النبي محمد ﷺ أمّيّ، وجاء بشهود عليه بذلك. فأغلظ له القاضي في القول وقال: ذكرك لهذا غير لائق، وأمر بوضعه في السجن ثلاثة أيام، ثم في اليوم الرابع وهو يوم الأربعاء خامس عشريْ الشهر أحْضره القاضي إلى مجلسه بحضرة جماعة من علماء المالكية وأمر بكشف رأسه وضربه خمسين سوطا وتجريسه وعودِه إلى السجن. وحصل للقاضي عبرة في المجلس وكذا جميع من حضره. ولما خرج به من المجلس جاء الوزير كمال الدين أبو الفضل بن أبي علي ليشفع فيه فرده القاضي وقال: هذا وقع في حق الرسول ولا يمكن التكلم في أمره حتى استوفي عليه الوجه الشرعي. وأمر بوضعه في السجن نصف شهر. ثم بعد تمامه طلبه إلى مجلسه فاستتابه وأفرج عنه. وعُدّ ذلك من محاسنه لنُصرته للرسول وإحياء شرعه المنقول. كثّر الله من أمثاله، وزاده من خيره وأفضاله.
وفي ليلة الجمعة سابع عشريْ الشهر عمل بالمسجد الحرام أمام الرواق الشرقي عقد حافل للشاب الأصيل المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نور الدين علي بن محمد الشيبي العبداري على لطيفة ابنة المرحوم قاضي الحنابلة المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نجم الدين محمد بن ظهيرة القرشي حضره القضاة الأربعة والأعيان وغيرهم، واعتنى به الناظر قريب الزوجين ببذل شمع الحرم وغيره. وكان بهجا مع كثرة السكر والطيب وهنّأهم الناس في صباحها، وأخّروا الدخول إلى شهر ربيع الأول.
شهر صفر الخير استهلّ كاملا بالثلاثاء من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ م)
وفي نصف أول ليلة منه وُلد وَلَدي المبارك السعيد - إن شاء الله تعالى - تقي الدين أبو الحسن علي، أنشأه الله تعالى وجعله ولد الحياة وأقرّ عيني به ببركة من وُلد في أول شهر تاريخه وتسمى باسمه الشيخ تقي الدين علي السبكي جعله [الله] (١) مثله
стр. 492
عالمًا متقيا (١) وكذا لُقّبَ بلقب جد والدي واسم جده لأمه و .... (٢) الشيخ أبي الحسن البكري، نفع الله بهم وأعاد عليّ وعليه من بركتهم بجاه سيدنا محمد، واتفق أن والدته تعوّق عليها الخلاص فاستمرت به ليلة ويوما، ثم فرّج الله عنها.
وفي يوم سابعه عملتُ له وليمة عقيقة حضرها جماعة من الفقراء والأصحاب ودعوا لنا وانصرفوا تقبل الله ذلك منهم بمنّه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وفي ليلة الأحد سادس الشهر عمل الشيخ القدوة نور الدين علي ابن شيخنا قطب الآفاق الشيخ محمد بن عراق نزيل الحرمين الشريفين، نفعني الله به وجميع الرفاق، مولدا .... (٣) على قبر والده بالشعب الأقصى بالمعلاة حضره خلق من القضاة والأعيان والفقراء، ومدّ لهم فَتُوتًا وعنبا وحلوى. وكانت ليلة مشهورة بالخيرات والبركة والمسرّات، ختم فيها ختمة على قبر الشيخ بقراءة جماعة من تلامذته. واستمر الذكر إلى الصباح، حتى نادى الحاضرون بحي على الفلاح.
وفي صبحها ختم على قبر الشيخ محمد المدني ابن شيخنا القطب الولي الجنيد محمد بن أحمد بن موسى بن أحمد بن علي المشرع العجيلي اليمني. وكانت وفاته في يوم الخميس ثالث الشهر، ودفن في عصر يومه على تربة والده قرب الشيخ علي الشولي. وخلف والدته وأخاه محمد المكي وغيره باليمن، وعمره نحو خمس وعشرين سنة، وأثنى الناس عليه خيرا، رحمه الله تعالى ونفع به كما نفع بوالده وسلفه.
وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر شرع قاضي القضاة الحنفي شهاب الدين أحمد أبو السرور ابن قاضي القضاة النوري علي ابن الضياء الحنفي العمري في عمل فازة لطهار ولديْه المحبي أحمد والجمالي محمد أمام منزل جد والدتهما الخطيب محيي
стр. 493
الدين النويري، جهة الشبيكة أسفل مكة. ولعب العيري بالنقارة عندها بعد العصر أربعة أيام. وكان أخوه (١) قاضي جدة بديع الزمان محمد بمكة وهو مهاجِرُهُ فأُصلِح بينهما وجاء في عصر يوم الثلاثاء ثامن الشهر وحضر لعب العيري.
