← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أكرى (١) جهة الينبوع، وتوجّه إلى سكن الشريف عرار بن عجل الحسني في بيت الجمالي البوني أمام الحناطين فوجده في عمارته بجانب سكنه فدخل معه إلى منزله وأرسل للقاضي الشافعي المفصول المحبي بن ظهيرة والكمالي بن أبي علي وزير الشريف بمكة فقرؤوا مراسيم (٢) الشريف وغيرها من الأوراق الواصلة معه وتكتّموها ثم أجهروا النداء بالأمان والاطمئنان حسبما رسم به ملك الأمراء أحمد باشا نائب الديار المصرية والسيد بركات وأنّ البلاد بلاد الخنكار سليمان شاه ابن عثمان. ثم أبطل النداء باسم باشا وأشيع قتل صاحبه العواني إبراهيم البرقماني (٣) ودفتر داره القاضي زاده العجمي، فخاط الناس في ذلك وماطوا، وكثرت القالات في سبب ذلك. ثم تحقق قتل أحمد باشا لعصيانه، ودُعي له على المنابر وضرب السكة باسمه نحو جمعتين في أوائل ربيع الثاني، وقيام شخص رومي كان في خدمته يقال له محمد بك ودخل معه إلى الحمام في سابع عشر الشهر فهرب منه إلى القلعة فتبعه مع جماعته الأروام إلى بَرّ الجيزة وضيّقوا عليه المسالك حتى ظفروا به فقبض عليه العرب وقتلوه في سابع عشريْ الشهر (٤). وأطلق الجماعة الذين حبسهم ظلمًا من أرباب الوظائف والتجار وغيرهم ممن جعل عليهم مالا جزيلًا يقال نحو أربعة وعشرين ومائة ألف دينار [٨٣ أ] منهم مدّبر المملكة الأمير جانم الحمزاوي وكان أكبر العالمِين بقتله، وهو المرسل بالقاصد إلى مكة وأخبر الشريف بركات بجملة من أخباره: منها أنه أظهر العصيان، وكاتب الصوفي شاه إسماعيل الخارجي، وسعى في خراب المملكة المصرية، وساعده الجراكسة في قتل الأروام المخالفين له في العصيان.

стр. 352

وأن الشريف محرم ابن أخيه السيد هزاع سعى عنده في ولاية إمْرة مكة عوضه وولد يحيى بن سبيع في إمْرة الينبع، وبذلوا له أموالًا جمَّة بقولهم يعجزون (١) عن أدائها وغير ذلك مما لم يتحقق. وقد ظهر للشريف الفرح بقتله وكفاية مؤونته، وكان ذلك من سعده. وفي عصر تاريخه أرسل الشريف عرار إلى جدة عبدًا له في طلب نائبها فرحات الرومي مملوك أحمد باشا المقتول ليسمع مراسيم أستاذه، فاجتمع به في ثاني تاريخه. وأشيع بمكة عدم موافقته في المجيء وقال: تأتيني مراسيمي إلى جدة. ولما سمع بقتل أستاذه شحن (٢) غرابا في البحر بأمتعته وعبث الأروام في السوق عند شراء القوت لسفرهم، وكانوا يظنون بطش جماعة الشريف بهم لأنّ حاكم جدة توجّه لهم مع جماعة الشريف فرماهم (٣) الأروام بالبندق وقُتل من جماعة الشريف اثنان ومن الأروام واحد، على ما يُقال، وأنّ الحاكم نادى لهم بالأمان فمكثوا في محلّهم ينتظرون صحة ذلك من جماعة الشريف. وفي ظهر يوم الجمعة ثالث الشهر وصل عبد الشريف عرار إلى مكة وأخبره بأن نائب جدة لم يوافق على عوده إليه فتوجّه له بنفسه وصحب معه نائب جدة الأمير حسين الرومي المشدّ على عمارة عين مكة الآن فوصلا إلى وادي جدة ولاقاهما بها قاصد أخبرهما بطاعة نائب جدة وأنه مقيم بها، فرجع الأمير حسين منها لعين مكة وتوجّه الشريف عرار لجدة فواجه نائبها وأمره بالتوجّه لمكة ليسمع مرسوم الخنكار، فعاد معه ووصل لمكة في ليلة الثلاثاء سابع الشهر وسكن في المدرسة الباسطية بعد فراغه من الطواف. فلما دخلها قُدّم له قيد من حديد وقالوا له

стр. 353

الشريف بركات رسم به فأجاب بالطاعة ووضعه في رجله بقية ليلته ويومه. ثم إنّ بعض مماليك الشريف ممن كان مترسما على نائب جدة مع الأروام تكلم في فَكّ القيد منه ويراجع الشريف في أمره، فَفُكّ عنه واستمر مرسّمًا عليه في محله. وفي مغرب ليلة الأربعاء ثامن الشهر عقد القاضي عز الدين بن ظهيرة على ابنة ابن عمّه أم الحسين ابنة قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة طليقة أخيه القاضي جلال الدين بن ظهيرة، وكان في بيت ابن أخي الزوجة قاضي القضاة المحبي أحمد ابن القاضي بهاء الدين أحمد بن ظهيرة الشافعي، وباشر العقد قريبهما قاضي القضاة الحنبلي أبو (١) حامد ابن الشيخ عطية بن ظهيرة لغيبة الولي القريب أخي الزوجة القاضي بدر الدين بن ظهيرة لأن مذهب الشافعي إذا غاب الولي القريب يكون القاضي مقدّما على الولي البعيد، فعقد بهما على ثلاثمائة دينار مقبوض منها مائتان ومائة منها مقسّطة والمهر مائتا مثقال، ولم يحضر أقارب الزوجين بل ولا ولد الزوج، وأنكر فعل ذلك عليه، وكثرتْ قالات الناس فيه [٨٣ ب] لأخذه زوجة أخيه بسرعة لغرضه فيها وكونه طلّقها طلقة واحدة على عوض بذلتْه له لكراهتها فيه. ويقال إنها كانت مباطنة للزوج الثاني وأنه قال لها: مهما دفعتِه (٢) له أسَلِّمه لك، فظهر ذلك لزواجه بها (٣) بسرعة وبذله المبلغ المعين لها، فإنها وأمثالها لم يُدفع لهن (٤) ذلك وقت البكارة. ونسب زوجها الأول إليها قبائح، نعوذ بالله منها ونسأله الستر والسلامة. وفي ثاني تاريخه شرعتْ الزوجة في عمل مُهمّ الزواج من المعمول وغيره لأجل الدخول في ليلة السبت حادي عشر الشهر، فقدّر الله تعالى وصول جماعة من القاهرة

стр. 354

بحرًا وأخبروا بوفاة أخي الزوجة القاضي بدر الدين بن ظهيرة مطعونًا، في يوم الأحد ثامن عشر ربيع الأول عام تاريخه فبلغ أهله ذلك فصاروا يكتمونه لأجل دخول أخته في الليلة المعينة وبعض أقاربها ينكرون ذلك ويظهرون موت أخيها، فلما كثرت الإشاعات نعوه في مغرب ليلة السبت المذكورة وتركوا الدخول، فكان ذلك تنغيصًا على الزوجين بقدْرة الله تعالى. شهر ذي الحجة الحرام أوله الخميس من سنة ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م) وكانت الوقفة بالجمعة وأمير الحاج جانم الحمزاوي، ووصل الشيخ عبد الحق السنباطي وأولاده وعيالهم، وحصل الغلو في الأقوات والماء بحيث بيعت الراوية الماء بدينار وربع، وأمطرت السماء بعرفة فحصلت البركة، ببركة ذلك الشريف المعظَّم المنيف. شهر ربيع الأول أوله الجمعة من سنة ٩٣١ هـ (١٥٢٥ م) واتفق في يوم السبت سادس عشريْ ربيع الأول حصول مطر نافع بمكة المشرفة، وتوالى بها وبأعمالها مدة ثلاثة أيام بلياليها بحيث يمطر ساعة ويسكت أخرى، إلى أن كان في ليلة الإثنين ثامن عشريْ الشهر قوي في آخر الليل ونزل بَرَد كثير وسالت الأسطحة من ميازيبها في الأزقة وجاء سيل وادي إبراهيم عند طلوع [الشمس] (١) ودخل المسجد الحرام من جميع أبوابه الثمانية بل توجّه إلى المسعى، ودخل من باب بني شيبة المعروف بباب السلام مع الأبواب الموالية له الشرقية وملأ الحرم حتى وصل قناديل المطاف وعلا عتبة الكعبة الشريفة مقدار ذراع أو أقل شبرا ودخلها من خلال الباب، ومَلأ غالب القناديل التي بالمطاف وعامَ منابر الوعاظ

стр. 355

ودرجة الكعبة حتى وصلت إلى باب إبراهيم، وسلّم الله المصاحف والربعات التي بقُبّة الفراشين، لأن صاحب النوبة لما استشعر بالسيل رفعها علو الرفوف بها، جزاه الله خيرا، بل دار على الفقراء اليمانيين (١) في المسجد وأقامهم فخرجوا سالمين بحمد الله ولم يُصَب منهم إلّا فقير أعمى كان في جهة باب إبراهيم فاز بالشهادة، وتعلّق رجلان منهم على درجة باب قبة العباس ومسكا حلق الباب حتى تصرّف غالب الماء من المسجد، واستمر غالب النهار لكنه وقف السيل وصار يخرج من الأبواب الثمانية عند طلوع الشمس، وكان غالب خروجه من باب إبراهيم. وامتلأت ثلاث بِرك الحاج التي بالمعلاة إلى علوها وكسِر جانب إحدى (٢) بركتي المصري الموالي للمسجد الحرام في ركنها اليماني، وطاح كثير من الدور التي في طريق سوق الليل والمسفلة بل أطراف مكة وداخلها وعلو جبل أبي قبيس وتوالى ذلك أيامًا. وكان الهدم سالما لم يعطب فيه أحد إلّا رجلًا إسكندرانيًا أثنَى [٨٤ أ] الناس عليه خيرًا، وعم السيل نواحي كمنى وعرفة والأودية وجدة وغير ذلك، وتعطل الناس من السفر إليها نحو اليومين بل طاح كثير (٣) من بيوت منى ويقال إنّ عدة الواقعة بها وبمكة قريب من ألف بيت، وكان منها منزلنا بهما مع غيرهما من الأملاك، فالله تعالى يعين على عمارتها جميع المُلّاك. وصلّى الناس ظهر تاريخه على سطح المسجد الحرام واستمروا على ذلك إلى ظهر ثانيه لأن ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة بادر في صبْحه مع أتباعه وخلق من أكابر مكة والتجار والمجاورين بها للعمل في تنظيف المطاف وشيل الوحل منه إلى خارجه فبذلوا الهمّة في ذلك، ونالوا به أحسن المسالك، بحيث نُظّفَ الحجر والمطاف ومقام إبراهيم ومقام الحنفية في نصف نهار، ولله الحمد.

