← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إحسانه. وفي مغرب ليلة السبت سابع عشري الشهر طاف الشريف ثقبة وقري الشريف عرار بن عجل وخرجا من باب عزورة (١) للسفر إلى القاهرة فودعهما جماعة من الأعيان وسافر صحبتهما (٢) قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري بسؤاله للسيد بركات والد الشريف ثقبة وتجَوّهِه (٣) في ذلك بالشريفة أم المسعود ابنة عجل أخت الشريف عرار المذكور. ويقال إنها أخذت له من الشريف خمسين دينارا للإعانة بها على السفر وسألته في الوصية به عند ملك الأمراء بالديار المصرية والكتابة في مساعدته على ابن خصمه القاضي محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي الذي أخذ الوظيفة عنه، لإشاعة أنه سعى في الوظيفة لوالده من القاهرة فأجيبت (٤) ثم توقف ملك الأمراء وأحال الأمر إلى الخنكار بالروم لكون خصمه ولَي من هناك فامتنع الشريف من الكتابة له وقال: لا أدخل بين الفقهاء، وبينه وبين خصمه، فسافر إليه، فالله تعالى ينصر خصمه عليه ويأخذه من مأمَنِهِ ويخذله ويريح المسلمين منه، فإنه كثير ضرره وتعدّيه على الناس بالجهل والحمق والفجور وإثارة الفتن والشرور. ورأيتُ بعض أهل مكة كتب فيه قصة بالشكوى منه وأرسلها لملك الأمراء نائب الديار المصرية صحبة جماعة ولد الشريف مضمونها: الفقراء إلى الله تعالى سكّان الحرم الشريف، وبلد الله المعظم المنيف، يقبّلون الأرض لدى المقر الأشرف العالي، صاحب المفاخر والمعالي، الأميري الكبيري العالمي القارئي الغوثي العتابي الكهفي الملاذي السيدي السندي الملكي المريدي المسددي المظفري كافل

стр. 247

المملكة العلية، وملك الأمراء بالديار المصرية، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، وأيد بدولته السنة الشريفة، وأعزها بوجوده وجعلها مشرقة منيفة، ومتّع بحياته الإسلام والمسلمين، وأحيى به سيرة الخلفاء والسلاطين آمين. آمين آمين لا يُرْضى بواحدة … حتى [تضاف] (١) إليها ألف آمينا ويُنهون أنهم ما زالوا رافعين أيديهم للمواقف الشريفة العثمانية، والصدقات المعظمة المظفرية، شرفها الله تعالى وعظّمها وثبّت قواعد مملكتها حول بيت الله الحرام، وفي ملتزم الذمام، وتحت ميزاب سُحب الأنعام، وفي مواطن الإجابة، بالأدعية الصالحة المستجابة. ويعرضون على الأعتاب العالية، والرحاب المنيفة المتعالية، أن المتولي لقضاء المالكية بمكة المشرفة البهية، لا يصلح لمباشرة القضاء بها لانقياده لَهواه، واستيلاء الجهل عليه وكثرة خصامه ودعواه لأمور عظيمة، وارتكابه لأحوال غير مستقيمة، قادحة في الدين، مضّرة بالمسلمين. ويسألون من الصدقات الشريفة، والمراحم المعظمة المنيفة، أن يكشف عنهم هذه النازلة العظيمة، والحادثة الأليمة، فإنه ورد في الآثار، وجملة من الأخبار، أن الملك يُسأل عن عماله، كما يسأل عن عمله وأحواله. وقد أجمع أهل الخير والصلاح، والرشد والفلاح، على بغض المتولي وكراهيته في الله، والثناء على مَن عزله بالقول المتناه، فإنه مشهور بالعلم والديانة، والعفة والنزاهة والصيانة، وقال فيهما بعض الفقهاء، والأدباء النّبهاء: أتيتَ يا دهر بأمر عظيم … أصْخى به كل ذي علم عليم الجاهل الناقص ولّيتَه … مَن حُكْمه ما زال حكما سقيم عزلتَ بحر العلم حِبْر الورى … مَن نُطقه الفصل كدُرّ نظيم

стр. 248

أعني الجلالي الذي ما له … مثل على منهجه مستقيم لا زال والسعد له خادم … ودحض مَن عانَدَه مستديم وقال بعض المتقدّمين في واقعة حال تصلح أن تكون فيهما بِيَقين: أقام الترجمان لسان حال … عن الدنيا يقول لنا جِهارا زمانا فيه قد وضعوا جلالا … عن العليا وقد رفعوا حمارا وقال آخر في المعنى، وذكر جَدّهُ المَحلّل هنا: ومن عجب أن الفضالة حرمت … على بَعْلها في مكة وهو الولي فحلّلها العاري عن العلم إنّه … هو المستعار التيس نجل المحلل وجيران بيت الله (١) الشريف، وسكان البلد المعظم المنيف، يكررون السؤال لمولانا ملك الأمراء - حرس الله مهجته، وبسط للأنام معدلته (٢) - ويتوسلون إليه بوجه العظيم الذي لا يُسأل به إلّا الجنة ويتشفعون لديه بنبيّ أوجب الله قبول شفاعته، وتعظيم مكانته، أن يصون منصب الشرع الشريف، ويولّي ببلاد الله من له عقل ودين وفضل منيف، فإن المتولي الآن ممن سار سيرة وضيعة، وارتكب أمورًا شنيعة، وغرّه جهله بالجاه، وإبلاغ هواه، فالله تعالى يقابله عن ذلك، ويلقيه في أعظم المهالك، ويحمي الإسلام من بقائه في جميع الممالك. أنْهَوْا ذلك داعين، وللإجابة منتظرين، والحمد لله وحده. وكتب أكثر الصلحاء من المجاورين والمقيمين. وفي صبح يوم السبت المذكور مات خادم بئر زمزم المعلم أبو الخير بن عبد الله المصري بعد توعكه مدة يسيرة وأوصى أنّ له أخا وزوجة بالقاهرة وزوجة بمكة ودَينًا عليه. وجعل وصيّه شيخ المالكية محمد بن عبد الرحمن الحطاب المغربي

стр. 249

الطرابلسي - نفع الله به - فجهّزه في يومه وصلّى عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة وعارضت (١) الدولة وصيّه لغيبة وارثه، فراجع الشريف في أمره فسامحه وسأله الدعاء. وفي صبح يوم الخميس ثاني عشري الشهر وصل إلى مكة محتسبا لها عوض الجمال محمد المواز ولاه الشريف بركات صاحب الحجاز، وهو قائد كبير مشهور بالعقل والدين اسمه شوفان بن بيسة (٢) عتيق السيد بركات بن حسن جد المولّي له، فتوجّه إلى المدعى في طريق المعلاة وصحبته الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر فالبسه خلعة هناك على العادة وركب فرسا وعاد إلى منزله بلا طبل وزمر. فتباشر الناس به لبركته وظهرتْ نتيجته في يومه برخص الحب ونزوله عن سعره المعتاد، بحيث بيعت الربعية بمحلقين إلّا ربعًا، وأقلّ من ذلك وأكثر قليلا، فالله تعالى يتمّ ذلك ويزيد في الرخص. وفي يوم الجمعة ثاني تاريخه أرسل نائب جدة حسين الرومي جماعة لفتح بيت النائب قبله الأمير قاسم الشرواني وضبط ما فيه بحضرة قضاة البلد، فحضروا وفتحوا حواصله فوجدوا فيها كثيرا من التّحَف والأقمشة والسلاح والنقدين، الذهب يقال إن مجموع ذلك نحو لكّين (٣) فالفضة ثمان شكائر كبار، والذهب سبعة مراطبين (٤) وكانت (٥) تحت الأرض ودلَّهم عليها ولده الكبير لخوفه منهم وأن يوجد ذلك خفية بلا ضبط. فضُبط الجميع وخُتِم على البيت وأخرج أصحابه منه بسبب آخر،

стр. 250

فتشوّش الناس لهم ولو الدهم، فالله تعالى يُحسن خلاصهم. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشري الشهر طلب نائب جدة أولاد قاسم وعياله وماله النقد، فجهّزوا في يومهم وسافروا إلى جدة، فبلغ الشريف بركات ذلك وكان في طريق جدة فأرسل خيلًا لملاقاتهم وإتيانه بهم فتوجّهوا بهم، فوضع يده على المال وقال: أمر البلاد إلّى وهم في تسليمي حتى يأتي خبر الخنكار. وأنكر نائب جدة فعله بغير مرسوم وقال للأولاد: توجّهوا إلى جدة، فتوجّهوا إليها، وفات الناس غرضه منهم ونزلوا في بيت لهم ويقال إنّ المال معهم. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه ماتت المرأة الكامل فاطمة ابنة الخواجا عبد القادر بن أيوب الدمشقي فجهّزت في يومها وصلي عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة بتربة أبيها، وخلفت أخا وزوجا غائبين في الهند وأمّا بمكة. رحمها الله تعالى وعوّضهم فيها خيرا. وفي يوم الخميس تاسع عشري الشهر وقف الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الهندي، أعزه الله تعالى في قراء ته لصحيح البخاري في المسجد الحرام وصرف معلومًا لجماعة حضروا عنده جزاه الله خيرا. وفرّق على الصوفية والفقهاء المقرّرين في مدرسة السلطان مظفر شاه الكجراتي معلوم سنة تاريخه فتضاعف الدعاء له، وعزل بعض الصوفية عن القراءة بمكة لعدم ملازمته للحضور فشفع بعض الأكابر فأعاده، واشترى بيت الخواجا .... (١) في القرارة بستمائة دينار وأوقفه على مدرسة موكّله السلطان مظفر شاه. ثم سافر إلى جدة في ثاني تاريخه، كتب الله (٢) له السلامة في السفر والإقامة.

