وقال عن الشيخ ابن عراق إن القاضيين (١) والمشايخ يتوجّهون إلى منزل قاضي القضاة وينظرون في أحكام الخصمين. فتوجّهوا معه فرأوا مع الخطيب عبد الرحمن مرسومين أحدهما من السلطان سليم خان مؤرخ في سنة ثلاث وعشرين (٩٢٣ هـ) بالشام، وثانيهما من ولده السلطان سليمان خان مؤرخ بشعبان سنة تسع وعشرين (٩٢٩ هـ) بالروم، ومع محيي الدين العراقي ثلاثة مراسيم أحدها بالعربي مكتوب أوله بالذهب في البسملة والعلامة الخنكارية وتاريخه مع الآخرين التركيَيْن في رمضان سنة تسع وعشرين (٩٢٩ هـ) وفي أولها (٢) كشط وإصلاح في لفظة أن يستقرّ في ثلثيْ الخطابة وهو القدر الذي كان للخطيب محب الدين فكُشط وهو وجعلها … (٣) لا عوضا، فنبّه الحاضرين على ذلك قاضي القضاة المالكي، ففطن لها جميع مَن في المجلس وعلموا تدليسه وانفضّ المجلس لإخبار الشيخ ابن عراق بما وقع في المجلس فذُكر له تأخير تاريخ مرسوم العراقي، فاعتمده وقال: الكشط فيه لا يضر لدعواه أنه من كاتبه، فالله قبيله وحسيبه، فترك الخطيب عبد الرحمن حينئذ الكلام وعلم أنه لا يفيده إلّا كثرة الملام.
وفي ثاني تاريخه أرسل العراقي بعض صبيان الحاكم إلى الخطيب عبد الرحمن يطلب منه أعلام المنبر وثوب الخطابة، فأعطاه علمين ومنعه من الثوب لكونه ملكه، فاهتمّ العراقي بشأن الخطبة هو وأصحابه، وفرّق دراهم على جماعة منهم، ويقال أعطى صبيان الحاكم عند مجيء الأعلام عشرة أشرفية ولنائب الحاكم بكسوة فيها فوطة وهيبي وأزرق وسوسية واشترى سكرا أذابه لمن مشى أمامه عند مباشرة الخطبة ومن هنّأه بها والتمّ - عليه للسلام - جماعة من غوغاء الناس ومشوا أمامه ذهابا وإيابا.
واتفق له عند طلوع المنبر رد السلام ثلاث مرات أولها عند باب المنبر وثانيها
стр. 387
في وسطه وثالثها في أعلاه وافتتحها بالحمد لله الذي وعد الصابرين وآتاهم أجرهم بغير حساب وتلا في آخرها قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (١)، وقصد بالمطلع والختم المانع له وهو السيد بركات والد الآمر له ولم يُطّلَع لما قصده، وصلّى كثير من الطلبة والفقهاء خلفه [٩٢ ب] جمعة وأعادوها ظهرا منهم كاتبه، بل بعض الناس امتنع من الصلاة خلفه لبطلانها على المذاهب الأربعة، منها ربط لسانه وعدم تأديته لأحرف القراءة كإبدال السين والضاد والراء بغيرها، فالله تعالى ينتقم منه ويعجل بعزله فإنه أبطل جمعة المسلمين، في بلد الله الأمين.
وقال فيه بعض الفضلاء منشدا قوله:
ألا تبا (٢) لدهر قد رمانا … بكلب من كلاب جا مُريبا
فرخ من فراخ الشريف حقا … فلّاح ابن فلّاح نسيبا
كثير للفساد له وقايع … قبيحات وفي نفس معيبا
وسوقي يبيع الحمص كانا … وهذا اليوم قد أمسى خطيبا
دعوت على الزمان يسوء فعله … وقلت له أما أنت لم تك مصيبا
فقال الوقت ذا وقتٌ رديء … ومثل الوقت قد جِبْتُ لكم خطيبا
عتبني الشعر لما أن هجوته … وقال قد ضيّعتني يا أديبا
فلا تهج (٣) سوى رجل مثيل … يخاف العيْب كما من به لبن حليبا (٤)
ولما فرغ من صلاة الجمعة توجّه إلى منزله بسوق الليل ومرّ على خصمه ذهابا وإيابا وصحبته جماعة من أصحابه وخلق من العوام وهم يهنونه بمباشرة الخطابة،
стр. 388
وأسقاهم سكرا مذابا، وأنشد لسان الخطيب الوجيه قول مَن قال فيه:
ولو أني بليت بهاشمي … خؤولته بنو عبد المدان
لهان عليّ ما ألقى ولكن … تعالوا فانظروا بمن ابتلاني
ورحم الله إمامنا الشافعي حيث قال: مَن سام نفسه فوق ما يساوي ردّه الله إلى ما يساويها. وقال الإمام أبو حنيفة: مَن طلب الرئاسة في غير حينه لم يُولّ. وقال الشيخ الشبلي: مَن تصدى قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه. وقال بعض العلماء: واللبيب مَن صان نفسه عن تعرضها لما يعدّ فيها ناقصا وبتعاطيه ظالما أو بإصراره عليه واسعا (١). فنعوذ بالله من استعلاء الأرذال على الأصلاء، وقهر السفهاء الفضلاء، وولاية الدين لغير أهله، وإظهار الفحش من كل جاهل على قدر جهله، لما رواه أبو أيوب الأنصاري مما هو في التحذير خيري (٢) لا تبكوا على الدين إذا وليَه أهله، وابكوا عليه إذا وليه غير أهله.
واتفق للخطيب المفصول قهره لمباشرة خصمه المخذول وأراد التوجّه لصاحب مكّة فحصل له وجع وشدة برمي الدم وانقطع بمنزله مدة ثم شُفي من ذلك، والتجأ في قضيته إلى مولى الممالك، نرجو منه وقوع خصمه في المهالك.
وفي يوم السبت سادس الشهر جاء الخبر لمكة بأن عسكر الأروام هجموا على غالب بيوت جدة ونهبوا منها الأواني والأمتعة وطلعوا بها إلى مراكبهم فمنعهم القبطان سلمان ورمى ببعضها في البحر وبعضها أنزله إلى البر، وسافر بهم في جمعة تاريخه متوجّهًا إلى جهة اليمن، لا رده الله إلينا. وقد استمر بها حتى قُتِل فيها (٣).
وفي يوم الجمعة سابع عشريْ الشهر وصل لمكة الشاووش يحيى الرومي من مصر بحرا أرسله نائب الديار المصرية سليمان باشا الخصي الرومي وصحْبته خلعة
стр. 389
ومرسوم لصاحب مكّة [٩٣ أ] السيد الشريف أبي نمي محمد ابن بركات الحسني فأقام بمكة في مدرسة الأشرف قايتباي إلى آخر النهار ثم توجّه إلى الشريف جهة الفريق باليمن فأقام عنده يومًا واحدًا وأمره بالعود إلى مكّة وهو يلحقه ليقرأ مرسومه في الحرم الشريف، فقام إلى مكّة في يوم الأحد ثاني تاريخه.
وفي ضحى يوم تاريخه مات شيخنا العلامة المبارك مفيد الطالبين بدر الدين حسن بن علي بن محمد بن رضوان الطلحاوي نزيل مكّة، وعمره ثمانون (١) سنة، وكان انقطع بمنزله نحو سنة، فجهّز في يومه مع … (٢) ابنة فاتح الكعبة الشيخ القدوة جمال الدين محمد بن عمر بن محمد الشيبي المكي وصلّى عليهما بعد صلاة العصر أمام باب الكعبة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وشيّعهما جماعة من الأعيان ودُفنا بالشعب الأقصى، أولهما بالقرب من الشيخ سفيان بن عيينة والثانية بتربة سلفها، رحمهما الله تعالى. وخلّف الأول ولده عليًا وبنتا، وخلّفت الثانية بنتا وأخوات (٣) لأبيها. وفي صبح يوم تاريخه شرع شيخ الشيوخ قطب دائرة الآفاق سيدي الشيخ محمد بن عراق في غسل أبواب المسجد الحرام وتطهيرها، وأمر الناس بلبس نعلهم من خارجها ونادى في الشوارع باحترام المسجد من المرور منه بالأمتعة وغيرها من الحوائج المبتدعة، جزاه الله خيرا، وأثابه على ذلك أجرا.
وفي ظهر يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر تحركت رياح القولنج على الشيخ محمد بن عراق فانقطع بمنزله في الخلوة التي على باب ميضاة الأمير صَرْغَتمش (٤) الناصري وعمّرها الأمير مقبل القديدي جوار البيمارستان المستنصري في الرواق الشامي من المسجد الحرام، وصار الناس يترددون لزيارته طالبين لبركته إلى أن قضى
стр. 390
نحْبَه بعد جمعة كما يلي ذلك في الشهر بعده.
شهر صفر الخير استهل كاملا بالأربعاء ويقال رؤي في البرية بالثلاثاء من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٦ م)
وفي ثالث الشهر يوم الجمعة خطب المحيوي العراقي خطبة عرّض بعدم الطيرة في هذا الشهر. وكان عرضها على سيدي الشيخ محمد بن عراق وهو مريض فتشاءم بها ومقته الناس في عرضها وذلك لسوء طويته، وعدم الموقع لموعظته، [لمحبّته التعاظم وعدم تلبّس سلفه للأبهة] (١).
واتفق أنّ سيدي الشيخ محمد بن عراق اشتد به المرض بعدها ومات في عصر يوم الأحد ثالث تاريخه. وعُدّ ذلك من شؤمة الخطيب على المسلمين، وظهور ثلمة في الدين.
وكان وجعه برياح القولنج والحمى الشديدة (٢) التي كانت تمنع غيره من مباشرة أمور عديدة (٣) وهو مع وجودها شاهدتُه صلّى الظهر جماعة في محله أمس يوم وفاته وهو متفكّر فقرأ في الأوليين بالفاتحة والسماء والطارق والسماء ذات البروج حرصا على السُنة (٤) في فعل ذلك لما رواه الترمذي في جامعه أن النبي ﷺ كان يقرؤهما في الظهر والعصر (٥)، ويلازم الصلوات الخمس في وقتها مع سننها وذكر أوراده وتلاوة القرآن فيها ويباشر الفرض قائمًا والسنن قاعدا ما عدا ظهر يوم
стр. 391
وفاته فإنه صلاها قاعدا، وقال: هي صلاة الوداع، مع وصيته عقبها بعدة من الخيرات والصلة والمبرات، بل عرجت روحه [٩٣ ب] السعيدة، وهو يتلو آيات من القرآن عديدة. وحضر لوفاته (١) جماعة من الفقراء والمحبين، ممن انتظم في سلك العلماء والصالحين، فعادت بركته عليهم وفاحت نفحاته (٢) لديهم، فسمع الناس بذلك، فقصده للسلام عليه كل قاطن وسالك.
