← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المحوجب (١)، وختم المقرّبون بعد ذلك وانفضّ الحاضرون، جعل الله ذلك مباركا ميمونا على كلّ من الزوجين وأهلهما. وفي ليلة الثلاثاء سلخ الشهر ثاني تاريخه عُمِل شراع (٢) للنوري علي ابن الخواجا محمد سلطان في الفازة التي نُصبتْ في حوش الزوجة بمنزل جدّها، وهي عظيمة لما اشتملت عليه من السعة والعقود وهي إثنى عشر عقدًا في كل جهة ثلاثة ملبّسة بالحرير والبشخانات (٣) نحو العشرة. حضر ذلك جماعة قاضي القضاة الشافعي، ولم يحضر هو، مع خلق من الأعاجم التجار وغيرهم من غالب الفقهاء والحاكميْن مبارك بن بدر وعلي الجنيدب، ولم يُلْصِقْ أحد في المجلس، ووقع في المجلس كلام بين الوالي علي الجنيدب ورجال أهل مكة لكونه رقص في المجلس ولم يصفّقوا له، فسبهم لذلك وعرّض بكلمات لهم، فأسْمَعوه كلاما مكروها وأرادوا الخروج من المجلس فردّهم الحاكم مبارك بن بدر. فلما رأى ذلك الوالي خرج بنفسه (٤) إلى الزقاق ثمّ لام نفسه على فعل ذلك وعاد إلى المجلس وهو مغيّر الطباع، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. وأنشد في المجلس قصيدان (٥) أحدهما للجمالي محمد بن حصير المشيد وثانيهما للشهابي أحمد المحوجب الشاعر وكلاهما ليسا بجَيّديْن. واستمرّ اللعب إلى الصباح، ثمّ زَفّ العريس من بيته إلى الفازة ابن خالته، ثم نُصّتْ العروس

стр. 72

على زوجِها - كالعادة - وعُمِل سماط بعد ذلك هائل في الفازة فيه الألوان المفتخرة، من ذلك المأمونيتان الحموي والسكب وهريسة الفستق والرغيف الأسيوطي والجرجانية والأرزيْن الحلوي والمفلفل، وحضر فيه القاضيان الشافعي والمالكي وجماعة من الفقهاء والتجار وغيرهم، وكان القاضيان الحنفي والحنبلي توجّها إلى جدة لقبض اللّاك الواصل من الهند لهما ولغيرهما، وكنتُ صحْبَتهما، فالله تعالى يجعل العاقبة إلى خير. شهر جماد الأول جعله الله مباركا من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م). استهلّ كاملا في ليلة الأربعاء. دخل على زوجته النوري علي ابن الخواجا محمد سلطان في بيت جدّها مسكن خالتها القائمة في مهمّتها السيدة الجليلة سارة ابنة الخواجا محمد قاوان. وفي صباح تاريخها جاء الناس لتهنئته. وأقام عندها سبعة أيام على قاعدة الأبكار، جعل الله ذلك مباركا ميمونا، ورزقهما الثبات والنِّيات، والبنين قبل البنات. وفي ليلة الثلاثاء سابع الشهر كان سابع ابن الخواجا محمد سلطان فنصّتْ عليه زوجتُه في الفازة، ثم بعد هجعة من الليل نقلها إلى منزله بالسويقة ومدّ للنسوة حلوى كثيرة وفرّق على جماعة آخرين. وفي صباح تاريخه زفّ حضرة السابع مِن دار الخيزران إلى منزله بالمغاني والمطربين، ولم يُسْبق لفعل ذلك. وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه عقد الشيخ الأوحد المبارك الأصيل برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر بن إبراهيم العراقي الأصل المكي الناظر على البيمارستان بها، على طليقته المرأة الكامل المصونة ربيعة ابنة قاضي القضاة شرف الدين أبي القاسم بن الضياء العمري الحنفي عند أقضى القضاة محيي الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة المالكي الجلالي أبي السعادات الأنصاري على خمسين

стр. 73

أشرفيًا مقبوض منها عشرة، ودخل بها في ليلته، جعل الله ذلك مباركا ميمونا. وفي صباح تاريخه توفيتْ شيختنا المرأة الجليلة، المعمّرة الأصيلة أم كلثوم ابنة شيخنا قاضي القضاة الإمام محب الدين بن الطبري المكي الشافعي وصلّى عليها بعد صلاة العصر إمام الراتب ابن أخيها، ودُفنتْ بالمعلاة عند تربة سلفها، وخلّفتْ ولدا ذكرا وبنتا ووالدهما، رحمة الله عليها وعوّضهم فيها الخير والصبر. وفي ظهر يوم الجمعة بعد الصلاة قُرئ مرسومان (١) في مصلّى قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة بالرواق الشامي من المسجد الحرام وفرش لقراءتهما بُسط المسجد وحضرهما قاضي القضاة المالكي الجلالي أبي السعادات والحاكم مبارك بن بدر وغيرهما من الأعيان وأركان الدولة الرومية. ومضمون أولهما: الخنكار منَع احتكار القوت من العسل والدهن. وتاريخه في الحموي (٢) أحد الربيعين سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة (٩٢٣ هـ). ومضمون ثانيهما من ملك الأمراء نائب الديار المصرية وفيه الإخبار بطلب إسماعيل الصوفي من الخنكار وأنه عرض عليه الدعاء له على المنابر وحرف السكة باسمه ويكون نائبا عنه. وفي ليلة السبت حادي عشر الشهر عقد الشيخ العلامة الزاهد القدوة القاضي عزّ الدين المدعو الفائز ابن قاضي القضاة بجدة المعمورة للخطيب فخر الدين أبي بكر بن علي بن ظهيرة القرشي الشافعي - متّع الله بحياته وأدام النفع به - على المرأة الكامل المصونة سُتيْت ابنة الخواجا محمد بن. . . . (٣) الفومني نزيل مكة المشرفة بمنزل والدها بالشبيكة بحضرة أقاربه بني ظهيرة، وباشر العقد قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة، وأذن شقيقها العلامة الأصيل الشرفي يحيى الفومني الحنبلي،

стр. 74

وشرب الحاضرون سكّرًا مذابًا وانصرفوا، وبعد ذلك دخل الزوج المشار إليه على زوجته في ليلة تاريخه، وجاء المهنئون في صباحها للسلام، ومدّ سماطا لأقاربه فقط. وفي ليلة الثلاثاء رابع عشر الشهر خسَف القمر خسوفا كثيرا في النصف الأخير، فصلّى له الخطيب الأصيل شرف الدين يحيى بن الخطيب فخر الدين أبي بكر ابن الخطيب جمال الدين محمد النويري المكي الشافعي صلاة الخسوف، وترك قراءة الجهر لعدم حفظه، وخطب بعد ذلك خطبة حسنة شكرها السامعون لها. وفي ليلة تاريخه توفي الفقيه الأوحد الأصيل برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ محب الدين ابن القاضي كمال الدين أبي بكر ابن الشيخ نجم الدين محمد المرجاني الشافعي بعد توعّكه مدّة طويلة بالحمّى والسعال نحو نصف سنة، وصلّى عليه ضحى يومها عند باب الكعبة قريبه الشيخ أبو (١) حامد المرشدي، ودُفِن بالمعلاة عند تربة سلفه - رحمه الله تعالى - وخلف ولديْن صغيرين ذكرا وأنثى وزوجة حاملة، عوّضهم الله فيه خيرا ورزقهم الصبر. وفي ليلة تاريخه دخل إلى جدة طليعة الناخوذة يوسف الزنجي من بندر الديو (٢) وفيها قماش وأرز وبهار، وأخبَر الركَبة الذين فيها الواصل معهم مركب من الديو للخواجا ابن مالك ومركب من كنباية (٣) يُعْرف بالشاهي، وهما قريب من جدة، وأنّ السلطان مظفر شاه أمر بصدقة اللّاك إلى أهل الحرمين، وأراد سحْبها (٤) فتعوّق إلى أول الزمان. وفي ليلة الأحد تاسع عشريْ الشهر نُقِلتْ من جدة إلى مكة المشرفة لقاضي

стр. 75

القضاة الحنفي نسيم الدين عبد الغني المرشدي الأنصاري، وكنّا توجّهنا إليها لقبض اللّاك الواصل من الملك مظفر شاه صاحب المملكة الكجراتية والأعمال الهندية (١)، فقبضْنا ما يخصنا منها. . . (٢) المستحقين معلوم سنة واحدة مصالحة عن سنتين. وأيضا مَن له عشرون (٣) دينارا في الفرمان يأخذ منها مائتي مَنّ وأربعة عشر منا من اللّاك، فيبيعه بنقص الربع وأزْيَدَ قليلا وأنقص قليلا، والله تعالى يحسن العاقبة ويلطف. وفي ضحوة يوم الجمعة رابع عشريْ الشهر ولدتْ ابنة أخينا الخواجا خير الدين أبي الخير بن عبد القادر بن فريوات الدمشقي، وأمّها. . . . (٤) ابنة. . . . (٥) ابن ساعد الدمشقي. وفي ظهر تاريخه ولد فلان الدين (٦) من ابنة الأمين فخر الدين عثمان المظفري الرومي وأمها عائشة ابنة الخواجا نور الدين علي الناصري. واتفق في ظهر تاريخه أنّ الحاكم مبارك بن بدر توجّه إلى الشيخ نور الدين حمزة الرومي وأخبره أنّ السيّد الشريف بركات أمر بختم بيتْ الشيخ القدوة مدبّر المملكة الرومية نور الدين عبد الحليم حليمي شلبي، فذكر له أنه أوقفها على أهل المدينة الشريفة وهي (٧) المدرسة الأفضلية، ثم توجّه معه إليها فحتما أبوابها، ثم بعد صلاة ظهر تاريخه توجّه الحاكم إلى الشيخ نور الدين وفتحا أبوابها، ولم يُعلم مقصدهم بذلك.