стр. 251

شهر جماد الثاني جعله الله شهرًا مباركًا استهل كاملًا في ليلة السبت من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) فيها وصل إلى مكة الخواجا الأجل المحترم شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي بحرا من القاهرة فهرع الأعيان للسلام عليه وأخبر أنّ ملك الأمراء نائب الديار المصرية أرسل معه عدة مراسيم الجماعة منها مرسوم لشيخ الشيوخ العارف بالله تعالى ناصر الدين محمد بن عراق الدمشقي - نفع الله به - للشكر منه في شغل عين مكة وإسناد الأمر إليه في تنوير المسجد الحرام وبَطْحِهِ وزيادة عمارة عين مكة وأنه أرسل مالًا مع حامل المرسوم لذلك، ولعمارة تربة السيد حمزة بن عبد المطلب ﵁ عم النبي ﷺ بالمدينة الشريفة والعين التي عنده، وفوّض أمر ذلك إلى الشيخ أيضًا. فواجه الخواجا الشيخ وأعطاه المرسوم فقال له: أنا متوجّه لزيارة الحبر عبد الله بن عباس ﵄ بالطائف وإذا أردتم العمل في المسجد يكون وكيلي الشيخ العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي الشافعي، فقال له الخواجا: أنا متوجّه إلى جدة وأعود إلى مكة إذا قدِمتم عليها. فسافر الشيخ في عصر تاريخه وسافر الخواجا إلى جدة في ليلة الأحد ثاني تاريخه، وأشيع أنّ له التحدّث على القبّانين والعتّالين بجدة لأجل الاطلاع على ما يُباع بها من البهار وغيره لكونه تاجر السلطان ونائب ملك الأمراء بالديار المصرية. ولم يصح ما أشيع من ولايته لنظر جدة وحسبتها وغير ذلك من الولاية للقاضي صلاح الدين بن ظهيرة لقضاء الشافعية بمكة لكنه ذكر أن ملك الأمراء أوقف أمره حتى يصل إليه الشريف ثقبة ابن السيد بركات صاحب الحجاز ويفاوضه في أمره. فالله تعالى يقدّر له وللمسلمين خيرا ويدفع عنهم [كلّ] (١) شرّ وضيْر، بمحمد وآله آمين.

стр. 252

وفي يوم الأحد ثاني الشهر ماتت أم هاني ابنة الشرفي يحيى بن إدريس بن عبد القوي المكي زوجة الشيخ جمال الدين محمد ابن شيخنا عفيف الدين عبد الله باكثير المكي الشافعي وأم أولاده وهي نُفَساء على ابنة ماتت قبلها فجهّزت في يومها وصلّى عليها زوجها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة بتربة أجدادها لأمها بيت العراقي، وكانت أمّها ماتت في هذا العام وكذا أبوها، فالله تعالى يرحمهم أجمعين. وفي يوم الإثنين ثالث الشهر مات الفقيه الأصيل زين الدين عبد الباسط ابن الشيخ جمال الدين فاتح بيت الله محمد بن عمر بن أبي راجح محمد بن علي الشيبي المكي. وكان وجع زمانا طويلا بالحمى والإسهال. فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم ودفن بتربة والده المستجدة بالقرب من تربة الشيبيين بالشعب الأقصى جوار السادة المشائخ الفضيل بن عياض وعبد الله بن أسعد اليافعي. وخلف ولدا مراهقًا من ابنة عمه الشيخ الطيب وهو مفارق لها ومخاصم لوالدتها وحزن الناس عليه لشبابه وهو في عشر الأربعين، ومولده في سنة ست وثمانين وثمانمائة، رحمه الله تعالى. وفي نصف ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه وُلِدت البنت المباركة الأصيلة ستيت ابنة صاحبنا العلامة الأصيل القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي القضاة بالحرمين الشريفين نجم الدين محمد بن عبد الوهاب بن يعقوب المالكي وأمّها سيدة قريش ابنة قاضي القضاة بالحرمين الشريفين المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نجم الدين بن ظهيرة القرشي سبطة قاضي القضاة الشافعي الجمالي أبي السعود بن ظهيرة، فهنّأه الناس بها، فالله يحييها له ويعضدها بذكَر صالح. وفي أول هذه الجمعة فُرّق حب دشيشة السلطان الأشرف قايتباي - رحمه الله تعالى - على أهل رباطه وأرباب وظائفه غير الصدقة، فأعْطِيَ كل واحد إردب حبّ

стр. 253

ستة أمداد بالكيل المكي، ومجموعه ألف إردب وخمسمائة إردب، وكان ثلاثة آلاف إردب فنقص ثلثها سرقة في البحر، وبيع سدسها وصرف عليه لأجل الكراء وغير ذلك. وكان المتولي لتفرقته المشدّ الرومي والقاضي الشافعي نور الدين بن ناصر والناظر على الدشيشة القاضي عز الدين فائز بن ظهيرة على العادة. وارتفق أهل الرباط بالحب وباعوا بعضه ونزل سعر الحبّ في السوق بحيث بيعت الربعية منه بمحلق ونصف لفرقه، ومن غيره بمحلقين إلّا ربعًا وأقلّ من ذلك وأكثر، فالله يرخّص أسعار المسلمين ويرحم الواقف ويجزي الناظر على ذلك خيرا. في ضحى يوم السبت ثامن الشهر مات النجيب البارع صفي الدين محمد ويُدعى جار الله ابن الشيخ العلامة الموقّع تقي الدين محمد رمضان العزي القاهري الحنفي نزيل مكة المشرفة وعمره أربعة عشر ونصف، ومولده في عشري المحرم سنة ٩١٢ بالقاهرة واعتنى به والده فأسمعه على جماعة من الشيوخ بمكة وغيرها واجتهد عليه فحفظ أربعة عشر كتابا في فنون شتى .... (١) فمرض نصف سنة بالحمى واشتغل في آخرها، ثم قضى نحبه فجهّز في يومه وصلّى عليه عند باب الكعبة ودفن في المعلاة بشعب النور وحزن عليه والِداه حزنا كبيرا لكونهما ليس معهما غيره إلّا ابنة تقاربه في السن، فالله تعالى يرحمه ويعوّض كلًا منهم الجنة. وفي يوم تاريخه ظهرت خَبِيئةُ ذهبٍ في قبر بالمعلاة، اطلع عليها جماعة من الحفارين واقتسموها بينهم فبلغ الحاكم القائد مبارك بن بدر ذلك فمسكهم وأخذها منهم بعد ضرب بعضهم وحبسهم وهي قليلة تأتي ثلاثين دينارا ذهبًا سكة أهل الغرب ذهبا مليحا خالصا. وفي ضحى يوم الإثنين عاشر الشهر مات شيخ السدنة العلامة الأصيل فاتح

стр. 254

بيت الله الجليل … (١) المدعو الطيب ابن الشيخ سراج الدين عمر بن أبي راجح محمد بن علي الشيبي المكي الشافعي وعمره ثمانون (٢) سنة بعد توعكه نصف سنة بالحمى والإسهال والفالج بحيث بطل بعض أعضائه. فجهّز في يومه وصلّى عليه قاضي الشافعية الآن النوري بن ناصر بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم. وكانت جنازته حافلة ودفن على قبر مشائخ السدَنة (٣) في الشعب الأقصى بالمعلاة جوار الشيخ فضيل بن عياض ورفقائه المشائخ الصوفية، نفع الله بهم ورحمهم. وخلف ولدا اسمه يحيى. وتولّى فتح الكعبة بعده أخوه الشيخ عبد الله وهو أصغر منه بثلاث سنين ولم يستَنِبه في حياته لخصام بينهما. ويقال إنه فرح بموت الزيني عبد الباسط ابن أخيه لما سمع بموته فعاش بعده جمعة ولحِقه، فسبحان الحي الذي لا يموت. وفي يوم تاريخه وصل إلى مكة من جدة البدري حسن ابن القائد نور الدين علي بن مبارك الحسني الحاكم بمكة كان وهو مريض وحصل له ماخولية (٤) في عقله، وكانت تعتريه في بعض الأحيان وفي الغالب يكون عاقلًا مع الحشمة والتودد للناس والصبر على الشدة والبأس. فقدّر الله تعالى أنه قويَت عليه الماخولية وغفل عنه أهله فدخل إلى مخزن وعلّق به حبلًا فشنق فيه نفسه، فلمّا دخلوا إليه وجدوه قد مات. فحزن عليه والده وأخته وجميع أصحابه ومعارفه لشبابه، وجهّز في يومه وصُلّي عليه عند باب الكعبة مع فاتحها الطيب الشيبي وشيّعا جميعا إلى المعلاة ودفن بالحجون بجانب تربة بني زائد والخواجا محمد سلطان، ﵀ وعفا عنه وعوضه في شبابه الجنة، فإنه عمره نحو ثلاثين سنة.

стр. 255

وفي يوم الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت زين الكمال ابنة عبد الله الحبشية موطوءة قاضي القضاة الشافعي كان الصلاحي بن ظهيرة. فجهّزت في يومها وصلّى عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة نائب سيّدها قريبه القاضي شرف الدين أبو القاسم بن ظهيرة الشهير بالرافعي وشيّعها جماعة من الأعيان ودُفنت بالمعلاة داخل تربة سيّدها بالحجون وحزن عليها فالله تعالى يرحمها ويعوّضه فيها خيرًا. وفي ليلة الخميس ثالث عشر الشهر مات الفقيه العدل المرتضى العارف بصنعة المواثيق كاتبه رضي الدين محمد ابن الشيخ العلامة نور الدين علي بن محمد الحناوي ثم المكي المالكي بعد توعكه ثلاثة أشهر بالحمى وغيرها وطاب في بعضها وغسل أوراقا في المواثيق والحساب على جماعة خشي منها الضرر على أهلها من ولده المحبي محمد فندم عليها واعترته (١) حرارة في باطنه كما أخبر به من طبّه. وجهّز في ليلته وصُلي عليه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم (٢) ودفن على أبيه بالمعلاة بالقرب من تربة بني شيبة بفم الشعب الأقصى، رحمه الله تعالى وعفا عنه، فإنه كان ذا حدّة وحمق وخصام مع من لا يوافقه على غرضه، بحيث أفضى به ذلك إلى ذكر الناس له إلى ما لا خير فيه لكنه عارف بصَنعته مظهر للحق في غالب حالته، سامحه الله (٣) ورحمه. وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه ماتت المرأة الأصيلة سعادة ابنة الشيخ العلامة نجم الدين محمد ابن القاضي نجم الدين محمد بن أبي البركات بن ظهيرة ابن قاضي الحرمين المحيوي عبد القادر، وزوجة القاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة، فجهّزها زوجها جهازا فائقا كعادته وارتكب فيه الديون، وصلّى عليها أخوها بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود وشيّعها خلق من

