيته، وخاصة من كتابه نيل المنى. - السخاوي: الضوء اللامع ٣: ٥٢. - مؤلفات والده العز بن فهد وخاصة كتابه بلوغ القرى (مخطوط)، وغاية المرام (مطبوع، انظر فهارسه). - ابن طولون مفاكهة الإخوان ٢: ٦ - ١٠، ١٤، ١٧ - ١٩، ٥٨، ٦٣. وكتابه إعلام الورى ص ١٧٢. - رضي الدين الحلبي: درر الحَبب، في تاريخ أعيان حلب ١: ٤٣٤. - العصامي: سمط النجوم العوالي ٤: ٢٨١. - العيدروسي: النور السافر ٢٤١ - ٢٤٢. - الغزي: الكواكب السائرة ٢: ١٣١. - ابن العماد: شذرات الذهب ٨: ٣٠١.

стр. 17

- مرداد: المختصر من نشر النور والزهر ص ١٥٢ - ١٥٣. - زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية ٣: ٣٢٢. - الزركلي: الأعلام ٢: ٣٣٨. - الكوثري: مقدمة ذيول تذكرة الحفاظ ٣٨٣ - ٣٨٤. - كحالة: معجم المؤلفين ٣: ٤١٥. - الرشيد (ناصر بن سعد): بنو فهد مؤرخو مكة، مجلة العرب ج ١١ و ١٢ من سنة ١٣٩٧ هـ. - المشيقح: جار الله بن فهد المكي مؤرخا رسالة نوقشت بجامعة الإمام بالرياض سنة ١٤١٢ هـ. - الهيلة التاريخ والمؤرخون بمكة من القرن الثالث الهجري إلى القرن الثالث عشر ص ١٩٥ - ٢١٣. * * * * *

стр. 18

كتاب نيل المنى ورد عنوان الكتاب على الورقة الأولى من المخطوطة الوحيدة، كما يلي: كتاب نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى، وقد كتب هذا العنوان المؤرخ قطب الدين النهروالي بخطه. نلاحظ أولا أننا لم نجد لهذا الكتاب ذكرا في مؤلفات جار الله بن فهد الكثيرة التي اطلعنا عليها في حين أنّه بدأ تأليفه في شهر ذي الحجة سنة ٩٢٣ هـ / ١٥١٨ م. ومن عادة جار الله أن يتحدث عن كُتُبه في مؤلفاته الأخرى ويحيل عليها. ولعل ذلك يعود إلى أنّ المؤلف لم يُرد أن يشهر أمر الكتاب ويذكره بين الناس لما فيه من نقد تناول فيه ثلاثة أنماط من القوى السياسية والاجتماعية المعاصرة له: (أ) بجد في كتاب نيل المنى نقدا كثيرا للسلطة الجديدة العثمانية التي بسطتْ سلطانها على الحجاز بداية من سنة ٩٢٣ هـ. ومن الطبيعي أن تختلف سياسة العثمانيين عن سياسة المماليك، وتظهر بعض القوانين والميول التي لم تكن موافقة لما تعودّه المكّيّون من النظام السابق، خاصة وأن المماليك كانوا شوافع، وفي عهدهم غلب عدد الشوافع في مكة على عدد أتباع المذاهب السنّية الأخرى. في حين أن الدولة العثمانية حنفية المذهب والميل وظهرت منها بعض البوادر التي لا تعجب الشوافع ولا تروقهم. والمؤلف شافعي المذهب، وهو مذهب أغلب العوائل المكّيّة الكبرى ذات الأثر في مجتمع أم القرى. فقد كان جار الله بن فهد يتحدث عن أخطاء المسؤولين العثمانيين في سياستهم الاجتماعية والعسكرية التي يسلكونها في مكة وما حولها، وذكر كثيرا مما وقعوا فيه من مخالفات منها:

стр. 19

- سوء معاملة الأتراك لأبناء العرب. - منع أولاد العرب من دخول بلاد الترك. - تفضيلهم الأعاجم على العرب. - تولية أمراء جدة ممن لا يعرفون لغة العرب ولا عاداتهم وخصائصهم. - سوء أعمال الجيش العثماني عند إقامته بمكة. - أخذهم الرشوة على ولاية الوظائف. - ظلمهم في الحكم بين الناس. - وضعهم قوانين جائرة في ما يتعلق بالمواريث. (ب) ونجد في الكتاب نقدا لبعض الفقهاء وأرباب الوظائف الدينية والقضائية والإدارية من بعض معاصريه، ذاكرا أخطاءهم وسوء معاملاتهم وجهلهم وظلمهم وتعاملهم بالرشوة وتحاملهم في ما يصدر عنهم من الأحكام منها: - وُجود بعض الأيمة ممن لا يحفظ من القرآن ما يصلّي به جماعة صلاة جهر - جهل بعض خطباء الحرم بحيث كانوا غير قادرين على أداء خطبة قويمة. - نقد القضاة وسوء تصرفهم في الصدقات على أهل مكة. - كشف ما اشتهر عن بعضهم من الرشوة. - فضح ما وقع فيه بعضهم من الأيمان الكاذبة وإنكار الأمانات. - ذكر ما كان بينهم من العداوات الشديدة، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى المضاربة والسباب والفحش في شوارع مكة. (ج) لم نجد في الكتاب نقدا مباشرا لسلطة الأشراف، وإنما كان المؤلف على العكس من ذلك، لا يذكر الشريف المتولي صاحب السلطة إلا بالمدح والدعاء له ولأهله بطول العمر وغير ذلك. لكننا نلاحظ أنه يذكر من أخطاء السياسة الداخلية - للأشراف ما يُعتبر في الحقيقة نقدا رغم ذلك الغطاء من المدح و من المدح والتأييد. ومن ذلك:

стр. 20

- ذكر المؤلف أن الشريف كان يأخذ الثلث من كل الصدقات الواردة لأهل مكة. - نقد ما كان يقع من ظلم بعض الموظفين الكبار التابعين لإدارة الأشراف. وبالجملة فإنه يمكن أن نقول إنّ جار الله بن فهد جمع أخبار مكة صغيرها وكبيرها بأسلوب مفصل لا يخلو من النقد النزيه اللاذع - أحيانًا - لكل ما ظهر له في مجتمعه من أخطاء وتجاوزات للشرع أو الأخلاق الاجتماعية الصالحة أو أصول السياسة والحكم. والمطالع للنص سوف يجد أنّ جرأة جار الله بن فهد على تسجيل النقد دليل على أنه لم يكن ينوي أنْ يُظهره في حياته. ولعل النقد الصريح الذي يشتمل عليه الكتاب كان السبب الحقيقي في ما يلي: (١) عدم ذكر المؤلف كتابه نيل المنى في مؤلفاته الأخرى. (٢) عدم وجود نسخة مبيضة من الكتاب في عهد المؤلف ولا بعده. فإن ناسخ المخطوطة الوحيدة التي بين أيدينا نقلها عن نسخة مسودة بخط المؤلف وصفها بأنها "كثيرة الخبط والتخاريج والتقليب". (٣) عدم انتشار الكتاب جعَل نُسَخهُ قليلة ومحدودة، لم تصلنا منها إلا نسخة واحدة، حسب علمنا بعد البحث والتقصّي. (٤) عدم توفّر نُسخ كافية منه بين أيدي المؤرخين المعاصرين له ومن جاء بعدهم، لذلك لم نجد له إلا أثرا محدودا جدا في مؤلفاتهم التاريخية. فلم نعرف مَن نقل عنه مباشرة من معاصريه إلّا مؤرخيْن وهما: - عبد القادر الجزيري في كتابه الدرر الفرائد حيث نقل عن كتاب نيل المنى ثلاثة نصوص، وذكره إشارة وتعريفا دون ذكر عنوانه. - فهو يقول في ج ٢ ص ٨٥٦: "قال صاحبنا الشيخ جار الله بن فهد القرشي في تاريخه الذي ذيّل به على ذيل والده لتاريخ جدّه إتحاف الورى".

стр. 21

- وفي ج ٢ ص ٨٦١ يقول الجزيري: "قال صاحبنا العلامة ابن فهد المؤرخ". - وفي ج ٢ ص ٨٤٩ يقول: "ذكر العلامة ابن فهد في تاريخه". - وثاني المؤرخيْن هو قطب الدين النهروالي الذي نقل عنه بعض الأخبار المحدودة في كتابه البرق اليماني دون ذكر عنوان الكتاب. - فإنه في ص ٤٤ منه يقول: "رأيتُ بخط الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله تعالى .... "، وينقل نصا واردا في كتاب نيل المني، إلا أنّه منقول بتصرف واختصار. - وبعد المقابلة بين الأخبار التي وردت عند النهروالي في البرق اليماني وبعض أخبار جار الله بن فهد في نيل المنى لاحظنا أنّ بعضها منقول بالمعنى في كتاب النهروالي دون الإحالة على مؤلف ابن فهد. انظر مثلا ص ٤٦، ٤٧. أما من جاء بعدهما من المؤرخين الناقلين عن كتاب نيل المنى ممن لم يعاصروا المؤلف فقد عرفنا منهم: - السنجاري في الجزء الثاني من منائح الكرم، ورقة ٤٩ ب. - محمد الطبري في إتحاف فضلاء الزمن، لوحة ١٧٧ و ١٨٠. * * * * *