فكانت ساعة مهولة ذرفت لها العيون ووجلت لها القلوب، فيالَها من ساعة لم يُر مثلها ولم يفْجَع الخلق بأعظم منها، فثَبتَ عندها من وفّقه الله، وتلا عليه ختمة من كلام الله، وكان فراغها عند ابتداء غسله وقت السحر، وجهّز من وقته ووضع عند باب الكعبة والحجر، وصلّى عليه عقب صلاة الصبح يوم الإثنين قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة، بعد نداء الرئيس له بألقاب معتبرة شهيرة، وشيّعه خلق من الأعيان، وغيرهم من الرجال والنساء والصبيان، ودفن بقبر جديد في الشعب الأعلى أمام قبر الشيخ أبي كثير بالمعلاة، وهرع الناس صباحًا ومساءً للقراءة عليه خمسة أيام، وأنشدت عنده مرثيتان (٣) يوم الختم، وذلك يوم الجمعة عاشر الشهر الحرام، أولاهما (٤) للشيخ الصوفي الأديب بدر الدين حسن بن الإدلبي الحلبي نزيل مكّة المشرفة وقرأها بلفظه وعدتها سبعة وعشرون بيتا ومطلعها:
فرّق الموت بيننا بالفراق … ما أمرّ المنون عند المذاق
هكذا تفعل المنايا دواما … وطؤها بالمناسم الأعناق
وثانيتهما (٥) للعلامة البليغ زين الدين عبد اللطيف بن علي بن إبراهيم الأزهري
стр. 392
المعروف بالديربي … (١) وعدتها نحو ستين بيتًا ومطلعها:
أسهد الناس هول يوم التلاق … مَشهد القطب سيدي ابن عراق
حين قد مات أظلم الجو حتى … أفجع الناس ظلمة الآفاق
فُجِع الناس في إمام وليّ … حجة الله صفوة الخلاّق
ونحب الناس بالبكاء عند سماعهما، فالله تعالى يغفر لأهل الجمع، وينوّر لهما القلوب والسمع. وبعد ذلك أجاز لي الناظمان للقصيدتين (٢) روايتهما عنهما وأنشدني الثاني بعضها من لفظه مع خمسة أبيات من نظمه بالمسعى الشريف وهي:
بموت ابن العراق أبي علي … ترى الدنيا وساكنها بُكيا
وبيت الله والمسعى وأفضى … أباطحه عليه غدا سجيا
وليّ الله كان بغير شك … على وفق الكتاب محمديا
تنقّل في جوار الله حيا … من الدنيا إلى الأخرى وليا
سقى الرحمن تربته غواد … تسحّ بقبره سَحّا قويا
شهر ربيع الأول المبارك أعاد الله على المسلمين مِن بركة مَن وُلِد فيه، استهل كاملا بالخميس سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٦ م)
وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه كان عقدا حافلا لزواج الفقيه الأصيل عفيف الدين أبي البقاء محمد ابن القاضي عفيف الدين عبد الله بن أبي الفضل بن ظهيرة القرشي المكي في سطح الرواق الغربي من المسجد الحرام أمام منزل الزوجة البنت البكر الأصيلة أم الخير ابنة شيخنا العلّامة قاضي المسلمين شرف الدين بن أبي القاسم [٩٤ أ] عبد الكريم الرافعي ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات بن ظهيرة
стр. 393
القرشية المكية، حضره القضاة الأربعة والشريفان زين الدين حميضة وأخوه شولق ابنا صاحب مكّة السيد جمال الدين محمد بن بركات الحسنيان وخلق من الأعيان كالفقهاء والتجار وغيرهم من النساء والصبيان وأوقدت شموع الحرم بالفوانيس وغيرها بمباشرة ناظر الحرم والمتعاطي للعقد ابن عم الزوجين قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة القرشي الشافعي وابن القاضي بهاء الدين أحمد ابن قاضي القضاة ناظر المسجد الحرام الجمالي أبي السعود بن ظهيرة القرشي الشافعي وعظّم كلًا من الزوجين بألقاب كثيرة، معتبرة شهيرة.
وكان العقد لهما بمائتيْ مثقال كعادة سلفهم، وبعد فراغه من الخطبة شرب الجماعة الحاضرون سكرا مذابا وبخروا بالعود والعنبر والماورد وسمعوا إنشادا مطابًا، فكانت الليلة بهجة، والخلق فيها مبتهجة، وأصبح الناس هّنؤوا الزوج بذلك.
وجاء الخبر من جدة بنصرة الخنكار على أعدائه المهالك، وتوجّه القاصد الرومي إلى فريق الشريف، فقابله بالمسرة والتشاريف، وزيّن الناس بندر جدة، وزال عنهم الكرب والشدة، ونودي في مكّة بزينتها وإظهار السرور بها سبعة أيام، وكان ذلك في يوم الإثنين خامس الشهر المذكور [لوصول خبر نصرة السلطان وأخذ جزيرة رودس] (١).
وفي ثاني تاريخه خرجت المؤذنة لطلب النساء في العرس المشهور فاجتمع بمنزل الزوجة أسفل مكّة القضاة الثلاثة خلا الحنفي وقرابة الزوج بني ظهيرة وبعض التجار من أصحاب والده وغيرهم. وألصق الحاضرون على مؤذنتين واحدة لأهل الزوج وثانية للزوجة، فأعطى القاضي الشافعي والقاضي شمس الدين بن عوض المباشر لكل واحدة أشرفيًا سليميًا عن أشرفيين وكذا والد الزوج وبعض الحاضرين وبقيتهم كل
стр. 394
واحد أشرفيًا فضة وبعضهم أقل من ذلك. ثم مد للحاضرين معمولا في صحون فأكلوا وانصرفوا ولعب لهم العيري بالنقارة أمام دار الزوجة بالمسفلة في عصر تاريخه. وعرض أهل السوق إلى منزل الشريف أبي نمي صاحب مكّة بأجياد الكبير، ودقّت النقارة لهم لأجل الزينة سبعة أيام لفتح رودس.
وفي ضحى يوم الأربعاء سابع الشهر اجتمع القاصد الرومي الواصل أمس من فريق الشريف أبي نمي صاحب مكّة في جهة اليمن والقضاة الأربعة والتجار وغيرهم من الخلق بالحطيم أمام البيت الشريف، وقُرئ فيه ثلاثة مراسيم: أولها لصاحب مكّة الشريف أبي نمي وثانيها للقضاة وثالثها للتجار من ملك الأمراء نائب الديار المصرية سليمان الخصي الرومي، مضمونها: الإخبار بنصرة الخنكار الأعظم سليمان خان ابن عثمان خان على الفرنج المخذولين أصحاب [بلغراد] (١) وأولها كتابة وأفصحها عبارة ومضمونه إخبار الشريف بوصول قاصد من الأبواب الخنكارية المظفرية السليمانية واسمه فرحات وعلى يده مرسوم شريف يتضمن نصرة مولانا السلطان سليمان خان ابن عثمان على الفرنج المخذولين أهل [بلغراد] كان افتتح بلادهم في الزمن الماضي مع أهل رودس على طريقة أسلافه في جهاد المخذولين (٢).
وكان توجّه إليهم في شهر رجب الفرد من العام الماضي قبل تاريخه [٩٤ ب] فوصل إلى نهرهم المعروف بصيرة (٣) وهو أكبر من سيحون (٤) وجيحون (٥) فنصب مراكب (٦) عليه وجعل عليه جسرا تعْدُو عليه خيوله المنصورة كل صف عشرين
стр. 395
فرسا مقدمهم الوزير الأعظم إبراهيم باشا وصحبته الوزيران مصطفى باشا وإياس باشا، وحاصروا أهل جزيرة هناك تسمى مدة (١) ثلاثة أيام ثم نصره الله عليهم في ثاني عشر ذي القعدة وافتتحوا بعدها خمس عشرة قلعة ثم قصدوا ملكهم المسمى إسبانيا (٢) فوجدوه قد جمع من الفرنج المخذولين مائة وخمسين ألف نفس فاستعانوا عليهم بالله تعالى وحاصروهم ثلاثة أيام وانهزم الفرنج المخذولون (٣) والعساكر المنصورة في آثارهم طالبين وذلك في ثاني عشريْ ذي القعدة المذكور، فضاعف الله لهم الثواب والأجور، وجعل العاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
ولم تتفق هذه النصرة لأحد من سلاطين الإسلام من أول الزمان إلى الآن فإن بلادهم لم يملكها سلطان المسلمين، وكذا بلاد رودس الملاعين، إلّا الأخير فملكها المسلمون مدة يسيرة. فإني رأيت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي مؤرخ القاهرة أنها فُتحت على أيام معاوية بن أبي سفيان بعث إليها جنادة بن أبي أمية (٤) وكان فتحها سنة اثنين وخمسين وأقام بها المسلمون سبع سنين وأقام بها مجاهد بن جبر (٥) يُقْرئ الناس فيها القرآن وعنده نافع ابن امرأة كعب الأحدب، ومات جنادة سنة ثمانين، انتهى.
وسمعتُ أن الفرنج المخذولين ملكوها في زمن يزيد بن معاوية، فاستمرت بأيديهم إلى وقت فتح ملك زماننا لها، فالله تعالى يجعلها دار إسلام إلى يوم القيامة.
وفي المراسيم الأمر بزينة البلاد، وبنصرة وطمأنينة العباد، وتاريخها في العشرين
стр. 396
من المحرم. فَسُرّ الناس لسماعها وابتهجوا بأخبارها وضجّوا بالدعاء لمولانا السلطان ولجميع وزرائه والأعوان، فاللَّه تعالى يتقبّل من الجميع ويُديم نصرة المسلمين ويفرّج همهم ويكشف كربهم ويرخّص أسعارهم ويؤمنهم في أوطانهم.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه كانت غمرة العروس وهي بنت القاضي شرف الدين الرافعي.