стр. 256

الأعيان وغيرهم ودفنت داخل تربة جد زوجها في محل كان أعدّه أخوه الكبير قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة لنفسه فوقع بينهما كلام بسببه ثم تركه لها، رحمها الله تعالى. وكانت شهدت لزوجها في مرضها بتمليك مخلّفها من أثاث البيت مع مهرها والاعتراف له بمبلغ ثلاثمائة دينار - ويقال خمسمائة - فتشوش أخوها من ذلك وخاصمه بسببه قبل موتها وكان قبل زواجها أشهد عليها أخوها بمبلغ لنفسه أنفقه عليها واعتاض بذلك مخلّفها من أبيها في الأملاك، فكان فعلها من جزاء عمَله. وفي ليلة الإثنين سابع عشر الشهر ماتت سيّدة الكل ابنة الخواجا حافظ عبيد العجمي زوجة الخواجا علي راحات وأم ولده أبي بكر بعد توعكها مدة يسيرة، ووصيتها بدين نحو أربعمائة دينار. فجهّزت في ليلتها وصُلي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنت بالمعلاة في تربة والدها. وفي هذه الجمعة جاء جماعة من المدينة الشريفة وأخبروا أنها محاصرة من عِيرِ شيخ بني لام وأنه قطع نخيل البركة التي عند جبل أحد وهي للأشراف بني حسين وأنه طلب منهم مالا فجعلوا له بعض التمر والحب وغير ذلك كعادته معهم، فبلغ ذلك صاحب مكة السيد الشريف بركات بن محمد فأرسل سرية فيها ولده الشريف أبو نمي وبعض إخوانه وقريب مائة فرس وأضعافها من الرجل ووَرّى بتوجّههم إلى أهل الصفراء (١) في طريق المدينة الشريفة، فالله تعالى يؤيدهم وينصرهم. وأشيع سفر الفرنج المخذولين من بلاد دهلك إلى جهة الهند وذلك لوجعهم ولرد هونهم بها وحصرهم فيها (٢). وأن المركب الشاهي الذي فيه اللاك صدقة

стр. 257

السلطان مظفر شاه الكجراتي على أهل الحرمين الشريفين وصل إلى بندر عدن بالسلامة وكان قصده التوجه إلى جدة، فلما سمع ناخوذته بأنّ الفرنج توجّهوا إلى دهلك صدّ عنهم. فالله تعالى يهلكهم ويسلّم المسلمين منهم. وفي آخر الشهر وصل في البحر من الطور جلبة فيها أربعمائة حمل دقيق صدقة على أهل مكة من عند ملك الأمراء نائب الديار المصرية، ويقال من الخنكار سليم خان ابن عثمان وأن المتكلم عليها شخص رومي وصل معه ثلاثة مراسيم أحدها للشريف بركات بالوصية به والمسامحة في عشورها، وثانيها بتقدّمه بخراب قبّة مقام الحنفية إلى حاشية الطواف وعمل مقصورة عليه، وثالثها لنائب جدة، فسامح الشريف بعشوره في الدقيق. ونقل إلى مكة المشرفة ورقة (١) حَررت تركة الحاج محمد شنيبل الدمشقي التاجر الواصل من الهند في عام تاريخه ومات في طريقه قريب جدة، وخلّف بنتا وزوجة حاملا ولدت ذكرا في شهر رجب وأوصى بثلث مخلّفه لأهل الحرمين الشريفين، فضُبط جميع ماله فجاء ثلاثين ألف دينار، وأخذ الشريف ثلث الثلث على عادته في الصدقات، وأخذ قاضي جدة ابن قاضي مكة ابن ناصر الثلث الثاني على عادته في الصدقات الثاني (٢) وأخذ أهل المدينة الثلث الثالث، وشرع قاضي مكة في كتابة قائمة لتفرقتها على أهل الحرمين، وغيرهم، فالله تعالى يُلهمه الخير. وفي ليلة الخميس ثامن عشري الشهر وصل إلى مكة ولد للشريف أبي الغيث ابن صاحب مكة السيد محمد بن بركات وهو ميت وعمره اثنتا عشرة سنة فجهّز في ليلته وصُلي عليه بعد صلاة الصبح ودفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى وإيانا. وفي يوم السبت سلخ الشهر مات المقرئ محيي الدين عبد القادر ابن .... (٣)

стр. 258

المصري صهر الخواجا جلال الدين القرشي - جارُنا - وكان مريضا بالإسهال وتوجّه إلى جدة فزاد عليه ذلك فرجع إلى مكة وأقام بها ثلاثة أيام ثم مات، فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة داخل تربة الشيخ شرف الدين المجذوب، نفع الله به، وخلّف زوجة وصبيين صغيرين، جَبرهما الله تعالى. وحدثت في هذا الشهر واقعة شنيعة مخِلّة بالدين عمِلها بعض القضاة المحيرين (١). وهي أن شخصا يقال له حسين السولي مات وخلّف بنتًا وعصبة وتركة لها صورة من النخيل والثمار والحب وأوصى بثلث مخلّفه لعصبته، وأثبتوا ذلك على النوري علي ابن القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري بعد أن أخذ منهم نحو عشرة أشرفية، ونفذ ذلك القاضي الحنفي بديع الزمان بن الضياء بمبلغ أشرفيتين وأخذ الشهود مثلها، فبلغ ابنة الميت ذلك فتكلم لها جماعة مع القاضي المثبت وجعل له ما لا يقال خمسين دينارا فطلب خصمها بحضرة وكيلها وأمره بإحضار مستنده الذي أثبَته له فأحضره إليه فقطعه بحضرته وقال له: رجعتُ عن حكمي، فتوجّه الخصم إلى القائد مبارك بن بدر الحاكم بمكة وتكلم معه في ردّ دراهمه التي أخذها القضاة منه فأمرهم بردها له. وسمعتُ أن المالكي ردها وأما الحنفي فقال: أنا منفّذ والعمدة على الحكم. فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، وبالله المستعان. شهر رجب الفرد أهلّ كاملًا في ليلة الأحد من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) في أوله وصلت الشريفة أم الكامل ابنة عجل زوجة الشريف بركات إلى مكة وذكرت أنّ زوجها توجّه إلى جهة اليمن للكشف على إبله ويعود إلى الوادي في نصف الشهر.

стр. 259

وفيه ظهرت الفاكهة بمكة المشرفة وهي الرطب والعنب والتوت والتين والخوخ والتفاح، وبيع تمر النخل بالأودية بيعا حسنا مع كثرة، فالله تعالى يرخّص الأسعار. وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه ماتت غزال الراجحية موطوءة القاضي بجدة كمال الدين أبي البركات محمد بن علي بن ظهيرة وأمّ ولده أبي البقاء وصفية. وكان القاضي جمال الدين أبو (١) السعود بن ظهيرة تزوجها ثم فارقها وتزوجها جوهر … (٢) سيّدها، وهي مشهورة بالحسن والعقل لكنّها كبرت وسمعتُ أنّ الشريفة أم الكامل ابنة عجل زوجة السيد بركات صاحب مكة أقامتها متكلمة على رباطها بجياد. فجهّزت في يومها وصُلي عليها بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء ودفنت بتربة مواليها بالمعلاة رحمها الله تعالى وإيانا. وفي ضحى يوم الثلاثاء ثالث الشهر مات الخواجا الكبير المعمّر محيى الدين عبد القادر بن بدر الدين الحلبي بعد توعكه مدة بجدة وحُمِل إلى مكة وأراد الوصية وطلب ولده عبد الكريم القاضي الشافعي النوري بن ناصر لأجلها فأسكت. ومات ولم يُوصِ فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم ودُفن بالمعلاة في تربة الملك المسعود يوسف بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن أيوب صاحب مكة واليمن. وأظنّ ذلك بطلب من القاضي الشافعي فإنه أصلحها بعد خرابها وأعدّها لنفسه فوافقوا ولده الثاني، وخلّفه مع ولد أكبر منه غائبًا وآخرين أصغر منه وغير ذلك. وتركته لها صورة من النقد والعقار ببلاده وعدة سفرات، فالله تعالى يرحمه ويعفو عنه، فإنه كان يخرج زكاة ماله على الفقراء بعنف وسبّ على طريقة أهل بلاده، مع انجماعه وملازمته العبادة وصلاة الجماعة. فعمل له ولده ختما (٣) بالمعلاة فيه أطعمة وبخور على قاعدة

стр. 260

بلادهم. وخدم القاضي الشافعي بمبلغ كبير يقال ألف دينار حتى أقامه على أخوانه الصغار وتركة والده. وفي ليلة الجمعة وصل من الفريق ميتا (١) الشريف عجلان ابن السيد أبي الغيث ابن صاحب مكة الشريف [بركات] (٢) بن محمد بن بركات الحسني وهو بالغ ومعه والده فجهّزه وصُلي عليه بعد صلاة الصبح ودفن بالمعلاة قريب قبر أخيه الماضي قريبًا، رحمه الله تعالى وعوّض والدهما فيهما خيرا. وفي مغرب ليلة الثلاثاء عاشر الشهر ولدت زوجة الشيخ العالم المبارك المعتقد الصوفي نور الدين علي ابن سيدنا وشيخنا العارف بالله تعالى مربي المريدين ومرشد السالكين ناصر الدين بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الدمشقي الشافعي ولدا مباركا سماه بلالًا، فالله تعالى يُنشئه نشأ صالحا وينفع به كما نفع بأبيه وجدّه. وفي صبح تاريخه تحرّك الخواجا الأصيل بدر الدين حسن ابن المرحوم الخواجا العالم بدر الدين حسين قاوان المكي - أعزه الله تعالى - للسفر إلى جدة بطلب من الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الشافعي وكيل السلطان مظفر شاه الكجراتي لكونه نوى السفر إلى الهند مع المراكب في هذا العام وأمره بثبوت الأوقاف التي اشترى بها البيوت الموقوفة بمكة على القراء في المدرسة المظفر شاهية. وكان مشتراه لغالبها في أول السنة وتأخرت كتابتها لوجع شاهدها كبير الموقعين رضي الدين محمد بن علي الحناوي، فلما مات طولب ولده المحجبي بكتابتها لأخذ والده معلومها وهو مائة دينار فقال: لا يلزمني ذلك إلّا بأجرة جديدة، وإذا كان لكم عند والدي شيء (٣) فخذوه من تركته، وتوجّه إلى صاحب البلاد السيد بركات جهة جدة فتكلم معه في إعطاء مبلغ فجعل له خمسين أشرفيا وكتب المستندات كتابة حسنة

стр. 261

بطريقة معتبرة استكثرت عليه، ويقال إن والده سّودها من حياته وأثبتها على قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء الحنفي. البيوت، وهي: (١) قاعة القاضي الشافعي جمال الدين أبي (١) السعود بن ظهيرة التي صارت لولده التاجي محمد، وقيمتها ألف وثلاثمائة دينار. (٢) وبيت الخواجا علي الطاهر الصائر للبرهاني ابن قاضي سالم، وقيمته ألف وثلاثمائة دينار. (٣) وبيت الخواجا شرف الدين يحيى بن علي المغربي المعروفة بدار اللؤلؤة، وقيمتها ألف وثلاثمائة. (٤) وبيت الخواجا ابن شمس الصائر للشهابي أحمد دوادار المقر الشهابي بن الجيعان وقيمتها ألف وخمسمائة. (٥) وبيت القاضي أبي البقاء ابن العفيف بن ظهيرة المجاور لقاعة القاضي أبي السعود، وقيمته مائتان وستون. (٦) ودكان بالمسعى بجانب وقف ابن عمران لقاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة بتسعين أشرفيا. (٧) وبيت الزير بالقرارة. الجملة للجميع ستة آلاف ومائتان وخمسون دينارا. وتكلم بعض البائعين .... (٢) فيما باعوه لطمعهم في المشتري وكون المال الذي اشتريَ به من عين الصدقة. فمسك القاضي المستندات حتى جُعلت مصلحته يقال بخمسين دينارا أو أقل منها، فلا قوة إلّا الله.