стр. 22

منهج الكتاب ومجاله الزمني: كتاب نيل المنى هو ذيل ثان لكتاب إتحاف الورى: فإن النجم بن فهد ألّف أكبر كتاب في تاريخ مكة سار على منهج الحوليات وهو "كتاب إتحاف الورى، بأخبار أم القرى" أرّخ فيه لمكة من السنة الأولى للهجرة وانتهى بأخبار سنة ٨٨٥ هـ وهي سنة وفاته. وجاء بعده ابنه العز فألّف ذيلا أول لكتاب والده سماه "بلوغ القرى، بذيل إتحاف الورى" أرّخ فيه لمكة من سنة ٨٨٥ هـ إلى سنة ٩٢٢ هـ. ومن بعده قام ابنه جار الله بن فهد بتأليف ذيل ثان لنفس الكتاب عنوانه "نيل المنى، بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى". بدأ جار الله بن فهد كتابه بعرض أخبار مكة في شهر ذي الحجة من سنة ٩٢٣ هـ / ١٥١٧ م. وأنهاه بأخبار شهر رجب سنة ٩٤٦ هـ / ١٥٣٩ م. وبذلك امتدّ المجال الزمني للكتاب قرابة ٢٣ سنة. وبما أنّ الكتاب مخصص لأخبار مكة فإننا نراها تنقطع عندما يكون المؤلف غائبا عن مكة. رتّب جار الله كتابه ترتيبا محكما، فهو يخص كل سنة بعنوان خاص بها، ثم يخصّ كل شهر منها، بعنوان ويبين بداية الشهر ورؤيته ثم يستعرض أخبار الحوادث وقعت فيه مرتبة من أول أيامه إلى نهايته مع اهتمام خاص بشهر ذي الحجة وأخبار الحج فيه، وبشهر رمضان وما فيه من ورود المعتمرين وصلاة التراويح والأختام في نهاياته، وبأخبار شهر ربيع الأول لما فيه من احتفال الناس في ذلك العصر بإقامة الأفراح بمناسبة المولد النبوي ومواقف العلماء منه. وإذا كان جار الله بن فهد قد سار على هذا الترتيب في أغلب السنوات فإنه خالفه في ثلاث سنوات من الكتاب، وهي ٩٣٩، ٩٤١،٩٤٠ هـ. حيث إنه ألَّف أخبار هذه السنوات الثلاث موجزة على غير عادته الأولى. فإنه عرضها مرتبة زمنيا

стр. 23

غير مقسّمة بعناوين الأشهر، مع ملاحظة أنها جاءت موجزة لم يبذل فيها المؤلف عنايته الكاملة، ولم يذكر تفاصيل كثيرة مع عدم إهماله للأخبار الأساسية. ومما يمكن أن نلاحظه أيضا أنّ مسودة الكتاب تقف عند أخبار اليوم الثالث من رجب سنة ٩٤٦ هـ / ١٥ نوفمبر ١٥٣٩ م، والمعروف أنّ جار الله بن فهد توفي ليلة الثلاثاء ١٥ جمادى الثانية ٩٥٤ هـ / ٢ أغسطس ١٥٤٧ م. فأين هي أخبار السنوات الثماني التي عاشها جار الله بن فهد بعد سنة ٩٤٦ هـ؟ هل كتبها وبقيت مسودة ثم ضاعت ولم يجدها الناسخ؟ هل توقّف عن تأليف كتابه لسبب من الأسباب؟ إنّ ما بين أيدينا من النصوص لا يسمح لنا بالجواب عمّا سبق. ومما يجدر بنا أن ننبّه إليه أيضا أنّ أخبار الكتاب التي تبدأ سنة ٩٢٣ هـ وتنتهي بأخبار سنة ٩٤٦ هـ لم تكن متواصلة تواصلا تاما. ذلك أنه متابعتنا للنص يظهر لنا جليا أن جار الله بن فهد لم يؤلف شيئا من كتابه نيل المنى إلا وهو في مكة. فكلما خرج من مكة في سفر طويل أو قصير أمسك عن كتابة أخبار مكة. لذلك جاء كتابه غير متواصل الأخبار بحسب التواريخ. بل تخللتْه أنقاص قد تكثر إذا ما كانت رحلته طويلة، كأنْ يسافر إلى بلاد العثمانيين. وقد تكون قصيرة لا تتجاوز الشهر الواحد. فكان نقص وانقطاع أخبار مكة في كتاب نيل المنى هي التالية: توقفت أخبار العز بن فهد في كتابه بلوغ القرى في سنة ٩٢٢ هـ، في حين أنّ أخبار كتاب نيل المنى بدأت سنة ٩٢٣ هـ. فإن جار الله لم يبدأ كتابه حيث انتهى كتاب والده وذلك لسبب ذكره ابن طولون (١) وهو أن جار الله لم يكن _________ (١) انظر تفاصيل ذلك في كتاب ابن طولون: مفاكهة الخلان ٢: ٦٣.

стр. 24

حاضرا بمكة عند وفاة والده وإنما كان في بلاد الشام ولم يبلغه نعي والده إلّا متأخرا، ولم يصل هو إلى مكة إلّا خلال شهر ذي الحجة، ولعله صحبة الركب الشامي. لذلك لم يشرع في تأليف تاريخه هذا إلى بعد رجوعه وإقامته بمكة. - انقطعت الأخبار من أوائل شهر شعبان سنة ٩٢٧ هـ إلى آخر يوم من شهر جمادى الأولى سنة ٩٣٠ هـ. - انقطعت الأخبار من شهر رجب سنة ٩٣٠ هـ إلى أواخر شهر ربيع الأول سنة ٩٣١ هـ. - وردت الأخبار ملخّصة موجزة بدون عناوين. بداية من شهر ربيع الأول سنة ٩٣١ هـ إلى آخر شهر شعبان سنة ٩٣٢ هـ. - انقطعت أخبار شهر جمادى الثانية سنة ٩٣٣ هـ. - انقطعت الأخبار من شهر محرم ٩٣٤ هـ إلى يوم ١٧ ذي القعدة سنة ٩٣٤ هـ. - انقطعت الأخبار من شهر محرم سنة ٩٣٧ هـ إلى نهاية شهر شعبان سنة ٩٣٨ هـ - انقطعت أخبار شهر شوال سنة ٩٤٢ هـ. - انقطعت أخبار شهر صفر سنة ٩٤٣ هـ. - انقطعت أخبار شهر شوال سنة ٩٤٤ هـ - انقطعت أخبار شهور جمادى الثانية ورجب وشعبان من سنة ٩٤٥ هـ. * * * * *

