← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الشهير بابن ظهيرة القرشي بعد وصية كتبها في آخر مرضه. وله سنين مريضًا بوجع الدق، ويقال لكثرة استعماله للمغيبات بحيث تغيّر جسده وانقطع بمنزله، وتصرف في جهاته بما لا يُحمَد فيها بحيث لم يمض غالب وصيته مع كثرة ديونه، ويقال نحو ألف. وجعل وصيه القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات المالكي. فجهّزه في ليلته وصلّى عليه بعد صلاة الصبح عند الحجر الأسود، كعادة بني ظهيرة، ودفن بتربتهم بالمعلاة عند الحجون على قبر أمه وجده، وعُمل له ختم في صبح يوم الثلاثاء خامس الشهر (١). وتنازع عم أبيه أبو المكارم بن أبي القاسم الرافعي وهو شاب مع زوج عمته سعد الدين بن ظهيرة في ما أوصى به من النزول لوظائفه وإجازة أوقافهم له ولغيره وساعده صهره القاضي شهاب الدين المالكي الذي جعله الميت وصيا وعزل نفسه منها وقال إنه قصد حرمانه من ميراثه وسأل في ضبط مخلفه من الكتب وغيره، وكان أوصى بوقفها مع ميراث غير ذلك. فقال الوصي: الديْن مقدم وغالب جهاته وقف على عصبَته، ووجد بعض المستندات التي بمنزلهم بباب إبراهيم والعصامية بوادي أرض خالد وهي مرهونة في ستمائة أشرفي عند الوزير الجمالي محمد بن أبي علي المكي وغيرها مصلح في أوقافها بالكشط. وأروها للقاضي الشافعي فأمر ببيع أثاث البيع (٢) وضبط الباقي حتى تحرر أمره، فضبط ذلك وكثرت القالات فيه، ولا قوة إلّا بالله. وفي ضحى يوم الخميس سابع الشهر وصل لمكة صاحبها الشريف أبو نمي محمد بن بركات الحسني وتوجّه الأعيان للسلام عليه ومقت غالبهم لتحمّله على الفقهاء. ويقال إن سبب وصوله للإشراف على الساباط دهليز دار السعادة مسكنه،

стр. 457

وأخذ وديعة مال كان أخذها الشريف ثقبة من قسمته معه ويقال إنها نحو عشرين ألف دينار. وفي صبح يوم الجمعة ثاني تاريخه زار قبر أخيه ووالده وصلّى الجمعة وسافر آخر النهار إلى فريقه جهة اليمن، وجّه الله وجهه حيث ما توجّه. وفي يوم الخميس المذكور نعي على القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن ناصر لموته بالروم وجاءت ورقة من مصر من أخيه عبد الرحمن. وكان الناس تحدثوا بذلك من أول السنة، ولم يصدق أهله ذلك وتبيّنتْ (١) أمه وإخوانه، فالله تعالى يرحمه ويعوّضهم خيرا منه. وفي هذه الجمعة وصلت لمكة عدة أخبار من البحر على طريق الطور منها أنّ نائب مصر كتب عرضا إلى الروم فطلب ولاية الدفتردار (٢) عبده بمصر لنيابة جدة واسمه داود الرومي. فجاء الخبر بولايته لها وأنه عين نائبه فيها واسمه .... (٣) الرومي. فوصل بنفسه لجدة وأن النائب المذكور والسيد علاء الدين ملك التجار أمروا بشحن (٤) حوائجهم من السويس وهم واصلون معها قريبا، وأن النوري علي بن المهتار مات بالقاهرة ووُجد معه مائة ألف أشر في ذهبا غوريا، ثمنها لاكيْن ونصف من الأشرفية، وأنه جعل وصيه الأمير جانم الحمزاوي. وادعى عمه .... (٥) المهتار أن المال له فطولب بثبوته فلم [يُثبت] (٦) ذلك. ويقال إنه وديعة للسلطان الغوري عند عمه وأودعه للميت عند سفره للروم، ولما عاد منها طالبه به فأنكره

стр. 458

عليه. وحرمهم (١) الله التصرف فيه حتى عاد للدولة. ولذلك فليعتبر المعتبرون. مع أن عليًا المهتار استدان بمكة من جماعة نحو عشرة آلاف دينار وتوجّه إلى القاهرة وسعى في عدة وظائف في جدة فوليها ومات (٢) قبل أن يباشرها. وكان طلب بولايتها التستّر بالصرف في المال، فمنعه الله من ذلك، وبهذا يُعرف الله. وفي يوم الخميس رابع عشر الشهر سافرت بقية القافلة المتوجّهة (٣) للمدينة الشريفة لزيارة النبي ﷺ وكان مقدمها الشريف رميثة ابن السيد محمد بن بركات صاحب مكّة ورفقته القاضي عز الدين الفائز ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة وصحبته زوجته أم الحسين ابنة قاضي الشافعية الجمالي أبي السعود بن ظهيرة وولده القاضي شرف الدين محيي بعياله أم الحسين ابنة قاضي الحنفية نور الدين علي بن الضياء الحنفي وأولاده والعفيف عبد الله بن أحمد الفاكهي والشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن علي الزمزمي بعياله والشرفي يحيى ابن الشيخ حاتم المغربي والمحي محمد ابن الإمام عبد البر الطبري بزوجة والده ابنة الشيخ الأهدل والمعلم حسن بن عمر بن حسين البناء بعياله وأخته، وغيرهم من المعارف، وصار الناس ينجرّون إلى عصر يوم الجمعة ويقال عدة جمالهم نحو ثمانمائة جمل. شهر شعبان المكرم استهل ناقصا بالسبت من سنة ٩٣٥ هـ (١٥٢٩ م) وفي ظهر الإثنين ثالث الشهر صلّى بالناس إمامًا الزيني عبد الحق ابن الإمام أبي الخير الطبري الشافعي نيابة عن أبيه في مقام الخليل بعد إذن الشافعي المحبي بن ظهيرة

стр. 459

ناظر المسجد الحرام، على العادة، وعمره نحو عشرين سنة. وفي ليلة الجمعة سابع الشهر وصل لمكة نائبها السيد الشريف أبو (١) نمي محمد بن بركات الحسني وأمر بعمارة صدر حوش دار السعادة مسكنه مع أبيه من قبله مقعدا تركيا بمبيتٍ فيه، سفْلُه خمسة مخازن وعلوه مبيت ومرافق متصلة بسكن حرسه على قاعدة أمراء الديار المصرية. وتقدم عليها صهره الشريف عرار بن عجل النموي الحسني يقال بطلب منه في ذلك. وتدرك بفراغه في شهر رمضان. وعاد الشريف أبو (٢) نمي إلى فريقه بعد زيارة أبيه وجدّه بالمعلاة في آخر يوم تاريخه. وفي صبح يوم السبت ثاني تاريخه شرع العمال في هدم البناء القديم وجمع الشريف عرار ما يمكنه من المعلمين كالبُناة والنجارين والدهانين وأخبرهم بعمارة المحل وصرف (٣) على بعضهم وحضَّهم على العمل بهمة وعزم شديد بحيث اهتموا له كعادة عمائره، واستمروا على ذلك حتى بُنِيَ غالب المقعد والمبيت في شهر تاريخه وما فتر عمله إلّا عند وصول الشريف أبي نمي لمكة في شهر رمضان، وأمر المعلمين بشغل نصف نهار، وتأخّر السقف لأجل دهانه إلى شوال. وفي عصر تاريخه ثامن الشهر المذكور مات فجأة الشيخ المجذوب العالم الأديب جمال الدين محمد ابن شيخنا العلامة مفتي المسلمين مجد الدين إسماعيل بن أبي يزيد المكي الشافعي الشهير والده بابن بنت غناء. وكان في البستان جهة المعلاة المعروف بثاني وهو طيب مع جماعة من التجار وصلّى بهم الظهر ونام فخرجت روحه فجأة. فجهّز في وقته ودفن قبل الغروب على قبر أبيه بالمعلاة بالقرب من الشيخ علي الشولي، رحمه الله تعالى وإيانا. وخلّف ولده إبراهيم، واختلف الناس في صلاحه ومنهم مَن يذكر له كرامات.

стр. 460

وفي عصر يوم الإثنين عاشر الشهر ماتت .... (١) زوجة الشيخ محمد بن عطية بن ظهيرة المعروف بالتركماني أم ولده .... (٢) فجهّزت في يومها وصلّي عليها بعد العصر عند باب الكعبة ودفنت عند الغروب بالمعلاة. رحمها (٣) الله وأمواتنا وجميع المسلمين. وفي ظهر يوم الجمعة رابع الشهر وصلت لمكة قافلة المدينة الشريفة وفيها غالب مَن توجّه فيها من مكّة ما عدا القاضي عز الدين فائز بن ظهيرة وعياله فإنهم نووا المجاورة، وتأخرت القافلة لحر الوقت وكثرتهم، تقبّل الله زيارتهم. وفي عشاء ليلة الأربعاء ثاني عشر الشهر ماتت السيدة الكبرى أم الحسين ابنة قاضي القضاة المحبي أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات محمد بن ظهيرة القرشي الشافعي وعمرها نحو ثمانين سنة، فجهّزت في ليلتها وُصلّي عليها صبح تاريخه عند الحجر الأسود، كعادة بني ظهيرة سلفها، ودفنت بالمعلاة على أبيها، رحمها الله تعالى وإيانا. وخلَّفت ابنتها سعادة وأوصت لها ولزوجها القاضي سعد الدين ابن الشيخ خير الدين بن أبي الخير بن ظهيرة قريبها بجميع مخلفها بل أجرته الأوقاف التي تتعلق بها من غير أحد، غرض حرمان لابن عمها زكي الدين محمد ابن القاضي شرف الدين أبي القاسم الرافعي الشهير بابن ظهيرة. وعمل لها ربعة بالمعلاة وختم يوم ثالثها، رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين. واتفق في جمعة تاريخه أنّ ابن عمها زكي الدين بن ظهيرة طلق زوجته فاطمة ابنة العلامة الشيخ شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة الجلالي أبي السعادات