стр. 262

وتصدّى البدري حسن قاوان لها وتعب فيها وكتب قائمة باسم فقهاء مكة وعيالهم وأتباعهم لكون الوكيل طلب تفرقة الباقي عنده من صدقة سلطانه - نصره الله تعالى - وأمر العدل ولي الدين أبا (١) زرعة المنوفي بالتوجّه إلى جدة لضبط ذلك، فبلغ القاضي الشافعي النوري ابن ناصر ذلك فكتب قائمة فيها الغثّ والسمين من الفقهاء والعامة وأرسلها إلى الوكيل صحبة رسالة بالحط على أبي زرعة ومنْعه من الشهادة وكتابة القوائم لأجل القاضي الشافعي المفصول الصلاحي ابن ظهيرة. وكتب بذلك ورقة لنائب جدة وبالحط على مخدومه، فمُقت لذلك، وعَرض فيه عرضا (٢) وأرسل الشريف بركات للوكيل يوصيه على أبي زرعة لمخدومه. وفي يوم الجمعة ثالث عشر الشهر سافرت قافلة قليلة للمدينة الشريفة فيها إمام الحنفية بها النوري علي الخُجُندي، وتخلّف كثير من الناس لسماع الخوف بها لنزول العرب عليها. وفي أثناء هذه الجمعة وصل جماعة منها على درب الماشي ومعهم أوراق من بعض أكابر أهلها اطلعتُ عليها ومضمونها: أنه قد حصل لأهل المدينة الشريفة ما لم يقع لهم نظيره قبل تاريخه وهو وصول طائفة من العرب يقال لهم آل ظفير ونزلوا في موضع يقال له البركة شامي المدينة الشريفة وقطعوا ثمارها وجميع ما كان في تلك الناحية من الثمار أيضا، ثم إنهم رحلوا وغابوا نحو الأسبوع وعادوا إلى شرقي المدينة ونهبوا من جمال الحدائق نحو التسعة. ثم إنّ أمير المدينة خرج إليهم ومعه جميع بني حسين وجماعة من الفقهاء وغالب أهل البلد وكان خيل الأمير ثلاثة أرؤس من غير زيادة، وصل الأربعين نحو الأربعين (٣) فأرسل كاتب هذه الورقة وهو القاضي

стр. 263

الشافعي السيد عبد الله السمهودي للأمير ينهاه عن القتال لعلمه بعدم مقاومتهم للعدو، وأن يعطى ما يمكن إعطاؤه ويصالح به عن دماء المسلمين وأموالهم فامتنع، ووقع بينهم القتال فانكسر أهل المدينة الشريفة كسرة شنيعة بحيث قُتل منهم ثمانية أنفس اثنان الأشراف وواحد من الفقهاء والباقي من العامة، ومسكوا من أهل المدينة أربعة عشر رجلا منهم سبعة من بني حسين واثنان من الفقهاء ولم يرجع أحد من الفزع إلّا وهو مُصاب إما بالسلاح أو الحجارة، وغُلّقت أبواب المدينة وصارت خيل العدو تصل إلى باب البقيع والى تحت قلعة الأمير ولا يمكن الخروج إليه. فالله تعالى يلطف بالمسلمين وينصرهم على أعدائهم بجاه سيّد المرسلين. وفي يومه قطع نحو نصف ثمار المدينة وأفسدها وعزم على إفساد عمار قبا والعوالي فلم نر (١) لنا بُدّا من أن ندفع له خمسمائة دينار وفرسًا ومائة لمن كان واسطة حتى كفّ عن الإفساد وأخذ من الربطاء ما يزيد على الألف حتى أطلقهم. وكان الناس في وجل عظيم وإلى الآن هم على حالهم من الخوف، ولم يبق طائفة بالمدينة إلّا وحصل فيهم القتل والأسر والجرح، فلا حول ولا قوة إلّا بالله بتاريخ ثاني عشر جمادى الآخرة. وأخبر الزوار بسفر العرب عن المدينة لما سمعوا بوصول الشريف أبي نمي ابن السيد بركات صاحب مكة وابن عمّته صاحب المدينة الشريف باز بن فارس بن شامان مع العسكر إلى الصفراء، فأقاموا بها إلى أن فاتهم العدو لأجل مصالحهم، وهو مسك بعض عرب الصفراء وقطع نخيلهم وتوجّهوا إلى ينبع، فالله تعالى يلطف بالمسلمين. وفي يوم الجمعة عشري الشهر وصل الخبر لمكة من جدة بوصول زعيمة إليها فيها مراسيم لنائب جدة المتولي حسين بك الرومي ولولد المفصول البرهاني إبراهيم ابن الأمير قاسم الشرواني، وفيها الإخبار بإطلاق الأمير قاسم المشار إليه من

стр. 264

الترسيم بالقلعة ونزوله إلى القاهرة مكرما معظما وتخيير ولده في الإقامة بمكة أو السفر إلى والده مكرما وتمكينه من تعلقات والده ومساعدته عليها. ففرح أهله بذلك ودقت النقارة عندهم، فالله تعالى يجمع شملهم ويُتِمّ سرورهم. وفي ليلة الثلاثاء رابع عشري الشهر وصل إلى مكة العفيف عبد الله ابن القاضي الشافعي النوري ابن ناصر بالمبلغ الذي قبضه من معلوم الصدقة التي أوصى بها الحاج محمد شنيبل الشامي وهو ألف وثلاثمائة دينار بعضها قماش وبعضها نقد وتكملة المبلغ وهو سبعمائة تأخّر عند التجار المشترين للتركة، ويقال إنّ الدولة وصَّوا المرتهنة في عدم دفع المبلغ لهم حتى يصل قاصد ابن الشريف من القاهرة ويأتي بولاية صاحب الوظيفة قبله القاضي صلاح الدين بن ظهيرة. فنوى القاضي ابن ناصر تفرقتها بوصول ولده، وشرع في مهمّ لزواجه وزواج أخيه قاضي جدة الشهابي أحمد فلم يتمّ له مقصوده. وفي ظهر تاريخه [وصل] (١) قاصد من عند الشريف لخصمه القاضي الشافعي بأخبار ولايته ووصول قاصده مسلم البدوي إلى الوادي ومعه مرسومان (٢) للقاضي أحدهما مطلق لكل واقف عليه بأخبار ولايته وثانيهما خاص به وفيه إرسال قاصد (٣) ملك الأمراء للخنكار لإخباره بولايته لابن الشريف وأنه يأخذ المعلوم الهندي من تاريخ الولاية وهي سابع شهر رجب. وفيها خرج القاصد من مصر ففرح القاضي صلاح الدين بن ظهيرة بذلك وقصده الناس لتهنئته ولم يتوجّهوا لخصمه مراعاة له وأرسل عبده على فرسه بمرسومه المطلق إلى جدة لنائبه بها بعد مواجهة الشريف بالوادي وأخذ مكاتبته لنائب جدة حسين بك الرومي يخبره بولايته فدخل جدة في ضحى يوم الخميس سادس عشري الشهر وأعطى المرسوم لنائبه

стр. 265

القاضي جمال الدين محمد بن محب الدين بن عبد الحي القيوم بن ظهيرة، فتوجّه به إلى نائب جدة وقرأه عليه ففرح بذلك لكونه اتفق له مع القاضي المفصول القاضي بها الشهابي ابن ناصر خصام في يوم تاريخه وغلق القاضي بابه، وكان فألًا عليه. وشمت به كثير من أعدائه، لطيشه وشدّة مرائه. وفي فجر يوم الخميس سادس عشري الشهر ولدت للسيد أبي بكر بن الحسين القبيباتي الدمشقي ابنة سماها رقية وأمّها كمالية ابنة شيخنا قاضي الحرمين نجم الدين محمد بن يعقوب المالكي - رحمه الله تعالى - وصانها ولم يرض بها لكونها بنتا، فالله تعالى يعوّضه عقبها ذكرا ويُنشئها ويبارك له فيها. وفي عشاء ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل إلى مكة السيد الشريف زين الدين بركات بن محمد الحسني محرما بعمرة كعادته من وادي مر، فطاف وسعى بعد صلاة العشاء. وفي صباحها توجّه الأعيان للسلام عليه منهم قاضياها الشافعيان (١) المتولي والمفصول وتقدم ثانيهما بالسلام وأراد الانصراف فأمره الشريف بالجلوس فقعد ساعة ثم وصل خصمه مرسومه فقرئ بحضرة الشريف وجماعة من الأعيان القضاة والفقهاء فقال القاضي المفصول النوري ابن ناصر: ليس لي في ذلك دافع ولا مطعن مع أنّ الشرع لا يعزل القاضي إلّا بجنحة ولا يجوز السعي عليه إلّا إذا وُجِدت الجنحة. فقال له الشريف: هذه عادة الدولة المصرية وغيرك عُزل بلا سبب، فقال: الأمور بيد الله تعالى وأنا وظيفتي العلم ولا أعْزَل عنه، وبلغني التهديد لي ولأولادي ونحن إذا وجدنا التشويش بمكة خرجنا منها إلى بلد يحصل لنا العزّ فيها. فقال له الشريف: لا تخرج منها إلّا إلى الله، يعني بذلك الموت. فقال له القاضي

