← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ابن الإمام وبجانبه المقر الشهابي بن الجيعان (١) وتحته قاضي القضاة الشافعي ثمّ الشيخ العلامة المعتقَد نور الدين حمزة ابن القاضي مصطفى الروميان، ومن تحتهما القضاة الثلاثة وبقية الفقهاء. وبعد الفراغ من قراءة المولد شرب الحاضرون سكّرا مذابًا وانصرفوا. وفي صباح تاريخه وصلتْ قافلة المدينة الشريفة وفيها خلق من أهلها: منهم قضاتها الثلاثة خلا الحنبلي فإنه كان بمكة، وكذا خطيبها الجديد القاضي ناصر الدين بن صالح. ووصل ركب قليل من الشرق فيه جماعة من بني جبر أهل الحسا والقطيف وكمّل أمير الحاج قبض الذخيرة لأربابها في منزله مع أخذ المقتطع كما هو عادة الذخيرة. وفي ظهر تاريخه خطب الشرفي يحيى النويري خطبة السابع على العادة، وترك مباشرتها الجلالي ابن زايد خوفا على نفسه من مخالفة الشريف بركات، فإنه تهَدّدَهُ إنْ تعاطى ذلك. وفي ظهر يوم الثلاثاء من الشهر توجّه الأمير مصلح الدين الرومي إلى عرفة رفقته المحملان (٢) الرومي والمصري ثم تبعه بقية الناس ولم يأتِ محملٌ هذه السنة من الشام. وكانت الوقفة المباركة بالأربعاء والحج هنيا إلّا الأسعار غالية، فالله تعالى يرخّصها ووقف في الموقف الشريف تحت الجبل قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة الشافعي، ودعا للناس فيه وبالقرب منه الأمير مصلح الدين الرومي - وهو أول أمير

стр. 37

الأروام - ومعه المحملان (١) المتقدم ذكرهما. ووقف بالقرب من البرَك أمير الحاج المصري المقرّ العلائى ابن الإمام وجماعته. وكان السيد الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف على عادته بجانب الجبل. ونفر الخلق عند غروب الشمس، مغفور لهم بسعة رحمة الله تعالى، وباتوا بالمزدلفة ثمّ دفعوا إلى منى بعد الوقوف بالمشعر الحرام. وكانت حجة هنية من غير خوف ولا مشقّة. ونزل الأمير إلى مكة المشرفة فطافوا طواف الركن ونزعوا ثوب الكعبة الشريفة القديم عنها على العادة، وكان الجديد فوقها وتقسّمتْ بنو شيبة الكسوة القديمة على عادتهم. وفي صبح يوم السبت ثاني عشر الشهر وسطَ (٢) الأمير مصلح الدين الرومي أربعة أنْفُسٍ من مماليك سلمان الرومي القبطان في البحر (٣) ورمى بهم في شوارع منى، وذلك بسبب هروبهم عند سفره من الطور بغراب لسيدهم سلمان القبطان فظفروا بهم. وفي ظهر تاريخه نفر الأمير المشار إليه من منى إلى مكة المشرفة فتبعه الأمراء وبقية الناس. وفي ضحى ثاني تاريخه وقعت (٤) بمكة حفلة سببها أن الأمير قاسم الشرواني (٥)

стр. 38

نائب جدة المعمورة مسك حراميًا يقال إنه شيخ عرب بني شعبة فضربه ليُقِرّ بالسرقة فقال: هي يجياد، فوضعه في الحديد وأرسل معه جماعة أروام من معه جماعة أروام من غلمانه وغلمان الأمير مصلح الدين فتوجّهوا معه إلى أجياد حارة الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف، فلاقاهم الشريف غرم صهر السيد بركات فأراد خلاص السارق منهم فمنعوه من ذلك، فساعده جماعة من بني حسن، فحينئذ ضرب الأروام السارق بالسيف حتى سقط إلى الأرض، ثم انهزموا عنه، فركب جماعة من بني حسن على خيولهم وأرادوا إيقاع فتنة مع الأروام. فسمع السيد الشريف بركات بذلك فخرج من منزله وركب فرسه وتهدّد جماعته وضرب بعضهم وأمر بشنْق السارق بعد موته من ضرب الأروام تسكينا للفتنة. وكان أمير الحاج المصري شرع في السفر من منزله عند باب الصفا ودقّ بالطبْل والزمر، فظن الأمير مصلح الدين الرومي أنّ السيد بركات له غرض في إقامة الفتنة، فأمر الأروام بركوبهم على خيولهم، فجاءه المقر الشهابي بن الجيعان وقال له: الشريف عاقل ولا يرضى فعل جماعته. فلما بلغه صنيع الشريف وما فعله مع جماعته ردّ الأروام وسكنت الفتنة بحمد الله تعالى. وسافر الحاج المصري يوم تاريخه صحبة أميرهم المقر العلائي ابن الإمام، وأخذ محمله الذي جاء به من عند الأمير مصلح الدين، وأعطاه الشريف معلوم أمير الحاج المعتاد، مبلغ ثلاثة آلاف دينار، وأخذ منها الأمير مصلح الدين خمسمائة دينار ووقع بينهما تشاجر بسبب ذلك، وكان الحجاج في غاية القلة والضعف (١). وفي يوم تاريخه وُجِدَ عيال سيدي العلامة القاضي عزّ الدين فائز ابن قاضي القضاة خطيب المسجد الحرام فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي الشافعي - نفع

стр. 39

الله به - أموات تحت سقف بيتهم بالفَلْق (١)، وكانوا تخلّفوا عن الحج وسقط عليهم السقف يوم عرفة، وما عَلِم بهم أحد إلّا بطلوع رائحتهم فكُشِف عنهم، فوُجِد ثلاثة أنفس أموات، هم ولده الطفل محمد ووالدته العجمية ووالدتها فجُهّزوا يوم تاريخه ودُفنوا بالمعلاة من غير إدخالهم إلى المسجد الحرام. فحزن الناس عليهم كثيرا، رحمهم الله تعالى، وأخذ العزاء فيهم القاضي عز الدين فائز. وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر مات المحيوي عبد القادر بن عبد الله الحلبي المصري الأصل المكي، وجُهّز في يومه وصلي عليه بين صلاتيْ العصر والمغرب في المسجد الحرام، ودُفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى، وخلف أولادا ذكورا وإناثا قاصرين، ولم يظهر له مال. وفي صبح يوم السبت تاسع عشر الشهر أرْخِيَتْ ثياب الكعبة الشريفة عليها، وخيط جوانبها على العادة القديمة، وهي أول كسوة للكعبة الشريفة عليها اسم السلطان سليم. وفي عصر تاريخه سافر إلى جدة المقرّ الشهابي أحمد بن الجيعان وصحبته نائب جدة المعمورة الأمير قاسم الشرواني وعلى نية الأول العودة إلى مكة المشرفة لمصالح السلطنة وغيرها. وفي صبح ثاني تاريخه ماتت موْطُوءَتي دام السرور ابنة عبد الله الحَبشية شهيدة بعد وجَعها بالإسهال مدة ثلاثة أشهر، فجُهّزتْ يوم تاريخه وصلّى عليها بعد صلاة العصر أمام باب الكعبة الشريفة الشيخ عبد الله الشيبي مع ابنة أخيه الشيخ عبد الرحمن الشيبي اليمني، وشيّعهما خلق من الفقهاء إلى تربة المعلاة، ودُفنتْ الثانية بتربة أسلافها بالشِّعب الأقصى، والأولى بتربة أسلافنا على قبر أولاد لها ثلاثة مني بجانب

стр. 40

قبر والدي، رحمة الله عليها وعلى والدي وجميع المسلمين، فحصل لي عليها حزن كثير. عوّضني الله فيها خيرا وأدخلها الجنّة، فإنها كانت مباركة عاقلة مدبّرة صابرة محتسبة بالله تعالى مع الملازمة على الصلوات وفعل الخيرات، وذُكر لي أنها كانت [تدعو الله] (١) تعالى أن لا يميتها حتى أقدم من السفر إليها، فاستجاب الله منها ذلك، وكنتُ راضيا عنها في غيبتي عنها وفي حضوري. وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشريْ الشهر مات الشيخ المبارك التالي لكتاب الله تعالى أبو الخير ابن الشيخ محمد والد محمد الحريري الموقّت وشيخ السبْع بالمسجد الحرام، فصلّى عليه بعد صلاة الصبح ودُفن بالمعلاة قريب الدرب، رحمه الله تعالى وإيانا ونفع بعلومه. وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه وصل إلى مكة المشرفة قمح الصدقة الواصل في البحر من عند ملك الوقت السلطان المظفر سليم خان ابن عثمان شيّد الله له الأركان وكان ذلك بتجهيز ملك الأمراء خير بك، نائب الديار المصرية (٢) بأمر السلطان سليم خان. وفي ظهر يوم الجمعة خامس عشريْ الشهر، طلب الأمير مصلح الدين الرومي القضاة الأربعة والبوابين (٣) للمسجد الحرام وتكلّم عليهم من جهة فتح الأبواب في الليل ودخول الكلاب إلى المسجد، وأمرهم بقفْلها في الليل، فأجابوا بالإنعام، وكان طلب نوابهم على الأبواب وسألهم عن المعلوم الذي يأخذونه من أهل الوظائف، فقالوا له: يعطون (٤) كل واحد منّا دينارا، وكان الريّس فخر الدين