стр. 461

المالكي الأنصاري المكي بعد مقابحة لأبيها وعمها سفَهًا، لكونهما يحجرانه عن … (١) فإنه لا يرتضى، وانحصر لذلك وأراد أن يملك نفسه ويفعله، فأبرئ من مهرها وكُتب عليه دين بما استدانه من أبيها وعمّها وكانت خيرة الله في ذلك. فإنه بعد هذا الفعل عاشر الأحداث وساء في جميع التصرفات، وآجر وقف نخيل بوادي أرض خالد العصامية بألف دينار منها ستمائة أشرفي حاسب بها من ديْن أبي المكارم بن محمد بن المكارم أخيه وكان أعطيَ فيها نحو ألفين، فلما سُمع وعُلم سفهه انحبس، والله الأمر. شهر رمضان المعظم استهل كاملا بالإثنين من سنة ٩٣٥ هـ (١٥٢٩ م) وفي عشاء ليلة الثلاثاء ولدت الطفلة شمامة المدعوة فاطمة ابنة صاحبنا العلامة قاضي المسلمين قوام الدين عبد الله بن أبي الليث محمد بن الضياء العمري وأمها .... (٢) ابنة .... (٣) خالته كمالية ابنة الشيخ عبد القادر بن زبرق الشيباني. وفي صبح يوم الجمعة خامس الشهر وصلت لمكة قافلة المدينة الشريفة فيها الملك إقليم خان أمين المبرة الهندية البهادرية، وكان فرقها على أربابها فيها تفرقة حسنة أعطى أهل الصور أزيَد من أهل مكّة بقليل وفرق على العامة فحصل لكل نفر من الأحرار والأرقاء الكبار والصغار مبلغ ثلاثة عشر أشرفيا وابتهجوا بها وانتفع الأكابر بمعظمها وانكسر خاطر عوام مكّة لكونهم في أشرف الأماكن الثلاثة ولم

стр. 462

يفرق عليهم حصتهم من المبرة الهندية وذلك لسوء تدبير أمينها وخلطوها. وأقام الناظر بمكة نحو ثلاثة أيام ثم توجّه لجدة وكان أمينها الخواجا خليل توجّه من عسفان إليها وصحبته الشيخ أبو زرعة شاهدها. وتحدث الناس أنه ما توجّه إليها إلّا بضبط استحقاق أهل مكّة ويأتيهم به على خاتمة شهر رمضان. فلم يصح ذلك، وانطلقت ألسنة الناس فيه بالسب والدعاء عليه. فقدّر الله تعالى أنّ بعض عبيده خالفه في أمره فأراد يضربه فسطا فيه، قتله (١) بخنجر في وسطه وجرحه أربع جراحات مثخنة يقال إنها في رأسه ويده وجانبه وعالج فيها شدة حتى خيف عليه الفوات. ثم إنه تنبّه لنفسه وأفرد من ماله مبلغ ثلاثمائة أشرفي وقيل خمسمائة، وعيّنها بأسماء جماعة من أرباب الوظائف والفقراء كل شخص خمسة أشرفية إلى اثنين وواحد، وأرسل بقائمه لمكة مع صرّ في المبرة الهندية وفرقها على من عُيّنتْ له في آخر شهر رمضان ووقع لها موقع (٢)، وكنتُ ممن عيّن له ثلاثة أشرفية. ولو كان قبض العامة في هذا الوقت كان حصل منها نفع كبير، لكن الأمر لله. وفي مغرب ليلة السبت سادس الشهر ماتت سُتيتة ابنة السراجي عمر بن أحمد الريمي المكي زوجة المحيوي عبد القادر بن عبد الله وكيل الشرع الغائب في عام تاريخه في جهة الروم، وترك عندها ولدين وولدًا من غيرها مع عبد وجارية، فأوصت ضحوة يوم الجمعة أمس تاريخه بجميع ما في منزلها لزوجها ما عدا بعض حلية لها. وكان ذلك بحضرتي مع شقيقي الدين عبد القادر ووالدها لكوننا من أقاربها. فجهّزها وكيل زوجها بأمر مخدومه قاضي القضاة المالكي الشرفي أبي القاسم الأنصاري في ليلة تاريخه، وصلّي عليها بعد صلاة الصبح، ودفنت بالمعلاة على أمها

стр. 463

عند الدرب، رحمها الله وإيانا. وفي ضحى يوم الأحد تاريخه وصل لمكة الخواجا أبو البقاء السكري من جدة وتوجّه للشريف في ساعته من أجل شكوى جاره الخواجا ناصر الدين الخانكي بسبب الفتنة التي أثارها بجدة من جهة هدم المسجد الحادث بجانب منزله، التي كانت لقاضي القضاة الكمالي أبي البركات بن ظهيرة، وله فيها طهارات وسط المسجد وأراد السكري إزالتها لكونه مشتري الدار، منع الخانكي منه وشكاه للشريف فمنعه من التعرض فتعصب له جماعة من الأروام وأرادوا وقوع فتنة مع جماعة الشريف فاغتاظ لذلك وتهدده لما قدم عليه وكذا خصمه، وهما ألد الخصام، مع معاندة الحكام، لكن الخانكي يضعف عنه في المكر والخداع. ثم عُملتْ مصلحتهما وأصلح الشريف بينهما، وفّق الله الأحوال وسددها. وفي آخر يوم الأحد سابع عشر الشهر وُلد إسماعيل ابن المعلم حسن بن عمر البناء الشهير بابن بنت الجبرتيه، وأمه خديجة ابنة شيخنا العلامة إسماعيل بن أبي يزيد الشهير بابن بنت غناء. وكان تزوجها سرا عن امرأته أم أولاده فعلمتْ به فناكدته مدة ثم سكنت وصار يتوجّه إليها جهارا وهي أحسن من الأولى لأصلها من جهة أبيها، وسَمّى باسم جده منها. وفي نصف الشهر تمت عمارة المقعد والمبيت الذي أحدثه أمير مكّة السيد الشريف أبو (١) نمي الحسني بمنزله المعروف بدار السعادة ما عدا سقفها تأخر لدهانه، واستمر الشريف ومعه غالب جماعته وهو ملازم على صلاة الصبح والمغرب والعشاء جماعة في المسجد الحرام، وأفطر عنده قاضي القضاة الشافعي ليلتي العشر الأول والثاني، وبلغني أنه عمل له سحورًا في بعض الليالي.

стр. 464

وفي العشر الأخير من الشهر تزوج الشريف أبو (١) نمي بامرأة .... (٢) اسمها قمر دخل بها وكان معه الشريفة فاطمة ابنة بساط بن عنقا .... (٣) ابنة عمه قايتباي بن محمد الحسنيان و .... (٤) ابنة خاله الحسنية عقد بها ولم يدخل عليها وهي .... (٥) ابنة عرار بن عجل الحسني. ويقال إن ابنة عمه قايتباي فارقها لخصامها له مع أخوالها. وفي يوم وصولها إليه من البر في شهر تاريخه جاءه الخبر بمكة أنّ الأمير خير الدين الرومي قتل الأمير سلمان القبطان في البحر كان وأمير زبيد الآن في جزيرة [المحاملة] (٦) باليمن، يقال بمرسوم خنكاري في خامس عشريْ شعبان، وأن جماعة سلمان تعصبوا لأجله وحاربوا خير الدين بعد دخوله لزبيد فقتلوه خارجها في خامس رمضان. ثم اختلف العسكر وقاتلوا بعضهم بعضا منهم ابن أخت سلمان مصطفى بن بيرم ومملوكه صفر (٧) وغيرهم من الأعيان ونهبوا مال الخنكار الذي عندهم، ويقال نحو سبعة لكوك ذهبًا مما لا أتحققه فإنه وصل إلينا خبره مفرقا. وسُر الشريف بقتل سلمان لكونه أراد خراب بلاده، وحماها الله تعالى منه. وفي يوم الثلاثاء رابع عشريْ الشهر توجّه الشريف أبو نمي لجهة وادي مَر لأجل العيد في وادي الدكناء فإن فريقه نزل فيه، ورافقه غالب جماعته من الشرفاء.

стр. 465

وفي ضحى ثاني تاريخه ولد محمد بن عبد الباسط بن المحبي محمد ابن شيخنا العلامة زين الدين أيوب الأزهري الشافعي وأمه ابنة العلامة مفتي مكّة شهاب الدين أحمد بن محمد النشيلي وهنيء به لكونه لم يظهر له ذكر غيره، فالله يُحييه له وينفع به .... (١). وفي يوم تاريخه ماتت أبرك السنين عتيقة أم الخير زوج الشيخ شمس الدين السخاوي وجهّزت في يومها ودفنتْ في المعلاة عند سيدتها بتربة سلفنا بفم شعب النور وهي آخر جواريها (٢)، وكانت أوقفت عليها حاصلا في البرحة المجاورة لحمام النبي ﷺ بسوق الليل مدة حياتها وبعدها يعود لجهة الوقف فصار إليه بشرطها. كما فعلت ذلك في جاريتها زيلعة المفقودة في جهة مصر من مدة ست سنين. وفي أواخر الشهر تجرأ بعض الحرامية على فتح باب خان عرار بن عجل الصائر لأولاده منهم الشريف من جهة السويقة وأخذ منه عدة رزق من دكاكين الحطابين المقيمين فيه وسط السنة فاتهموا جماعة من سكان الخان، ورفعوا أمرهم للحاكم القائد مرشد بن مفتاح الحريري الحسني، فعارضهم الشريف عرار وسبّهم وانصرفوا من عنده وهم كاظمون ودعوا الله بفتك غريمهم فاستجاب الله دعاءهم في خواتيم شهر الصوم حتى ظهرت في الشهر الآتي. وفي ليلة الجمعة سابع عشريْ الشهر مات الشيخ المبارك المعتقد زين الدين خضر ابن الشيخ سعيد بن صالح اليمني الأصل نزيل مكّة وصلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة ودفن بالشبيكة على قبر أبيه. وكان عارفا بالأسماء السيمياوية (٣) وينتفع الناس به في كل قضية، رحمه الله تعالى ونفع .... (٤).