وفي صباحها عُمل سماط متوسط بالمسفلة لزواج العفيف ابن القاضي أبي البقاء بن ظهيرة في بيت شيخ الدلالين محمد العباسي المتوفى لقربه من منزل العروس، وكان فيه أطعمة كثيرة من الرّزّيْن المفلفل والحلو والمأمونية السكب والمشورات والرومية وغير ذلك من الألوان، وحضره القضاة والأعيان والفقهاء والتجار والمتكسبون وغيرهم فأكلوا ثم مدوا للنساء بعدهم على العادة.
ودخل العريس بزوجته في ليلة الجمعة ثاني تاريخه وحضر النّصّة جماعة الزوج من بني ظهيرة ولصقوا عليها كعادتهم، أخلفه الله عليهم، وكان اللصق مثل لصق ليلة المؤذنة.
وفي صبح تاريخه هُنّيء الزوج بالعرس وقدم للناس المعمول والطيب على العادة وتكلّف والد الزوج والوصي على الزوجة (١) من قبل أمها القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي بما تجمّلا به في هذا الوقت لغلو جميع الأسعار، فاللَّه تعالى يخلف عليهما ويجعل المهم مباركًا عليهما، والله تعالى يُرخي الأسعار ويُكثر الخيرات.
وفي صبح يوم الجمعة المذكور عدم الحب من السوق وظهر بعض دخن وذرة بزيادة في سعرهما فبيعت الربعية الدخن بسبعة محلقة صغار والذرة بستة ونصف واللقيمية بتسعة واليمانية بثمانية مع قلة الموجود، فضاقت الصدور والتجأ
стр. 397
الناس بالدعاء لخالق الوجود، ففرج الله عنهم في آخر النهار بوصول قاصد من جدة وأخبر بوصول جلاب من اليمن والقصير فارتفعت الشدة ونزل السعر بمكة قليلا في كل ربعية نصف محلق.
وأشيع أنّ نائب النائب بجدة الرومي سَعّرَ للجلّابة في بيع الحب بعد ضبط مشتراهم ومصرفهم من الكراء والعشور بالمضاعفة لهم في رأس مالهم، فكان سعر كل ربعية من الدخن بخمسة محلقة صغار والذرة بأربعة ونصف والرطل السمن بثلث دينار. وأمر السوقة بجدة أن يكسبوا في كل ربعية ربع محلق، فانضبط سعرهم بها، فالله تعالى يلهم ولي الأمر بمكة ذلك، ويفرج هم كل قاطن بها وسالك، [وتعب لذلك المحتكرون والحناطون] (١).
وفي عصر يوم الإثنين ثاني عشر الشهر وقع بمكة مطر قوي وتتابع إلى المغرب فترك زفة المولد قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة بعد تعبئة المفرعات والفوانيس والشمع لها في وسط المسجد الحرام، ثم سكت المطر بعد المغرب فنظفت بعض طرقات المولد الشريف من جهة سوق الليل بأمر الناظر، واستمروا ينظفون الطرقات إلى بعد صلاة العشاء.
وعُملت الزفة بعد صلاة العشاء ولم يتّفق فعلها في هذا الوقت لأحدٍ من أسلافه وغيرهم فيما أعلم لكنه حدث مطر في عدة أيام زمن المولد الشريف في النهار ولم يمنع الزفة بعد المغرب.
ومشى في الزفة مع الناظر جميع القضاة والخطيبان (٢) الوجيهي عبد الرحمن النويري والمحيوي عبد القادر العراقي ومشى أولهما على ميمنة الحنفي وثانيهما على ميسرة الحنبلي وحضرها كثير من الفقهاء والفقراء والعوام وكانت لطيفية مع وحل
стр. 398
الطريق والتكلف.
وخطب في المولد الشهابي أحمد ابن الوجيه عبد الرحمن ابن الشيخ إدريس ابن عبد القوي كعادة سلفهم في تقدم أصغر أولادهم، ودعا للسلطان وصاحب مكّة والناظر على العادة، ثم وقع مطر والقضاة في المولد الشريف فخففوا الزيارة ثم عادوا إلى المسجد الحرام وهم مسرعون خائفون من المطر فسلّمهم الله تعالى إلى أن دخلوا المسجد، ووضعوا المفرعات بالرواق الشمالي أمام باب العباس فقوي المطر، وأمن الناس الضرر والحمد لله، وهذا من النوادر.
وكانت ساعة مباركة تُرجى فيها البركة ودعا هنا الرئيس الصغير عبد السلام لولاة الأمور، فتمّ الخير والسرور. ولقد رأيت شيخ شيوخنا الحافظ المقرئ شمس الدين محمد بن الجزري، رحمه الله تعالى، ذكر في تأليفه "التعريف بالمولد الشريف" (١) أنه لا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده ﵊ ويعملون الولائم لذلك ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور ويزيدون في المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر من بركاته كل فضل عميم.
ومما جُرِّب من خواصه أنه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة لنيل البغية والمرام، وأكثرهم بذلك عناية أهل مصر والشام، وللسلطان في تلك الليلة مقام، يقوم فيه أعظم قيام.
ثم ذكر حضوره ليلة المولد الشريف سنة خمس وثمانين وسبعمائة (٧٨٥ هـ) عند سلطان مصر الظاهر برقوق في قلعة الجبل وما شاهده من القراء والخلع، وما فعله ملوك الغرب من الليلة التي تسير بها الركبان، ويجتمع فيها أئمة العلماء من كل مكان، وتعلو بها بين أهل الكفر كلمة الإيمان. وكان للملك المظفر صاحب إربل بذلك أتم عناية، واهتمام جاوز الغاية، أثنى عليه لذلك العلامة أبو شامة
стр. 399
في كتاب "الباعث على إنكار البدع والحوادث" (١) وقال: مثل هذا يحسن ويُنْدب إليه، ويُذكر فاعله ويُثنى عليه.
قلتُ: ولو لم يكن في ذلك إلّا إرغام الشيطان، وسرور أهل الإيمان، فإذا كان أهل الصليب اتخذوا مولد نبيهم عيدا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكبير وأجدر، فرحم الله امرأ اتخذ ليالي هذا الشهر المبارك وأيامه أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وأعيى داءً. انتهى كلام ابن الجزري.
وبه تم الاستدلال القوي في تعظيم هذه الليلة الشريفة، خصوصا بمحل البقعة المنيفة، ولا يُعتَدّ بالإنكار على فاعلها لقصد تعظيم الآثار، فالله تعالى يديم السرور، ويطفئ أهل البدع والشرور، ويعيد علينا من بركة صاحب المولد الشريف ﷺ وشرف وكرم وعلى آله الكرام، وصحبه العظام.
وفي ليلة الأربعاء رابع عشر الشهر كُسِفَ القمر في ثلث الليل الأول كسوفا قويا وصلّى له الخطيب الجديد المحيي عبد القادر العراقي بسورة البقرة في أربع ركعات وخطب بعدها خطبة طويلة بليغة جليلة، وسمعتُها منه مع ربط لسانه في تأدية بعض حروفها.
شهر جماد الأول استهل كاملًا في ليلة الأحد من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
وفي أوله رُفع الحب من السوق وارتفع السعر قليلًا بزيادة محلق صغير، فإنه كان بثلاثة صغار ودون ربع فجَرّس المحتسب جماعة من الباعة له.
ومسك مرشد أخو (٢) الحاكم مبارك بن بدر قاتلة الولدين في وادي
стр. 400
جدة وهي بدوية مولدة وأرسل بها لقاضي القضاة الشافعي المحبّي بن ظهيرة فسألها عن قتلهما فاعترفت به، فأمر بحبسها حتى يحضر والد الولدين المقتولين، واستمرت فيه إلى يوم الأربعاء سادس عشر، فحضر والد المقتولين وتوجّه للقاضي الشافعي فأرسل [في] (١) طلبها، وحضر جماعة من علماء الشافعية كالشيخ شهاب الدين النشيلي والشيخ شهاب الدين الزبيدي والشيخ محمد باكثير، وسألها القاضي بحضرتهم فاعترفت بقتل الولد والبنت خنقا ثم تغريقا في عين حدة، فقال القاضي لأبيهما: أمرها إليك في القتل أو العفو، فأمر بخنقها ثم تغريقها كما فعلت في أولاده، ففُعل بها ذلك يوم تاريخه وغُرّقت في بركة الماجن أسفل مكّة، فاللَّه تعالى يلطف ويقدر خيرا.
وفي ظهر يوم الجمعة سادس الشهر صلّى الخطيب وجيه الدين النويري العقيلي على سلطان الهند مظفر شاه صلاة الغائب بعد نداء الرئيس له فوق ظلة زمزم بألقاب (٢) كثيرة، ﵀ وسامحه.
شهر جماد الثاني استهل ناقصا بالإثنين من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
شهر رجب الفرد استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
في العشر الأول من الشهر وصل لمكة الآغا قجماس بن عبد الله الجاركسي مملوك مدبّر المملكة المصرية الأمير جانم الحمزاوي وأخبر بوصول مركبين مسماريين بجدة فيهما حب من سيّده صدقة له لأهل مكّة مع بيع الباقي على أهلها لما بلغه وجود الغلاء بمكة وجدة، بحيث بيع الإردب بثمانية أشرفية بمكة وبجدة بستة ونصف، وابتهج الناس بذلك.
стр. 401
وأشيع أن المتكلمين على الحب امتنعوا من بيعه لعدم خلاص ثمنه، فطلب شراء الحب قليلٌ (١) وأطلق الناس ألسنتهم في المتكلمين ثم إنهم باعوا بعضه بهذا السعر، وشرعوا في قسمة الصدقة كما يأتي ذكره. ورخصت الأسعار بحمد الله تعالى في السمن والعسل والجبن بحيث بيع المنّ السمن بأربعة أشرفية والقنطار العسل باثني عشر أشرفيًا والمن الجبن بخمسة محلقة والرطل اللحم بمحلق ونصف وربع.