стр. 41

حاضر (١) في المجلس، فقام وكلّم نائبه في باب العجلة، فتخيل الأروام تعليمه له، فأرادوا ضربه ووضعوه على الأرض ثمّ سلّمه الله تعالى منهم بشفاعة بعض الحاضرين، وانفضّ المجلس بعد ذلك، ويفعل الله في مُلكه ما شاء. وفي ليلة السبت ثاني تاريخه مات الشيخ المبارك المعلم شهاب الدين أحمد بن محمد السحولي المكي، وكان مريضا مدة طويلة عَمِي في أثنائها، فجُهّز في ليلته وصليّ عليه عند باب الكعبة في صبح، تاريخه وشيّعه جماعة قليلون، ودفن بالمعلاة أمام تربة الشيخ عمر العرابي - نفع الله به ورحمهما - وخلّف ولدا مباركا اسمه عمر وثانيًا بالهند وابنة وزوجة أخلفهم الله فيه خيرًا، وعوّضه الجنة بمنّهِ وكرمه، آمين. وفي يوم تاريخه وُلد للسيد الشريف زين الدين أبي زهير بركات ولدٌ ذكر من جارية تركية سمّاه حازمًا، جعله الله مباركا على والديه والمسلمين، وكان الشريف بركات يحبها محبّةً عظيمة. وفي عصر ليلة الأحد سابع عشريْ الشهر توجّه الأمير مصلح الدين الرومي إلى التنعيم وأخذ رفقته جماعة من من المشائخ العلماء والصوفية منهم الشيخ القدوة نور الدين حمزة الرومي الحنفي والشيخ المفيد زين الدين عبد الكبير بن يس بن عبد الكبير الحضرمي الأصل المكي وولده الجمالي محمد وابن عمّه عبد الوهاب وبَلَديهم شيخنا العلامة الزاهد عفيف الدين باكثير بن أحمد المكي الشافعي وبعض أولاده، والشيخ العلامة زين الدين أيوب بن الأزهري الأصل المكي الشافعي ومعه بعض أولاده، والشيخ العلامة الصالح جمال الدين محمد بن عبد الرحمن المغربي الشهير بالحطاب وولده الجمالي محمد، والفتوحي عفيف الدين عبد الله بن محمد الحفاشي نزيل مكة المشرفة وأحرم كلّ منهم بالعمرة عن والدة السلطان الملك المظفر سليم خان بن عثمان، وغيرها ودخلوا إلى المسجد الحرام وطافوا وسعَوْا، وبعد ذلك

стр. 42

أعطاهم مصلح الدين ذهبا، كلّ واحد من المشائخ ثلاثة أشرفية، وأولادهم أنقص منهم. وعجب كثير من الناس لذلك، فالله تعالى يجمل ويستر ويجعل العاقبة إلى خير. وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر وصل من جدة المعمورة نائبها الأمير قاسم الشرواني والمقرّ الشهابي سيدي أحمد بن الجيعان فقصدهما الناس للسلام عليهما من الفقهاء والقضاة وغيرهم. شهر الله الحرام مفتتح سنة أربع وعشرين وتسعمائة (٩٢٤ هـ / ١٥١٨ م) جعلها الله سنة مباركة. استهل في ليلة الأربعاء بالرؤية المستفيضة، وكان ذلك افتتاح العام جعله الله تعالى ميمونا. وفي أوائله تقدم الأمير مصلح الدين الرومي وقيد عشرة أنفس من الشيبيين في قراءة رَبْعة بعد صلاة الصبح أمام باب الكعبة الشريفة، وجعل ناظرهم وشيخ حضورهم فاتح الكعبة، وأوقف عليهم حمام سوق الليل المعروف بحمام النبي ﷺ مع بيوت أخَر اشتراها بألف دينار وشرع في عمل حنفية خلف درجة الريّس وقُبّة السقاية القديمة المعروفة الآن بالسلطان المؤيد شيخ الملاصقة لفرشة زمزم بجانب الحنفية العتيقة التي غيّرَها الأمير جانبك، وهي حوض كبير من حجر الماء له بزابيز من نحاس وحجارة يُجْلَس عليها للوضوء. وفي يوم الجمعة ثالث الشهر طلع الأمير مصلح الدين المشار إليه إلى تربة المعلاة ورفقته المقرّ الشهابي سيدي أحمد بن الجيعان ونائب جدة الأمير قاسم الشرواني والشيخ العلامة الزاهد نور الدين حمزة الرومي فزاروا ضريح كلّ من السيدة خديجة الكبرى زوج النبي ﷺ ورضي عنها ومصلب السيد عبد الله بن

стр. 43

الزبير ﵁، والأولياء الذين بالمعلاة، نفع الله بهم ورحمهم. ثمّ بعد نزولهم من المعلاة اجتمعوا بالقضاة الأربعة في مقام الحنفية بالمسجد الحرام، وتكلم الأمير مصلح الدين مع القضاة في هدم المقام المذكور وبنائه قبة عالية على أربعة عُمَدٍ بعقود أربعة. فأحال القضاة الأمر إلى السيد الشريف زين الدين بركات، نصره الله تعالى وأدام أيامه، فافترقوا على ذلك فواجه الأمير مصلح الدين الشريف المنوّه بذكره وسأله في ذلك فأذن له في العمارة، وأخذ خَطّهُ بذلك. وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه أحضَرَ البُناة والمهندسين لفعل ذلك، فحضر القضاة وقالوا له: فعل هذا منْكر، وشدّد في ذلك القاضي الحنبلي المجنون عبد القادر بن نجم الدين بن ظهيرة، فقال له الشيخ نور الدين حمزة الرومي: أنت مجنون! فكَبّر عليه، ووقع بينهما كلام كثير، ثمّ انفضّ المجلس على غير شيء. ثمّ في ظُهْر تاريخه طلب الأمير مصلح الدين القضاة الأربعة إلى مسكنه بالمدرسة الأشرفية القايتبائية، وتكلّم معهم في ذلك وقال لهم: اكتبوا لي خطكم بالكراهية أو الجواز وأنا أراجع السلطان فأراه قاضي القضاة الشافعي تاريخ القاضي تقي الدين الفاسي المالكي (١) وفيه إنكار العلماء المتقدمين، لأن فيه شغْل بقْعَة في المسجد. فصمّم الأمير على أخذ خطهم ببيانه فصار كل منهم يحيل على الآخر، ووقع الإنكار على القاضي الحنبلي بتكبيره على الشيخ نور الدين حمزة وسأل الأمير مصلح الدين قاضي القضاة الشافعي في كتابة محضر بما فعل القاضي الحنبلي، فشرع في مسودة المحضر في المجلس. ثمّ تكلّم بعض الحاضرين في الصلح فأصلح الأمير بينهما، وانفض المجلس على ذلك من غير شيء. ثمّ بعد ذلك طلب الأمير مصلح الدين بعض علماء الحنفية الذين بمكة منهم قاضي القضاة بديع الزمان بن الضياء والقاضي شمس الدين بن جلال المدني وشيخ الحنفية شمس الدين محمد بن النجمي وسألهم عن بناء المقام، فذكر له أوّلهم أن

стр. 44

جده قاضي القضاة أبا البقاء بن الضياء الحنفي أفتى بجواز ذلك، ونصّ على ذلك في منْسكه المسمى البحر العميق في الحج إلى بيت الله العتيق" (١). فأعجب الأمير ذلك، وكان السبب في تصميمه على البناء. فشرع في صبح ثاني تاريخه في حفر أساس أمام البناء القديم بزيادة ذراعي عمل إلى أن أوصله بحاشية المطاف، وجعل المقام خمسة عشر ذراعا في خمسة عشر ذراعا مربعا. فحضر القضاة عنده ولم يتكلموا، لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. فإنهم قدّموا مجنونا وتخلفوا عن مساعدته. وفي ليلة الثلاثاء سابع الشهر عمل الأمير قاسم الشرواني، نائب جدة المعمورة، عقدًا حافلًا لولده المراهق البرهاني إبراهيم على البنت الطفلة سعادة ابنة المقر الشهابي شهاب الدين أحمد بن أبي البركات أحمد بن الشرفي يحيى بن شاكر بن عبد الغني بن الجيعان القاهري الشافعي - كان الله له - وعمرها نحو سنة ونصف. وكان المباشر للعقد قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة في المسجد الحرام أمام الرواق الغربي بالقرب من باب العمرة قدّام بيت والد الزوج وحضر فيه السيد الشريف زين الدين أبي زهير بركات زعيم الحجاز المنيف وولده السيد أبو نمي أمير مكة المشرفة وبعض إخوانه والقضاة الثلاثة والأمير مصلح الدين الرومي ووالد الزوج وخلق من الفقهاء والتجّار وغيرهم، وشربوا سُكرا مُذابا كالعادة، ثم بعد الفراغ هنؤوا الزوج ووالده، ولم يحضر والد الزوجة بل سافر في صباح العقد إلى جدة لحوائج له فوجدها قُضِيتْ فعاد في يومه، فهنّأه الناس بالعقد وسقاهم سُكّرا. وفي ليلة الثلاثاء ثانيه عقد الخواجا عبد اللطيف ابن الخواجا صديق ابن الفاضل اليمني العدني على السيّدة المصونة صفية ابنة شيخنا قاضي القضاة بالحرمين

стр. 45

الشريفين النجمي ابن يعقوب المالكي، رحمه الله تعالى، في منزل والدها، وحضره قاضي القضاة الشافعي والحنفي المعزول والمقرّ الشهابي ابن الجيعان وكثير من الفقهاء والتجار ودخل بها في ليلته وخرج في صباح يومه. ودخل في ليلة تاريخه الشرفي يحيى ابن شيخ السَدَنة الحجَبَة الطيب محمد بن عمر الشيبي على ابنة عمّه الشيخ محمد - رحمه الله تعالى - واسمها سعاد، فهرع الناس لتهنئتهما والسلام عليهما. وفي هذا اليوم - أو قبله - وُلد محمد درويش ابن الفقيه الأصيل فخر الدين أبي بكر ابن الشيخ جمال الدين بن محمد بن عمر الشيبي من ابنة عمّه الشيخ عفيف الدين عبد الله الشيبي، رحمه الله تعالى. وفي صبح يوم الجمعة عاشر الشهر ختم الشيخ بربخت العجمي - تلميذ والدي - قراءة تفسيره في المسجد الحرام أمام الرواق الشرقي بالقرب من المدرسة الأشرفية، وطلب الأمير مصلح الدين الرومي والقضاة الأربعة وكثيرا من الفقهاء فحضروا عنده مع خلق من العامة، ودعى عقب الختم للملك المظفّر سليم خان بن عثمان، ولقَّبه بألقاب كثيرة صارت عند الناس شهيرة عن ظاهر قلب. وبعد فراغ الختم طلع الأمير مصلح الدين والقضاة الأربعة إلى المعلاة ورفقتهم كسوة ضريح السيّدة خديجة ابنة خويلد ﵂ زوج النبي ﷺ الجديد، وهو على قفص جريد وقدّامه الفقراء الصوفية يهللون الله تعالى. فلمّا وصلوا إلى قبرها بالشعب الأقصى وضعوه عليه، ومدّ لهم الأمير مصلح الدين مَدّة عظيمة وتصدّق على الفقراء بأطعمة وبقسماط وغيرها، وكثر الدعاء للسلطان وجماعته - أيدّهم الله تعالى وأدام نصره - وكان يوما عظيما للفقراء. وفي ظهر تاريخه فُقِد الخواجا عباس المصري تاجر السلطان، وكان فضل عنده مال للدولة المصرية وضمِنَه جماعة منهم الخواجا بركات الحلبي فأرسل الأمير مصلح