стр. 466

وفي عصر يوم الإثنين تاسع عشريْ الشهر تحدث الناس برؤية هلال شوال فطلع لرؤيته على جبل أبي قبيس كعادته قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة القرشي ومعه جماعة من الأعيان الفقهاء والشهود وغيرهم. فصلّى بهم صلاة المغرب علوه فرأوا الهلال حينئذ فأعلنوا بالتكبير ونزلوا أمام القاضي على هيئة جميلة مبهجة ولاقاه بقية القضاة والأعيان من جهة الصفا وتوجّهوا معه إلى منزله وأفطروا عنده من سماط حسن عمله على عادة سلفه. شهر شوال المبارك استهل ناقصا بالثلاثاء من سنة ٩٣٥ هـ (١٥٢٩ م) وفي صبحه صلّى أهل مكّة العيد بالمسجد الحرام كعادتهم وخطب بهم المحيوي العراقي خطبة طويلة تأنّق فيها ولم يرتضها كثير من الناس لطولها وعدم أنسه، [فإنه مسلوب الأنس متكلف] (١). وفي ليلة تاريخها مات الخواجا محب الله العجمي أخو (٢) الخواجا زين الدين الناظر بجدة كان، فجهّز في ليلته وصلّي عليه بعد صلاة العيد عند باب الكعبة قبل الخطبة وشيّعه جماعة من الأعيان لباب السلام وعادوا، وتوجّه معه خلق من الأعاجم [ثم بُنيت (٣) عليه قبة، وهي تحت قُبَب أمراء جدة] (٤). وفي مغرب ليلة الثلاثاء ثامن الشهر ماتت المرأة الجليلة المعمّرة كمالية ابنة الشيخ جمال الدين محمد بن أحمد الحرازي المكي الحنفي والدة إماميْ الشافعية الزيني عبد المعطي والشرفي يحيى الطبريان. وكانت مريضة نحو سنتين، فجهّزت في ليلتها

стр. 467

وصلّي عليها عقب صلاة الصبح وشيّعها خلق من الفقهاء وغيرهم ودفنت في المعلاة في تربة سلفها عند بني ظهيرة وبيت النويري. وخلّفت لولديها أثاث بيتها من نحاس وصيني وغير ذلك وبعض نقد. وكانت على طريقة السلف الماضي في طرح الكلفة والحرص على حفظ متاعها، وعمرها نحو سبعين سنة. وعمل لها ربعة وختم في صبح يوم الجمعة بواسطة أخواتها وأولادها، رحمه الله تعالى وعوضهم خيرًا. وفي يوم تاريخه وصل لمكة الخبر بوصول جلبة لجدة من الطور فيها الخواجا أحمد بن أبي بكر السكندراني وأخبر بوصول قاصد صاحب مكّة من الروم القائد شهاب الدين أحمد بن نصر الحسني إلى بندر الطور لأجل شحنة جلبتهم (١) فيها على عادة القصاد في مسامحة عشورها له ومعه مراسيم خنكارية وبلغة لمرسله السيد الشريف أبي نمي واستمراره على وظيفته وقبول هديته. وأن معه عدة مراسيم بتولية قاضي الحنفية أبي السرور بن الضياء عوض بديع الزمان في قضاء مكّة وتولية قاضي المالكية بها الشرفي أبي القاسم الأنصاري عوض التاجي تاج الدين بن يعقوب وتولية الخطيب عبد الرحمن النويري لثلثي الخطابة بالمسجد الحرام عوض المحيوي العراقي وكان بيده الثلث منها فتم له جميعها، وتواتر الخبر بذلك. وفي ليلة الإثنين رابع عشر توجّه قاضي القضاة أبو (٢) القاسم المالكي بعياله لوادي هدة بني جابر مع سماعه بخبر ولايته ولكنه لم يحققها. وفي صبح يوم الخميس سابع عشر الشهر وصل لمكة قاصد من ينبع وأخبر أنه فارق القاصد أحمد بن نصر منها ومعه أوراق فيها خبر ولاية القضاة والخطيب عبد الرحمن، فتجرَّأ خصمه العراقي على الخطبة يوم الجمعة ثاني تاريخه مع أن القاصد

стр. 468

وقف على أرباب الوظائف وأخبرهم بذلك وأخذ منهم بشارته، وأنكر الناس مباشرته الخطبة خفية ولم يواجهوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وفي صبح يوم الخميس المذكور مات الشيخ الأصيل شرف الدين إسماعيل بن محمد بن إبراهيم العراقي المكي بعد توعكه مدة بحصر البول، فجهّز في يومه وصلّي عليه عصر تاريخه وشيّعه جماعة ودفن بالمعلاة عند تربة سلفه قريب الدرب، وحزن الناس عليه لضعفه خصوصا بعد إخراج نظر البيمارستان المكي عنه في العام الخالي. وبه انقرض بيت العراقي نُظّار البيمارستان من الرجال، وكان عمره نحو سبعين سنة. وخلف زوجته .... (١) ابنة السيرجي لأنه تزوج بها في عام تاريخه ويقال إنها حاملة منه ولم يصح. ونزل بالتحدث على رباط البانياسي في الصفا للقاضي أبي البقاء بن ظهيرة القرشي وغير ذلك من جهاته، وجعله وصيّه، ولم يخلّفْ كبير أمر بل بلغني أنّ تركته بيعتْ بنحو عشرين دينارا وأنّ دينه نحو خمسين أشرفيا، سامحه الله تعالى وعفا عنه. وفي ليلة الأحد عشريْ الشهر وصلت لمكة قافلة المدينة الشريفة وفيها القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة بعياله والشيخ شهاب الدين بن عبد الغفار والعفيف الفاكهي وجماعة، وهنّأهم الناس بها. وفي يوم تاريخه مات السيد المعمّر عفيف الدين عبد الله بن عبد اللطيف بن أبي السرور الحسني الفاسي، فجهّز في يومه وصلّي عليه ضحى عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة في تربة سلفه بشعب النور، ولم يخلف ذرية بل انقرض به أهل بيته من الرجال ما عدا النساء. وكان عمره نحو سبعين سنة وهو ممتع بحواسه مع ضعف بدنه وقلة ما بيده، رحمه الله تعالى وإيانا. وفي يوم الإثنين حادي عشريْ الشهر ظهرت السرقة التي أخِذْت من خان

стр. 469

عجل بالمسعى في أواخر شهر رمضان مع شخص مغربي كان باع بعض الرزق بجدة وجاء بأحدها شخص ليبيعها بمكة فعرفه فدلّه على المغربي الذي اشتراه منه، فمسكه وتوجّه به للحاكم فقرره فأقر بجميعها وأحضرها، ولله الحمد. وفي يوم تاريخه وصل لمكة الوجيهي عبد الرحمن ابن الشيخ العلامة نور الدين علي بن ناصر المكي وكان توجّه إلى الروم صحبة القائد أحمد بن نصر وعاد معه إلى وادي مر وفارقه فيها، فهنأه الناس بسلامته وأخبر أنه تولى نظر أوقاف المدرسة الأشرفية القايتبائية مع مشدّيتها بمكة. ويقال إن النظر لأخيه العفيف عبد الله وإنه تقرر في صرة أخيه قاضي جدة كان شهاب الدين أحمد المتوفى بالروم في العام الخالي وقدرها أربعون دينارا ذهبا وأخبر أنّ المحيوي عبد القادر بن علي المزين تولى مشيخة رباط الأشرف قايتباي بمكة ونظر أوقاف المقرّ الزيني ابن مزهر بالمروة وتوجّه هو للشام برًا ليعود مع الحجاج. وأن قاضي الحنفية بالمدينة الشريفة خضر الرومي أعيد إليها لقضائها عوض القاضي أبي الفوز الخُجُنْدي وأن القاضي أبا (١) الفتح بن صلاح الدين بن صالح تولى الإمامة والخطابة بالمدينة الشريفة عوض الخطيب زين الدين عبد الحق بن القطان لموته في الروم سنة تاريخه عقب ولايتها عن قاضيها الشافعي السيد عبد الله السمهودي مع أن أخاه السيد جمال الدين محمد مقيم بالروم ليتعقّبه في عود الوظائف لأخيه، وقد وُعِد بها بعد خروج خصمه. وتعجّب الناس من ولاية الأروام لهذه الوظائف وعزل أربابها بسرعة مع أنّ صاحب مكّة السيد أبا (٢) نمي أمر قاصده بالسعي لقاضي مكّة الشافعي المحبي بن ظهيرة في قضاء جدة وعودها له وعزل المتولي عوضه فيها [قاضي] (٣) الحنفية بمكة بديع الزمان بن الضياء فلم يُجَب لذلك. ويقال إن المتولي لها أرسل لقاضي العسكر

стр. 470

الناظوي (١) بهدية في عام تاريخه ووعده بإرسال مبلغ في كل عام يقال قدره ألف دينار. والله أعلم بحقيقة ذلك. والغالب على أهل الروم الطمع في أرباب الوظائف لما رأوه من تكالبهم (٢) على السعي فيها. فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويولي عليهم خيارهم. وفي ضحى يوم الثلاثاء ثاني تاريخه وصل لمكة قاضي القضاة المالكي الشرفي أبو القاسم الأنصاري ومعه مرسومان بولايته للقضاء، أحدهما من القائد أحمد بن نصر من الوادي وأخذ عليهما خط السيد الشريف أبي نمي بإجابته على استمراره فيها. وهنأه أهل مكّة بالولاية وتغمّموا للمعزول القاضي تاج الدين بن يعقوب وكذا قاضي الحنفية أبو السرور بن الضياء والخطيب عبد الرحمن النويري وباشر الخطبة في الجمعة الآتية وصحبته ستة أعلام، أربعة جاء بها (٣) من منزله واثنان موضوعان في قبة الفراشين بالمسجد الحرام. وكان أخذ اثنين من خصمه المحيوي العراقي. وبلغني أنه أرسل بهما له إخسارا. وفي يوم الأربعاء ثاني عشر الشهر وصل لمكة القائد أحمد بن نصر وتوجّه الأعيان للسلام عليه. وعمل له أهله مَدّة في منزله. ونادى الحاكم بزينة أسواق مكّة سبعة أيام، فزُينت زينة خفيفة لم يعْتن الناس بها لاشتغالهم عنها بأحوالهم. فالله تعالى يلطف بالمسلمين. وفي عصر يوم السبت سادس عشريْ الشهر وصل الخبر لمكة بوصول مراكب لجدة من الطور فيها نائب جدة داود الرومي، أحد الدفاترة بالقاهرة، وكان وصوله لها في آخر يوم الخميس. وفي عصر يوم الجمعة حلّها ملك التجار السيد علاء الدين الحسيني