стр. 76

وفي طلوع فجر ليلة السبت ثاني تاريخه وُلِد لِوَلدِ نور الدين علي ابن قاضي القضاة بديع الزمان بن الضياء الحنفي، وأمه جوهرة الحبشية، مستولدة قاضي القضاة الجمالي محمد بن يعقوب، ووالده غائب بالقاهرة. وفي يوم الأحد سابع عشريْ الشهر بُنِيتْ درجتان لطيفتان (١) خلف قبّة الحنفية الجديدة ممّا يلى الوجْه الشمالي، يصعد منهما إلى دكة خشب عُمِلتْ للمكبرين خلف أئمّة الحنفية، وقد أحدث ذلك مع مكبّريْن يضعّفان بصوتهما وقت الصلوات الخمس، ويحصل بذلك ضرر على كثير من المصلّين في المسجد الحرام. وحدوث ذلك في هذا العام من جهة الأروام، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وكمُل بناؤهما في ثاني تاريخه. وفي ضحى يوم الثلاثاء ثامن عشريْ الشهر كسفتْ الشمس كسوفا قليلا نحو السدس، فصلّى لها في المسجد الحرام الخطيب يحيى النويري صلاة لطيفة وخطب بعد ذلك خطبة كثيفة لما اشتملتْ عليه من اللحن والتحريف، والتأدية لها باللفظ العنيف، وتعجّب الناس من ذلك، فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويولّي عليهم في الوظائف مَن يسير أحسن المسالك. وفي أثناء هذا الشهر وصل الخبر إلى مكة المشرفة بأنّ الخواجا عبد الله الذمي الحضرمي توجّه إلى بلاد دهلك (٢) ومعه ثلاثة مراكب فيها نحو مائتي مقاتل، فقاتل سلطانها في شهر ربيع الأول فقتله ونهب البلد، وصارت الأسعار غالية بها، وبمكة أيضًا بيعَتْ الربعية الحب بمحلقين وزيادة ونقصان قليل بحسب الحبوب من الحنطة والذرة والدخن. وتوجّهه (٣) الذمي بعد ذلك

стр. 77

إلى مصوع (١) فوجد بها رجال يافع والمهرة فصدّوه عنها فهرب عنهم. ويُقال إنّه توجّه إلى جهة زَيْلَع أو الهند، والله أعلم بحقيقة حاله، ويلطف بالمسلمين ويرخّص أسعارهم. وفي آخر الشهر أمَر صاحب مكة السيد الشريف زين الدين بركات بن محمد بن بركات - نصره الله - بعمارة رباط له في خطّ الحزامية عند درب اليمن بالقرب من بيت الهيصمي خلف أجياد الكبير فحفر ساسه وبني فيه عشرين خلوة سفْلية وعشرين (٢) علْوية ومجمعا سفليا فيه محراب ودهليز به خلوة للبواب، علوه خلوة للمشيخة، وسبيل فوقه خلوة وبجانبه بئر قديمة يصبّ منها الماء إلى الرباط، فالله تعالى يتقبّل منه ذلك ويعينه على إكماله. شهر جماد الثاني استهلّ ناقصا في ليلة الخميس من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) جعله الله مباركا في يوم الثلاثاء سادسه توجّهتُ إلى وادي نخلة الشامية المعروف بالمضيق الأعوج بعيالي رفقة والدتها لأجل الصيف بها. وفي ليلة الأربعاء ثانيه [توفي] (٣) الجمال محمد بن بركات المقري وصُلّي عليه ودُفن بالمعلاة، وخلّف بيتا أوقفه على. . . . (٤). وفي يوم الخميس ثاني تاريخه بُلّطَ مقام الحنفية بحجرٍ صوان أسود وبُنِي محرابه أمام القبة ملاصق حاشية المطاف بناء غير متقن، على نية هدْمه وتقدمته إلى وسط

стр. 78

الحاشية ليقطع به الصفّ الأول من الصلاة خلف إمام الشافعية. فالله تعالى لا يقدّر ذلك. وفي ضحي يوم الجمعة تاسع الشهر مات القاضي جمال الدين محمد ابن القاضي أبي المكارم ابن أقْضى القُضاة شرف الدين أبي القاسم الرافعي بن ظهيرة القرشي الشافعي، فجُهّز في يومه وصلّى عليه بعد صلاة العصر قريبه قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة ومعه خلق من الفقهاء وغيرهم، ودُفِن بالمعلاة عند تربة أسلافه بالحجون، وعَمل له ربعة بالمسجد الحرام والمعلاة ثلاثة أيام، وخُتِمَ له صبح يوم الثلاثاء. وفي آخرها توجّه قاضي القضاة الشافعي إلى جدة لأجل موسم الهنديّ. وكان وصل إلى جدة في يوم الأحد حادي عشر الشهر مركبان (١) من الهند، أحدهما من كنباية ويُقال له الشاهي المعروف بالناجي، وثانيهما من الديو للخواجا جمال الدين بن مالك الحلبي، وفي كلّ منهما أصناف القماش والبهار وغير ذلك. وكانت الريح عوّقتهما نحو الشهرين في المراسي قريب جدة، وأخْبَر ركَبتهما بغرق مركب وصل من دابول (٢) يقال له. . . . (٣) فيه نحو مائتي راكب لم يخلص منهما غير عشرة، وذلك داخل باب المندب. شهر رجب الفرد الحرام من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) جعله الله مباركا. استهل كاملا في ليلة السبت. وفيه انحطّتْ الأسعار قليلا في الحب. وفي يوم الإثنين عاشر الشهر وصل قاصد من مصر اسمه مسلّم وذكر أنّه خرج

стр. 79

من مصر عاشر جماد الثاني، وأنّ السلطان سافر من حلب إلى جهة الروم، وكان صحبته وفارقه من بلاد عنتاب، ووصل صحبته مراسيم للشريف بركات مضمونها: تفويض الخنكار أمر الحجاز إليه وكذا اليمن والهند، فأمر ولده الشريف أبا نمي بزينة مكة سبعة أيام ولعب العيري عند منزله بأهل مكة السوقة. وجاء مع القاصد عدّة أوراق للحجازيين الذين بمصر، اطلعتُ على بعضها. وفيها أنّ الأمير مصلح الدين الرومي وصل إلى مصر صحبة المقرّ الشهابي بن الجيعان وأهل مكة الذين رفقتهم في ثاني شهر جماد الأول بعد شدّة حصلتْ لهم في البحر يوما واحدا في مكان يُقال له الوفادي بعد أن أيقنوا بالغرق ونجّاهم الله تعالى، وأنّ ملك الأمراء نائب الديار المصرية خائر بك لا يحدث عزلا ولا ولاية في الحجاز ولا غيْره. وأنّ القاضييْن بديع الزمان ابن الضياء الحنفي وعبد الحق النويري المالكي اجتمعا به ومعهما المحيوي العراقي فحصل للأوّليْن منه غاية الجبْر، ثم أوْقفهما على مرسوم يتضمّن التفويض له من العريش إلى آخر الحجاز ثم قال لهما: لكن أتأدب مع الخنكار، وأشار عليهما بالسفر إليْه لِيَلِيَا (١) من عنده، ورسم لهما بمائة دينار وللعراقي ثلاثين دينارا. وقد عزم القاضيان على السفر صحبة الأمير مصلح الدين إلى الخنكار فإنّه معتن بهما كثيرا ويعِدُهما بكل خير، والظاهر أنّ الخنكار يردّهما بلا ولاية إلى خائر بك ملك الأمراء ليوليهما هو وينظر في أمرهما، فإنه بلغنا أنّ السلطان وكّل أمر مصر إليه. وقد تقرّر جماعة في الذخيرة الشريفة منهم الشيخ نور الدين حمزة الرومي في مائة دينار، وبركات أما قُطْلُباي (٢) في ستين بواسطة أنه دخل في مصلح الدين بباب حدب (٣) وصلاح الدين والقاضي بديع في ثلاثين، وملا علي الرومي أربعين، وجماعة

стр. 80

أروام ما بين عشر وعشرين (١) ونحوها، ولإماميْ الحنفية عبد الله وأحمد البخاري بين ثلاثين. وقد توفّيت أمّ القاضي شهاب الدين بن الجيعان، وهي جارية تركية، وأخت البرهاني السمرقندي زوجة أبي السعود بن زبرق، وهي سُتَيْت (٢) ابنة الشيخ زائد الشاهد، والشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الميري بالمحلّة سادس المحرم سنة تاريخه. ومصر طيّبة غير أنّ بعض الأروام من بعد العصر يحصل منهم بعض عبث على الناس، وإلحاح كبير، وأميره ابن موسى والمحتسب. وليس بمصر رخيص غير الحبوب، وتاريخ الورقة رابع جماد الآخر. وفي ضحوة يوم الخميس ثالث عشر الشهر توفي إلى رحمة الله تعالى الفقيه العدل أبو الخير ابن الشيخ بدر الدين حسن بن عطية بن النجمي محمد بن أبي الخير بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الحنفي - قرابة كاتبه - فجأة، وكان يحصل له ضيق النّفَس ويبرز لحاجته، ومن ذلك في صبح تاريخه، فجُهّز في يومه وصُلّي عليه بعد صلاة العصر، وشيّعه جماعة من الفقهاء ودُفِن بجانب قبر والِدِه على قبر جدّه القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله بن فهد. وخلّف ولدين صغيرين وزوجة، وترحّم عليه الناس لفقره وضعفه، ﵀. وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل من جدة إلى مكة قاضي القضاة الصلاحي ابن ظهيرة لأجل قراءة المراسيم (٣) الشريفة الواصلة إليه من ملك الأمراء خائر بك نائب الديار المصرية بعد إرسال قاصد له من عند الشريف أبي نمي ابن السيد الشريف بركات. فاجتمع في صبح تاريخه تحت حطيم زمزم تجاه الباب الشريف - على العادة - الشريف أبو نمي وبعض الأشراف والقضاة الأربعة وخلق من العامة،

