← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الأصل الحنبلي، ولم يرْض والدها بها لكونها بنتا، وتشوّش أهلها لها لكونه تزوج بأمها سرا، لكن الأمر لله تعالى ما شاء فعل، ويؤجر المرء على رغم أنفه. وفي عشاء ليلة الجمعة سابع الشهر مات صهري زوج أختي العلامة المفتي قاضي المسلمين عين الأماثل المعتبرين محيي الدين أبو المفاخر عبد القادر ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام الجلالي أبي السعادات الأنصاري المالكي بعد توعّكه زمانًا طويلًا بالحمى والسعلة والإسهال، وكان غائبًا في العام الماضي بالديار المصرية فوصل مع الركب بمكة وهو مريض فمكث بها ثلاثة أشهر ويبرز في أثنائها، إلى أن قدّر الله تعالى وفاته شهيدًا بالبطن وهو موقن بالموت وينطق بالشهادة بحضرة أبويه، وتأسّفوا على فقده وفجعوا به مع زوجته وكذا جميع أهله ومعارفه لما كان مشتملًا (١) عليه من المحاسن الكثيرة والفضائل الشهيرة، فجهز في ليلته وصلّى عليه والده بعد صلاة الصبح أمام باب الكعبة بعد أن نادى له الرئيس بألقاب حسنة، وسجَعات مُتقنَة، بكي لها السامعون، واعتبر بها المعتبرون، لموت مثله في سن الشباب، وكونه صار من العلماء ذوي الألباب. وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم من الفقراء والعامة والغلمان. فكانت جنازته مشهودة، وروحه الزكية الشهيدة مسعودة، فدُفن على قبر جدّته بالمعلاة بالشعب الأقصى، فعُدّ ذلك سعده في الدنيا والأخرى. وعُملت له ربعة ثلاثة أيام وختم له بالمعلاة على الوجه التام وفاز بالوفاة في ليلة الجمعة الغراء ووقي فتنة القبر وجاء عليه طائع الشهداء كما رواه أحمد والترمذي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر التقي. فالله تعالى يتغمّده بالرحمة والرضوان، ويُسكنه أعالي الجنان، ويرزق والديه وزوجته الصبر عليه ويعظم لهم الأجر ويبدله دارًا خيرًا من داره وأهلًا خيرًا من أهله، فإنه حقيق بذلك لاشتماله على المحاسن كما يعلمه كل قاطن وسالك.

стр. 317

وفي هذه الجمعة طلعت الأسعار في الحب بحيث بيعت الربعية الحجازية بخمسة محلّقة ونصف والدخن والذرة بأربعة محلقة وزيادة. ونادى الحاكم بمكة القائد مبارك بن بدر بأمر الشريف بركات أن لا يسافر أحد إلى اليمن من العرب البادية ومن دخل منهم إليها يقف عليه في فريقه ليأخذ خطه بالفسحة له. وذلك أنه رأى بعض عرب الليث وأهل فريقه محتاجين الحب لغلوه عندهم، فتضرر العرب لذلك وتركوا ميرة الحب لأهل مكة وقلّ الواصل به من جدة، فالله تعالى يُرخّص الأسعار ويلهم ولاة الأمر العدل والإنصاف. وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصلت أوراق من الشريف لقاضي المسلمين محب الدين بن ظهيرة يأمره في المشي في زفة المولد على العادة وقال: من حضر معك من الفقهاء حضر، ومن تأخر ما عليك منه. وفي ورقة الحاكم مبارك بن بدر قال في تعريضه فكان ذلك اعتناؤه (١). وأمر الحاكم ومماليكه المشي معه فتعبّأ لذلك. وسمعنا أنّ سيدي الشيخ العارف بالله تعالى محمد بن عراق، نفع الله به، أرسل ورقة من منى لسكنه بها لشاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي يأمره في تبطيل الزفة لكونها بدعة واختلاط الرجال بالنساء مع إيقاد الشموع. فأرسل للقاضي محب الدين بذلك وقال له: جاءتني ورقة الشريف بالفعل ولا يمكنني مخالفة ولي الأمر خصوصًا وهي غرضه، فسكت عن ذلك الخواجا شرف الدين وشرع القاضي محب الدين في ذلك. وفي (٢) يوم الثلاثاء حادي عشر الشهر أمر النوري علي بن أبي الوفاء نائب الحسبة أن يُباع الحب بخمسة محلقة، فخالفه بعض السوقة، فضرب بعضهم وحرسه (٣) فشالوا الحب المليح وباعوا الحب الوطي بالسعر الذي أمر به. فالله تعالى

стр. 318

يصلح الأحوال [فإن الرأس إذا صلح صلح الجسد كله] (١). وفي ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر كانت زفة المولد الشريف، على العادة، من المسجد الحرام إلى محل المولد الشريف بسوق الليل، وأوقدت شموع الحرم ومفرّعاته وجميع فوانيسه وقْدَة حسنة، واجتمع الفقهاء والعامة ومماليك الشريف فيها أمام القاضي محب الدين الشافعي، فكان على يمينه قريبه القاضي الحنبلي المحيوي عبد القادر بن نجم الدين بن ظهيرة وبجانبه عمّه القاضي بدر الدين وعلى يساره الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري، فلم يتخلف عنه من الأكابر إلّا من له عنده غرض، وفي قلبه مرض، فسلم الناس عليه من مصلاه ومصلّى سلفه خلف مقام الحنفية ومشوا أمامه إلى المولد الشريف، فخطب فيه خطبة العادة ودُعي له فيها، بعد سلطان الروم وملك الأمراء بالديار المصرية والسيد بركات وولده الشريف أبي نمي (٢) أصحاب الأقطار الحجازية، بقاضي المسلمين ببلد الله الحرام استقلالا، وقاضي القضاة بها - إن شاء الله - مآلا - وناظر المسجد الحرام، والربط والأوقاف والأيتام. وصلّى في المحراب كعادة أسلافه ثم عاد إلى المسجد الحرام وصلّى العشاء أمام باب الكعبة الشريفة بجانب قبة الفراشين ودعا له الرئيس مع تقدم ذكره بدعاء عظيم مشتمل على وصف كريم، فابتهج السامعون به وقرّت أعينهم بسببه، فالله تعالى يزيده من الخير، ويدفع عنه كل شر وضير، فإنه حقيق بالخيرات، لا سيما على المحاسن العديدات. وفي ليلة الجمعة رابع عشر الشهر عقد الشيخ العلامة الزاهد شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم النشيلي ثم المكي الشافعي بابنته البكر عائشة على الفقيه العالم الأوحد القاضي محب الدين محمد ابن شيخنا العلامة مفيد الطالبين، زين الدين

стр. 319

أيوب بن عبد السلام الأزهري الأصل الشافعي وسط الحجر الشريف وحضره جماعة من المباركين والأعيان، وباشر العقد بنفسه والد الزوجة على خمسين مثقالا مقسّطة في كل عام مثقال واحد (١) فحصلت في العقد حالات مباركة وهي المحل والوقت في الليلة والشهر وحضور الجماعة ووالد الزوج والزوجة وغير ذلك، فالله يجعله مباركا ميمونا. وفي ليلة السبت ثاني تاريخه دخل الزوج بزوجته في منزل والده وهنأه الناس بها، فالله تعالى يؤلف بينهما، ويطرح البركة في نسلهما، بمحمد وآله آمين. وفي عصر يوم الجمعة المذكورة عُملت تهليلة بالمعلاة على قبر محيي الدين عبد القادر المالكي، رحمه الله تعالى، حضرها جماعة من الأعيان والفقراء والإخوان، وأنْشِدَتْ في المجلس مرثية فيه قالها خاله الفقيه العالم الوجيه كمال الدين أبو (٢) البركات محمد ابن الشيخ العلامة مفتي المسلمين خير الدين أبي الخير بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي الشافعي، كان الله له، وكان حاضرا في المجلس، وهي: يعز على بيت الرئاسة والعلم … وأهل المعالي والفضائل والحلم رحيل إمام يُتمَ العلم بعده … وكان له أصل منيع من اليتم (٣) وحلّ بأهل الفضل بعد غيابهم … بطلعته الغراء كاسفة النجم وأصبح عقد الدرس منه معطلا … وكان به تالله واسطة النظم فما المسجد السامي بمكة واجد … نظيرا له فيه يقرّر للعلم ولا المنبر الأسنى يفوز بمثله … عليه إذا يقري الحديث وفى الختم ولا ربعه العالي ومن فيه قاطن … بهم بهجة دون الإضاءة بالرسم

стр. 320

فلا غرو أن أضحت عليه مدامع … تفيض من الأجفان من لوعة تضمي لقد فطر الأكباد داعيه إذ دعا … وأنفذ في الأحشاء سهما لها يدمي وأسهرت الأجفان غمضة طرفه … وحل بها في الظهر قاصمة العظم فيالك من خطب سطوتَ على الذي … تفرَّدَ في حوز الفضائل والفهم فمن بعده للمشكلات وحلّها … أصولًا وتفريعًا وللألغاز في النظم (١) وواحسرتي أين المحاسن تلتقي … وصحبته سارت إلى اللحد بالرغم لقد عزّ وجدان التصبُّر والأسى … عليه مذيب للعظام وللّحم عليه بكت أم القرى وجهاتها … وسكانها لا بالتصنع والرغم بكاء على الجدين أثر وقعه … وعارضه المعتاد من ناظري يهمي فوا أسفي أدري المدافع وهي لا … تفيد إيانا للذي جدّ في العزم ولا حيلة للمرء في دفع ما قضى … عليه به الرحمن في سابق العلم فبالمصطفى المختار أوفى تأسيا … لأصليه فيما حلَّ من واقع الحكم وآجرهما فيه وللأهل كلهم … وأعظمه يا ذا الفضل من فيصل الحلم وصِنويه أيضا ثم يا رب حُطهما … بفاتحة القرآن واحفظهما واحم وأوسع لمحيي الدين يا رب نزله … وبالعفو والتكريم إلقه وبالحلم (٢) وأسكنه في جناتك الخلد منزلا … عليّا ومن رحماك وفيه في القسم وأزكى صلاة مع سلام مجدد … على سيّد الرسل الكرام أولي العزم محمد الهادي ثم حُماته … مع الآل والأصحاب من قائل النظم وفي يوم الأحد سادس عشر الشهر وصلت لمكة أوراق من جدة فيها الإخبار أنّ معلم الدلالين علي العباسي وصل إلى بندر ينبع وتوجّه لزيارة المدينة الشريفة