стр. 356

شهر ربيع الثاني استهل ناقصًا في ليلة الأربعاء من سنة ٩٣١ هـ (١٥٢٥ م) وفي صبح يوم الأربعاء نَظف أماكن في المسجد الحرام ناظره مع جماعة من التجار الأروام والأعاجم وأولاد العرب وغيرهم، وأرسل الناظر إلى جدة يُخبر مشدّ العمائر الخنكارية المظفرية العثمانية لكونه نزّلها لحمل مُؤن العمائر بمكة المشرفة، فوصلها في اليوم الثالث ووالَى العمل في المسجد من يوم السبت رابع الشهر وكوّم الطين في أطراف المسجد ومعه المهندسون (١) والعمال من المصريين والأروام، وكان قصده عمل الطين آجورا للبناية في العمارة لمنارة باب علي التي شرعوا في هدمها يوم تاريخه لكون بعضها متشعبًا (٢). وكان بناها المهدي لأبي جعفر المنصور العباسي ويقال الوزير الأصفهاني الجواد، وأصلح سفلها مما يلي المسجد في الجهتين سودون المحمدي في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة. وجاوَدَ الأمين على العمارة الخنكارية العثمانية على حمل التراب المكوّم بالمسجد الحرام وهو نحو ثلاثين كوما بأزيد من ألف دينار وعلى قطع المسعى من باب السلام إلى جهة الصفا إلى سفل مكة جهة باب إبراهيم بألفي أشرفي ومائتين وثلاثين أشرفيًا وتنظيف العتبة مع باب سويقة بخمسمائة أشرفي، واستمرّ العمل في ذلك جميع ربيع الثاني. وفي شهر جماد الأول كمل هدم منارة باب علي مع هدم باب السلام والرواق الموالي له إلى أمام مدرسة الأشرف قايتباي، وظهر في أساس المنارة أربعة أعمدة، وعُمِّر مكانها حجارة سوداء منْحوتة وعلّوها حجر أصفر رخو وبُني بنورة جديدة مخلوطة بالنورة العتيقة وآجِرّ مدكوك ومدر مخلوط معها، واستمر العمل في باب

стр. 357

السلام [إلى باب القفص وغيرّ جميع السقف، وفي المنارة مؤن عظيمة في غاية الاستحكام ما أمكنهم هدمها إلّا بعد علاج شديد] (١). وفي نصف شهر جماد الأول شرع الأمين على العمارة في هدم قُبّة دار الوحي مع مولد السيدة فاطمة ابنة المصطفى ﷺ وكان المباشر لها المعلم … (٢) الحميماتي المصري والمعلم محمود بن … (٣) المكي. واتفق في صبح يوم الجمعة تاسع عشريْ الشهر اجتماع القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات ابن أبي العباس الأنصاري المكي مع الشيخ محمد بن … (٤) القيرواني (٥) [٨٤ ب] المغربي، القادم لمكة مع الحاج في عام تاريخه، في مجلس وتكلّم معه فيما بلغه عنه في جواب مسألة رُفعتْ إليه من كلام الشيخ سهل بن عبد الله التستري (٦) الصوفي، نفع الله به وهو: "إذا ظهر سرّ الربوبية بطلت النبوية، وإذا ظهر سرّ النبوية بطل العلم، وإذا ظهر سرّ العلم بطلتْ الشريعة". ونُقِل عنه كلمات يترتب منها أنّ كفار قريش كأبي جهل بن هاشم وأترابه اطلعوا على سر الربوبية فجحدوا نبوة محمد ﷺ . فقال له القاضي شهاب الدين: كفرتَ، هذا مخالف للشريعة ونص الكتاب العزيز، وقام من مجلسه فأدركوه مع جماعته وطلبوه إلى مجلس الشرع فتوجّه معهم إلى قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة والتمَّ عليهم خلق كثير من العامة المعتقدين للمغربي وغيرهم، فحضر مجلس الشافعي أخو المنكر قاضي القضاة الشرفي المالكي المفصول وقال: مذهبي أنّ قائل ذلك يكفر

стр. 358

ولا تُقْبَل توبته. فسألوا المغربي عن ذلك فأنكره، فشهد عليه ابن أخت المنكر القاضي سعد الدين ابن القاضي خير الدين أبي الخير بن أبي السعود بن ظهيرة الشافعي والخواجا عبد الكريم ابن الفخري أبي بكر الطهطاوي المالكي مع غيرهما، فحينئذ أمر القاضي الشافعي المغربي بالتشهّد، وردعَه بكلمات ومنعه من الكلام على العامة بالمسجد الحرام. فخرج من المجلس وهو ذليل خائف، والْتَمَّ عليه جماعة من المفسدين العوام وغيرهم من الأروام وألزموه بالجلوس ومكاتبة الشريف بركات بأمره، فكاتَبَه وجلس في المسجد على عادته فرآه القاضي الشافعي، وأرسل له بالقيام وامتثال أمر الشرع الشريف، فقام بسرعة وهو مع … (١) ومحبيه كثيري (٢) الإنكار على أهل البلد. وكثرت القالات والأهواء المضلات (٣) وموجب ذلك شغور المسجد الحرام من واعظ يلتمّ عليه العامة، فإنّهم لما رأوا المغربي التمّوا عليه خصوصًا ويعمل ذِكْرًا وأورادًا (٤) بعد صلاة الصبح والعشاء. وفي ثالث يوم الواقعة وهو يوم الأحد ثاني شهر جماد الثاني جلس المغربي بجرأته وإقدامه وكون بعض الأروام منهم اليازجي في العمارة الخنكارية سأل الشافعي في عود المغربي لعوده (٥) في مجلس ورده، فقال: لا يتكلم بكلام الصوفية في حضرة العامة، فإنهم لا يفهمون ذلك، فجلس وتكلّم في الحسد وغيره مع التعرّض للمنكرين، فاشتدّ العوام في نُصرته بل بالغ المشدّ على العمارة وأخذ المغربي وذهب

стр. 359

به إلى محل قبة الوحي (١) وسأله في وضع الحجر الذي كان رسول الله ﷺ يبكي عليه في تهجده إلى موضع بنائه، فذكر الله تعالى هناك مع تلامذته ووضعه في محله، فكثر كلام العوام في مدحه وتطوّروا وتهوّروا في ذلك. وفيها كان أمير الحاج المصري المقر الزيني الأمير جانم الحمزاوي الماضي في السنة قبلها وأمير الحاج الشامي مصطفى الرومي. وكانت الوقفة بالأربعاء. ومات صاحب مكة السيد الشريف بركات بن محمد الحسني في رابع عشري ذي القعدة. وحج بالناس شريكه في الأمر ولده الشريف أبو نمي فحصل [٨٥ أ] للناس الأمن والرخاء، ولله الحمد على ذلك. شهر رمضان المعظم قدّره استهل كاملًا بالثلاثاء من سنة ٩٣٢ هـ (١٥٢٦ م) وفي ثاني الشهر ابتدئ في قراءة سورة الأنعام بالحطيم بعد صلاة الصبح ويدعى عليها وبين الجلالتين (٢) بنصر السلطان الأعظم والخاقان المكرم حامي حمى الحرمين الشريفين إسكندر الزمان، صفوة الصفوة من ملوك بني عثمان، الملك المظفر سليمان خان، ويحضر ذلك القضاة الأربعة وأئمة المسجد وأرباب الوظائف وغيرهم من المباركين … (٣) اثنين وأربعين نفرا، منهم ستة عشر أفاقيا عجميا وروميا والباقي من أهل مكة بتعيين القاضي الشافعي لذلك بأمر نائب جدة، وقرّر لكل واحد في كل يوم محلق كبير فالله تعالى يتقبّل ذلك. وفي يوم الجمعة رابع الشهر كملتْ عمارة دار السبيل بالسويقة وقْف جدي

стр. 360

المرحوم الشيخ الحافظ تقي الدين أبي الفضل محمد ابن الشيخ العلامة المسند نجم الدين محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي، رحمه الله تعالى، المشمولة بنظري كما شرَطه واقفه، وكانت خربة وعمَّرها والدي وأحدث مخزنًا في شرقي الدار مدة سبعين سنة بتقديم السين المهملة بمبلغ مائة وأربعين أشرفيًا جعلت منها للمستأجر خمسين أشرفيًا بعمارة عين الوقف ثم تعدى على تغيير شيء فيه ونقض بعضه، فأنكرتُه، وتكلّم معي بعض فقهاء الشافعية في تسليم إرش لما تعدى به في مدة إجارته مبلغ عشرين أشرفيًا فصار المقبوض بيدي من دراهم الإجارة مبلغ مائة وعشرة أشرفية عمرتُ بجميعها مع دين على الوقف بمثلها وأزيد، كما هو مكتوب في القوائم المخلدة تحت يدي، فالله تعالى يحسن عملي ويضاعف أجر الواقف وأجري. وفي يوم الأربعاء تاسع الشهر المذكور سَبَّلْتُ الماء في السبيل طلبا للثواب والأجور قبل كراء الدار، طالبًا من الله الخير المدرار. وتوالى في هذا الشهر عدة حوادث مؤلمة، وللقلوب مظلمة، فالله تعالى يحيلها عن المسلمين ويلهم الحكام العدل في العالمين، منها وصول عسكر الأروام إلى بندر جدة من البحر فارتفع سعر الحب بمكة بحيث بلغ: بيعت الربعية المصرية بربع دينار ونصف والذرة بخمسة محلقة صغار والشعير بأربعة صغيرة والفول بثلاثة محلقة ونصف. وكان غالب الناس لا يجدون في السوق غيره، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين. وفي يوم الأحد ثالث عشر الشهر وصل بعض عسكر الأروام لمكة بأمر نائب جدة العلائي علي الشاووش الرومي، ويقال فعل ذلك لضيق جدة وغلو الماء بها، فتشوّش لذلك صاحب مكة الشريف أبو نمي وجميع أهلها خصوصًا وقد عملوا بمكة أعمالًا شنيعة من هجم بيوت الناس وإخراجهم منها مع حريمهم ووضع أيديهم على أمتعتهم