стр. 46

الدين إلى جيرانه وسألهم عنه فحلفوا له أنهم ما يعرفون شيئا من خبره فأطلقهم، وهم الخواجا شمس الدين بن زين الدين والجمال محمد بن شهاب الهرموزي والقاضي إبراهيم بن سالم المصري ثم إنه مسك ضامنه الخواجا بركات الحلبي وضربه ضربا مؤلما ووضعه في الحديد، وراجع السيد الشريف زين الدين بركات في أمر المختفي وربما اتهمه في مواطأته. . . . (١) وعدم اطلاعه على أمره، وأرسل جماعة إلى البلدان يسألون عنه. وفي يوم السبت ثاني تاريخه شرع العمال في هدم قبّة مقام الحنفية القديم. ووصل جماعة من المدينة الشريفة وأخبروا أنها متوسطة الأسعار، وحصل فيها زحمة من الحاج مات فيها ستة عشر نفسًا عند باب المسجد الغربي المعروف بباب السلام فيهم أربع نساء وإثنا عشر رجلا. وحصل للحاج سيول عند الخيف، سلّمهم الله تعالى منها. وفي يوم تاريخه. . . . (٢) خيامه القاضي شهاب الدين بن الجيعان في الزاهر خارج مكة على نية السفر إلى الديار المصرية صحبة الأمير مصلح الدين الرومي. وفي يوم الأحد ثاني عشر الشهر شرع المعلّمون (٣) في بناء مقام الحنفية الجديد عملوا أساسهُ حجارة عظيمة وعلى ظهر الأرض حجارة الماء الصفراء. وصورته مربع على أربع بتر (٤) عراض كلّ واحدة ثلاثة أذرع وجعلوا قبّة شاهقة جميعها بالحجر الأصفر، فيها أربع طاقات صغار، وحوالي العقود أخشاب للقناديل ومحراب مدوّر خارج القبّة جهة القبلة، ومن جهة الشام دكّة خشب للمكبّرين يُطلع إليها بدرجتين لطاف خارج القبة من جانبيها الشرقي والغربي، واستمرّ العمل فيها طول

стр. 47

السنة، وكان تمامها في يوم. . . . (١). وفي صبح يوم الخميس سادس عشر الشهر ظهر الخواجا عباس تاجر السلطان من الاختفاء، وعُمِلت مصلحته للأمير مصلح الدين بألف دينار، وقيل خمسمائة، وأسْنَد حسابه للسيّد الشريف زين الدين بركات. وفي صبح ثاني تاريخه خلع على القاضي زين الدين المحتسب بولاية جميع وظائفه التي بجدة وهي النظر والصرف والحسبة وكتابة السنابيق (٢) وبرز بحمله في يوم تاريخه، وأقام في مكة يومين وليلتين. وفي ظهر يوم السبت ثاني عشر الشهر سافر الأمير مصلح الدين ووادعَهُ القضاة وغيرهم وتتابع بعده المسافرون رفقته. وفي ضحوة ثاني تاريخه سافر المقرّ الشهابي ابن الجيعان ورفقته صاحبنا الحلبي اليمني الأصل نزيل مكة المشرّفة المشهور بالخلاعة والظرف والشعر. وفي مغرب ليلة الإثنين عشريْ الشهر سافر قاضي القضاة بديع الزمان محمد بن الضياء الحنفي وعديله الزيني بركات. وفيه الأمير قُطْلُباي باش لمكة كان، وباتوا في الزاهر ثم حملوا إلى الوادي. وفي ظهر ثاني تاريخه سافرت قافلة المدينة الشريفة مع الخائر بك أمر بها الأمير يسير الخادم الساقي بالقلعة كان، ورفقته قاضي المالكية كان الزيني عبد الحق النويري، وتوجّه هو والحنفي بسبب السعي في القضاء، وكان كلّ منهما سأل السيد الشريف بركات في كتابة وصية لهما بالولاية، فامتنع من ذلك وقال لهما: قد كتبتُ وصية للمتوليين، وأنا لا أمنعكم السفر. وفي عصر تاريخه طاف السيد الشريف زين الدين أبو (٣) زهير بركات وولده

стр. 48

السيد أبو (١) نُمَي، ودعى لهما الريّس فخر الدين أبو (٢) بكر فوق ظلة زمزم على العادة، كلّ واحد بمفرده، ووادَعَهما قضاة القضاة وكثير من الفقهاء عند باب حزورة. وفي يوم تاريخه مات الشيخ المعمّر الأصيل محيى الدين عبد القادر بن أبي البركات النويري وعمره ستة وتسعون سنة، مائة سنة إلّا أربع سنين، فجُهّز في ليلته وصليّ عليه عند باب الكعبة في صبح يوم الأربعاء ثاني عشريْ الشهر وشيّعه جماعة من الفقهاء وغيرهم، ودُفِن عند الشعب الأقصى على قبر أمه بوصية منه. وخلّف ولديْن ذكرين أحدهما بمكة وثانيهما بالشام وبعض كُتب وصُرر يسيرة وعدة أنظار على أوقاف على النّوَرَة (٣)، لكونه أكبر الموجودين منهم، بل هو أكبر أهل مكة سنًا. وكان قد ضعف نظره وسمْعه وبدنه حتى صار يُحْمل على ظهر إنسان، ﵀ وعفا عنه وغفر له. وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه وصلتْ قافلة المدينة الشريفة صحبة الشيخ المعتقد عفيف الدين عبد الله بن مرزوق اليمني، وعادتُه يحج في كل سنة ويتوجّه لزيارة النبيل ﷺ فواجه الأمير مصلح الدين عند عسفان، وأخذ هو على طريق الساحل خوفا على أخذ جمال القافلة التي صحبته منه، فسلّمها الله ببركة الشيخ. - نفع الله به - ووصل برفقته الفقيه الأصيل الفخري أبو بكر ابن أقضى القضاة نور الدين (٤) علي بن أبي بكر المرشدي الحنفي، وفرح والداه (٥) بوصوله ولاقاه أعمامه وجماعة من أصحاب والده إلى المسعى وسعوا أمامه إلى منزلهم وعمل له والده سفرة حسنة.

стр. 49

وفي الثلث الأخير من ليلة الجمعة رابع عشريْ الشهر ظهر للأخ محيي الدين عبد القادر بن فهد - أبقاه الله تعالى - مباركة سمّاها أم الكرم فاطمة، أمها الحرة المصونة سيّدة الكلّ ابنة الشيخ المبارك جمال الدين محمد بن قاسم المغربي الأصل المعروف والده بالدب. وكانت في منزل والدها بأجياد الصغير عند رباط ربيع، جعلها الله ابنة مباركة ميمونة علينا وعلى والديها، وأنشأها نشئا صالحا وأنبتها نباتا حسنا. وفي ظهر يوم السبت خامس عشريْ الشهر مات الشيخ الأصيل جمال الدين محمد ابن الشيخ العلامة نور الدين علي بن أيوب بن الشحنة البرماوي الأصل المكي وله من العمر نحو السبعين سنة، فغسل وكُفن وصليّ عليه في عصر يومه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة قليلون منهم فقراء رباط ربيع وهم يهللون، ودفن على قبر والده بالقرب من تربة بني ظهيرة القديمة وبيت ابن عبد القوي، ﵀، وخلّف ابنة وبعض كراكب تعلق الدولة على بعضها، مع فقره وتعاطيه ما لا يليق بأمثاله من المغيّبات، وربما مزح معه العامة وسمّوه جرولا فكان يسبّهم ويسبّونه، عفا الله عنه وغفر له. وفي صباح يوم الأحد سادس عشريْ الشهر مات الخواجا شهاب الدين أحمد بن علي المغربي الأصل المصري المكي المعروف بأسد الأسود، فخلّف أخا شقيقا له وابنة من جارية حبشية له، فحزن له أخوه كثيرا وتوجّه الناس لتعزيته، فغسّل وجُهّز وكفن من يومه وصلّى عليه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة عند باب الكعبة بعد صلاة العصر وشيّعه خلق كثيرون وأسف الناس عليه كثيرا خصوصا أصحابه المعروفين بالأسود، وكان جامع شملهم، ودفن بتربة أسلافه بالقرب من الشيخ علي الشولي، نفع الله به، وعُمِلت له ربعة صباحا ومساء وعُمِل له ختم في صبح يوم الجمعة خامس موته، رحمه الله تعالى وعفا عنه.

стр. 50

وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه عَقَدتُ بالمرأة المحجّبة ذات الحجاب المنيع والستر الرفيع السيدة زينب ابنة سيدنا العلامة قاضي المسلمين، عين الأماثل المعتبرين نور الدين أبي الحسن علي ابن المرحوم الشيخ فخر الدين أبي بكر بن عبد الغني المرشدي المكي الأنصاري الحنفي، أبقاه الله تعالى وصان حجابها، وكان العقد في منزله بالسويقة. حضره شقيقه قاضي القضاة شيخ الإسلام أوحد العلماء الأعلام نسيم الدين عبد الغني المرشدي وإخوانه وأقاربه وبعض أصحابنا، فباشر العقد المشار إليه وعقد لي على مائتي مثقال ووعدتْ تترك لي منها مائة. وبعد الفراغ شربْنا سكرا مُذابا، ثم دخلتُ بها في ليلتي، جعلها الله مباركة عليّ، ووفّق بيننا على خير ورزقنا ذرية صالحة. وفي صباح تاريخها جاءني الفقهاء وغيرهم من الأعيان للتهنئة - جزاهم الله خيرا - وأقمْتُ عندها ثلاثة أيام متوالية على قاعدة أهل البلد في الإقامة عند الثيّب ثلاثة أيام وعند البكر سبعة. وأصل ذلك ما ورد عن النبي ﷺ أنه كان إذا تزوج فعل ذلك، وإن سبّع عند الثيب سبّعَ للباقي من أزواجه. وفي ظهر يوم الخميس تاسع عشري الشهر مات الخواجا يوسف بن الهروي العجمي، وكان له مدة وجعان، ويقال إنه قرصه ثعبان في ذيل عين مكة عند شغْله لها، وقد بذل همته فيها واشتهر بعملها مدة أعوام - رحمه الله تعالى وجزاه خيرا - فغُسل وكُفن وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه خلق من الفقهاء والتجار وغيرهم، ودفن بالشعب الأقصى عند تربة ابن الحجة وتحت القاري. وخلّف ولديْن ذكريْن وابنة، وتأسّف الناس عليه وذكروه بخير، رحمه الله تعالى.