стр. 471

وصحبتهما جماعة من الحجاج، وتحدث الناس بوصولهما لمكة مع صاحبها الشريف أبي نمي لقراءة المراسيم الخنكارية ولبس الخلع الشريفة في ثاني الشهر. وكانت (١) نية الشريف الوصول إليها قبلهم عند وصول قاصده فتأخر في الوادي لفراغ تسقيف المقعد الجديد بمنزله دار السعادة مع رفرفه وتبييضه، فبُيض وصار نزهة للناظرين، ولله الحمد والمنة. وفي عصر يوم الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر طلع قاضي القضاة الشافعي وناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة على جبل أبي قبيس لرؤية الهلال، على العادة، وصحبته جماعة من الأعيان والفقهاء والشهود والقضاة فصلّى المغرب هناك ولم يره. فكان هذا الشهر تاما، ولله الحمد. شهر ذي القعدة الحرام استهل كاملا بالخميس من سنة ٩٣٥ هـ (١٥٢٩ م) وفي أوله أصبح بمكة صاحبها الشريف أبو (٢) نمي فتوجّه له الأعيان للسلام عليه بقدومه وبالشهر. وفي ليلة الجمعة ثانيه دخل مكّة نائب جدة داود الرومي رفقة ملك التجار السيد علاء الدين الحسيني ونزل عنده في داره المجاورة لباب العمرة أحد أبواب المسجد الحرام وقصدهما أرباب الوظائف وغيرهم للسلام عليهما. ثم ركباهما وتوجّها لمنزل السيد الشريف أبي نمي وسلّما عليه وعادا إلى المسجد وجلسا في الحطيم حتى جاءهما الشريف بجماعته والقضاة الأربعة والخلق. وقرئ فيه ثلاثة مراسيم للشريف جاءت مع قاصده القائد أحمد بن نصر الحسني اثنان من الروم

стр. 472

خنكاريان وثالث بمضمونهما من نائب القاهرة. وفيها (١) إخبار الشريف بوصول قاصده إلى الأبواب الخنكارية مطالعتهم (٢) وهداياه فقُبلتْ وقوبلتْ بالتعظيم والإكرام، وإخباره أنّ العادة القديمة ضبط التركات ويأخذ الشريف منها ما كان دون ألف دينار وما كان فوقها فهو للسلطنة، وإننا أرسلنا جماعتنا يضبطون ذلك. فيفهم من هذا الطمع في أموال الأموات. فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وبعد فراغ قراءة المراسيم لبس الشريف أبو (٣) نمي خلعة عظيمة على عادته وطاف بها أسبوعا ودعا له الرئيس فوق ظلة زمزم كعادته فتكدر الناس (٤) بما وقع من أساطين المطاف النحاس الموالية لمقام الحنابلة جهة زمزم عند وصول الشريف لتحت الحطيم لأجل سماع المراسيم وازدحام الخلق عند رؤيته. فسقط على جماعة من الرجال والنساء وسلمهم الله ما عدا طفل مراهق عُمُره ثلاث عشرة سنة وهو النجل السعيد الشهيد زين الدين عبد الصمد ابن القاضي فخر الدين أبي بكر ابن قاضي المسلمين نور الدين علي المرشدي الأنصاري الحنفي ففاز بالشهادة في وقته أمام الحجر الأسود، وحُمل إلى منزله فنعاه أهله وجهّز في وقته وصلّي عليه عقب صلاة الجمعة وشيّعه خلق إلى المعلاة، ودفن بتربة سلفه بالشعب الأقصى وحزن الناس عليه كثيرا لشبابه وعقله. فالله تعالى يعظّم لوالديه الأجر ويرزقهما العوض فيه. وفي عصر يوم تاريخه توجّه الشريف أبو (٥) نمي للسلام على نائب جدة في مسكنه بالمدرسة العينية المجاورة للمسجد الحرام وألبسه خلعة خنكارية قال له إنها خرجت معه قبل وصول قاصده للروم، وقرأ له مراسيم عنده، ثم توجّه بعده بعد قلع

стр. 473

خلعته بمنزله لملك التجار. ويقال إنه البسه الآخر خلعة قلعها بباب داره وتوجّه لمنزله وأقام به إلى عصر يوم السبت ثاني تاريخه. ثم توجّه إلى فريقه بالوادي وتخلف بعده القائد الأعظم المدبّر للمملكة زين الدين جوهر المغربي الحبشي لمشترى أماكن بوادي الخضراء طلبها السيد الشريف من جماعته، وتوقف بعضهم في بيعها منهم أولاد القاضي عبد الحق النويري المالكي وزوج ابنة عمهم الخواجا شهاب الدين أحمد الحلبي ودفع لكل منهما نحو ثمانمائة أشرفي وأشهد (١) عليهم. وأما بيت ابن زائد فتوقف كبيرهم الشيخ أبو سعد حتى توجّه له القائد جوهر المغربي إلى منزله فطلب منه أن يشتري له حصة من شريكه الشيخ نور الدين علي بن جوشن في مكان بوادي الخضراء فأجابه إلى ذلك ولم يفصل أمر الباقين من أولاد أخيه لتوقفهم واحتياجهم إلى أماكنهم لأجل غلال الحب فيما يتقوتون به وهم أيتام. وقصد الشريف عمل أصيلة كبيرة لولده الطفل شهاب الدين أحمد، وحظر نقيبه فيها عينها على عرب الأودية، ولله الأمر. وفي جمعة تاريخه عُمّرت حاشية المطاف بردّ الأساطين النحاس الواقعة على حالها وغيّر منها الطارفة بأسطوانة من حجر أسود، وكذا في الجهة المقابلة لها أمام باب السلام. وكانت الأسطوانتان (٢) فيه قديما وأخرجتا منه في عمارة الأروام عام اثنين وثلاثين وتسعمائة (٩٣٢ هـ / ١٥٢٦ م). وكان المباشر لعمارة ذلك الزيني مصطفى الرومي مشدّ العين والعمائر الخنكارية بمكة المشرفة، أثابه الله تعالى. وفي ليلة الأربعاء سابع الشهر سافر من مكّة السيد علاء الدين ملك التجار ورفقته نائب جدة الزيني داود الرومي ولاقاهم بوادي جدة ناظر المبرة الهندية الملك إقليم خان، وكان قصده التوجّه لمكة لتفرقة أسماء العامة، فتخلف عنه وكيلها

стр. 474

الخواجا خليل القيلاني لفتنة بينهما، فاجتمع الأمين بنائب جدة وملك التجار وذكر لهما حاله، فأشارا عليه بالعود صحبتهما لجدة حتى يصلحا بينهما فقدّر الله تعالى ملاقاة الخواجا خليل لهم عند الغار وهو راكب في شقدف فنزل لمواجهتهم فأصلح نائب جدة بينه وبين إقليم خان وعادا جميعا لمكة بعد أن أشيع عودهما لجدة وتضرر أهل مكّة لذلك لتفرقة المبرة عليهم. وكان وصولهم في ليلة الجمعة تاسع الشهر وسكن كل منهما في منزله وتوجّه الأعيان وأرباب الوظائف للسلام عليهما. ثم إنهم اجتمعوا بعد صلاة الجمعة في منزل الشريف فارس بن شامان الذي هو في رحبة أجياد الكبرى أمام منزل (١) دار السعادة مسكن صاحب مكّة الموضوع فيه قماش الصدقة التي تحت أيديهم لأجل التفرقة على الأسماء العامة. فشرعوا في تفرقتهم من وقتهم إلى آخر النهار وبدؤوا بالقضاة والفقهاء وجعلوا لكل نفر من الأحرار والأرقاء الكبار والصغار أشرفيين فضة نصفها نقد ونصفها قماش من الكندكي (٢) الأحمر والأسود والتفاصيل للقطن وغير ذلك من المحارم من التفاريق الكاسدة. واستمروا على ذلك عشرة أيام متوالية جميع النهار حتى عموا الفقهاء وأتباعهم وغالب العامة. وجعل لكل نفر من العامة أشرفي واحد والأتباع الفقهاء أشرفي ونصف ولكل قاض - عدد ثلاثين نفرًا - ستّون أشرفيا، ويقال: أزْيَد من ذلك. وكان جملة الفقهاء وأتباعهم نحو ثلاثة آلاف نفر، وأربعة على ما يقال. وجملة العامة نحو عشرين ألف نفر، تُرك نصفهم أو أقل من ذلك. وأخذ الشريف أبو نمي صاحب مكّة ثلث المسمى لهم من المال وهو أربعة وعشرون ألف أشر في قدر ثمانية

стр. 475

آلاف. وأخذ القائد جوهر المغربي وغيره من أتباع الشريف، جملة أسماء بمبلغ كبير. واحتمى الوكيل بهم على الضعفاء. وفي يوم الأحد ثالث يوم التفرقة وهو حادي عشر الشهر شرع الملك إقليم خان في تفرقة مَبَرّة تحت يده ذكر أنها للوزير تاج خان الهندي، يقال إنها ألفًا أشرفي كتِبتْ بأسماء القضاة والفقهاء. أخذ الشريف أبو نمي ثلثها وأعطى لكل قاض أربعة وعشرين أشرفيا، ولكل نائب نصفها ولكل خطيب ثلثها ولكل إمام ثلثها، وأعطى لبعض الناس أقل من ذلك بحسب حالهم. وفي يوم الأحد ثامن عشريْ الشهر تمت تفرقة عامة مكّة على ترتيب حالاتهم. وكانت البدأة بباب السلام مع السويقة والشبيكة والمسفلة وأجياد وجبل أبي قبيس والجزيرة وسوق الليل والمعلاة وشعب عامر والنقعة والقرارة والفلق، وخُتِم به. ثم إن الأمين والوكيل جمعا الفقراء المجرّدين في منزل بالسويقة ليلة الإثنين ثاني تاريخه وأعْطِيَ لكل نفر محلق كبير خمسه، وكندكية سوداء أو فنقة (١) مقدار كل واحد أشرفي. وبعد ذلك سافروا لجدة لإدراك سفر المراكب للهند. وكتب لهم القضاة وأرباب الوظائف محضرا بتفرقتها على أربابها وجُعِل لهم مبلغ على ذلك. وعند الله يجتمع الخصوم. فإن حقيقة الحال نال فيها الغني أكثر من الفقير لقوة الغني وضعف الفقير. فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وفي ليلة الثلاثاء عشريْ الشهر وصل لمكة صاحبها أبو نمي الحسني من الوادي وهو مريض بالحمى، فتوجّه الأعيان للسلام عليه وتحجّب عن كثير منهم. فالله تعالى يعافيه، ومن الأسواء يقيه، فإن الناس آمنون بوجوده مطمئنون في بلاده.