стр. 361

وإتلافها وسكنهم فيها عوضهم فيستغيث (١) الناس فلا يجدون من يغيثهم إلّا الله تعالى، وكثر ضررهم بذلك، وصار يدعو عليهم كل قاطن وسالك. ثم إنهم تمادوا بالأذى وتجاهروا بالفسق في النساء وأخذ المأكولات من السوق بثمن بخس وبعضهم لا يعطي شيئًا، ووضَع رؤساؤهم سناجقهم أمام الرواق الشمالي [٨٥ ب] من المسجد الحرام بالقرب من باب السلام. وتكامل عددهم أربعة عشر سنجقا، ويقال مع كل سنجق خمسون رجلا جملتهم سبعمائة رجل، وصاروا يطوفون بها ويسعوْن ويعتمرون كل جماعة بسنجقهم، فالله تعالى يعين المسلمين عليهم. وفي يوم الثلاثاء خامس عشر الشهر وصل لمكة قاضي الحنفية الجديد وجيه الدين عبد الرحمن ابن الشيخ زين الدين أبي الغيث بن زبرق الشيباني المكي. وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر وصل لمكة نائب جدة العلائي علي الرومي وسكن في مسكنه بالمدرسة العينية المعروفة قديمًا بالمجاهدية، فتوجّه بعض الناس إليه يشكون الأروام عليه وضررهم وسكنهم في بيوتهم، فأرسل إلى جماعة منهم وتكلم عليهم وقال لهم: لا تسكنوا (٢) في بيوت الفقهاء والفقراء والمباركين فإنكم عسكر السلطان في الحرب وهم عسكره بالدعاء، فشكر الناس منه ذلك، ثم إنّ الأروام لازموا في سكن بيوت التجار الغائبين بجدة وأخرجوا حريمهم وبعض بيوت بني حسن بأجياد، ويقال بأمر نائب جدة، فالله تعالى يرفع عن المسلمين هذه الشدة.

стр. 362

شهر شوال الحرام استهل كاملا بالخميس من سنة ٩٣٢ هـ (١٥٢٦ م) وصلّى الناس العيد في المسجد الحرام وهم خائفون، ومن الأروام وجلون، خصوصًا لعبثهم بهم وانتهاك عرضهم، ولم يطلع أحد منهم المعلاة للتفرّج على العادة بل طلع بعض الرجال والصغار وكثير من الأروام، فلم يحصل فيها لعب من العوام. وفي آخر يوم تاريخه أشيع وصول القبطان الأمير سلمان إلى جدة من طريق السويس ومعه جماعة من العساكر الأروام، ويقال عدّتهم سبعمائة نفر، وكان مسيرهم نحو نصف شهر. وفي ضحى يوم السبت ثالث الشهر مات الشيخ العلامة الصوفي أبو البركات محمد ابن شيخنا العلامة المحدث شهاب الدين أحمد بن صحصاح الخانكي نزيل مكّة المشرفة الشهير كوالده بالحرفوش وجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الأعيان، ودفن بالمعلاة على قبر أبيه بتربة بني زائد تحت الحجون، وأثنى عليه الناس خيرًا لكثرة عبادته وتقشفه، وبعضهم ذمّه لحرصه على الدنيا وجمعها. وخلف أملاكًا وبعض معاملات يخفيها وله أم وبنتان وأخ غائب (١) عن مكّة وزوجة، فالله تعالى يرحمه ويسامحه. وقد كان بالمدرسة الشريفة وتوعك بها، وعاد إلى مكّة في آخر شهر رمضان لطلبه لذلك ومساعدة سيدي الشيخ ابن عراق له وحلول نظره عليه فإنه من جماعته، وقال إنه أسند وصيته له ولأمه وللخواجا عبد القادر القاري ولم تظهر صحة ذلك، والله أعلم بحاله. وفي يوم الجمعة رابع الشهر سافر من مكّة نائب جدة إليها وتتابع عسكر الأروام بعده جماعة بعد جماعة وصار حاكم البلد ومحتسبها من جماعة صاحب مكّة

стр. 363

الشريف أبي نمي يجمعون له الجمال ليسافروا (١) عليها، فأخذوا شقادف الناس وهجموا بيوتهم مع كثير من الجمال والحمير من أهلها بعنف بحيث قلّ الواصل لمكة من الأقوات والحبوب، وبيع الرطل الرطب [٨٦ أ] بمحلقين صغار، وكذا العنب فإن هذا أوان وصوله من الوادي والحجاز. وتكامل خروج العسكر من مكّة في يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر وخلا المسجد من سناجقهم الموضوعة فيه، فاطمأنّ أهل مكّة بعدهم وظهر الحب بحيث بيعت الربعية المصرية بخمسة محلقة صغار عن كبيرين ونصف صغير مع كثرة وجودها في السوق. وأشيع بمكة أنّ القبطان سلمان أمير العساكر الرومية نادى بجدة أن تباع الربعية الحب بها بأربعة محلقة، وباع حبّا له فيها بهذا السعر أمام منزله للآكلين، ومنع أهل السوق من شراء حبّه وصاروا يبيعون بزيادة نصف محلق على سعره، وتباشر الناس بالرخاء والأمن. واهتمّ القبطان بجهاز المراكب السلطانية التي كانت مقيمة بجدة ليسافر فيها بالعساكر مع المراكب الهندية، بل يقال إنه شحن بعض حوائجه فيها، ثم إنه نأى عن ذلك وأمر العسكر من الأروام بالعود إلى مكّة وذكر أنّ البحر عري عن إدخال مراكبه وضاق الوقت عن شحنها وسفره مع المراكب إلى الهند، فأرجف الناس بذلك واهتم له كل قاطن وسالك. ثم في يوم الثلاثاء عشريْ الشهر وصل أول لمكة (٢) وهجموا بيوت التجّار وبعض بيوت الناس الكبار وأخرجوا أهلها خصوصا الحُرم وانتهكوا حرمة الحرم وتضرّر منهم الخاص والعام، والتجؤوا إلى ربّهم الملك العلّام.

стр. 364

وكان من لطفه بهم [أن] (١) وصل إليهم في يوم الأربعاء سابع الشهر الشيخ العارف بالله قدوة السالكين، ومغيث المسلمين، أبو علي محمد … (٢) المهاجر بن علي بن عبد الرحمن نزيل الحرمين الشريفين المدعو بابن عراق، نفع الله به المسلمين في جميع الآفاق، متقدما عن قافلة المدينة الشريفة ومعه ولده الثاني المدعو عبد النافع وقليل من جماعته. ويقال إنه وصل بإشارة من النبي ﷺ وقال له: توجّه إلى مكّة لإصلاحها، وكان غائبًا عنها نحو خمسين سنة. ثم في يوم الأحد حادي عشر الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة وفيها جماعة من أهلها وأعيانها كقاضيها الشافعي السيد عبد الله السمهودي وقاضيها المالكي جمال الدين محمد ابن القاضي محب الدين السخاوي وعيالهما وأخبروا بغلاء المدينة في الحب والسمن وقصدهم تعلّقهم في الصدقة الهندية المظفرية، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويرخّص أسعارهم، ويؤمنهم في أوطانهم. وفي يوم الخميس خامس عشر الشهر وصل لمكة قاضي العسكر الرميلي كان واسع جلبي الرومي طلبًا للحج، وسكن في المدرسة الشرابية، وهرع الأعيان للسلام عليه وأظهر الزهادة والتقشف والعبادة. وفي يوم السبت ثالث عشريْ الشهر كَثُر ضرر الأروام ومسكوا بعض العوام فاجتمعوا بالشيخ ابن عراق بالمسجد الحرام فجلس بزيادة دار الندوة ومحلّ ورده في أوقات الصلوات الخمس وطلب قاضي العسكر الرميلي كان واسع جلبي الرومي وقضاة مكّة الأربعة ما عدا الحنفي [٨٦ ب] وجماعة من الأعيان وحضر خلق كثير من الأعيان وشكوا أمرهم العام، فجمع لهم الشيخ رؤساء العسكر وتكلم عليهم

стр. 365

كالأسد دفعا للشر بحيث أصغوا لقوله، وأرعبوا من طَوْله، وأمرهم بإخراج جماعتهم من بيوت الناس، ودفع الأذى عنهم والبأس، وأمر بإرسال جماعة إلى نائب جدة وأميرهم القبطان سلمان وكتابة أوراق لهما، فكتب لهما قاضي العسكر، بما عليه يُشكر، وعين الشيخ شهاب الدين الزبيدي وملا حاجي الكردي وكتب معهما رسالة إلى الأميرين المشار إليهما، وزوّدهما مع الدعاء بإعانتهما، وسافرا من مكّة في عصر يوم تاريخه مخفين، ولإعانة المسلمين مسرعين. فوصلا جدة في صبح ثاني تاريخه ودخلا على باب نائب جدة فوجدا عنده الأمير سلمان فأطلعاهما على ما عندهما، فأظهر لهما الأميران التشويش من فعل العسكر، وصار الأمير سلمان لذلك يتفكر، ونائب جدة ينكر عليه، وينسب فعلهم إليه، وهو يحلف بالله أنه لا يقدر على ردّهم، وأمر بالبطش فيهم وضربهم، وأنّ الشريف أبا نمي يفعل ذلك وهو يساعده عليهم وأنهم يرسلون للشريف الأمين عليهم خير الدين الرومي أحد أخصاء الخنكار ويكتبون للشيخ ابن عراق جواب ذلك، ففعلوا هذا مِن ساعتهم وخرج رسُله من يومهم، وعُدّ هذا من كرامته وملاحظة المسلمين بنفعه. فوصل إليه قاصداه في ظهر يوم الإثنين خامس عشريْ الشهر ثالث يوم إرساله وأخبروه بالجواب وأعطوا له ولقاضي العسكر كل واحد كتابًا وفيهما ما يسرّ المسلمين، ويقمع المفسدين. وفي أثناء هذه الأيام ثار العرب في البرية وأذاقوا الأروام بالقتل والنهب ومقابلة فعلهم بالحرب ويقال قُتِل منهم في طريق جدة أزيد من عشرين نفسًا، وانقمعوا بذلك يقينا لا حدسا، ولله الحمد على ذلك والمنة، ثم تواتر القتل فيهم بحيث زادت القتلى على المائة. وفي يوم الثلاثاء سابع عشريْ الشهر وصل الأمير خير الدين الرومي إلى الشريف أبي نمي بوادي الدكناء، أحد أودية مر، وكان عند سماعه بوصوله إليه

