← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كان له ميل إليه ويودّ تكلّمُه في ذلك لعقله ومداراته. ولكن الأمور بيد الله تعالى، ولكلّ أجل كتاب. وفي يوم الثلاثاء عشريْ الشهر ولدتْ سيدة الكل ابنة القاضي تقي الدين بن ظهيرة القرشي توأمين ذكرًا وأنثى من الخواجا تقي الدين أبي بكر بن قرموط الحلبي، وكان توجّه إلى الهند مع المراكب، كتب الله سلامته وجمع الشمل به. وفي يوم الإثنين سادس عشريْ الشهر فُرّق الصر المصري المحمول من القاضي الشافعي بها المعروف بالحكمي والمستجد، وهما من أوقاف القاهرة، وكان مالهما رُصد عند الأديب المحبي بن عبد القادر العراقي المكي لكونه حمل ناقصًا على حكم النصف من القاضي الماضي، وذلك من تصّرف الشيخ زين الدين الظاهري المتحدث على الأوقاف بالقاهرة وأعمالها، لكون وقف البرج والغازية حُمل من الشام في هذا العام والذي قبله إلى مكة وفُرّق على أربابه، وقال: إنه كان من مضافاته في الزمن الخالي ثم استولتْ (١) عليه الدولة، واستنجز مرسومًا بإضافة ما يُحمل من الشام إلى ما أرسل من مصر ويُفرق جميعه، فامتنع أمير الحاج الشامي من ذلك وقال: كل واحد يفرّق وحده، كما تقدم ذكره. وقصد الفقهاء بتأخير تفرقته الإشلاء على مُرسله وأنه لم يفرّق لنقصه ثم اتفقوا على تفرقته بعد سفر الحاج، وكان ذلك في منزل قاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة لكون مرسله فوّض إليه ذلك وأرسل له مرسومًا من ملك الأمراء نائب الديار المصرية بذلك وأضرب عن القاضي الجديد، ففرق على حكم النصف، ولله

стр. 212

الأمر من قبل ومن بعد، [وفرح الناس بتكلّم القاضي المفصول] (١). وفي ليلة الثلاثاء سابع عشريْ الشهر مات الطفل نور الدين علي ابن الإمام أمين الدين أبي اليمن الطبري المكي الشافعي، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر بساعة ودفن بالمعلاة بتربة أسلاف والده، وحزن عليه مع أمه وأصحابه لكونه ليس معه غيره إلّا ابنة واحدة، فالله تعالى يحييها له ويرزقه ذكرا معها بمحمد وآله. وفي ظهر يوم الخميس تاسع عشريْ (٢) الشهر توجّهت صحبة سيدي الشيخ القدوة العارف بالله تعالى مرشد السالكين، بقية السلف الصالحين، ناصر الدين محمد المهاجر ابن الشيخ المسند المعمر علاء الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن صالح بن أبي بكر بن موسى الكناني الموسوي الدمشقي الشافعي الشهير بابن عراق، نفع الله به في جميع الآفاق، وأعاد علينا من بركته وأرشدنا لسيرته، لزيارة جبل حراء المعظم ورفقته جماعة من الإخوان منهم ابن الشيخ المشار إليه سيدي الأخ السالك الناسك المقرئ المؤلف ذو (٣) الفضل الجلي نور الدين علي. وبِتْنا فيه إلى الصباح، والشيخ جمال الدين محمد الحدب والسيد زين العابدين الحسني المالكيان والشيخ أبو السعود المسيري والخواجا أحمد بن محمد القاري والشيخ يونس نقيب الشيخ وغيرهم، ثم في صبح تاريخه توجهنا من خلفه إلى جهة التنعيم، لنفوز بالعمرة والنعيم. فأنشدني في الطريق أعزّ الأحباب الذي هو كالأخ الشقيق سيدي نور الدين علي ابن الشيخ محمد بن عراق المشار إليه، أدام الله نعمه وأعاد عليّ من بركتهما، وحشرني

стр. 213

في زمرتهما، قوله بديها في المعنى وعمرتنا من التنعيم بعد زيارة غار حراء: تدانى لنا التكريم بالأنس في حِرا … وكيف بغار حله سيّد الورى وسرنا إلى التنعيم بالفتح تلوه … فحرم حتما ما سوى الله لو يرى فقلنا جميعًا حقّق الظن واتركن … لصرفك وامدد سفرة البِشْر للقرى ولقد شاهدتُ وجميع الجماعة الذين كانوا صحبة الشيخ محمد بن عراق منه الكرامة عند توجّهِنا للعمرة واعتمارنا منها وإدراكنا لصلاة الجمعة وتحققنا أنه (١) زيدَ في الوقت لأننا ذكرنا للشيخ أنّ وقت الجمعة فات ولا ندرك صلاتها، فقال لنا وعزة ربّي لا أتوجّه للنافلة وتفوتني الفريضة، فتقدم الشيخ مع بعض الجماعة وطُويت له الأرض حتى طاف وسعى وأدرك الخطبة وأرسل لبقية جماعته فأدركوا الصلاة عند إقامتها. وعَدَدْنا ذلك من كرامته فيها.

стр. 214

سنة ست وعشرين وتسعمائة ٩٢٦ هـ (١٥١٩ م - ١٥٢٠) أحسن الله عاقبتها وجعلها مباركة رخية بجاه خير البريّة ﷺ أولها شهر محرم الحرام، استهلّ كاملا في ليلة السبت المبارك. وفي هذه الليلة المباركة اجتمعتُ بعد صلاة العشاء بالشيخ القدوة المحقق العارف بالله تعالى شيخ الطريقين، وإمام الفريقين مرشد السالكين، ومربي المريدين شمس الدين محمد ابن الشيخ المعمر أحد الأمراء المنقطعين بالشام علاء الدين علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يوسف بن صالح بن أبي بكر بن موسى الكناني الموسوي الدمشقي ثم الصالحي الشافعي نفع الله به والمسلمين ببركاته، وأغاثنا بصيْب علومه ونفحاته، فلقّنني الذكر الشريف وأرْخى لعمامتي عذَبة اقتداء بفعل النبي المعظم المنيف وذلك جهة اليسار، قصد إثبات (١) السنة على القلب والسكينة والوقار، نفعني الله بذلك وأرشدني أحسن المسالك. وألّفْتُ بسبب ذلك تأليفي بلوغ الأرب، في حكم تيجان العرب وقرّضها لي جماعة نظمًا ونثرًا، واستمررتُ (٢) على فعل العذبة وتقصير الأكمام، بعض أشهر وأعوام، فظهر لي في ذلك الرياء فعرضته على الشيخ فقال لي: حالك الأول ألْيَقُ بك، فعُدتُ إلى كبر العمامة مما كنتُ أفعله أولًا. والأعمال بالنيات، والله الهادي للأفعال الصالحات. شهر صفر الخير المبارك استهل ناقصًا في ليلة الأحد من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) وفي أوله أرخصتْ الأسعار في الحب لوصول جلاب من القصير لجدة، فبيع

стр. 215

الحب المصرية بمكة كل ربعية بمحلقين ونصف وثلاثة إلّا ربعًا يومًا واحدًا، ثم طلع السعر إلى ثلاثة وربع وأزيد قليلًا وأنقص من ذلك، ولزم السمن سعره عن كل رطل أربعة محلقة، والجبن الرطل بمحلق ونصف، واللحم الضاني بمحلقين، والقربة الماء الحلو بربع محلق. فالله تعالى يزيد في رخص الأسعار ويُصلح الأحوال. وفي يوم الأربعاء رابع الشهر تخاصم الجمالي محمد ابن قاضي القضاة نسيم الدين المرشدي الحنفي مع شخص ساكن في أوقاف والد زوجته الخواجا حسن الظاهري لمطالبته بحصة زوجته فقال له الناظر: القاضي المالكي الجديد الزيني عبد الحق النويري أمرني أن لا أعطيك شيئًا، فقال له: ليس له النظر وإنما النظر للقاضي المفصول الجلالي أبي السعادات، فتوجها إلى المتولي فلما رآهما أغلق بابه وغُيّب عنهما فلقيا في طريقهما ولده النوري علي وهو نائبه في الحكم فقال له المكتري: والدك أمرني بعدم الإعطاء، فقال له: لا تعطه (١) شيئًا، فقال له الجمالي المرشدي: آخذ منه حق زوجتي على رغم أنفه، فسبّه ابن المالكي فرد عليه ما قال له فمدّ ابن المالكي يده إليه فتعاطى منه بمثل ما فعل معه، ثم أنهما تخانقا وتواصلا إلى الشريفة أم المسعود ابنة عجل أخت (٢) زوجة الشريف بركات، فجاء ابن الحنفي ببينة عندها أنّ ابن المالكي هو البادئ عليه وأنه انتصر لنفسه فقالت لهما: توجّها إلى الحاكم القائد مبارك بن بدر، فتوجّها إليه وحضرتْ البيّنة الأولى عنده فقال لهما: لا أدخل بينكما وكل منكما ابن قاض. فصار ابن المالكي يتكلم ويقول: أنا نائب الشرع وهو سوقي. فلعمري إذا كان نائب الشرع لا يفعله ويقابل الأخصام بالشر والخصام فماذا يحصل له، لكنه ابن أبيه بالحمق والتعدّي على الناس. فلما سمع والده بالقضية كتب محضرًا بأن ولد الحنفي محمد المرشدي ظالم على