شهر شعبان المكرم أوله الخميس من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
استهل فيها ناقصا وطلع لرؤيته علو جبل أبي قبيس قاضي القضاة الشافعي وناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة، على العادة، ومعه كثير من الفقهاء والأعيان وهنأه الناس في صباحه.
وفي يوم تاريخه [وصل] (٢) من جدة حبّ قاضي القضاة الشافعي من صدقة الذرة الواصلة من اليمن مع صدقة البُرّ من مصر التي أرسلها مدبّر المملكة المصرية الأمير جانم الحمزاوي، وحصته فيها ثمانية أرادب ولقاضي القضاة المالكي الشرفي الأنصاري نصفها وللقاضيين الحنفي والحنبلي كل واحد ثلاثة وللأئمة الأربعة وفاتح الكعبة والخطيب القديم والفراشين والخدام والريّس والمؤذنين لكل واحد أربعة أرادب، ثم زيد المؤذنون إردبين والخطيب المستجد مثلها وكثير من الفقهاء وغيرهم مثلها ودونها. وعيّن من جدة خلق من أهل مكّة والغرباء. ووصلت ثاني تاريخه قائمة فيها أسماء من عُيّن، ولم أجد لي فيها اسْمًا، فاللَّه تعالى يعوّضني خيرا منها.
وفي ضحى يوم السبت ثالث الشهر وصل لمكة حاكمها القائد مبارك بن بدر
стр. 402
وأخبر بوصول قاصد صاحب [مكّة] (١) السيد الشريف أبي نمي الحسني وهو الشيخ مسلم البدوي وتعشى عنده خارج مكّة أمس تاريخه، وذكر له أنّ قُصّاد الشريف المتوجّهين إلى بلاد الروم كالجمالي محمد بن مدهش والشهابي أحمد بن نصر وصلا إلى القاهرة ومعهما خلَع ومراسيم الشريف بالإنعام عليه بِرَد بندر جدة وتطييب خاطره فيما مضى، وزُيّنتْ مصر لهم. وأن ملك التجار السيد علاء الدين لم يدخل الروم لتعويقه في الطريق، وكان السبب في قضاء حوائج القضاة أمير الحاج سنان الكيخيا، فإنه بالغ في مدح الشريف وأخبر السلطان بأن البلاد ما تصلح ولا تعمر (٢) ويأمن الحاج إلّا بولايته، جزاه الله خيرا.
وذكر القاصد أنّ معه مراسيم بولاية القاضي بديع الزمان بن الضياء الحنفي لقضاء الحنفية بمكة.
وأشيع معها قضاء جدة وعزل أحمد بن ناصر منها وعبد الرحمن بن زبرق من مكّة مع أخذه منه لنظر قلنسار (٣) وكان توجّه للروم وتولية القاضي تاج الدين بن يعقوب المالكي لقضاء المالكية بمكة عوض القاضي شرف الدين أبي القاسم الأنصاري بسعاية صهره الخواجا أبي البقاء السكري.
وتوجّه القاصد للشريف في بلاد الليث من جهة اليمن وأخبر الحاكم بذلك، وأمر بزينة مكّة سبعة أيام أولها يوم السبت فتباشر الناس بهذه الأخبار، وأمنوا من الأكدار، فعرض أهل مكّة من السوقة بعد صلاة العصر من أعلى مكّة إلى جهة منزل الشريف بأجياد الكبير، ودقت (٤) النقارة أمامه سبعة أيام وزينت الأسواق وبعض بيوت التجار فسُرّوا بها وابتهجوا برؤيتها، ولله الحمد.
стр. 403
وفي عشاء ليلة الأربعاء سابع الشهر وصل لمكة نعْي القائد محمد بن بلال السحرتي مقدم صاحب مكّة السيد الشريف أبي نمي، واختلف في خبره فيُقال إنّ سيده بلغه أنه حالف جماعة على قتله فتوجّه إلى منزله بنفسه وطلبه إليه فلما جاءه أمر بضربه (١) ضربا مؤلما وباشر ذلك بروحه (٢) حتى أتلفه وحمل إلى منزله عند زوجته قندولة ابنة شافة زوجة الخواجا عبد القادر القاري الدمشقي. . . . (٣) فأفصل (٤) من وقته ودفن في محله وجاء الخبر بذلك لأم زوجته فنعته في منزله بأجياد ويقال بأمر من سيّده وإلّا ما يمكن من ذلك. فلله الأمر من قبل ومن بعد.
ويقال: إنّ الشريف لما بلغه مخالفة المذكور مع جماعة أمر بدق النقّارة وأشاع وصول خبر قضاة من الروم بالإنعام عليه بِرَدّ بندر جدة وغيرها فكان الفال موكّلا بمنطقه، فوصل إليه في ساعة دقها قاصده مسلم البدوي وجاءه بمراسيم من نائب الديار المصرية الكافلي سليمان الخصي، ومضمونها وصول قاصديْه من الروم وهما الجمالي محمد بن مدهش والنوري علي بن محمد بن نصر الحسنيان وأنّ الخنكار أنعم عليه برد بندر جدة وفوّض أمر الحجاز إليه وغير ذلك مما يأتي ذكره في المراسيم وأوراق القضاة، فسُرّ بذلك وجميع القصّاد الذين (٥) في الفريق ومكة وغيرهما، وأنعم على القاصد بخِلَع وإنعامات وأقام نحو جمعة. وصحَّ قضاء مكّة للمتوليين لغيبته (٦) وتوقف قضاة المالكية عن الحكم وباشرها الحنفي ابن زبرق جرْيا على قاعدة مذهبه حتى يصل المنشور.
стр. 404
ثم في ليلة الإثنين ثاني عشر الشهر وصل لمكة القاصد مسلم البدوي وصحبته مرسوم لقاضي القضاة الشافعي محب الدين بن ظهيرة لولايته لقضاء جدة وعزل القاضي أحمد بن ناصر، ومرسوم لقاضي القضاة التاجي عبد الوهاب بن يعقوب المالكي بولاية قضاء مكّة، ومرسوم الشريف أبي نمي صاحب مكّة من نائب الديار المصرية ومضمونه إخباره بوصول قُصّاده والإنعام عليه برد بندر جدة وتوليته قضاء جدة لمن ذكر وقضاء المالكية بمكة للتاجي وقضاء المدينة للقاضي شمس الدين بن المحبي السخاوي المالكي.
وفي الأرواق تولية القاضي بديع الزمان بن الضياء الحنفي من الروم واستنابته لإمام الحنفية السيد شهاب الدين أحمد البخاري وأنه عاد من بلاد بُرْصا لما سمع بوصول ملك التجار علاء الدين إلى الروم وخشي من معارضته في وظيفة قضاء الحنفية لأخيه أبي السرور بن الضياء، ولم يصل مرسومه لمكة، فسمع خصمه القاضي عبد الرحمن بن زبرق (١) بأنّه ليس لولايته ذكْر في المراسيم، فقال: مذهبي لا أعزل إلّا بالأوراق، بل أباشر الحكم حتى يصل المنشور، فبلغ ذلك نائب خصمه الشهاب البخاري فتوجّه إلى قاضي القضاة الشافعي وسأله في استنابة الحكم حتى يباشر الأحكام، فأذن له وباشر الحكم وقصده الناس للتهنئة إلى منزله، ولم يسبق له بذلك عادة لكنه اختلال الأمور أوجب هذا وكانت القاعدة يهنئه صاحب الوظيفة لا نائبه، فلم يلتفت صاحبه وهو خصمه لمباشرته وباشر الأحكام بنفسه أيضًا، وصارا بذلك ضحكة عند الأخيار، لحرصهما على الفشار، واشتغال ذمّتهما بما يوجب الخزي والعار. فتوجّه الناس لتهنئة الشافعي والمالكي المتولي والمفصول للتنقيم له، وحزن له كثير من الناس.
ونادى الحاكم القائد مبارك بن بدر بزينة البلد تتمة الشهر حتى
стр. 405
يصل قُصّاد الشريف من مصر فأعيدت الزينة، وتكلّف الناس لها لطول مدتها وقُرْب عهدهم بها.
وفي عصر يوم الجمعة سادس عشر الشهر سافر من مكّة لجدة قاضيها الجديد قاضي القضاة الشافعي بمكة قريبه (١) أقضى القضاة شرف الدين يحيى ابن القاضي عز الدين فائز ابن قاضي القضاة بجدة الخطيب فخر الدين أبو (٢) بكر بن ظهيرة القرشي الشافعي.
وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه اجتمع قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة والقاضي تاج الدين المالكي والقاضي أبو حامد بن ظهيرة الحنبلي ونائب الحنفي الجديد الإمام شهاب الدين البخاري وغيرهم في وكالة الأشرف قايتباي بسوق الحناطين لتفرقة الحب الواصل من جهة الخنكار ووزيره الأعظم إبراهيم باشا لأهل مكّة، أثابهما الله على ذلك، بعد ضبط أهل مكّة وسكانها بقوائم على العادة اعتنى بها رأس الموقّعين الشيخ أبو زرعة المنوفي في مدة شهر وأكثر فوصل إليهم بعد اجتماعهم بقاضي الحنفية المفصول الوجيهي عبد الرحمن بن زبرق وجلس بين الشافعي والمالكي فقال له بعض الحاضرين: أنت معزول وليس لك حضور مع الجماعة، فقال: مذهبي لا أعزل [إلّا] (٣) بوصول المنشور. ووقع كلام بينه وبين نائب المتولي والشيخ أبي زرعة فتطاول الحنفي المفصول على خصمه إمام الحنفية فحمي له جماعة من الحاضرين وأعانهم الخصم على نفسه بإساءته على خصمه وقُبْح فعله، فأنكر الخاص والعام عليه وأمروه بالقيام فامتنع، وحينئذ أرسل القضاة المتولّون (٤) للقائد مرشد ابن أخت الحاكم ليحضر ويُقيمه من المجلس فحصل لغط
стр. 406
كثير حتى حضر القائد، فلما رآه قام ونزل من على الدكة الخشب التي كان قاعدا عليها مع القضاة. فيقال إنّ القائد أغلظ له في القول والتهديد وربما سطا عليه أعوان خصمه كابن البخاري وابن زوجته وصاحب المحبي ابن الشيخ أيوب وغيرهم باللسان واليدّ حتى قطعت ملوطته (١). فكفهم القاضي الشافعي عنه وكذا المالكي وأمرا بعض الأروام بالتوجّه معه إلى منزله خوفًا عليه من العامة، وصاروا ينكرون عليه أفعاله وأحكامه ويذكرون عنه أمورا قبيحة، نسأل الله العافية منها.