стр. 366

أرسل إليه أخاه الشريف ثقبة إلى وادي … (١) فلاقاه بها فأكرمه وأنزله في محل عظيم على بركة النزهة، وواجهه في صباح تاريخه فخلع عليه خلعة مثمنة يقال بنحو ثلاثمائة دينار وأزيد وأعطاه مائتي أشرفي وأخبره بفعل الأمير سلمان معه وتشويشه عليه، وأنّ العرب عصوا عليه بواسطة فعله وقطع البندر عليه، وأنه طائع للخنكار ولو كان الأمر بينه وبين سلمان حاربه، فإنه عدو له ولوالده. فحلف له الأمين خير الدين على المصحف الشريف أنه لم يطلع له على سوء وأنّ معه مراسيم الخنكار بأمر طاعة الشريف أبي نمي وأنه ما تأخر عن إحضارها له إلّا لعدم معرفته بالطريق إليه، وأن سلمان يقول له: الشريف في الجبال وهو بعيد، ولو عرفتُ أنّ هذا محلك ما تأخرتُ عن الوصول. فرضي الشريف منه بذلك وقال: أنا أرسل عسكري إلى العرب لحفظ الطرقات وعليّ جهاز العسكر لجدة على جمالي وأكفيهم ما يطلبون من شرب الماء والحطب، وإذا جاء وقت الحج أجهّز لهم أربعمائة جمل يحجّون عليها، وإن لم يخرجوا (٢) من مكّة لا أدخلها ولا أواجه الحاج، فوافقه على توجّههم إلى جدة وأنهم يسافرون أي وقت حصل لهم التسهيل [٨٧ أ] في البحر ولو كان قبل الحج. فقنع الشريف بقوله، فالله تعالى يحوطه بقوته وحوله. وأقام عنده بقية النهار ورجع إلى مكّة فوصلها مع جماعة أرسلهم الشريف معه في ليلة الأربعاء ثاني تاريخه واجتمع في صباحها بقاضي العسكر والشيخ ابن عراق وأخبرهما بعدم رضاهم بفعل العسكر وكلام الشريف له فقال له الشيخ ابن عراق: أنت فعلك مشتقّ من اسمك ووظيفتك خير الدين الأمين، وأخبرْني عن حقيقة حالكم، إن كان قصدكم خلاف ظاهركم فنهاجر من مكّة إلى غيرها ولا

стр. 367

نرى فيها شيئا (١) من الفتن، وعليّ جواب الخنكار فيما يفعلونه. فحلف له وبكى وقال: إن شاء الله أزيل كل مُشْتَكى، فتوجّه من عنده إلى منزله وقبض على جماعة من أكابر الأروام وأغلظ لهم في الكلام بل ضرب بعضهم وهدد بعضهم، منهم أحد رؤسائهم ابن أخت يعقوب الناظر بجدة كان، فإنه ممن هجم بيوت الأشراف، وفعل كثيرًا من الإسراف وجَرّس به. ثم في ضحى يوم الخميس ثامن عشريْ الشهر توجّه إلى المسعى الشريف مع جماعة من الأروام ووقف على باب مدرسة الأشرف قايتباي الجاركسي ونادى رؤساء العسكر وأغلظ لهم في الكلام بحضرة العوام وقال لهم: دلوني على من آذى الناس منكم وإلّا ضربتكم، فصار الرؤساء يخبرونه بالمؤذين ويشيرون إليهم، ومن كان غائبًا أحضروه. فضرب منهم … (٢) نفسا ضربا مبرّحا على مقعدته كل واحد بعصاتين نحو المائة وأزيد من ذلك وأقلّ، فذلّوا لذلك، وانشرح لفعله كل قاطن وسالك، فالله تعالى يُكْثر من أمثاله، ويزيده من أفضاله. وفي ثاني تاريخه أراد الأمين خير الدين قتل جماعة من المؤذين فنهاه الشيخ ابن عراق عن ذلك وقال: يكفيهم الأدب بالضرب، فحينئذ جَرّس ثلاثة أنفس منهم، وجعل كتف كل واحد منهم مكشوفا وغرز فيه سكينا نافذة في لحمه، وبعدهم جَرّس ثلاثة نسوة ممن يُفْسَق بهن وأركبهن على حُمُر في الشوارع سافرات الوجوه إحداهن يمانية وثانيتهن بجلية (٣) وثالثتهن مولدة (٤)، جزاه الله على فعله خيرا، وسكنت الفتنة لذلك بعض سكون.

стр. 368

وفي أثناء هذه الأيام قلّ الواصل من جدة وغيرها وغلت (١) الأسعار في الحبوب بحيث بيعت الربعية المصرية بثلاثة محلقة كبار عن سبعة صغار ونصف واليمانية بزيادة نصف والذرة بستة ونصف ولا يظهر في السوق إلّا القليل أول النهار وصاروا يكيلون الفول (٢) كل ربعية بخمسة محلقة صغار عن كبيرين، وعدم السمن من الأسواق وبيع خفية كلّ رطل مصري بخمسة عشر محلقا وكل رطل سمن بثمانية عشر محلقا صغيرًا وأزيد من ذلك. وقاسى الناس شدة وذلك لخوف الطريق من العرب. ثم إن الشريف أبا نمي أرسل أخاه الشريف ثقبة مع جماعة من عسكره إلى طريق جدة بخيول عدة فقبض على بعض العرب وقتل بعضهم ونادى بالأمان والاطمئنان، فعادت بعض القوافل من جدة وقلوبهم مرتجة على غير الطريق المعتاد، ثم عادوا منها بعد طمأنينة العباد، فالله تعالى يديم ذلك على المسلمين، ويؤمّن جيران بلد الله الأمين، بجاه سيد المرسلين ﷺ . شهر ذي القعدة الحرام استهل كاملًا بالسبت وهو ثالث شهر كامل من سنة ٩٣٢ هـ (١٥٢٦ م) [٨٧ ب] ويقال إنّ الوادي وغيرها من البلدان رأوا الهلال بالجمعة، لكن أهل مكّة المشرفة أرّخوا برؤيتهم. وفي أول الشهر حصل الأمن في طريق جدة والأودية وسلكتها (٣) القوافل وجُلبت الأقوات إلى مكّة. وسافرت المراكب الهندية في يوم الأحد ثاني الشهر

стр. 369

وعدّتها ستة، وعاد بعض التجار مع غلو كراء الجمال كل حمْل بخمسة أشرفية، فلذلك ارتفع سعر الحب فبيعت الربعية اللقيمية بمحلقة كبار أربعة عن عشرة صغار وبعضها بتسعة، وكذلك الدخن والمصرية بثمانية صغار والذرة بسبعة صغار والشعير بستة صغار. ثم في يوم الخميس سادس الشهر وصلت أوراق من جدة للحناطين بمكة أن الحب نزل بجدة كل ربعية مصرية بستة محلقة صغار، وذلك لوصول جلاب من اليمن والقصير فنزل السعر قليلًا بمكة، فالله تعالى يحقق ذلك ويرخّص أسعار المسلمين. وفي هذه الجمعة قَلّ الرطب وبيع كل رطل بمحلقين صغار والرطل اللبانة اليابسة بكبير عن محلقين صغار ونصف، والرطل العنب بمحلق ونصف والرطل الضاني بمحلق كبير والماعز والجملي بصغيرين، أرخص الله الأسعار على المسلمين، بجاه سيّد المرسلين. وفي يوم الثلاثاء رابع الشهر جاء الخبر من جدة للأمير خير الدين الرومي أنّ القبطان سلمان ما وافق على سفر العسكر من مكّة وعودهم الجدة، فتشوّش من ذلك وأرسل لسيدي الشيخ علي (١) بن عراق يتألّف خاطره ويتبرّأ من مخالفة ما وقع الوفاق عليه، فقال الشيخ: أهاجرُ من مكّة ولا أحج في هذا العام، لضرر الخاص والعام، فأرسل الأمير خير الدين إلى صاحب مكّة السيد أبي نمي الحسني ابن أخي يعقوب الراشدي ومعه جماعة من الأروام يخبره بجواب القبطان سلمان ويُظهر له التبرّي من مخالفته ويطلب جِمالا لحمل حصل له من جدة لمكة مع أفراس لحفظه. فيقال إن الشريف أبا نمي لما وصلوا إليه وأخبروه بذلك أظهر الغيظ عليهم وقال: لا يجيء أحد منكم، وأما النوتي سلمان فأقطع رأسه، ورضا الخنكار عليّ،

стр. 370

وتكلم في نائب جدة قال: ذلك خائن يحلف باطلا وليس عندي خيل ولا جمال، فإني لست غلاما لهم وبيني وبينهم الحرب ويتأهبوا لذلك، فصار ابن أخي يعقوب أحد رؤساء العسكر يترضى الشريف أبا نمي بالقول والسلام عليه حتى سكن ما عنده ووعده بالإصلاح بينهم، فالله تعالى يقدّر للمسلمين كل خير، ويدفع عنهم كل شر وضير. وفي يوم الجمعة سابع الشهر طلب نائب جدة والقبطان سلمان الأمين خير الدين لجدة فسافر في عصر يومه ويقال للصلح بينهم وبين الشريف، فالله تعالى يحقق ذلك. وفي ضحى يوم تاريخه نادى منادي الشريف في شوارع مكّة أن لا يتوجّه أحد من الناس إلى سبْتِ منى للخوف في طريقها فامتنع الناس من ذلك. وفي ليلة السبت ثاني تاريخه وصلت لمكة من المدينة الشريفة [قافلة] (١) وفيها جماعة من أهلها وكبيرها الخواجا عبد القادر بن محمد بن عيسى القاري وأخبروا برخاء المدينة عما كانت عليه الأسعار قليلًا مع مطرها. وفي يوم تاريخه وصل لمكة أيضًا جماعة من عسكر الأروام يقال نحو مائة نفس بسنجقين [٨٨ أ] فوضعوا في المسجد الحرام لتكملة ستة عشر سنجقًا وسكن بعضهم في بيوت الناس الخالية وبعضهم في المسجد الحرام. وأشيع أنه وصل لجدة بعض جلاب فيها عسكر أيضًا يقال نحو ثلاثمائة نفس وبقي مثلهم تكملة الألفين، فالله تعالى يعطي الناس خيرهم، ويدفع عنهم شرّهم. وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصل لمكة حمل نائب جدة العلائي علي الرومي ويقال فيه متحصّل مال جدة للخنكار، وبلغ عدّته مائتي ألف وثمانين ألف دينار، وذلك جميع ما هو للسلطان والشريف صاحب مكّة ورسوم عسكره والزوامل