стр. 81

فقُرئ مرسومان للشريف ووَلده مضمونهما: وصول الأمير مصلح الدين الرومي والمقرّ الشهابي بن الجيعان إلى الديار المصرية وأثنَيَا على المقرّ وشَكَرَا هِمّتَه وذكرا أمان البلاد، وأنّ الجمل الواحد يسير من مكة إلى جدة والينبوع وليس معه رفيق. فحمدنا الله تعالى على ذلك. وقصد الأمير مصلح الدين الإقامة بجدة مدّة أشهُر ليرسل الشهابي القاضي ابن الجيعان إلى الديار اليمنية لينظر في حالها ويتطلب الخواجا عباس. ثم بعد مدّة ظهر. . . . (١) له، فسُرّ بذلك الأمير مصلح الدين وتوجّه مسرورا. ووصلتْ مكاتباتكم صحبة الأمير مصلح الدين وامتثلنا ما فيها، وكنّا أرسلنا لكم تشترون (٢) لنا ما نحتاج إليه من البضائع الهندية واليمنية، فالآن تبذلوا هِمّتكم في ذلك وتجعلوا معشَر جدة على زمن الأشرف قايتباي، فإنّ بيننا وبينكم محبة قديمة في زمن الأخ قانصوه المحمدي محاورا بمكة (٣)، وحصلت (٤) له العناية والمساعدة منكم، ولنا فيكم محبة. ولما وصل إلينا قاصِدُكم الشيخ مسلم وأخبرنا بعافيتكم سُرِرْنا بها وأنعمنا عليه بتقرير مائتي دينار (٥) في كلّ عام له ولأولاده، ووصلت معه مكاتبات منكم تتضمّن ما ذكرتموه من جهة سلمان القبطان فامتثلنا أمركم وجَهّزناه بعياله وأولاده إلى إسطنبول. فأنتم تهتمّون في ضبط المراكب التي بجدة وإصلاحها وتحرير ما فعله الأشرف الغوري وسلمان وتحتفظون بالعدة التي في الحواصل الكائنة بالفرضة وتجعلون قبطانا ترضوْنه. فإنه بلغنا وصول الفرنج إلى قرب

стр. 82

جدة (١) فارتجّتْ مصر لذلك، فأنتم تجهّزون المراكب وتحتفظون بها وترسلون تعرّفوننا (٢) بحقيقة ذلك. وقد وكّلنا جميع الأمور إليكم، ومقامكم عندنا عظيم، ولا تأخذوا علينا بمكاتبتنا لكم بالأخ، فإنّ المقام الشريف الخندكاري رسَمَ لنا بتفويض الأمور من العريش إلى آخر الأقطار الحجازية. ورسمنا لكم بخلعة وكذلك لنجلكم السعيد الشريف أبي نُميّ. ولُقِب الشريف بركات بألقاب كثيرة - كالعادة - وولده بالمجلس السامي ومرسومه أخصر من الأول. وبعد الفراغ من قراءة المرسوميْن لبس الشريف أبو نمي خلْعة قفطان مدنّر ملون، مدنّر (٣) أصفر وأحمر وأبيض، ودُعِيَ بعد ذلك له ولأبيه ولناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي. ثم بعد الفراغ طاف أسبوعا ودعا له الرئيس فخر الدين فوق ظلّة زمزم - كعادة أسلافه - ثم صلّى ركعتين خلف المقام، وتوجّه إلى منزله راكبا ومعه أتباعه وخلق من العامّة، ووصّله القاضي إلى باب المسجد الحرام ثم لحقوه إلى منزله وهنّؤوه بالخلعة وتتابع الفقهاء وغيرهم. ثم ألبَس الشريف خلْعة للوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح الحفيصي وركب فرسه وتوجّه إلى منزله بالشبيكة وقُدّامه الطبل والزمر، وسُرّ الخلق في يومه هذا. ووصلت فيه أوراق من جدة أرسلها الخواجا بيري الرومي، أمين الدولة المظفرية العثمانية، فيها أنّ الخنكار مقيم في أنطاكية وأرسل عسكرا إلى جهة الشرق لقتال الصوفي الخارجي، عدّتهم ثمانون ألفًا غير ألفي إنقشاري مقدّمهم الوزير الأعظم بيري باشا، وكان في الروم، فطلبه السلطان منها لذلك، والله تعالى ينصرهم

стр. 83

ويخذل عدوّهم. وعيّن الأمير مصلح الدين لإمرة الركب الشامي في هذه السنة، فالله تعالى يحقّق ذلك. وفي مغرب ليلة الإثنين سابع عشر الشهر رجع القاضي الشافعي الصلاحي ابن ظهيرة إلى جدة لأجل سفر المراكب الهندية لكوْنه قاضي جدة. وفي صبح يوم الثلاثاء ثاني تاريخه مات محمد بن الشهاب أحمد الجوهري وصليّ عليه بعد صلاة العصر، ودُفن بالمعلاة بالشعب الأقصى، رحمه الله تعالى. شهر رمضان المعظم جعله الله مباركا، سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) استهلّ كاملا في ليلة الثلاثاء. وفيها صلّى بالناس في مقام الحنفية، تحت القبّة الجديدة قبل تكميلها المبنية في هذا العام، أبو البقاء محمد ابن إمام الحنفية المحدّث شهاب الدين أحمد بن محمد الحسني البخاري، وعمُرُه ثلاثة عشر سنة، وصلّى خلفه جماعة من الأروام والفقهاء وغيرهم، وباشر والده صلاة الوتر لوجوبها عندهم وصغر سِنّ الولد، واستمر كذلك. وفيه اشتدّ غلو الحَبّ وغيره من الأقوات، بيعتْ الربعية الحب الحجازية بثلاثة محلّقة، والرطل اللحم بمحلّق، والرطل السمن بأربعة محلّقة، والعسل بمحلقين ونصف، والرطل الجبن بثلاثة محلّقة، والراوية الماء الحلو بمحلق ونصف، والرّبْعية الأرز المصري بثلاثة محلّقة، والعنب رطل ونصف بمحلّق، وغالب ما ذكر لا يوجد إلّا قليلا. وضاق الناس لذلك (١) لاستمرار الغلو في جميع هذه السنة والتي بعدها، وذلك

стр. 84

باحتكار الدولة وخَدَمهم لها، فضجّ العامة بالإنكار والدعاء عليهم. فسمع الحاكم القائد مبارك بن بدر فتوجّه بنفسه إلى السوق في عصر يوم الأربعاء ثاني الشهر وأمر الباعة بعدم الاحتكار وإظهار الأقوات في السوق ومَن لم يفعلْ لا يسأل ما يجري عليه، فأظهر السوقة البضائع، ولم تنزل عن سعرها، فالله يقدّر خيرا ويُرخّص أسعار المسلمين. وفي هذا الشهر والاثنين قبله، رجب وشعبان، عمل الخواجا عبد القادر القاري الدمشقي صدقة شوربة أرز بلحم في مطبخ رباط الخواجا شمس الدين بن الزمن، فإنه استأجر أرضا من رقعةٍ بوادي سولة (١) من أعمال نخلة لفقراء الرباط. عمل طعاما (٢) لهم في كلّ سنة. بل سمعتُ أنّه أعطاهم غالبهُ وبقي اليسير منه، فعمل لهم الشوربة المذكورة فجعل في قدريْن كبيرين فيهما كبشين وقريب مُدّيْن أرز وعشرين قربة ماء حلو فيفرّق على فقراء الرباط المذكور ورباطيْ ربيع والموفّق، وغالب فقراء مكة، فارتفقوا بها في هذا الغلاء. جزاه الله خيرا وعوّضه الربح في ماله والنمو في عياله، وقضى عنه ديونه، وكبت عدوه وشونه. شهر شوال المبارك استهل كاملا في ليلة الخميس من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) وبعض أهل الوادي العيد يوم الأربعاء من غير رؤية. وصلّى أهل مكة العيد صباح رؤيتهم. وفي يوم السبت ثالث الشهر انحلت أسعار الحَبّ قليلا، بيعت الربعية المصرية

стр. 85

بمحلقين ونصف، وسبب ذلك وصول ثلاث جلّاب من القصير إلى جدة فيها قمح مصري. وأخبَرَ الركبة بوصول عشرين جلبة إلى الينبوع. وفي يومه قرأ سورة الأنعام عشرون (١) نفرا من أهل مكة والغرباء خلف مقام الحنفية مرّتين لتستمرّ قراءة ذلك في الجمعة مرتين يوم الإثنين وخلف صلاة الجمعة، ويُهدى ثواب ذلك في صحائف الأمير سلمان الرومي القبطان في البحر وهو غائب عن مكة، وكان قرّر ذلك وهو بها وجعل لكل واحد معلوم أربعة دنانير في كل عام ويقرؤون كلّ ليلة جمعة، ثم أبطل ذلك وجعل يومين في الجمعة كما تقدّم ذكره وزيدَ في المعلوم ديناران فصار لكل واحد ستة أشرفية مجموع ذلك مائة وعشرون دينارا معاملة تاريخه. وقَرأ (٢) يوم تاريخه بعد صلاة العصر سورة الأنعام أيضا للخندكار الملك المظفر سليم خان ابن عثمان اثنان وأربعون (٣) نفرا خلف قبة الزمازمة بإشارة الأمير قاسم الشرواني نائب جدة المعمورة والآغا صندل الخصي عتيق السلطان بايزيد بن عثمان والشيخ نور الدين حمزة الرومي الحنفي وجعل ذلك في كل يوم، ولكل واحد معلوم عشرة دنانير في كل سنة، فمجموع المعلوم أربعمائة وعشرون دينارا. وفي ظهر يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وقعتْ (٤) هدّة بين الأروام ومماليك الشريف، صاحب الحجاز المنيف، وسببها أنّ مملوكا ضرب بعض السّوقة فحمى له بعض الأروام وضرب المملوك، فسمع أصحابه فركبوا على الأروام خيولا باللبْس الكامل. فلما سمع نائب جدة بذلك أمر الأروام باللبْس عنده وهيّأ مدافع النفط، فبلغ

стр. 86

مقدّم المماليك القائد. . . . (١) بن عجلان الحسني فتوجّه إلى الأمير وصحبته بعض المماليك فتكلّموا في القضية، فأصلح الأمير بينهم، فخمدتْ الفتنة ولله الحمد على ذلك. وفي يوم الخميس ثامن الشهر وصل الخبر إلى مكة بأنّ قافلة جدة حصل لها سيْل في وادي حدّة - بالحاء المهملة - ووقع في سوقها حريق قبل المطر ثم طفئ به بعون الله تعالى. ووقع سيْل أيضا في ناحية أعلام الحرم من جهة الشرق فدخل في ذيل مكة ووصل إلى بركة الحاج، فرخص الماء بمكة بحمد الله تعالى. وفي يوم الأربعاء رابع عشر الشهر وصلت إلى مكة مراسيم شريفة من نائب الديار المصرية لنائب جدة المعمورة أرسل بها له السيد الشريف بركات، نصره الله تعالى، مع قاصد وصل إليه ومراسيم له أرسل بها أيضا إلى مكة، فنادى نائب جدة في شوارع مكة بالخروج إلى ظاهر البلد لأجل العَرْضَة فخرج صبح ثاني تاريخه وصحبه جماعة من الأروام وتُرك الشريف وسنجق وطبل ومدافع كثيرة، فوصل إلى الزاهر فاختلع به. . . . (٢) والأمير محمد بك وولده والقاضي زين الدين المحتَسب الناظر بجدة المعمورة، فلبس الأربعة خلعا أحسنها خلعة نائب جدة، ثم ركبوا خيولهم ودخلوا مكة من المعلاة، فلما وصلوا إلى باب السلام دخلوا إلى المسجد الحرام وجلسوا بالحطيم فلاقاهم قاضيا القضاة الحنفي نسيم الدين المرشدي والمالكي الجلالي الأنصاري والسيد عرار بن عجل، وكان في الشرق فوصل يوم تاريخه وجلسوا في الحطيم فتربّصوا له وجماعة من الفقهاء في قراءة المراسيم ساعة حتى حضر، فقُرئتْ في المجلس ستة مراسيم أحدها للشريف بركات، وثلاثة لنائب جدة، وواحد للأمير محمد بك، وواحد للقاضي زين الدين الناظر بجدة.