стр. 216

ولده وأخذ عليه خطوط جماعة ممن يُرائي المخلوقين على الخالق، وكتب رسالة للشريف وأرسل ولده، فسمع ابن الحنفي بذلك فسأل والده في كتابة رسالة إلى الشريف فقال له: الشريف عادل ولا يحتاج إلى كتابة لكن توجّه للحاكم وخُذْ منه ورقة بما أدى الشهود به عنده، ففعل ذلك وتوجّه به إلى الشريف واجتمع بخصمه عنده فتكلم عندهما وقال: إذا فعلتم هذا أنتم فما يفعل غيركم من العامة؟ وكتب المالكي ورقة، جواب ورقته فيها أن ولدك أتعب نفسه بالمجيء إلينا ولا كان يحتاج إلى ذلك وتغلب على (١) سلامته أشياء كون أمه جاركسية وجدّه القاضي علي والسيد عقيل معهم من الأولين نعرفه (٢) بالحمق. [وهم بيت حمق قديمًا وحديثًا ولا يلدون إلّا أحمق سفيه] (٣). وسمعتُ أنّ الشريف ومن حضر أثنى على الحنفي وقال لولده: أنا أكفيك هذه القضية وأخلّي المالكي المفصول يتكلم فيها ونعطيك حصة زوجتك. فرجع وهو شاكر من الشريف، فالله تعالى يؤيده. وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه ماتت زينب ابنة بدرية المصرية جارتنا بعد توعّكها مدة يسيرة نحو نصف شهر، فجهّزتْ في ليلتها وصُلي عليها بعد صلاة الظهر ودُفنت بالمعلاة عند تربة ابن الزمن، رحمها الله تعالى، واستولى جماعة الشريف على مُخلّفها وهو شيء يسير مع استدانتها وعدم كتابة وصية لهجوم المنية، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وفي يوم السبت سابع الشهر تخاصم قاضي القضاة الحنفي الجديد بديع الزمان ابن الضياء العمري مع ابن خالته الوجيه عبد الرحمن الصنعاني بسبب ما أوحى إليه عياله، فتوجّه إلى الحاكم مبارك بن بدر وطلب منه ضرب خصمه عنده فقال له:

стр. 217

الفقهاء لا أدخل بينهم، ثم إنه طلب منه صبيين من عنده يتوجّه بهما إلى منزله لضربه، فتوجّها معه وشالا له ابن خالته فضربه بيده أمام منزله، فسمعتْ والدته فسبّتْه كثيرًا من منزلها وصارت تدعو عليه والولد يسبّه كثيرًا وعرض في أهله بما لا أحبّ ذكره. ثم لما فرغ من ضربه أمر بتوجهه إلى السجن فسُحب إليه فخلّصه القاضي أمين الدين ابن الخطيب فخر الدين بن ظهيرة القرشي في الطريق، وكثرت القالة بسبب ذلك. ويقال إن سبب هذا الفعل أن زوجة الحنفي المطلقة منه ابنة الشيخ الطيب الشيبي أرسلتْ له ورقة فيها التحريش على أم أولاده وفعلها مع ابن خالته القبيح، فضرب زوجته وحبسها وشاع خبره بمكة وتألّم الناس لذلك. فالله تعالى يستر الأحوال ويختم بخير. وفي عشاء ليلة الإثنين تاسع الشهر وصل بشير من عند الخواجا جمال الدين محمد بن شهاب الدين الهرموزي من بلده وأخبر بوفاة سيّده مقتولًا في البحر وهو متوجه في العام الحالي، قتله المهرة في أواخر ربيع الثاني مع جماعة من التجار، فبكى عليه أهله وحزنتْ (١) عليه أمّه وأخواته وجواريه وأصحابه، فالله تعالى يرحمه، فإنه كان عاقلًا ساكنًا محسنًا كثير الخير. ووصلت مع العبد أوراق كثيرة جاءتْ إلى الشحر (٢) من الهند فيها الإخبار بخروج أربعة عشر قطعة من مراكب الفرنج المخذولين عليهم قريب الهند في حادي [عشر] (٣) من صفر (١١ صفر ٩٢٦ هـ / ١ فبراير ١٥٢٠ م) فقاتلهم جماعة المركب الشاهي فقُتِل منهم نحو عشرة أنفس، عُيّن منهم صهر الخواجا ابن القويضي وعبدٌ للخواجا ابن قرموط وجرح الخواجا عز الدين اللاري في يده بالنار وسَلِم الشاهي

стр. 218

ودخل الهند ومعه بعض مراكب. وأخذ الفرنج أربعة مراكب من عدن منها (١) مركب عبد الله الحوراني. وتوجّه مركب بركات الحلبي إلى الشحر فالله تعالى [يكتب] (٢) سلامة المسلمين، ويخذل الكفرة الملحدين، سيما الإفرنج المخذولين. وفي ليلة الأربعاء حادي عشر الشهر مات سري الناس ابن القاضي بهاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة فجهّز في ليلته وخرجوا به بعد صلاة الصبح عقب صلاة الحنفي وذلك حتى طلع النهار واستغنوا عن الشمع لأجل استئذان جماعته للقاضي الشافعي والناظر الجديد بشمع الحرم على العادة. فصُلي عليه عند الحجر الأسود على عادة بني ظهيرة وشيّعه جماعة من الفقهاء ولم يسمع به كثير منهم، ودفن بتربة أسلافه بالمعلاة. وأخذ العزاء فيه أخوه القاضي محب الدين ولعله فرح بموته لسوء طريقته وقبح سيرته، رحمه الله تعالى وعفا عنه. وتقدّم أنه سرق غفر الله له. وعمل له ربعة بالمعلاة صباحًا ومساءً ثلاثة أيام وختم له في صبح يوم الجمعة وحضر ذلك خلق. وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه ماتت شيختنا المعمّرة الضريرة كمالية ابنة الشيخ أبي الفتح محمد بن إسماعيل بن علي بن محمد بن داود الرومي المكية. وعمرها نحو خمسة وثمانين، فجهّزت في ليلتها وصُلّي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودُفنت بالمعلاة في تربة أسلافها بالقرب من الشيخ علي الشولي، رحمها الله تعالى وإيانا. وفي يوم تاريخه جاء الخبر من جدة أنّ نائبها الرومي سافر منها يوم الثلاثاء عاشر الشهر ومعه ثلاثة مراكب إلى جهة اليمن لإصلاحها واستناب بها المشدّ على

стр. 219

المراكب إدريس الرومي. ورأيتُ بعض الناس يذكر غيره. وصرف (١) شيخنا العارف بالله سيدي الشيخ محمد بن عراق على الفَعَلة المشتغلين بعين حنين صرفة رابعة مقدار مائة وخمسة أشرفية غير مصاريف قريب العشرة. وتوجّه معهم للمشارفة عليهم، وكان توجّه إليهم في أثناء الجمعة الماضية لوجع الشيخ شهاب الدين الزبيدي الشافعي الذي قدّمَه في المشارفة عليهم، فالله تعالى يعينه على فعل ذلك ويتقبّل منه بمنّهِ وكرمه. وزار الشيخ يوم تاريخه جماعة من أصحابه المرضى في بيوتهم وهم الشيخ العلامة علاء الدين عبد الوهاب بن .... (٢) الكرماني والشيخ المحدث شهاب الدين أحمد الجرموشي المديني، ويُقال الشيخ المعتقد أبو حامد محمد بن عمر المرشدي الأنصاري خادم الشعْرة النبوية، وكأنه كالمودّع لهم. وفي يوم تاريخه عمل الحاكم بمكة مبارك بن بدر الحسني دعوة لعرسه على امرأة من العرب بالبادية في منزله جمع فيها من الباعة والتجار مالًا كبيرًا، يقال نحو خمسمائة دينار وأكثر. وفي صبح يوم الثلاثاء سابع عشر الشهر حضرتْ ابنتي أم محمد آسية المدعوة سيدة الكل في الشهر الرابع من السنة الثانية من عمرها على الشيخ العلامة السيد المعمر أقضى القضاة شرف الدين أبي القاسم الرافعي ابن قاضي القضاة جلال الدين أبي السعادات بن ظهيرة القرشي الشافعي -متع الله بحياته- في الحِجْر الشريف، المعظم المنيف، بقراءتي الحديث المسلسل بالأولية من مشيخة والد المسمع تخريج جدي الحافظ تقي الدين بن فهد (٣)، والحديث المسلسل لختم الدعاء

стр. 220

من مشيخة الشيخ أبي الفتح المراغي تخريج (١) جدي الحافظ نجم الدين عمر بن فهد (٢) ونتفرّد (٣) في المجلس بقراءة سيدي الشيخ القدوة المفتي نور الدين علي ابن شيخ الشيوخ القطب الرباني ناصر الدين محمد بن عراق الدمشقي الشافعي .... (٤) الله قدوة بوالده كتاب إحياء القلب بدخول الشعب (٥) تأليف الحافظ زين الدين العراقي (٦) وأسمع ذلك جماعة ذكرتُهم في الثّبْت وأجاز (٧) المسمّع لكل من القارئ والسامع جميع ما يجوز له وعنه روايته. وفي صبح يوم تاريخه مات الشيخ الصالح المقرئ أبو حامد محمد ابن الشيخ عمر بن محمد بن أبي بكر المرشدي المكي بعد توعّكه نحو جمعتين بالحمى فجهّز في يومه وصلّى عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ولَدُه الصغير السراجي عمر لغيْبَة أخيه الكبير الجمالي محمد في الحجاز، وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم إلى المعلاة، ودُفن بها بتربة السادة المشائخ الفضيل بن عياض وعبد الله بن أسعد اليافعي، وكان الجمع في جنازته حافلًا وترحّم الناس عليه كثيرًا وأثنوْا على طريقته، رحمه الله تعالى، وخلّف ولدين ذكرين وابنتين وزوجة، عوّضهم الله والمسلمين فيه خيرًا. وفي مغرب ليلة الأربعاء ثامن عشر الشهر مات شيخنا العلامة المحدث المفيد بقية السلف شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الحرفوشي المديني المكي الشافعي بعد توعّكه نحو سنة بمطلوع تحت خاصرته اليمْنَي انفجر عليه ولزم منزله لأجله