стр. 321

وأخبر أنه ولي وظيفته على عادته وأنّ القاضي زين الدين المحتسب ولي الحسبة والنظر بجدة على عادته وفارقه من السويس، وكذا الخواجا أبو البقاء السكري صهر القاضي تاج الدين المالكي، وهو الذي سعى له في قضاء المالكية بمكة. وأشيع أنه ولي شاه بندر جدة وأخذ قضاء المالكية لصهره ففرح لذلك جماعة كثيرون واغتم المتولي لذلك، فالله تعالى يريح المسلمين منه ومن أفعاله. ويقال إن شخصا وصل لمكة بحرا وأخبر بموت شيخ الإسلام زكريا، وقد جاوز عمره المائة، في رابع ذي الحجة عام ست وعشرين (٩٢٦ هـ) (١). وفي ليلة الثلاثاء ثامن عشر الشهر وصلت أوراق من فريق الشريف الجماعة من التجار فيها الإخبار بوصول المركب الفتحي من كنبايه ونزل منه جماعة قريب الليث وذكروا أنّ خلفهم سبعة مراكب، ثلاثة من كنبايه وأربعة من الديو. فتباشر التجّار بذلك، فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين، ويُسمعنا ما يسرّ، ويدفع عنّا ما يضرّ، بمحمد وآله آمين. وفي يوم الجمعة حادي عشري الشهر وصل لمكة قاصد للسيد بركات صاحب مكة يقال له مُسَلَّم بعدّة مراسيم ولشاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة علي بن حمزة الحلبي ثلاثة مراسيم أحدها فيه الإخبار بهزيمة نائب الشام جان بردي الغزالي من حلب بعد محاصرة أهلها ثلاثة عشر يوما ورميه مدافع عليهم فأحرق باب المقام، ثم بلغه وصول علي بن سوار في عشرين ألف نفر وبعدد كثير من العساكر الرومية نحو سبعين ألفا عليهم أربع باشات هم فرحات باشا والياس باشا وخسرو باشا وغيرهم وتوجّه إلى جهة الشام وقصدنا ملاقاته بها مع العساكر الواصلة إليه. وثانيها أمره بمساعدة نائب جدة في بناء البرج الشامي بها

стр. 322

وكذا باب البَرّ منها. وثالثها الوصية بالخواجا أبي البقاء السكري المتولي عوضه شاه بندر جدة. ووصلت للناس عدة أوراق فيها أن ملك الأمراء نائب الديار المصرية أشيع بعصيان نائب الشام أرسل له قاصدا إلى حلب اسمه فرحات لنائبها فرحات باشا الرومي يأمره بحفظ البلد وكذا الأمير علي بن سوار. ففعلوا ما أمرَهم به قبل وصول نائب الشام لهم، وأن بعض الجراكسة الذين (١) بمصر كثُر كلامه فقُتل وكذا غيرهم من الأعوان، ونودي في الشوارع بعدم الكلام فيما لا يفيد، واضطربت مصر لذلك وغليت الأسعار، فالله تعالى يُرخّصها على المسلمين. وفي يوم السبت ثاني تاريخه سافرت قافلة المدينة الشريفة وكبيرها شخص يسمى الخواجا عبد القادر القاري وفيها الكمالي أبو الفضل العُليف وأختاه وزوجة والده، كتب الله سلامتهم وتقبّل مجاورتهم. وفي هذه الجمعة نودي بالزينة لأخذ جان بردي الغزالي فزينت أسواق مكة ففُعلت، وعبث أتراك الشريف بالمارة فيها وتجاهروا بالمعاصي وتعدّى الضرر في الشوارع، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. وفي صبح يوم الثلاثاء خامس عشري الشهر وصل قاصد من نائب جدة الرومي لأخذ السفرة التي لنائب الشام جان بردي الغزالي المودعة في بيت الخواجا عباس، فاجتمع شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن [شيخ] (٢) الدهشة والقضاة الأربعة بالمسجد الحرام وطلبوا البدري محمد أخا (٣) عباس وسألوه عنها فقال لهم: في حاصل عليها ختم أمير الشامي، فتهدّدوه بكلمات انزعج لها مع ضعفه، ثم توجهوا معه إلى المنزل وفتحوا الحاصل وأخذوا ما فيه من الصناديق

стр. 323

المرجان والزبرجد (١) وغير ذلك مما يأتي قدّره أزّيد من عشرين ألف دينار وأرسلوها لجدة، ووضعوا أخا (٢) عباس في الحديد طول النهار ثم أطلقوه بعد المغرب وأخذوا (٣) منه عشرة أشرفية ترسيمًا للقاصد الواصل من جدة، ونُسب هذا الفعل لشاه بندر جدة، وعند الله تجتمع الخصوم. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه اتفقت قضية للرئيس في بحر الإسكندرية نور الدين علي المغربي وكيل ملك الأمراء بالديار المصرية مع قاضي القضاة بديع الزمان الضياء الحنفي وهي أنّ الرئيس طلب ثبوت محضر كتبه علي في مال غرق ومشاهدة ذلك بشهوده عليه، فتوقف في ذلك وأثبته على القاضي الحنبلي محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة، فسأله القاضي بديع عن سبب ثبوته على غيره فقال له: شاهدك قال إنه يطلب مني خمسة أشرفية، فكذّبه القاضي، فرد عليه تكذيبه، فاغتاظ منه القاضي وقام من مجلسه في المسجد وتوجّه إلى حاشية المطاف عند شاه بندر جدة الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة الحلبي وحكى له سبّه له، فطلبه وسأله عن القضية فوقع بينهما كلمات أدت إلى أن القاضي أمر بكشف رأسه ورفع عمامته تعزيرا له فيما فعله معه، والمغربي يظن أنّ ذلك للصلح، فتوجّه المغربي وقال له (٤) بعض المغرضين عند القاضي: إنه عزرك بذلك، فقام وقعد وتكلم بكلمات من التهديد وشكواه لنائب الديار المصرية، فسمع القاضي بذلك وعرف مقامه فتشوش من ذلك وصار يظهر التجلّد وتكلم مع شاه بندر جدة في مصالحته فلم يصغ المغربي لذلك وسافر في جمعة تاريخه إلى جدة، فالله تعالى يقدّر للمسلمين خيرًا. وفي يوم تاريخه وصلت قافلة المدينة الشريفة، وأخْبِر بوصول المركب المسماري

стр. 324

إلى الينبع وفيه قمح الصدقة إليها وفيه حَب كثير، فالله تعالى يرخّص أسعار المسلمين. وفي جمعة تاريخه طلع سعر المساعيد الفينق (١) إلى ثمانين بمحلق وتضرّر الناس بذلك لكثرتهم وبخسهم. وفيها شرع الخواجا الكبير بيري الرومي في عمارة بركتي الحاج اللتين (٢) بالمعلاة وصرف عليهما مالا جزيلا من عنده واشترى نورة فنوّر جدرانَها وسفلها واستمر الشغل في البركة الأولى مدة. وفي ليلة الأربعاء سادس عشري الشهر وصل إلى مكة زيت الحرم الشريف المكي، وكان وصل بحرا في المركب المسماري إلى ينبع وأرسِل في جلبة إلى جدة، وعادته يصل مع الحاج صحبة الشمع والبطائن التي لأكفان الأموات، فتسلّمه القاضي الشافعي محب الدين بن ظهيرة ووضعه في حاصل الحرم بباب الدريبة وضبطه مع القباني فجاء وزنه ألفا وستمائة واثنين وثمانين رطلا (٣)، وحمل شمعه وزنَتُه ثلاثمائة وثلاثة وثمانون رطلا، وستون بطانة لأكفان الأموات. وابتهج القاضي بوصوله وعد ذلك من سعدة. شهر ربيع الثاني استهل كاملا في ليلة الإثنين من سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) وفي أوله تباشر الناس بدخول المراكب الهندية إلى بندر جدة المعمورة، فدخلها في أوله الفتحي من الديو ثم التركي من كنباية ثم البروجي ثم بركات الحلبي منها

стр. 325

وتتابعت البقية كذلك. وأشيع في آخر الشهر أنّ مراكب كنباية رجعت إلى محلها بخبر الفرنج وغير ذلك. وفي يوم الخميس رابع الشهر ظهرت سكة المساعيد والفلوس وصُرف كل محلق من المساعيد بثمانية ومن الفلوس بأربعة وعشرين. وزفت في معاشر على رؤوس الجمال بالطبل والزمر وداروا بها شوارع مكة فانفرج المسلمون (١) بها واستراحوا من الربا في صرف المحلقة بالمساعيد لزيادتها، ووصلت في صرف المساعيد العتيقة إلى ثمانين مسعوديا كلّ محلق وهي تتطاير بأدنى شيء من الكف. وكتب على المساعيد الجدد والفلوس اسم الشريف أبى (٢) نمى صاحب مكة وكان فعل ذلك بسبب كلام قطب الآفاق الشيخ محمد بن عراق مع الشريف صاحب مكة وغيره من أرباب الدولة. ثم تُركت المساعيد وتعامل الناس بالفلوس، واستراح أهل مكة من الربا المنحوس، وذلك ببركة الشيخ ابن عراق، نفع الله به في جميع الآفاق. وفي يوم الثلاثاء تاسع الشهر وصلت أوراق من جدة أرسلها جماعة من الهند في المراكب الواصلة في شهر تاريخه مضمونها الإخبار بتحرّك الكفار المخذولين المقيمين في أعمال الهرموز من الهند على سلطان المسلمين بكنبايه مظفر شاه، نصره الله تعالى، وأنهم ساروا إليه في عشرين ألف نفر، وقيل مائة ألف، ودخلوا إلى بعض بلدانه فجهّز لهم عسكرا مرة بعد أخرى فيعودون إليه بمنعة منهم، فاستنجد بسلطان دلي محمود فوعده بالمسير إليه، فالله تعالى ينصر عساكر المسلمين، ويخذل الكفرة والملحدين.