стр. 87

فمضمون مرسوم الشريف: الشكرُ منه وإخبارُه بوصول قاصده ومفاوضته لملك الأمراء، وتجهّز عسكر بحْرًا في المراكب الواصلة (١) إلى جدة للفرنج المخذولين، وأخباره، وإيصال عسكر بعد ذلك في مراكب أخر، ووصية الشريف بالاحتفاظ بالمراكب التي بجدة وغير ذلك من آلاتها. وتاريخ كتابه في رابع عشريْ شعبان سنة تاريخه. وأحَد مراسيم نائب جدة بمثل ذلك. وثانيها إخباره بوصول أربعة آلاف إردب قمح لبيعها بمكة بسعر الوقت على الضعيف والقوي بالسوية بينهم ومنع المحتكرين له، وشراء بهار وقماش وغير ذلك بعشرة آلاف دينار للخنكار. وثالثها مضمونه سبعة فصول هي: [١] إخباره باستمرار عوائد البندر بجدة في زمن الأشْرف قايتباي الجاركسي [٢] عوائد الشريف في المعشر على ما كان في زمن نائب جدة بردبك الأشرفي [٣] وعوائد السلطنة في زمنه أيضا، [٤] وإبطال المكوسات الزائدة [٥] وبيْع القمح الواصل في المركب وشراء حوائج [٦] ومحاسبة القاضي زين الدين الناظر وقبض المال منه [٧] وضبط المراكب التي بجدة وغيرها. وتاريخ في رابع عشر جماد الآخر عام تاريخه ٩٢٤ هـ. ومرسوم الأمير محمد بك مضمونه إرسال خلعة له، وتقدمته على المراكب التي بجدة، وتحرير مراكب الأمير سلمان القبطان كان، ومعرفة ما عمله في زمن الغوري وهذه الدولة، فإذا تحرّر له شيء يسلم الرومي لجماعته بجدة. ومرسوم القاضي زين الدين: الإنعام عليه بخلعة الوصية بالنظر بجدة، والتّسلّم منه ثلاثة آلاف دينار التي التزم بها للخزانة، وتحرير ما قبضَه في زمن الغوري، فإذا أمكن ردّه على أربابه يفعل ذلك، وإلّا يُحْمل إلى الأبواب الشريفة. وبعد قراءة هذه المراسيم الستة دُعِي للخنكار وبعده صاحب مكة السيد

стр. 88

بركات وبعده لنائب جدة قاسم الشرواني وبعده للأمير محمد بك وبعده لناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الصلاحي بن ظهيرة، وكانت تقْدمَتُه بعد صاحب مكة لكن نائب جدة أمر بتأخيره، وبعد الفراغ من الدعاء طاف نائب جدة أسبوعا وصَحِبَه الأمير محمد بك والقاضي زين الدين الناظر بجدة وهُمْ مختلعون، ولم يسبق بذلك عادة إلا لصاحب مكة، وفي هذه الدولة تغيّر ذلك، والأمر لله تعالى. وبعد طوافٍ توجّه نائب جدة إلى منزله جهة باب العمرة في قاعة كاتب السرّ ابن مزهر الكبيرة المطلّة على المسجد الحرام، فمشى أمامه القاضي الحنفي والقاضي المالكي والسيد عرار بن عجل وجماعة القاضي الشافعي وكثير من الفقهاء والتّجّار فسلّموا عليه ثم عادوا، ونادى في البلد نائب جدة بالأمان وضمان عدم الاحتكار، ومَن فعل ذلك لا يسأل ما يجري عليه، بلْ مَسَك بعض الباعة وضربه وسجنه عنده فنزل سعر القمح إلى محلقين وتباشر الناس بالرخاء، فالله تعالى يحقّق ذلك. وفي ظهر تاريخه وصلتْ أوراق من قافلة المدينة الشريفة، بأخبار وصولها إلى وادي مرّ، ووصول السيد الشريف معهم إلى مستورة (١) ثم تخلّفه بها عياله وتقدم القاضي الشافعي والقافلة عنه إلى وادي مرّ، ثم وصلتْ القافلة إرسالا إلى مكة المشرفة. وفي ليلة الجمعة سادس عشر الشهر وصل إلى مكة قاضي القضاة الشافعي وأخته السيّدة سعادة وابن أخيه القاضي محب الدين ابن قاضي القضاة بهاء الدين والشيخ عبد الكبير الحضرمي وعديله الجمالي محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير الحضرمي المكي والولوي أبو زرعة المنوفي أحد العدول الملازمين للقاضي الشافعي والشهابي أحمد ابن الشيخ نور الدين بن ناصر فهنّأهم الناس بالزيارة، تقبّل

стр. 89

الله تعالى زيارتهم، وأشْركَنا في ثوابهم. وأخبروا أنّ قاضي القضاة الشافعي قرأ عليه ابن أخيه المحبي كتاب الشفاء للقاضي عياض في شهر رمضان المعظم بالروضة الشريفة وعمل له ختما حافلا في صباح تاسع عشريْ الشهر حضره السيد الشريف بركات زعيم الحجاز وقضاة المدينة الأربعة وأكابرها من الفقهاء. وفي آخر نهار تاريخه ألزم السيد بركات قاضي القضاة الشافعي المشار إليه إعادة الختم لكونه ما علم بعادة القارئ يلبس خلعة بعد الختم، فامتنع القاضي من ذلك فلازمه أشدّ الملازمة فما وسعه إلّا الموافقة، فعمِل حتما ثانيا بعد صلاة العصر في الروضة الشريفة فقرأ القارئ المشار إليه الحديث القدسي من آخر كتاب الأذكار للنووي بسند السيد الشريف له، واستُجيز منه في المجلس وألبسه خلعة صوف أبيض مُبَطنة بصوف أخضر مع مقلب من سمور. فمضى قضاة المدينة معه إلى منزله فحصل له بذلك غاية الخير من السيد الشريف، ذي القدر المنيف، ولم يتفق ذلك لأحد من أسلافه، فالله تعالى يزيده علوا ورفعة وسموًا ويُمَتّع المسلمين بطول حياته، ويحفظه من سائر جهاته، ويسعده في حركاته وسكناته. وأشيع يوم وصول القافلة أنّ أوراقا وصلتْ بحرا من القاهرة المحروسة الجماعة من أهل مكة فيها الإخبار بولاية الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن بن الخطيب فخر الدين بن أبي الفضل النويري المكي لوظيفة عمّهِ الخطيب محبّ الدين عوضا عن الجلالي أبي السعادات بن زائد الشاهد، ووصلتْ (١) بذلك مراسيمه إلى القاهرة مع إقامته بالشام، ووصول المحيوي عبد القادر بن أبي الغيث بن زبرق في ولاية مثله للقضاء مع صِغر سنّهِ وعدم أهليته لها، فقدّر الله تعالى وصول أوراق من بعض أهل

стр. 90

مكة الذين بمصر في يوم السبت ثاني تاريخه فيها الإخبار بعدم صحة ما أشيع من ولاية المحيوي بن زبرق لقضاء الحنفية فقط وأمّا وقف قليشان فصحّح لكنه لم يتم له بواسطة أنه توافق مع عمه الجمالي أبي الفوز بحضرة ملك الأمراء نائب الديار المصرية في العام الماضي في قسمة النظر بينهما نصفين، ومَن تكلم منهما في الزيادة على ذلك يكون عليه التزام بمال له صورة، فأظهر عمّه ذلك وساعده بعض الأكابر وغير ذلك أنّ ملك الأمراء أنعم بقراءة ربْعة بالمسجد الحرام وثانية بالمسجد النبوي وقرّر في الأولى المحيوي العراقي بواسطة محبّهِ المقر الشهابي بن الجيعان، ولم يصحّ ذلك، وزيادة خمسمائة دينار في الذخيرة الشريفة وتقرر فيها جماعة من أهل مكة منهم المحيوي العراقي وأصهاره أولاد الشيخ فضل بن عبد القوي ولزوجته وأختها طليقة المقِرّ الشهابي بن الجيعان خمسين دينارا، ولأخويهما أربعين وغير ذلك ممن يلوذ به وغيرهم من الفقهاء. وفي عصر يوم الإثنين تاسع عشر الشهر ولدتْ ابنة أبي الغيث بن زبرق الشيباني زوجة الشهابي أحمد بن مير علي المعروف بابن بنت قاضي القضاة البصارية (١) صهر الأمير سلمان الرومي ولدا ذكرا سُمّيَ سليمان وعَمل له زلابية وفرّقها على أكابر الناس والفقهاء. وفي عصر يوم الأربعاء حادي عشريْ الشهر مات الشيخ المعمر المذكور بابنه شرف الدين يحيى بن عكاش العزي الحنفي بعد توعّكه مدة طويلة، فجُهّز في ليلته وصلّي عليه في صباح تاريخه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة ودُفن بالمعلاة عند تربة زائد القديمة، رحمه الله تعالى، وله من العمر اثنتان وتسعون سنة، وخلّفَ بنتين لولدِه المتوفى في حياته المدعو سالم وعدة وظائف وصُرَرًا نزل بغالبها