стр. 476

وفي يوم الخميس ثاني عشريْ الشهر فرّق قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة مَبَرّة ثانية لصاحب دِلّي بأمر [ملك] (١) الهند التي أرسل بها الشيخ بيسق بن عبد الله بن عمر بن بيسق شيخ الفراشين بالحرم الشريف المكي من الهند، وأنه توجّه لبلاده ودفعها له نقدا، اشترى له قماشا، يقال إنه بيع بجدة على يد قريبه الشيخ نور الدين علي بن أبي الفتح بن بيسق بأمر قاضي القضاة الشافعي، ما جمْلتُه عشرة آلاف، نصفها لأهل مكّة ونصفها لأهل المدينة الشريفة. أخذ الشريف النصف من تعلّق أهل مكّة، وهو ألفان وخمسمائة، زائد عن عادته القديمة وهو الثلث. وفرّق الشافعي النصف الثاني نقدا أو قماشا من البيت (٢) والكندكي المندلي (٣) وغير ذلك. فأعْطِيَ لكل قاض أربعون أشرفيا وللنواب نصفها، وللخطباء وفاتح الكعبة قريب من ثلثيها ولغالب الأئمة أزْيَد من ثلثها ولي تسعة أشرفية وللأخ ستة وباقي الناس دون ذلك على مراتبهم. وسخط غالب الناس فيها لاختلاف القواعد في النسمة، واعتذر القاضي بكثرة الناس وتطلع كل واحد إليها. والله أعلم بحقيقتها. وفي ليلة السبت رابع عشريْ الشهر وصل لمكة علاء الدين ملك التجار من جدة وتوجّه الأعيان للسلام عليه. كتب الله سلامته وجميع المسلمين. وفي صبح يوم الأحد خامس عشريْ الشهر شُمّرتْ ثياب الكعبة الشريفة على عادتها القديمة، ويُقال إحرامها. وفي يوم تاريخه فرق القاضي الشافعي مبرَّتين على الفقهاء إحداهما (٤) وصية المرحوم الخواجا محب الدين العجمي أخي الخواجا زين الدين الناظر بجدة كان.

стр. 477

قُبضتْ من أخيه خمسمائة أشرفي، وثانيتهما (١) قدم بها بحرا شخص رومي يقال له يونس السنابيكي الرومي وقدرها خمسمائة أشرفي، فُرّقتْ بمنزل الشافعي. فأعطى لكل قاض سبعة أشرفية والنّواب نصفها وللأئمة ثُلثُها، ولي من الجهتين ثلاثة أشرفية ولأخي اثنان. وسخط الناس في تفرقتها، فإن القاعدة لكل قاض من الألف عشرين وللنواب نصفها. واعتذر المفرّق، قاضي الشافعية، بكثرة الناس وسؤالهم في كتابته وهو معذور فيهم. وفي ليلة تاريخه وصل لمكة ملك التجار السيد علاء الدين الحسني فذهب الأعيان للسلام عليه (٢). وفي ليلة الإثنين سادس عشريْ الشهر وصل لمكة من البحر أمير الصعيد داود بن أحمد بن يونس بن إسماعيل بن يوسف بن عمر الهواري وصحْبته جماعة من أقاربه به وزوجتان له إحداهما (٣) ابنة عمه الأمير علي بن منصور بن يونس بن عمر وأخوها منصور وهم في محمل زائد. وسكن بالسويقة الشامية وأخذ زوجته في بيت الشيبي وتوجّه القضاة للسلام عليه في منزله وبالمسجد الحرام فلم يروا منه القيام والإكرام، فتوقف كثير من الناس من التوجّه إليه. وأراد هو التوجّه لصاحب مكّة الشريف أبي نمي لتوعّكه وأرسل إليه يخبره بذلك. ثم طرأ له عدم التوجّه إليه أخْذًا من جماعته [لإطلاق] (٤) لسانهم في صاحب مكّة لعدم التفاته إليهم. فبلغ جماعة الشريف ذلك فأرسل له هدية من الكباش خمسين وقماشا وغير ذلك. فأرسل له عوضها خيولًا وتُحَفا كان أعدّها لهم. وكتب أسماء أرباب الوظائف وغيرهم من الفقهاء والمستحقين في قائمة على

стр. 478

أن يعطي كل واحد ويْبة قمح، ووصل معه عدّة جلاب فيها قمح وغيره، بل فرّق دراهم (١) على أرباب الوظائف من القضاة والأئمة والخطباء وأرباب الشعائر بالمسجد الحرام - يقال نحو ألف دينار - وعلى الفقراء المجرّدين مثلها. وما وَجَد مَن يشير عليه بتفرقتها، فإنها كانت تعمّ غالب أهل مكّة. وكان ملازما له المحيوي عبد القادر بن عمر الحضرمي الخراز لكونه رافَقَه من مدة. وتوجّه صحبة ولده بهديته إلى الروم. ونال الخير بسببه، ثم أنه سافر لبلده صحبة الركب المصري. وفي ليلة تاريخ وصول صاحب الصعيد دخل مكّة الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي، أخو (٢) أمين الديار المصرية الأمير جانم الحمزاوي، وصحبته جماعة من أتباعه، فارقوا الحاج من وادي ينبع وأخبروا بتأخّرهم عن وقتهم في دخولهم إليه، وكان في عشريْ الشهر. وأن الحاج حصلت (٣) له مشقة في الطريق من الحر والعطش ورجع بعضهم من عجرود. وبيعت قربة الماء في تيه بني إسرائيل بدينار ذهب سلط ني، مع وجود الرخاء في القوت وعليف الدواب. وفي ليلة الخميس سادس عشريْ الشهر وصل لمكة ابن أخت الباشا سليمان الخصي نائب الديار المصرية واسمه الكيواد (٤) - يعني النجم - وطاف وسعى وسكن في القصر علو باب إبراهيم - أحد أبواب المسجد الحرام - وقصده الأعيان في صباحها للسلام عليه. وفي ظهر تاريخه دفع الحاج وخرج الناس: الشريف أبو القاسم بن السيد بركات الحسني شقيق صاحب مكّة السيد أبي نمي والقاضي الشافعي المحبي بن ظهيرة وجماعة من الأعيان لملاقاة أمير الحاج من العمرة، فلاقوه بها وفات القاضي الشافعي

стр. 479

طلوع جبل أبي قبيس لرؤية الهلال وأمر الشهود بالطلوع إليه، فطلعوا ولم يروا الهلال. وتحدث الناس ولم يثبت ذلك، بل شائع يتفوهون به على الألسنة. وفي عشاء ليلة الجمعة سلخ الشهر دخل مكّة أمير المحمل المصري مِشَدّ الشون تنم الجاركسي الأشرفي وطاف وسعى وعاد إلى الزاهر. وفي صباح تاريخه عرض له السيد أبو القاسم أخو (١) صاحب مكّة السيد أبي نمي - لتوعّك أخيه - بعسكر كبير من الخيل والرجل وصحبته القاضي الشافعي ونائب جدة داود الرومي والسيد علاء الدين ملك التجار وأمير الصعيد داود بن عمر الهواري. وألبس الشريف أبا (٢) القاسم خلعة أخيه بلا طبق على رأسه، ووصلوا معه إلى درب المعلاة، ونزل أمير الحاج هناك كالسنة التي قبلها. ودخل الحاج جميعه إلى البلد ولم يمنعوا من ذلك. ويُقال إن أمير الحاج هو السبب فيه، وما عُلِم حقيقة حاله والله أعلم بها. شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملا بالسبت من سنة ٩٣٥ هـ (١٥٢٩ م) وفي صباحها فرّق أمير الحاج المصري مال الذخيرة الشريفة على المستحقين بمنزله عند درب المعلاة بمباشرة ولده ومباشرة القاضي بدر الدين الجزيلي (٣) الحنبلي والقاضي كريم الدين بن إسرائيل. وكان القبض هنِيًا، ثم بعده فُرّقت أوقاف مصر من القضاة الحنفي والمالكي والحنبلي وأرسل وقف الشافعي من الحكمي والمستجد

стр. 480

على عادته إلى قبض البرج والغازية من جهة الشام. فلا قوة إلّا بالله. وأما بقية الأوقاف فضعُفتْ وآلت إلى الانقراض من مصر. فالله تعالى ينتقم من نظارها. ووصل وقف حويداج (١) الناظر من جهة الأشرف قايتباي كاملا من الوظائف والمبرة مع .... (٢) أمير الحاج الشيخ شمس الدين السمديسي الحنفي (٣)، وهو جاري وساكن في منزلي. وهو شاهد عند قاضي المحمل كعادته. وطلع في هذه السنة قاضي المحمل القاضي الأصيل زين الدين زكريا بن محمد ابن شيخنا زكريا الأنصاري الشافعي وهو ساكن لطيف، ويُقال إن حوائجه سُرقت في الطريق مع خلعته فلذلك لم يختلع عند دخول مكّة أمام المحمل كعادته. وتوجّه الأعيان للسلام عليه. وفي يوم الأحد ثاني الشهر شرع أمين جدة الزيني داود الرومي واليازجي عيدي جلبي في تفرقة المبرة الرومية الخندكارية العثمانية أمام منزل نائب جدة المذكور بالمدرسة في منزل الشيخ عبد الله الشيبي علو رباط أم هاني ابنة أبي طالب المطلّ على المسجد الحرام في الجهة اليمانية. وأعطى أهل الصُرَر من مال الخزانة. وحضر ذلك القضاة الأربعة وبعض الأعيان وغيرهم من الأتباع. وجلس نائب جدة واليازجي على دكة مرتفعة عنهم في شبّاك مُطِلّ على المسجد الحرام وبقية الناس فيه، وكان في المجلس عدة صيارف يعدّون ويزِنون الدراهم الفضة عن كل أشرفي سلطاني خمسة وثلاثون، ويضعون كل عشرة وحدها فمن طلع اسمه في الدفتر يطلبونه بالنداء له فإن كان في المسجد طلع لهم فيسألونه عن عدة صرته فإن وافق ما عندهم أعطوها