стр. 25

أهمية كتاب نيل المنى: ليس بالإمكان، في هذه المقدمة التعريفية، أن أتتبع كل ما حواه الكتاب من معلومات، وأتناول كل جوانب منهجيته وفوائده التاريخية والحضارية. وإنما أكتفي فيها ببعض العَيّنات التي تفتح آفاق البحث وتشير إلى الإمكانيات المتاحة في مجالات النظر لتكون أمثلة يمكن أن تُحْتَذى ومسالك يمكن أن تُتّبع. لقد حرص جار الله بن فهد على أن يقدم للقراء صورة واضحة لكل ما حدث في مكة من حوادث سياسية واجتماعية واقتصادية وغيرها، يرويها بكثير من العناية والتفصيل والدقة. أ) الحوادث السياسية: - يذكر بتفصيل أخبار الأشراف ومواقفهم وسياساتهم وما يقع في قصورهم وإداراتهم، وما يُحدِثه موظفوهم وأتباعهم. - يقدم صورة واضحة عن المرحلة الانتقالية التي عاشتها مكة في أوائل تلك الفترة، وهي بداية ظهور الأثر العثماني في المجتمع المكي، لانتقال السلطة العليا على مكة من المماليك إلى العثمانيين، مع بيان جوانب من سياسة العثمانيين مع أهل مكة من إيجابية وسلبية وردود الفعل عليها. - أخبار أمراء الحج وعلاقاتهم بالأشراف والمجتمع المكي. - علاقة مكة ببقية الولايات العثمانية وخاصة مصر. - علاقة مكة بالسلطات اليمنية وملوك الهند. - أخبار المكيين المقيمين بمصر من العلماء والسياسيين والتجار. - المراسلات التي تدور بين الأشراف والدولة العثمانية وولاتها بمصر وغيرهم. - الأخبار التي يصل بها القاصدون من مختلف البلاد وخاصة الشام ومصر. ب) الحوادث الاقتصادية: وقد اعتنى بها المؤلف اعتناء كبيرا:

стр. 26

- أسواق التجارات ومواطن تزويدها، وأوقاتها، ومصادرها. - أخبار وصول السفن إلى ميناء جدة. - احتكار التجار وتداخل السلطات في ذلك. - أثمان الأطعمة من قمح، وشعير، وزيت، وسمن، وعسل، ولحوم، وفواكه، وخضراوات. يذكرها في أغلب الأحيان بكل تفصيل مبيّنا ارتفاع أثمانها وانخفاضها. - وصف حالة المجتمع المكي من الغنى والفقر والشدة والرخاء. - معلومات هامة عن العُملات المتداولة. (ج) الحوادث الاجتماعية: الاحتفالات والمناسبات الدينية: تفاصيل عن موسم الحج. - رؤية الهلال في أول كل شهر. - مشاهد الأعياد الشرعية. - إقامة بعض الموالد والاحتفالات الدينية ووصف بعض البدع. - الإصلاحات بالمسجد الحرام وبمدينة مكة والأربطة والمدارس. - الصدقات المقررة التي كانت تصل من الدولة العثمانية: (مقاديرها، القائمون على توزيعها، ما يقع في ذلك من التجاوزات ما ينوب كل طبقة من طبقات المجتمع). - الوفيات: اسم المتوفّى، زمن الوفاة، الصلاة عليه، جنازته، مكان دفنه، ورثته، مُخلفاته. - الولادات: اسم المولود، وقت ولادته، ذكر أهله. - الزيجات: يذكرها بتفصيل كبير حيث تجده يصف - في كل زواج - ما يقع في الليلة الأولى منه (بَلّ السكر، حضور المدعوين، مجالسهم، مدّ السماط). وما يقع

стр. 27

في الليلة الثانية (العقد في المسجد الحرام، حضور العلماء والأقارب وأقارب العروسين والعامة). وفي اليوم الثالث (تقام الفازة التي يجلس فيها المدعوون، دخول العريس بزوجته). وفي اليوم الرابع (تُعمل نصَّة الغَمْرة تُزفّ فيها العروس، ويُلْصِقُ الحاضرون). وفي اليوم السابع (يعمل الزوج شراعا لزوجته تُوقَد فيه الثريات). وفي صباح اليوم الموالي (تُنَصُّ العروس نَصَّة ثانية) (١). وقد اهتمّ المؤلف في مختلف العناصر الاجتماعية التي تناولها بعرض الكثير من التفاصيل عن الحوادث التي حدثت في عصره، وجَرَّهُ ذلك التفصيل إلى ذكر فيض من المعلومات حول جُلّ المظاهر الحضارية من السلوك والعادات والمباني والمآكل وغيرها. ولبيان أهمية التدقيقات الحضارية التي يحويها الكتاب فإنّي اخترتُ للقارئ والباحث إحصاءً أوليا لما ذكره جار الله بن فهد في القسم الأول من كتابه من أسماء الأطعمة والمأكولات والمشروبات التي كانت تُعرض على المدعوين في احتفالات الأفراح من زيجات وغيرها. وهذه المأكولات هي: الخرفان - الغزلان - الأوز - الدجاج - الضلع المحشي - المأمونية السكب - المأمونية الحموي - المأمونية (دون تعيين) - الشوربة بالرز واللحم - الدشيشة - هريسة اللحم - هريسة الرز والحب - الرغيف الأسيوطي - الفَتّوت - المشورات - الجرجانية - الرز المفلفل - الرز الحلو - الششيرك الحامض - الششيرك الحلو - الحلويات - الزاير باج - المروزية - الماوردية - المعمول - الزلابية - الحلوى السكرية - اللوز الملبّس - السكر المذاب - القهوة. _________ (١) الهيلة: التاريخ والمؤرخون بمكة … ص ٢١١ - ٢١٢.