стр. 221

وكان يتحدث إلى وقت طلوع روحه وهو متوضئ للصلاة. وغاب عنه ولده الكبير الشيخ بركات بوادي منى بإشارة شيخ الشيوخ والطريقة محمد بن عراق فجاء له بعد العشاء فجهّزه وصلّى عليه عند باب الكعبة بعد صلاة الصبح، ودُفن في المعلاة بتربة بني زايد تحت الحجون على قبر ابتكره الشيخ فخر الدين الشلح لأولاد .... (١) له ثم دَفن الشيخ المتولي ولدا له أيضًا بأمر أهل التربة فنازع في دفْنه ابنة الشيخ فخر الدين الشلح وقالت: هذا القبر أعدّه والدي لنفسه ثم دُفن بغير مكة، وأنا جعلتُه لي مع أن والدتها مدفونة في غيره بالقرب منه ولازمتْ في إخراجه من القبر. فتكلم معها ولده وجماعة في إعطاء مبلغ أو حفر قبر لها عوضه فما وافقتْ على إبقائه إلّا بشرط أنها تَدفن عليه كل من مات عندها من حرّ أو رقيق. فأنكر ذلك عليها أشدّ الإنكار من كل أحد حيث حجّرتْ واسعًا وتملكتْ ما ليس لها لكون التربة مسبّلة. وأذن أهل التربة بدفن ذلك فيها مع وجود المتكلم وأخيها واطلاعهم على ذلك وحضورهم وقت الدفن وسكوته عن الكلام لكنه يظهر التبري وينسب ذلك إلى أخته ولم يفدها إلّا الملام، وترحّم الناس على الميت وذكروه بخير، رحمه الله تعالى وإيانا والمسلمين. وخلّف ولدين ذكرين وبنتًا وعدّة سراري وأملاكًا بمكة وجدة ونُسِبتْ إليه معاملات كثيرة الله أعلم بحقيقتها. [وخلّف عدة كتب نفيسة من محاسن كل فن وأكثرها كتب الفقه] (٢). وفي عصر يوم الجمعة عشريْ الشهر مات الحاج يوسف الشامي الشهير بابن الطبّالة بعد كتابة وصية أسندها لشيخ الطريقة محمد بن عراق -نفع الله به- وجعل له مائة دينار ليشغل عين بازان ولصاحب مكة مائتي دينار ومثلها يُفَرّق على جماعة له، وأقرّ أنّ له أخا بالشام له عنده ألفا دينار ذهب عتيق واشترى بها بهارًا بجدة وله

стр. 222

سفرة في الهند بثلاثة آلاف دينار ذكر أنه نذر أن يبني بها مسجدًا في الشاغور بالشام نظره للشيخ ابن عراق، ووُجد عنده نقْد (١) نحو المائة والخمسين. فباشر جهازه الشيخ محمد الحطاب وقسم بعض الدراهم التي (٢) أوصى بها في حياته، أعطى لخدام الكعبة عشرة أشرفية وللفراشين مثلها ولقاضي الشافعية الجديد مثلها وغير ذلك مما لا أتحققه، وذلك بأمر الموصي. وصُلّي عليه بعد صلاة الصبح يوم السبت ثاني تاريخه وُدفن بالمعلاة رحمه الله تعالى وسامحه فإنه كان يُتّهَمُ بكثرة المال والحرص على الدنيا مع كبر سنّهِ وملازمة صلاة الجماعة وتلاوة القرآن. وفي ليلة الأحد ثاني عشريْ الشهر ماتت وردفان الجاركسية زوجة الإمام جمال الدين محمد ابن الإمام أبي السعادات الطبري الشافعي بعد توعّكها مدة فجهّزها زوجها في ليلتها وصلّى عليها بعد صلاة الصبح وشيّعها جماعة من الفقهاء وغيرهم ودُفنت بالمعلاة في تربة أسلاف زوجها. وخلّفت مُعتقتها بمصر، وحزن عليها زوجها فإنه يشكر منها لموافقتها له وصبرها وعقلها، رحمها الله تعالى وعوّض زوجها فيها خيرًا. وفي ظهر تاريخه ماتت البنت المراهق أم هاني ابنة الخواجا جمال الدين محمد بن يعقوب الخصي الشامي بعد توعكها ثلاثة أيام. وزوجها ابن عمها الشهاب أحمد غائب في الهند (٣) قبل الدخول بها فجهّزها المتكلم على أملاكهم الخواجا أبو اليمن محمد بن علي بن محمد بن يعقوب الطهطاوي المكّي وصُلّي عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة رحمها الله تعالى وعوضها في شبابها الجنة، وخلّفتْ أمّا حبشية وزوجا عاصيًا لها ولأبيها من قبلها، وحزن عليها العارفون لها. وفي ثاني تاريخه ماتت أم القاضي إبراهيم ابن القاضي سالم المباشر والده عند

стр. 223

أمير كبير أزبك بالقاهرة فجهّزتْ في يومها وصُلي عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ودفنت بالمعلاة بتربة الشيخ حاتم التي بناها، رحمها الله تعالى وإيانا. وخلّفت ولدها المذكور مريضًا بمكة وابنة بالقاهرة. وفي يوم الخميس خامس عشريْ الشهر مات الفقيه العدل الأصيل شهاب الدين أحمد ابن الشيخ العلامة المعمّر القاضي شمس الدين محمد بن أحمد بن صدقة الصيرفي العسقلاني الأصل الشافعي الشهير كوالده بابن الصيرفي الشاهد باب السلام بعد توعكه نحو شهر حرقة على مبلغ سُرِق له كان مدفونًا في خلوة له يقال أزيَد من خمسين دينارًا ذهبًا ونحو العشرين فضة. فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الفقهاء وغيرهم ودفن بالمعلاة وحزن الناس عليه كثيرًا فإنه كان ساكنًا منجمعًا عن الناس مع الحشمة والمودة وملازمة المسجد للصلاة والشهادة ﵀ وعوضه الجنة. وفي يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر مات الفقيه الأصيل المفتي نجم الدين محمد ابن الشيخ العلامة مفتي المسلمين، عين الزهاد والمدرسين، جمال الدين محمد ابن الأمير دولات فجهّز في يومه وصلّى عليه عند باب الكعبة بعد صلاة العصر إمام الحنفية السيد عبد الله البخاري الحنفي بأمر أخيه البدري محمد. وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم ودفن بالمعلاة عند أبيه في شعب النور. وعمره نحو أربع وعشرين سنة وبينه وبين موت أبيه نحو السنة. ومولده سنة ثلاث وتسعمائة، وحزن عليه أخوه وأخته وأمهم وكذا جميع معارفهم لشبابه وعقله وانجماعه عن الناس، ﵀ وعوضه في شبابه الجنة بمنّه وكرمه آمين. وفي هذا الشهر كثر المرض والموت بمكة وأعمالها كجدة والأودية والبوادي وبلغ الأموات في كل يوم أزْيَد من عشرة أنفس الذين يصلون عليهم في المسجد الحرام، ويدخل المرض في كل بيت لكنه سليم العاقبة. فالله تعالى يلطف بالمسلمين

стр. 224

ويعافي مرضاهم بجاه سيد الأولين والآخرين ﷺ . شهر ربيع الأول استهل ناقصًا في ليلة الإثنين من غير رؤية لكنه بشهادة بعض أهل البلد والعرب جعله الله مباركًا سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) في أوله نزل سعر الحب المصرية بمكة بحيث بيعت الربعية بمحلّقين ونصف وأقل من ذلك بعد أن كانت ملازمة الثلاثة وأزيد والرطل السمن بثلاثة محلقة ونصف وأقلّ من ذلك، والمنّ الجبن بثلاثة محلقة. وموجب هذا الرخص في الأخيرين كثرة المرعى وحسن الربيع، وفي الحب وصول جلاب من القصير واليمن وثلاثة مراكب من الهند خرجت (١) في أول زمان. وفي ضحى يوم الإثنين مستهل الشهر مات الفقيه العدل المرتضى شرف الدين يحيى بن إدريس بن يحيى بن أبي الخير محمد بن عبد القوي المكي المالكي بعد توعّكه نحو نصف شهر بالحمى والجدور (٢) فجهّز من يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة بالقرب من تربة الشيخ عمر العرابي بوصية منه لكونه فقيره وخلّف ولديْن ذكرين وبنتين مزوجتين أكبرهما على محمد ابن الشيخ باكثير وثانيتهما (٣) على محمد ابن الشيخ الحطاب. وصهورته لهذين تدلّ على بركته، رحمه الله تعالى فإنه كان فقيرًا ملازمًا على الشهادة بباب السلام وشغل العُمَر والقيام بعياله مع البشاشة والقناعة، تغمده الله برحمته. وفي ظهر تاريخه سافر من مكة المشرفة الملك محمد بن شيخ علي القيلاني

стр. 225

الهندي الأمين على الصدقة الهندية المظفر شاهية بنية زيارة المدينة الشريفة وصحبته جماعة من الزوار، وكان برز حموله في الزاهر خارج مكة في يوم السبت ثامن عشريْ صفر وخرج معها بعد ثلاثة أيام بتجمّل زائد. وفي أوله وصل قاصد من القاهرة المحروسة يقال له مسلم وتوجّه إلى السيد الشريف بركات صاحب الحجاز المنيف جهة اليمن ولم يُعلم خبره ثم أرسل الشريف أوراقًا إلى مكة لقاضيها كان الصلاحي بن ظهيرة وصحْبتها مراسيم الشريف وفيها جواب ما أرسله مع الحجاج أو قبلهم من جهة الوقعة مع الأروام في أيام الثمان (١) والاعتذار منه فيما فعل وأنه لا يرضيهم، وأكدوا على نائب جدة حسين الرومي في طاعة الشريف وإكرامه واحترامه وهو قد توجّه إلى اليمن بحرًا ولم يتعرض فيها لأخبار القاضي المعزول. وكان الشريف كاتب في أمره ويُقال أن جماعة كتبوا من القاهرة أن ملك الأمراء نائب الديار المصرية مصمّم في عزله ويتهدد المتكلم له بالتوجّه إلى إسطنبول، والله أعلم بحقيقة ذلك. وفي ضحى يوم السبت سادس الشهر ماتت الطفلة البنت .... (٢) ابنة الشيخ العلامة المدرس شهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي الأصل المكي الشافعي وعمرها سنة ونصف ووالدها غائب في شغل عين حُنين بأمر شيخ الشيوخ محمد بن عراق -نفع الله به- فجهّزها الشيخ في يومها وصلّى عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعها جماعة من الفقهاء وقال الشيخ ابن عراق للرئيس بزمزم: نَادِ بالصلاة على الجنازة قبل صلاة الحنفي وبادر بالدعاء للشافعية قبلهم، فتشوش بذلك الشيخ المعتقَد عند الأروام نور الدين حمزة الرومي الساكن بمولد السيد أبي بكر الصديق، وتكلّم على الرئيس بسبب فعله ذلك فقال له: الشيخ محمد