стр. 91

في حياته بعضها لبنات ولده، وحمام. . . . (١) للقاضي قوام الدين الحنفي أحد تلامذته. وفي يوم الجمعة ثالث عشريْ الشهر وصلتْ أوراق من مدينة عدن فيها الإخبار بغلوها وأنّ الربعية الحب المكية قيمتها ثلث أشرفي، والراوية الماء الحلو بأشرفي والحمل الحطب مثله، وسبب ذلك غلو زيلع، فإنّ الربعية الحب بها قيمتها نصف أشرفي، وقد أكل أهلها الكلاب والجِيَف، نسأل الله العافية وخاتمة الخير. واستيلاء الخراب في بلدان اليمن بموت سلطانها أحمد ابن الشيخ عامر بن عبد الوهاب بن داود بن طاهر في أحد الربيعين ثمّ ولاية ابن عمه عامر بن عبد الملك بن عبد الوهاب أم ولده أحمد الماضي وغيره وتصرفها في ماله، فسألها عن ذلك فتشوشتْ منه وبذلتْ مالا لبعض أخصائه وهو الشيخ عبد الرحمن ابن أخي الشيخ العيدروس على قتله، وجعل له سُمًّا في مشموم وقيل في غير ذلك. فلما أحس به أسْنَد السلطنة إلى قريبه محمد بن أحمد بن عامر بن طاهر فولي المقرانة (٢) في العشر الأخير من رمضان بعد موته. وله بلد المقرانة. . . . وبندر عدن لا زائد على ذلك. والجراكسة وسلطانهم إسكندر بندر تعز، وأما غير ذلك من البلدان ففي يد العرب إلّا صنعاء عادت إلى أهلها الزيْدية، والطرق مخيفة، فالله تعالى يصلح أحوال المسلمين، ويرخّص أسعارهم ويؤمّنهم في أوطانهم. وفي ظهر يوم الجمعة المذكور ألْبَسَ نائب جدة الأمير قاسم الشرواني المعلّم عبد القادر الحميماتي المصري المهندس على قُبّة مقام الحنفية خلعة قفطان فيها، فعاد إلى منزل الأمير وسلّم عليه، وذلك لفراغ بناء القبة المذكورة في هذه الجمعة وتركيب الهلال الحديد عليها. وقد حَسُنتْ بذلك وظهر عظمها عند فراغِها، لكنها كبر حجمها وكثُر ضَرَرها للمشاهد للبيت الشريف، والمحلّ المعظّم المنيف، فلا حول

стр. 92

ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم. وفي ظهر يوم الثلاثاء سابع عشريْ الشهر اجتمعتُ بالشيخ العلامة المفتي شهاب الدين أحمد بن علي بن قاسم بن محمد التجيبي الفاسي المالكي الشهير بالزقاق (١)، نفع الله به وردّه لبلده، وذلك في خلوة سكنِه بالمدرسة الزمامية المطلّة على الرواق الشمالي من المسجد الحرام، فأنشدني من لفظه قوله متشوّقا إلى بلده على منوال أبيات السيد بلال ﵁: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بفاس وحولي أهلها وخيارها وهل أردنْ يوما عذيْب مياهها … وهل يبْدُوَنْ لي سورها وديارها وأنشد لبعض المتقدمين في المعنى وذكره ابن عبد البر في الجامع شرح الموطأ: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة … بوادي الخزامى حيث ربّينني أهلي بلاد بها نِيطتْ عليّ تمائمي … وقُطَّعْن عنّي حين أدركني عقلي وفي مغرب ليلة الخميس التاسع عشريْ الشهر ماتتْ المرأة الأصيلة خديجة ابنة أحمد بن عبد الرحمن ابن الجمال المصري محمد بن أبي بكر بن علي الأنصاري المكي، فحُهّزتْ في ليلتها وصليّ عليها صبح تاريخها عند باب الكعبة بعد صلاة الصبح، ودُفِنتْ بالمعلاة عند قبر أسلافها بالقرب من قبر الشيخ أبي بكر الزّيْلعي، نفع الله به ورحمها، وعمرها نحو السبعين، وخلّفتْ ثلاث بَناتٍ اثنتان بمكة وواحدة بمصر من الشيخ المحيي ابن أبي الفضائل محمد بن محمد بن إبراهيم المرشدي. وفي ضحوة نهار تاريخه وُلِد لي ابنة مباركة إن شاء الله تعالى سمّيْتُها أمّ محمد كمال ستّ الكلّ آسية، تبرّكا باسم زوجتي والشيخة المباركة الأصيلة آسية ابنة

стр. 93

جار الله بن صالح الشيباني، وأمّها أمّ الهدى زينب ابنة قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي الأنصاري الحنفى، أنشأها الله نشْأً مباركا وأنْبَتَها نباتًا حسنا. وهنّأني بولادتها العلامة المفتي شهاب الدين أحمد الزقّاق المالكي، نفع الله به بقوله مُضَمّنًا الحديث الشريف. . . . (١). شهر ذي القعدة الحرام من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) استهلّ ناقصا في ليلة الجمعة وطلع الشهود بباب السلام جبلَ أبي قبيس لرؤيته بأمر قاضي القضاة الشافعي لتوعّكه وانقطاعه بمنزله. وفي ليلة تاريخه وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة وفيها قاضي القضاة الحنبلي محي الدين عبد القادر بن ظهيرة وهو منفصلٌ عن القضاء بأمر صاحب الحجاز، وباشر إمامة مقام الحنابلة بنفْسه صبح وصولِه، وسلّم الناس عليه تهنئة الزيارة، وكذا غيره من الواصليّن وهم الخواجا عبد الكريم ابن الخواجا أحمد الطهطاوي والقائد مبارك ابن القائد أحمد بن خزيمة. وفي يوم الثلاثاء خامس الشهر وصل جماعة من المدينة الشريفة وصحبتُهم الفقيه العالم أبو (٢) الفضل قاسم ابن الخطيب أبي الحسن علي بن محمد السبتي. الأندلسي المغربي (٣) نائب إمام المالكية كان، وهو ميّت من عسفان، فصلّى عليه ودُفِن بالمعلاة، رحمه الله تعالى. وخلفَ ولديْن ذكريْن صغيريْن وابنة كبيرة مزوّجة بمصري وجعل زوجَها وصيّهُ، أخلفهم الله فيه خيرا وعوّضه الجنّة.

стр. 94

وفي هذه الجمعة كثر الفقراء الأطفال الكبار والصغار بوصولهم لمكة من البراري لشدة جوعهم وغلاء القوت، فصاروا يُلحّون في السؤال في المسجد الحرام والسوق وأزقّة البلد، بل سمعتُ أنّ بعضهم مات جوعا، فقيّض الله لهم الشيخ العلامة الزاهد شهاب الدين أحمد بن محمد النشيلي المكي الشافعي، نفع الله به، وكتبَ قائمة لجماعة من التجار يسألهم في إعانتهم بما فرضَه الله عليهم من الزكاة، فسمحوا له بمبلغ نحو خمسين دينارا مفرّقا من جماعة، وأعطاه قاضي الروم الإمام القدوة المنقطع إلى الله تعالى مصطفى بن. . . . (١) بمبلغ أربعين دينارا، فوضع الجميع عند الشيخ العالم المبارك شهاب الدين أحمد بن يوسف الزبيدي الشافعي نزيل رباط الخواجا شمس الدين بن الزمن ليعمل لهم في كلّ يوم شوربة أرز بلحم كما كان يفعله مع شوربة الخواجا عبد القادر القاري في الأشهر الثلاثة المتقدم ذكرها فشرع في عمل ذلك في يوم الأحد عاشر الشهر، وصار يشتري لهم لحما بدينار ومُدّا ونصف أرز بأربعة دنانير، وديناريْن تكملة سبعة لقيمة الماء والحطب وأجرة طبّاخ وغير ذلك، وفي بعض الأيام يعمل لهم خبزا وغير ذلك من الأطعمة، واجتمع على ذلك نحو خمسمائة طفل من الفقراء، فالله تعالى يتقبّل فعل ذلك ويجزي المحسنين خيرا. وفي يوم الأربعاء ثالث عشر الشهر وصل جماعة من المغاربة الفقراء على درب الماشي من المدينة الشريفة وأخبروا بموت الخازندار بشير الساقي الخصي كان، بعد توعّكه ثمانية أيام في آخر شوال. وفي يوم السبت سادس عشر الشهر حصل بمكة مطر يسير وحواليها مطر غزير فسال وادي عرفة وملأ برَكَ جميع الحاج التي بها، فتمّ بذلك غاية السرور. وفي ليلة الأحد سابع عشر الشهر دخل الخواجا إبراهيم ابن الخواجا أحمد بن

стр. 95

الحسين القاري الدمشقي على زوجته ابنة غريبهِ (١) وخالته، خديجة ابنة الخواجا عبد القادر بن محمد بن عيسى القاري الدمشقي، وعمره سبع عشرة سنة، والزوجة أكبر منه بنحو ثلاث سنين. فهنأ الناس الزوج في صباح تاريخها. وحضر والده ولم يحضر والدها، كعادة الشام، وعمِل لها وليمة قبل الدخول، فالله تعالى يجعلها مباركة على كلّ من أهلها وأهله. وفي عشاء ليلة الإثنين ثاني تاريخه وَلدتْ صفيةُ ابنة قاضي القضاة النجمي ابن يعقوب المالكي ابنا (٢) مباركا اسمه .... (٣) من الخواجا عبد اللطيف الفاضل اليمني، وهو غائب بمدة في عدَن ووصل منه مبلغ لأمّه مع جماعة وصلوا بحرا في مراكب عدَنية فصادف نفاسها وأوسعتْ في المصروف. وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر وصلت إلى مكة المشرّفة الشريفة غبية (٤) زوجة السيد الشريف بركات أمّ ولَده الشريف أبي نمي، وهي من أشراف بني حسين، وفي آخر النهار وصلتْ زوجته الثانية الشريفة أمّ الكامل ابنة عجل من جدة، فقصدهما الأكابر للسلام عليهما. وفي ليلة الخميس حادي عشري الشهر وصلتْ أوراق من السيد الشريف بركات إلى قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة، وصلتْ مع قاصِدِهِ مسلم من القاهرة المحروسة فيها بعض أوراق كتبها بعض الحاج لا .... (٥) منهم المحيوي العراقي، وأخبر فيها أنه سافر من الأعيان المباشرين بالقاهرة سافروا (٦) إلى إسطنبول