стр. 371

المقررة لأرباب الوظائف والمساجد والقرب وغيرها من المكوسات. وكان للسلطان نحو ربعها وللشريف مثله، وذلك أن الخنكار أمر بقبض جميعه في عام تاريخه ليصرف على العسكر المجهّزين للفرنج في جهة الهند القبطان سلمان. وأرسل الخنكار مرسومًا لصاحب مكّة الشريف أبي نمي يخبره بذلك، ويأمر نائب جدة العلائي علي بتسليمه. ويقال إنّ السبب في ذلك هو والقبطان سلمان لأذية صاحب مكّة وإضعافه فحصل بذلك وبوجود العسكر المجهّز من الروم غاية الضرر لصاحب مكّة وسكانها لضيقهم (١) المعاش على أهل مكّة وغلو الأقوات وخوف الطرقات، فلله الأمر من قبل ومن بعد. وكانوا يظنون أن محصول جدة شيء كثير جدًا فظهر لهم ذلك. وتوجّه نائب جدة من وادي جدة إلى وادي الدكناء من وادي مر لمواجهة الشريف أبي نمي لإزالة ما في خاطره وللإصلاح بينه وبين القبطان سلمان، فلاقاه الشريف وأكرمه وأضافه وقدم له الآخر هدية سنيّة من تحف الهند تقطع ألوفا من الدنانير، كما يقال، وحلف له على المصحف الشريف بعد أن أراه له وقال: لا أعمل مثل المصريين بالحلف على الصابون، للتورية بالحلف على المصحف الشريف بأنه لا يريد عليه سوءا، وظاهره وباطنه معه سواء، ولا يعلم عليه إلّا الخير والاستمرار على ولايته من جهة الخنكار. وكذا أمر القبطان سلمان لكنه يطالبه بألفي دينار وحب قبضه والده الشريف بركات في غيبته بغير وجه شرعي، فقال له: خلفه كان مصطفى الرومي للجماعة الذين سافروا لسلمان إلى مصر والحب عشور رجب وصل معه، ومرجع ذلك إلى العادة، وليس له بذلك عليّ طلب، فقال له: إن كان كذلك فليس له مطالبة عليك. فطاب خاطر الشريف بذلك وأقام النائب عنده إلى آخر النهار وعاد إلى مكّة المشرفة فوصلها ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه وقصده القضاة والأعيان للسلام عليه،

стр. 372

ووصل صحبته محتسب مكّة الحاج علي بن عبيد المغربي، وكان في فريق الشريف توجّه إليه خوفا من الأروام، فأظهر همة عند وصول بالندي (١) ورخّص الأسعار، فوافق وصول قافلة من بجيلة فيها حب لقيمية فبيعت كل ربعية منها بسبعة محلقة ونصف عن ثلاثة كبار والمصرية بسبعة بنقص نصف محلق والدخن مثلها والذرة دونها. وأشيع أنّ القبطان سلمان بلغه بجدة أن الشريف قبض على نائبها ونهب العرب [٨٨ ب] مال الخنكار فحصّن جدة بالمدافع وغلق سورها ومسك أولاد حاكم جدة عبد الشريف صاحب مكّة وأراد إحداث أمر فيهم فقال له الأمير خير الدين: لا تفعل شيئًا فإن الشريف عاقل ولا يصدر منه تشويش، ثم ظهر لهم سلامة وإكرام نائب جدة، فنُودي في البلد بالأمان والاطمئنان وأن البلاد للشريف أبي نمي وأطلق أولاد الحاكم، فالله تعالى يسلم المسلمين، ويخمد الفتن عن جيران بلد الله الأمين. وفي نصف ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر ماتت ابنتي المولودة في سنة تاريخه أم الخير سيّدة الجميع المدعوة محسنة (٢) وعمرها سبعة أشهر، فجهّزتها في صبح تاريخه وصلّى عليها قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة عقب قراءة سورة الأنعام بالحطيم عند باب الكعبة وشيّعها جماعة من القضاة والفقهاء وغيرهم ودفنت على أخواتها بتربة سلفنا بالحجون من المعلاة، وحزنتُ عليها وأمها كثيرا لكونها ثاني ابنة توفيت لنا في هذا العام، فالله تعالى يجعل قراها الجنة ويعوضنا فيها عوض خير بذَكَر صالح إن شاء الله تعالى. وفي صبح يوم الجمعة رابع عشر الشهر وصلت إلى مكّة عدّة رسل من

стр. 373

صاحبها الشريف أبي نمي إلى نائب جدة العلائي علي الشاووش، أولها يقال إخباره بوصول قاصده الشريف محمد السمهودي المدني من الروم بإنعام الخنكار عليه بإمرة مكّة وأعمالها على جاري عادته وخلعة ومراسيم، ومشورته في دخول مكّة لقراءة مراسيمه ولبس خلعته، وأنّ العسكر من الأروام يتوجّهون إلى وادي منى خوفا من حصول فتنة بينهم وبين عسكر بني حسن، أو يتوجّه له للوادي لسماع مراسيمه. وثانيها خبره بهروب عمومته عنه ليلة تاريخه بعضهم إلى جهة وادي الخيف وأولاد الشريف حميضة ورميح ابن عمه شرف الدين ومحمد ابن عمه قايتباي، وكانوا أظهروا له التوجّه لأجل مقام لزواج بنت صهره الشريف بساط بن عنقا بالخيف، وأرسل معهم أخاه الشريف ثقبة ليلصق عليها، فعلم (١) بتوجّه الأولين إلى جدة فتشوش من ذلك وقال لنائب جدة: إن كان فعلهم عن مباطنة منك أو من القبطان سلمان فعرّفني بذلك، فأرسل له بالجوابين أن البلاد بلاده وحلف له أن ليس له علم بفعل عمومته وظهر من جوهر المغربي آراء سديدة في تسكين فتنة أعمام الشريف وأغدق عليهم. ثم في ظهر تاريخه جاءه قاصد ثالث من مماليك الشريف يخبره بوصول عبد قاصده مسلّم البدوي من مصر وأنه فارق الحاج من العقبة وهم بخير، وأن معه مراسيم من ملك الأمراء بمصر سليمان الخصي أحدها للشريف بولاية مكّة على عادته، وثانيها لنائب جدة يأمره بموافقة الشريف أبي نمي وعدم مخالفته ومشاورته في تصرفاته فإنه بلغه مخالفته، وأنه أمر قاصديه الجمالي محمد بن مدهش وأحمد بن نصر بالتوجّه إلى الروم للأبواب الخنكارية ويتكلمان (٢) في أمر بندر جدة، فالله تعالى يطمئن المسلمين ويصلح أحوالهم.

стр. 374

وأشيع أنّ الشريف أبا نمي أرسل الشريف عرار بن عجل النموي في خمسين فارسا لطلب عمومته الهاربين منه إلى الخيف ثم أردفه بصهره بساط بن عنقا بثلاثين فارسا [٨٩ أ] ثم بأخيه ثقبة في مائة فارس ثم توجّه بفريقه إلى جهة مشرعة الجموم (١) ويقال إنّ الخيل نزلت هالة الخيف (٢) على نية الإصلاح بين الشريف وعمومته، فأصلح بينهم القائد جوهر بالحسنة. وفي ليلة الأحد سادس عشر الشهر وصل إلى مكّة الخبر بوصول قاصد صاحب مكّة السيد أبي نمي محمد بن بركات الحسني وهو السيد جمال الدين محمد ابن عبد الكريم بن عبد الله السمهودي المدني من الروم مراسيم وخلع من الأبواب الخنكارية المظفرية العثمانية باستمراره على ولاية مكّة عقب وفاة والده. وكان وصل إلى القاهرة من البر ثم توجّه إلى الطور وركب البحر المالح وعاد فيه إلى بندر ينبع وركب منه في البر إلى جهة الشريف فواجهه نازلا (٣) على مشرعة وادي الجموم أحد أودية مر وذلك لمحاصرة عمومته المخالفين عليه مع أولادهم المتوجّهين إلى وادي الخيف، فأرسل نائب الحاكم بها وابن أخته القائد مرشد الحريري وأمره بزينة مكّة سبعة أيام ولعب الحمام على العادة أمام منزل الشريف بأجياد. فنودي بالزينة ضحوة يوم تاريخه ولعب الحمام في عصره أهل مكّة العوام وغريب الدار، وفرح الناس بذلك، وأمن القاطن والسالك. وكان اتفق في ليلة تاريخه وصول قافلة من جدة فيها الخواجا الشيخ علي القيلاني وعديله شاه محمد قوام ومعهما عدول قماش، فخرج عليهم جماعة من

стр. 375

العرب بالقرب من مكّة وقطعوا … (١) حتى سقط إلى الأرض فسطا العرب عليها بالسيوف وأثخنوا جراحاتهما مع جماعة من خدمهما وأخذوا لهما بعض الأمتعة وتركوا الغالب فدخلوا مكّة مجرحين، وعلى أنفسهم خائفين، فأقام الشيخ علي في منزله إلى ضحوة النهار ثم مات، وجهّز في يومه وصلّي عليه عصر تاريخه ومعه جماعة من التجار والأعيان ودفن بالمعلاة. وتوفي بعده شاه محمد قوام أيضا، رحمهما الله تعالى، وخلَّف ابنة صغيرة وأخا كبيرا، وضبط نائب جدة تركته مع سابق عداوة بينهما، وما عُلم قاتله، وأثنى الناس عليه خيرًا، رحمه الله تعالى. وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه وصل لمكة الأمير خير الدين الرومي ومعه جماعة من الأروام. وأشيع أنّ الشريفين (٢) أبا الغيث ورميثة عمّيْ (٣) الشريف أبي نمي توجّها إلى جدة لمواجهة القبطان سلمان وأقاما بظاهرها عند الصهاريج وأرسلا له قاصدا يخبرانه (٤) بوصولهما مخالفين لابن أخيهما أمير مكّة السيد أبي نمي وقصداه بمددهما، فامتنع من مواجهتهما وعدم إرسال أحد من جهته لهما، وقال لرسولهما: أنا جندي من تحت الأمر مثلهما وأخاف من سطوة الخنكار. فلما علما منه ذلك توجّها إلى جهة الخيف ونزلا عند أهله الأشراف من بني حسن فوجدا عسكر الشريف أبي نمي مقيمًا في المرابط، فخرجا من الخيف في أربعة أفراس متوجّهين إلى ينبع، فبلغ الشريف أبا نمي (٥) خبرهم فأرسل في طلبهم أخاه الشريف ثقبة في ثلاثة عشر فرسا وبعض ركاب عليها جماعة من عبيده وصحبتهم