стр. 51

شهر صفر الخير المبارك - إن شاء الله - سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) استهلّ كاملا في ليلة الجمعة. وفيها انتقلت زوجتي إلى منزلي وعملتُ لها حلوى في منزلي وقدّمتُ للنسوة الذين جاؤوا بها وفرّقتُ بعضها على الجيران وبعض الأصحاب، وأخلف الله عليّ بخير. وفي ليلة الأحد ثالث الشهر وُلِد الولد عمر بن المعلّم حسين بن عمر البنّاء كأسلافه. وفي عصر يوم خامس الشهر مات الشيخ المبارك العالم معز الدين طاهر بن العماد محمد بن الغياث محمد بن السيف محمد الهروي الأصل المكي الحنفي بعد انقطاعه مدة وتغير حاله من كثرة شُرب القهوة، فجُهّز في صبح ثاني تاريخه، وصليّ عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة الشريفة، وشيّعه جماعة من الفقهاء إلى المعلاة، ودُفِن شرقيّ تربة شيخه الشيخ عبد المعطي المغربي عند الحجون. وخلّف ولديْن ذكريْن - رحمه الله تعالى ونفع به - فإنه كان من أكابر المعتقدين وله محبّة وتودّدٌ، وعمره اثنتان وثمانون سنة. وفي ظهر تاريخه مات الفتى جوهر بن عبد الله الحبشي اليماني الصلاحي فتى شيخ الإسلام قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة الشافعي، وكان ذا عقل واحتشام، وتوعّك مدة أشهر، فحزن عليه سيده وجُهّز في يومه وشيّعه خلق من الفقهاء والتجّار وغيرهم إلى المعلاة ودُفن في تربة أسلاف سيده المستخلاة التي عند الحجون. ﵀ وأخلف سيّده فيه خيرا. وفي ليلة الجمعة ثامن الشهر وصل إلى مكة المشرفة نائب جدة الأمير قاسم الشرواني وصحْبته القاضي زين الدين الناظر والمحتسب بجدة لأجل تفرقة القمح التي

стр. 52

أرسل بها الملك المظفر سليم خان بن عثمان من البحر في العام الماضي، وقدرها سبعة آلاف إردب، منها ألفا إردب لأهل المدينة الشريفة وخمسة آلاف لأهل مكة (١)، ظهر منها ألفا إردب بعد بيع نصفها وهو ألفا إردب بجدة على أركان الدولة، كلّ إردب بخمسة أشرفية جملته خمسة آلاف، وحمل النصف الثاني إلى مكة. فاجتمع بأولهما القضاة الأربعة وتفاوضوا في أمرها فقال لهم: ضبطنا أسماء المقيمين بمكة من أهلها والغرباء الأحرار إثنى عشر ألف نفس، فيعطى لكلّ واحد ستة رباع مكية وثمانية محلّقة، فتشوّش لذلك كثير من الناس، فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين ويستر أحوالهم ويُغْنيهم مِن سعة فضله. وكان المباشر لكتابة أسماء المستحقين من أهل مكة والغرباء الفقهاء والفقراء والأغنياء والمتسببين، كما أشار له الأمير مصلح الدين الرومي بأمر السيد الشريف سلطان الحجاز المنيف زين الدين أبي زهير بركات بن محمد - نصره الله تعالى وأيّده - الفقيه العدل المرتضى رضي الدين محمد ابن الشيخ نور الدين علي الحناوي الأصل المكي المالكي. وكتبَ الناسَ بحسب أغراضه فبعضهم كتب جميع ما في بيته من الأحرار والأرقاء وبعضهم اقتصر على الأحرار، وبعضهم زاد لهم أسماء على عياله وأفسد أكثر مما أصلح، وعند الله يجتمع الخصوم. فتكلم القضاة الأربعة في الزيادة لأنفسهم فلم يوافقهم الأمير قاسم الشرواني نائب جدة، فأرسلوا عرفوا السيد الشريف زين الدين بركات سلطان الحجاز المنيف من جدة بذلك، فطلب المباشر على الصدقة رضي الدين الحناوي المذكور فتوجّه إليه في عصر يوم الإثنين. وشرع الأمير قاسم في صبح يوم الثلاثاء ثاني غيبته في التفرقة بحلقة السلطان الأشرف قايتباي عند الحناطين وحضرها الأمير قاسم

стр. 53

والقاضي زين الدين المحتسب بجدة والقضاة الثلاثة خلا الشافعي، فإنه اعتذر لوجعه وأرسل مباشرا من عنده وهو الفقيه العدل المرتضى ولي الدين أبو زرعة محمد ابن الشيخ نور الدين علي المنوفي فساعد المحبي محمد بن الرضي الحناوي الماضي ذكره لغيبة والده. وكان الحَبّ مخزونا بحواصل فيها يُقال سبعة وقيل تسعة، فتأذّى كثير من الفقهاء وبدأ بإعطاء أهل السويقة كل واحد ستة رباعي (١) حبّ وثمانية محلّقة ثم بقية الفقهاء متفرقين في حارات مكة. وبعد الفراغ منهم كتب لبقية الناس والأعيان أوصالا على عدّة عيالهم، فتوقف الأعيان في أخذها ثم قبلوها على نية التكلّم في الزيادة لهم. فتكلم القاضي مع الأمير قاسم الشرواني فأعطى كلّ واحد من القضاة - غير الشافعي - ثلاثة أرادب - كما يقال - ولبعض الأروام عدّة أرادب، وأما بقية الأعيان فلم تحصل لهم زيادة فأحاله على الكاتب الرضي الحناوي، فأجاب بحمق ومخاصمة. وأنا ممن تكلم لنقص بعض عيالي وهم عشرة أنفس وأعطِيتُ عن ستة أنفُسٍ، وتُرك الباقي لعدم معرفة الكاتب بهم وقلة ذوقه ومروءته في إلحاقهم مع أنه كتب كثيرا من التجار والأغنياء الذين تجب عليهم الزكاة ولا يستحقون الصدقة، وقصْدُه بذلك الشهرة والنفاق، فحصل له من العامة كثير من الدعاء والشقاق، فالله تعالى لا يخطيه من ذلك، ويعين عليه كلّ قاطن وسالك. وفي ليلة السبت سادس عشر (٢) الشهر ماتت حرير الحبشية موطوءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن حاتم المغربي المالكي، أم ولده الشرفي يحيى، فجُهّزتْ في ليلتها وصليّ عليها عند باب الكعبة بعد صلاة صبح ثاني تاريخه، ودُفنت بالمعلاة - رحمة

стр. 54

الله عليها - وخلّفتْ ولدها المذكور. وفي عصر يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر وصل إلى مكة المشرفة قاصد من الأمير مصلح الدين الرومي من ينبع إلى نائب جدة الأمير قاسم الشرواني ومعه عدة أوراق له وما عُلم خبَره، وذكر أنه أقام بالمدينة الشريفة ثمانية أيام وفرّق فيها الصدقة الرومية عن سنة ثلاث وعشرين (٩٢٣ هـ) وقرّر فيها صدقة في قراءة رَبْعة للملك المظفر سليم خان بن عثمان، كما فعل بمكة المشرفة. وفي يوم تاريخه سافر قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة لزيارة السيد الشريف، زعيم الحجاز المنيف، زين الدين أبي زهير بركات - عاملهما الله بألطافه الخفيات - فواجهه وهو نازل بالرغامة (١) بالقرب من جدة، فسلّم عليه ورحل الشريف من ذلك المكان إلى جهة الشام بنية التوجّه إلى عسفان فوادَعَهُ القاضي. وعاد إلى مكة في ليلة السبت ثالث عشريْ الشهر، فهرع الفقهاء للسلام عليه. وكان الأمير قاسم الشرواني نائب جدة المعمورة ثاني يوم سافر القاضي الشافعي وهو يوم فرّق صدقة القمح على أهل الربط الذين بمكة، وكتب لمشائخها أوصالا على بعض الساكنين بها، وقال: مَن أخذ حصّته في البيوت لا يأخذ حصّته مرة ثانية، وذلك بتعليم الكاتب الرضي الحناوي له، فحصل بذلك ضررٌ كبير على كثير من الناس، فإن في ذلك قطع أرزاق لهم، فلا حول ولا قوة (٢) إلا بالله العلي العظيم، وعند الله يجتمع الخصوم. وقد قسمتْ هذه الصدقة قسمة ما أريد بها وجّه الله، فإنه حرم منها المستحق وأعطى الغني للشهرة والجاه. وفي يوم الخميس حادي عشريْ الشهر تكلم الأئمة وأرباب الشعائر بالمسجد الحرام مع الأمير قاسم في الزيادة من القمح والقضاة الثلاثة - خلا الشافعي - في

стр. 55

إعطاء النقد، فأعطى ثاني تاريخه كلّ واحد من القضاة الثلاثة، عشرة أشرفية وزاد أئمة الشافعية الستة إردبين وأئمة الحنفية مثلهم وأئمة المالكية وإماما الحنابلة إردبًا واحدًا وفاتح الكعبة الشريفة وجماعته وخدام الدرجة والمؤذنون والفراشون والوقادون عدة أرادب - لا أعلمُ عدّتها - وبقية الفقهاء وطلبة العلم والصوفية حرموا وصار ذلك أسوتهم بالسوقة وأسافل الناس، فلله الأمر من قبل ومن بعد. وفي يوم الأحد رابع عشريْ الشهر وصلتْ إلى مكة المشرّفَة قافلة المدينة الشريفة وأخبروا أنها رخية. وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه سافر نائب جدة إليها، ووصل إلى مكة الخبر أنّ السيد الشريف زين الدين بركات ولّى وزارة جدة للجمالي محمد بن راجح بن شميلة الحفيصي ورد له وظائفه التي كانتْ له بها، مع أن الناس يشكون منه تحكير القوت من الحب وغيره، لكنه له خبرة بخدمة أهل الدولة والمباشرة والميل إلى الصوفية وحسب الفقراء وقضاء حوائجهم والنقمة على الأغنياء كما أشيع عنه ذلك. وفي ثاني تاريخه أشيع بمكة أن الخواجا الأجلي المحترمي التاجي تاج الدين الجوكقدار اللّاري أمين الصدقة اللاك (١) الواصلة من عند ملك الهند الملك المظفر شاه ابن السلطان محمود شاه الكجراتي، قسم الصدقة المذكورة على حكم سنة واحدة وأصلها خمسمائة قطعة لأهل مكة والمدينة بالسوية بينهما، وذلك عن معلوم سنتين ونصف أولها سنة تسع عشرة وتسعمائة (٩١٩ هـ) فقال للمستحقين: إن معلوم نصف سنة وهو مائة قطعة أصرفها في الطريق وكان توّه في بندر عدن. وأخذ السيد الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف ثلثها على العادة القديمة، والباقي سُرق لتفريط زين الدين عليها بوضعه لها في أحواش جدة التي بالساحل، وقال بعض الفضلاء في معنى ذلك وشكوْه إلى السلطان مظفر شاه.