стр. 96

بحرا قبل خروج الحاج من القاهرة بيومين، لطلب الخنكار لهم، وهم القاضي كاتب الأسرار الشريفة وأمير الحاج وناظر الخاص كان العلائي ابن الإمام شرف الدين الصغير وبركات كاتب الخزانة، وعُيِّن لكتابة السرّ بالقاهرة عِوَض الأول المقرّ الشهابي ابن الجيعان، وتشوّش منه صاحب الوظيفة فحلف له على المصحف أنّه ليس له دخل في سفره ولا كاتبَ في جهته. وتولّى إمْرة الركب المصري القاضي زين الدين بركات بن موسى المحتسب بالقاهرة وخرج معه خلق من الحاج فتعِبُوا في الجِمال لضعفها وقلِّتها. وخرج على ساقة الحاج جماعة من العرب قبل وصولهم إلى العقَبة فأخذوا منه نحو مائتي حمل فيها زيت الحرم الشريف الآتي كان صحبة القاضي فضيل بن ظهيرة، فتبِعهم أمير الحاج ومسك منهم ثلاثة أنفُس فقتلهم و لم يُحَصّل الباقين وتهدّد شيخ العائد وكان مسافرا صحْبته، فقال له: لي علم بهم، ورجع من هناك إلى مصر جماعة من الحاج، وغلا كراء الجمال فبلغ كلّ جمل بخمسين دينارا، وحمل مع شخص حلبي صحبة الركب صُرر أهل الحرمين جميعها حتّى الذخيرة الشريفة، وكانت العادة مع أمير الركب. وفي ليلة الجمعة ثاني تاريخه توفّيتْ جوهرة الحبشية مُسْتوْلدة السيد الشريف بركات أمّ .... (١) له درجوا بالوفاة وهي أوّل سراريه، فجُهّزتْ من ليلتها وصليّ عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودُفِنتْ بالمعلاة عند قبر الشيخ الشولي بجانب تربة الشيخ الجنيد المشرع، وشيّعها خلقٌ من الفقهاء والتجار وغيرهم، وعزّى الناس أخا (٢) سيّدها الشريف سند (٣) بن محمد وابن أخيه الشريف زهير ابن الشريف

стр. 97

حميضة. وفي ضحى يوم تاريخه وصل إلى مكة نائب جدة الأمير قاسم الشرواني لقرْب زمن الحج. وفي ظهر يوم السبت ثالث عشريْ الشهر وُلِد لمحيي الدين عبد الله ابن الشيخ شهاب الدين أحمد ابن الشيخ شهاب الدين الفاكهي، وأمّهُ زينب ابنة قاسم المغربي الشهير بالدّبّ. وفي صبح يوم الإثنين خامس عشريْ الشهر شُمِّرتْ " ثياب الكعبة على حلَق لها على العادة. وفي ضحى يوم الأربعاء سابع عشريْ الشهر وصلت أوراق السيد الشريف بركات، فيها أنّ الحاج وصلوا إلى خليص وهو خلفهم في الساقة وتقدّم ضخوة يومها وكان لاقاهم من مخشوش، منزلة بالجنب البزوي، ونيته الوصول الى مكة في ليلة الخميس مُحْرِمًا. وفي ظهر تاريخه وصل جماعة من هجّانة (١) الحاج ومشائخ العرب وتتابَع بعدهم الحاج أكثرهم أو كُلّهم. وفي أثناء ليلة الخميس المذكور وصل سلطانها الشريف زين الدين بركات فطاف بعد صلاة الصبح ودعا له الرئيس فوق ظلّة زمزم، وبعد الفراغ هرع الخلق للسلام عليه، واجتمع به الأمير محمد بك الرومي والخواجا بيري والآمدي شاه بندر جدة والقاضي زين الدين المحتسب الناظر بجدة، فتكلّم الشريف على نائب جدة لكوْنه بلَغَهُ عنه أنه يشتكي عليه ببيْعه للحَبّ والتّمر، وكتب ورقة بذلك وألْصَقَها علي باب زمزم في شهر رمضان، فقال الجماعته المتقدّمين: أنا ما ظلمْتُ أحدًا ولا أخذْتُ حقّهم بل وسّعْتُ عليهم لغلو الأقوات ويحصل لي الأجر على ذلك، لكنّه هو

стр. 98

رافضي يسكر ويتعاطى ما لا يليق، وأنا أعرفه وهو تاجر يحزم القماش. فصاروا يسألونه العفو، ثمّ ذهبوا من عنده وأخبروا نائب جدة بالمجلس فركب وأخذ (١) معه نحو مائتيْ روميّ وعبيد له، وتوجّه إلى منزل الشريف ونزل خارج بابه ووقف غالب جماعته هناك ودخل معه بعضهم وأظهر توعّكه فتعكّر عليه، فلما وصل إلى عند الشريف قام له قليلا وقال له القاضي الشافعي: الأمير متوعّك! فقال الشريف: إنّ الله يحبس الفراعنة، فسأله نائب جدة عن معنى ذلك فقال له الشريف: قصْدي أنتَ، فعاتَبَه على أفعاله معه، وأغلظ له في القول وأمره بالقيام من عنده فقام وهو متغيّر اللون ولم يُبْدِ جوابًا قاله. فالله تعالى يُصْلح أحوال المسلمين، بجاه سيّد المرسلين. وفي ضحى يوم تاريخه وصل إلى مكة جماعة من مشائخ عرَب العائد (٢) وغيرهم مفارقين للحاج وتتابع بقيّتُهم في آخر النهار، ودخل أميرهم القاضي بركات بن موسى المحتسب بالقاهرة وطوّفه فضيل ابن القاضي زين الدين عبد الباسط بن ظهيرة، وكان وصل صُحْبَته من القاهرة. فلما فرغ سعّاه ماشيا الإمام إسماعيل الطبري الشافعي، وكان لاقاه من ينبع، وبعد الفراغ عاد إلى الزاهر كعادة أمراء الحاج، فبات به إلى الصباح، فتوجّه له زعيم الحجاز السيد بركات بن محمد وولده أمير مكة المشرّفة الشريف أبو (٣) نميّ وعسكرهما من بني حسن والأتراك والأعراب خيولًا ومشاة، فلاقوه هناك فخلع على الشريف خلعة قفطان وعلى ولده خلعة وعصابة على العمامة المدوّرة كعادة أهل مكة، وألْبَسَ كلّا من نائب جدة وولده وقاضي القضاة الشافعي والشريف عرار بن عجل وشاه بندر

стр. 99

جدة والقاضي زين الدين الناظر بجدة، ودخلوا مكة من ثنية كداء -بالمد- (١) من باب المعلاة، وأوصلوا أمير الحاج الى منزله مدرسة الأشرف قايتباي. ثم توجّه الشريف إلى منزله بأجياد ومعه جميع العسكر، ونائب جدة خلفه لما وقع بينهما. وفي صبح يوم تاريخه تقدّم إمام الحنفية في الصلاة وسط حِجْر سيّدنا إسماعيل عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، وذلك أنّ بعض الأروام لما رأى إمام الشافعية تقدّم إلى عند باب الكعبة الشريفة بجانب المعجنة التي يُقال إنها علامة لمصلّى جبريل بالنبيّ محمد ﷺ في وقت الصلوات الخمس على العادة في أيام الموسم أخذ بساط إمامهم وشمع محرابهم وتقدّم به إلى الحِجْر وتبعَهُ إمامهم فصلّى بِهم في وسطه وطلع مُكبّرهم على جدار الحجر. فتشوّش الأخيار من ذلك لكونهم أحدثوا بدعة يحصل بها ضررٌ على الطائفين والمصليّن، وأنكر عليهم بعض الأخيار فلمْ يُفِدْه ذلك لكثرة البدع وقلّة المنكرين لها، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم. وفي مغرب ليلة السبت سلْخ الشهر طلع على جبل أبي قبيس لرؤية الهلال قاضي القضاة الشافعي راكبًا لتوَعّكه، وطلع معه شهود باب السلام وجماعته وبعض الفقهاء لعدم معْرفَتهم بطلوعِه، فأقام به ساعة بعد صلاة المغرب، ونزل منه إلى المسجد الحرام وصلّى هناك ركعتين وأمر بالنداء لمن رأى الهلال فليتقدّم، فلم يرَه أحد. شهر ذي الحجة الحرام من سنة ٩٢٤ هـ (١٥١٨ م) استهلّ كاملا بالأحد. في صباحها اجتمع السيد الشريف بركات سلطان مكة المشرّفة وابن سلاطينها وولده الشريف أبو نميّ أمير مكة المشرفة وقاضي القضاة

стр. 100

الشافعي وناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة ونائب جدة الأمير قاسم الشرواني وغيرهم من التجار والأعيان عند أمير الحاج الزيني بركات بن موسى ناظر الحسبة الشريفة بالديار المصرية وغير ذلك للتهنئة للشهر على العادة. فتكلّم الشريف على نائب جدة بحضرته وتهددّه بأمور كثيرة بلغَتْهُ عنه، فلم يردّ له جوابا، وإنّما قال له: إيش قصْدك يا شريف؟ فقال له: قَصْدي قطْع رقَبتِك وإراحة المسلمين منك، فقال له: لو كان اليسق العثماني (١) النائب يسافر من محلّ نيابته بلا طلَب من السلطان كنْتُ سافرْتُ من بلَدك! فتكلم أمير الحاج في الصلح بينهما فاصْطلَحا بعد ذلك، وخلع وخلع أمير الحاج على كلّ من الشريف وولده ونائب جدة والقاضي الشافعي كالعادة وتوجّهوا إلى منازلهم. وفي يوم الثلاثاء ثالث الشهر فرّق أمير الحاج الذخيرة الشريفة بسكنه مدرسة الأشرف قايتباي بحضرة قاضي القضاة الشافعي والخواجا شمس الدين ابن شيخ سوق الدهشة الحلبي، وذلك بإشارة ملك الأمراء خائر بك المظفري نائب الديار المصرية، وأنّه من المقرّبين عنده، وكانت تفْرِقَتُها هنيّة، أصرِف كل دينار ثلاثة وعشرين مُحَلّقًا على العادة، وأكْمِلتْ تفرقتها في ثاني تاريخه. وفي يوم الخميس خامس الشهر وصل سْبق الحاج الشامي فتباشر الناس به بعد إياسهمْ منه، وكان وُصُولُه على التجّار من الفرَج بعد الشدة. وفي صبْح يوم الجمعة ثاني تاريخه توجّه الشريف بركات زعيم الحجاز لملاقاة أمير الحاج الشامي وولده الشريف أبو نمي وهو دوادار نائب الشام المقرّ الكافلي