стр. 481

له وإن تكررتْ منعوه منها. واتفق ذلك لبعض أهل [البلد] (١) وأما الأروام فتتكرر صُرَرهم كثيرا فلا يمنعونهم لشفقتهم عليهم. والمستعان بالله تعالى. واستمرت التفرقة ثلاثة أيام متوالية فقُسِّم في اليوم الأول مال الخزانة، وفي ثانيه الأوقاف، وفي ثالثه معلوم الربعات والمرتبات. ثم تُركت تفرقة البيوت وأهل الأربطة والعامة، وقال لهم نائب جدة: إلى بعد الحج حتى يحرّر ما تكرر منها. فلازمه العوام واشتكوا حاجتهم لفَلسهم وعدم مدخولهم. ففرّق عليهم بعض الأسماء في يوم الخميس سادس الشهر، ومن بعد عصر الجمعة إلى المغرب مع يُبْسِه عليهم، فالتجؤوا إلى الله بالدعاء عليه. فقدّر الله تعالى أن ابتلاه بوجع عينه في بداية التفرقة، ثم ماتت موطوءة له تركية في يوم الثلاثاء رابع الشهر، ثم تحركت عليه دموية في ليلة السبت ثامن الشهر، وكان شيّع عياله لأرض عرفة للحج واغتسل هو من بئر زمزم بعد العشاء وتوجّه لمنزله على نية التوجّه لعياله فحصل له صداع في رأسه ولزم الوسادة، فطلب مَن يفصده وأرسل إليه فلم يَجِئْه الرسول إلّا وطلعت روحه من ساعته. فجهّز في ليلته وصلّي عليه صبح يومه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من أرباب الوظائف وغيرهم من الأروام. وضجّ الناس بالتهليل والتكبير، واعتبَر لموته الكبير والصغير. فكانت رؤية جنازته عبْرة لمن اعتبر. وانجبَر بها خاطر كل من انكسر. فسبحان الله الفعّال لما يشاء ويريد من العبر. ووقع من العِبَر أيضًا في يوم الإثنين ثالث الشهر المذكور موت الخواجا ناصر الدين محمد بن عبيد الخانكي نزيل مكّة وهو ممن حصّل الأموال واشترى الدور بمكة وجدة بيُبْس الطبع وسوء الخصال مع تقتيره على أولاده وعياله، بل سَفّرَ ولدا ذكرا له في المراكب الهندية من مدة نصف شهر ليُغيّبَه عنه. وخلّف غيره ولديْن بالغا

стр. 482

ومراهقا وابنة طفلة، ولم يُوص بجهازه ولا شيئًا من مخلفاته. وكان توعكه مدة نحو ثلاثة أيام. بل جاءه الشهود وأراد الوصية فطمس الله على قلبه ومات. فختمتْ (١) الدولة على مُخلفِه وتكلم القاضي الشافعي على جهات الغائب والأولاد الصغار، وضاعتْ جهاته من النقد والديون، ولم يظهر له شيء إلّا اليسير. وجهّز في يومه وصلّي عليه ضحى عند باب الكعبة وشيّعه جماعة قليلون لشغل الناس بالموسم وعدم خيْره مع كثرة كلامه. ودُفن بتربة الحوراني بالمعلاة بقرب .... (٢) الحبشية التي ماتت قبْله بنحو شهر. عفا الله عنه ورحمه، فإنه كان جارنا ولم يقْض شيئا من حوائجنا. وفي ليلة الثلاثاء رابع الشهر وصل لمكة جماعة (٣) من سَبْق الحاج الشامي منهم الخواجا محمد ابن الخواجا عبد القادر القاري جارنا. وفرح الناس بوصوله لأنهم تحدثوا بتعطيله، ثم تتابع الحاج ونزلوا بالأبطح كعادتهم. وفي عشاء ليلة الأربعاء ثاني تاريخه دخل أمير الشامي واسمه بالي بك الرومي نائب طرسوس أو البيرة فطاف وسعى وعاد إلى الزاهر وبات به إلى الصباح. فطلع له الشريف أبو القاسم شقيق صاحب مكّة الشريف أبي نمي الحسني فخلع عليه وعرض له من الزاهر إلى المعلاة، ثم فارقه وتوجّه أمير الحاج لمنزله بالأبطح وعاد الشريف لمنزله بأجياد من مكّة. وفي عصر يوم الخميس سادس الشهر وصل لمكة حاج أهل المدينة الشريفة .... (٤) في يوم الجمعة ووصل فيها قضاتهم الأربعة الشافعي السيد عبد الله السمْهودي والحنفي القاضي أبو النور الخُجُنْدي وهو مفصول بالقاضي خضر

стр. 483

الرومي الواصل صحبة الحاج المصري والمالكي شمس الدين السخاوي والحنبلي برهان الدين السكندراني وغيرهم من فقهائهم وأعيانهم. وفي يوم تاريخه وصل حجّاج اليمن من البَر صحبة الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الله بن مرزوق المتوفى والده عام تاريخه. وخلف والده في ذلك، نفع الله بهما. وفي عصر تاريخه فُرقت صُرَر الشامية على أربابها بزيادة دار الندوة من المسجد الحرام، وهي صرر مربوطة وذلك بحضرة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة ناظر المسجد الحرام والأمين عليها القاضي عبد الحي بن الرومي المؤيد، وهو شيبة فاخرة وعليه الأبهة والدفتر وكان وصل صحبة الشامي. وفي يوم الجمعة سابع الشهر خطب الخطيب وجيه الدين عبد الرحمن النويري العقيلي خطبة الجمعة قبل الصلاة، ثم بعدها خطب خطبة السابع بعد أن جَرّد ثيابه في قبّة الفراشين وأحرَم منها. وكان له موكب عظيم على العادة. وفي يوم السبت ثاني تاريخه طلع جميع الحاج لأرض الموقف بعرفة. وكانت الوقفة بالأحد تاسع الشهر، والحج هنيء والأسعار رخِيّة مع كثرة الخلق والأمن، وأقاموا بمنى ثلاثة أيام. وماتت بها زوجة أمير الصعيد داود بن أحمد بن يونس بن عمر الهواري ابنة عمه علي بن منصور بن يونس، ونزل بها إلى مكّة ودُفِنتْ بالمعلاة. ونزل أمير الحاج المصري تنم الجاركسي يوم الأضحى بمكة وكسا الكعبة الشريفة مع بني شيبة كعادته. وجعل طرازها غالِبه حرير أصفر دون عادتها الأولى. ونَفَرَ غالب الحاج في النّفر الأول يوم الأربعاء ثاني عشر الشهر وباقيه في النفر الثاني. وفي أيام منى فَرّق يازجي الرومية عيدي جلبي على أهل المدينة الشريفة صَرّهم

стр. 484

للحاضر منهم وهو مُعْتَبر ساكن. وفي يوم السبت خامس عشر الشهر سافر أهل المدينة لبلادهم. وفي يوم تاريخه سافر أمير الصعيد داود بن عمر بجماعته من البر وأمر بتفرقة ألف ومائتي إردب قمح بجدة على أهل مكّة، وكتب له قائمة بأسمائهم الولوي أبو زرعة، فعيّنَ لكل واحد إردبا (١) وأنقص منه، واستمر الحاج المصري بمكة ثمانية عشر يوما، وتكلم المستحقون من أهل المدرسة الأشرفية القايتبائية مع الناظر عليها مملوك الواقف أمير الحاج تنم الجاركسي في صرفه لهم عن سنتيْن ماضيتيْن، كان أمر بصرف متحّصلها على عمارة الوقف وأكلها الجابي محمد بن رجب ونائب الناظر الخواجا أبو البقاء السكري ولم يعمّرا إلّا القليل. وتصدى للكلام الشيخ العدل المرتضى ولي الدين أبو زرعة المنوفي، وكان بينه وبين نائب الناظر كلام كثير، وحمي لنائبه كثير وحمي لنائبه الناظر (٢) ولولا تجَوّه (٣) المتكلم بالقاضي الشافعي في إصلاح الأمر والفحص على الجابي وإنْ ظهر (٤) على خيانته يُعزَل من الجباية ويُعطَي للمستحقين ما يخصّهم. فالله يلطف بالمسلمين ويولي عليهم خيارهم. وفي يوم الأحد سادس عشر الشهر سافر حاج مصر من مكّة وتأخّر أميرهم إلى صبح يوم الإثنين ثانيه ولحقهم بوادي مر. وحصل لمكة مطر غزير وهواء كثير عند سفرهم. فالله تعالى يكتب سلامتهم وسلامة جميع المسافرين في البر والبحر من المسلمين أجمعين. وفي ظهر يوم الإثنين المذكور فرّق القاضي عبد الحي القيوم المؤيد الرومية