стр. 56

يا أيها السلطان الملك الذي … مناقبه الحسنى وأوصافه الغرر نشكو إليك تاج الدين الذي … قد مسّنا من فعله أوفى الضرر لو قيل لي أختاره لك ناظرا … قلتُ العمى، ولا هذا النظر ورحم الله شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين النجمي ابن يعقوب المالكي قال في المعنى ضمن قصيدة طويلة عند وصول اللاك في سنةِ قبل تاريخه حيث أبدلت التنكات (١) باللاك كهذه: يا من غدا فينا يدك … ويبدّل التّنكات لك إنّ المليك مظفرا … إن يدر أحشاء يصك (٢) وتوجّه لذلك إلى جدة قضاة مكة الثلاثة - خلا الشافعي - وكثير من الفقهاء وغيرهم من المستحقين فوجدوا الناظر عليها سافر منها إلى جهة السيد الشريف بركات في ينبع، بسبب أنه وقع بينه وبين الوزير محمد بن راجح مخاصمة، وذلك أن الشريفة أم المسعود ابنة عجل تكلمت في قبض صرّ قاضي المالكية كان الزيني عبد الحق النويري لكونه وكّلها عند سفره، فقال لها الناظر: السلطان أمرني بدفع المعلوم للمتولي، فأهين بسبب هذا القول وضرب غلمانه وأخذ منه المعلوم كرها، فلا حول ولا قوة إلا بالله. شهر ربيع الأول جعله الله شهرا مباركا وأعاده علينا بجاه مَن وُلِد فيه نبينا محمد ﷺ سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) استهل في ليلة السبت. وفي ثامن الشهر - وأنا بجدة المعمورة - دخل القاضي أبو السرور ابن قاضي

стр. 57

القضاة النوري علي ابن الضياء الحنفي القرشي على ابنة ابن عم أبيه لأمّه الحرة فاطمة ابنة الخطيب جمال الدين محمد بن أبي بكر الخطيب النويري. وأمّها زينب ابنة الخطيب محب الدين أحمد بن أبي القاسم العقيلى النويري، وهي راجعة من عدة أزواج قَبْله نحو الخمسة كابن إسحاق وابن قرموط والهمامي بن ظهيرة. وفي صبح يوم الثلاثاء حادي عشر الشهر كان بَلّ السكر لعقد القاضي الرئيس الأصيل تاج الدين عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين نجم الدين محمد بن يعقوب المالكي على السيدة المحجّبة الأصيلة سيدة قريش ابنة قاضي القضاة بالحرمين الشريفين محيي الدين عبد القادر ابن الشيخ نجم الدين بن ظهيرة القرشي الحنبلي، وأمّها السيدة الكبرى سعادة ابنة قاضي القضاة شيخ الإسلام الشافعي الجمالي أبي السعود بن ظهيرة ناظر المسجد الحرام في بيت جَدّها. فحضر ذلك خالها شيخ الإسلام قاضي القضاة الشافعي ووالدها وقاضيا القضاة الحنفي والمالكي والزوج وبعض الأعيان من الفقهاء وغيرهم، وبعد الفراغ عمل لهم مدة لطيفة حسنة. وفي ظهر تاريخه حصل بمكة هواء شديد أثار الغبار ثمّ أمطرتْ السماء ساعة جيدة ثمّ ارتفع ذلك. وفي عصر تاريخه شرع جماعة القاضي الحنبلي في لعب العيري في رحبة بني ظهيرة بالسويقة. وفي مغرب ليلة الأربعاء ثاني تاريخه كانت زفة المولد الشريف وهي من خواص ناظر المسجد الحرام وأعظم مواكبه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة، فصلّى المغرب - على عادته - خلف مقام الحنفية وهو متوعّك فجاءه القضاة والفقهاء وغيرهم فسلموا عليه ومشوا أمامه إلى عند باب المسجد الحرام المعروف بباب علي، فردّ القضاة الثلاثة من هناك وركب فرسه وتوجّه إلى المولد

стр. 58

الشريف بشعب بني هاشم، واستناب في المشي عنه بالزفة المذكورة ابن عم أبيه سيدنا العلامة الزاهد بركة المسلمين وعين الأعيان المعتبرين عز الدين عبد العزيز ابن قاضي القضاة بجدة المعمورة وخطيب المسجد الحرام فخر الدين أبا بكر (١) بن علي بن ظهيرة القرشي الشافعي - متع الله بحياته وأدام النفع بعلومه وبركاته - وكان تكلم معه قبل ذلك فاشترط عليه ثلاثة شروط، وهي صلاة المغرب على عادته لأجل سلام الناس عليه، ودخوله المولد الشريف والصلاة في محرابه المنيف، وعوده إلى المسجد لصلاة العشاء - على العادة - فوافقه على ذلك. ودخل إلى المولد الشريف وسمع الخطبة ودعي له على العادة مع السلطان والشريف وولده ثمّ ركب فرسه وعاد إلى المسجد ومشى قريبه في الزفة ذهابا وإيابا. وكانت عظيمة ببركة من وُلِد فيها ﷺ ، وابتهج الخلق برؤيتها وجماعته حوله والخلق خلفه وقدامه، وأسْرِجتْ الشموع والمفرّعات (٢) - على العادة - وقرأ رئيس المؤذنين بالمسجد الحرام آيات من القرآن العظيم في ثلاثة أماكن أولها عند الشجرة التي بالقرب من المولد الشريف، وثانيها عند باب علي، وثالثها في مصلّى القاضي عند قبة الفراشين. وبعد ذلك أذّن العشاء فصلّى القاضي والقضاة الثلاثة معه لمرضه مكانه (٣). ثمّ قام بعد الصلاة وعاد إلى خلف مقام الحنفية فسلّم عليه الفقهاء ثمّ عادوا إلى أمام المدرسة العطيفية. وحضروا مع القضاة الأربعة عقد القاضي تاج الدين المالكي على زوجته السيدة قريش ابنة قاضي القضاة الحنبلي، وعمل فيه مفرعات وشموع كثيرة أكثر من العادة بواسطة أم الزوجة، فإنها تكلمتْ مع أخيها قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام، فوقف في المفرعات لكونها لم تُعمل لأحد قبل تاريخه، وكان هو المباشر

стр. 59

للعقد (١) ولم يتخلف عنه أحد من النساء والرجال فكان حفلا بهجًا (٢)، جعله الله مباركا على أهله. وفي صبح يوم الأربعاء المذكور عُمِلت زفة لطيفة مشى فيها القضاة تاج الدين بن ظهيرة أخو (٣) قاضي القضاة الشافعي وجماعة من الفقهاء، وزاروا جميع المواليد - على العادة - وهي بسوق الليل، مولد النبي ﷺ وابن عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرّم الله وجّهه - والسيد أبي هريرة ﵁ وعن أمه، وبزقاق الحجر المنسوب لكلام النبي ﷺ مولد السيدة فاطمة الزهراء ﵂، وعندها قبة الوحي، ومولد أمير المؤمنين السيد أبي بكر الصديق ﵁، وختم بدار الهجرة عند الصفا، ثمّ دخل إلى المسجد الحرام وصلّى فيه ركعتين، ثمّ توجّه إلى منزله فمُدّ له هناك سماط وسط حضرة الفقهاء الذين مشوا معه والقضاة الأربعة، وهو من عند أخيه. وقُرئ مولد في بيت القاضي الشافعي على ما جرتْ به عادة أسلافه. وفي صبح يوم الأربعاء عُملت فازة لطيفة لابنة قاضي القضاة الحنبلي في منزل جدّها وخرجت مؤذّنتها، وحضرها القضاة الأربعة وأقارب الزوجة بنو ظهيرة وستة أنفس من التجار وبعض الفقهاء وألصقوا على وجْه المؤذنة نحو عشرين أشرفيا، كلّ نفر أشرفيًا واحدًا خلا خال الزوجة قاضي القضاة الشافعي فأشرفيان، وبعد أن خرجتْ هذه المؤذنة توجّه الزوج إلى منزله فأخرج مؤذنة أخرى لنفسه حضرها والد الزوجة قاضي القضاة الحنبلي وبعض أقاربه وألصقوا عليها أيضا. وفي عصر تاريخه مات المعلم إبراهيم الحجازي العطار بباب السلام، وصلّي عليه بعد صلاة العصر ودُفن بالمعلاة، وخلف ولدا وابنة، رحمه الله تعالى.