стр. 266

الشافعي المتولي الصلاحي بن ظهيرة: ممن بلغك التهديد؟ أما أنا شاكر منك (١) وانفض المجلس بعد كلام من هذا النمط واستسمحه كثير من الحاضرين على القاضي المعزول وهو يقدّر في ذلك فإن العزل حبس الرجال. وقد قال بعض العقلاء من القضاة: إنّ الولاية لم تسرّنا لكن ساءنا العزل، فلا قوة إلّا بالله. وأمر السيد الشريف القاضي المفصول في المجلس بتسليم مفتاح حاصل زيت المسجد الحرام إلى القاضي المتولي فأمر أمينه الشرفي الصلاحي بتسلُّمِه منه. فبلغني أنه وجده ناقصا فإنّ أصله أربعة وعشرون قنطارا قالوا أسرج منها في نصف السنة الماضية ستة عشر قنطارا وبقي ثمانية فوُزنتْ فوجد الباقي أربعة قناطير. وتكلم القاضي الحنفي بعد أن قام القاضي المفصول في الصدقة التي تحت يده فقال الشريف: أمرنا إلى مولانا المتولي وانفضّ المجلس على ذلك. ووصل مع الشريف قاصده مسلم وهو وجع ومعه أوراق لكثير من الناس فقرئت على أربابها ووصلتني ورقة من القاهرة من بعض الأكابر المقيمين بها مضمونها أنّ السيد الشريف ثقبة ابن السيد بركات - أدام الله عزه ونصر والده - وصل إلى القاهرة في رابع عشري جمادى الآخرة سنة تاريخه وأقام يوم وصوله بالعادلية وفي ثاني تاريخه طلع إلى القلعة للسلام على ملك الأمراء نائب الديار المصرية - أعزه الله - وشقّ القصبة في موكب عظيم قدامه جميع العسكر وهو لابس خِلعة وكذلك السيد عرار بن عجل - أيده الله - ثم نزل من القلعة بعد السلام وقُدّامهما من العسكر البعض ممن طلع وعليهما خلعتان خلاف الأوليين ونزل معهما القاضي المالكي بمكة عبد الحق النويري والقاضي المالكي بالمدينة محمد السخاوي وهما لابسان قفطانين. واستقر ابن الشريف بالسبع قاعات ببيت المقر الشهابي ابن

стр. 267

الجيعان بإشارة ملك الأمراء بذلك. وحصل له خير عظيم من ملك الأمراء (١) ورسم له بمثل ما رسم به السلطان الغوري لوالده (٢) عند قدومه عليه. وقد وصل من أهل المدينة مع ابن الشريف القاضي الشافعي بالمدينة أبو الفتح بن صالح ومالكيّها محمد السخاوي وجمال الدين بن عمر وغيرهم. ووقعت حركة في أيام الخماسين (٣) توفي فيها جماعة من أهل البلد كثيرون منهم الشيخ شهاب الدين المسمرسي (٤) أحد نواب المالكية ومحب الدين البلبيسي أحد نواب الشافعية ومن الحجازيين حسن بن موفق البرهاني ومصلح القاواني. وأشيع أنّ مولانا السلطان - نصره الله - قصد قتال الفرنج برودس وأن عسكره ثلاثمائة ألف من البر والبحر. وأمر ملك الأمراء القضاة بالتوجّه إلى الإمام الشافعي وقراءة سورة الأنعام والدعاء للسلطان بالنصر وذلك بعد العشرين من جماد الأول وأن مصر متشحطة الأسعار، والإردب بأشرفيين بعد أن كان نزل إلى دون ذلك والسمن الرطل بخمسة محلقة، والعسل بثلاثة، والسكر المكرر كذلك والنبات بأربعة (٥)، والجبن الرطل بأزيد من محلق، واللحم البقري بمحلق، والضاني بمحلق ونصف، والقماش أيضا في غاية الغلو، والله تعالى يلطف بالمسلمين. وقد أعيدت وظيفة القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة إليه بواسطة السيد الشريف بركات بسؤال ولده وأعيدت وظيفة الشمس بن جلال الحنفي بالمدينة الشريفة وولي محمد ابن الرئيس حنبليّها بالمدينة عوضا عن إبراهيم السكندراني. وفي ثاني تاريخه تخلص الأمير قاسم الشرواني من الترسيم ونزل إلى بيته

стр. 268

بالمدينة - عامله الله بلطفه - وتاريخ الورقة في سابع عشري جماد الآخر سنة تاريخه. وفي ضحى يوم السبت ثامن عشري الشهر طلب السيد الشريف بركات صاحب مكة الشيخ العلامة المبارك أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي المغربي المالكي الشهير بالحطاب - نفع الله به - وسأله بحضرة القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وغيره عن مخلّف الحاج يوسف بن الطبّالة الدمشقي فأخبَره بوصيته الظاهرة فقال له: بلغني أنّ له نقدا عندك غير الذي ذكره في الوصية، فأنكره وقال: لا أعرف ذلك، فقال له الشريف: أنا أعتقدك وتحققتُ أنّ عندك المال، والناس - بحمد الله - في أمان، وما الحامل على الكتمان؟ فقال له: أنتم أعرف بذلك، وكان في المجلس ناظر المواريث الكمالي أبو الفضل بن أبي علي فقال للشريف: عندي جماعة يشهدون على الشيخ أنّ المال في منزله، فأنكر الشيخ ذلك، فقالوا نتوجّه إلى منزلك وننظره، فقال: افعلوا ما شئتم، فأمره الشريف بالتوجّه مع جماعته إلى منزله فتوجّه معهم امتثالًا لأمره فأراهم عبد الميت مع شخص كان حاضرا الوصية المخزن الذي فيه المال. فأمر جماعة الشريف الشيخ بفتح المخزن ففتحه لهم موافقة فأراهم العبد والشاهد محلّ المال وهو في صندوق كبير مغلق عليه بقفل ففتحها (١) جماعة الشريف فوجدوا فيها خمسمائة وستين دينارا ذهبا عتيقا وألفا (٢) وسبعمائة أشر في فضة وثمانية آلاف وسبعمائة قفلة فضة خالصة. قُوّم الجميع الألف دينار على ما يُقال. وكان الميّت كتبها في وصية مخفية وقال: إنها وديعة عنده لأخيه الغائب وإذا حضر يدفعها الشيخ له، فأراهم الشيخ حينئذ الوصية، فقالوا له: لأي شيء أنكرتَ ذلك أولا؟ فقال لهم: كان يجب عليّ الإنكار. فأخذ المال جماعة الشريف وتوجّهوا

стр. 269

به إليه وتشوّش الأخيار لذلك، فلا حول ولا قوة إلّا بالله، وقدّر الله وصول أخي المّيت في الموسم فأخذ المال من جماعة الشريف، وعُدّ ذلك من بركة المّيت والوصي وعدل الشريف. وفي عصر تاريخه توجّه السيد الشريف بركات إلى وادي مر بالدكناء وصحْبَته قاصده مسلم البدوي على نية السفر إلى القاهرة، وأودعه الناس أوراقًا كثيرة. وفي يوم الأحد ثاني تاريخه شرع القاضي نور الدين في تفرقة الصدقة التي تحت يده وأوصى بها الحاج شنيبل الشامي وهي قماش ودراهم، فسمع القاضي المتولي الصلاحي بن ظهيرة فمنعه من ذلك وقال: أمر تفرقتها لي، فوقع بينهما كلام ومراسلة في ذلك واتفق الحال على التوقّف ومراسلة الشريف في أمرها. وتكلم القاضي الحنفي بديع الزمان بن الضياء فيها بحضرة الشافعي المتولي وطلب الزيادة فيما عُيّنَ له، وهو عشرون دينارا، فلم يوافق على الزيادة ثم اتفق الحال على رضا المتولي بتفرقة المفصول لها لكونه شرع في بعضها وعيّن غالبها لكثير من العامة لا يمكن إعطاء المتولي لهم شيئا ويحصل له بذلك الضرر بعد عمل مصلحته، ففرّقها المفصول بعد ذلك بمساعدة أولاده البدري حسين والعفيف عبد الله وصار أولهما يكتب أوصالا بخطه لكل من عين له شيء بحسب حاله ويعطي الوصل للثاني فيدفع له ما يخصّه قماشا ودراهما. وعَيّنَ لكل قاض عشرين (١) أشرفيا وكذا فاتح الكعبة الشيخ عبد الله الشيبي والخطيب عبد الرحمن النويري والقاضي شرف الدين الرافعي ولكل نائب قاض عشرة أشرفية ولأئمة الحرم ومشائخه كل واحد ثمانية أشرفية وأنا منهم. فتكلم الأئمة فكمّلوا لهم عشرة أشرفية وزادوا القضاة أيضا خمسة أشرفية وجعلوا لأولاد الأئمة خمسة ولبقية الناس خمسة وأربعة وثلاثة وأقلّ من ذلك إلى ربع دينار. وردّ

стр. 270

كثيرا من الناس مع إنصافهم، وامتنع القضاة من القبض فإنهم قالوا: على كل ألف عادتهم عشرون أشرفية، فقال لهم المفرّق: هذه وصية ويجب فيها التساوي، وما رأيتُ أحدا راضيا، ورضى الناس غاية لا تُدرَك، مع أنه أنصف كثيرًا من الناس في البدأة وغيرها. شهر شعبان استهل كاملا في ليلة الثلاثاء بمكة المشرفة من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) ورآه أهل المدينة الشريفة وبندر جدة والأودية التي حوالي مكة بالإثنين، فعلى الرؤية الأولى في ثاني الشهر وصل الشريف أبو نمي ابن السيد بركات صاحب مكة إلى والده بوادي الدكناء، أحد أودية وادي مَر، ومعه مماليك والده وهم ظافرون بالصلح على الذين توجّهوا إليهم من أهل ينبع ووادي الصفراء وأعمالها بعد أخذ أموال وأغنام وجمال منهم وقطع بعض نخيل أهل الصفراء. وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر دخل إلى مكة أتراك الشريف بعرضة لطيفة من المعلاة فيها الطبل والزمر وأقاموا بها فغلا الماء حتى بلغت القربة الحلو إلى محلق ونصف والراوية بمحلقين وعُدم اللحم، فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين. وفي ضحى يوم السبت ثاني تاريخه مات الخواجا الأصيل فخر الدين أبو بكر بن .... (١) الناصري الدمشقي نزيل مكة المشرفة بعد توعكه مدة طويلة، وخلف بنتًا وزوجة ويقال ابن أخ صغير غائب، فجهّز في يومه وصُليّ عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى وعفا عنه، فإنه كان خفيف الروح مع عدم التصرف والضبط حتى ضعف حاله وتقرر بعده في التكلم على رباط والده بباب العمرة والدار التي بجانبها قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء من