فلما وصل إلى منزله أقام به إلى بعد الظهر ثم برز إلى المسجد واجتمع فيه ببعض الأروام وشكا حاله عليهم، فمرّ عليه وهو جالس أمام باب الصفا الشيخ أبو زرعة فطلبه إليه ولبّبَ (٢) له وسطا عليه بيده، فأراد الآخر البطش به فمنعه الحاضرون من الأروام، ثم تفلت منهم وذهب إلى قاضي القضاة الشافعي وأخبره بقضيته، فأرسل طَلَبَ القضاة والقائد مرشد وخصمه السيد البخاري وجلسوا بمقام الحنفية، فحضر ابن زبرق ومعه بعض الأروام فرمى بمرسومه وتظلم بعزله، فادعى عليه السيد البخاري بقوله: أنت كلب كافر فاسق، عند صاحبه وجليسه القاضي تاج الدين المالكي، وتعصّب له جماعة من الحاضرين مع كثير من العامة وأمر بالجلوس مع خصمه أمام القاضي، فأقيما من المجلس وجلسا خلف القضاة وادعى عليه فلم يثبت ولم ينف، وصار يقول: الدعوى لي، فقال المالكي له ما معناه اعذر (٣) في الوظيفة لخصمك نصلح القضية، فصار يتكلم ولا يُرد له جوابٌ، فقال له حينئذ المالكي: مذهبي إذا تلدّد الخصم في الجواب يحبس، ففرح خصمه بهذا القول وأخذ بيده من جهة وأخوه محمد من الجهة الأخرى وولده محمد وابن زوجته
стр. 407
الجمالي محمد ابن الفقيه شهاب الدين بن حسان يدفعانه (١) والناس يكثرون الكلام ويعجبهم ذلك للتفرج والمضحكة، وكان فعل ذلك ثلمة في الدين ولله درّ من قال:
أمور يضحك السفهاء منها … ويبكي من عواقبها اللبيب
فتوجّه به أخصامه إلى جهة باب السلام ليحبسوه (٢) في حبس المحتسب، فأنكر بعض القضاة ذلك وقال: مثله لا يُحْبس هناك ويُحبس في قبة الفراشين بالمسجد الحرام، فأمروهم بذلك فأدخلوه القبة.
ثم إن القائد مرشد مشى في صفح البخاري عن سَبّه وإخراج القاضي من حبسه، فصفح عنه وأخرج القاضي وتوجّه إلى منزله، وتألم الأخيار لبهْذلته، وعُدّ ذلك من الانتقام عليهم وجرأة البخاري وتعصّب المالكي معه، فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه.
ثم إن القاضي عبد الرحمن بن زبرق توجّه في الليل لكبير الأروام مصطفى وبكى عنده وشكا ضرورته فوعده بعقد مجلس له مع خصمه في صبح تاريخه، فقدّر الله تعالى في ضحى يوم الأحد ثاني تاريخه اجتمع الأروام في المسجد الحرام وطلبوا القضاة، وتوقف القاضي الشافعي عن الحضور حتى أرسل للقائد مرشد فحضر مع المالكي والحنبلي، وأرسلوا لأئمة الحنفية فحضروا وهم ظاهر عليهم الانكسار بسبب الإشلاء عليهم فيما فعلوه مع القاضي ابن زبرق، فادعى على خصمه وولده أنهما أساءا عليه مع البطش به، فقال إمام الحنفية شهاب البخاري: الدعوى لي من أمس فإنها لم تنفصل، وأنكر العفو وتكلم الأروام عليه وعلى القاضي المالكي، فأنكر الحكم عليه بشيء لكنه لما تردّد عن الجواب أمر بحبسه حتى يوافق أو تقوم البينة عليه، فحينئذ قال الأروام: يترك الخصمان الحكم حتى يُكتَب للشريف في أمرهما.
стр. 408
وأصلح بينهما بقيام الشهاب البخاري إلى ابن زبرق وسلّم عليه فصحّ ما قيل في المثل "أثخن الجرح، وفي الآخر الصلح".
وفي هذا المجلس حصل لابن زبرق نوع ظفر لكن ما استقام الحاصل بالمحصول. وانفض المجلس على مكاتبة الشريف في أمر الخصمين وتركهما حتى يرد جوابه، فبلغني أنّ كلا منهما باشر الحكم ثاني تاريخه وأيضا كالحضور في تفرقة الحب، وأرسل ثاني تاريخه للقاضي ابن زبرق بإردب حب بواسطة الوزير كمال الدين أبي الفضل بن علي فقنع به وسكت.
ثم إنّ القاضي عبد الرحمن بن زبرق توجّه بنفسه لملاقاة صاحب مكّة السيد الشريف أبي نمي وذلك في ليلة السبت رابع عشريْ الشهر، فلاقاه بفريقه خارج بندر جدة، فإنه كان قد قدم إليه في هذه الجمعة من جهة اليمن، فأخبره بقضيته وكان في المجلس جماعة معارضون (١) في إخباره وأنكروا عليه جميع أفعاله، فصار الشريف يضحك عليه ولا يردّ له جوابا، فقال للشريف: آتيك وأنا مكسور وما تجبرني؟ فقال له: ما أفعل معك؟ فقال: تأمرني بالحكم حتى يقدم خصمي، فقال له: كيف آمرك بالحكم وقد جاء الخبر بعزلك، لكنك اصبرْ حتى يأتي قاصدنا من مصر ويتحقق خبرك.
فقام من عند الشريف وتوجّه إلى جدة وعمل له خصامًا بها مع الأمين على العمارة الخنكارية بمكة الزيني مصطفى الرومي وادعى عليه عند القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة وكان قدمها في أول شهر رمضان بطلب الشريف له لزواج (٢) وزواج أخته حماطة بولديْ الشريف عرار بن عجل فامتنع القاضي من الدخول بينهما فتوجّها إلى نائب أمير جدة الزيني حمزة الرومي وادعى مصطفى أنّ
стр. 409
القاضي ابن زبرق قال له: أنت خائن السلطان في ماله وتفسد العسكر، فأنكر القول الأول واعترف بالثاني، فقال له النائب: تقيم عليه بيّنة بذلك، فعجز عنها فوضعه في مخزن عنده إلى قرب الظهر حتى شفع فيه جماعة وخرج والكبار والصغار يتبعونه ويضحكون منه وغير ذلك من خفة عقله وعدم تدبيره، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، [والجنون فنون] (١).
وفي ظهر يوم الإثنين سادس عشريْ الشهر فُرّقتْ صدقة العامة من الحب وشرعوا في تفرقة الفقهاء وأعطيَ لكل فقيه ستة رباعي كالعام الماضي وفرغ الحب في ظهر ثاني تاريخه وبقي كثير من الناس لم يأخذ شيئا، وكثر الإشلاء على الحاضرين بالسب والدعاء واعتُذِر عنهم بنقص الحب نحو عشرين إردبا أخذ منه قاضي القضاة قاضي جدة ابن ناصر ثلاثة والحاكم بها اثنين والمباشرون (٢) عوّقوا خمسة أرادب، وزيد لقضاة مكّة المتولين والمعزولين والمباشرين والمشدّين بقية ذلك، والله أعلم بحقيقة الحال، [وأكثر ذلك في بطون المباشرين، والله أعلم] (٣).
وفي عصر يوم الخميس تاسع عشريْ الشهر طلع قاضي القضاة الشافعي وبقية القضاة والأعيان وغيرهم إلى علو جبل أبي قبيس لرؤية هلال رمضان على العادة فوقع في المسجد الحرام خصام بين الخطيبيْن، وذلك أنّ الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري لما قدم للمشي مع القاضي الشافعي على العادة وجد القاضي المالكي ماشيًا وبجانبه خصمه الخطيب المحيوي العراقي فأراد أن يجلس بينهما فدفعه واستقرّ مكانه، فأنكر ذلك الشيخ عفيف الدين عبد الله الحرازي فوقع بينه وبين العراقي كلام كان من جهة الأول أكثر ومن جهة الثاني. . . . (٤) لدناءته وعدم رئاسته، فلله
стр. 410
الأمر من قبل ومن بعد.
واتفق عدم رؤية الهلال في هذه الليلة.
شهر رمضان المعظم من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
استهل ناقصًا في ليلة السبت وصامه الناس في شدة الحر واستوى فيه الرطب والعنب والتوت والتين وغيرها (١) من الفاكهة، [واستعان الصائمون بالفواكه مَنْ قَدِرَ منهم على ذلك] (٢).
وفي ليلة الإثنين ثالث الشهر توجّه قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة لجهة صاحب مكّة السيد أبي نمي لطلبه ليعقد بأخته حماطة على الجمالي محمد ابن الشريف عرار بن عجل، فاجتمع به في فريقه ظاهر بندر جدة فعقد بهما، وقال له السيد أبو نمي: تعقد بي أولا على الشريفة ابنة الشريف عرار بن عجل، وكانت مخطوبة أخيه الشريف ثقبة، ففعل به أولا ثم بأخته المشار إليها، وحضر القاضي دخولها وتأخر دخول أخيها على زوجته لغيبتها في جهة ينبع، وأقام القاضي الشافعي بجدة حتى فرغا وعاد لمكة في ليلة الثلاثاء حادي عشر الشهر، [وسلّم الناس عليه سلام القدوم أفواجا ووافوْه] (٣).