стр. 326

وفيها وفاة السيد العلامة المعتقد صفي الدين محمد بن .... (١) الحسني الإيجي في شهر رجب من السنة الماضية، وخالي الشيخ محمد المعمر المسند شرف الدين أبو القاسم ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر بن فهد الهاشمي المكي في التاريخ المذكور، وعُملت ربعة السيدة بديعة على ولدها السيد صفي الدين وصُلّي عليه في ظهر يوم الجمعة ثاني عشر الشهر ونادى له الرئيس فوق ظلة زمزم بألقاب كثيرة ذكر فيها كرامات أسلافه وهى على الألسنة شهيرة. وفي ليلة الأحد رابع عشر الشهر بكى الأخوات على خالنا وعَزّانا الناس فيه وصُليّ عليه صلاة الغائب في ظهر يوم الجمعة تاسع عشر الشهر ونادى له الرئيس فوق ظلة زمزم صورته: "الصلاة على العبد الفقير إلى الله تعالى الشيخ العلامة الإمام الهمام خادم سُنّة سيّد المرسلين، خاتمة المحدثين بقية السلف الصالحين، محمد أبي القاسم شرف الدين بن فهد الهاشمي المكي الشافعي، رحمه الله تعالى في غُربته، وأناله الجنان بشهادته الصلاة". وفي ضحى يوم الإثنين خامس عشر الشهر وَلدت زوجة قاضي القضاة بديع الزمان بن الضياء الحنفي جوهرة شقيقة القاضي جمال الدين محمد بن يعقوب المالكي أم أولاده بنتين توأمين في بطن واحد، فتشوّش والدهما بذلك وقصّده الناس بالتهنئة بهما فلم يُعجبه ذلك. وفي يوم تاريخه دخلت الخماسين وكثر مرض الحصبة في أهل مكة، يمرض كل واحد أسبوعًا ثم يُشفى، وغالب ذلك من الصغار، ومرض فيه ابنتاي فشفاهما الله تعالى، ولله الحمد. وفي يوم الإثنين ثاني تاريخه أرسل نائب جدة الرومي قاصدًا لمكة لطلب البُناة والسقائين منها لعمارة البُرج الشامي في بندر جدة فجمعهم الحاكم بها القائد مبارك

стр. 327

ابن بدر وأرسلهم إليه مكرهين امتثالا لأمر (١) ملك الأمراء نائب الديار المصرية في المراسيم الماضي ذكرها في الشهر الذي قبله. وفي ضحى يوم الأربعاء سابع عشر الشهر عُمِلتْ وليمة عظيمة في المدرسة الباسطية للعزاء في السيد صفي الدين محمد الإيجي على قاعدة العجم، عملها أقاربه من أرز وأطعمة وحلوى ورقاق من غير خبز، حضرها القضاة الأربعة وخلق من الأعيان وغيرهم وجلس القضاة الثلاثة على يمين الشافعي المستقل من صاحب مكة القاضي محب الدين بن ظهيرة حاجبين للحنفي وجماعته على يساره وبقية الناس على مراتبهم. وفي ظهر يوم الجمعة صُلّي صلاة الغائب على خالنا بالمسجد الحرام كما تقدم ذكره قريبًا. وفي صبح يوم الثلاثاء ثالث عشري الشهر مات النوري علي بن محمد بن مهدي الصائغ فجهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة، وخلّف ولدا ذكرا وزوجة. وفي يوم تاريخه قبض الحاكم بمكة على أهل السوق من الصيارف والجبّانين والسمّانين وغيرهم وضرب كثيرًا منهم وتهدّدهم بكلمات كثيرة للزيادة في صرف المساعيد الجدد إلى اثني عشر مسعوديا كل محلق بعد أن فعل بثمانية، وقال لهم: هذه مخالفة لصاحب البلاد، فخدموه بمال وطلّعوا الأسعار في ثاني تاريخه بعد نزولها. ثم قدّر الله تعالى في هذه الجمعة إشاعة وصول مركبين من الهند أحدهما يقال له البَروَجي، من بَرْوَج (٢) ويُقال فيه صدقة أرز من أميرها خير الدين، وبعض قماش من الملك إياس نائب السلطان مظفر، ولم يتحقق ذلك، وثانيهما مركب بركات

стр. 328

الحلبي من الديو. وأرسل ناخوذة ثانيهما عدة أوراق إلى مكة فيها الأخبار المكدرة التي استسمجها السامعون لها خصوصا وهي غير مقبولة، ومنها أن مراكب الشاهي والمحمدي والمظفري خرجوا قبله من بندر كنبايه فلاقوا الفرنج المخذولين في طريقهم قريب البندر فرجعوا إليه لذلك، وبعضهم حصل له فتح في جانِبه، وتعجّب الناس لإخباره بذلك لعدم مشاهدته لهم أو ملاقاة مَن يُخبره عنهم وبعضهم ذكر أن هذه إشاعة لتحسين البضائع التي معه، فالله تعالى يلطف ويُقدّر للمسلمين خيرا. وفيها أنّ خمسة جلاب وصلت من اليمن وزيلع والقصير فيها حب كثير، ففرح الناس به ونزل السعر في مكة فبيعت الربعية الحنطة والدخن بثلاثة محلقة والذرة بمحلقين ونصف. وجاء جماعة من الشرق أخبروا بمطر تلك الناحية وحصول السيل فيها مرة بعد أخرى، وأنّ قافلة خرجت من بَجيلة (١) فيها جماعة من الأعراب معهم حبّ وزبيب فخرج عليهم عرب عتيبة ونهبوهم وقتلوا منهم شخصا مصريا في محل يُقال له الحجر قرب الطائف. فبلغ ذلك صاحب مكة السيد بركات في ناحية اليمن فدخل مكة على نية التوجه الشرق لأجل المرعى في ضحى يوم الجمعة سادس عشري الشهر، فهرع القضاة والأعيان للسلام عليه وشكا إليه أهل القافلة العرب الذين أخذوهم، فوعدهم بنصرهم وأخذ ثأرهم وردّ ما أخذ لهم، فدعوا له وانصرفوا. وفي عصر تاريخه عقد القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري بابنته الكبيرة .. (٢) على الإمام زين الدين أبي الفوز بن محمد الخجُنْدي المدني الحنفي

стр. 329

وذلك بالمسجد الحرام وحضره بعض جماعة اتفاقا. وكان خطبها منه فتوقّف معه مدة ثم أنعم عليه وشرط عليه الدخول في أول السنة الآتية، وانتقِد على الزوج مصاهرته، فالله تعالى يُعينه عليه لسوء معاملته. وفي عصر يوم السبت ثاني تاريخه ركب الشريف بركات صاحب مكة وتوجّه لعزاء القاضي الشافعي محب الدين بن ظهيرة في عمّه القاضي صلاح الدين وجلس عنده قليلًا وجابَرَه بكلمات كثيرة ثم توجّه لعمّته السيدة سعادة ابنة القاضي أبي السعود بن ظهيرة فعزاها أيضا وعاد لمنزله. وفي يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر مات القائد بدر الدين حسن بن عبد الكريم بن شكر الحسني الناظر على أوقاف جده بالمسفلة وأوقافه، وكان كفّ نظره مع كثرة كلامه وإيصاله لمراده، فوجع زمنا طويلًا، فجهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة في تربة سلفه، رحمه الله تعالى وعفا عنه آمين، وخلّف ولدين ذكرين عبد الله ومحمد وكلاهما رجلان وحالهما أصلح من أبيهما. شهر جماد الأول استهل ناقصا بالثلاثاء من سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) وكان صاحب مكة الشريف أبو نمي ووالده السيد بركات الحسنيان مقيمين بها. وفي صبح تاريخه توجّه القضاة والأعيان للسلام عليهما في منزلهما، فشكي القاضي الحنبلى محيي الدين عبد القادر بن ظهيرة من قاضي المالكية الزيني عبد الحق النويري وأطلع الشريف على بعض أحواله وولده وارتكابهما لأمور محرّمة، فقال له الشريف: أما ولده فشابّ، وكل أحد له صبوة، فبلغ المالكي وابنه ذلك فأرسلا إلى الحنبلي يسبّانه وبالغ الولد في ذلك لجيرانه على عادته، وقد قال فيه بعض الشعراء يشكوه للشريف ويُعرفه بحاله.

стр. 330

قل للشريف أبي زهير والذي … حفظ الأنام بعدله وأمانه إن كنت قد أمّنتنا في مكة … من طارق يسطو بحدّ حسامه فانظر لعبد الحق خلف نجله … نهب الأنام بزوره وحرامه ولأنت يا بركات تُسأل في غد … عنه فعجّل بانقضا أيامه وتشوش الحنبلي منهما وأراد شكواهما للشريف، وكان توجه في عصر تاريخه إلى منى وزار بها سيدي الشيخ العارف بالله تعالى محمد بن عراق، نفع الله به، وبات بها إلى الصباح وتوجّه إلى الصيد فمسك فيه غزالين وأرسلهما للشيخ ابن عراق، فأعطى الشيخ أحدهما لشيخ رباط الموفق الشيخ محمد الحطاب المالكي وثانيهما لأهل رباط المغاربة، ولم يأكل منهما شيئًا. وفي صبح يوم الأربعاء ثاني الشهر المذكور سمعتُ، وابنتي سيّدة الكل حاضرة في الثالثة، على الشيخ العلامة سراج الدين عمر بن أبي السعود بن ظهيرة القرشي المكي كان الله له، المسلسل بالأولية بقراءتي وجزأي التطا (١) والغضائري (٢) بقراءة الشيخ زين الدين عمر بن [الشماع] (٣) الحلبي. وفي صبح يوم الخميس ثاني تاريخه اجتمع القاضيان المالكي والحنبلي عند صاحب مكة السيد بركات بن محمد الحسني وكان عنده القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة وغالب إخوانه وخلق من أتباعه فشكا الحنبلي من المالكي بعد أن تغدى الشريف وخرج المالكي لغسل يديه فأمر الشريف بندائه فطُلِب وجاء بين يديه والحنبلي على يسار الشافعي فأعاد الحنبلي الشكوى منه وذكر قبائحه من ارتكاب المحرمات من الاجتماع بالمُرْد وشرب الخمر، وأكل الحشيش، وحلف برأس الشريف