стр. 226

ابن عراق أمرني بذلك، فسبّ الشيخ وذكره بأمور قبيحة أنكرها كل مَن سمعها وعابَها عليه مَن حضرها. فبلغ الشيخ كلامه فاحتسب عليه بالله تعالى وتوجّه إلى وادي منى لأجل العزلة والعبادة، نفع الله به عباده. وفي صبح يوم الإثنين ثامن الشهر مات الشيخ المبارك المعتقد زين الدين عبد الرزاق ابن الشيخ الصالح المعتقد عفيف الدين عبد الله بن عامر المساوي البدري الأصل المكي، وكان توعّكه نحو جمعة بالحمى والباردة كوجع الناس في هذه الأيام. فجهّز في يومه وصلّى عليه ضحى تاريخه عند باب الكعبة تلميذ والده الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي بكر النويري العقيلي. وشيّعه جماعة كثيرون ودفن بالشبيكة في تربة والده، رحمهم الله تعالى وإيانا ونفع بهم، وخلّف ولدًا ذكرًا -أظن- وأربع بنات وزوجتين، وترحّم الناس عليه وذكروه بخير. وبعض الناس قال: إن جماعة من فقراء والده يدعون عليه لأخذه تعلقهم في الصدقة الهندية التي كان السبب في تقريرها لهم بالهند. فالله تعالى يعفو عنه ويُرضي عنه خصماءه. وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وصل إلى مكة سلطانها السيد الشريف بركات وولده الشريف أبو نمي وجميع عياله و .... (١) فهرع الناس من الأعيان للسلام [عليه] (٢) وعلى ولده وهو مريض طلع له الحب الفرنجي .... (٣) والده دهانه، فالله تعالى يعافيه، ومن الأسواء يَقِيه. وفي يوم تاريخه جاء الخبر إلى مكة بغرق طراد (٤) بالقرب من سواكن فيه جماعة من أهل مكة وغيرهم نحو الثمانين نفسًا. فممن هلك (٥) ونُعِيَ عليه أهله بمكة

стр. 227

الزيني عبد المعطي ابن الخواجا عبد الرزاق العيناتي المكي والنوري علي بن أبي القاسم الأشتر أحد الخدام للكعبة الشريفة. وحكى السالم من الغرقى أنهم وقفوا على شعب فنزل بعضهم إليه فسلم وبعضهم رمى بنفسه في البحر متكلًا على عومه فأكلته القروش، وكل شيء بقضاء وقدّر. وفي يوم الأربعاء عاشر الشهر توجّه الشيخ نور الدين حمزة وجماعته صحبة الشيخ العلامة المدرس ملا حاجي العجمي إلى وادي منى لأجل ملاقاة الشيخ محمد ابن عراق والاعتذار منه مما وقع للشيخ نور الدين حمزة من الكلام فيه. وموجب ذلك أنه رأى منامًا بسببه أخبر به بعض جماعته فواجهوا الشيخ ابن عراق وعفا عنه، نفع الله به. وفي ليلة الجمعة ثاني عشر الشهر عُملتْ زفة لطيفة فيها عشر فوانيس من المسجد الحرام إلى المولد الشريف النبوي مشى فيها ناظر المسجد الحرام والقاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر ورفقته أولاده والخطيب عبد الرحمن النويري وبعض أروام وجماعة من العامة، وتأخر الفقهاء جميعهم عن المشي استحقارًا له وصار يفعل ذلك ضحكة، فإنه لم يتمّ له غرضه على مقصوده، ولا اتفق له بعض ما فعل النظار قبل وجوده، ولو ترك ذلك كان أصلح له، خصوصًا وقد نهاه شيخ الشيوخ محمد بن عراق عن فعلها وأنها بدعة يجب تركها فوافقه على ذلك ثم نقضه ليطلع على فعله كل قاطن وسالك، فسبحان قاسم العقول. وفي صبح تاريخه تضارب البدري حسن أكبر أولاد القاضي الشافعي الجديد مع الفقيه العالم العفيف عبد الله ابن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن العلامة نور الدين علي الفاكهي بسبب انتقاد الثاني على والد الأول في ما أفتى به على سؤال: لفظٌ في أثناء البردة النبوية هو: إذا الكريم تحلّى باسم منتقم

стр. 228

فقال والد الأول: تجلى بالجيم المعجمة، وقال الثاني: صوابه تحلّى بالحاء المهملة، فرد الولد عليه بغلظة وسطا بعمامته ابن الفاكهي، فدخل بينهما جماعة كانوا حاضرين فانفض المجلس والعفيف الفاكهي متشوّش، فاجتمع بصاحب البلاد السيد بركات بن محمد بعد صلاة الجمعة بالمسجد فشكا عليه فعل البدري بن ناصر به واستشهد بأخبار وأشعار في الانتصار أعجبتْ الشريف، فأقبل عليه وقال له: خصمك حشاش، وأمر الحاكم مبارك بن بدر بطلبه في ثاني تاريخه فطلبه بحضرة خصمه وأغلظ له في الكلام، وحين رأى ذلك أخذ يقول: مهما فعله الحاكم فيّ أحتمِلُهُ ولو كان ضربًا على رجلي، وسلّم على رأس الفاكهي وأخذ يظهر في المجلس الخبال كعادته، فأصلح بينهما الحاكم وخرجا من عنده، وصدق المثل في قوله: أوْسِع الجرح، وآخره صلح. وفي ليلة الثلاثاء سادس عشر الشهر عمل القاضي تاج الدين محمد ابن قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة القرشي المكي مولدًا في منزله وسَكَنِ والده بالسويقة حضره جماعته وكثير من الفقراء فلما فرغوا منه ذكروا الله تعالى وانصرفوا. وكان له ولد صغير عمره قريب سنة راقد في مرقده .... (١) ومات، فجهّز في يومه وصُلّى عليه بعد صلاة العصر عند الحجَر الأسود كعادة ظهيرة وحضر معه ثلاثة جنائز فصُلّي عليهم معه أمام الحجر الأسود، منهم المرأة الكاملة المباركة أم الخير ابنة الشيخ الصالح برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مصلح العراقي المكي شيخ البيمارستان بها، طليقة الشرفي يحيى بن عبد القوي المتدرّج بالوفاة في هذا الشهر وأم بنته أم هاني فدفنوا في المعلاة بتربة أسلافهم ﵏، واحترق والد الأول وجماعته عليه كثيرًا (٢) فالله تعالى يعوّضهم فيه خيرًا.

стр. 229

وفي ثاني تاريخه ماتت الشريفة عائشة ابنة الشريف أبي الخير محمد بن عبد اللطيف الحسني الفاسي زوجة الشرفي يحيى بن عبد القوي الثانية وأم أولاده الباقين، فجهّزت في يومها وصُلي عليها (١) بعد صلاة العصر ودُفنت بالمعلاة، رحمها الله تعالى. وفي أثناء هذه الجمعة ادهن الشريف أبو نمي ابن السيد بركات صاحب البلاد لوجعه بالحَبّ، عالجه شخص هندي يقال له حسن بدهن بعض أطراف يديه، ومكث ثلاثة أيام ثم عوفي وزال ألمه، فحصلت لمعالجه إنعامات كثيرة من الثياب والدراهم وغيرها من جميع عائلة ابنه رجالًا ونساءً يُقال أزيد خمسمائة، والله المعطي والقاسم. وفي ظهر يوم الأحد حادي عشريْ الشهر توجّه الشريف بركات وأهله إلى فريقه جهة اليمن، وماتت الشريفة زيلعة ابنة محمد بن أحمد بن سالم الشطي المكي وجهّزت في يومها وصلّى عليها بعد العصر بساعة قاضي الحنفية بديع الزمان بن الضياء القرشي وشيّعها جماعة كثيرون ودُفنت على قبر أمّها بالقرب من درب المعلاة. وخلّفتْ ولدين ذكرين من نزيل الكرام الريمي وتألمتْ بعده مدة وخطبها الأزواج فلم ترْض بهم. وكانت مباركة ملازمة على العبادة والخير، رحمها الله تعالى وإيانا. وفي يوم الأربعاء رابع عشريْ الشهر فرّق أوائل صدقة السيد الشريف بركات صاحب البلاد على الفقهاء كحكم السنة قبلها وزيادة شيء يسير لزيادة المبلغ وهو ستمائة دينار، يقال إنها زكاة إبله، تقبّل الله ذلك منه وبارك له فيها، على يد الوزير كمال الدين محمد بن أبي علي المكي. فجعل لكل قاض متول ومعزول خمسة عشر أشرفيًا خلا الشافعي الجديد النوري ابن ناصر فعشرين والشافعي المفصول واطلع

стр. 230

على تفرقتها وينسب إليه توزيعها يقال خمسين دينارًا أو أكثر وابن أخيه المحبي عشرين ولكل من جماعته خمسة أشرفية خلا القاضي فائز فعشرة وكذا صاحبنا الشيخ شهاب الدين الحرازي والشيخ نور الدين الزبيدي فمثله والقاضي شرف الدين الرافعي فستة أشرفية وغالب أكابر أهل الحرم كأئمة المذاهب الأربعة ومشائخها كل واحد دينارين، ومنهم كاتبه، والباقي دينار وأقل من ذلك. وأطلق بعض الناس ألسنتهم في القاضي المفصول ونسبوه إلى هضمهم وهو يتبرأ من ذلك، والله أعلم بحقيقة الحال. وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه ماتت زينب ابنة القاضي أمين الدين أبي اليمن محمد ابن القاضي محب الدين أحمد بن أبي السعادات محمد بن ظهيرة القرشية المكية بعد توعكها أربعة أيام، فجهّزت في ظهر يومها وصلّى عليها جدها لأمها القاضي شرف الدين أبو القاسم الرافعي بعد صلاة العصر عند الحجر الأسود كعادة بني ظهيرة، وشيّعها جماعة كثيرون ودفنت بالمعلاة بتربة أسلافها بالحجون، وحزن الناس عليها لشبابها وقصر وجعها. وخلفت ولدًا مراهقًا وجدّها وعمتها رحمها الله تعالى وعوضهم فيها خيرًا. وفي أول هذه الجمعة ولد لسيدي الشيخ الولي الكبير محمد بن عراق، نفع الله به، ابنة عاشت يومين ثم ماتت وهو غائب في شغل عين مكة يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر فجهّزها أخوها في عصر تاريخه وشيّعها جماعة من الأعيان، ودُفنت بتربة شيخنا باكثير تحت جدار الحجون، رحمها الله تعالى وعوض والديها فيها خيرًا. وفي يوم تاريخه مات الشيخ المعمر عمر بن محمد بن عمر الدرا الحمصي الأصل نزيل مكة والد الخواجا فخر الدين عثمان فجهّزه ولده وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن بالشعب الأقصى من المعلاة بالقرب من السيدة خديجة، رحمه الله تعالى.