стр. 376

الشريف باز بن فارس بن شامان الحسيني ابن عمته خزيمة وأمرهم بالقبض عليهم والفتك بهم، فقال له الشريف باز: أنا حسيني غريب عنكم، فقال له الشريف أبو نمي: أنت مشير لا قاتل، فتوجّهوا إلى جهة عسفان فلم يجدوا أحدا سبقهم إليها فعادوا إلى طرف البرقاء (١) فرأوا خيلهم بها، فلما أحسوا بهم [٨٩ ب] ولّوْا منهزمين إلى جهة الخيف والطلب في أثرهم، فلما رآهم (٢) أهل الخيف مقبلين عليهم خافوا من طلب الشريف أبي نمي لهم بعسكره، فلما تحققوا قلّة الفزع أمنوهم ودخلوا بهم إلى بلدهم وعاد الشريف ثقبة إلى أخيه وأخبره بخبرهم فأرسل إليهم وإلى الأشراف يطلب منهم خيوله ودروعه التي تحت أيديهم من جهته وجهة أبيه، فجاءه جماعة من أكابر الشرف منهم عرار بن شقيق و … (٣) من فعل عمومته وأنه لا يرضيهم ذلك وحلفوا له على الطاعة ومشوا في الصلح بينهم، فالله تعالى يقدر خيرًا ويصلح خيرًا. وفي صبح يوم الثلاثاء ثامن عشر الشهر ركب الأمين مصلح الدين الرومي ونائب جدة علي الشاووش وأمامهم محتسب مكّة النوري المصري وبعض مقدمي الأروام وداروا على بيوت العسكر بمكة وأمروهم باجتماع كل مائة نفس أو خمسين نفسا في بيت، وأمروهم بإعطاء كراء كل منزل لأصحابه، ومَن لا يكون (٤) معه نفقة يعطى له من مال الخنكار، فشكر الناس من فعلهم هذا وتضرر بعض أهل المنازل من اجتماعهم وكثرتهم في كل منزل خوفا على خرابه، خصوصا وليس لهم دربة ولا شفقة على المنازل وأهلها، وانتقل بقية الأروام الساكنين في المسجد إلى البيوت على هذا الشرط، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

стр. 377

وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه أشيع بمكة أنّ الشريف أبا نمي توافق مع عمومته على جواز شهر وعشرة أيام في الإقامة بفريقه ثم يذهبون إلى اليمن أو الشرق ولا يتوجّهون إلى الشام، وتحالفوا على ذلك اتباعًا لطريقة العرب، ويقال إنه زادهم في عطائهم نفقة وكسوة لسؤالهم في ذلك من فضله. وفي آخر ليلة الخميس عشريْ الشهر مات الشريف عبد الله ابن السيد أصيل الدين محمد بن … (١) الحسيني المجذوب خال قاضي المالكية القاضي عبد الوهاب بن يعقوب المالكي فجهّز في صبح تاريخه وصلّي عليه عقب قراءة الأنعام بالحطيم وشيّعه القضاة الأربعة وخلق من الفقهاء وغيرهم، ودفن بتربة والده بالمعلاة. وكان تحرك عليه حدور وانقطع في البيت مدة ثم برز لبيت القهوة فَحُمل منها وهو مشترك في النزع وعمره نحو الخمسين، فان مولده في رمضان سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة وجُذِبَ من ثلاثين سنة، ويقال إنه كان يستحضر الجان ويتعلق على الأسماء الروحانية، فلذلك تغيرت هيئته في ملبسه وحركته، وكان يلبس القميص مدة بقائه حتى يتقطع ولا يغسل جسده ويحمل في كمّه خِرَقا محزومة وُجد فيها فلوس نحو المائتين مزيفة (٢) وخاتمين فضة وسكينين، فكان ذلك مخلّفه مع أخته السيدة فاطمة وابن أخيه السيد زين العابدين بن محمد. وذكر له كرامات، نفع الله به وبعباده الصالحين. وفي مغرب ليلة الجمعة ثاني تاريخه ماتت … (٣) ابنة علي بن عيسى القاري زوجة قريبها أحمد بن الحسين القاري أم أولاده، فجُهّزت في ليلتها وصُلّي عليها صبح تاريخه ودفنت بالمعلاة في تربتهم بالشعب الأقصى، رحمها الله تعالى وإيانا والمسلمين، وخلّفت أربعة أولاد صغارا بل أحدهم نفساء عليه. وفي صبح تاريخه نودي بمكة أنّ عسكر الأروام يتوجّهون إلى وادي منى حتى

стр. 378

يدخل مكّة صاحبها أبو نمي الحسني بعسكره ويلبس خلعة الخنكار بها، فتوجّهوا آخر النهار إليها. وحصل [٩٠ أ] بمكة شعث ورياح وبعض مطر وكثيرُهُ بمنى حتى سالت الجبال وأسقيتْ البساتين بها وحصل النفع لأهلها، وكان عادتهم يملؤون (١) الصهاريج للحجاج في شهر تاريخه فنشفت آبار منى وغلا الماء بها بحيث باعوا كل عشرة راوية بأشرفي، فقال سيدي الشيخ ابن عراق، نفع الله به، لبعض من شكا عليه ذلك: يصبر الناس إلى أول الشهر ويملؤون الصهاريج بسهولة، إن شاء الله تعالى. فقدّر الله حصول هذا المطر ببركة دعائه، نفع الله المسلمين به وأعاد علينا من بركاته. وفي صبح يوم السبت ثاني عشر الشهر قدم مكّة صاحبها الشريف أبو نمي ومعه عسكره نحو مائة وخمسين فارسا وكثير من الرجال المشاة العبيد والعرب وأهل مكّة وبعض الأروام، فعرض من الزاهر ولبس خلعته من بين الحجونين، ودخل معه نائب جدة والأمين مصلح الدين والقاضي الشافعي وعَمّاه الشريفان شولق وسيسد والشريف عرار بن عجل لابس، والسيد محمد السمهودي القاصد إلى الروم بلا خلعة، وشقوا المسعى، وتوجّه الشريف أبو نمي إلى منزله وخلع خلعته وخرج من أسفل مكّة جهة الشبيكة وأقام بالزاهر وكان الناس ينتظرون دخوله إلى المسجد لقراءة مراسيمه فلم يأتهم، فخاط الناس في ذلك وماطوا. فتوجّه له نائب جدة والأمين خير الدين فسألاه في قراءة المراسيم فتخيّل منهما وقال لهما: قد رأيتما المرسوم ولا يحتاج إلى قراءته بحضرتي، وأرسل به مع القائد ياقوت بن عجلان مقدم المماليك، فدخل به إلى المسجد واجتمع هو والقضاة الأربعة وأمير جدة وقُرئ أمام مدرسة الشريف بالجانب اليماني أمام باب أم هاني على كرسي. ومضمونه: الثناء

стр. 379

على الشريف أبي نمي لطمأنينة الحاج في العام الماضي وإخباره بوصول قاصده عقب وفاة والده وتعزيتهم به، وأنه مستمر على وظيفته ويطالعهم بكل ما يحدث له من الأقارب والأباعد من غير زيادة على ذلك، ثم دعى للخنكار وانفض المجلس. ويقال إنّ الشريف تخيّل من نائب جدة طلب الشريف عند مواجهته له وبلغه أنّ عسكر الأروام عائدون من منى، فحماه الله ومن الشر وقاه، وأقام بالزاهر بقية نهاره وأرسل له فيه القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة ضيافة على عادته فأكلها وجاءه المغاني فانشرح بهم ثم عاد إلى الحجون وزار والده ورأى قبّته الجديدة، وكان الأروام نازلين من منى فتوجّه في آخر نهاره إلى فريقه بوادي مر. ووصلت إليه به راحلة الينبع بأخبار الحاج وهم قليل، ورَكْب المصري والشامي قليل جميعا، وأنّ البلاد له من غير معارض له في ذلك، فاطمأن خاطره. وفي يوم الثلاثاء خامس عشريْ الشهر على رؤية أهل مكّة وسادس عشريه على رؤية الحاج بالعقبة شُمّرت ثياب الكعبة الشريفة، ويقال إحرامها، على العادة عند العوام. وفي عصر تاريخه وصل لمكة سبق الحاج بعض أروام وعرب أدلّاء (١) الطريق. وفي ثاني تاريخه تتابع جماعة آخرون من الأروام وهجموا بعض البيوت وعيّنوها لأصحابهم الواصلين مع الحاج، فتشوّش الناس من ذلك وشكوا أمرهم لنائب جدة فوعد بإعطاء كرائها. وكُتِبْتُ ضمن [مَن] (٢) عُيّنَ بعض بيوته، واحتسبْتُ بالله تعالى مع غالب أهل حارتنا. و في ظهر يوم الخميس سابع عشريْ الشهر دخل لمكة كثير من حجاج مصر وغالبهم أروام [٩٠ ب] وبعض أرياف وتكاررة. وأخبروا أنّ الشريف أبا نمي

стр. 380

عرض لأمير الحاج المصري في وادي الجموم بعسكر كثيرا من الخيل، والرجل جمعهم من الشرق واليمن ومكة المشرفة وغيرها، وطلب من أمير الحاج خلعته، وهو رومي واسمه سنان الكيخيا، وُصِف بالعقل والتدبير، فطلب منه التوجّه إلى مكّة ليلبْسها (١) فيها، فقال له الشريف: أنا لا أدخل مكّة ما دام العسكر المجهّز مع القبطان سلمان فيها وكذلك نائب جدة الشاووش علي الرومي، وشكا منهما، وكان واقفا بعسكره أمام الحاج ولم يقربهم فأمرهم بمواجهته وحلف له على المصحف الشريف بعدم خيانته، فقال له أمير الحاج: أنا جئت للحج ولا أحلف لك ومهما طلبتَه أفعلُه لك، وأرسل له بخلعته على رأس حامل لها فلبسها وهو على فرسه وتوجّه إلى فريقه بالقرب من وادي أبي عروة (٢). ثم في ليلة الجمعة ثاني تاريخه دخل مكّة أمير الحاج المصري وطاف وسعى وعاد إلى الزاهر خارج مكّة، على العادة، وبات بها إلى الصباح، وكذا أمير الشامي واسمه أويس الكاشف، وأقاما بها إلى ضحوة النهار، فدخل أمير المصري مكّة بعرضة صغيرة فيها عسكره، وتوجّه أمير الشامي إلى محطته بالأبطح، ولم يحصل بدخولهما أبّهة لعدم ملاقاة صاحب مكّة الشريف أبي نمي لهما. ويُقال إنّ أمير الشامي لما سمع أنّ أمير الحاج المصري أرسل للشريف أبي نمي خلعته أرسل له الآخر بخلعته إلى الوادي وعتب على أمير المصري لعدم إخباره بذلك، ودخل مع الركب المصري أمين الصدقة الرومية وكاتبها وسكن الأول في مسكن الأمناء بمنزل قاضي القضاة التاجي المالكي على عادتهم وما وافق الكاتب على سكنه بالمدرسة الزمامية على العادة بل سكن عند الخطيب عبد الرحمن النويري بسوق الليل، والله يقدر للمسلمين خيرًا.