стр. 271

القاضي الشافعي وصاحب مكة السيد بركات، نصره الله تعالى. وفي ليلة الثلاثاء ثامن الشهر وصل إلى مكة المشرفة الأمناء على الباقي من الصدقة المظفر شاهية الكجراتية ويقال إنها أربعة وعشرون ألف دينار وقيل سِتّة وعشرون ألفا، جعل للشريف منها ألفان وترك الثلث الذي كان يأخذه في الصدقات للمستحقين، ووزع بقية المال على غالب أهل مكة في دفتر كتبه العدل ولي الدين أبو زرعة المنوفي بجدة المعمورة بحضرة الأمين عليها الملك محمد ابن شيخ علي القيلاني. وتصرّف فيها مع شيخ الفراشين نور الدين علي بن أبي الفتح بن بيسق المكي ووزعوا الناس بحسب أغراضهم ويقال بإشارة القاضي الشافعي المتولي، وهو يتبرّأ من ذلك. وهو درج كبير مرتب على البيوت وصدر في أوله بالأرامل والأربطة وختم بالعامة وجملتها في الدفتر على ما أشيع نحو سبعة آلاف دينار منها ألف وخمسمائة خاصة بالفقهاء وأتباعهم ونحو سبعمائة لأهل الأربطة التي بمكة وألفان لعامة مكة وثلاثة آلاف للأعاجم، وجعل لبيت السيد الإيجي نحو الألفين لكل نفر مائة دينار وأقلّ من ذلك، ولكل قاض أربعون دينارا غير عائلاتهم (١) فإنّ لكل شخص منهم عشرة أشرفية ودونها، ولكل نائب خمسة عشر أشرفية وأقلّ منها، وجعل لأئمة الحرم ومشائخه لكل واحد عشرة أشرفية وأقلّ منها، ولعيالهم من ستة وخمسة ودونها، ولكل شخص من أهل الأربطة ديناران وللعامة مثل ذلك وأكثر قليلا. وسلّم المال للخواجا بدر الدين حسن بن حسين قاوان المكي والشيخ بهاء الدين الجهرمي العجمي والكاتب شاه مير العجمي والصيرفي سليمان بن محمد وغيرهم من جماعة الشريف ونائب جدة. ووضعوا المال في المدرسة المظفرية بباب الصفا وشرعوا بها في التقسمة على

стр. 272

أهل الأربطة في عصر تاريخ وصولهم وسلموا ذلك لمشائخ الأربطة فسهّل عليهم وارتفق الناس بها مع وصولها إلى أهلها. وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه حضر قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وجماعته والقاضي الحنفي بديع الزمان بن الضياء وغيرهم من أعيان الحرم في المدرسة المذكورة وقبض كل منهم ما يخصّهُ وتتابع الفقهاء بعدهم فقبض كثير من أهل البيوت. وفي يوم الخميس عاشر الشهر كمل قبض أهل البيوت وقبض بعض العامة، وأما العجم فقبض غالبهم بجدة. وفي يوم الجمعة ثاني تاريخه تركوا القسمة لأجل الراحة وحرروا حساب ما قُبض ونفذت أوراق البيوت الموقوفة على المدرسة المظفر شاهية على القاضي الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وعقد البيع في بقية دار قاضي القضاة الشافعي المرحوم الجمالي أبي السعود بن ظهيرة التي باعها ولده تاج الدين لوكيل الأمين على الصدقة الملك محمد القيلاني لتكملة وقف المدرسة بمبلغ ألف وخمسمائة دينار ووقف الثمن حتى توجّه الوكيل بجدة وأرسلت الأوراق مع دفتر ثان صحبة عبد الأمين إلى جدة لإدراك سيّده قبل سفره إلى الهند مع المراكب، كتب الله سلامتهم. وفي يوم السبت ثاني عشر الشهر قسمتْ الصدقة الهندية وحضرها البدري حسين ابن القاضي نور الدين علي بن ناصر الشافعي المفصول لقبض ما يتعلق به وبوالده وعيالهما. فجُعِل لوالده ثلاثون دينارا أقل من القضاة هضما له وكتب بها وصلا واحدا (١) في المجلس الولوي أبو زرعة المنوفي الشاهد والكاتب على الصدقة لأجل دين عليه في ورقة لوالده ادّعى بها عليه ولم يثبت له وكتب له وصلا ثانيا (٢)

стр. 273

لعياله بثلاثين أشرفية أخرى أخذها القاضي تاج الدين بن ظهيرة أخو قاضي القضاة الشافعي المتولي الصلاحي بن ظهيرة وقال: هي حصتي وأخي بدر الدين بن ظهيرة في الصدقة الشنيبلية. وكان أعطاه فيها عشرة أشرفية وردّها وأخوه غائب في القاهرة لم يذكره فأخذ كل منهما ما يدّعيه بيده ولم ينكر ذلك عليهم أحد، وعند الله تجتمع الخصوم، فلما رأى ذلك ولده قال لهم: أخبرونا إن كان يحصل لنا شيء وإلّا قُمتُ من المجلس، فكُتب له حينئذ وإخوانه ولعيالهم وصل بالذي لهم فقبضه وتوجّه إلى والده فلم يبدِ، ولم يُعِد، واستعان بالله تعالى عليهم. وفي يوم الأحد ثاني تاريخه كملتْ قسْمة الأسماء المكتوبة في الدفتر على العامة وحضر عندهم الخطيب عبد الرحمن النويري بورقة من السيد بركات صاحب مكة وكان توجّه له إلى الوادي وفيها الوصية به وإعطاؤه عادته مثل القضاة، فإنه جعل له خمسة عشر دينارا أقل من النصف هضمًا له كولد القاضي ابن ناصر المفصول أيام ولايته فلم يوافقه أحد على مساواته بالقضاة بل خاصمه الكاتب على الصدقة الولوي أبو زرعة المنوفي ووقعت بينهما كلمات استطال بها المخاصم عليه وقام من المجلس صفر اليدين عاري الثديين، وتألّمَ لذلك بعض الناس لهضم مثله، فلا قوة إلّا بالله. وفي يوم الإثنين رابع عشر الشهر نودي في شوارع مكة باجتماع الفقراء في حوش الدشيشة بسوق الليل وفي دار الخضر عند الخياطين ليفرق عليهم فضلة الصدقة المظفر شاهية فجمع في المحلين أزيد من ألفي نفس كما ذكر فأعطي لكل نصف دينار وزيادة وأكثر من ذلك فضبط ما فرق عليهم ألف دينار وزيادة. وبعد ذلك حمل بقية المال من المدرسة المظفر شاهية إلى أحد أوقافها وهي قاعة قاضي القضاة الشافعي الجمالي أبي السعود بن ظهيرة بالسويقة. فحرّر الباقي فجاء ألفًا وثمانمائة دينار على ما أشيع وهي: ثلاثمائة دينار لشغل عين حنين وألف

стр. 274

وخمسمائة لمشترى بقية بيت القاضي أبي السعود المشار إليه على ما عيّنه الوكيل بجدة. وذلك غير ما وُفّر من الصرف في كل دينار نصف محلّق وغيره من زيادة الصرف في الذهب. والنقصان في الفضة الحبجبية والسليمية للصيارف والمباشرين فتولّد من ذلك مبلغ كبير، وتشوّش كثير من الناس فيما عُيّن له وأطلقوا ألسِنتهم في القاضي المتولي وشاهده الكاتب على الصدقة المذكورة والأمناء عليها وواجهوهم بالإشارة وتوجّه بعضهم إلى الشريف للشكوى فيهم وكاتَبه جماعة من الأكابر في ذلك، فتشوّش الشريف منهم وكتب لبعض الناس أوراقا بالزيادة لهم منهم الزيني بيسنن ابن الشيخ عبد الله بن عمر بن بيسق وأخيه الشهابي أحمد والحط على قريبهم شيخ الفراشين النوري علي بن أبي الفتح بن بيسق، وأمر الشريف بأخذ شمع الحرم منه وإعطائه لهم. فامتثل قريبه ذلك ودفعوا إليهم فطاشوا بفعلهم وأنكر ذلك عليهم كثير من الفقهاء والعقلاء بآرائهم حفاظًا لمودتهم. وفي ليلة الثلاثاء خامس عشر (١) الشهر سافر الأمناء والكتّاب والصيارف على الصدقة المذكورة إلى جدة المعمورة فجاءت إليهم عدة أوراق من الشريف بالصرف لأربابها والوصية بهم فلم يجدوهم فخاط الناس في ذلك وماطوا وكثرت القالات فيهم، فلما وصلوا إلى جدة في صباح يوم الأربعاء تالي تاريخه وجدوا بعض المراكب الهندية سافرت وفيها الأمين على الصدقة المظفر شاهية الملك محمد القيلاني، فأرسلوا له زعيمة مع الصيرفي وفيها الدفتر الثاني وأخبروه بالباقي من المبلغ فأمرهم بشراء بقية [دار] القاضي الجمالي (٢) أبى السعود بن ظهيرة وشغل عين حنين وكتب لهم خطه بذلك، فالله يَقِيهِ المهالك ويكتب له السلامة، في السفر والإقامة. وفي ثاني تاريخها وصل إليهم الجمالي محمد بن مدهش كاتب صاحب مكة

стр. 275

السيد الشريف بركات الحسني وطلب منهم المحاسبة في المال الذي فرّقوه فحسبوه له فما اطلع إلّا على المبلغ المعين لشراء الدار وشغل العين وأروه خط الوكيل بذلك فطلب منهم الخدمة لنفسه فجُعل له على ما قيل مائة دينار وللشريف أبي نمي ابن السيد بركات ثلاثمائة دينار وللشريف عرار بن عجل مائة دينار ولجماعة (١) من الأشراف مائة أخرى تكملة ستمائة أشرفي. ويقال إنّ ذلك مكتوب في الدفتر وإنه من المخلف تحت يدهم. وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر سافر قاضي القضاة الشافعي الصلاحي ابن ظهيرة إلى وادي أرض خالد للتنزه والسلام على صاحب مكة السيد بركات، ففوّض الحكم في القضاء إلى ابن أخته القاضي محب الدين محمد ابن القاضي بهاء الدين أحمد بن ظهيرة القرشي الشافعي فباشر الحكم من يومه وهنّأه بعض الناس بذلك، وهو حقيق بها لما هو مشتمل عليه من المحاسن العديدة، والأوصاف الحميدة، كثّر الله من أمثاله، وزاد في أفضاله. وكان قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء توجّه إلى الوادي واجتمع بالشريف وشكا من القاضي الشافعي والأمناء على الصدقة الهندية فيقال: إنّ الشريف تشوّش من القاضي الشافعي وعتب عليه فيما فعل في الصدقة وربما لوّح له يعني ذلك بقبضه وجماعته لأسماء ليس لها وجود وكذا لغيره، فلَيّنَ له الأمر فمال إلى كلامه ولم يُصغ لغير ملامه. وكان الشريف توجّه قبل وصول القاضي إلى هدة بني جابر وكشف على عين الحميرة لأجل إصلاحها وكون أهلها جعلوا لها جُعلا عليها، فالله يُجريها على يديه، ويجعل ثوابها لديه. وفي ثلث ليلة السبت تاسع عشر الشهر مات القاضي جمال الدين محمد ابن