стр. 231

وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه مات الطفل .... (١) ابن الشيخ إبراهيم العراقي الناظر على البيمارستان المكي، فصُلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودُفن بالمعلاة. وفي عصر تاريخه مات الفقيه أبو بكر بن عثمان الجبرتي مؤدب الأطفال وشيخ رباط السيد بركات وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودُفن بالمعلاة، وخلّف ولدا اسمه محمد تولّى مشيخة الرباط بعده، رحمه الله تعالى وإيانا. شهر ربيع الثاني أوله الأربعاء وهو كامل من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) وفيه وصلتْ عدة مراكب هندية إلى جدة. هي ثلاثة مراكب من منير والفتحي من كنباية والساجور من الديو، ورخص به سعر الحب والسمن والجبن. فبيع الحب كل ربعية مصرية بمحلقين وأنقص، والرطل السمن بثلاثة محلّقة والجبن بمحلق، والناس يترجّون خيرًا. وكثُر الأموات به. وفي يوم الجمعة ثالث الشهر [توفيتْ] (٢) الشريفة أمة الله ابنة شيخنا أصيل الدين عبد الله ابن الأيجي الحسني، وخلّفتْ ثلاث أخوات وزوجًا وولدًا من غيره، رحمها الله تعالى وإيانا. وفي يوم تاريخه مات الشهابي أحمد بن محمد الطباطبي العطار المدعو بالشريف، وليس كذلك لإنكار والده على مَن يشافهه بذلك (٣). فجهّز في يومه وصُلي عليه

стр. 232

بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة بتربة والده. وخلّف زوجة وأولادًا وأخًا وأمًّا ماتت بعده بثلاثة أيام، رحمة الله عليهما. وفي هذه الجمعة خطب بمكة الشيخ فتح الدين بن عبد الله الهرموزي نزيل مكة والناسخ بها نيابة عن الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري لتوعكه، ولبس ثيابًا بيضاء وقرأ الخطبة في ورقة بيده. وأنكر ذلك الناس لكونه مولى وعدم أهليته مع أنه أدى الخطبة بفصاحة لسان وقوة جنان. وفي يوم الأحد خامس الشهر ماتت فاطمة ابنة الخواجا هبة الله بن عبد الحميد العجمي الشرواني نزيل مكة زوجة الخواجا محمد سلطان وأم ولده علي الباقي بعدها والمجهّز لها. وصُلي عليها بعد صلاة العصر في يومه عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة بالتربة التي بنتْها على زوجها وأبيها بالقرب من .... (١) وعمل لها ولدها ربعة وختمًا بالمعلاة. وأوصتْ لجماعة من النساء المترددات (٢) إليها لأجل البكاء عليها، وخلفتْ بيوتًا ومصاغًا كثيرًا لم يوجد عند غيرها وكان يستعيرها الناس لأجل أعراسهم منها وذُكرتْ به وأثْنِيَ عليها بسببه، رحمها الله تعالى وعفا عنها. وفي ثاني تاريخه ماتت فاطمة ابنة خنيْفس البدوي السمّان أم زوجة الشيخ عبد الكبير الحضرمي وأولاد الطباطبي. فجهّزت في يومها وصُلي عليها بعد صلاة العصر، ودُفنت بالشبيكة عند تربة أسلاف صهرها وعُمِل لها ختم بها، رحمها الله تعالى. وفي ليلة الثلاثاء سابع الشهر ماتت سيّدة الكل المدعوة ستيتة ابنة الخواجا عبد الرزاق العبياني صهر الخواجا علي راحات العجمي، فجهّزتْ في يومها وصُلي عليها ضحى عند باب الكعبة ودُفنت في المعلاة بتربة زوجها شيخ الفراشين عند قرب (٣)

стр. 233

وحزن وذكرها بعقل وتدبير وحسن قراءة وتألم لفقدها مع أبويها، وهي ثاني مصيبة عليهما في هذا العام لفقد أخ لها غرق في البحر وجاءهم خبره في الشهر قبله. فالله تعالى يرزقهما الصبر ويعوّضهما فيهما خيرا ويرحمهما رحمة واسعة. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل لمكة من المدينة الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الوكيل على الصدقة المظفر شاهية الهندية -خلّد الله ملك مالكها- وصُحْبتُه جماعة منهم إمام الحنفية بها نور الدين علي بن محمد بن محمد الخُجُنْدي، وأخبرني أنه فرّق البر الواصل صحبته من الهند وقدّره أربعة عشر ألف دينار تكملة ثلاثين ألفا بالمبلغ الذي أخذ منه بجدة بأسماء المقررين وهو ستة عشر ألف دينار. وحصلت بسببه فتنة بين أهل المدينة الفقهاء والرافضة لقصد الوكيل في التفرقة عليهم جميعا فقال أهل السنة: العادة لا يُعْطى الرافضة شيئًا (١) من الصدقات. فلما سمع بعض الرافضة من أهل البَر (٢) قصدوا بعض الفقهاء إلى محلّهم وسطوْا ببعضهم منهم القاضي الحنفي المعزول الشمس محمد بن جلال الخُجُنْدي ووثبوا (٣) إلى الغور (٤) وقصدوا الشافعي الجديد السيد عبد الله السمهودي فسلّمه الله منهم بوصول القائد مفتاح البقيري وجماعة من بني حسين جاؤوا فزعا لهم لأجل إخماد الفتنة. وطُلِب أمير المدينة إلى المسجد النبوي وتكلم الفقهاء معه في إعطائهم غرماءهم فصار يحلف لهم بعدم معرفته لهم وأنه لم يطلع على القضية، فعُيّن له شخص منهم يعقد الأنكحة لهم فقال: هو ضعيف وليس له (٥). فعلموا مباطنته لهم فقاموا من المجلس على غير فصل. ونادى أمير المدينة بخروج الأشراف منها ليرضى الفقهاء

стр. 234

بذلك، وتأهب الأشراف للخروج فخشوا من إثارة فتنة فمشى بعضهم في الصلح وأن يجعل للرافضة ألف دينار ولأمير المدينة ألفين وخمسمائة ولشيخ الحرم خمسمائة وبقية الناس يأخذ كل نفر له ولعياله ثلاثة أشرفية، وأنهم يتسلمونها (١) من الوكيل وهو يقسم منها ألفين بنفسه، فاتفقوا على ذلك، ورضي به كل قاطن وسالك، وخمدتْ الفتنة، وغص بها كل ذي .... (٢). وفي يوم تاريخه ماتت الشريفة سعدانة ابنة صاحب مكة السيد بركات بن محمد الحسني فكانت في البر وحُملت إلى مكة وجهّزت في يومها وصُليَ عليها ضحى تاريخه عند باب الكعبة، ودفنتْ بالمعلاة في تربة سلفِها، وشيّعها جماعة من الأعيان، وأخذ العزاء فيها فتى والدها وخازنداره مفتاح المغربي الحبشي، رحمها الله تعالى. وفي يوم تاريخه عاشر الشهر صُلي بمكة على شمس الدين محمد ابن .... (٣) الخانكي المتوفى بجدة في هذه الجمعة. وكان ترك نقدا يقال ألفا وخمسمائة دينار، وأوصى بثُلُثها لجماعة منها مائة وخمسون لصاحب مكة الشريف بركات وثلاثون للقاضي الشافعي الجديد وخمسون لصاحبه إمام الحنفية شهاب الدين البخاري ومائتان تُفرق على أهل مكة وأسند أمرها للشمسي محمد المعناوي والباقي يُجهّز بها. ففُرّقت المائتان على من اختاره الوصيّ من الفقراء وأرباب الوظائف بالمسجد الحرام فأخذ الكبير منهم دينارا واحد (٤) والباقي رُبع دينار وأقلّ من ذلك. وفي يوم الأحد ثاني عشر الشهر ماتتْ امرأة القائد غزاونة (٥) وخلفتْ تركة

стр. 235

وورثة غائبين ببلدها فوضع جماعة الشريف على مخلّفها فسمع القاضي الشافعي الجديد نور الدين بن (١) ناصر فتكلم كلاما كثيرا وقال: هذا لا يحلّ فعله، وخرج من مجلس حكمه بالمدرسة الأشرفية القايتبائية إلى بابها من جهة السوق وقال: أنا أعزل نفسي ولا أتكلم في قضية بعد هذه الفعلة فإن أمر الغيّاب يتعلق بقاضي الشرع، وكان من الاتفاقيات بروز المتكلم على المواريث الكمالي أبي الفضل بن أبي علي فقال له الناس: يتولد من هذا ضرر على الشريف فقال: أنا ختمتُ على حوائجها والقاضي يتوجه يضبط المخلّف ويختم عليه حتى يراجع الشريف، فسكت القاضي حينئذ ورجع إلى محله وصار بعض الناس يتكلم في هذه القضية وينسب القاضي للغرض فيها لأجل مصلحته والتصرف عليها وحرصه على التحصيل من التركات لما رآه في هذا الشهر من تعدّد الوصايا وإسنادها إليه وجَرّ نفْعها عليه. وفي ضحى يوم الإثنين ثاني تاريخه وصل لمكة قاصد من جهة سلطانها الشريف بركات وهو نازل في ناحية اليمن، وأخبر أن شجاعا الرومي وصل إليه وأخبَره أن نائب جدة حسين الرومي أرسله لحفظ جدة من الفرنج المخذولين فانهم وصلوا إلى جبل الزقر (٢) خارج باب المندب في خمس وأربعين مركبا وهو مقيم في البقعة (٣) بندر مدينة زبيد وقد صالح سلطانها إسكندر الجاركسي، ويسأل الشريف في حفظها فأمر الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر بالنداء في شوارع مكة بالجهاد في سبيل الله والتوجه إلى بندر جدة، فنادى الحاكم بذلك وتوجّه بنفسه إلى السوق وأخذ منها فروق حب لنفسه وكذا محتسب مكة وغيرهما من الدولة وأصحابهم فتشوّش الناس لذلك وطلع سعر الحَب في ساعته بزيادة نصف محلق ثم رفع من السوق واتخذ الباعة فعل الحاكم سُلّمًا في منْعهم من بيْعه بسعره المعتاد، وتضرّر