стр. 331

أنه جاء للسلام عليه في أول الشهر وهو سكران، وبالغ في الحط عليه وقال لولا حرمتك لأخذتُ حقي بيدي من ضربه ورمي عمامته. فقال له المالكي: أنت مُرَاق الدم وقبائحك وصلت إلى الروم لفعلك في ابنتك، فقال له: هذا الكلام لا يقوله إلّا مفتر (١) مثلك، فضحك الحاضرون عليهما خصوصًا الشريف وإخوانه بل قال بعضهم: إيش تركوا للعامة، ومثلهم لا يصلح للقضاء، ولم يخاطبهم أحد منهم. فلمّا طال الكلام طلب المالكي الشيخ عفيف الدين عبد الله الرومي لكونه سأله في مساعدته عند الشريف في المرسوم الذي وصل صحبته من الروم لأجل مسامحته فيما فعل له من الفوت وترك معشره له وكان حاضرًا في المجلس فقام وقعد بجانبه أمام الشريف، فلما رآه قال: هذا الذي شكاني عند الخنكار، فأجابه بالإنكار فسبّه وتهدده بالقتل وغيره فثبت في جوابه وقال له: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) أي تثبتوا، فقال له الشريف: أنا ظلمتك، فأجابه بقوله: نعم لأن نسبة (٣) هذا القول إلي وأنا بريء منه لكني لما كنت في الروم وقعت القصة بالشكوى من صهرك الشريف عرار بن عجل ووزيرك بجدة محمد بن راجح والقاضي الشافعي صلاح الدين بن ظهيرة ونائب جدة قاسم الشرواني فساعدت وأعيد (٤) في إبطالها لكوني ساكن في بلدك. فاستشهد الشريف بالمالكي فشهد (٥) أنه سمع ذلك بمصر، فتشوش منه وأمر بعض إخوان الشريف بالاستغفار، وقال: لا يستغفر إلّا مذنب، فأعجب ذلك جميع الحاضرين (٦) فأمره الشريف بالانصراف

стр. 332

ولزوم بيته وعدم مداخلته لأحد، فقام القضاة وهو معهم فكثرت القالات في ذلك وشَمَت كثير من الناس لما حصل للمالكي ما حصل، والله در القائل حيث قال: أمور يضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب وغير ذلك مما يناسبه. وفي ضحى يوم الخميس المذكور ذبح شخص نفسه هرموزي كان خادمًا عند وزيرها فاتهمه بسرقة مال وتهدده بالضرب فذبح نفسه واطلع عليه سيده فرمي (١) بنفسه من محل عال وهرب منه إلى المسجد الحرام فبلغه وسأله بحضرة جماعة عن من ذبحه فاعترف بفعل ذلك بنفسه فحمله إلى منزله وقطب (٢) له رقبته فمكث إلى بعض الظهر ثم مات فجهّز في عصر يومه وصُلّي عليه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة، واختلفت الأقوال فيه ويقال إنّه آخى سيّده في بلاده، فالله تعالى يعفو عنه ويسامحه. وفى ظهر يوم الجمعة رابع الشهر تكلّم الشريف بركات صاحب مكة على الزيني جعفر بن عبد القوي وأقامه من مجلسه بغلظة في حضرة الناس وقت صلاة الجمعة في المسجد الحرام وذلك بسبب شكواه للشيخ عبد المعطي الفُوي صهر الشيخ عبد الكبير الحضرمي وملازمته للشريف في طلب أوراق تحت يده ينازعه بها من جهة بيوت الأشرف الغوري التي كان متكلما عليها في جهة باب إبراهيم من المسجد الحرام. وأنكر عليه ذلك لملازمته للشريف في غير كبير فائدة وما لا يجدي خصوصا مع تقرب خصمه منه واعتقاده له وكذا غيره ممن قرره، فسبحان قاسم العقول. وفي عصر تاريخه توجّه الشريف بركات، نصره الله تعالى، إلى وادي جدة

стр. 333

للكشف على نخيله بها فلاقاه مباشرو (١) جدة فيها فأمرهم (٢) بالتوجّه إلى مكة حتى يعود إليهم بعد كشفه على نخله بوادي مر الظهران وجميع الأودية التي بها وبوادي واسط هدة بني جابر فقام (٣) عن مكة ثلاثة أيام وعاد إليها في ظهر يوم الإثنين سابع الشهر ودخل إلى منزله ولم يجتمع به في يومه إلّا القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة والقاضي نسيم الدين المرشدي الحنفي ومنع بقية القضاة. وفي ثاني تاريخه واجه بقية القضاة مع مباشري جدة والخواجا بركات الحلبي صاحب المركب الواصل من الهند وقدم له ولولده الشريف أبي نمي وزوجته الشريفة أم الكامل ابنة عجل هدية حسنة من القماش والعود والمربيات والسرر (٤) وغير ذلك من التحف (٥) مما يقال مقدّرا خمسمائة دينار. ثم طلب الشريف منه هدية لزوجته الشريفة غنية (٦) أم الشريف أبي نمي فقدّم لها هدية وحدها. وكتب المباشرون (٧) بجدة عن محصولها في سنته وبحضور الشريف وسعى عنده الشهابي أحمد المريسي في وزرها، ويقال إنه قدم للشريف ثلاثة آلاف دينار (٨) حالة وأربعة آلاف مقسّطة في كل ثلاثة أشهر ألف واحدة. وفي صبح يوم الثلاثاء ثامن الشهر دخل السّيد الشريف إلى المطاف، ودّع الكعبة الشريفة وخرج من باب حزورة، ووادَعَهُ القضاة والأعيان، وتوجّه إلى علو مكة بقصد السفر إلى بلد الشرق ونزل في بستان نائب جدة جان بك الأشرفي وأقام

стр. 334

به إلى عصر ثاني تاريخه إلى أن تكامل عسكره عنده، ثم رحل وخلع على الشهابي المريسي هناك وولّاه وزر جدة والتكلم على المباشرين بها عوض الشرفي يحيى بن سبيع بن راجح ابن أخي الجمالي محمد المتولي، وكان سلّم للشريف في الوظيفة المذكورة من مدة سنتين خمسة آلاف، واستلف له من التجار مثلها فدخل على الشريفة أم الكامل ابنة عجل زوجة الشريف بركات في ردّ الخمسة التي استلفها من التجار فأحاله الشريف على المتولي الشهابي المريسي وحمل التجار هَمّ ولايته لظلمه وعدم مراعاته لهم، فالله تعالى يعين عليه ويلطف بالمسلمين فيما صار إليه. وفي عصر يوم الثلاثاء المذكور وُلد الولد المبارك جمال الدين محمد ابن سيدي الشيخ القدوة المعتقد العارف بالله ناصر الدين محمد بن عراق الدمشقي نزيل مكة - نفع الله به - وكان والده مقيما في منى، فجاء إلى مكة وأقام بها إلى كمال سابعه فأولم له، ثم عاد إليها، وحصلت للناس بركته في مدة إقامته بمكة ووقع فيها مطر. وفي هذا التاريخ سقط السيد بركات بن محمد من راحلته جهة الشرق، وعمل مُوَرِّيًا (١) الفقيه شهاب الدين أحمد بن مخراق البصري الشافعي أبياتًا (٢) ضمّنَها وقعته من راحلته وأنشدها له وكتبتُها منه وهي … (٣). وفي ليلة الخميس سابع (٤) عشر الشهر دخل السراجي عمر ابن الشيخ عبد الكبير الحضرمي المكي على ابنة عمّه الشيخ أبي الفتح بن .... (٥) فهنّأه الناس بها في

стр. 335

منزلها بالمدعى. وفي آخر هذه الجمعة وجع والد الزوج بالزيادة فأخرج دمًا كثيرًا من حلقه، ففرج الله عنه ثم شفي بحمد الله بعد نصف شهر. وفي يوم الأربعاء سادس عشر الشهر وصل إلى مكة قاصد من نائب جدة الرومي بأوراق منه وأوراق وصلت في البحر من اليمن أرسلها حاكمها الآن كمال الرومي مقدم الأروام بها لقضاة الشرع الأربعة بمكة ولسلطانها وشاه بندرها، ويقال للشافعي والحنفي. مضمونها الإخبار بقتله لأمير زبيد إسكندر الجاركسي في أواخر ربيع الآخر لظلمه وخروجه عن طاعة الخنكار سليمان خان ابن السلطان سليم شاه ابن عثمان ودعائه لنفسه في الخطب ومنعه لسفر الجلاب إلى جدة، وأنه أمر بجهازها إليها بالأقوات على العادة، وسؤالهم في الكتابة له لملك الأمراء (١) نائب الديار المصرية في الشكر منه وإبقائه على حاله متكلمًا على اليمن وإرسال ذلك إلى الخنكار في الروم. وطلب نائب جدة جواب كتبه من القضاة له ولملك الأمراء وأخبرهم أنه جهّز زعيمة للسفر إلى القاهرة وهو ينتظر الأجوبة له. وفي ظهر تاريخه مات الشاب السعيد الأصيل زين الدين عبد الغني بن محمد بن محمد بن سليمان بن داود الجزولي المغربي الأصل المكي، وهو طيّب وبرز في أول نهاره فكان يعتريه ضيق النفس فتحرك عليه ومات به، فجهّز في عصره وصُلّي عليه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة في تربة جَدّه، نفع الله به ورحمه، وخلّف أخا غائبا في الهند، وأخته زينب بمكة، رحمه الله تعالى. وفي هذه الجمعة أشيع بمكة وصول جلاب بجدة من اليمن فيها حب فرخص السعر بها وبجدة وبيعتْ الربعية المصرية بمحلقين ونصف والذرة بدون ذلك والدّخن بزيادة ربع محلق والنخلية بثلاثة محلّقة، فتباشر الناس برخص الأسعار خصوصًا وبذكر