стр. 60

وفي ليلة السبت خامس عشر الشهر سافرتْ قافلة إلى المدينة الشريفة على الحالّ بها أفضل الصلاة والسلام، فيها جارنا الشيخ العلامة أبو الحسن البكري. وفيها كانتْ غُمرة ابنة قاضي القضاة الحنبلي وزُفّ زوجّها من بيت والده ومشى معه بعض أقارب الزوجة بالشموع والمفرعات. فلما وصل إلى منزلها دخل إلى الفازة واجتمع بها على العادة. وفي طلوع شمس ثاني تاريخه نصّتْ العروس على زوجّها وحضر ذلك والدها وخالها وأقاربهما. فألصق الزوج خمسين (١) دينارا ووالدها ثلاثين، واستردها كلّ منهما بعد أدائهما، وألصق عليها خالها قاضي القضاة الشافعي عشرين (٢) دينارا وأخوه القاضي تاج الدين خمسة عشر دينارا، والقاضي عز الدين الفائز سبعة أشرفية، والقاضي شرف الدين يحيى ابن الفائز، والقاضي جمال الدين محمد بن أبي الفضل مثله، والقاضي إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين مثلهما، وأربعة أنفس هم القاضي أمين الدين وأخوه القاضي جلال الدين، والقاضي أبو البقاء، والقاضي محب الدين ابن خالها بهاء الدين، كلّ واحد منهم خمسة أشرفية. والسيدة سارة ابنة الخواجا محمد قاوان (٣) ذهبٌ عشرة. جملة الجميع ستة وخمسون دينارا غير الذي ألصقه والدها وزوجّها وخالها تاج الدين فإنه يقال. . . . (٤) لصقه أيضا وغير الذي ألصقه أقاربها من النسوة فإني لا أعلمه. وألصق لها السادة الأشراف، سلاطين مكة أهل (٥) اللطف والإسعاف، فصاحب مكة السيد زين الدين

стр. 61

بركات أربعون أشرفيا وزوجته الشريفة أم الكامل ابنة عجل عشرون أشرفيا وأختها الشريفة أم المسعود خمسون أشرفيا مع غير ذلك وأختها الشريفة بيدح عشرة أشرفية وجاريتيْ الشريفة أم المسعود ثمانية أشرفية. الجملة للجميع مائتان إلّا ست أشرفية. وفي عشاء ليلة الثلاثاء ثامن عشر الشهر كان عقْد شقيقتي المرأة الثيّب أم هاني سعادة على زوجّها الفقيه الأصيل سراج الدين عمر ابن الشيخ المفيد جمال الدين محمد بن عمر الرضي المكي الشافعي عند قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي الأنصاري - متع الله بحياته - في المسجد الحرام، حضره أولاده وبعض أصحابنا، فاستأذنني في العقد فأذنتُ له بعد إذن الأخت له في العقد بها على زوجها المذكور بمائة مثقال حالة، ورضاية بذلك، وبعد الفراغ من العقد أسقانا القاضي سكرا مذابا، جزاه الله خيرا، وجعله عقدا مباركا. وفي ليلة تاريخه دخلتْ الأخت المذكورة على زوجِها، جعل الله ذلك مباركا عليهما ورزقهما ذرية صالحة. وفي صباح تاريخها جاء الفقهاء وغيرهم لتهنئة زوج الأخت وأقام عندها ثلاثة أيام على عادة أهل البلد في الإقامة عند الثيب ثلاثا خلا البكر فسبْعة. وفي ليلة الأربعاء تاسع عشر الشهر عمل قاضي القضاة الحنبلي شراعا لابنته مع أن قاعدة البلد لا يفعل ذلك إلا الزوج، لكنه سابقةٌ، وفعل لغرض له، وطلب القضاة والفقهاء والتجار وكثير من المتسببين والأعيان، فحضر عنده القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والتجار والمتسببين، فلعب السوقة قدّامهم وسط رحبة بني ظهيرة التي بالسويقة، وألصق الحاضرون دراهم في منديل - على العادة - مع بعض أخصّاء صاحب المهمّ، فأعطى قاضي القضاة الشافعي خال الزوجة عشرة أشرفية، وقاضي القضاة الحنفي نسيم الدين المرشدي ثلاثة، وقاضي القضاة المالكي الجلالي أبي السعادات خمسة، والخواجا عبد القادر القاري والخواجا بيري الرومي كلّ واحد

стр. 62

منهما أربعة أشرفية، والخواجا بدر الدين بن سلامة والعفيف عبد الله العزي صهر المقرّ الزيني بن مزهر. . . . (١). وفي عصر يوم الأحد سلخ الشهر شُرع في لعب ابن قاضي القضاة المالكي عند بيت الزوجة. شهر ربيع الثاني استهل كاملا في ليلة الإثنين - جعله الله مباركا - سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه من الشهر عُمِلت فازة عند بيت النحاس لزواج ابن قاضي القضاة المالكي. وفي ثاني تاريخه خرجتْ مؤذنة لهم لأجل الغمرة وحضرها الزوج ووالده وإخوانه وأعمامه وأقاربه وأهل الزوجة وألصقوا لصقا هنيًا. وفي ليلة الخميس رابع الشهر كانت عُمرة البنت سيدة قريش ابنة عبد المعطي الطبري زوح القاضي شرف الدين ابن قاضي القضاة المالكي، وزف زفة لطيفة من بيت عمه الزيني بركات الدين بشموع منفشة (٢)، ومشى معه إخوانه وأقاربه لعبا ليّنا في الفازة (٣) على العادة. وفي يوم تاريخه ماتت ابنةٌ لسعادة ابنة قاضي القضاة أبي القاسم بن الضياء الحنفي وصليّ عليها في عصر تاريخه ودُفنتْ بالمعلاة - رحمها الله تعالى - ووالدها مغربي. وفي ليلة الجمعة تاريخه كان شراع القاضي المالكي في الفازة التي بُنِيتْ أمام

стр. 63

دار الزوجة، حضرها أقارب كلّ من الزوجين ورجال أهل مكة ولعبوا إلى الصباح، ولم يُلصق أحد. وفي مغرب ليلة تاريخه ماتت المرأة الأصيلة أم كلثوم ابنة المحيوي عبد القادر الملقب عبيد بن علي بن جار الله بن زائد السنبسي المكي بعد طول وجعها بالحمى والإسهال مدة نحو خمسة أشهر. وكتبتْ وصيتها قبل وفاتها بليلتين، ولم يطلع زوجّها الشيخ إبراهيم بن أبي بكر العراقي الناظر على البيمارستان المكي، وتشوّش كثيرًا. فجُهّزت من ليلتها وصليّ عليها عند باب الكعبة الشريفة بعد صلاة صبح ثاني تاريخه، وشيّعها جماعة من الفقهاء، ودُفنت على أختها لأبيها عند تربتهم بالحجون، رحمها الله تعالى. وفي صبح تاريخه عُمِل سماط لابن قاضي القضاة المالكي في الفازة التي بُنِيتْ أمام منزل الزوجة فيه المأمونية السكب والرز الحلو والمشورات وغير ذلك من الأطعمة المفتخرة. وحضره القضاة والأعيان من الفقهاء والتجار والمتسببين، وبعده مُدّ للنساء المصبِّحات. وفي يوم الجمعة جاء إلى مكة نعي السيد الشريف حسن بن خشرم بن علي بن ثقبة بن رميثة بن أبي نمي، وكان توفي جهة اليمن وخلف مالا كثيرا وأولاد أخيه، ﵀. وفي ليلة السبت سادس الشهر دخل الزوج المشار إليه على زوجته، وفي صباحها جاء المهنئون للسلام عليه، جعل الله ذلك مباركا على الزوجين ميمونا ورزقهما ذرية صالحة. وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه قُتِل شخص بسوق الشبيكة - أسفل مكة المشرفة - ما عُلِم قاتله، ويقال إنه اطلع على حرامية يسرقون بيتا أمام دكان له، فغوّش عليهم وقال لهم: عرفتكم، فقتلوه لأجل ذلك.

стр. 64

وفي يوم الثلاثاء تاسع الشهر بُلّ سكرٌ لعقد القاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام المرحوم الجمالي أبي السعود بن ظهيرة القرشي على قريبته سعادة ابنة الشيخ العلامة نجم الدين محمد بن نجم الدين بن ظهيرة أخت قاضي القضاة الحنبلي، وكان توقّف في زواجها لأجل إشهاده عليها في ما خلّفه لها والدها بسبب قيامه بها فامتنعتْ من ذلك ثم وافقتْ على بعض ما أراده منها. وحضر ذلك القضاة الأربعة وقرابة الزوجين بنو ظهيرة وبعض الفقهاء، ومَدّ لهم بعد الفراغ سماطا حسنًا. وفي ليلة الأربعاء عُمل العقد في المسجد الحرام أمام الرواق الشامي بالقرب من مقام الحنفية وأسْرِجتْ الثريات، وشمع المسجد الحرام وحضره القضاة الأربعة والفقهاء والتجار وخلق من العوام، وباشر العقد أخو (١) الزوج قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة على مائتي مثقال حالّة - كعادة بني ظهيرة - وبعد الفراغ شرب الحاضرون سكّرًا وانصرفوا، جعل الله ذلك مباركا ميمونا. وفي سادس عشر الشهر ليلة الثلاثاء انتقل القاضي تاج الدين ابن قاضي القضاة نجم الدين محمد بن يعقوب المالكي بزوجته إلى منزله وعمل لها حلوى في داره وقسمها على النسوة وغيرهن (٢). وكان السبب في نقْلتها مخاصمة أبيها لها على وجْه غير مرضي انتقده العقلاء عليه. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه خرجتْ مؤذنة ابنة قاضي القضاة الحنبلي من بيت زوجِها القاضي تاج الدين ابن قاضي القضاة الشافعي الجمالي أبي السعود بن ظهيرة، وحضرها أخوه وأخو الزوجة وأقاربهما والقاضيان الحنفي والمالكي وغيرهم من التجار، فألصق كل واحد دينارا واحدا، مجموع ذلك نحو العشرين دينارا.

стр. 65

وفي يوم تاريخه جيء إلى مكة بشهوان بن جمال الدين الدّلال وهو ميت من طريق جدّة، فجُهّز في يومه وصليّ عليه ضحوة تاريخه ودفن بالمعلاة، وخلّف ولدين ذكرين وزوجة، رحمه الله تعالى. وفي ليلة الخميس ثامن عشر الشهر زُفّ القاضي تاج الدين الشافعي زفّة الغُمرة من بنت عمته أم كلثوم ابنة قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة، زوَّجه ابن عمّها أمين الدين بن ظهيرة بباب السدة - أحد أبواب المسجد الحرام - وأسرج له المفرعات وشمع المسجد الحرام وغيره، ومشى أمامه أقاربه ومن يلوذ به وبعض النسوة من الأتباع. وفي هذه الليلة انتقل القاضي شرف الدين ابن قاضي القضاة الجلالي المالكي بزوجته إلى منزل والده وعمل للنساء حلوى، على العادة. وفي صبح يوم الجمعة ثاني تاريخه نُصّتْ أخت قاضي القضاة الحنبلي على زوجها نَصّة الغُمرة وحضرها زوجُها وأخوه (١) وأقاربهم وألْصقوا جميعهم نحو خمسين أشرفيا، من ذلك قاضي القضاة الشافعي عشرة والقاضي الفائز والقاضي أبو البقاء كل واحد منهما خمسة أشرفية والقاضي جلال الدين أربعة. وفي يوم تاريخه وصل إلى مكة أروام من جدة، وفيها أخبار أنّ زعيمة (٢) دخلتْ إلى جدة وفيها مغاربة وأروام، وأخبروا أنه وقع بالشام طاعون، ومات فيه جماعة منهم عظيم الدولة الشيخ القدوة إمام المنطوق والمفهوم مفتي دار العدل في بلاد الروم، نور الدين حليمي جلبي وأخوه العلّامة الرئيس، الأوحد النفيس، حسين جلبي إمام المقام الشريف الخندكاري المقرّي سليم شاه ابن عثمان والأميري الجليلي المقرّي المؤتمني الدفتردار محمد الحقير أحد أركان الدولة العثمانية المظفرية، وأشيع أنّ