стр. 236

المسلمون بذلك وصاروا يدعون إلى الله تعالى على فاعله في جميع المسالك. واتفق في يوم تاريخه موت جماعة من المباركين منهم الشيخ العلامة الصوفي فخر الدين .... (١) اليزدي العجمي والقارئة الكاتبة ابنة ملا محمد بن .... (٢) النيريزي العجمي، وكانت بكرا وتزوجت في العام الماضي بالقاضي شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي ثم طلّقها وسافر عنها مع الحاج. فحزن والدها عليها ودُفنا جميعا بالقرب من تربة الشيخ عبد المعطي المغربي في طريق الحجون بالمعلاة، رحمهما الله تعالى. وفي فجر يوم الثلاثاء رابع عشر الشهر وَلدتْ شقيقتي أم هاني سعادة بنتا مباركة سمّتْها كمالية باسم الوالدة من ابن عمة الوالدين الفقيه الأصيل سراج الدين عمر ابن الشيخ المفيد جمال الدين محمد بن عمر الرضي المكي، أنْبَتَها الله تعالى وجعلها مباركة علينا. وفي يوم الأربعاء ثاني عشري الشهر (٣) أشيع وصول نائب جدة حسين الرومي إليها وأنه نادى بها أن لا يزيد الحب عن سعره كل ربعية بمحلق ونصف. ثم تحقّق عدم وصوله وأنه أرسل عسكرا في غرابين كانا معه لأجل حفظ جدة ووصول المراكب الهندية إليها وهي (٤) الفتحي من كنباية والساجور من الديو. وأن الآمر يحفظ سعر الحَب نائبه إدريس الرومي، فشكر الناس له ذلك لكنه طلّع كراء الجمال من جدة بحيث صار كراء كل جمل بخمسة أشرفية ونصف وقيل ستة أشرفية، وازداد غلو الحب بمكة فبِيعت كل ربعية حنطة بثلاثة محلقة والشعير (٥) بمحلقين والدخن

стр. 237

والذرة بثلاثة إلّا ربعًا. وفي يوم تاريخه وصلتْ إلى مكة ورقة لبعض التجار وهو أحمد العنبري الدمشقي من عند صاحب له بالقاهرة ذكر فيها أنّ قاضي مكة الشافعي صلاح الدين بن ظهيرة ولي جميع وظائفه وهي واصلة، فأريَ القاضي الورقة وأشيعتْ بمكة واستمر القاضي المفصول يحكم. وفي عصر تاريخه سافر أتراك الشريف بركات إلى جدة ومعهم بُناةٌ لبناء البرج اليماني يلي البحر في سور جدة وغيره للاحتفاظ من الفرنج المخذولين. وفي ليلة السبت ثامن عشر الشهر مات الشيخ المقرئ الصالح ملا عفيف الدين محمد ابن الشيخ العلامة الواعظ قطب الدين محمد بن علي بن محمود بن علي الأصبهاني الأصل ثم الشيرازي المكي الشافعي وصلّى عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة رفيقه أمام الحنفية الكبير وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم من الفقراء بالتهليل والأعلام ودفن بتربة صهر زوج ابنة أخيه الخواجا بيقره ابن .... (١) العجمي وكان أوصى لابن أخيه بتجهيزه وأنّ عليه ديونا أكثر من مائة دينار وترك بوظيفته (٢) في العادة لابن أخي رفيقه إمام الحنفية وترك كتُبًا وزوجة وأخا وأحباء ببلاده فذكر بخير عند الله وعباده رحمه الله تعالى وإيانا. وفي ثاني تاريخه وصل قاصد جدة ومعه أوراق من قاضيها المعزول لمستنيبه وقريبه القاضي صلاح الدين بن ظهيرة يخبره فيها بوصول أوراق إليه وإلى بعض التجار من القاهرة بولايته الجميع وظائفه وأن نائب جدة الرومي وصل إليها أمس تاريخه، فسُرّ بها وأشاع جماعته ذكرها. وفي يوم الثلاثاء حادي عشري الشهر وصل لمكة ساع من جدة وأخبر بمرض

стр. 238

نائبها حسين الرومي وانطلاق بَطْنِه، وطلب له الحكيم الشيخ مصطفى الرومي الحنفي فتوجّه إليه. وتحقق المسلمون عدم وصول الفرنج المخذولين إلى جهة جدة وأن الإشاعة بوصولهم كان سببها سلطان اليمن إسكندر الجاركسي لكون نائب جدة الرومي كان عنده واجتمع به في البقعة ببندر زبيد وقدّم له هدايا كثيرة فخلع عليه وطلب منه التوجّه (١) صحبته إلى بندر عدن فقال له إسكندر: توجّه (٢) لها من البحر وأنا من البر، وسأله في إمداده بعسكر من الأروام والجراكسة مع آلة النفط فأعطاه قريب مائة نفس بآلتهم من المدافع وغيرها وهرب إليه مثلهم ثم أشاع وصول الفرنج إلى باب المندب وأنهم متوجّهون إلى بندر جدة فارتجف نائبها وخاف من توجّههم لها فقصد باحتها لأجل حفظها، فلما وصل إلى أثناء الطريق تحقّق عدم صحة ذلك وأنها فُعِلت مكيدة له فأحرق مراكب (٣) له وأخذ ما فيها. وأرسل إلى إسكندر يطلب منه العسكر مع المدافع وآلات الحرب التي صحبتهم فأجابه بأن العسكر لا أحكم عليهم وأنهم ما وافقوا إلى المجيء إليك، وأما الآلات فأنا محتاج إليها وهي عندي وديعة حتى أفرغ منها، وكأنه قصد أخذ عدن بها، فتمت له مكيدته، فتشوّش نائب جدة منه وعاد إلى محل ولايته واهتم بهذه الفعلة ووجع من قهره وخوفه من مرسله وأستاذه لكونه لم يكمل فيما توجّه بصدده. ولعمري إنّ هذه المكيدة مضرة بالمسلمين إذا بلغت الفرنج المخذولين فإنهم يطمعون فيهم ويحرصون على المجيء إليهم، فالله تعالى يخذلهم وينصر المسلمين. ثم تحقق بعد مدة دخول الفرنج المخذولين من باب المندب وتوجّهوا من

стр. 239

ناحية دهلك في برّ عجم وأنهم بنَوْا هناك قلعة وكاتبوا الحطي (١) الكافر مع إرسال هدية له، فالله تعالى يخذلهم. وفي يوم تاريخه أشيع أنّ عسكر نائب جدة تقاتلوا مع جماعة الشريف ومنعهم النائب من دخولها فرفع أهل السوق الحب وازداد الغلو فيه بمكة، فالله تعالى يُصلح الأحوال. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصلت عين حنين إلى مكة وتوجّهت إلى أسفلها ببازان المعروفة بالفراد وذلك ببركة سيدي الشيخ الولي الكبير سيدي العارف بالله محمد بن عراق، نفع الله به، وشُغْله فيها نحو خمسة أشهر وصرفه عليها ثماني صرفات كل صرفة نصف شهر وأزيد بمائة دينار وزيادة، فمجموع ذلك قريب من الألف، فالله تعالى يتقبّل منه فعله وينفع المسلمين ببركته. وأرسل عمالًا لتنظيف بركة الماجن أسفل مكة من جهة اليمن وطريق العين إليها وتوجّه هو بنفسه إلى علو العين ليزيد في تنظيفها فإنها غزيرة ويقال إذا وصلت إلى شراك نعل القائم في مشرعتها تكون قوية وهي كذلك ووصلت منها كورة واحدة من أربعة كورات التي جُعلت لأجل شغل العمال فيها والباقي يصل بعدها، فالله تعالى يقويها ويطرح البركة فيها ويُديم النفع بها بمحمد وآله آمين. وفي يوم الجمعة رابع عشري الشهر بطّل الأئمة القنوت في الصلوات (٢) الخمس والدعاء على الفرنج المخذولين لتحقّق عدم وصولهم. وفي يوم تاريخه وصلتْ لقاضي القضاة الشافعي المفصول الصلاحي بن ظهيرة ورقة من عند صاحب مكة السيد الشريف بركات يأمره بالتوجّه إليه لجدة، فتوجّه في ظهر تاريخه، فخاط الناس في ذلك وماطوا وكثرتْ فيها قالات الأعداء فيه بحسب

стр. 240

أغراضهم: إن الشريف طلبه لأجل مفاوضته في سفر ولده الشريف ثقبة إلى الديار المصرية وكتابة المطالعات معه وغير ذلك من أغراض الشريف، فواجهه بها. وكان الشريف دخلها في يوم الخميس ثالث عشر الشهر وشق البلد بعسكره وحريمه وتوجّه إلى الأبراج ورأى تحصينها من الفرنج المخذولين ثم خرج منها ونزل بصهاريجها جهة الشام كعادته وتردد إليه القاضي صلاح الدين ولا يكاد يفارقه. وفي الجمعة التي تليها مات الفقيه نور الدين علي بن عبد الله الشفتي والد مؤدب الأطفال شهاب الدين أحمد وهو وَجِع أيضا، فجهّز وصُلي عليه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة. وفيها وصلت قافلة من المدينة الشريفة فيها جماعة من أهلها وأخبروا أنّ أوراقا وصلت من البحر أرسلها جماعة من القاهرة وضمنها عزل قضاتها الثلاثة فالشافعي الجديد بها السيد عبد الله السمهودي بقاضي ينبع كان أبي السعادات ابن زبالة والقاضي المالكي بها وابن قضاتها من زمن طويل (١) الشمسي محمد السخاوي بالفقيه عمر ابن .... (٢) الشهير بابن المرابطة أحد الملازمين للمقر الشهابي ابن الجيعان والحنبلي البرهان السكندراني بالرئيس محمد فلم يصحّ الثلاثة وصحّ الحنبلي. شهر جماد الأول استهل كاملا في ليلة الخميس من سنة ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) في يوم الجمعة ثانيه وصل إلى مكة جماعة من المراكب الهندية الذين وصلوا في هذا العام وأخبروا أنّ مراكبهم وصلت بالرياضة قريب جدة وهم التبري من