стр. 336

جلاب واصلة من القصير، فالله تعالى يحقّق ذلك ويديم الخير على المسلمين. وفي صبح يوم السبت تاسع عشر الشهر طلب السيد محمد بن علي الآمدي العجمي شاه بندر جدة - كان - مباشره أحمد بن الحجازي المصري إلى عند قاضي القضاة الحنفي بديع الزمان بن الضياء بالمسجد الحرام، وحضرهم الخواجا بيري الرومي والحاكم مبارك بن بدر فادعى عليه بعشرة آلاف دينار فأنكرها خصمه فتكلّم عليه الحاضرون في ذلك بتكلم بالحق فادعى عليه ثانيا بثلاثة آلاف دينار أو دونها فأقرّ بأنها كانت عنده ودفعها له على نقدات بأيدي جماعة أحالهم عليه بوصولٍ بخطه فأنكرها، فقال الخواجا بيري: كلاكما كاذب، فقال المباشر: يحلف لي على ذلك وإن كان بيّنة أحضرتها، فتشوش منه شاه بندر وقام في المجلس ضربه بيده ورجله ضربا مؤلما، فاغتاظ الحاكم من فعله وقام من المجلس وقال: لو كان هذا في مجلسي قطعتُ يد الضارب. فانفض المجلس بعده على غير شيء، وأنكر الناس ذلك على القاضي لعدم كلامه على … (١) وسطوته على مجلس الشرع بحضرته، فلا قوة إلّا بالله. وفي ضحى يوم الأحد ثاني تاريخه اتفقت قضية أشنع من هذه فَعَلها القاضي المالكي عبد الحق النويري، وهي أنه طلب الفقيه الأصيل عباس ابن القاضي أبي المحاسن ابن قاضي القضاة أبي القاسم بن الضياء الحنفي في شهادة ليس لها أصل ووعده بدفع عشرة أشرفية إذا شهد بها الجليسه وأجد عُشَرائه الخواجا إبراهيم ابن الشيخ علي الشامي، فامتنع من فِعلها مع الشاهد الثاني فطلب القاضي المالكي الزيني عبده ابن القاضي نور الدين بن ناصر الشافعي وقال له: اكتب المستند بشهادة عباس ومحمد القرشي عندي، فبلغ ذلك عباس فتكلم على الورق، فقال له: لم أشهد بها ولا أعرف الخصم الذي يريد المالكي يثبت الحق عليه، فبلغ المالكي ذلك فأرسل إليه

стр. 337

يطلبه فامتنع من التوجّه إليه، فأرسل له قاصدين من صبيان الحاكم مبارك بن بدر ولم يخبرهما بحقيقة حاله، فطلباه إلى الحاكم فتوجّه معهما ومروا به على بيت المالكي ودخلا به إليه فمسكه بيده ولبب (١) له وسَبّه، وأراد عباس البطش به فما مكّنه صبيان الحاكم منه، فأمرهما المالكي بالتوجّه به إلى الحاكم فتوجّه إليه وحكى تزوير المالكي فتشوش من ذلك وأمر بإطلاقه. [وله أفعال قبيحة وتزويرات أعظم من هذه] (٢). وسمع قريبه القاضي الحنفي بالقضية فأرسل إلى الحاكم يطلب منه دفع القضية إليه لكونه قريبه فقال الحاكم: هذا مظلوم، والله در بعض الشعراء حيث قال: كنَّا نَفرّ من الولا … ة الجائرين إلى القضاة فالآن نحن نفرّ من … جور القضاة إلى الولاة وفي أثناء ليلة الجمعة خامس عشري الشهر وصل ساع (٣) من قاضي جدة الجمالي محمد بن ظهيرة إلى مُستَنيبه قاضي القضاة الشافعي بمكة المحبي بن ظهيرة يخبره بوصول قاصده من مصر بالولاية له ووصل معه مراسيمه من ملك الأمراء بالديار المصرية، فبشّر بذلك وكذا محبيه واغتم أعاديه له لكونه سادهُم يصغر سِنّه، فالله تعالى يزيده من الخير، ويدفع عنه كل شر وضير. وفي صباح تاريخه توجّه الأعيان من الفقهاء وغيرهم للسلام وسُرّ غالب الناس بولايته لعقله ودينه، زاده الله من ذلك. وفي عصر يوم السبت ثاني تاريخه وصل القاصد من جدة وصحْبَته شاووش من الدولة يقال له شجاع ورفقته ثلاثة مراسيم له أحدها مطلق لكل واقف عليه وثانيها للشريف وثالثها توقيع، وفيها الثناء عليه وإجابة الشريف لما سأله فيه من

стр. 338

الولاية وأن خلعته واصلة في البحر صحبة شاه بندر جدة الخواجا أبي البقاء السكري المتولي لها عام تاريخه. وكتب بعض أركان الدولة أن مَنْ لاحظتْه عناية السيد بركات فهو في أعلى الدرجات. ووصل مع القاصد عدة مراسيم للشريف ولنائب جدة وشاه بندرها المفصول وذكر فيها النصرة على نائب الشام جان بردي الغزالي وقتله بعد محاربته مرتين في .... (١) ويقال إن الشام نُهبت يومًا واحدا ووصل لها نائب رومي يقال له فرحات باشا، وتوجّه إلى مصر لملاقاة نائبها المقرّ الكافلي خائر بك فخلع عليه خلعتين وعاد لمحلّ ولايته وصحْبته الأمير سلمان قبطان البحر وغير ذلك من النواب. وفي ليلة السبت المذكور ماتت .... (٢) ابنة الجمالي محمد ابن الشيخ أبي الفتح بن بركات ابن الشيخ الكبير عبد الكبير الحضرمي زوجة الشيخ جمال الدين محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير الشافعي وكان تزوّج بها في العام الماضي بعد زوجته أم ولده، فجهّزت في ليلتها وصُلّي عليها بعد صلاة العصر ودفنت في الشبيكة بتربة جّدّها، رحمها الله. وفي ظهر يوم الإثنين ثامن عشري الشهر سافر القاصد والشاووش إلى جهة السيد الشريف بركات صاحب الحجاز في الشرق بمراسيمه. وفي ثاني تاريخه سافر الوزيران بمكة والحجاز الجمالي محمد والكمالي أبو الفضل ابنا البرهاني إبراهيم بن علي المكيّان الشهيران بأبي علي لمواجهة الشريف ومصالحهما بالحجاز.

стр. 339

شهر جماد الثاني استهل ناقصًا بالأربعاء من سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) وفي مغربها هرع غالب الفقهاء للسلام على قاضي القضاة الشافعي الجديد المحبي بن ظهيرة في مصلى سلّفه خلف مقام الحنفي، ومشوا معه إلى باب السويقة وسلموا عليه وعادوا كعادة، أسلافه، وكان عمّه تركها مدة سنين لوجعه، فالله تعالى يجعله شهرا مباركا على جميع المسلمين ويديم النفع بقاضيها على مرّ السنين. وفي عشاء ليلة تاريخه مات الشيخ الصالح المعتقد زين الدين عبد الكبير الأنصاري الحضرمي الأصل المكي بعد وجعه عشرين يومًا بالزيادة واستقلاله (١) في أثناء ذلك، فجُهّز في ليلته وصلّى عليه القاضي الشافعي بعد صلاة الصبح وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم، وحُملِت جنازته على الرؤوس ودفن في تربة جده ووالده في قبر استجده وعمارة محل أوصله بتربة جده ومنزل .... (٢) كان مهتمًا (٣) به قبل وجعه وزواج ابنه، فتمّ له ذلك قبل توعّكه وكان يقول: كان في خاطري زواج الولد عمر وعمارة التربة على الصفة التي فعلتُها، فحقق الله له ذلك ببركته وبركة سلفه، وعدّ ذلك بعض الناس كشفا له بموته عقب فعل ذلك بسرعة خصوصا وقد اهتم بفعل ذلك مدة يسيرة. فحزن الناس عليه كثيرا وذكروه بالخيرات والصلة والمبرات وكان عمره سبعًا وخمسين سنة، وخلّف ولدين كبيرين هما الجمالي محمد والسراجي عمر وبنتين مزوجتين وأمّهم، فالله تعالى يعظم لهم الأجر ويرحمه والمسلمين وينفع به وبسلَفِه. وفي ليلة السبت رابع الشهر أشيع بمكة وصول مركب من كنباية للخواجا السقطي المنقطع بها وفيه ولده فتباشر الناس به لنزول الأسعار في القماش.

стр. 340

ثم في يوم الثلاثاء سابع [الشهر] (١) أشيع حرُقه في البندر فتشوش الناس لذلك واطلعتُ على ورقة جاءت ورقة جاءت من جدة فيها خبره وهي أنّ ناخوذته نزل إلى البندر في يوم الأحد ومعه البحارة يُبقجٍ كثيرة فاستكثر عليه أهل الديوان ذلك وقالوا له: مركبك صغير وتنزل بهذا كله جَوْزا على الديوان، وإن منعناك من عادتك ظلمناك، فجعلوا بين ذلك مصلحة ثلاثمائة وخمسين أشرفية تركوها من عشور البُقَج فقال لهم: عندي كل توبلي (٢) بمركب كامل، يعني من التحف وشحنة مركبة كلها له. وفي ليلة الإثنين سادس الشهر قبل غيبة القمر رأى الناس بمركبه نار نفط فصاحوا وفزع الناس إلى جهة الفرضة فطردهم (٣) التركمان ورجعوا إلى محل آخر الفرضة من جهة الساحل وصاحوا عند الأمير فأمر بطلوع ثلاثة سنابيك وغالبهم هنود لأجل خوفهم على مراكبهم، فاستمرت النار تَقِدُ فيه إلى الصبح وسدّ الدخان الأفق وشاهد ذلك غالب مَن بجدة، ثم طلعت إليه سنابيك نحو الثلاثين وأكثر فخرقوا المركب حتى غرّقوه وهمدت النار .... (٤) احترق وطاح في البحر وماتت جارية الناخوذة وعبده ثم تُرك ما حرك (٥) فنظرت الناس إلى التحف أصنافا لو سَلِمت لامتلأت البلد منها كالشاش والبيرم الذي للناس زمانا طويلًا مثله، وكذا المناديل والقطنيات، ويقال قيمة كل منديل ثلاثون أشرفية والخَيم والسرر، وقال الناخوذة: قيمة بعض السرر ألف دينار وخناجر بمثل ذلك وأشياء لا تكاد تُعدّ (٦)