стр. 485

بالزيادة أيضا بحضرة الشافعي بقية أوقاف الشام، كوقف سيدي والمال المستجد في وقفها عام تاريخه من قاضي الشام الولوي بن الفرفور والناظر على أوقافها المحيوي عبد القادر، والبرج والغازية وبقية أسماء الأربطة. وكانت أوقاف الشام هذه كبيرة نافعة أحسن الله إلى ناظريها خيرا (١) وانتقم من نُظار أوقاف مصر، فإنهم ضيعوها خصوصًا معظمها وقف الشافعي الحكمي والمستجد فإنهم يتحيّلون (٢) بها على البرج والغازية الواصلة من الشام وذلك من مدة أعوام. فلا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وفي ظهر يوم الإثنين المذكور أيضا فرّق يازجي المَبَرّة الرومية عيدي جلبي أسماء البيوت على أهل مكّة بالمدرسة الأشرفية القايتبائية بحضرة الناظر قاضي القضاة وكان توعك من مني وخاف على نفسه من دعاء الناس. وفي ثانيه فرّق على أهل الأربطة أسماءهم بدفْعها لمشائخهم بعد جهد وتوقّف معهم، وقال: يحضر أهل الأربطة إلى عندي، وأحضر مرسومًا بتحرير من يأخذ ذلك من أولاد العرب، وتكرير أسمائهم فيها. فقال الحاضرون منهم: حضورهم هنا متعذر، وإنْ أردتَ ذلك توجّه إلى محلهم. وصاحوا جميعهم بالدعاء للسلطان. فتأمل (٣) كلامهم وقال لهم: أنتم عصاة تخالفون مرسوم السلطان، فقالوا له: نحن طائعون للسلطان وهو - نصره الله تعالى - أرسل إليْنا رزقَنا وأنت تريد قطعه. فأحالهم حينئذ بالموافقة وإعطاء مشائخهم ما يخصّهم. ومشى الحال ولله الحمد. واستمر على ذلك إلى ثالث يوم وهو يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر حتى فرق بقية الأسماء على أهلها، ومطل كثيرا منهم، ومنع أهل الأحكام المستجدين والقدماء مع انحلال كثير من الأسماء بل أخذ بعض المراسيم ووعد أهلها بالإعطاء

стр. 486

وسافر ولم يعطهم شيئا. فالله تعالى يقابله على فعله. وفي ظهر يوم الأربعاء المذكور فرق القاضي عبد الحي بن المؤيد المال الفائض من الشامية بالمدرسة الأشرفية بقائمة بخط الشيخ أبي زرعة، ولم يحضره القاضي الشافعي، وأصلها ثمانمائة أشرفي. وفي يوم الخميس ثانيه فرق أيضا أوقاف الحلبية وأصلها ستمائة أشرفي. وكانت تفرقتُها على القضاة وأرباب الوظائف والفقهاء وأتباعهم وبعض الملل من الأروام والأعاجم، فحصل لي من كل جهة أشرفيان، ولكل قاض عشرة أشرفية وللنواب نصفها ولبقية الناس دون ذلك إلى أشرفي وأقل منه. وفي يوم السبت ثاني عشريْ الشهر سافر الحاج الشامي من مكّة بعد إقامته كالمصري ثمانية عشر يوما. وسافر صحبته يازجي الرومية والقاضي عبد الحي بن [المؤيد] (١) وعبد الواحد ابن شيخ السدنة جمال الدين محمد بن عمر الشيبي المكي. وكُتِبَ له محضر بالثناء عليه وأنه مستحق للإنعام والمرتبات. وتوجّه إلى وادي أبي عروة وردّهُ (٢) منه جماعة الشريف بعد قصدهم له إلى وادي أبي عروة، ومنعوه من السفر لتخيّل الشريف من الفقهاء وتكلمهم في البلاد الرومية بما يحصل به ضرر عليه وتعديهم على الوظائف لغير أهلية لها. ويقال إن الأروام من الدولة سألوه مع قاصده في ذلك. والله أعلم بحقيقة الحال. وكان قاضي جدة المفصول من مكّة بديع الزمان ابن قاضي القضاة النوري علي بن الضياء الحنفي تحدث بالسفر مع الحاج المصري فطلبه الشريف أبو نمي إلى منزله ورسّم عليه فيه حتى سافر الحاج الشامي. وخاط الناس في ذلك وماطوا، ثم صفي الحال على إطلاقه في صبح يوم الأحد ثالث عشريْ الشهر بعد أن توجّه

стр. 487

الشريف أبو (١) نمي إلى فريقه جهة اليمن بوادي الآبار، وهو متوعّك في محَفّة. وفي صبح يوم الأحد المذكور مات بمكة القائد الكبير الأجل المحترم زين الدين مبارك بن بدر السحرتي الحسني. وكان مرضه طويلا نحو سنة، فجهّز في يومه وصلّي عليه عصر تاريخه عند باب الكعبة وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم إلى المعلاة، ودفن أمام تربة ساداته الأشراف أمراء مكّة، وعُملتْ له ربعة بالمعلاة ثلاثة أيام وختم له في ثالثها. رحمه الله تعالى وإيانا. وكان محمود السيرة كثير العبادة والتلاوة وقد ترك الحكم لابن أخته القائد مرشد بن مفتاح الحريري من مدة خمس سنين أو أكثر، عفا الله عنه. وفي هذا النصف الأخير من الشهر بعد الحج حصلت (٢) تحريكة دموية بمكة وما حولها مات فيها جماعة من الحاج الشامي والمصري منهم الخواجا إسماعيل بن الدهشة الحلبي بخَبْت البزواء (٣). وبمكة توفي جماعة فجأة أو بمرض يسير، منهم العلامة الأصيل القاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الأبناسي القاهري الشافعي نزيل مكّة واحد نواب قضائها بجدة في ليلة الأحد سادس عشر الشهر وصلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة ودُفن بالمعلاة، وخلف زوجة ومبلغا صار لبيت المال، رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين. وفي جمعة تاريخه مات الجمال محمد بن غانم العطار أخو (٤) المعلم محمود البناء من أمّه، ودفن بالمعلاة. وخلف ولديْن رجلين وغيرهما، وذكر بخير من الصدقة

стр. 488

والعبادة. والجمال محمد بن .... (١) المعروف بالفخر ودفن بالمعلاة. وشيخ أهل فوق (٢) الزيني عبد الكريم بن .... (٣) الشهير بابن دردبة وقريبه .... (٤) الشهير بابن عصون المكي، ووصل الخبر.

стр. 489

سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ - ١٥٣٠ م) شهر عاشوراء المحرم الحرام، استهل ناقصًا بالأحد من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ م) وفي أوله فُرّقتْ صدقة أمير الصعيد الأمير داود بن أحمد بن يونس بن عمر الهواري من الحب المصرية على يد مباشره بجدة والمحيوي عبد القادر الحضرمي الخراز وذلك بأوصال يكتبها الشيخ ولي الدين أبو زرعة وعليها خاتم قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة. فكتب لكل نفر من الفقهاء وأتباعهم وأهل الأربطة فقط، لكل نفر ويْبَة حَب، وأصلها ألْف وأربعمائة ويْبة، خرّج منها مائة لجماعته بنفسه والباقي كتب بها قائمة وضع عليها ختمه وتركها عند مباشِرِه الزيني موسى والمحيوي الحضرمي، وتوجّها بها لجدة في محل الحب، وكل من جاءهم بوصل أعطوه ثلاثة أرباع ويْبة، وترك الربع لأجْل المعشّر وغيره. فالله تعالى يجْزيه خيرا ويكتب سلامته وجميع المسافرين. وفي ضحى يوم الأحد ثاني الشهر وصل لمكة أميرها السيد أبو (١) نمي الحسني - وهو صحيح من ألمِهِ - للطواف والسعي، فذهب الأعيان للسلام عليه فطاف وسعى بالليل وعاد لفريقه في ثاني تاريخه. وفي يوم تاريخه اجتمع بعض أهل المدرسة الأشرفية ومعهم الجابي لوقفها الشهابي أحمد بن رجب المزين النائب عن الجمالي محمد بن مدهش كاتب صاحب مكة بالمسجد الحرام في مجلس قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام المحبي بن ظهيرة، فحاسبه الشيخ أبو زرعة وكتب القوائم التي معه لسنتين قبل تاريخه، فوجد

стр. 490

فيها التصرف في العمارة وإعطاء بعض المستحقين وطرح الشراب (١) وثمن بهائم وعلفها بما لا يسوغ له شرعًا بخلاف شرط الواقف. وفضُل عليه بعد ذلك نحو ستمائة أشرفي من السنة التي قبل تاريخه، وقبض بعض الأجرة من السكان في عام تاريخه فمُنِع من ذلك لخيانته. وتسلم متحصل هذه السنة شخص جاركسي من جهة أمير الحاج تَنَم الجاركسي، ووعد المستحقين بالصرف لهم عن الماضي. وأمرَهُم بملازمة الحضور فحضروا في يوم الأربعاء حادي عشر الشهر وكانت البدْأة من أوله. وفي عصر يوم الخميس تاسع عشر الشهر مات الشيخ الأوحد الأصيل ذو الهمة العلية شهاب الدين أحمد ابن الشيخ العلامة نور الدين علي محمد بن علي الفاكهي المكي بعد توعّكه نحو جمعة بالإسهال، وأوصى لأولاده الأربعة؛ الفاضل عفيف الدين عبد الله والسراجي عمر والطفلين الشقيقين المحيوي عبد القادر وأبو السعادات وابنة من موطوءة له اسمها زينب. وجهّز في ليلة الجمعة وصلّي عليه عقب صبْحِها عند باب الكعبة، ودفن بالمعلاة على والده بجانب الفضيل بن عياض وبني شيبة في الشعب الأقصى. وفي ليلة موته عمل نجم الدين محمد بن الكمالي أبي البركات بن أبي الفضل الزين زفة من المروة لطهار ولده أبي القاسم من سعادة ابنة قاضي الحنفية كان. الشرفي أبي القاسم بن الضياء العمري وحضرها القضاة وبعض الفقهاء والعامة، وعِيبَ ذلك على أهله لقرابتهم بالفاكهي المتوفى. وفي يوم الأحد ثاني عشريْ الشهر ختم الولد وعملتُ له وليمة حضرها القضاة وغيرهم. وفي يوم تاريخه ادّعى بعض التجار عند قاضي القضاة المالكي الشرفي أبي القاسم الأنصاري على شخص مغربي قال له عند خصامه له: أنتَ أمّيٌّ، فقال:

стр. 491

النبي محمد ﷺ أمّيّ، وجاء بشهود عليه بذلك. فأغلظ له القاضي في القول وقال: ذكرك لهذا غير لائق، وأمر بوضعه في السجن ثلاثة أيام، ثم في اليوم الرابع وهو يوم الأربعاء خامس عشريْ الشهر أحْضره القاضي إلى مجلسه بحضرة جماعة من علماء المالكية وأمر بكشف رأسه وضربه خمسين سوطا وتجريسه وعودِه إلى السجن. وحصل للقاضي عبرة في المجلس وكذا جميع من حضره. ولما خرج به من المجلس جاء الوزير كمال الدين أبو الفضل بن أبي علي ليشفع فيه فرده القاضي وقال: هذا وقع في حق الرسول ولا يمكن التكلم في أمره حتى استوفي عليه الوجه الشرعي. وأمر بوضعه في السجن نصف شهر. ثم بعد تمامه طلبه إلى مجلسه فاستتابه وأفرج عنه. وعُدّ ذلك من محاسنه لنُصرته للرسول وإحياء شرعه المنقول. كثّر الله من أمثاله، وزاده من خيره وأفضاله. وفي ليلة الجمعة سابع عشريْ الشهر عمل بالمسجد الحرام أمام الرواق الشرقي عقد حافل للشاب الأصيل المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نور الدين علي بن محمد الشيبي العبداري على لطيفة ابنة المرحوم قاضي الحنابلة المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نجم الدين محمد بن ظهيرة القرشي حضره القضاة الأربعة والأعيان وغيرهم، واعتنى به الناظر قريب الزوجين ببذل شمع الحرم وغيره. وكان بهجا مع كثرة السكر والطيب وهنّأهم الناس في صباحها، وأخّروا الدخول إلى شهر ربيع الأول. شهر صفر الخير استهلّ كاملا بالثلاثاء من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ م) وفي نصف أول ليلة منه وُلد وَلَدي المبارك السعيد - إن شاء الله تعالى - تقي الدين أبو الحسن علي، أنشأه الله تعالى وجعله ولد الحياة وأقرّ عيني به ببركة من وُلد في أول شهر تاريخه وتسمى باسمه الشيخ تقي الدين علي السبكي جعله [الله] (١) مثله

стр. 492

عالمًا متقيا (١) وكذا لُقّبَ بلقب جد والدي واسم جده لأمه و .... (٢) الشيخ أبي الحسن البكري، نفع الله بهم وأعاد عليّ وعليه من بركتهم بجاه سيدنا محمد، واتفق أن والدته تعوّق عليها الخلاص فاستمرت به ليلة ويوما، ثم فرّج الله عنها. وفي يوم سابعه عملتُ له وليمة عقيقة حضرها جماعة من الفقراء والأصحاب ودعوا لنا وانصرفوا تقبل الله ذلك منهم بمنّه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وفي ليلة الأحد سادس الشهر عمل الشيخ القدوة نور الدين علي ابن شيخنا قطب الآفاق الشيخ محمد بن عراق نزيل الحرمين الشريفين، نفعني الله به وجميع الرفاق، مولدا .... (٣) على قبر والده بالشعب الأقصى بالمعلاة حضره خلق من القضاة والأعيان والفقراء، ومدّ لهم فَتُوتًا وعنبا وحلوى. وكانت ليلة مشهورة بالخيرات والبركة والمسرّات، ختم فيها ختمة على قبر الشيخ بقراءة جماعة من تلامذته. واستمر الذكر إلى الصباح، حتى نادى الحاضرون بحي على الفلاح. وفي صبحها ختم على قبر الشيخ محمد المدني ابن شيخنا القطب الولي الجنيد محمد بن أحمد بن موسى بن أحمد بن علي المشرع العجيلي اليمني. وكانت وفاته في يوم الخميس ثالث الشهر، ودفن في عصر يومه على تربة والده قرب الشيخ علي الشولي. وخلف والدته وأخاه محمد المكي وغيره باليمن، وعمره نحو خمس وعشرين سنة، وأثنى الناس عليه خيرا، رحمه الله تعالى ونفع به كما نفع بوالده وسلفه. وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر شرع قاضي القضاة الحنفي شهاب الدين أحمد أبو السرور ابن قاضي القضاة النوري علي ابن الضياء الحنفي العمري في عمل فازة لطهار ولديْه المحبي أحمد والجمالي محمد أمام منزل جد والدتهما الخطيب محيي

стр. 493

الدين النويري، جهة الشبيكة أسفل مكة. ولعب العيري بالنقارة عندها بعد العصر أربعة أيام. وكان أخوه (١) قاضي جدة بديع الزمان محمد بمكة وهو مهاجِرُهُ فأُصلِح بينهما وجاء في عصر يوم الثلاثاء ثامن الشهر وحضر لعب العيري. وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه حضر خروج المؤذنة بزفة الحناء مع جماعة من الأعيان كالقضاة والتجار وغيرهم، منهم ملك التجار السيد علاء الدين، وألصق كل (٢) منهم ذهبا وفضة، يقال مجموعه نحو أربعين أشرفيا وقدم لهم حلوى وانصرفوا. وفي ليلة الخميس عاشر الشهر عُملتْ زفة الحناء من الصفا وحضرها القضاة الأربعة والفقهاء والتجار وغيرهم من العامة، وأوقد فيها المفرّعات وشمع الحرم وغيره. وكانت بهجة لكنها غير مرتبة. وركب الأولاد على خيل إلى الفازة واجتمع فيها النساء على العادة وألصق فيها على مغاني النساء لأجل جدتهما وأمهما، أخلف الله عليهما. وفي ليلة السبت ثاني عشر الشهر عمل مولد في الفازة حضره الخواص من القضاة والتجار وألصق منهم؛ فقاضي القضاة الشافعي عشرة أشرفية وكذا أخوه قاضي جدة، ويُقال عشرون، وملك التجار أرسل له ثلاثين، والقاضيان كل واحد ستة أشرفية وبقية التجار خمسة وأربعة وثلاثة واثنين، فمجموعها نحو مائة وخمسين أشرفيا، ويقال تكملة المائتين. وفي فجر تاريخه خُتن الولدان وثالث معهما بعد زفتهم من باب حزورة زفة مختصرة.

стр. 494

وفي صبحها عُمل سماط حسن حضره من حضر المولد ولم يأته كثير (١) من الفقهاء وغيرهم لعدم طلبهم في المولد - منهم كاتبه - وذلك لقلة موافاته وعدم مداراته. فالله تعالى يجعله مباركا على أهله. وفي صبح يوم الأربعاء سادس عشر الشهر ماتت حلوة الحبشية أم أولاد فاتح الكعبة الشيخ إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن علي بن أبي راجح الشيبي، وصلّي عليها عند باب الكعبة وشيّعها جماعة من القضاة والأعيان ودُفنتْ بالمعلاة بتربة بني شيبة. وخلّفت ولديها أبا السعود وأحمد وبنتيْن، ولم يُعمل لها ربعة لعدم موافاة سيّدها وأولادها. وفي ضحى يوم الأربعاء المذكور عمل الشيخ العلامة بدر الدين حسن ابن شيخنا العلامة الزاهد عفيف الدين عبد الله باكثير الحضرمي الأصل المكي سماطا لزواج ابنته على ابن عمها الزيني عبد الرزاق ابن العلامة وجيه الدين عبد الرحمن في حارة القرارة بمنزل الشيخ ابن مطير الصوفي. كان فيه المأمونيتان الحموي والسكب وهريسة الفستق والرغيف السيوطي والرزان والمشورات وغيرها من الأطعمة المفتخرة، لكنها مَدّة لطيفة حضرها القضاة والفقهاء وغيرهم. وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه دخل الزوجان وفي صباحها هنّأ الناس الزوج، وعُمل له معمولا على العادة، فالله تعالى يجعله مباركا على أهلهما. وفي يوم الإثنين سابع الشهر كانت عقيقة الولد تقي الدين علي حضرها جماعة من الأصحاب والفقراء العرابية. وفي يوم الجمعة فُرّق صَرّ بيت الشافعي من الحكمي والمستجد من مال البرج والغازية الواصل مع حاج الشامي على حكم السنتين في منزل قاضي القضاة

стр. 495

الشافعي ناظر المسجد الحرام على يد الشيخ ولي الدين أبي زرعة المنوفي متولي تفْرقة الأوقاف في زمن تاريخه، نفع الله به. وفي ليلة الإثنين حادي عشر الشهر وصل لمكة المشرفة أمير المدينة الشريفة باز ابن أميرها الشريف فارس بن شامان الحسيني لأجل الزواج بابنة ابن خاله الشريف محرم (١) ابن صاحب مكة السيد هزاع بن محمد بن بركات الحسني، وأمها أخت صاحب مكة الآن السيد أبي نمي محمد بن بركات، وأذن له والدها بالعقد بها لغيبته بالقاهرة. وأخبر أن الحاج الشامي بلغه في العلا أنّ نائب الشام الرومي أرسل عسكرا للقبض على الشيخ جغيمان - شيخ بني لام - في فريقه فأنذرتهم (٢) فهرب عنهم، فجاء للعسكر غرّة فنهَبَهم. فلما سمع ولده وهو مع الحاج هرب وأخذ بعض جمال الشعارة بحمولها ففطن له شيخ العرب .... طقطباي (٣) فأخذ معه جماعة من العرب وتبعه، وتخوّف الحاج من ذلك. فالله تعالى يسلمهم ويبلغهم أوطانهم ويُسمعنا عنهم ما يسرّ، ويدفع ما يضرّ، بمحمد وآله أمين. وفي صبح يوم الإثنين المذكور ماتت زبيدة ابنة إمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن محمد البخاري بعد توعكها مدة طويلة، ويقال إنها مسمومة، وكان والدها مهاجرا لها وكذا جميع أهلها لسوء طريقتها. وكانت لما اشتد بها المرض طلبت أخاها وأباها للاجتماع فتوجّه لها الأخ وامتنع الأب حتى ماتت، فتوجّه لجهازها في يوم تاريخه وصلّي عليها بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة من الأعيان وغيرهم.
следующие страницы →