стр. 28

المخطوط على الرغم من حرصي الشديد وبحثي المتواصل - منذ سنين - عن نُسَخ من كتاب "نيل المنى" في العديد من المكتبات والكثير من فهارس المخطوطات فإنّني لم أعرف منه غير نسخة واحدة حُفِظتْ بالمكتبة السليمانية بإسطنبول (شهيد علي باشا) رقم ١٩٦١. لم يذكرها من الباحثين المعاصرين غير عدد محدود جدا، منهم محمد صالح الطاسان في رسالته التي حقّق فيها نصّ كتاب الأرج المسكي. وهي نسخة تقع في ١٩٨ ورقة من القطع المتوسط مسطرتها ٣١، خطها نسخي عادي، ليس فيه جمال ولا ضبط، تتخلّله بياضات كثيرة بسبب عدم تمكن الناسخ من قراءتها من أصل المؤلف. وعلى الجانب الأعلى الأيسر من ورقات المخطوطة ترقيمان، قديم وأحدث منه، فقد كان المخطوط يشتمل على ١٩٩ ورقة حسبما يدل عليه الترقيم القديم، ثم ضاعت منه الورقة رقم ٩ فأصبح بعد ذلك يشتمل على ١٩٨ ورقة كما يدل عليه الترقيم الحديث. والملاحظ أنّ النسخة قديمة وقريبة عهد بالمؤلف حيث كُتِبتْ بعد سنة ٩٥٤ هـ، وعمو تاريخ وفاة المؤلف. فقد ورد في أول الكتاب على ورقة العنوان الترحّم على المؤلف. كما ذُكر الترحّم عليه أيضا في الورقة الأخيرة من المخطوط. والثابت أيضا أنها كُتِبتْ قبل سنة ٩٩٠ هـ. أي قبل وفاة قطب الدين النهروالي، حيث أنّ المخطوط كان بين يدي قطب الدين المذكور، لأنّ ورقة العنوان

стр. 29

مكتوبة بخطه الذي نعرفه في مخطوطات أخرى (١). بالإضافة إلى العديد من العناوين الجانبية وبعض الجمل التوضيحية التي كتبها قطب الدين نفسه في الكثير من ورقات الكتاب. وفي الورقة ١٠٧ أ يصرّح باسمه في أحد الهوامش بما نصه "كتَبَه قطب الدين الحنفي". على ورقة العنوان تملّكات منها: تملّكان ممحوان تماما. تملّك ثالث مُحِيَتْ بعض كلماته نصه: "الحمد لله"، صار ملك عبد العزيز الر … ثم صار لبنيه بطريق … سنة عشر … ". تملّك رابع نصه: "من كتب الحاج مصطفى القاضي بطرابلس الشام سابقا. بايَعْتُ ثم اشتريتُ في سنة أربع وتسعين بعد الألف". تملّك خامس نصه: "من كُتب العبد الفقير إلى رحمة الله سبحانه وفضله وجيه الدين بن إبراهيم، كان الله له ولأسلافه". نسخة المخطوط هذه نُقِلتْ مباشرة من مسودة المؤلف التي بخطه. يذكر ذلك الناسخ للمخطوط ويصف المسودة المنقول عنها بقوله في أول الكتاب: "نقلتُ من المسودة وهي كثيرة الخبط والتخاريج والتقليب، والله الموفق". وعلى الرغم مما وصف به الناسخ مسودة المؤلف فإن قراءة النص المنسوخ يدل بلا شك على أن الناسخ محدود الثقافة قليل المعرفة بالقواعد اللغوية والنحوية مع كثرة الأخطاء في الرسم وجَهله بالكثير من أسماء الشخصيات التاريخية المعاصرة له، وجّهله أيضا بكثير من الألفاظ الحضارية المتداولة في النص. وهي أخطاء لا يمكن أن _________ (١) انظر مثلا تذكرة النهروالي التي جمع فيها رحلاته للمدينة وتركيا وبعض الأخبار التاريخية والنصوص الأدبية. وهي نسخة على ملك الشيخ حمد الجاسر الذي وصف الكتاب وصوّر منه بعض الورقات في مقدمته لكتاب البرق اليماني تأليف قطب الدين النهروالي ص ٤٧ - ٥٣.