стр. 341

وفيه نحو الثلاثمائة من ثياب الدوقدة (١) وسبع وعشرون ألفا من النارجيل وسليط وحب ودخن وأربعمائة قميص للصدقة، فذهبّ ذلك كله وبقي كوم سواد، والأمر كله لله. ويقال إنّ سبب الحريق استهتار الناخوذة وكذا الخواجا السقطي بالشيخ عبد الله المظلوم المدفون بجدة، وأنّ خادمه جاء إليه وطلب منه بعض النذور، فقال له وهو سكران: أنا لي في البحر أربعة أشهر وقاسيت فيه شدة ما نفعني فيه أحد من الصالحين ولا أعطيك شيئا، فانكسر خاطره من ذلك ودعا عليه ولازم شيخه فيه فقدّر الله تعالى بالحريق في ليلة كلامه. وفي عصر يوم الإثنين سادس الشهر مات الخواجا الأجل المحترم حافظ الرومي، فجهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة المغرب وشيّعه جماعة إلى المعلاة ودفن في الشعب الأقصى في تربة استجدّها، رحمه الله تعالى، وخلّف ولدين ذكرين وكان مباركا كاملا (٢) لصلاة الجماعة والانجماع عن الناس وقلة الكلام، رحمه الله تعالى. وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه دخل الخواجا جمال الدين محمد ابن الخواجا الكبير زين الدين عبد القادر بن محمد بن عيسى القاري بابنة عم أبيه البكر أم هاني ابنة المرحوم الخواجا عمر بن عيسى القاري، وزفّهُ والده ببعض شمع الحرم زفة مختصرة بعد صلاة العشاء ومشى معه أصحاب والده من زيادة دار الندوة إلى منزل الزوجة في السويقة. وفي صباح تاريخه هنّأه الناس بذلك، على العادة، فالله تعالى يجعل ذلك مباركا على الزوجين. وفي يوم الأربعاء ثامن الشهر كملت تقسمة حب الأشرف قايتباي الواصل في

стр. 342

البحر عام تاريخه لسكان رباطه بمكة ومقداره ثلاثمائة إردب وزيادة، ونقص منه في البيع والتلف أزيَد من ستين إردبا فأُعطي لأهل الرباط والأيتام وأرباب الوظائف ما عدا الصوفية والفقهاء كل واحد إردبا ونصفًا (١) ولكل من أهل المجمع دينار واحد وعِدّتهم مائة نفس، وكانوا في زمان الواقف جماعة قليلين يفرق عليهم الفاضل من الخير. وكان المباشر لتفرقة ذلك الناظر الرومي وغيره من المباشرين كالقاضي عز الدين فائز بن ظهيرة والشيخ شهاب الدين النشيلي والبدري حسين ابن القاضي نور الدين بن ناصر والمحيوي العراقي نيابة عن المقر الشهابي بن الجيعان. ورأيت كثيرًا من الناس يشكونه (٢) لسوء تصرفاته في ذلك. وارتفق الناس بوجود هذا الحب وبيع بعضه في السوق كل إردب بعشرة أشرفية سعر كل ربعية بمحلقين ونصف. ونزل السعر في السوق إلى ثلاثة محلقة إلّا ربعًا بنقص ربع محلق في بعض ذلك وبنصف في بعضه، فالله تعالى يرحم الواقف ويجزيه والناظر خيرا ويجعل قِراه الجنة بمنّه وكرمه. وفي ظهر يوم الجمعة عاشر الشهر ماتت موطوءة الخواجا أبي اليمن ابن … (٣) الطهطاوي أم أولاده الحبشية فجهّزت في يومها وصُلّي عليها بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة إلى المعلاة ودفنت بتربة أسلاف سيّدها، رحمها الله تعالى. وفي يوم الأحد ثاني عشر الشهر وصل القاضي الشافعي الذي توجّه إلى الشريف بمراسيمه إلى الشرق ومعه أوراق للقاضي الشافعي من الشريف، وفيها تهنئة بالوظيفة، وأنه لعب الحمام عند سماع ولايته بالنصرة على الوالي نائب الشام، وأمر الحاكم بزينة مكة سبعة أيام، فزُينت بأمر الشريف، فالله تعالى يؤيده ويمتع المسلمين بحياته.

стр. 343

وفي صبح يوم الأربعاء خامس عشر الشهر صلّى قاضي القضاة الشافعي ابن ظهيرة المحبي صلاة الصبح ودخل إلى البيت الشريف صحبة خاله شيخ السدنة الحجبة عفيف الدين عبد الله بن عمر الشيبي وصلّى فيه ركعتين ثم طاف بعد ذلك أسبوعا، وصلّى خلف المقام ركعتين وعقد الطيلسان على عمامته فيه ثم برز منه وأمامه جماعة من أقاربه، وحضر في الربعة السليمية خلف مقام الحنفية كعادة عمّه، ثم بعد فراغه توجّه إلى منزله ومشى معه القضاة الثلاثة وكثير من الفقهاء وغيرهم وهنؤوه بفعل ذلك، ولم يتفق فعله على هذه الهيئة الحسنة لأحد أسلافه وطلع فيه بهجًا ووجهه مشرقًا، فالله تعالى يجعله مباركا عليه ويديم النفع به كما نفع بسلفه، بمحمد وآله آمين. وفي عصر تاريخه بعد الصلاة توجّه قاضي القضاة الشافعي المشار إليه، أدام الله نعمه عليه، إلى حضور المدرسة الأشرفية القايتبائية ورافقه القضاة الثلاثة وأصحاب الوظائف على العادة، فباشر ذلك مباشرة تقرّ الناظر وتشرح الصدور والخواطر، وأنشد الرئيس جمال الدين محمد ابن أبي عبد الله محمد بن أبي الخير المكي قصيدة لطيفة يهنيه بها. وفي يوم الخميس ثاني تاريخه وصل الخبر إلى مكة بوصول قاصد من مصر يقال له مسلّم البدوي أرسله ملك الأمراء نائب الديار المصرية لإخبار جماعته بجدة يشترون له قماشا وغيره من التحف لأجل هدية للخنكار سليمان خان، فإنه نوى التوجّه إليه للروم وأرسل الأمير جانم الحمزاوي يستأذن له في السفر إليه. وفي عصر تاريخه مات الطفل تقي الدين محمد ابن الشيخ شهاب الدين الحرازي. وفي ظهر يوم الجمعة سابع عشر الشهر صُلّي على الشريف عفيف الدين

стр. 344

عبد الله بن أحمد السليماني [المعروف] (١) بابن صبرة صلاة الغائب بمكة، وكانت وفاته في بلاد صروعة لإقامته بها غالب السنة في يوم الأربعاء خامس عشر الشهر، وكان عمره أزيد من ستين سنة مع لطافته وتودده ومخالطته للأكابر وممازحتهم له، ولم يخلّف ذكرا بل .... (٢) وزوجة، رحمه الله تعالى وإيانا. وفي آخر هذه الجمعة كمُلت عمارة بركة الحاج الكبيرة التي تلي المعلاة ودُهِنَتْ بالزيت الطيّب وأصرفتْ فيها عين بازان، ويقال جملة مصروفها قريب أربعة آلاف دينار مع ثمن النورة للبركة الثانية. عوّضهم الله خيرا منها ومَن كان السبب. وفي يوم الأحد مات الشيخ الصالح المعتقد المجذوب محمد المدعو سديد المغربي في محل سكنه برباط الموفّق المعروف بالمغاربة، وكان مقيمًا فيه نحو خمسين [سنة] (٣) وللناس فيه اعتقاد مع انجِماعِهِ عنهم وعدم مخالطته لكثير منهم ويقبل الفتوح من بعضهم، ثم ضعفت حركته وقلّ نظره فلازم خلوته إلى أن ختم الله له بالموت، فجهّز في يوم تاريخه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر وشيّعه خلق من الأعيان والعامة ودفن في المعلاة بالشعب الأقصى في تربة أعدّها لنفسه من حياته، وكان يتردد إليها في أيام صحته ويقيم بها فعمرّها الخواجا بيري الرومي له ليدفن عنده، نفع الله به وأعاد علينا من بركته. وهو ممن كان يتردد إلى والدي ويعتقده، رحمهما الله تعالى وإيانا. وفي ضحى يوم الأحد سادس عشري الشهر مات أحد التوأمين ابنة قاضي القضاة الحنفي الجمالي بديع الزمان بن الضياء وكان مولدها سنة تاريخه فجهّزت في ساعتها ودفنت في المعلاة وشيّعها جماعة قليلون لعدم اطلاعهم على موتها وقصد الناس والدها بالتعزية بها.

стр. 345

وفي عصر يوم الإثنين ثاني تاريخه وصل قاصد من جدة وأخبر بوصول الخواجا أبي البقاء السكري شاه بندر جدة إليها من البحر، يُقال في نحو عشرة أيام من الطور وعرض له نائبها في يوم تاريخه. وقُرِئَت مراسيمه في الفرضة وفيها زائد له بالوصية عليه وأنه مقرّب عند ملك الأمراء نائب الديار المصرية. وذكروا فيها تحريض شاه بندر قبله الخواجا شرف الدين ابن شيخ الدهشة حمزة الحلبي على عدم مخالفته وأن الشخص ابن يومه ولا يغترّ بصحبته الماضية. وأنه قدم هدية لملك الأمراء وأركان الدولة ما بهره به لكثرته وطرفته. وأشيع توليته لنظر أوقاف الزمام والتحدث على مدرسته بمكة وعزل صهره أخي زوجته القاضي تاج الدين عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي القضاة النجمي محمد بن يعقوب المالكي عن ذلك، فكثر المقت له والإشلاء عليه في فعل ذلك، فالله تعالى يكفيه شرّه ويعينه عليه. وفي عصر يوم الثلاثاء ثامن عشريْ الشهر ماتت سعادة ابنة القاضي شرف الدين أبي القاسم ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي وعمرها نحو سنتين فجهّزت في يومها ودفنت بالمعلاة [٨١ ب] في تربة سلفها، وسافر والداها (١) إلى الوادي هدة بني جابر ثاني تاريخه. وفي فجر يوم الأربعاء ماتت ثانية التوأمين ابنة القاضي الحنفي بديع الزمان ابن الضياء فجهّزت في يومها ودفنت في المعلاة وعزّى الناس والدها بها وعمرها (٢) أشهرا كأختها الماضية، وأراح الله والدهما منهما، فإنّ معه ذكرا وأنثى وغيرهما. وفي ليلة الخميس سلخ الشهر وصل الخواجا … (٣) ابن مالك الدمشقي من جدة، وكان وصل من مصر صحبة شاه بندر فواجه شيخ الفراشين نور الدين علي البيسقي في مجلس شاه بندر، فأخبره بولاية ولديْ عمه الزيني بيسق والشهابي أحمد