стр. 276

الشيخ فخر الدين أبي بكر بن عبد الغني المرشدي الحنفي، وكان وجعه خمسة أشهر بالاستسقاء وانكتم باطنه في آخر الأمر، فجهّز في ليلته وصلّى عليه أخوه قاضي القضاة الحنفي كان يسلم الدين عبد الغني المرشدي عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان ودفن بالشعب الأقصى من المعلاة على قبر والديه بالقرب من السيدة خديجة، ﵂ ورحمه. وكان يُذكر بالخير والمروءة والبشاشة والملاءمة .... (١) وخلّف ثلاثة ذكور اثنان أشقاء أمّهما موطوءة له حبشية وواحد صغير أمه مطلقة منه وجعل .... (٢) شيخ المالكية والناظر على رباط المغاربة الشيخ محمد الحطاب المغربي الطرابلسي والشيخ الوصي الشهاب أحمد بن محمد النشيلي الشافعي وهو مريض في منزله، وجعل لأوّلهما النظر وكتب بذلك مستندًا من مدة أشهر، وتشوّش إخوانه لذلك. وفي ضحى يوم الثلاثاء ثاني عشريْ الشهر مات محتسب مكة الجديد القائد شوفان بن سعيد السحرتي الحسني وعمره نحو سبعين سنة فجهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة - رحمه الله تعالى - وكان مباركا منجمعا عن الناس كارها لولاية الحسبة لذلك لم يباشرها بنفسه واستناب فيها صالح بن ..... (٣) دلّال الخضر، وعُدّ ذلك من تغفّله وخسة الزمان. ومن الحوادث الدالة على قُرب الساعة ولاية جماعة في هذا العام وفيما بعده [من غير] (٤) أهلها وهي: ولاية قضاء الشافعية بها للشيخ الواعظ نور الدين بن ناصر وفتح الكعبة الشريفة للنوري علي ابن الشيخ محمد الشيبي نيابة عن عمّه الطيب لوجعه مع وجود عمّه الكبير الشيخ عبد الله، وخطابة الشيخ فتح الله الناسخ الموَلّى عن

стр. 277

الخطيب عبد الرحمن النويري، لوجعه ونيابة الحسبة لدلال الخضر المذكور ومن قبله محمد الموّاز، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه أشيع بمكة طلب سلطانها السيد بركات [بن] (١) محمد للأمناء على الصدقة المظفر شاهية لكثرة شكوى الناس فيهم من جدة إلى الوادي، فواجهوه بها بحضرة قاضي الشافعية (٢) الصلاحي بن ظهيرة وهم الخواجا بدر الدين حسين بن قاوان والشيخ بهاء الدين العجمي والسيد شاه مير الناسخ وشيخ الفراشين نور الدين البيسقي. وكان المجلس له (٣) في خطاب الشريف وتعريفه بحالهم، فمال إليه وأقبل بكليته عليه وأعاد له شمع الحرم من أقاربه بيسق وأخيه وكتب له بذلك ورقة عظّمهُ فيها وكتب ببراء تهم مما نُسِب إليهم من أكل الصدقة المذكورة وأنّه حاسبهم عنها فقاموا من عنده مجبوري (٤) الخاطر بعد أن أشيع عنهم بمكة إشاعات كثيرة من البهدلة وغيرها ولم يصحّ. وكان السبب في الاعتناء بهم مواجهة القاضي الشافعي للشريف وإخباره بحالهم وببراءته لأعراضهم مع أنّ الشريف - نصره الله - طبعه جبر خاطر من يقصده، ويسمع كلام من يطلبه. وفي يوم الخميس رابع عشري الشهر وصل غالب الجماعة المذكورين لمكة وهم شاكرون من الشريف، داعون لجنابه المنيف. وفي يوم السبت ثالث تاريخه وصل لمكة قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وقصده الناس للسلام عليه على العادة وبعده تتابع الفقهاء الصّيامين، لأجل صوم رمضان بمكة، ما عدا القاضي أبي البقاء بن ظهيرة وابن أخيه الجمالي محمد

стр. 278

وعيالهم فإنهم توجّهوا إلى المدينة الشريفة لزيارة النبي ﷺ مع جماعة من أهلها في جمعة تاريخه، فالله تعالى يتقبّل منهم ويُيَسّر لنا ذلك. وفي يوم الإثنين ثامن عشري الشهر وصل لمكة نائب جدة الأمير حسين بك الرومي فهرع الأعيان للسلام عليه. وفي يوم الثلاثاء ثاني تاريخه سافر من مكة أتراك الشريف بركات لملاقاته جهة الشرفة لأجل الاجتماع ببعض العرب. وكان وصل إليه في جمعة تاريخه قاصد من القاهرة المحروسة أرسله إليه ولده الشريف ثقبة وصهره الشريف عرار بن عجل وصحبته أوراق وفيها: أن قصدهم التبريز منها في عشري شعبان، وكان قصدهم السفر قبل ذلك فبلغهم أن جغيمان شيخ بني لام الذي نهب الحاج الشامي في العام الماضي الخالي مقيم بعقبة أيلة وأنّ ولده واجه ملك الأمراء نائب الأقطار الحجازية الشامية جان بردي الغزالي فأنعم عليه وطلب مواجهة أبيه فوعده به إلى بعد خروج الحاج الشامي وعودهم سالمين في وجهه، وأنّ جماعة من المصريين قصدهم السفر صحبتهم قبل الحاج، فالله تعالى يقدّر لهم خيرا. ووصلت مع القاصد مراسيم للخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة - أعزّه الله تعالى - بولايته لنظر جدة وحسبتها وشاه بندر وغير ذلك من الولايات بها عوض القاضي زين الدين المحتسب الذي توجّه إلى القاهرة وغيره، وكانت عرضت هذه الوظائف على المتولي لها وهو بالقاهرة فلم يقبلها، فالله تعالى يؤيده فيها ويعينه عليها. شهر رمضان المعظم قدره استهل بالأربعاء من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) في مغرب ليلة الأربعاء طلع إلى جبل أبي قبيس - على العادة - نائب قاضي

стр. 279

القضاة الشافعي وابن أخته القاضي محب الدين محمد بن البهائي أحمد بن ظهيرة القرشي وصحبته الشهود بباب السلام وغيرهم، وتأخّر الفقهاء عنه لعدم طلَبهم لذلك كالعادة. وفي ليلة تاريخه وصل إلى مكة الخواجا الكبير المحترم شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي فهرع الناس من الأعيان للسلام عليه، واجتمع به قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة فوجد عنده أخاه القاضي تاج الدين بن ظهيرة فسأله الخواجا في استنابته له في نيابة الحكم بمكة وكان توسّل به في ذلك فتوقف أخوه قليلًا فلازمه وأكد عليه فما أمكنه إلّا موافقته ففوّض إليه الحكم بحضرة جماعة في المجلس منهم إماما الحنفية السيّدان عفيف الدين عبد الله وشهاب الدين أحمد البخاريان، وأشهدهما بذلك بسؤال الخواجا له فأشهدهما على نفسه بما فوّضه له موافقة فيما سئل فيه. وفي يوم تاريخه أمر نائب جدة الرومي بالشروع في كتابة دفتر لأسماء أهل مكة لأجل تفرقة الدقيق الواصل إليهم بحرًا من القاهرة المحروسة المتفضل به الخنكار سليم شاه ابن عثمان على أمر ملك الأمراء نائب الديار المصرية وهو أربعمائة حمل دقيق، بيع بعضها لأجل حمله من جدة إلى مكة فباشر ذلك بعض الأروام من جهة نائب جدة وشاهدان (١) من جهة القاضي الشافعي وهما العدل ولي الدين أبو زرعة المنوفي والمحبي محمد بن الرضي الحناوي، فبدؤوا في كتابة البيوت الملاصقة للمسجد الحرام ثم بقية حارات مكة على ترتيبها وأثبتوا الأحرار من الفقهاء وأتباعهم والعامة من أهل البلد والغرباء ما عدا التجار، فبلغني أنّ مجموع عدّتهم أربعة عشر [ألف] (٢) نفس، واستمرّ ضبطهم إلى أثناء العشر الثالث من شهر رمضان حتى كملوا ذلك.

стр. 280

شهر شوال المبارك استهل كاملا في ليلة الجمعة من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) في صباحها صلّى الناس العيد في المسجد الحرام وخطب فيه الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري خطبة العيد المعتادة باختصار وأداها بفصاحة لكنه توقف في بعضها وانتقد عليه ذلك لعادته. ولعب عامة مكة أهل المعلاة والمسفلة في حاراتهم، فأهل المسفلة في الصباح بها وأهل المعلاة آخر النهار بسوق الليل كالعادة وحضر بعض كل منهم على الآخرين واختلس أهل المعلاة نقارة صغيرة لأهل المسفلة لكونهم محتاجين إليها ففطن بها عند الأخذ بعضهم فاستردها ممن أخذها فتخلف شيخ أهل المعلاة عن أخذها فقدّر الله تعالى أنه سكر وتوجّه إلى لعبهم في عصر يوم السبت ثاني العيد فطعنه أحمد بن عمر الدلال صهر الكمالي ابن أبي علي وغيره من أهل المعلاة بجنابيهم (١) وطعن هو بعضهم وكان شجاعا واسمه محمد بن حسن الشاعر الشبيكي وأمه كرامة بياعة القهوة فكثر عليه أهل فوق (٢) إلى أن قتلوه. وتعصب له جماعة فكونوا بعض أهل المسفلة وطاح هو ميتًا فحمل إلى بيته فغسل وكفن وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة وحضر دفنه شخص من أقاربه فقال له ..... (٣) لكونه مخالفا لأهل فوق ففطن به بعض أهل المسفلة فأرادوا قتله عند القبر فصاح والد الميت فقال: يقتل ولدي وابن أخي؟ فقام شيخ أهل المسفلة ومنعهم من قتله فأظهروا الشر والانتقام من أهل المعلاة فبلغ الحاكم