стр. 381

شهر ذي الحجة الحرام (٩٣٢ هـ / ١٥٢٦ م) استهل في ليلة الأحد ناقصًا ورآه القاضي الشافعي والفقهاء وغيرهم من علو جبل أبي قبيس المقر العلائي وقاضي القضاة الشافعي وجميع الحاج من أسفله. وفي صُبحِه اجتمع نائب جدة المقر العلائي وقاضي القضاة الشافعي وغيرهم من جماعة صاحب مكّة الشريف أبي نمي فقُرِئتْ المراسيم الخنكارية ونائب الديار المصرية بالوصية على الكاشف سنان الرومي أمير الحاج، ثم أخلع على أمير علي نائب جدة والقاضي الشافعي وأرسل للشريف خلعته إلى محله وطمأن خاطره. وفي ثاني تاريخه فُرقت المبرّة الرومية في الرواق الغربي من المسجد الحرام أمام منزل السيد علاء الدين ملك التجار بالقرب من باب العمرة وانفرج الناس بها واستمروا يفرقونها (١) أربعة أيام متوالية من أول النهار إلى بعد صلاة العصر، وشكر غالب الناس مَن يفرقها، وأصلح الأمين كثيرًا من الأسماء مع إلحاق أسماء عوض الأموات، وتكلم بعض العامة في قطع بعض أسمائهم وشكوا أمرهم لقطب الآفاق سيدي الشيخ محمد بن عراق فكلمه الشيخ في أمرهم فأرضى بعضهم بكتابة اسمه، فالله تعالى يجزيهم خيرا وينصر الخنكار ويُثيبه على فعله أجرا. وفي ضحى يوم الخميس خامس الشهر وصل لمكة القبطان سلمان الرومي وعرض بعسكره [٩١ أ] عرضة هائلة وشق المسعى إلى باب الصفا ونزل عند الأمير خير الدين الرومي ثم توجّه إلى سكنه بالسويقة في بيت الطاهر المجاور لباب المسجد الحرام، ويقال إنه تكلم في الشريف أبي نمي عند أميريْ الحاج المصري والشامي، فسعى أمير المصري بالصلح بينه وبين الشريف، جوزي خيرا، وكان ذلك قبل دخوله لمكة في يوم الأربعاء رابع الشهر وتوجّه أمير الحاج صحبته إلى محطة

стр. 382

الشريف أبي نمي عند جبل حراء بأسفل مكّة، ثم دخلها في صباحها. وفي يوم تاريخه أوصى الخواجا شرف الدين بن حمزة ابن شيخ الدهشة الحلبي نزيل مكّة لطول وجعه وأسند وصيته لابن أخيه محيي الدين وغيره. وكان يُتهم بالتشيّع، والله أعلم بحقيقته. وفي ليلة الجمعة سادس الشهر توفي إلى رحمة الله تعالى وجهّز في ليلته وصلّي عليه عقب صلاة الصبح عند باب الكعبة وشيّعه خلق إلى المعلاة ودفن بها بالحجون وباشر نزوله إلى قبره شيخ الرافضة بالشام شمس الدين بن هلال بطلب (١) أخى الميت له، ويُقال إنّه كسر يده اليسرى على معتقد الرافضة في تعطيلها عن أخذ كتابه بها، وأنْكرَ ذلك في المجلس، وكنتُ حاضره، نعوذ بالله من أهل الفساد ونقص العقول والألباب. وفي يوم الأحد ثامن الشهر توجّه الحاج لعرفة والناس خائفون وجلون من إحداث العسكر فتنة بها فسلم الله تعالى منها بواسطة شيخ الشيوخ محمد بن عراق، نفع الله به المسلمين في جميع الآفاق. وكانت الوقفة بالإثنين وعاد الحاج سالمين (٢) بعد إكمال مناسكهم، فلله الحمد والمنة. وفي يوم الأربعاء خامس عشري الشهر وصل الخبر إلى مكّة بوصول إحدى عشر جلبة من اليمن فيها حب وأربع جلاب من قصير، فتباشر الناس ورخصت الأسعار بجدة، بيعت الربعية المصرية بستة محلقة صغار والنخلية بستة ونصف. وفي يوم السبت ثامن عشريْ الشهر وصل حمول من جدة وبيعت الربعية المصرية بأربعة محلّقة ونصف والربعية الذرة والدخن بأربعة محلّقة والربعية الأرز

стр. 383

بسبعة محلّقة. شهر الله المحرم الحرام من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٦ م) استهل بليلة الإثنين من غير رؤية للهلال إلّا لأفراد من الناس جاؤوا من طريق العمرة أخبروا برؤيته، وثبت ذلك عند قاضي القضاة الشافعي في صبح تاريخه، وأوقدتْ شموع المطاف الكبار مع شَعْل (١) المقامات في ليلة الثلاثاء ثانيه إيهاما لغالب الناس أنها أول الشهر والسنة، فعُدّ ذلك من الحوادث المظلمة، فالله تعالى يعطي الناس خيرها ويرخّص أسعارها ويؤمن المسلمين في جميع أوطانهم، ويبلغهم نصرة سلطانهم. وكانت الأسعار بمكة غالية في جميع الأقوات فقيمة الحب المصرية كل ربع بدينار وزيادة نصف محلق والرطل السمن بأشرفي والرطل اللحم بمحلق كبير، وكلها عزيزة الوجود مع غالب المأكولات ما عدا الماء الحلو فكثير مع رخصه لتوالي الأمطار في القرى والقفار. واتفق فيها من الحوادث المظلمة، التي هي للقلوب مؤلمة، توهين خطبة المسلمين، ببلد الله الأمين، وذلك أن بعض المحدثين يقال له محيي الدين العراقي وعُرف في بدايته بالحمصاني [٩١ ب] سافر إلى بلد الروم سنة تسع وعشرين وتسعمائة وسعى في ثُلُثَيْ الخطابة موهما شغورها عن سيدي الخطيب محب الدين النويري لموته وذلك من مدة ثمانية أعوام، وكان تلقّاها عنه قريبه الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري وباشرها مع باقيها بولايته عن السلطان لذلك سليم خان ابن عثمان عند قدومه لبلاد الشام. فحين وصول العراقي لمكة في موسم سنة تسع وعشرين منعه صاحب مكّة السيد الشريف زين الدنيا والدين أبو زهير بركات بن

стр. 384

محمد الحسني لتدليسه وعدم أهليّته فانقمع لذلك، وانحسمت (١) مادة التعدي لمن سلك هذه المسالك، فقدّر الله تعالى وفاة مولانا السيد الشريف بركات، رحمه الله تعالى، وتولى عوضه مكّة نجله السيد المؤيد السيد الشريف نجم الدين أبو نمي محمد وعضده بعد وفاة والده نائب جدة المقر العلائي علي الرومي الشاووش، فمال الشريف أبو نمي إليه، وعوّل في أموره عليه، فطمع الأمير في جانبه لصِغَر سنّه وما علم أنه ليْثٌ من أسد، وجانبه أقوى منه وأشد، لكونه من بيت النبوة، وارث الشجاعة والرئاسة من الجدود والأبوة. فكاتب ملك الروم يُخبره بوفاة صاحب مكّة وأنه قام بولده بعده. ويقال إنّه كتب بذلك محضرا دسّ فيه بعض أغراضه ليتوصل بها إلى مراده وأخذ خطوط جماعة من أرباب الوظائف بها وبعض الغرباء المقيمين فيها مع إحسانه إليهم فعاد ضرر ذلك عليهم لكون المحضر وصل إلى الديار المصرية واطلع عليه مُدبّر المملكة جانم الحمزاوي فأرسل به إلى الشريف أبي نمي، فتحمّل ممن كُتِب فيه ويقال منهم الخطيب عبد الرحمن النويري، فبلغ ذلك خصمه فتوجّه إلى الشريف وتوسّل بالشيخ محمد بن عراق عنده، ويقال إنه خدم بعض جماعة الشريف بمال فمكّنَه من وظيفة الخطابة وكتب معه عدة كُتُب لقاضي مكّة الشافعي وحاكمها وولاة الأمور بها ليمكّنُوه منها، فوصل بالأوراق في ليلة الثلاثاء ثاني الشهر المذكور وكتم أمرها وصار يظهر الفرح والسرور بها ويقول إنّ الشريف أذن له في السفر ليستنجز مرسومًا بتمكينه من الخطبة والظفر وذلك على جاري عادته في إظهار خلاف ما في باطنه. فحس الخطيب عبد الرحمن بالقضية فتحيّر في أمره ولازم الصالحين في دفع ما نزل به واجتمع بشيخ الشيوخ محمد بن عراق في ظهر يوم الأربعاء ثالث الشهر

стр. 385

وأراه مراسيمه وشكا عليه أمره فأظهر له التألم وأشار عليه بعقد مجلس عند القضاة والعلماء ورؤيتهم لما بيده ويد خصمه. فتوجّه لقاضي القضاة المحبي بن ظهيرة وقاضي القضاة المالكي الشرفي الأنصاري وأخبرهما بخبره، فسمع محيي الدين العراقي بذلك فاجتمع بشيخ الشيوخ محمد بن عراق في ليلة الخميس وسأله عن عقد المجلس فذكره له وأشاع عنه أنه ولي وتُلي له: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ (١) وأشار بذلك إلى مساعدته له، والله أعلم بحقيقة ذلك. ثم في ضحى يوم الخميس رابع الشهر اجتمع الخطيب وجيه الدين النويري بقاضي القضاة الشافعي والمالكي المشار إليهما عقب قراءة الربعة السليمية خلف مقام الحنفية وطالب منهما حاضرا في محل ورده في زيادة دار الندوة من المسجد الحرام فتوجّه إليه وطلب القاضيين (٢) المشار إليهما مع مفتي الشافعية الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد النشيلي [٩٢ أ] والمدرس شهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي ومفتي المالكية الشيخ شمس الدين محمد الحطاب وغيرهم من أهل الحرم وجماعة آخرين. وقام الشيخ ابن عراق عنهم وأمرهم برؤية أحكام الخصمين والفصل بينهما. فتكلم بعض الناس في عدم صحة الصلاة خلف محيي الدين العراقي، منهم كاتبه، وذلك لربط لسانه وعدم صحة ولايته فتأثر من ذلك وقام من المجلس وأفهم مواجهة الشيخ علي بن عراق، وذلك مكيدة منه لفض المجلس وحضور نائب حاكم الشريف لمساعدته، فتوجّه إلى الشيخ وعاد عند وصول الحاكم المذكور، وهو القائد مرشد ابن أخت الحاكم القائد مبارك بن بدر، فأظهر في المجلس ورقة السيد الشريف أبي نمي بتمكين العراقي من الخطبة من غير معارضة له فيها ومنع مَن يعارضه. وانكف الكلام عنه والإشلاء عليه لعدم معارضة صاحب البلاد فيما أمر به