стр. 346

مشيخة الفراشين عوضه، فقال له: الوظائف تقليد لا تمليك، وإذا توجّهت إلى مكة تسمع بخبر ابنتك وما فعلته (١) في غيبتك. ويقال إنها خرجت إلى المسجد بعد العشاء فوجدها الزيني عبد الواحد ابن الشيخ محمد الشيبي في المسجد، وهو سكران، فكلّمها ونفرت منه فأخذ إزارها، ومرّ عليها شخص أعجمي فأنكر ذلك عليه فضربه بجنبيتِهِ أدماه بها فشاع ذلك، فترتب (٢) عليه ما قدّره الله تعالى عليها. فلما وصل والدها إلى منزله فرحت به وأضافته فلم يلتفت إليها بل أدار كِتافَها وقَتَلها خنقًا وتدخينًا بالنار في حلقها. فلما أصبح أشاع (٣) وفاتها، ويقال: إنه أنكِرَ عليه ذلك فاعترف بقتلها لفسقها. فسمع الحاكم مبارك بن بدر فأرسل إليه بسببها فأنكر قتلها وجاء بحكيمين وهما الشهابي أحمد القيسوني المصري وعلي بن سكيكر العطار بمكة وأراها لهما ووعدهما بمبلغ فذكرا أنها ميتة من غير قتل فتركه الحاكم، وأعطى صبيانه نحو الدينارين وللشاهدين مضاعفة ذلك وجهّزها ضحى تاريخه. فكثر كلام الناس فيه وبلغ ذلك نائب جدة الرومي فأرسل إليه يطلبه فتوجّه له وأثبت عند القاضي الحنفي بديع الزمان براءته من قتلها بشهادة الحكيمين مع أن القاضي المذكور ممن أنكر عليه أول أمره وسمع منه الاعتراف بالقتل ولا العار بذكر فسقها، وربما سمع من عياله المباشرين لقتلها معه السبب الذي قتلها وهو تكتيفها بحبل وحرق خرقة وإدخال دخانها في حلقها إلى أن ماتت بذلك. وقد سمعت ذلك من القاضي في بداءة الأمر ونفذ حكمه على المالكي الزيني عبد الحق النويري. ويقال إنه أطعمهما رشوة، فلله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. ثم توجّه إلى جدة وعاد إلى مكة بسرعة لبراءته ممّا كتبه وأثبته على الحنفي ولا

стр. 347

تخفى على الله خافية، فالله تعالى ينتقم منه ومن الحكام والشهود بعدْلِه. وممن [ذكر] (١) فعله لابنته بعض الشعراء في أبيات أنشدني منها الشيخ الصوفي الأديب بدر الدين حسن ابن … (٢) الأديني الحلبي نزيل مكة قوله في المعنى: عصيت الله نازل يا ابن مالك … بذنوب عقابها عند مالك قد قتل بنته عتابا جهارا … في بلاد الإله يفعل ذلك عن قريب يرى تدور عليه … دائرات تسوقه للمهالك (٣) شهر رجب الفرد استهل كاملا بالجمعة في مكة من سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) ويقال إنه رؤي في بندر جدة وأودية مكة بالخميس، وأرّخ أهل مكة بالأول. [٨٢ أ] وفي صبح يوم الأحد ثالث الشهر وصل إلى مكة وهو ميت صاحبنا الخواجا الأديب خير الدين أبو الخير محمد ابن الخواجا عبد القادر بن فريوات الدمشقي الشافعي، وكان غائبًا في الهند سنتين، ووصل في المركب وهو مريض بالبواسير وحمى الدق، وأقام بجدة إلى أن مات في يوم السبت ثاني الشهر وحُمل إلى مكة ودفن بالمعلاة ولم يحضره أحد إلّا أفراد من الناس لعدم معرفتهم بموته ولكونه لم يخلّف ذكرا كبيرًا بل خلّف مولودا وزوجة جعلها وصية وأمه، فالله تعالى يرحمه. وفي عصر يوم الإثنين ثاني تاريخه سافر قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة إلى جدة لحضور موسم الهندي فطاف أسبوعًا وخرج من باب حزورة على عادة

стр. 348

سلفه ووادعه القضاة (١) والأعيان، فالله يزيده من الخير، ويدفع عنه كل شر وضير، بمحمد وآله آمين. وفي صبح يوم الخميس رابع عشر الشهر وصل إلى مكة الخواجا … (٢) ابن حب الرمان الدمشقي بسبب التشكي من القاضي المالكي الزيني عبد الحق النويري لما أثبته عليه من المال الذي عنده، وليس له أصل، للقاضي تاج الدين رئيس الشام لكونه جليس القاضي المالكي الخواجا إبراهيم ابن الشيخ علي التاجر كان لوالده عنده دَين بمسطور. وقال بعض الحجاج: إن له سفره عند ابن حب الرمان وأعطى بعض الشهود مبلغًا للشهادة بذلك، فامتنع وأمر المالكي بكتابة المستند بشهادة عباس ابن أبي المحاسن بن الضياء فوقع بينهما ما تقدم ذكره في شهر جماد الأول فأبطل ذلك وكتب المستند بشهادة رجلين غائبين عن مكة سافرا مع الحاج وأثبته وتوجّه به خصمه إلى جدة وطالب ابن حب الرمان بالمال فقال: ليس له عندي مال وهذا زور، فوجّه عليه القاضي الشافعي يمينا فخرج من جدة وأتى إلى مكة فحضر بعد صلاة الصبح في الربعة السليمية في المقام الحنفي وأشْلى على المالكي ودعا عليه ودخل إلى المطاف والتزم الملتزم عليه وهو محترق والناس ساكتون ولم ينكر معه أحد … (٣) الدّين بقلبه وذلك أضعف الإيمان. وفي ظهر يوم الجمعة ثاني تاريخه مسك ابن حب الرمان الخطيب عند صعوده المنبر وصاح: واإسلاماه، واديناه، أظْلَم ويُزَوّر عليّ بالباطل وأنا بمكة! فدفعه الناس عن الخطيب ولم يُجدِ فعله ولا وجد له ناصرا، وبلغ المالكي ذلك فاختفى بعد الصلاة ولزم بيته مدة فاستفتى عليه خصمه في ثبوت المال عليه مع وجوده قرب مكة، فأفتاه بعض المالكية بصحة الحكم مع إبقاء حجة خصمه فبلغ القاضي ذلك

стр. 349

فقال له: اكتب لك ورقة إلى خصمك وأخبره بإبقاء حجتك في الدافع والمطعن في الشهود، وما التفت إلى تزويره وما فعله باطلا، وعند الله يجتمع الخصوم. وفي ظهر يوم الجمعة المذكور صلّى الخطيب على أمير عدن مرجان الحبشي صلاة الغائب لوفاته بها، ويقال مقتولًا، رحمه الله تعالى. وفي عصر يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر وصل إلى مكة القاضي (١) الجمالي محمد ابن قاضيها المحبي محمد بن عبد الحي القيوم بن ظهيرة القرشي المكي وصحبته أخته الرئيسة الجليلة زبيدة ميّتة ومعها ولدها القاضي محي الدين عبد القادر بن أبي بكر بن ظهيرة. وكان موتها بجدة في عشاء ليلة تاريخه بعد وجعها نحو سبعة أشهر بحدور تحدر في حلقها منعها من الكلام والطعام [٨٢ ب] والشراب وأوصت بجهازها مائة دينار وأعتقت بعض جوار ونذرت لجماعة كانوا يترددون لها ويجمعون على حبّها، فجُهِّزت في وقتها وصُلّي عليها عند الحجر الأسود كعادة سلفها، وشيّعها جماعة من الأعيان ودفنت بالمعلاة عند الشيخ علي الشولي وعملت لها ربعة ثلاثة أيام بالمعلاة صباحًا ومساء وختم لها في صبح الجمعة، رحمها الله تعالى وعفا عنها. وفي عصره جعل لها تهليلة حضرها الفقهاء والفقراء. وفي أمس تاريخه عمل لها عزاء تكلف فيه بالأطعمة وحضور النساء في منزلها وأثنى الناس عليها جزاء لفعلها وحشمتها ومودتها، رحمها الله تعالى وعظّم الأجر لأهلها. وفي ظهر يوم الجمعة المذكور صُلي على المرأة الكبيرة سلامة ابنة الشيخ عبد العزيز بن عبد السلام بن موسى الزمزمي المكي.

стр. 350

شهر شعبان المبارك استهل بمكة كاملًا بالأحد لوجود الغيم بها من سنة ٩٢٧ هـ (١٥٢١ م) ورآه جماعة من أهل الوادي وجدة وغيرهما بالسبت وثبت ذلك في جدة على قاضيها الشافعي فأرّخ أهل مكة به. وفي عصر يوم الأحد وُلِدَ لقاضي القضاة الشافعي الجديد المحبي بن ظهيرة ولد ذكر سماه باسم جده جمال الدين محمد أبي السعود وأمه ابنة عم والده سيدة الكل ابنة قاضي المسلمين شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة البرهاني بن ظهيرة فهو أصيل الطرفين، عفيف الأبوين، قرنه الله بالسعد والبركة، وجعله مباركًا على أبويه في جميع الحركة، ففرح به والداه ومحبوهما (١) ففرَّح به أباه الأعيان نظما ونثرا وعمل له وليمة مختصرة مراعاة لقريب والدته قاضي جدة الجمالي محمد لموت أخته في الشهر الماضي قبله (٢). شهر جماد الثاني استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م) وفي ضحى أوله وصل لمكة قاصد يقال له ابن مسلّم البدوي (٣) وعليه خلعة ألبسها ابن السيد الشريف بركات بن محمد صاحب مكة عند مواجهته له بوادي