стр. 101

جان بردي الغزالي المسمى أصلان (١) ورفيقه استدار نائب الشام عماد الدين إسماعيل ابن الأكرم العناني وهو حركة أمير الحاج وليس له حركة إلّا به. فلاقوْه في الزاهر على العادة وليس كل منهما خلعةً ومشوا معه إلى محطته في الأَبْطح، وعاد الشريف وولده إلى منزلهما ومعهما جميع عسكرهما. وفي صبح يوم السبت سابع ذي الحجة الحرام فُرقتْ الصرَرُ الشامية عند مقام الحنفية بحضرة ناظِرها الشيخ العلامة مفتي المسلمين أقْضَى القُضاة تقي الدين أبي بكر ابن محمد بن يوسف القاري ثم الدمشقي الشافعي، متّع الله بحَياته، وأدام النفعَ به وبركاته، وكتبَ له السلامة، في السفَر والإقامة. وقد وصل صحْبة الركب الشامي وحضر تفْرقة ذلك قاضي القضاة شيخ الإسلام ناظر المسجد الحرام الصلاحي بن ظهيرة الشافعي، أجلّه الله تعالى، وكثير من أعيان الفقهاء، فقبَضَ الجميع عن سنتين ماضيتين وهما سنة اثنتين وعشرين والتي تليها، لكون الحاج الشامي لم يطلعْ فيها، فحصل جبْرُ أهل مكة بذلك وتضاعف دعاؤهم للناظر وملك الأمراء نائب الديار الشامية لهمّته في ذلك وذمّوا المصريين لتساهلهم في صرْف استحقاقِهم وكوْنهم وصَلوا قبل الشاميين ولم يفرقوا الحكمي والمستجدّ (٢) وتأخيرهم في صرف أوقاف بقية القضاة الثلاثة بمصر، والعادة يفرّقون (٣) عند وصول الحاج. وفي ظهر تاريخه خطَب الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النّويري خطبة السابع ولم يُشْكَرْ فيها وكان غائبًا عن مكة في الشام مدة ثلاث سنين متوالية. ووصل صحْبة الركْب عام تاريخه متوليًا لاستحقاق عمّه في الخطابة وهو الثلثان، وله

стр. 102

قبْل ذلك السدس، وعجِب أهل مكة من تأخير الخطابة له مدّة غيبته مع كثرة طالبيها والساعين فيها ومعرفتهم بتقصيره عن القيام فيها لعدم فضيلتِه، لكن ذلك لأمر يريده الله، وكان أمر الله قدَرًا مقدورا. وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه فُرِّق صَرّ الشافعي بمصر المعروف بالحكمي على يد مباشر أمير الحاج المصري المسمى .. (١) صهر المقرّ الشهابي بن الجيعان في منزل قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وتأخرت (٢) تفرقته بالمسجد لضيق الوقت وكانت رسالته مفقودة لكون المباشرين بمصر غفلوا (٣) عن إرسالها صحبة أمير الحاج ثم أرسلوها بحرًا صحبة الإمام جمال الدين. المدعو عبد البر الطبري فوصل إلى ينبع ثم ركب في البر إلى مكة فدخلها يوم سابع ذي الحجة فاطمأن خاطر (٤) أهل مكة بوصول الرسالة صحبة الإمام عبد البر الطبري، وأخّرَتْ تفرقة المسجد إلى منى لضيق الوقت. وفي صباح ثاني تاريخه صعد الحاج إلى عرفة وأقاموا بها إلى الغروب، وكانت الوقفة المباركة بالإثنين تاسع الشهر، والحج هنيا، مع وجود الغلاء في جميع الأقوات، بحيث بِيعَ (٥) الرطل السمن بعشرة محلقة والكبش بدينار وأكثر من ذلك والبطيخ الأخضر كل واحدة قيمتُها نحو ربع دينار وأكثر، والشكْوة اللبن الصغيرة بقريب دينار. فقاسي الحاج من ذلك شدة، أزالها الله بوجود الأمن والبركة. ووقف أمير الحاج المصري والشامي ومحملهما تحت الجبَل في الموقف الشريف

стр. 103

على العادة، وصحْبَتهما سلطان البلاد السيّد بركات وولده الشريف أبو (١) نمي وإمام الموقف قاضي القضاة الشافعي الصلاحي بن ظهيرة وجميع الخلق. واستمروا واقفين إلى الغروب ثم نفروا مسْتجابي الدعاء إن شاء الله سالمين غانمين فرحين مستبشرين بالغفران ودخول الجنان. ودفعوا إلى مزدلفة وباتوا بها إلى الإسْفار ثم دخلوا إلى منى في يوم الثلاثاء عاشر الشهر وعَيدُوا بها. وعمل أمير الحاج المصري حرّاقة نفط عظيمة وفرّق على المتفرّجين لها عِلَب حلوى وسكرًا مُذابًا، ولم يُعهَد فعل ذلك لغيره، ورموا بها جمرة العقبة، وتوجّه أمير الحاج المصري والشامي وغيرهما إلى مكة وألْبسوا الكعبة الشريفة ثوبْها على العادة وطافوا وسعوْا ثم عادوا إلى منى وأقاموا بها ثلاثة أيام. وفي يوم الثاني من تاريخه فرّق أمير الحاج المصري صرّ أهل مكة المستَجدّ في منزله. وفي يوم الخميس ثاني عشر الشهر كان النفر الأول ورجع الخلق إلى مكة إلا اليسير، على العادة، وتأخر أميرا (٢) الحاج المصري والشامي وركْبهما إلى النفر الثاني، ثاني تاريخه على العادة. وفي يوم الجمعة المذكورة ثالث عشر الشهر سافر الحاج المصري من مكة. سنة خمس وعشرين وتسعمائة ٩٢٥ هـ (١٥١٩ م) استهلتْ وهي متتابعة الغلاء فقاسى أهل مكة لذلك شدة البلاء فالله تعالى يُرْخيها، ويكتب السلامة فيها، فإن حوادثها مظلمة، وللأنفس مؤلمة، وتحتمل كتابتها

стр. 104

مجلدة، والمطوّلات في الصّحف مخلَّدة، ورحم الله بعض الناس، حيث قال في هذا القياس: ولو كتْبتُ كلَّ ما علمتهُ … لضاقتْ الأنفاس والقرطاس لكنني أذكرُه مختصرًا … مبتغيًا (١) لما عليه الناس كان أول شهر الله المحرم الحرام بالإثنين. واستهل ناقصًا مع أن السماء مغيّمة، والآفاق مظلمة. ووصل الخبر في أوله إلى مكة المشرفة أنه حصل في بندر جدة سيْل عظيم طالب (٢) من غير مطر امتلأت منه الصهاريج جميعها ثم دخل البحر من جهة اليمن وانتفع به أهل البلد كثيرًا بعد قحطهم من الماء وبلوغ .... (٣). وحصلت في وادي مَرّ سيول كثيرة وكذا في هدّة بني جابر (٤) بحيث ذكر الأكابر الذين شاهدوا ذلك أنهم لم يعهَدوا مثله. وتهدّم كثير من الأصائل (٥) الكبار وقَلعتْ الزرع، وقُتِل في السيل أكثر من سبعين نفسا غرقا، وكثرَ الجراد في مكة وضواحيها بحيث جُلِب إليها في شطائر من جلود وبِيعَ في السوق كل كومٍ عدَّتُهُ ثماني جرادات بدرهم، واستعاذ الخلق من ذلك، فالله يَقِينا وإياهم المهالك. وفي يوم السبت سادس الشهر ازداد غلو الأقوات بمكة بعد انحلال سعر الحَبِّ يسيرًا لكون الحب وصل إلى مكة. فإن الحكّام بجدة وذوي الشوكة من الأروام اشتروا جُلّاب الحبّ الواصلة إليها فتقاسموها بينهم خلا البعض فبقي للناس واشتراه السوقة بالجاه أيضًا

стр. 105

وأدخلوها الحواصل، فضجَّ الناس لذلك وتكلموا مع الحاكم القائد مبارك بن بدر بسبب ذلك، فأمر صبيانه بتلقّي الركبان والقوافل الواصلة من جدة ومنْعِهم إدخال الحَب الحواصل، جزاه الله خيرًا. وفي يوم الأحد ثاني تاريخه عدِم الحَبُّ من السوق وبِيع بعض شيء في حلقة الأشرف قايتباي لأن صبيان الحاكم مسكوا بعض حمول من القافلة وأدخلوها هناك فبيعت الربعية الذرة بستة محلقة وزاد في آخر النهار محلقا وصارت في البيوت ولم يتظاهر السوقة بشيء من الحبوب وبِيعَتْ الربعية الدهلكية بثمانية محلقة ونصف، والربعية الشعير بستة محلقة، وربعية الحب السيّال الحجازي المسمى عند الأتراك بخشي طرى بخمسة محلقة، وزاد في آخر النهار محلقين فضجّ الخلق لذلك وأرادوا رجم صاحبه فأعاد سعرَه إلى خمسة، ونادى المحتسب في الشوارع بالنداء أن اللحم الضاني يُباع كل رطل بمحلق وربع، والرطل الماعز بمحلق، واللحم الجملي رطل ونصف بمحلق، واللحم البقري رطل وربع بمحلق، وأن اللبن يباع في السوق للأكالين ولا يشتريه الجبانة (١) ومن خالف ذلك لا يسأل ما يجري عليه، فلم يلتفتْ أحد إلى كلامه. وفي يوم الإثنين ثامن الشهر ولي الكمالي أبو الفضل بن أبي علي نظر المواريث بمكة عوض عثمان البوني واستناب الجمالي يوسف بن كحليها (٢) في جمْع التركات بأمر السيد بركات. واتفق يوم تاريخه أن مات شخصٌ حمّال على ظهره كان يُظهر الفقر ويُلحّ في