стр. 241

كنباية و .... (١) وتباشر الناس بهم وفرح التجار بقدومهم. وفي ليلة الجمعة المذكورة تجرّأ عليّ قاضي المالكية عبد الحق النويري بقضية مشهورة يخزيه الله بها. وهي أني دخلتُ إلى المطاف الشريف بعد هجعة من الليل لأطوف ببيت الله المعظم المنيف فوجدته يصلي بحجر إسماعيل ﵇ فصليت ما يسره الله تعالى لي ثم توجّهتُ إلى جهة المستجار وصليتُ قريبًا منه بعض ركعات فجاءني القاضي المذكور وأنا بالصلاة ووقف خلفي وصار يسبّني بكلمات قبيحة وألفاظ شنيعة. فلمّا فرغتُ من الصلاة سألتُه عن كلامه وعرّفته بكثرة كلامه وجرْأته عليّ في المحل الشريف فولى عليّ معرضا ولم يكن بالطواف أحد فدعوتُ الله عليه بما أرجو من الله أن يعجل به إليه. فلما أصبحتُ أخبرتُ بفعله بعض أصحابه فأخبره بذلك فحلف وأنكر عليه وحلف هناك ونسب إليّ أني بدأتُه بالقبيح، والله مطّلع على القول الصحيح، ولله در الشاعر الأديب أبي (٢) عبد الله الفيومي الأريب حيث قال: قد تجرّى على اليمين فُتَيّ … زاد في فسقه وفي حمقه وارتضى طبعه الخبيث له … أن تكون اليمين في عُنقه فيا لله العجب كيف يكون مثله قاضيا على المسلمين مستبيحا لأعراض الخلق وحرمة بيت رب العالمين مع الكذب والأيْمان الباطلة، والأحوال التي كلها عاطلة، فالله تعالى ينتقم منه، ولا يخفف الرحمة عنه، بجاه سيّد المرسلين وآله والصحابة أجمعين. وفي ليلة تاريخه ماتت المرأة المباركة كمالية ابنة أبي القاسم بن .... (٣) الدميري

стр. 242

المكي زوجة الفقيه عبد الله بن .... (١) الطنبداوي أم ولده وغيره .... (٢) الحبشية موطوءة القاضي أبي عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين عطية بن ظهيرة القرشي. فصُلّي عليهما بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفنتا بالمعلاة، فالأولى عند تربة الخواجا الطاهر والثانية عند الشيخ الشولي بتربة أسلاف مولاها. وفي ضحي تاريخه مات الشيخ المحدث عبد الغني الشاعر الريفي الشهير بالأعور ودفن بالمعلاة بالقرب من الحجون، وذُكر بكراماته مع كونه كان يظهر المخلعة والمجون وإنشاد الشعر والشحادة ﵀. وفي يوم السبت ثاني تاريخه مات الفقيه المبارك شهاب الدين أحمد بن علي الشفتي المكي مؤدب الأطفال بالمسجد الحرام بعد توعكه أزْيَدَ من نصف سنة، فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة. وفي ليلة الأحد رابع الشهر وصل إلى مكة قاضي القضاة الشافعي كان الصلاحي بن ظهيرة من عند الشريف بركات وهرع الفقهاء وغيرهم للسلام عليه كعادته في الولاية. وفي يوم تاريخه مات الحاج بلال بن عبد الله الحبشي عتيق الشيخ أبي بكر بن إبراهيم العراقي شيخ البيمارستان المكي، وكان ملازما للطواف وصلاة الجماعة وخدمة ابن سيده البرهاني إبراهيم فخالف عليه فهجره، ولما مرض أدخله البيمارستان فمات فيه، وجهّز في يوم تاريخه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بتربة مواليه في المعلاة. وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه مات الشيخ الأصيل زين الدين أبو الفضل ابن شيخنا السيد المعمر أبي اليسر محمد ابن الشيخ أبي الخير بن عبد القوي المكي خادم

стр. 243

ضريح السيدة (١) خديجة ابنة خويلد، ﵂، بالمعلاة فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة في تربة سلفه، وخلف ولدا صغيرا وابنتين إحداهما (٢) مزوّجة. وفي يوم الثلاثاء سادس الشهر وصلت من السيد الشريف زين الدين بركات صاحب الحجاز المنيف ورقة للحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر يأمره بمنع النورى علي بن راشد المقرئ بالمعلاة على تربة الأشراف بها تأديبا له لما يتكلم به في أمر قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة من الإشلاء والتعرض لذكره في الطرقات وغير ذلك، فانقمع لذلك وتوجّه إلى السيد الشريف بجدة، فبلغني أنه لم يؤذن له في الاجتماع به وأقام في .... (٣) وبَعُدَ مُدَّة ثم وَاجَهَهُ وأحال أمره على رضاء خصمه، فعاد له إلى مكة وتوسّل بالشيخ عبد الكريم بن ياسين الحضرمي في التكلم معه فامتنع من مواجهته ثم لازمه في الرضا عنه فأظهر الرضا عنه في الظاهر وطلب منه الكتابة بذلك للشريف فامتنع من ذلك وقال الشيخ يُخْبِره بالرضا، فتوجّه ابن راشد للشريف مرة ثانية، فالله تعالى يُصلح الأحوال. وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه مات الطفل المراهق أبو السرور محمد بن المحبي أحمد ابن الشيخ العلامة خير الدين أبي الخير بن ظهيرة القرشي بعد توعكه مع أبيه مدة أشهر. فجهّز في صباح تاريخه وصُلي عليه شروق الشمس عند الحجر الأسود على عادة بني ظهيرة وشيّعه جماعة كثيرون ودفن بالمعلاة، وعُزيَ والده في منزله لوجعه، فالله تعالى يعافيه ويعوضه في ولده خيرا وكذلك والدته وجميع محبيه وأقاربه. وفي يوم الجمعة ثامن الشهر أرسل السيد الشريف بركات إلى مكة يطلب

стр. 244

محتسبها (١) الجمالي محمد بن علي بن عوض المواز بشكوى السوقة منه وكذا غيرهم. فسافر في يوم تاريخه إلى الشريف بجدة فبلغنا عزله والأمر بحسابه عند حاكم جدة القائد بدر العراقي وأن الشريف ولي القائد شوفان بن بيشة عتيق جَدِّه السيد بركات بن حسن وهو مسنّ ومشهور عنه عوضه الخير والصلاح. وفي يوم الأحد حادي عشر الشهر مات شخص رومي اسمه يوسف ويقال إنه مملوك للملك العادل طومان الأشرفي. وكان أوصى من مدة شهريْن أو أقل للشريف بركات بمائة وخمسين دينارا وللقاضي الشافعي الجديد النوري ابن ناصر بمثلها وبحجة بمائة دينار وأنه يفرق ثلث ماله وهو أزْيَد من ألف دينار على من يختاره من أهل الحرم وغيرهم. فختمت (٢) الدولة على بيته وجهّز في يومه وصلي عليه قبل صلاة العصر ودفن بالمعلاة، رحمه الله تعالى. وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه ماتت المرأة المباركة المعمرة أم الحسين وتُسمى فاطمة ابنة إمام المالكية جمال الدين محمد بن أبي عبد الله محمد بن علي بن أحمد بن عبد العزيز النويري المكي وعمرها ثمانية وسبعون سنة، فجهزها ابن أخيها إمام المالكية الشرفي أبي القاسم بن أبي عبد الله النويري وصُلي عليها بعد صلاة الصبح ودفنت في المعلاة بتربة سلفها، رحمها الله تعالى. وفي ليلة الخميس خامس عشر الشهر كسف ربع القمر بعد صلاة العشاء بساعة وانجلى بسرعة وصلّى له الشيخ فتح الله الناسخ صلاة متوسطة مع خطبة لطيفة أداها في ورقة بيده تأدية حسنة بصوته الجهوري وشكر الناس منه أكثر من مستنيبه، وكان تأخر لوجعه عافاه الله. وما علم الناس بوجود الكسوف إلّا في وقته وعُدّ ذلك من الغرائب لكونه في ليلة خمسة عشر بعد عادته بليلة و لم يتفق

стр. 245

ذلك إلّا في ليلة مات السيد إبراهيم ابن نبينا محمد ﷺ كما رأيتُ ذلك منقولا في … (١). وفي ضحى تاريخه وصل إلى مكة المشرفة الشريف ثقبة ابن السيد بركات الحسني صاحب مكة لأجل طواف الوداع والسفر للقاهرة صحبة قريبه الشريف عزار بن عجل النموي بأمر والده، فهرع الأكابر للسلام عليهما على العادة. وفي يوم تاريخه مات النوري علي ابن نزيل الكرام أحمد بن محمد اليماني الأصل المدني البواب بالمسجد النبوي والده وعمره خمسون (٢) سنة، فجهّز في يومه وصُلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة على قبر جده لأمه وهي أم الحسين ابنة الشيخ عطية ابن النجمي محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي. وكان قدم بحرا الجهاز ابنتين له يريد زواجهما، فتزوج بمكة سرّا فخلفها وزوجة بالمدينة وأربع بنات وذكرا اسمه الجمالي محمد، رحمه الله تعالى وعوضهم فيه خيرا وجبرهم، ويُتّهَم بمعاملات وبيع ومشتروات، فلم يظهر له كثير فائدة إلّا سمنا ونقدا يسيرا. وفي ظهر يوم الجمعة ثاني تاريخه ابتدأ الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الهندي أمين الصدقة المظفر شاهية في قراءة البخاري بالمسجد الحرام بحضرة كاتبه وجماعة من الفقهاء والفضلاء بعبارة صحيحة .... (٣) فصيحة، أفاد فيها وأمعن وحقّق ودقّق وحضر الفضلاء. ووقف في القراءة آخر الشهر على العادة، وطلب مني الإجازة فالله تعالى يتقبّله ويكتب له السلامة في السفر والإقامة، فأجزتُ له وأرسل إليّ مبلغ من