стр. 351

أكرى (١) جهة الينبوع، وتوجّه إلى سكن الشريف عرار بن عجل الحسني في بيت الجمالي البوني أمام الحناطين فوجده في عمارته بجانب سكنه فدخل معه إلى منزله وأرسل للقاضي الشافعي المفصول المحبي بن ظهيرة والكمالي بن أبي علي وزير الشريف بمكة فقرؤوا مراسيم (٢) الشريف وغيرها من الأوراق الواصلة معه وتكتّموها ثم أجهروا النداء بالأمان والاطمئنان حسبما رسم به ملك الأمراء أحمد باشا نائب الديار المصرية والسيد بركات وأنّ البلاد بلاد الخنكار سليمان شاه ابن عثمان. ثم أبطل النداء باسم باشا وأشيع قتل صاحبه العواني إبراهيم البرقماني (٣) ودفتر داره القاضي زاده العجمي، فخاط الناس في ذلك وماطوا، وكثرت القالات في سبب ذلك. ثم تحقق قتل أحمد باشا لعصيانه، ودُعي له على المنابر وضرب السكة باسمه نحو جمعتين في أوائل ربيع الثاني، وقيام شخص رومي كان في خدمته يقال له محمد بك ودخل معه إلى الحمام في سابع عشر الشهر فهرب منه إلى القلعة فتبعه مع جماعته الأروام إلى بَرّ الجيزة وضيّقوا عليه المسالك حتى ظفروا به فقبض عليه العرب وقتلوه في سابع عشريْ الشهر (٤). وأطلق الجماعة الذين حبسهم ظلمًا من أرباب الوظائف والتجار وغيرهم ممن جعل عليهم مالا جزيلًا يقال نحو أربعة وعشرين ومائة ألف دينار [٨٣ أ] منهم مدّبر المملكة الأمير جانم الحمزاوي وكان أكبر العالمِين بقتله، وهو المرسل بالقاصد إلى مكة وأخبر الشريف بركات بجملة من أخباره: منها أنه أظهر العصيان، وكاتب الصوفي شاه إسماعيل الخارجي، وسعى في خراب المملكة المصرية، وساعده الجراكسة في قتل الأروام المخالفين له في العصيان.

стр. 352

وأن الشريف محرم ابن أخيه السيد هزاع سعى عنده في ولاية إمْرة مكة عوضه وولد يحيى بن سبيع في إمْرة الينبع، وبذلوا له أموالًا جمَّة بقولهم يعجزون (١) عن أدائها وغير ذلك مما لم يتحقق. وقد ظهر للشريف الفرح بقتله وكفاية مؤونته، وكان ذلك من سعده. وفي عصر تاريخه أرسل الشريف عرار إلى جدة عبدًا له في طلب نائبها فرحات الرومي مملوك أحمد باشا المقتول ليسمع مراسيم أستاذه، فاجتمع به في ثاني تاريخه. وأشيع بمكة عدم موافقته في المجيء وقال: تأتيني مراسيمي إلى جدة. ولما سمع بقتل أستاذه شحن (٢) غرابا في البحر بأمتعته وعبث الأروام في السوق عند شراء القوت لسفرهم، وكانوا يظنون بطش جماعة الشريف بهم لأنّ حاكم جدة توجّه لهم مع جماعة الشريف فرماهم (٣) الأروام بالبندق وقُتل من جماعة الشريف اثنان ومن الأروام واحد، على ما يُقال، وأنّ الحاكم نادى لهم بالأمان فمكثوا في محلّهم ينتظرون صحة ذلك من جماعة الشريف. وفي ظهر يوم الجمعة ثالث الشهر وصل عبد الشريف عرار إلى مكة وأخبره بأن نائب جدة لم يوافق على عوده إليه فتوجّه له بنفسه وصحب معه نائب جدة الأمير حسين الرومي المشدّ على عمارة عين مكة الآن فوصلا إلى وادي جدة ولاقاهما بها قاصد أخبرهما بطاعة نائب جدة وأنه مقيم بها، فرجع الأمير حسين منها لعين مكة وتوجّه الشريف عرار لجدة فواجه نائبها وأمره بالتوجّه لمكة ليسمع مرسوم الخنكار، فعاد معه ووصل لمكة في ليلة الثلاثاء سابع الشهر وسكن في المدرسة الباسطية بعد فراغه من الطواف. فلما دخلها قُدّم له قيد من حديد وقالوا له

стр. 353

الشريف بركات رسم به فأجاب بالطاعة ووضعه في رجله بقية ليلته ويومه. ثم إنّ بعض مماليك الشريف ممن كان مترسما على نائب جدة مع الأروام تكلم في فَكّ القيد منه ويراجع الشريف في أمره، فَفُكّ عنه واستمر مرسّمًا عليه في محله. وفي مغرب ليلة الأربعاء ثامن الشهر عقد القاضي عز الدين بن ظهيرة على ابنة ابن عمّه أم الحسين ابنة قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة طليقة أخيه القاضي جلال الدين بن ظهيرة، وكان في بيت ابن أخي الزوجة قاضي القضاة المحبي أحمد ابن القاضي بهاء الدين أحمد بن ظهيرة الشافعي، وباشر العقد قريبهما قاضي القضاة الحنبلي أبو (١) حامد ابن الشيخ عطية بن ظهيرة لغيبة الولي القريب أخي الزوجة القاضي بدر الدين بن ظهيرة لأن مذهب الشافعي إذا غاب الولي القريب يكون القاضي مقدّما على الولي البعيد، فعقد بهما على ثلاثمائة دينار مقبوض منها مائتان ومائة منها مقسّطة والمهر مائتا مثقال، ولم يحضر أقارب الزوجين بل ولا ولد الزوج، وأنكر فعل ذلك عليه، وكثرتْ قالات الناس فيه [٨٣ ب] لأخذه زوجة أخيه بسرعة لغرضه فيها وكونه طلّقها طلقة واحدة على عوض بذلتْه له لكراهتها فيه. ويقال إنها كانت مباطنة للزوج الثاني وأنه قال لها: مهما دفعتِه (٢) له أسَلِّمه لك، فظهر ذلك لزواجه بها (٣) بسرعة وبذله المبلغ المعين لها، فإنها وأمثالها لم يُدفع لهن (٤) ذلك وقت البكارة. ونسب زوجها الأول إليها قبائح، نعوذ بالله منها ونسأله الستر والسلامة. وفي ثاني تاريخه شرعتْ الزوجة في عمل مُهمّ الزواج من المعمول وغيره لأجل الدخول في ليلة السبت حادي عشر الشهر، فقدّر الله تعالى وصول جماعة من القاهرة

стр. 354

بحرًا وأخبروا بوفاة أخي الزوجة القاضي بدر الدين بن ظهيرة مطعونًا، في يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول عام تاريخه فبلغ أهله ذلك فصاروا يكتمونه لأجل دخول أخته في الليلة المعينة وبعض أقاربها ينكرون ذلك ويظهرون موت أخيها، فلما كثرت الإشاعات نعوه في مغرب ليلة السبت المذكورة وتركوا الدخول، فكان ذلك تنغيصًا على الزوجين بقدْرة الله تعالى. شهر ذي الحجة الحرام أوله الخميس من سنة ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م) وكانت الوقفة بالجمعة وأمير الحاج جانم الحمزاوي، ووصل الشيخ عبد الحق السنباطي وأولاده وعيالهم، وحصل الغلو في الأقوات والماء بحيث بيعت الراوية الماء بدينار وربع، وأمطرت السماء بعرفة فحصلت البركة، ببركة ذلك الشريف المعظَّم المنيف. شهر ربيع الأول أوله الجمعة من سنة ٩٣١ هـ (١٥٢٥ م) واتفق في يوم السبت سادس عشريْ ربيع الأول حصول مطر نافع بمكة المشرفة، وتوالى بها وبأعمالها مدة ثلاثة أيام بلياليها بحيث يمطر ساعة ويسكت أخرى، إلى أن كان في ليلة الإثنين ثامن عشريْ الشهر قوي في آخر الليل ونزل بَرَد كثير وسالت الأسطحة من ميازيبها في الأزقة وجاء سيل وادي إبراهيم عند طلوع [الشمس] (١) ودخل المسجد الحرام من جميع أبوابه الثمانية بل توجّه إلى المسعى، ودخل من باب بني شيبة المعروف بباب السلام مع الأبواب الموالية له الشرقية وملأ الحرم حتى وصل قناديل المطاف وعلا عتبة الكعبة الشريفة مقدار ذراع أو أقل شبرا ودخلها من خلال الباب، ومَلأ غالب القناديل التي بالمطاف وعامَ منابر الوعاظ

стр. 355

ودرجة الكعبة حتى وصلت إلى باب إبراهيم، وسلّم الله المصاحف والربعات التي بقُبّة الفراشين، لأن صاحب النوبة لما استشعر بالسيل رفعها علو الرفوف بها، جزاه الله خيرا، بل دار على الفقراء اليمانيين (١) في المسجد وأقامهم فخرجوا سالمين بحمد الله ولم يُصَب منهم إلّا فقير أعمى كان في جهة باب إبراهيم فاز بالشهادة، وتعلّق رجلان منهم على درجة باب قبة العباس ومسكا حلق الباب حتى تصرّف غالب الماء من المسجد، واستمر غالب النهار لكنه وقف السيل وصار يخرج من الأبواب الثمانية عند طلوع الشمس، وكان غالب خروجه من باب إبراهيم. وامتلأت ثلاث بِرك الحاج التي بالمعلاة إلى علوها وكسِر جانب إحدى (٢) بركتي المصري الموالي للمسجد الحرام في ركنها اليماني، وطاح كثير من الدور التي في طريق سوق الليل والمسفلة بل أطراف مكة وداخلها وعلو جبل أبي قبيس وتوالى ذلك أيامًا. وكان الهدم سالما لم يعطب فيه أحد إلّا رجلًا إسكندرانيًا أثنَى [٨٤ أ] الناس عليه خيرًا، وعم السيل نواحي كمنى وعرفة والأودية وجدة وغير ذلك، وتعطل الناس من السفر إليها نحو اليومين بل طاح كثير (٣) من بيوت منى ويقال إنّ عدة الواقعة بها وبمكة قريب من ألف بيت، وكان منها منزلنا بهما مع غيرهما من الأملاك، فالله تعالى يعين على عمارتها جميع المُلّاك. وصلّى الناس ظهر تاريخه على سطح المسجد الحرام واستمروا على ذلك إلى ظهر ثانيه لأن ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة بادر في صبْحه مع أتباعه وخلق من أكابر مكة والتجار والمجاورين بها للعمل في تنظيف المطاف وشيل الوحل منه إلى خارجه فبذلوا الهمّة في ذلك، ونالوا به أحسن المسالك، بحيث نُظّفَ الحجر والمطاف ومقام إبراهيم ومقام الحنفية في نصف نهار، ولله الحمد.
следующие страницы →