стр. 106

السؤال فوُجِد معه خمسة عشر دينارًا عتيقة وأشرفيتان (١) مساعيد وبعض محلقة له مربوطة على وسطه، فتعجّبَ الناس لذلك وقستْ (٢) قلوبهم لهذه الفِعْلة، وصار التجار يتحجّبون عن الفقراء بسبب ذلك. وفي يوم الثلاثاء ثاني تاريخه سافرتْ الشريفة أم الكامل ابنة عجل وأختها الشريفة بيدح إلى الفريق (٣) بطلب السيد الشريف بركات لهما على ما يُقال. ووصلت إلى مكة قافلة من اليمن فيها سمن، فنزل سعر السمن إلى عشرة محلقة ونقص عن سعره الأول محلقين، فالله تعالى يرخّص الأسعار. وفي يوم الأربعاء عاشر الشهر بِيعَ الأرز كلّ ربعية بعشرة محلّقة ونصف وعُدِم بقية الحبوب. ووصلتْ قافلة من اليمن فيها سمن فاشتراه بعض سوقة جدة لكون السعر بها بلغ ثلاثة أرباع دينار فعُدِم السمن من السوق، فلله الأمر من قبل ومن بعد ذلك. وفي يوم الخميس ثاني تاريخه أشيع بمكة وصول جلبتين من الشام وجلبتين من اليمن فيهما حبّ وأن الوزير بجدة الجمالي محمد بن راجح أمر بفتح شونة (٤) مخزون فيها حب للبيع على أهل جدة فرخص الحب بها وبيع كل إردب بستة عشر دينارا ذهبا (٥) وكل ربعية بأربعة محلقة ونصف وبخمسة.

стр. 107

وفي يوم الجمعة ثاني عشر الشهر جُلِبَ حمول حَبّ إلى مكة فوُضعتْ عند الحناطين في السوق فتباشر الناس بها وبيعت الغرارة المصرية بألف محلّق وأربعين محلقًا، جملتها ثلاثة وأربعون (١) دينارًا، وباع السوقة على أيديهم كل ربعية حب مصرية بخمسة محلقة ونصف. وفي ظهر تاريخه قرأتُ مع جماعة من الفضلاء جميع صحيح البخاري خلا اليسير في أجزاء مفرّقة ودعونا الله تعالى عقب ذلك برفع الشدة عن المسلمين وذهاب (٢) الغلاء عن بلد الله الأمين، فالله تعالى يستجيب دعاءنا، وينصرنا على أعدائنا، ويؤمّننا في أوطاننا، وينصر سلطاننا. وفي صلاة عصر يوم الجمعة المذكور قَنَتَ إمام الشافعية، ودعا الله تعالى بدفع البَلِية. وفي يوم الإثنين خامس عشر الشهر حصل بمكة مطر غزير أرجو من الله تعالى حصول النفع به. وفي يوم الخميس ثامن عشر الشهر ماتت المرأة الكامل شاذنة ابنة محمود الناخوذة أم الجمال محمد بن علي الفرّاش الشهير بالناخوذة، لجدّه لأمّه. فصلّي عليها عند باب الكعبة بعد صلاة العصر وشيّعها جماعة من الفقهاء وغيرهم لأجل ولدها، فإنه عنده حشمة ومودّة للناس، وعمِل لها ختمًا بالمعلاة في صباح يوم الأحد رابع يوم وفاتها حضره القضاة والفقهاء. وفي يوم السبت عشريْ الشهر وصل لمكة أحمال من السمن فبيع كل رطل بثمانية

стр. 108

محلقة في السوق، ونادى المحتسب بأن يباع بسبعة محلقة، فتشوش أهل السوق لذلك وعزلوا دكاكينهم وقالوا: لا يخلصهم السمن من السوق، وصار يباع بالدس في البيوت بما أرادوا من الأسعار. ثم في الإثنين ثالث تاريخه أنعم الله تعالى بوصول قافلتين من اليمن والشرق فيهما سمن كثير فبيع الرطل بسبعة محلقة ثم تناقص في هذه الجمعة إلى أن وصل لأربعة محلقة ونصف، وبأربعة. وفي ليلة الثلاثاء ثالث عشريْ الشهر دخل الخواجا سلطان بن محمد بن علي الفومني العجمي على البنت البالغ زينب ابنة قاضي القضاة الحنفيّ المرحوم نور الدين علي بن أبي الليث بن الضياء القرشي العمري. وكان عقده في ظهر الجمعة تاسع عشر الشهر بمباشرة شقيقها القاضي أبي السرور بن أحمد وحضر ذلك عمّها فقط ولو كان أخوها الكبير بمكة ما فعّل ذلك ولا رضي به. وهنأهم بعض الناس في صباحية الدخول ولم يعمل لهم معمولا (١) على عادة أهل مكة بل مرّ الطيب بمفرده. وبعد الفراغ عُملت سفرة صغيرة لأهل البنت. فالله تعالى يجعله مباركًا عليها ويثيب المرأة، ويجعله مباركًا عليها وعلى أهلها. وفي يوم الثلاثاء المذكور وصلتْ قافلة من المدينة الشريفة فيها الشيخ محمد بن مرزوق اليماني المعتقَد، وصحْبته جملة أوراق اطلعتُ على بعضها فيها الإخبار بغلو المدينة بحيث بيع فيها الحب المدني وهو ثلاث رباعي مكية بخمسة عشر محلقًا، والسمن كل رطل مصري بتسعة عشر محلقا، وعُدِمَ فيها الماء والخضَر، واشتد ذلك عند دخول الحاج الشامي. فالله تعالى يُرخّص أسعار المسلمين، ويكتب السلامة على الحجاج

стр. 109

والمسافرين، في البر والبحر من المسلمين. وفيها: أنه مات بالمدينة قاضيها الحنفي كان سعد الدين سعيد ابن قاضيها أبي الفتح الزرندي رحمه الله تعالى وهو مفصول عن القضاء مدة ثلاث سنين، وكان عاقلًا ساكنًا وبيْننا وبينه مودة ورفقة في السفر، وخلف والده وأخا غائبًا في الروم، عوّضهم الله تعالى فيه خيرًا. وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه وصل الخبر لمكة أن جلْبَة من زْيلَع وصلتْ إلى جازان وأخبرتْ كُتُبُها أن الحب فيها رخيص ثمن كل طنم (١) تسعة أشرفية، فتباشرَ أهل مكة بذلك ونزل سعر الحب الحنطة كل ربعية بخمسة محلقة واللقيمية والذرة والدخن بستة محلقة والربعية الزبيب بأربعة محلقة والرطل التمر بمحلقين إلّا ربعًا، وظهر كثير من ذلك في السوق، فالله تعالى يزيد من الرخص ويكثر الخير على المسلمين، خصوصا جيران بلد الله الأمين. وفي يوم الخميس خامس عشريْ الشهر اتفقتْ (٢) كائنة غريبة يجب علينا إيرادها ليُسْتفاد عن حكّام زماننا، وهي أن قاضي الشافعية الصلاحي بن ظهيرة المكي حكم لوالدي حكما في سنة ٩٢٢ هـ بِسبَب أنّ شخصا تاجرا يُقال له جلال الدين القرشي خاصَمنا في جِدار تحت ظِلّة لنا سقط من مدة ثلاثين سنة وأراد الوالد إعادته فتواصلا إلى القاضي المذكور وأثبَته الوالد عنده بحضور الخصم بشهادة خطيب المسلمين محب الدين النويري وثلاث نسوة غيره، وحكم بموجب ذلك، فاشتد شقاق الخصم لمجرد عناده لنا فلازم حكّام البلد وذلك مدة ثلاث سنين، فلما مات الوالد رحمه الله تعالى لازم الخصم

стр. 110

في ذلك فنقض حكمَهُ وطلبني وأشهد مَن حضر عنده أنه رجع عن حكمه، فسألته عن السبب فقال: لم يستوف (١) الوجهَ، فقلتُ له: مذكور في المستند استيفاء ذلك. فقال: ظهر لي بعد ذلك عدم الاستيفاء. فطلبتُ منه كتابة مستند بسبب رجوعه، فتألم لذلك ثم مشى في الصلح بقسْم الجدار نصفين يترك أحدهما لمرور الخصم ويبقى لنا الثاني، فوافقتُ على ذلك كرهًا، وعند الله يجتمع الخصوم. وهذا حال حكّام هذا الزمان في بيع الدين بالدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي يوم الجمعة ثاني عشريْ الشهر نزل سعر الحب المصرية فبيع كل ربعية بأربعة محلقة بل وثلاثة ونصف. وسبب ذلك وصول البحرية من جانب مصر واليمن، السبعة وصلتْ إلى مراسي جدة، وأن الأمير مرجان حاكم بندر عدن أمر أصحاب الجلّاب الذين عنده بالتوجّه إلى زيْلع وشحنتها حبًا لأهل مكة. جزاه الله خيرًا، وأعانه على فعل الخير. وفي ليلة الجمعة ثاني عشريْ الشهر سقطتْ بيوت كاتب الأسرار الشريفة المقرّ الزيني بن مزهر التي في المروة الموقوفة بمكة، ومات تحت الهدْم رجلان مملوكان. وفي يوم تاريخه طُلّقتْ زينب ابنة القاضي نور الدين بن الضياء المتقدم زواجها في يوم لكونها ما وافقتْ الزوج على بعض أغراضه الفاسدة، ووقعت بينهما مقابحات، نسأل من الله سترها وأن يعوّضها عوضه خيرًا منه وكذا أهلها. وفي آخر الشهر سقط بيت القاضي برهان الدين بن ظهيرة الكبير الذي بحارة قريش طيْحَةً كبيرة في الزقاق، فسلم المارة والسكان لنقلتهم منه. واتفق في أول الشهر هذا سقوط منزلي الذي أنا ساكن به، وقف الوالد ﵀،
следующие страницы →