стр. 386

وقال عن الشيخ ابن عراق إن القاضيين (١) والمشايخ يتوجّهون إلى منزل قاضي القضاة وينظرون في أحكام الخصمين. فتوجّهوا معه فرأوا مع الخطيب عبد الرحمن مرسومين أحدهما من السلطان سليم خان مؤرخ في سنة ثلاث وعشرين (٩٢٣ هـ) بالشام، وثانيهما من ولده السلطان سليمان خان مؤرخ بشعبان سنة تسع وعشرين (٩٢٩ هـ) بالروم، ومع محيي الدين العراقي ثلاثة مراسيم أحدها بالعربي مكتوب أوله بالذهب في البسملة والعلامة الخنكارية وتاريخه مع الآخرين التركيَيْن في رمضان سنة تسع وعشرين (٩٢٩ هـ) وفي أولها (٢) كشط وإصلاح في لفظة أن يستقرّ في ثلثيْ الخطابة وهو القدر الذي كان للخطيب محب الدين فكُشط وهو وجعلها … (٣) لا عوضا، فنبّه الحاضرين على ذلك قاضي القضاة المالكي، ففطن لها جميع مَن في المجلس وعلموا تدليسه وانفضّ المجلس لإخبار الشيخ ابن عراق بما وقع في المجلس فذُكر له تأخير تاريخ مرسوم العراقي، فاعتمده وقال: الكشط فيه لا يضر لدعواه أنه من كاتبه، فالله قبيله وحسيبه، فترك الخطيب عبد الرحمن حينئذ الكلام وعلم أنه لا يفيده إلّا كثرة الملام. وفي ثاني تاريخه أرسل العراقي بعض صبيان الحاكم إلى الخطيب عبد الرحمن يطلب منه أعلام المنبر وثوب الخطابة، فأعطاه علمين ومنعه من الثوب لكونه ملكه، فاهتمّ العراقي بشأن الخطبة هو وأصحابه، وفرّق دراهم على جماعة منهم، ويقال أعطى صبيان الحاكم عند مجيء الأعلام عشرة أشرفية ولنائب الحاكم بكسوة فيها فوطة وهيبي وأزرق وسوسية واشترى سكرا أذابه لمن مشى أمامه عند مباشرة الخطبة ومن هنّأه بها والتمّ - عليه للسلام - جماعة من غوغاء الناس ومشوا أمامه ذهابا وإيابا. واتفق له عند طلوع المنبر رد السلام ثلاث مرات أولها عند باب المنبر وثانيها

стр. 387

في وسطه وثالثها في أعلاه وافتتحها بالحمد لله الذي وعد الصابرين وآتاهم أجرهم بغير حساب وتلا في آخرها قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١)، وقصد بالمطلع والختم المانع له وهو السيد بركات والد الآمر له ولم يُطّلَع لما قصده، وصلّى كثير من الطلبة والفقهاء خلفه [٩٢ ب] جمعة وأعادوها ظهرا منهم كاتبه، بل بعض الناس امتنع من الصلاة خلفه لبطلانها على المذاهب الأربعة، منها ربط لسانه وعدم تأديته لأحرف القراءة كإبدال السين والضاد والراء بغيرها، فالله تعالى ينتقم منه ويعجل بعزله فإنه أبطل جمعة المسلمين، في بلد الله الأمين. وقال فيه بعض الفضلاء منشدا قوله: ألا تبا (٢) لدهر قد رمانا … بكلب من كلاب جا مُريبا فرخ من فراخ الشريف حقا … فلّاح ابن فلّاح نسيبا كثير للفساد له وقايع … قبيحات وفي نفس معيبا وسوقي يبيع الحمص كانا … وهذا اليوم قد أمسى خطيبا دعوت على الزمان يسوء فعله … وقلت له أما أنت لم تك مصيبا فقال الوقت ذا وقتٌ رديء … ومثل الوقت قد جِبْتُ لكم خطيبا عتبني الشعر لما أن هجوته … وقال قد ضيّعتني يا أديبا فلا تهج (٣) سوى رجل مثيل … يخاف العيْب كما من به لبن حليبا (٤) ولما فرغ من صلاة الجمعة توجّه إلى منزله بسوق الليل ومرّ على خصمه ذهابا وإيابا وصحبته جماعة من أصحابه وخلق من العوام وهم يهنونه بمباشرة الخطابة،

стр. 388

وأسقاهم سكرا مذابا، وأنشد لسان الخطيب الوجيه قول مَن قال فيه: ولو أني بليت بهاشمي … خؤولته بنو عبد المدان لهان عليّ ما ألقى ولكن … تعالوا فانظروا بمن ابتلاني ورحم الله إمامنا الشافعي حيث قال: مَن سام نفسه فوق ما يساوي ردّه الله إلى ما يساويها. وقال الإمام أبو حنيفة: مَن طلب الرئاسة في غير حينه لم يُولّ. وقال الشيخ الشبلي: مَن تصدى قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه. وقال بعض العلماء: واللبيب مَن صان نفسه عن تعرضها لما يعدّ فيها ناقصا وبتعاطيه ظالما أو بإصراره عليه واسعا (١). فنعوذ بالله من استعلاء الأرذال على الأصلاء، وقهر السفهاء الفضلاء، وولاية الدين لغير أهله، وإظهار الفحش من كل جاهل على قدر جهله، لما رواه أبو أيوب الأنصاري مما هو في التحذير خيري (٢) لا تبكوا على الدين إذا وليَه أهله، وابكوا عليه إذا وليه غير أهله. واتفق للخطيب المفصول قهره لمباشرة خصمه المخذول وأراد التوجّه لصاحب مكّة فحصل له وجع وشدة برمي الدم وانقطع بمنزله مدة ثم شُفي من ذلك، والتجأ في قضيته إلى مولى الممالك، نرجو منه وقوع خصمه في المهالك. وفي يوم السبت سادس الشهر جاء الخبر لمكة بأن عسكر الأروام هجموا على غالب بيوت جدة ونهبوا منها الأواني والأمتعة وطلعوا بها إلى مراكبهم فمنعهم القبطان سلمان ورمى ببعضها في البحر وبعضها أنزله إلى البر، وسافر بهم في جمعة تاريخه متوجّهًا إلى جهة اليمن، لا رده الله إلينا. وقد استمر بها حتى قُتِل فيها (٣). وفي يوم الجمعة سابع عشريْ الشهر وصل لمكة الشاووش يحيى الرومي من مصر بحرا أرسله نائب الديار المصرية سليمان باشا الخصي الرومي وصحْبته خلعة

стр. 389

ومرسوم لصاحب مكّة [٩٣ أ] السيد الشريف أبي نمي محمد ابن بركات الحسني فأقام بمكة في مدرسة الأشرف قايتباي إلى آخر النهار ثم توجّه إلى الشريف جهة الفريق باليمن فأقام عنده يومًا واحدًا وأمره بالعود إلى مكّة وهو يلحقه ليقرأ مرسومه في الحرم الشريف، فقام إلى مكّة في يوم الأحد ثاني تاريخه. وفي ضحى يوم تاريخه مات شيخنا العلامة المبارك مفيد الطالبين بدر الدين حسن بن علي بن محمد بن رضوان الطلحاوي نزيل مكّة، وعمره ثمانون (١) سنة، وكان انقطع بمنزله نحو سنة، فجهّز في يومه مع … (٢) ابنة فاتح الكعبة الشيخ القدوة جمال الدين محمد بن عمر بن محمد الشيبي المكي وصلّى عليهما بعد صلاة العصر أمام باب الكعبة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وشيّعهما جماعة من الأعيان ودُفنا بالشعب الأقصى، أولهما بالقرب من الشيخ سفيان بن عيينة والثانية بتربة سلفها، رحمهما الله تعالى. وخلّف الأول ولده عليًا وبنتا، وخلّفت الثانية بنتا وأخوات (٣) لأبيها. وفي صبح يوم تاريخه شرع شيخ الشيوخ قطب دائرة الآفاق سيدي الشيخ محمد بن عراق في غسل أبواب المسجد الحرام وتطهيرها، وأمر الناس بلبس نعلهم من خارجها ونادى في الشوارع باحترام المسجد من المرور منه بالأمتعة وغيرها من الحوائج المبتدعة، جزاه الله خيرا، وأثابه على ذلك أجرا. وفي ظهر يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر تحركت رياح القولنج على الشيخ محمد بن عراق فانقطع بمنزله في الخلوة التي على باب ميضاة الأمير صَرْغَتمش (٤) الناصري وعمّرها الأمير مقبل القديدي جوار البيمارستان المستنصري في الرواق الشامي من المسجد الحرام، وصار الناس يترددون لزيارته طالبين لبركته إلى أن قضى

стр. 390

نحْبَه بعد جمعة كما يلي ذلك في الشهر بعده. شهر صفر الخير استهل كاملا بالأربعاء ويقال رؤي في البرية بالثلاثاء من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٦ م) وفي ثالث الشهر يوم الجمعة خطب المحيوي العراقي خطبة عرّض بعدم الطيرة في هذا الشهر. وكان عرضها على سيدي الشيخ محمد بن عراق وهو مريض فتشاءم بها ومقته الناس في عرضها وذلك لسوء طويته، وعدم الموقع لموعظته، [لمحبّته التعاظم وعدم تلبّس سلفه للأبهة] (١). واتفق أنّ سيدي الشيخ محمد بن عراق اشتد به المرض بعدها ومات في عصر يوم الأحد ثالث تاريخه. وعُدّ ذلك من شؤمة الخطيب على المسلمين، وظهور ثلمة في الدين. وكان وجعه برياح القولنج والحمى الشديدة (٢) التي كانت تمنع غيره من مباشرة أمور عديدة (٣) وهو مع وجودها شاهدتُه صلّى الظهر جماعة في محله أمس يوم وفاته وهو متفكّر فقرأ في الأوليين بالفاتحة والسماء والطارق والسماء ذات البروج حرصا على السُنة (٤) في فعل ذلك لما رواه الترمذي في جامعه أن النبي ﷺ كان يقرؤهما في الظهر والعصر (٥)، ويلازم الصلوات الخمس في وقتها مع سننها وذكر أوراده وتلاوة القرآن فيها ويباشر الفرض قائمًا والسنن قاعدا ما عدا ظهر يوم
следующие страницы →