стр. 66

الأولين (١) ماتا شهداء بالطاعون، والثالث مسجونا لشكوى الناس منه لظلمه لهم، ويقال: الجميع قُتِلوا لشكوى الناس منهم، والله أعلم بحقيقة الحال. وذكروا أنّ السلطان المظفر سليم خان ابن عثمان تجهّز في شهر صفر لقتال الخارجي شاه إسماعيل الصوفي (٢). وتوجّه له إلى بلاد العجم، فالله تعالى ينصره عليه وعلى الكفرة المشركين وينصر جيش المسلمين، بجاه سيد الأولين والآخرين، رسول رب العالمين. وفي يوم الأحد حادي عشريْ الشهر جاء إلى مكة نعي الخواجا زين الدين عبد الرحمن ابن الخواجا نور الدين علي بن عبد الرحمن بن حسن بن علي النظاري (٣)، نسبة إلى قرية من أعمال السكندرية، من ناحية اليمن، فبكت (٤) عليه أخته وعزى الناس عمّه، رحمه الله تعالى وعوّضه في شبابه الجنّة. وفي ليلة الإثنين ثاني عشري الشهر عمل القاضي تاج الدين ابن قاضي القضاة الشافعي الجمالي أبي السعود بن ظهيرة شراعا وسط رحْبَتِهم التي بالسويقة حضره القضاة الأربعة وبعض الفقهاء والتجار وغيرهم من العوام، فأوقَدَ فيه ثريات كثيرة نحو مائتي فتيلة، فلعب أهل مكة السوقة بالرباب والطيران ورقصوا، ثم دار السراجي عمر بن أحمد بن سليمان النجّار - أحد أخصّاء والد الزوج - ومعه منديل على الحاضرين من القضاة والفقهاء والتجار وألصقوا له دراهم (٥) مجموعها نحو مائة

стр. 67

وعشرين دينارا، تفصيلها: قاضي القضاة الشافعي واحد وعشرون درهما وقاضي القضاة الحنفي النسيمي المرشدي ذهبٌ أربعة أشرفية وقاضي القضاة المالكي الجلالي أبو السعادات ذهبٌ خمسة أشرفية وولده المحيوي أشرفيان وأخوه الكمالي بركات الدين أشرفي، وكذا كاتِبُه، والزيني جعفر بن عبد القوي وأبو سعيد بن زائد. وأمّا قرابة الزوج والقاضي عز الدين ذهبٌ خمسة وكذا عبد الباسط الشيبي وكذا القاضي أبو البقاء أخوه والقاضي أمين الدين والقاضي جلال الدين أخو الفائز ذهبٌ أربعة، وابن أخيه والمشار إليه الشرفي يحيى ثلاثة ذهبٌ والجمالي محمد بن أبي الفضل ذهبٌ اثنان، والمحبي ابن عمّ الزوج ذهبٌ ثلاثة، والقاضي المالكي ذهب ثلاثة. وأما التجار فالخواجا بيري الرومي ذهبٌ عشرة، والخواجا ابن بدر الدين الحلبي ذهبٌ خمسة، وكذا الولوي القويضي الشامي وأخوه الشهابي مثله والخواجا الجاركسي والخواجا ابن التميرة. وأنشد في المجلس قصيدتان إحداهما (١) من نظم الفقيه العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن مخراق الشافعي، باشر إنشادها الجمالي محمد بن علي المحوْجب، فألبسَ القاضي كلًا منهما خلق صوف وكذا السراجي عمر الزيني صاحب الربابة، وانفضّ المجلس. وبعد طلوع الفجر نُصّتْ العروس نصّة ثانية ومُد السماط في الفازة التي وسط منزل الزوج وحضره الأعيان من القضاة والفقهاء والتجار والعامة وكان غاية في المجلس وكثرة الأطعمة والأواني المفتخرة، وعُمِل فيه المأمونية السكب والجرجانية والرُزّان (٢) الحلو والمفلفل والمشورات والضلوع المحشية وغير ذلك من الأطعمة الأنيقة. وبعد الفراغ منه توجّه قاضي القضاة الشافعي وبعض أقاربه وغيرهم إلى بيت الخواجا محمد قاوان لأجل بلّ سكّر عقدٍ لبنْستِ ابنته صفية مِن ابن عمّها البدري

стр. 68

حسن ابن الخواجا حسين قاوان وزوجّها النوري علي ابن الخواجا محمد سلطان العجمي، وكان القائم في مهمّ الزوج خالتها السيدة سارة، فحضر الجماعة بلّ السكر، وشربوا منه ثم انصرفوا. وفي يوم تاريخه وقع بين قاضي القضاة (١) الحنبلي المحيوي عبد القادر بن ظهيرة وبين ابنته وزوجِها القاضي تاج الدين ابن قاضي القضاة نجم الدين بن يعقوب مخاصمة أدّتْ إلى انتقال البنت إلى بيت الشريفة أم الكامل زوجة السيد الشريف بركات زعيم الحجاز المنيف وذلك بإيثاره أختها الشريفة أمّ المسعود ابنة عجل، وقصدهم الحماية بالشريف من أبيها. وكثرتْ قالات الناس فيه بما لا يليق ذِكْرُنا له، فالله تعالى يستر قبائحنا ويرزقنا فعلا نعيش به مع الناس، ولا يسلّط علينا بذُنوبنا مَن لا يرحمنا. وفي عشاء ليلة الثلاثاء ثالث عشريْ الشهر دخل القاضي تاج الدين بن ظهيرة بزوجته بعد نَصّها عليه في الفازة (٢). وعُمِل عقد النوري علي بن محمد ابن الخواجا سلطان في المسجد الحرام أمام الرواق الشمالي والمدرسة العطيفية بالقرب من مقام الحنفية، حَضره القضاة الأربعة وكثير من الفقهاء والتجار وخلقٌ من العوام الرجال والنساء، وأسْرجتْ فوانيس المسجد والثريات، وباشر خطبة العقد قاضي القضاة الشافعي، وأوجب النكاح قاضي القضاة الحنفي على مقتضى مذهبه لكون الزوجة صغيرة دون البلوغ ووالدها غائب في الهند مع شقيقها، ولا نعلم ذلك اتفق لأحد قبل هذا، وكان العقد على مائتي مثقال حالّة، وبعد ذلك شرب الحاضرون سكرا مذابا وأوقد قُدّامهم بخورًا وتطيّبوا وانصرفوا بعد السلام على الزوج وشقيق الزوجة، جعل الله ذلك مباركا على كل منهم بمحمد وآله.

стр. 69

وفي ليلة تاريخه دخل الإمام بمقام الحنابلة بدر الدين حسن بن المحبي بن أبي البركات محمد بن أبي الخير محمد بن حسن بن الزين القسطلاني المكي على زوجته البنت البكر سعادة ابنة الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن علي الشيبي. وفي صباح تاريخه هنّأ الناس من الفقهاء الثلاثة الأزواج في بيوتهم، جعل الله ذلك مباركا عليهم. وفي الثلث الأخير من ليلة الأربعاء رابع عشريْ الشهر وُلِدت البنت. . . . (١) ابنة القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي الأنصاري، وأمها أم الخير ابنة الزيني أبي. . . . (٢) الدين. وفي ليلة ثاني تاريخه عادت إلى منزل زوجِها سيدة قريش ابنة قاضي القضاة محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة الحنبلي بعد قسامة والدها برأس السيد الشريف بركات أن لا يدخل إليها في الشهر إلّا مرّة، وهي لا يدخل إليها أحد (٣) من النسوة ذكرهن لها وغير ذلك، وكان بحضرة خالها قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة والشيخ عبد الكبير الحضرمي. وفي صباح تاريخه وُلِدتْ البنت أم الخير بنت (٤) صاحبنا الجمالي محمد ابن شيخنا باكثير الحضرمي، وأمها فاطمة ابنة الشرفي يحيى بن إدريس بن عبد القوي، أحد العدول بباب السلام. وفي يوم تاريخه تخلص من السجن الشهابي أحمد بن عثمان الخبّاز (٥) بعد تحليف قاضي القضاة الحنبلي له أن لا يسافر في هذا العام إلى القاهرة حتى

стр. 70

يستأذنه، وأنكر الناس ذلك، ولا حول ولا قوة إلّا بالله. وفي يوم الجمعة سادس عشريْ الشهر خرجتْ مؤذنتان لابن الخواجا محمد سلطان وزوجته حفيدة ابن الخواجا قاوان، وحضر ذلك قاضي القضاة الشافعي وبعض أقاربه، وألصقوا عليهم ذهبا، أخلف الله عليهم. وفي عشاء ليلة السبت ثاني تاريخه عُمِلت زَفّة للنّوري علي ابن الخواجا محمد سلطان من الصفا إلى بيت الزوجة ابنة قاوان، فيها مفرّعات وشموع كثيرة منها ثنتان كبيرتان (١) تُجَرّان على عجل كل واحد طول إنسان، ومشى أمامه بعض الفقهاء والتجار الأعاجم ونساء كثيرات (٢) وخلق من العوام، وتحلّق له نفط في المسعى والمروة وعند بيت الزوجة، وابتهج الناس لرؤيته، وكان أمام الزوج ابن خالته مبارك ابن القائد شهوان الحبشي راكبا على فرس لأجل ظهوره وتعجّب الناس لفعل ذلك والجمع بين وصل وقطع وكثير من العقلاء يتطيّر من ذلك، ويذكر أنه حُرّبَ فحصل به تشويش للوصل، وفعل ذلك من قِلّة عقل النساء المباشرات (٣) لهذا المهمّ وعدم تدبيرهن لذلك، فالله تعالى يكفيهم شرّه، ويجعل العاقبة إلى خير. وفي ليلة الإثنين تاسع عشريْ الشهر عُمِل عقد للقائد الأجلّ جوهر العراقي عتيق السيد بركات بن محمد صاحب الحجاز المنيف الحاكم بجدة الآن على البنت البكر المراهق كلثوم ابنة الحاج مفلح القاواني في بيت سيده الخواجا محمد قاوان بالسويقة، حضره قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وجماعته، وكان هو المباشر للعقد - قاضي القضاة الشافعي - ولم يتولّ الزوج قبول العقد بنفسه بل وكّل شيخ الفراشين محمد بيسق في ذلك مع كونه حاضرًا في المجلس. وبعد الفراغ شرب الحاضرون سكرًا مُذابًا وأنشد في المجلس قصيدة ناظمها الشهابي أحمد