стр. 281

مبارك بن بدر ذلك فنادى لهم بترك اللعب والكف عن بعضهم حتى يصل الشريف بركات لمكة. فما سمع أهل المسفلة ذلك بل صلوا صلاة العصر في المسجد وتجمعوا أكثر من خمسين رجلًا وتوجّهوا إلى سوق الليل وحضروا لعب أهل فوق فاختفى بعضهم. ثم في مغرب ثاني تاريخه ضرب محمد بن شهوان الشبيكي شيخ أهل فوق عبد الكريم ابن زرد به بجنبيته في رقبته وكان السبب في أخذ النقارة والاحتراس بهم ويقال انه اختفى في المعلاة عند قبة السيد بركات وما ظهر لما سمع النداء بالأمان لهم وأراد شكايتهم (١) عند الحاكم لما جاؤوه لمحلهم بعد النداء. فلما رأى ذلك هرب ودخل إلى المسجد والناس في صلاة المغرب والضارب له خلفه إلى أن وصل إلى الكعبة وتعصب لكل منهما جماعة وتكلم عليهم بل ضرب (٢) أخو المقتول من أهل المسفلة سياطًا على رجليه وجرس (٣) محمد شهوان الكائن بأمر نائب جدة وفي رقبته الحديد. وطعن في كل من أحد جنبيه الأيمن والأيسر بسكين وجنبيه لينظرهما الناس (٤) فداخل حينئذ أهل المسفلة الوسواس وما أخذوا ثأرًا لقتيلهم، فالله تعالى يظفر هم به. وفي ضحى يوم الأحد ثالث الشهر وصل إلى مكة قاصد من مصر أرسله الشريف ثقبة ابن السيد بركات صاحب مكة واسمه معبر مولد (٥) لأهل الوادي فجاء معه بأوراق للشريف من ولده ثقبة وبأوراق من غيره، وأخبر بأنه خرج من مصر في سادس رمضان وصحبته قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري الذي توجّه معه

стр. 282

ورفقته بعض الحاج يقال أزيد من مائة حمل، فسر الناس بذلك ونادى الحاكم بمكة بالزينة سبعة أيام واللعب عند بيت الشريف على العادة، وتوجّه القاصد من يومه للشريف بركات جهة الحجاز فلاقاه في الطريق فعاد معه إلى مكة في يوم الثلاثاء خامس الشهر وأقام الشريف بمكة يومًا واحدًا وتوجّه في ليلته إلى وادي الدكناء (١) أحد أودية مر لإقامة له وملاقاة ولده. وفي صبح يوم الإثنين رابع الشهر [اجتمع] (٢) شاه بندر جدة أحد المقربين لملك الأمراء نائب الديار المصرية الجناب العالي الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة وقاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وقاضي القضاة الحنبلي بديع الزمان ابن الضياء وغيرهم من الأعيان في دار الخضر التي عند الحناطين لأجل تفرقة الدقيق الواصل لمكة في البحر. فاتفق رأيهم على إعطاء كل نفس عشرة أرطال فحرر لذلك مكيال من خشب فكيل به لكل واحد ثم يزنه القبّاني، فأعطوا أهل الدور المطلّة على المسجد ومن يقاربه فتضاعف الدعاء لمرسله لعموم الناس بالخيرات والصلة والمبرات فالله يتقبل منه ذلك. وفي ظهر يوم الجمعة ثامن الشهر مات أحمد بن محمد الهندي السقّاء بالمدعى أحد المكويين (٣) من أهل المعلاة، فصُليّ عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بالمعلاة، وقال أصحابه: قتيلٌ بقتيل، وأهل المسفلة ما رضوا به. وفي طلوع الشمس من يوم الأحد ثاني تاريخه وُلِدَتْ ابنتي المباركة، إن شاء الله تعالى، أم عبد الله عائشة والمدعوة ست الجميع وأمها أم الهدى زينب ابنة قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي الأنصاري الحنفي وقاست عليها شدة ثم خلّصها الله تعالى يضاعف لها ولي الأجر ويرزقنا الحياة لتربيتها وأختها

стр. 283

ويعضدهما بذكر صالح يحصل به الخير. وفي يوم الإثنين حادي عشر الشهر وصلت أوراق من الشريف بركات لقاضي القضاة الشافعي بمكة الصلاحي بن ظهيرة وغيره فيها الإخبار بنُصْرة ولده الشريف أبي نمي على شيخ بني لام عين الشرّ في القرب من المدينة الشريفة لتعديه (١) على أهلها، وقتل مقتلة كبيرة منهم أربعة من مشائخ العرب وسبعة عشر نفسا وهرب عين (٢) مغبونا في أربعة عشر فارسًا مجرحين بالبندق والنار انتقاما من الله لجيران نبيه المختار، واستولى على جميع حلته وقبض على الذي بها من رجال ونساء وكسب إبلا وشياه كثيرة وثلاثة وعشرين فرسًا وثلاثة دروع، وغير ذلك من الأصول والفروع، وأن ولده الشريف ثقبة وصل إلى ودّان ويدخل إلى الوادي في ثالث عشر الشهر. فسر الناس بأخبارهما وتحدثوا بسعدهما، وأمر الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر بزينة الأسواق سبعة أيام، ولعب العيري عند بيت الشريف بأجياد والعرضة كذلك في كل يوم صباحا ومساء. وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه توجّه محب الدين ابن أخي القاضي الشافعي لتهنئة الشريف وملاقاة أولاده في الوادي عوض عمه، لوجعه وانقطاعه في منزله، وتبعه قاضي القضاة الحنفي وابن المالكي الواصل صحبتهم وغير ذلك ممن يتردد لهم رجالا ونساء. وتهيأ الشريف بركات لعمل سماط كبير لولده ثقبة في الوادي وتوجّه له من مكة كثير من آلات السماط والمباشرين لعمله. فوصل إلى والده في ليلة الأربعاء ثالث عشر الشهر فعمل له سماطا حسنا وحضره القضاة الذين في الوادي، وعادوا في ليلة الخميس ثاني تاريخه إلى مكة وصحبتهم القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري

стр. 284

الواصل صحبة ابن الشريف من القاهرة، فقصده الناس للسلام عليه فصار يظهر لهم عظمة نفسه وما حصل له مع ابن الشريف، خِفَّة منه على عادته. وفي مغرب ليلة الجمعة خامس عشر الشهر وصل الشريف أبو نمي من الشرق (١) ظافرا على أعدائه، ونزل بستان نائب جدة جان بك في جهة الأبطح فأقام به إلى الصباح. ووصل في أثناء الليل والده السيد بركات إلى مكة وصحبته ولده الشريف ثقبة وبقية العسكر لأجل الخلع والمراسيم الواصلة له من القاهرة. فلما صلّى الناس صبح الجمعة تهيأ الشريف أبو نمي لدخول مكة فهيًا خيله ورجله وأرسل إلى والده يخبره بذلك، فخرج إليه ورفقته عسكره ونائب جدة الأمير حسين بك الرومي والخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة شاه بندر جدة وغيرهم من عربان مكة وأهلها فلاقود عند بستان بيرم خجا بالقرب من تربة المعلاة فسلموا عليه ومشوا معه إلى تربة جده السيد محمد بن بركات فدخلوا إلى عند قُبَّته فنزلوا عن خيلهم فلبس الشريف أبو نمي خلعة أمير مكة [على] (٢) العادة وأخوه ثقبة خلعة النائب الثانية والشريف عرار بن عجل خلعة لصحبته الشريف ثقبة من القاهرة وكونه قاصد صاحب مكة وأمير جده خلعه وقاضي مكة المالكي خلعة قفطان وولده خلعة قفطان حمراء لطلب والده ذلك له من القاهرة لكونه توجّه صحبة ابن الشريف إليها فلم يطلع هو وولده فيها، وترك الشريف بركات لبس الخلعة هناك ومشى أمام العرضة قُدَّام أولاده مع جملة العسكر. فكانت العرضة عظيمة لاجتماع العسكر فيها والطبول والنفط ونشور الجيوش وآلة الحرب من السيوف والدرق والرماح وغير ذلك من الكسب. وابتهج الناس برؤيتها وسُروا ببهجتها. فلما وصلت العرضة

стр. 285

إلى باب السلام ترجل الشريف وأولاده وجميع الأكابر ودخلوا منه إلى المسجد الحرام وتوجّهوا إلى الحطيم لقراءة المراسيم. فقرئ به للشريف ثلاثة مراسيم ولولده الشريف أبي نمي مثلها ولنائب جدة واحد، وللقضاة الثلاثة، خلا الحنبلي، ثلاثة. وفي مراسيم الشريف وولده إخبارهما بوصول الشريف ثقبة إلى القاهرة وإكرامهم له بملاقاة العسكر من خارج البلد صحبة الأمراء المقدمين من الأروام وغيرهم منهم الأمير فرحات والأمسير موسى فرأوا الأمير خير الدين نائب القلعة وطلعوا صحبته إليها فواجهوا بها ملك الأمراء نائب الديار المصرية فأكرمه وعظمه وخلع عليه مع الواصلين صحبته وأنعم عليهم بالهدايا المرضية والخلع السنية. وفوض إلى الشريف أبي نمي إمرة مكة لسؤال والده في ذلك وأشرك معه أخاه ثقبة في لبس الخلعة الثانية وأعفى الشريف من لبس الخلعة عند وصول أمراء الحاج، وعوّلوا في الأمر عليه مع إكرامه (١) والتودد له وتوصية ولده بالرعية والعدل فيهم، والرضا عن نائب جدة واجتماع كلمتهما لئلا يطمع فيهما العدو والمخذول. والإرسال إلى صاحب عدن في الاحتراز من إسكندر صاحب زبيد وإخباره بأن الخلعة التي لبسها من نائب جدة ليست من الخنكار وإنما لبسها من عنده وإن كان طائعًا يدوس البساط ويحصل الرضا عنه. والاحتراز من الفرنج، وأخذ العشور من الهندي الذي دخل عدن على العادة من زمن الأشرف قايتباي ولا يسامح أحدا (٢) من التجار إلّا بمرسوم ويترك الجلاب التي عملها الغوري. وولاية المدينة الشريفة والينبوع لمن يصلح لهما فإن أهل المدينة شكوا من أميرها باز بن فارس بن شامان وأمه الشريفة خزيمة أخت الشريف بركات وغير ذلك من إزالة الضرورات.
следующие страницы →