стр. 30

تُنْسَب إلى المؤلف فإن الذي عرفناه عن ثقافة المؤلف أنها واسعة، كما لم نعرف عنه هذا المستوى من الأخطاء اللغوية والنحوية في ما اطلعنا عليه من مؤلفاته المكتوبة بخطه (١). ورغم أنها لا تخلو من أخطاء فإنها لا تصل أبدا إلى مستوى ما وجدْنا في المخطوط. وإنّ كثرة هذه الأخطاء وتعدّد البياضات مع عدم وضوح الكثير من الكلمات التي إذا عَمِيَتْ على الناسخ كتبها غير معجمة تقارب ما وجده في مسودة المؤلف. إنّ كلّ ذلك جعلني مضطرا إلى ضبط ما وجد في المخطوط من هذه الهنات وهو ما اضطرني أيضا إلى وضع الكثير من الهوامش التي تتشابه في أحيان كثيرة وتبدو في أحيان أخري بسيطة. ولكن عمل التحقيق يفرض عليّ إيراد هذه الهوامش، ولو شعر القارئ بثقلها وتشابهها عند قراءته للنص بهوامشه. وفي النص بعض الأخطاء التي تكاثرت وتعددت لذلك اكتفيتْ بذكرها عند ورودها أول مرة مع التنبيه إليها في هذه المقدمة، وهي: وردتْ في نص المخطوط أخطاء كثيرة في أسماء الأعداد وفي القواعد النحوية والرسمية البسيطة أصلحتها. كما وردت الألفاظ التالية مكتوبة على هذا الوجْه من الخطأ فأصلحتها دون التهميش عليها: أصْرف = صرف أبيع= بيع أخْلَع= خلع وقد أصلحتُها في كامل النص، رغم أنّ مثل هذه الأخطاء كانت ترد في بعض كتب مؤرخي العصر مثل كتاب مفاكهة الخلان لابن طولون وكتاب بدائع الزهور _________ (١) منها كتاب النكت الظراف، وكتاب حسن القرى في أودية أم القرى وغيرهما.

стр. 31

لابن إياس، ولو أنّ هذا المؤلف الثاني كان كثيرا ما يكتب نصوصه مختلطة بلغة عصره العامية المستعملة في مصر. أما تعاملي في التحقيق مع هذه الأخطاء الكثيرة فإنني لجأتُ إلى: (أ) تصحيح الأصل وإيراده في النص عندما أتيقّن من صحته، مع الإشارة الخطأ في الهامش. (ب) إيراد الخطأ في النص عندما لا أجد مرجّحا لكلمة أو كلمات معيّنة تقوم مقام الخطأ، وذلك عندما تتعدد إمكانيات الإصلاح، فأقترح ما أراه تصويبا في الهامش. إنّ وجود خط قطب الدين النهروالي على ورقة العنوان وعلى الكثير من ورقاته الأخرى جعلني أرجّح ما أراه من أنّ هذه النسخة كانت ضمن مكتبته، بدليل أنه تصرف فيها بوضع ورقة العنوان والهوامش والإضافات الكثيرة. فلو كانت على ملك غيره ما كان يتجرّأ على فعل ذلك في كتاب ليس على ملكه.

стр. 32

ورقة عنوان المخطوط وقد كتبت بخط قطب الدين النهروالي وعليها التملكات وختم مكتبة السليمانية ورقم المخطوط فيها

стр. 33

ورقة من المخطوط لتكون مثالًا على خط الناسخ

стр. 34

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. هذا ما وُجد من تاريخ الشيخ جار الله بن فهد الذي سمّاه نيل المني بذيل بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى. وقد جعله ذيلًا على تاريخ والدِهِ المسمّى بلوغ القرى، لتكملة إتحاف الورى، وهو ذيل على تاريخ الشيخ عمر بن فهد المسمّى بـ إتحاف الورى، بأخبار أم القرى نَقلْتُ من المسودة وهي كثيرة الخبط والتخاريج والتقليب، والله الموفق. شهر ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة (٩٢٣ هـ / ١٥١٧ م) أهلّ بالثلاثاء. وفي الجمعة يوم رابع ذي الحجة فُرّق الصّرّ الحكمي على أربابه بحضرة قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وبقية الفرَّاشين على العادة. وباشر الخطابة الشرفي يحيى ابن الخطيب فخر الدين بن أبي بكر النُويْري العقيلي بعد مَنْع السيد الشَّرَيف الجلالي أبي السعادات بن زايد الخزاعي أخي البرهاني السمرقندي من مباشرتها لصغَر سنّهِ وعدم أهلِيَته. وفي يوم الأحد سادس الشهر فُرّقْت الذخيرة السلطانية بحضرة أمير حاج (١) الركب المصري المِقرّ العلائي ابن الإمام (٢) ناظر الخواص والجيوش المنصورة بالديار