стр. 71

المحوجب (١)، وختم المقرّبون بعد ذلك وانفضّ الحاضرون، جعل الله ذلك مباركا ميمونا على كلّ من الزوجين وأهلهما. وفي ليلة الثلاثاء سلخ الشهر ثاني تاريخه عُمِل شراع (٢) للنوري علي ابن الخواجا محمد سلطان في الفازة التي نُصبتْ في حوش الزوجة بمنزل جدّها، وهي عظيمة لما اشتملت عليه من السعة والعقود وهي إثنى عشر عقدًا في كل جهة ثلاثة ملبّسة بالحرير والبشخانات (٣) نحو العشرة. حضر ذلك جماعة قاضي القضاة الشافعي، ولم يحضر هو، مع خلق من الأعاجم التجار وغيرهم من غالب الفقهاء والحاكميْن مبارك بن بدر وعلي الجنيدب، ولم يُلْصِقْ أحد في المجلس، ووقع في المجلس كلام بين الوالي علي الجنيدب ورجال أهل مكة لكونه رقص في المجلس ولم يصفّقوا له، فسبهم لذلك وعرّض بكلمات لهم، فأسْمَعوه كلاما مكروها وأرادوا الخروج من المجلس فردّهم الحاكم مبارك بن بدر. فلما رأى ذلك الوالي خرج بنفسه (٤) إلى الزقاق ثمّ لام نفسه على فعل ذلك وعاد إلى المجلس وهو مغيّر الطباع، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. وأنشد في المجلس قصيدان (٥) أحدهما للجمالي محمد بن حصير المشيد وثانيهما للشهابي أحمد المحوجب الشاعر وكلاهما ليسا بجَيّديْن. واستمرّ اللعب إلى الصباح، ثمّ زَفّ العريس من بيته إلى الفازة ابن خالته، ثم نُصّتْ العروس

стр. 72

على زوجِها - كالعادة - وعُمِل سماط بعد ذلك هائل في الفازة فيه الألوان المفتخرة، من ذلك المأمونيتان الحموي والسكب وهريسة الفستق والرغيف الأسيوطي والجرجانية والأرزيْن الحلوي والمفلفل، وحضر فيه القاضيان الشافعي والمالكي وجماعة من الفقهاء والتجار وغيرهم، وكان القاضيان الحنفي والحنبلي توجّها إلى جدة لقبض اللّاك الواصل من الهند لهما ولغيرهما، وكنتُ صحْبَتهما، فالله تعالى يجعل العاقبة إلى خير. شهر جماد الأول جعله الله مباركا من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م). استهلّ كاملا في ليلة الأربعاء. دخل على زوجته النوري علي ابن الخواجا محمد سلطان في بيت جدّها مسكن خالتها القائمة في مهمّتها السيدة الجليلة سارة ابنة الخواجا محمد قاوان. وفي صباح تاريخها جاء الناس لتهنئته. وأقام عندها سبعة أيام على قاعدة الأبكار، جعل الله ذلك مباركا ميمونا، ورزقهما الثبات والنِّيات، والبنين قبل البنات. وفي ليلة الثلاثاء سابع الشهر كان سابع ابن الخواجا محمد سلطان فنصّتْ عليه زوجتُه في الفازة، ثم بعد هجعة من الليل نقلها إلى منزله بالسويقة ومدّ للنسوة حلوى كثيرة وفرّق على جماعة آخرين. وفي صباح تاريخه زفّ حضرة السابع مِن دار الخيزران إلى منزله بالمغاني والمطربين، ولم يُسْبق لفعل ذلك. وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه عقد الشيخ الأوحد المبارك الأصيل برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر بن إبراهيم العراقي الأصل المكي الناظر على البيمارستان بها، على طليقته المرأة الكامل المصونة ربيعة ابنة قاضي القضاة شرف الدين أبي القاسم بن الضياء العمري الحنفي عند أقضى القضاة محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة المالكي الجلالي أبي السعادات الأنصاري على خمسين

стр. 73

أشرفيًا مقبوض منها عشرة، ودخل بها في ليلته، جعل الله ذلك مباركا ميمونا. وفي صباح تاريخه توفيتْ شيختنا المرأة الجليلة، المعمّرة الأصيلة أم كلثوم ابنة شيخنا قاضي القضاة الإمام محب الدين بن الطبري المكي الشافعي وصلّى عليها بعد صلاة العصر إمام الراتب ابن أخيها، ودُفنتْ بالمعلاة عند تربة سلفها، وخلّفتْ ولدا ذكرا وبنتا ووالدهما، رحمة الله عليها وعوّضهم فيها الخير والصبر. وفي ظهر يوم الجمعة بعد الصلاة قُرئ مرسومان (١) في مصلّى قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة بالرواق الشامي من المسجد الحرام وفرش لقراءتهما بُسط المسجد وحضرهما قاضي القضاة المالكي الجلالي أبي السعادات والحاكم مبارك بن بدر وغيرهما من الأعيان وأركان الدولة الرومية. ومضمون أولهما: الخنكار منَع احتكار القوت من العسل والدهن. وتاريخه في الحموي (٢) أحد الربيعين سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة (٩٢٣ هـ). ومضمون ثانيهما من ملك الأمراء نائب الديار المصرية وفيه الإخبار بطلب إسماعيل الصوفي من الخنكار وأنه عرض عليه الدعاء له على المنابر وحرف السكة باسمه ويكون نائبا عنه. وفي ليلة السبت حادي عشر الشهر عقد الشيخ العلامة الزاهد القدوة القاضي عزّ الدين المدعو الفائز ابن قاضي القضاة بجدة المعمورة للخطيب فخر الدين أبي بكر بن علي بن ظهيرة القرشي الشافعي - متّع الله بحياته وأدام النفع به - على المرأة الكامل المصونة سُتيْت ابنة الخواجا محمد بن. . . . (٣) الفومني نزيل مكة المشرفة بمنزل والدها بالشبيكة بحضرة أقاربه بني ظهيرة، وباشر العقد قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة، وأذن شقيقها العلامة الأصيل الشرفي يحيى الفومني الحنبلي،

стр. 74

وشرب الحاضرون سكّرًا مذابًا وانصرفوا، وبعد ذلك دخل الزوج المشار إليه على زوجته في ليلة تاريخه، وجاء المهنئون في صباحها للسلام، ومدّ سماطا لأقاربه فقط. وفي ليلة الثلاثاء رابع عشر الشهر خسَف القمر خسوفا كثيرا في النصف الأخير، فصلّى له الخطيب الأصيل شرف الدين يحيى بن الخطيب فخر الدين أبي بكر ابن الخطيب جمال الدين محمد النويري المكي الشافعي صلاة الخسوف، وترك قراءة الجهر لعدم حفظه، وخطب بعد ذلك خطبة حسنة شكرها السامعون لها. وفي ليلة تاريخه توفي الفقيه الأوحد الأصيل برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ محب الدين ابن القاضي كمال الدين أبي بكر ابن الشيخ نجم الدين محمد المرجاني الشافعي بعد توعّكه مدّة طويلة بالحمّى والسعال نحو نصف سنة، وصلّى عليه ضحى يومها عند باب الكعبة قريبه الشيخ أبو (١) حامد المرشدي، ودُفِن بالمعلاة عند تربة سلفه - رحمه الله تعالى - وخلف ولديْن صغيرين ذكرا وأنثى وزوجة حاملة، عوّضهم الله فيه خيرا ورزقهم الصبر. وفي ليلة تاريخه دخل إلى جدة طليعة الناخوذة يوسف الزنجي من بندر الديو (٢) وفيها قماش وأرز وبهار، وأخبَر الركَبة الذين فيها الواصل معهم مركب من الديو للخواجا ابن مالك ومركب من كنباية (٣) يُعْرف بالشاهي، وهما قريب من جدة، وأنّ السلطان مظفر شاه أمر بصدقة اللّاك إلى أهل الحرمين، وأراد سحْبها (٤) فتعوّق إلى أول الزمان. وفي ليلة الأحد تاسع عشريْ الشهر نُقِلتْ من جدة إلى مكة المشرفة لقاضي

стр. 75

القضاة الحنفي نسيم الدين عبد الغني المرشدي الأنصاري، وكنّا توجّهنا إليها لقبض اللّاك الواصل من الملك مظفر شاه صاحب المملكة الكجراتية والأعمال الهندية (١)، فقبضْنا ما يخصنا منها. . . (٢) المستحقين معلوم سنة واحدة مصالحة عن سنتين. وأيضا مَن له عشرون (٣) دينارا في الفرمان يأخذ منها مائتي مَنّ وأربعة عشر منا من اللّاك، فيبيعه بنقص الربع وأزْيَدَ قليلا وأنقص قليلا، والله تعالى يحسن العاقبة ويلطف. وفي ضحوة يوم الجمعة رابع عشريْ الشهر ولدتْ ابنة أخينا الخواجا خير الدين أبي الخير بن عبد القادر بن فريوات الدمشقي، وأمّها. . . . (٤) ابنة. . . . (٥) ابن ساعد الدمشقي. وفي ظهر تاريخه ولد فلان الدين (٦) من ابنة الأمين فخر الدين عثمان المظفري الرومي وأمها عائشة ابنة الخواجا نور الدين علي الناصري. واتفق في ظهر تاريخه أنّ الحاكم مبارك بن بدر توجّه إلى الشيخ نور الدين حمزة الرومي وأخبره أنّ السيّد الشريف بركات أمر بختم بيتْ الشيخ القدوة مدبّر المملكة الرومية نور الدين عبد الحليم حليمي شلبي، فذكر له أنه أوقفها على أهل المدينة الشريفة وهي (٧) المدرسة الأفضلية، ثم توجّه معه إليها فحتما أبوابها، ثم بعد صلاة ظهر تاريخه توجّه الحاكم إلى الشيخ نور الدين وفتحا أبوابها، ولم يُعلم مقصدهم بذلك.
следующие страницы →