وفي هذه الجمعة كانت للخطيب عبد [الرحمن] (٤) النويري خصمة، تحدّث المحيوي العراقي في مباشرة خطبة العيد وسأل جماعة في التكلم مع الخطيب عبد الرحمن في ذلك فإنّها في جمعته وله الثلث ولخصمه الثلثان، فامتنع من ذلك، فتكرر كلام العراقي مع القاضي الشافعي وقال: جُمُعتي أولها يوم الجمعة وآخرها
стр. 411
يوم الخميس، وأنكر عليه ذلك وقال له: الجمعة أولها السبت، فحوّل الكلام على عادته وقال: العبرة بالمواكب وهي ثلاثة خطبة عيد الفطر وخطبة التروية وخطبة يوم عرفة، فقال: يُكشف التاريخ على ذلك. فأرسل لي القاضي الشافعي فاعتذرتُ له في الاشتغال في شهر الصوم عن الكشف عن ذلك وأنّ العراقي لا يحملني على النصح لعداوة بيننا وعدم انقياده للحق ورفيقه أحمد البخاري أولى بذلك لتعلّقه بالتاريخ. فلازمني مع عدة للكشف عن ذلك، فرأيْت في تاريخ جدي المسمى "إتحاف الورى بأخبار أم القرى" (١) في حوادث سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٢) "أن في صبح يوم الثلاثاء الثامن عشر من ذي القعدة دخل مكّة نائب جدة الأمير جان بك فاجتمع مع القضاة والأعيان وقُرئ مرسوم للخطيبين أبي القاسم وأبي الفضل النويريين بالخطابة عن القاضي أبي اليمن النويري وباشر الخطيب أبو القاسم بن أبي الفضل النويري وظيفة الخطابة من يوم الجمعة حادي عشريْ القعدة. ثم في عصر اليوم الأول من ذي الحجة قُرئ مرسومهما أيضًا. وفيها خطب الخطيب أبو الفضل بمسجد الخيف بمنى يوم النحر ويوم النفر الأول أيضًا" انتهى (٣).
فعُلم من هذه الأخبار أن الجمعة الأولى كانت لأخيه الخطيب أبي القاسم فباشر فيها نصف الخطابة والجمعة الثانية وهي ثامن عشريْ القعدة للخطيب أبي الفضل، والجمعة الثالثة وهي سادس ذي الحجة كانت للخطيب أبي القاسم، والجمعة الرابعة للخطيب أبي الفضل، وأولها يوم السبت وفيه خطبة السابع وفي ثالثها يوم الإثنين كانت الوقفة وخطبة ظهر عرفة، وأحدث في جمعته خطبتين يوم النحر ويوم النفر الأول. وأحيى هذه السنة المتروكة من دهر قديم، كما ذكره جدي
стр. 412
في حوادث سنة. . . . (١) وهي من بعد القاضي شهاب الدين بن ظهيرة، ثم باشر في آخر الجمعة الخطبة بمكة وهي ثالث عشريْ ذي الحجة وباشر الخطيب أبو الفضل في جمعته خمس خطب كما هو مفهوم من المباشرة لكل من الآخرين في التاريخ المذكور.
ومع هذا لم يلتفت العراقي المتعدي على صاحب الخطابة من أبيه وأجداده نحو مائة وسبعين سنة فعزم المشار إليه لمواجهة صاحب مكّة السيد الشريف أبي نمي بن محمد بن بركات الحسني إلى جهة جدة في عشاء ليلة الإثنين عاشر الشهر، فسمع خصمه المحيوي العراقي فعزم من نصف الليل على بغل ورفيقه الشرفي يحيى بن عمر الذروي ومعه هدية لجماعة الشريف يقال نقد وقماش وسكر لمساعدته على خصمه، فاللَّه تعالى يخذله وينتقم منه ويأخذه من مأمنه، فاجتمع الخصمان في فريق الشريف صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وترك العراقي عند وزير الشريف القائد مفتاح المغربي والخطيب عبد الرحمن في خيمة قريب منزل الشريف أبي نمي وواجهه عند ركوبه للتوجّه لتهنئة زواج بعض أقاربه وقدم له قصة بشرح حاله فأخذها وركب ولم يجتمع به وبخصمه في يوم تاريخه، وقدّم العراقي هديته وتوجّه إلى جدة وعاد للفريق في صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه.
واجتمع كل من الخصمين بالشريف أبي نمي بحضرة جماعة من إخوانه وأكابر بني حسن كالشريف عرار بن عجل وغيره، فجلس كل واحد من الخطيبين في جهة وخاطب الشريف الخطيب عبد الرحمن بخطاب التعظيم بمولانا وخصمه بمحيي الدين، ثم إنّ بعض الحاضرين خاطبه بالشيخ فصار يذكرها له. وذكر الخطيب عبد الرحمن للشريف أنّ جماعة من أهل مكّة يصلون في جمعة العراقي ظهرا لعدم صحتها فبهت الشريف فيه، وتكلم العراقي بكلام لم يلتفت إليه كعادته في
стр. 413
كثرة الكلام وادعى أن خطبة العيد في جمعته وأولها الجمعة وآخرها الخميس، فما وافقه أحد من الحاضرين على أنّ أول الجمعة أخرها بل أولها السبت، فالتفت وقال: المواكب ثلاثة العيد والتروية ويوم عرفة، فقال الشريف أبو نمي: أيّ المواكب أعظم؟ فقالوا له العيد ويقابلها يوم التروية، فأمر الشريف بالقرعة بينهما وذلك بعمودين وخاتمين للشريف أبي نمي وعرار، فطلعت خطبة العيد للعراقي والتروية للخطيب عبد الرحمن وأضيف إليه يوم عرفة لكونه يوم جمعة وهي له.
وبلغ العراقي مقصوده في تحقيق خطبة العيد، وسأله الشريف عرار: إيش يتحصّل لك من خطبة العيد؟ فقال: صفاعة الذقن وخسارة الفلوس. وقد صدق في ذلك وهو كذوب لكن مثله يتعاظم بمباشرتها للتشبّه بالرؤساء لكونه وقد أزرى هذا المنصب بولايته له، فلا قوة إلّا باللَّه، ويعَدّ ذلك من علامات الساعة، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
ثم عاد الخطيبان (١) إلى مكّة فوصلها المحيوي العراقي مع مغرب ليلة الجمعة رابع عشر الشهر وفي أثناء الليل وصل الخطيب عبد الرحمن وصار كل واحد منهما ينبئ عن الشريف أبي نمي، والعراقي يعظّم نفسه كثيرًا وادعى أنّ له خطبة العيد مع خطبة يوم عرفة والخطيب عبد الرحمن يكذبه في الثانية، فالله تعالى ينتقم منه ويريح المسلمين من تأذيته وسفالته.
وأشيع بوصول الخبر إلى فريق الشريف بموت شيخ الحرم النبوي الأمير حاتم الأشرفي الجاركسي والآغا إيدين الرومي، ويقال إنهما مسمومان لأن أولهما تحتْحَتَ ذقنُه. وكان عمل لهما مع جماعة غيرهما من الأكابر وليمة في الحديقة الشمسية الآغا عنبر الخصي عتيق الأمير شاهين الجمالي، وهو مشهور بقتل جماعة بذلك وكانا يحترزان فأوقعتْهما قدرة الله تعالى، وهو أعلم بحقيقة الحال، وإليه المشتكى والمآل.
стр. 414
[وفي الحقيقة هذه تهمة لا يوقَف على حقيقتها] (١).
واتفق أنّ صاحب المدينة محمد بن جامع الحسيني هجم بيت إيدين وأخذ منه جميع النقد والخف وهو متهم بمال كبير وضبط القضاة مخلّف الأول، وتشوّش صاحب مكّة الشريف أبو نمي من هذا الخبر وولى إمرة المدينة لابن عمته الشريف باز بن فارس بن شامان الحسيني وأمره بالتوجّه إلى محل ولايته.
وفي الساعة الأخيرة (٢) من يوم السبت ثاني عشريْ الشهر وُلد ولدي المبارك الموفق السعيد، إن شاء الله تعالى، نجم الدين عمر المدعو أبو القاسم وانجبرتُ بوجوده وهنّأني الناس بولادته، فاللَّه تعالى يجعله ولد الحياة ويُقرّ به العيون، ويحقق فيه الظنون، بجاه محمد ﵊.
وفي معرب ليلة الأحد ثاني تاريخه وصل لمكة جماعة قُصاد صاحب مكّة الواصلين من الروم وهما الجمالي محمد بن مدهش والنوري علي بن أحمد بن نصر وتوجّها هما لفريق الشريف جهة جدة ودقت النقارة [لوصولهما بالخلع السلطانية للشريف أبي نمي بن بركات، نصره الله تعالى] (٣).
وفي صبح تاريخه نادى الحاكم بمكة بزينتها والأسواق سبعة أيام فزُيّنت البيوت وبيوت التجار التي في الشوارع وابتهج الناس بحصولها لكن الصوم أشغلهم عن التفرّج عليها، وكذلك الغلاء.
стр. 415
شهر شوال المبارك استهل كاملًا في ليلة الأحد من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
وكان القاضي الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة طلع لرؤيته إلى علو جبل أبي قبيس على العادة في الليلة التي لم يُر فيها، وأفطر الفقهاء عنده بعد نزوله ومدّ لهم سماطا حسنا فاق مَن قبله لتأنّقه في الأطعمة والأواني، جمّله الله تعالى.
وفي صبح العيد خطب خطبته المحيوي العراقي ومشى أمامه من منزله الساكن فيه بسوق الليل وقف رباط العباس ﵁ جماعة طلبهم من أصحابه كقاضي المالكية التاجي بن يعقوب وغالب أئمة الشافعية الطبور وثاني أئمة الحنفية وخلق من الأعيان وغيرهم والتكبير أمامه، وسلك في الذهاب إلى المسجد المرور من زقاق البوني جهة الحناطين وفي الإياب إلى منزله خط سوق الليل ومدّ لهم سماطا كبيرا كما بلغني وطوّل في الخطبة كعادته حتى ملّه الناس وقام جماعة قبل فراغها، ولله الأمر مِن قبل ومن بعد.
شهر ذي القعدة الحرام استهل ناقصًا في ليلة الثلاثاء من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
كان قاضي الشافعية ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة طلع إلى علو جبل أبي قبيس على العادة وتراءى له إلّا القاضي جمال الدين بن أبي الفضل بن ظهيرة والشيخ جمال الدين محمد بن. . . . (١) القومي وشخص مغربي وأدى الثاني وتوقّف الآخران لتشككهما في رؤيته، ثم بعد نزول القاضي وتوجّهه (٢) إلى منزله شهد عنده شخصان مصريان أحدهما مؤذن باب العمرة برؤيته فأثبت ذلك وأوقد شموع
стр. 416
المطاف والمقامات على العادة.