стр. 35

المصرية عند الأمير الكبير مُصْلح الدين الرومي (١) أمير المَحْمَل العثماني بالمدرسة الأَشْرفية القايتبائية، وأخرج نائبهما مقتطعها وأقبض الأشرفي بثلاثة وعشرين مُحَلّقا وقبَّضَ الجلاليَ أبا السعادات بن زايد نصف معلوم الخطابة خمسين دينارا، فشاححَهُ في ذلك الخطيب يحيى النويري، فتواصلا إلى الأمير مصلح الدين فأمر أولهما بإعطاء الثاني عشرين دينارا لمباشرته للخطابة في غيبته، وسأله عن عدم مباشرته في الجمعة الماضية، فقال له: منَعَني الشريف من ذلك، فقال له الأمير للحاج المصري: كنتَ أخبرتَنا وأمروه بالمباشرة في خطابة يوم السابع وما استطاع أن يخطب خوفا على نفسه لمخالفته السيد الشريف بركات (٢). وفي عصر تاريخه قُرئت رَبْعة بالمسجد الحرام للخندكار حضرها الأمراء والقضاة. وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه قُرِئ مولد للخندكار (٣) الملك المظفر أبي الفتوحات سليم خان ابن عثمان - نصره الله تعالى - أمام الرواق الشرقي من المسجد الحرام، حضَرَهُ الأمير مصلح الدين الرومي وجلس على ميْمَنَيِه أمير جدة قاسم الشرواني ثمّ جماعة من الأروام وعلى ميْسرته أمير الحاج المصري المقرّ العلائي

стр. 36

ابن الإمام وبجانبه المقر الشهابي بن الجيعان (١) وتحته قاضي القضاة الشافعي ثمّ الشيخ العلامة المعتقَد نور الدين حمزة ابن القاضي مصطفى الروميان، ومن تحتهما القضاة الثلاثة وبقية الفقهاء. وبعد الفراغ من قراءة المولد شرب الحاضرون سكّرا مذابًا وانصرفوا. وفي صباح تاريخه وصلتْ قافلة المدينة الشريفة وفيها خلق من أهلها: منهم قضاتها الثلاثة خلا الحنبلي فإنه كان بمكة، وكذا خطيبها الجديد القاضي ناصر الدين بن صالح. ووصل ركب قليل من الشرق فيه جماعة من بني جبر أهل الحسا والقطيف وكمّل أمير الحاج قبض الذخيرة لأربابها في منزله مع أخذ المقتطع كما هو عادة الذخيرة. وفي ظهر تاريخه خطب الشرفي يحيى النويري خطبة السابع على العادة، وترك مباشرتها الجلالي ابن زايد خوفا على نفسه من مخالفة الشريف بركات، فإنه تهَدّدَهُ إنْ تعاطى ذلك. وفي ظهر يوم الثلاثاء من الشهر توجّه الأمير مصلح الدين الرومي إلى عرفة رفقته المحملان (٢) الرومي والمصري ثم تبعه بقية الناس ولم يأتِ محملٌ هذه السنة من الشام. وكانت الوقفة المباركة بالأربعاء والحج هنيا إلّا الأسعار غالية، فالله تعالى يرخّصها ووقف في الموقف الشريف تحت الجبل قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة الشافعي، ودعا للناس فيه وبالقرب منه الأمير مصلح الدين الرومي - وهو أول أمير

стр. 37

الأروام - ومعه المحملان (١) المتقدم ذكرهما. ووقف بالقرب من البرَك أمير الحاج المصري المقرّ العلائى ابن الإمام وجماعته. وكان السيد الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف على عادته بجانب الجبل. ونفر الخلق عند غروب الشمس، مغفور لهم بسعة رحمة الله تعالى، وباتوا بالمزدلفة ثمّ دفعوا إلى منى بعد الوقوف بالمشعر الحرام. وكانت حجة هنية من غير خوف ولا مشقّة. ونزل الأمير إلى مكة المشرفة فطافوا طواف الركن ونزعوا ثوب الكعبة الشريفة القديم عنها على العادة، وكان الجديد فوقها وتقسّمتْ بنو شيبة الكسوة القديمة على عادتهم. وفي صبح يوم السبت ثاني عشر الشهر وسطَ (٢) الأمير مصلح الدين الرومي أربعة أنْفُسٍ من مماليك سلمان الرومي القبطان في البحر (٣) ورمى بهم في شوارع منى، وذلك بسبب هروبهم عند سفره من الطور بغراب لسيدهم سلمان القبطان فظفروا بهم. وفي ظهر تاريخه نفر الأمير المشار إليه من منى إلى مكة المشرفة فتبعه الأمراء وبقية الناس. وفي ضحى ثاني تاريخه وقعت (٤) بمكة حفلة سببها أن الأمير قاسم الشرواني (٥)