стр. 246

إحسانه. وفي مغرب ليلة السبت سابع عشري الشهر طاف الشريف ثقبة وقري الشريف عرار بن عجل وخرجا من باب عزورة (١) للسفر إلى القاهرة فودعهما جماعة من الأعيان وسافر صحبتهما (٢) قاضي المالكية بمكة الزيني عبد الحق النويري بسؤاله للسيد بركات والد الشريف ثقبة وتجَوّهِه (٣) في ذلك بالشريفة أم المسعود ابنة عجل أخت الشريف عرار المذكور. ويقال إنها أخذت له من الشريف خمسين دينارا للإعانة بها على السفر وسألته في الوصية به عند ملك الأمراء بالديار المصرية والكتابة في مساعدته على ابن خصمه القاضي محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي الذي أخذ الوظيفة عنه، لإشاعة أنه سعى في الوظيفة لوالده من القاهرة فأجيبت (٤) ثم توقف ملك الأمراء وأحال الأمر إلى الخنكار بالروم لكون خصمه ولَي من هناك فامتنع الشريف من الكتابة له وقال: لا أدخل بين الفقهاء، وبينه وبين خصمه، فسافر إليه، فالله تعالى ينصر خصمه عليه ويأخذه من مأمَنِهِ ويخذله ويريح المسلمين منه، فإنه كثير ضرره وتعدّيه على الناس بالجهل والحمق والفجور وإثارة الفتن والشرور. ورأيتُ بعض أهل مكة كتب فيه قصة بالشكوى منه وأرسلها لملك الأمراء نائب الديار المصرية صحبة جماعة ولد الشريف مضمونها: الفقراء إلى الله تعالى سكّان الحرم الشريف، وبلد الله المعظم المنيف، يقبّلون الأرض لدى المقر الأشرف العالي، صاحب المفاخر والمعالي، الأميري الكبيري العالمي القارئي الغوثي العتابي الكهفي الملاذي السيدي السندي الملكي المريدي المسددي المظفري كافل

стр. 247

المملكة العلية، وملك الأمراء بالديار المصرية، أعز الله أنصاره، وضاعف اقتداره، وأيد بدولته السنة الشريفة، وأعزها بوجوده وجعلها مشرقة منيفة، ومتّع بحياته الإسلام والمسلمين، وأحيى به سيرة الخلفاء والسلاطين آمين. آمين آمين لا يُرْضى بواحدة … حتى [تضاف] (١) إليها ألف آمينا ويُنهون أنهم ما زالوا رافعين أيديهم للمواقف الشريفة العثمانية، والصدقات المعظمة المظفرية، شرفها الله تعالى وعظّمها وثبّت قواعد مملكتها حول بيت الله الحرام، وفي ملتزم الذمام، وتحت ميزاب سُحب الأنعام، وفي مواطن الإجابة، بالأدعية الصالحة المستجابة. ويعرضون على الأعتاب العالية، والرحاب المنيفة المتعالية، أن المتولي لقضاء المالكية بمكة المشرفة البهية، لا يصلح لمباشرة القضاء بها لانقياده لَهواه، واستيلاء الجهل عليه وكثرة خصامه ودعواه لأمور عظيمة، وارتكابه لأحوال غير مستقيمة، قادحة في الدين، مضّرة بالمسلمين. ويسألون من الصدقات الشريفة، والمراحم المعظمة المنيفة، أن يكشف عنهم هذه النازلة العظيمة، والحادثة الأليمة، فإنه ورد في الآثار، وجملة من الأخبار، أن الملك يُسأل عن عماله، كما يسأل عن عمله وأحواله. وقد أجمع أهل الخير والصلاح، والرشد والفلاح، على بغض المتولي وكراهيته في الله، والثناء على مَن عزله بالقول المتناه، فإنه مشهور بالعلم والديانة، والعفة والنزاهة والصيانة، وقال فيهما بعض الفقهاء، والأدباء النّبهاء: أتيتَ يا دهر بأمر عظيم … أصْخى به كل ذي علم عليم الجاهل الناقص ولّيتَه … مَن حُكْمه ما زال حكما سقيم عزلتَ بحر العلم حِبْر الورى … مَن نُطقه الفصل كدُرّ نظيم

стр. 248

أعني الجلالي الذي ما له … مثل على منهجه مستقيم لا زال والسعد له خادم … ودحض مَن عانَدَه مستديم وقال بعض المتقدّمين في واقعة حال تصلح أن تكون فيهما بِيَقين: أقام الترجمان لسان حال … عن الدنيا يقول لنا جِهارا زمانا فيه قد وضعوا جلالا … عن العليا وقد رفعوا حمارا وقال آخر في المعنى، وذكر جَدّهُ المَحلّل هنا: ومن عجب أن الفضالة حرمت … على بَعْلها في مكة وهو الولي فحلّلها العاري عن العلم إنّه … هو المستعار التيس نجل المحلل وجيران بيت الله (١) الشريف، وسكان البلد المعظم المنيف، يكررون السؤال لمولانا ملك الأمراء - حرس الله مهجته، وبسط للأنام معدلته (٢) - ويتوسلون إليه بوجه العظيم الذي لا يُسأل به إلّا الجنة ويتشفعون لديه بنبيّ أوجب الله قبول شفاعته، وتعظيم مكانته، أن يصون منصب الشرع الشريف، ويولّي ببلاد الله من له عقل ودين وفضل منيف، فإن المتولي الآن ممن سار سيرة وضيعة، وارتكب أمورًا شنيعة، وغرّه جهله بالجاه، وإبلاغ هواه، فالله تعالى يقابله عن ذلك، ويلقيه في أعظم المهالك، ويحمي الإسلام من بقائه في جميع الممالك. أنْهَوْا ذلك داعين، وللإجابة منتظرين، والحمد لله وحده. وكتب أكثر الصلحاء من المجاورين والمقيمين. وفي صبح يوم السبت المذكور مات خادم بئر زمزم المعلم أبو الخير بن عبد الله المصري بعد توعكه مدة يسيرة وأوصى أنّ له أخا وزوجة بالقاهرة وزوجة بمكة ودَينًا عليه. وجعل وصيّه شيخ المالكية محمد بن عبد الرحمن الحطاب المغربي

стр. 249

الطرابلسي - نفع الله به - فجهّزه في يومه وصلّى عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة وعارضت (١) الدولة وصيّه لغيبة وارثه، فراجع الشريف في أمره فسامحه وسأله الدعاء. وفي صبح يوم الخميس ثاني عشري الشهر وصل إلى مكة محتسبا لها عوض الجمال محمد المواز ولاه الشريف بركات صاحب الحجاز، وهو قائد كبير مشهور بالعقل والدين اسمه شوفان بن بيسة (٢) عتيق السيد بركات بن حسن جد المولّي له، فتوجّه إلى المدعى في طريق المعلاة وصحبته الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر فالبسه خلعة هناك على العادة وركب فرسا وعاد إلى منزله بلا طبل وزمر. فتباشر الناس به لبركته وظهرتْ نتيجته في يومه برخص الحب ونزوله عن سعره المعتاد، بحيث بيعت الربعية بمحلقين إلّا ربعًا، وأقلّ من ذلك وأكثر قليلا، فالله تعالى يتمّ ذلك ويزيد في الرخص. وفي يوم الجمعة ثاني تاريخه أرسل نائب جدة حسين الرومي جماعة لفتح بيت النائب قبله الأمير قاسم الشرواني وضبط ما فيه بحضرة قضاة البلد، فحضروا وفتحوا حواصله فوجدوا فيها كثيرا من التّحَف والأقمشة والسلاح والنقدين، الذهب يقال إن مجموع ذلك نحو لكّين (٣) فالفضة ثمان شكائر كبار، والذهب سبعة مراطبين (٤) وكانت (٥) تحت الأرض ودلَّهم عليها ولده الكبير لخوفه منهم وأن يوجد ذلك خفية بلا ضبط. فضُبط الجميع وخُتِم على البيت وأخرج أصحابه منه بسبب آخر،

стр. 250

فتشوّش الناس لهم ولو الدهم، فالله تعالى يُحسن خلاصهم. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشري الشهر طلب نائب جدة أولاد قاسم وعياله وماله النقد، فجهّزوا في يومهم وسافروا إلى جدة، فبلغ الشريف بركات ذلك وكان في طريق جدة فأرسل خيلًا لملاقاتهم وإتيانه بهم فتوجّهوا بهم، فوضع يده على المال وقال: أمر البلاد إلّى وهم في تسليمي حتى يأتي خبر الخنكار. وأنكر نائب جدة فعله بغير مرسوم وقال للأولاد: توجّهوا إلى جدة، فتوجّهوا إليها، وفات الناس غرضه منهم ونزلوا في بيت لهم ويقال إنّ المال معهم. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه ماتت المرأة الكامل فاطمة ابنة الخواجا عبد القادر بن أيوب الدمشقي فجهّزت في يومها وصلي عليها بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة بتربة أبيها، وخلفت أخا وزوجا غائبين في الهند وأمّا بمكة. رحمها الله تعالى وعوّضهم فيها خيرا. وفي يوم الخميس تاسع عشري الشهر وقف الملك محمد بن شيخ علي القيلاني الهندي، أعزه الله تعالى في قراء ته لصحيح البخاري في المسجد الحرام وصرف معلومًا لجماعة حضروا عنده جزاه الله خيرا. وفرّق على الصوفية والفقهاء المقرّرين في مدرسة السلطان مظفر شاه الكجراتي معلوم سنة تاريخه فتضاعف الدعاء له، وعزل بعض الصوفية عن القراءة بمكة لعدم ملازمته للحضور فشفع بعض الأكابر فأعاده، واشترى بيت الخواجا .... (١) في القرارة بستمائة دينار وأوقفه على مدرسة موكّله السلطان مظفر شاه. ثم سافر إلى جدة في ثاني تاريخه، كتب الله (٢) له السلامة في السفر والإقامة.
следующие страницы →