وفي يوم الأربعاء سادس (١) عشر الشهر وصل لمكة جماعة فريق صاحب مكّة السيد الشريف أبي نمي الحسني وأخبروا بوصوله وأنّ أخاه الشريف ثقبة توجّه إلى وادي الخيف لزواج ابن عمه الشريف محمد بن أبي الغيث بن محمد بن بركات ومعه لصق أخيه، وكان طلبه عمه للتوجّه بنفسه للحضور في الزواج فامتنع من ذلك.
ووصل لمكة في ضحى يوم الخميس ثاني تاريخه وتوجّه الأكابر وأرباب الوظائف للسلام عليه وتتابع بقية عسكره للوصول لمكة خلفه. فغلا الماء وبعض الأقوات [لاستيلاء عبيد الشريف] (٢).
وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر طلع الشريف أبو نمي إلى المعلاة لزيارة والده وركب معه جماعة من عسكره وغيرهم من الأروام منهم الزيني مصطفى مشدّ العين والعمائر الخنكارية، فتكلم العامة قدّام الشريف لفتح فقير العين الذي بسوق المعلاة ليتّسع الناس في وصول الماء ويرخص سعره. فأمر الشريف بفتحه ففتح من ساعته ولم يظهر لفتحه نتيجة لأنّ العين ضعيفة لعدم الأمطار في هذا العام، وكثر كلام العامة في أمر المشدّ فتوجّه إلى الشريف وعرّفه بالأمور وكثرة كلام العامة في أمره وأنه كثير المحبة له.
وكان السبب في منع الإنقشارية المقيمين عنده بمكة مراعاة لخاطر صاحبها، فأصغى له الشريف وأمر مناديا له بالرضا عنه، وأنّ أمر العين له ولا يعارَض في أمرها، فسكن الكلام.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشريْ الشهر حرق رباط القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر المجاور للصفا والمتكلم عليه الشيخ أيوب الأزهري وأولاده من
стр. 417
بعده. وكان السبب في حرقه أنّ شخصا طبخ فيه وترك بقية النار بجانب خشب في الدهليز فتعلّقت به وأكلته مع سقف المكان وجميع الخلاوي العلوية مع الربع فوقها. وعجز الناس عن إطفائها واستمرت إلى الصباح، ووجد في بعض الخلاوي بهار هندي وقماش وغير ذلك لبعض المتسبّبين فحرق جميعه، وأنكر الإنكار فعل ذلك لأن الخلاوي معدّة لسكن الفقراء فمنعوا منها.
ويقال إن المتكلمين على الرباط ملؤوا من صهريج الرباط ماء من العين وباعوه في هذه الأيام لغلو الماء، كل راوية بمحلق كبير، ومنع السبيل منه وكثير منه أطفئ به الحريق. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه. وحصل لنا إصابة فيه بحرق بعض كتُبِنا المعارة على بعض الساكنين فيه، فاللَّه تعالى يعوّض فيها خيريْ الدنيا والآخرة.
واتفق في ليلة تاريخه أنّ الشريف أبا نمي صاحب مكّة بلغه أن أعمامه الشرفاء حميضة ورميثة وسيسد وبعض أتباعهم أخذوا له خيلًا من وادي الدكناء وتوجّهوا إلى جهة الخيف وأظهروا العصيان عليه، لأنه بلغهم أنه قبض على بقية إخوانهم المقيمين عنده بمكة وهم الشريف أبو الغيث وشولق وولد حميضة بن زهير. فأمر الشريف بدق النقارة ولبس الخيل وركوب العسكر لمحاربتهم في صبح تاريخه. فسمع بذلك الشريف عرار بن عجل النموي وتوجّه إليه ودخل عليه في إبطال ذلك حتى يتوجّه إليهم وينظر في أمرهم ويعود إليه في عصر تاريخه، فتوجّه إليهم. فصبر الشريف عن فعله إلى صبح تاريخه وطلب الأروام المقيمين بمكة فتوجّهوا إليه وهم مستعدون بالنفط وغيره، فعرض على أكابرهم ما فعله جماعته فقالوا له: إذا طلبتَ محاربتهم توجّهنا معك، فشكرهم على ذلك وقال لهم: توجّهوا إلى محلكم وإذا طلبتكم (١) تحضرون، فإن البلاد بلاد الخنكار وأنا في طاعته. فرضوا عنه وتوجّهوا إلى محلهم.
стр. 418
ثم إن الشريف أبا نمي عيّن أخاه الشريف ثقبة مع سبعين خيالًا وغيرهم من المشاة للتوجّه إلى الأشراف بوادي الخيف ومحاربتهم وحرق بعض حملهم إلى درب الشبيكة أسفل مكّة. ثم إنّ صهره الشريف بساط بن عنقا وغيره من الأشراف دخلوا عليه بترك ذلك حتى يأتيه خبر الشريف عرار بن عجل من عندهم. فأمر برد الحمول البارزة وترك خروج العسكر، لكنه أمر أخاه الشريف ثقبة والشريف زهير ابن عمه حميضة بالتوجّه إليهم مُخفّين حتى ينظروا أمرهم، فبرزوا قرب مغرب ليلة الأربعاء فواجهوا الشريف عرار في الليل وهو عائد من عندهم بالصلح وطلبوا من الشريف إعطاءهم نفقتهم المنكسرة عنده من مدة أشهر وأن يعفو عن جماعة منهم ابن القائد مفتاح الطيبي وبقية الصحبة التي أخرج رسمهم عنهم ويعطى لهم ألفي (١) دينار تدرك (٢) بها الشريف عرار من عنده إن لم يعطها الشريف. فعرض ذلك على الشريف أبي نمي فرضي بالصلح من غير زيادة على ذلك، وعاد معه منهم جماعة رضي الشريف عنهم (٣) وسكنت الفتنة بذلك.
وفي يوم الخميس رابع عشريْ الشهر وصل لمكة دوادار نائب جدة الجديد مصطفى الرومي المعروف بقلقيس (٤)، معنى: مقطوع الأذن، وأخبر بوصوله لجدة في البحر ومعه مراسيم متعلقات جدة وغيرها، وأنه حسن السيرة.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني تاريخه (٥) شمّرت ثياب الكعبة ويقال إحرامها على عادتها.
وفي ضحى يوم السبت سادس عشر الشهر وصل لمكة مقدما عن الحاج
стр. 419
المصري من ينبع قاصد صاحب مكّة الشيخ مسلم البدوي وصحبته جماعة منهم الخواجا أبو البقاء السكري شاه بندر جدة كان وتأخروا (١) من باب الشبيكة إلى منزل الشريف وسلّموا عليه وأعطاه السكري ورقة من قاضي الحنفية بديع الزمان محمد ابن الضياء الحنفي ومرسوما خندكاريا (٢) من صاحب مصر فيه الإعلام بولايته لقضاء الحنفية من الأبواب الخندكارية وأضيف إليه قضاء جدة ونظر المسجد الحرام وإمامة الموقف الشريف وغير ذلك من الوظائف التي تعدّى بولايتها على أصحابها. فأخذ الشريف المرسوم ولم يُبْد جوابا، ثم إنّ صاحب الوظائف القاضي الشافعي بلغه ذلك فتوجّه إلى الشريف وعرض عليه تعديه على وظائفه، فطيّب خاطره ووعده بالنصرة له. فخاط الناس في ذلك وماطوا، ومقتوا المتولي، فسبحان قاسم العقول.
وأشيع بمكة عود الخطابة لصاحبها الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري وفرح الأخيار له بذلك وهنّؤوه بها.
وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه وصل لمكة نائب جدة الجديد وسكن في المدرسة العينية في الرواق اليماني من المسجد الحرام وقصده الأعيان للسلام عليه، ولم يجتمع الشريف به وأضافه الخواجا أبو البقاء السكري بأطعمة.
وفي ثاني تاريخه أضافه القاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة فخلع عليه خلعة وهنّأه الناس بها وتوجّه لمنزل صاحب مكّة وسلم عليه فأكرمه وأعطاه فرسا ليركب عليها أرسلها إلى منزله مع الشريف عرار بن عجل فخلع عليه خلعة.
وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر تتابع الحاج المصري في دخول مكّة.
ووصل في ظهر تاريخه الشيخ العلامة مفتي المسلمين تاج العارفين أبو الحسن محمد ابن الشيخ جلال الدين أبي البقاء محمد بن عبد الرحمن بن أحمد القرشي
стр. 420
البكري الشافعي القاهري (١) وسكن بمنزلنا عند والدته وصحبته عياله وأولاده وجماعة من تلامذته ونوى المجاورة بهم في السنة الآتية. تقبّل الله منه.
وفي عصر تاريخه دخل قاضي مكّة الحنفي بديع الزمان ابن الضياء ولاقاه من خارجها أخوه القاضي أبو السرور وعمه من تربة المعلاة وبعض جماعة قليلين من باب السلام. وتوقف كثير من الناس من ملاقاته مراعاة للناظر المفصول قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وأمر الشهود بالطلوع إلى جبل أبي قبيس لرؤية الهلال فلم يروه وذكر (٢) الحاج أنهم رأوا هلال ذي القعدة في الإثنين.
وفي ليلتها سلخ الشهر دخل أمير الحاج المصري الأمير تنم الجاركسي مشد الشون وطاف وسعى وتوجّه للزاهر وبات به إلى الصباح. وخرج للقائه صاحب مكّة السيد أبو نمي والشريف ثقبة وعسكرهما فعرضوا له من الزاهر فخلع على كل منهما خلعة وكذا على قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وشيخ الحرم النبوي الأمير صندل السليم القادم من الروم بالولاية والسيد عرار بن عجل، واجتمع في العسكر كثير نحو مائتي فرس للشريف ويرق (٣) عظيم من الخيل والرواحل الجنائب وغير ذلك لأمير الحاج. وابتهج الناس برؤيتها.
شهر ذي الحجة الحرام من سنة ٩٣٣ هـ (١٥٢٧ م)
وكان الهلال خفيًا ورآه بعض الحاج في ليلة الخميس وذلك يدل على أن رؤية
стр. 421
الهلال كانت قبله بالأربعاء. وتوقف بعض الناس في ثبوته ليلة تاريخه، ويحصل بذلك ضرر حالٌ في الوقفة الشريفة. فلا حول ولا قوة إلّا باللَّه العظيم.