стр. 38

نائب جدة المعمورة مسك حراميًا يقال إنه شيخ عرب بني شعبة فضربه ليُقِرّ بالسرقة فقال: هي يجياد، فوضعه في الحديد وأرسل معه جماعة أروام من معه جماعة أروام من غلمانه وغلمان الأمير مصلح الدين فتوجّهوا معه إلى أجياد حارة الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف، فلاقاهم الشريف غرم صهر السيد بركات فأراد خلاص السارق منهم فمنعوه من ذلك، فساعده جماعة من بني حسن، فحينئذ ضرب الأروام السارق بالسيف حتى سقط إلى الأرض، ثم انهزموا عنه، فركب جماعة من بني حسن على خيولهم وأرادوا إيقاع فتنة مع الأروام. فسمع السيد الشريف بركات بذلك فخرج من منزله وركب فرسه وتهدّد جماعته وضرب بعضهم وأمر بشنْق السارق بعد موته من ضرب الأروام تسكينا للفتنة. وكان أمير الحاج المصري شرع في السفر من منزله عند باب الصفا ودقّ بالطبْل والزمر، فظن الأمير مصلح الدين الرومي أنّ السيد بركات له غرض في إقامة الفتنة، فأمر الأروام بركوبهم على خيولهم، فجاءه المقر الشهابي بن الجيعان وقال له: الشريف عاقل ولا يرضى فعل جماعته. فلما بلغه صنيع الشريف وما فعله مع جماعته ردّ الأروام وسكنت الفتنة بحمد الله تعالى. وسافر الحاج المصري يوم تاريخه صحبة أميرهم المقر العلائي ابن الإمام، وأخذ محمله الذي جاء به من عند الأمير مصلح الدين، وأعطاه الشريف معلوم أمير الحاج المعتاد، مبلغ ثلاثة آلاف دينار، وأخذ منها الأمير مصلح الدين خمسمائة دينار ووقع بينهما تشاجر بسبب ذلك، وكان الحجاج في غاية القلة والضعف (١). وفي يوم تاريخه وُجِدَ عيال سيدي العلامة القاضي عزّ الدين فائز ابن قاضي القضاة خطيب المسجد الحرام فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي الشافعي - نفع

стр. 39

الله به - أموات تحت سقف بيتهم بالفَلْق (١)، وكانوا تخلّفوا عن الحج وسقط عليهم السقف يوم عرفة، وما عَلِم بهم أحد إلّا بطلوع رائحتهم فكُشِف عنهم، فوُجِد ثلاثة أنفس أموات، هم ولده الطفل محمد ووالدته العجمية ووالدتها فجُهّزوا يوم تاريخه ودُفنوا بالمعلاة من غير إدخالهم إلى المسجد الحرام. فحزن الناس عليهم كثيرا، رحمهم الله تعالى، وأخذ العزاء فيهم القاضي عز الدين فائز. وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر مات المحيوي عبد القادر بن عبد الله الحلبي المصري الأصل المكي، وجُهّز في يومه وصلي عليه بين صلاتيْ العصر والمغرب في المسجد الحرام، ودُفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى، وخلف أولادا ذكورا وإناثا قاصرين، ولم يظهر له مال. وفي صبح يوم السبت تاسع عشر الشهر أرْخِيَتْ ثياب الكعبة الشريفة عليها، وخيط جوانبها على العادة القديمة، وهي أول كسوة للكعبة الشريفة عليها اسم السلطان سليم. وفي عصر تاريخه سافر إلى جدة المقرّ الشهابي أحمد بن الجيعان وصحبته نائب جدة المعمورة الأمير قاسم الشرواني وعلى نية الأول العودة إلى مكة المشرفة لمصالح السلطنة وغيرها. وفي صبح ثاني تاريخه ماتت موْطُوءَتي دام السرور ابنة عبد الله الحَبشية شهيدة بعد وجَعها بالإسهال مدة ثلاثة أشهر، فجُهّزتْ يوم تاريخه وصلّى عليها بعد صلاة العصر أمام باب الكعبة الشريفة الشيخ عبد الله الشيبي مع ابنة أخيه الشيخ عبد الرحمن الشيبي اليمني، وشيّعهما خلق من الفقهاء إلى تربة المعلاة، ودُفنتْ الثانية بتربة أسلافها بالشِّعب الأقصى، والأولى بتربة أسلافنا على قبر أولاد لها ثلاثة مني بجانب

стр. 40

قبر والدي، رحمة الله عليها وعلى والدي وجميع المسلمين، فحصل لي عليها حزن كثير. عوّضني الله فيها خيرا وأدخلها الجنّة، فإنها كانت مباركة عاقلة مدبّرة صابرة محتسبة بالله تعالى مع الملازمة على الصلوات وفعل الخيرات، وذُكر لي أنها كانت [تدعو الله] (١) تعالى أن لا يميتها حتى أقدم من السفر إليها، فاستجاب الله منها ذلك، وكنتُ راضيا عنها في غيبتي عنها وفي حضوري. وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشريْ الشهر مات الشيخ المبارك التالي لكتاب الله تعالى أبو الخير ابن الشيخ محمد والد محمد الحريري الموقّت وشيخ السبْع بالمسجد الحرام، فصلّى عليه بعد صلاة الصبح ودُفن بالمعلاة قريب الدرب، رحمه الله تعالى وإيانا ونفع بعلومه. وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه وصل إلى مكة المشرفة قمح الصدقة الواصل في البحر من عند ملك الوقت السلطان المظفر سليم خان ابن عثمان شيّد الله له الأركان وكان ذلك بتجهيز ملك الأمراء خير بك، نائب الديار المصرية (٢) بأمر السلطان سليم خان. وفي ظهر يوم الجمعة خامس عشريْ الشهر، طلب الأمير مصلح الدين الرومي القضاة الأربعة والبوابين (٣) للمسجد الحرام وتكلّم عليهم من جهة فتح الأبواب في الليل ودخول الكلاب إلى المسجد، وأمرهم بقفْلها في الليل، فأجابوا بالإنعام، وكان طلب نوابهم على الأبواب وسألهم عن المعلوم الذي يأخذونه من أهل الوظائف، فقالوا له: يعطون (٤) كل واحد منّا دينارا، وكان الريّس فخر الدين
следующие страницы →