وفي صبح يوم الجمعة شرع الأروام في تقسمة المبرة الرومية الواصلة من الحضرة الشريفة السليمانية الخندكارية العثمانية، خلّد الله ملكها، وأدام دولتها، وذلك في زيادة باب إبراهيم في الجهة الغربية أمام رباط الخوزي بالقرب من القصر مسكن الأمناء في عام تاريخه. وجلسوا لها جميع النهار حتى أكملوا الصرّ.
وفي ثاني تاريخه شرعوا في البيوت واستمروا خمسة أيام حتى قسموا الأربطة في اليومين الأخيرين وداروا بأنفسهم عليها وأعطوا المبلغ مشائخها. وحصل في مجلسهم أول يوم تخاصم بين قاضي الشافعية المحبي بن ظهيرة وقاضي الحنفية بديع الزمان ابن الضياء بسبب قبض ثانيهما معلوم نظر المسجد الحرام والمنّ الزيت المرتب فيه وقدره ثلاثون دينارا، وترافعا إلى صاحب مكّة فلام الحنفي لسعيه على وظيفة الأول في النظر وقضاء جدة والموقف بعرفة، فقال له إنه تعدى عليه ومنعه من وصية الخواجا الحياني (١) واستولى على تركته وأنكر عليه ذلك. ويقال إن الشريف وفق بينهما في رد الوظائف، ولم يتحرر صحة ذلك ومنع الحنفي من مباشرة النظر على المسجد الحرام والموقف كما سيأتي.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني الشهر توجّه الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري إلى صاحب مكّة السيد أبي نمي وأراه مرسومه بعود جميع الخطابة إليه وعزل المحيوي العراقي عن ثلثها، فكتب له الشريف استمراره فيها وسأله الخطيب في أخذ الأعلام من المفصول فأمره بأخذها منه، وبلغه ذلك فأراد الاجتماع بالشريف فلم يأذن له.
وتوجّه الخطيب عبد الرحمن إلى نائب جدة مصطفى الرومي وذكر له امتناعه
стр. 422
من إعطاء الأعلام فأرسل لخصمه وطلب منه الأعلام فتوقف في إعطائها وأراه مرسومه، فقال له: تاريخ مرسومك مقدم وتاريخ مرسومه مؤخر على مرسومك وأمره بإعطاء الأعلام للمتولي فوعد وقام من المجلس فأرسل له أربعة أنفار (١) لأخذها منه فكان الجزاء من جنس العمل. فإنه أخذها من الخطيب القديم بالدهلكي صبي الحاكم بعد إعطاء مبلغ له نحو عشرة أشرفية كما تقدم ذكره.
وباشر الخطيب عبد الرحمن الخطابة يوم تاريخه فكان مشهدا عظيما بحيث إنّ العامة تهالكوا على التبرك به وبأعلامه من المسجد إلى منزله، ووقع بفعل ذلك اعتبار لمن اعتبر، فإن العراقي تعدى على الخطيب عبد الرحمن في أخذ خطبته يوم العيد وهي في. . . . (٢) وانتزاعه عنه في يوم عرفة فحرمه (٣) الله تعالى خطبة هذا اليوم وهو خاص به من غير نزاع، ومُكّنَ خصمه من جميع الخطب. فسبحان الفعال لما يشاء ويريد. وفرح كثير من الأخيار لعود الخطابة لصاحبها القديم وهنؤوه بذلك، فالله تعالى يكفيه شر خصمه ويجعلها خالدة تالدة في نسله كما كانت مع سلفه.
وفي صبح يوم الأحد رابع الشهر أوكب الشريف أبو نمي صاحب مكّة من منزله ومعه عسكره ركبانا ورجالا بالسيوف والرماح حتى دخل إلى المسجد الحرام ووقف غالب العسكر محتاطين بحاشية المطاف بأسلحتهم ودخل هو إلى الحطيم وجلس فيه ومعه القضاة الثلاثة ما عدا الحنفي ثم جاء هم أمير الحاج المصري تنم مشد الشون وصحبته قليل من جماعته ومعه الخلع والمراسيم. فقرئ في المجلس خمسة مراسيم اثنان للشريف بالثناء عليه والتوصية بالحاج وثالث لأمير الحاج ورابع للقاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة باستمراره وخامس للشريف عرار والوصية بكل
стр. 423
منهم.
ثم بعد الفراغ لبس الشريف والقاضي خلعا وتوجّه الشريف إلى منزله والخلق أمامه والقاضي الشافعي إلى جهة الزيادة والفقهاء أمامه وخلع الخلعة وتوجّه لبيت الشريف لتهنئته، وأبْطلت العادة في قراءة المراسيم أول الشهر في منزل أمير الحاج. ويقال ذلك لتخيّل الشريف منه لكلام بلغه عن نائب جدة مصطفى الرومي، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي صبح يوم الثلاثاء سادس الشهر وصلت لمكة قافلة المدينة الشريفة وفيها جماعة من أهلها منهم قضاتها الثلاثة ما عدا الحنفي فكان بمكة من قبل تاريخه وجاءه خبر عزله بخصمه خضر الرومي ووصل صحبة الحاج الصامهري (١) الرومية في آخر يوم تاريخه ومُنع الباقون إلى منى فقبضوا فيها غالب تعلقهم.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه دخلت لمكة قافلة الشيخ عبد الله بن مرزوق من حج اليمن في البر وهم كثيرون. وتتابع حاج الشرق وفيهم سلطانهم الجديد وهو الشيخ راشد بن مغامس بن صقر بن محمد بن فضل. . . . . (٢) سلطان البصرة والحسا والقطيف ورفقته نحو خمسة آلاف نفس على رواحل وبركوا في الأبطح على عادتهم. وكانت ولاية سلطانهم للشرق في سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة (٩٣١ هـ / ١٥٢٥ م) وكان بالبصرة فاستعان به الباقي من بني جبر لضعف حالهم وقوي عليهم وأخذ منهم الحسا والقطيف وأعمالهما، وذلك لما استولى الفرنج المخذولون (٣) على بلدهم وقتلوا سلطانهم الشيخ مقرن بن زامل بن أجود بن زامل بن حسين بن ناصر الجبري في سنة سبع وعشرين وتسعمائة (٩٢٧ هـ / ١٥٢١ م). ثم وليها بعده عمه علي بن أجود نحو شهرين فأخذها منه ابن أخيه ناصر بن محمد بن
стр. 424
أجود فأقام به ثلاث سنين وأعطاها بيعًا لقطن بن علي بن هلال بن زامل فأقام فيها نحو سنة ثم مات فخلفه ولده ثم عجز عنها ودفعها لعضيب بن زامل بن هلال، وأقام بها نحو سبعة أشهر فأخذها منه بالحرب الشيخ راشد بن مغامس المذكور وولّى البصرة لأخيه محمد وأقام هو بالحسا والقطيف.
وخرج الحج منها صحبة الشيخ يحيى ابن أخيه محمد والشيخ مهنا وقاضيهم الشيخ العلامة جمال الدين محمد بن عبد العزيز الشهير برقرق المكي البصري الشافعي وغيرهم من أكابرهم ولحقهم الشيخ راشد في الطريق بعد نصف شهر.
وقدم مكّة خلق من الحاج متفرقين من عدة من البلدان ووافقت البركة في أسعار القوت والماء بعد أن كان الماء عزيزا واكتفى الحاج ببركهم وأهل البلد بالعين والآبار ورخيّت جميع الأسعار، ولله الحمد والمنة.
وكانت الوقفة المباركة في يوم الجمعة والحج هنيئا. ووقف بالموقف قاضي القضاة المحبي بن ظهيرة ومنع الشريف القاضي بديع الزمان الحنفي منها لمنعه من ولاية النظر. وزيّن صاحب مكّة الهوادج المتعلقة بحريمه وابتهج الناس برؤيتها. وكُسيتْ الكعبة الشريفة في يوم الأضحى على العادة والباقي يوم النفر الثاني وأقام الحج بمنى ثلاثة أيام متوالية ورحل بمحالهم في يوم النفر الأول.
واجتمعتُ بمنى في عصر يوم الأحد حادي عشر الشهر بقاضي الشرق الشيخ محمد بن رقرق وسمعتُ عليه الحديث الشريف "كثلاثيات ابن ماجة" وحديث من "صحيح البخاري"، وأنشدني من لفظه جملة أبيات من نظمه ونظم غيره. قوله في تعداد الجمعة:
الحمد لله وصلّى ربّنا … على الرسول المصطفى نبينا
وبعد فالجمعة إن تعددت … في بلد بغير عسر قد ثبت
خمسة أحوال لها فالأول … أن يعلم السابق ثم يذهل
стр. 425
والثاني علم السبق دون من سبق … يعاد ظهرا فيهما على الأحق
ثالثها أن يقع الكل معا … والرابع الشك لما قد وقعا
ففيهما تعاد جمعة وإن … تعلم سابقا فحكمه زكن
والاعتبار السبق بالتقدم … ومن بعده تراه يقدم
وهذه جاءت بنحو الغرفي (١) … فالإرث في الأول أوقف
ففي الثلاث اللات بعدهن معا … تزار بأسهما (٢) يا من وعى
في الخامس الإرث لمسبوق ثبت … وهي بأنكاح الوليين بنت
فأوقفن عندهما في الأول … وفي الثلاث التاليات أبطل
والعقد في خامسها قد ثبتا … لسابق من غير شك يا فتى
وأجاز لي روايتها مع جماعة ممن حضر سماعها.
ونفر الحاج من منى في اليوم الثالث يوم الإثنين ثاني عشر الشهر. وسافر سلطان الشرق على جهة المدينة الشريفة لزيارة القبر الشريف. وأقام الحاج بمكة جميع هذه الجمعة.
وفي يوم الجمعة سادس عشر الشهر سافر الركب المصري من مكّة وتبعه الركب الشامي والغزاوي، ورحل المصري من وادي مر ليلة السبت ثاني تاريخه ولحقه الشامي في ضحوة يومه وسافرتُ صحبته إلى المدينة الشريفة على نية التوجه إلى بلاد الروم (٣). بلغني الله من الخيرات ما أروم، إن شاء الله تعالى.