وفي صبح يوم الأربعاء ثاني تاريخه حضر خروج المؤذنة بزفة الحناء مع جماعة من الأعيان كالقضاة والتجار وغيرهم، منهم ملك التجار السيد علاء الدين، وألصق كل (٢) منهم ذهبا وفضة، يقال مجموعه نحو أربعين أشرفيا وقدم لهم حلوى وانصرفوا.
وفي ليلة الخميس عاشر الشهر عُملتْ زفة الحناء من الصفا وحضرها القضاة الأربعة والفقهاء والتجار وغيرهم من العامة، وأوقد فيها المفرّعات وشمع الحرم وغيره. وكانت بهجة لكنها غير مرتبة. وركب الأولاد على خيل إلى الفازة واجتمع فيها النساء على العادة وألصق فيها على مغاني النساء لأجل جدتهما وأمهما، أخلف الله عليهما.
وفي ليلة السبت ثاني عشر الشهر عمل مولد في الفازة حضره الخواص من القضاة والتجار وألصق منهم؛ فقاضي القضاة الشافعي عشرة أشرفية وكذا أخوه قاضي جدة، ويُقال عشرون، وملك التجار أرسل له ثلاثين، والقاضيان كل واحد ستة أشرفية وبقية التجار خمسة وأربعة وثلاثة واثنين، فمجموعها نحو مائة وخمسين أشرفيا، ويقال تكملة المائتين.
وفي فجر تاريخه خُتن الولدان وثالث معهما بعد زفتهم من باب حزورة زفة مختصرة.
стр. 494
وفي صبحها عُمل سماط حسن حضره من حضر المولد ولم يأته كثير (١) من الفقهاء وغيرهم لعدم طلبهم في المولد - منهم كاتبه - وذلك لقلة موافاته وعدم مداراته. فالله تعالى يجعله مباركا على أهله.
وفي صبح يوم الأربعاء سادس عشر الشهر ماتت حلوة الحبشية أم أولاد فاتح الكعبة الشيخ إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن علي بن أبي راجح الشيبي، وصلّي عليها عند باب الكعبة وشيّعها جماعة من القضاة والأعيان ودُفنتْ بالمعلاة بتربة بني شيبة.
وخلّفت ولديها أبا السعود وأحمد وبنتيْن، ولم يُعمل لها ربعة لعدم موافاة سيّدها وأولادها.
وفي ضحى يوم الأربعاء المذكور عمل الشيخ العلامة بدر الدين حسن ابن شيخنا العلامة الزاهد عفيف الدين عبد الله باكثير الحضرمي الأصل المكي سماطا لزواج ابنته على ابن عمها الزيني عبد الرزاق ابن العلامة وجيه الدين عبد الرحمن في حارة القرارة بمنزل الشيخ ابن مطير الصوفي. كان فيه المأمونيتان الحموي والسكب وهريسة الفستق والرغيف السيوطي والرزان والمشورات وغيرها من الأطعمة المفتخرة، لكنها مَدّة لطيفة حضرها القضاة والفقهاء وغيرهم.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه دخل الزوجان وفي صباحها هنّأ الناس الزوج، وعُمل له معمولا على العادة، فالله تعالى يجعله مباركا على أهلهما.
وفي يوم الإثنين سابع الشهر كانت عقيقة الولد تقي الدين علي حضرها جماعة من الأصحاب والفقراء العرابية.
وفي يوم الجمعة فُرّق صَرّ بيت الشافعي من الحكمي والمستجد من مال البرج والغازية الواصل مع حاج الشامي على حكم السنتين في منزل قاضي القضاة
стр. 495
الشافعي ناظر المسجد الحرام على يد الشيخ ولي الدين أبي زرعة المنوفي متولي تفْرقة الأوقاف في زمن تاريخه، نفع الله به.
وفي ليلة الإثنين حادي عشر الشهر وصل لمكة المشرفة أمير المدينة الشريفة باز ابن أميرها الشريف فارس بن شامان الحسيني لأجل الزواج بابنة ابن خاله الشريف محرم (١) ابن صاحب مكة السيد هزاع بن محمد بن بركات الحسني، وأمها أخت صاحب مكة الآن السيد أبي نمي محمد بن بركات، وأذن له والدها بالعقد بها لغيبته بالقاهرة.
وأخبر أن الحاج الشامي بلغه في العلا أنّ نائب الشام الرومي أرسل عسكرا للقبض على الشيخ جغيمان - شيخ بني لام - في فريقه فأنذرتهم (٢) فهرب عنهم، فجاء للعسكر غرّة فنهَبَهم. فلما سمع ولده وهو مع الحاج هرب وأخذ بعض جمال الشعارة بحمولها ففطن له شيخ العرب .... طقطباي (٣) فأخذ معه جماعة من العرب وتبعه، وتخوّف الحاج من ذلك. فالله تعالى يسلمهم ويبلغهم أوطانهم ويُسمعنا عنهم ما يسرّ، ويدفع ما يضرّ، بمحمد وآله أمين.
وفي صبح يوم الإثنين المذكور ماتت زبيدة ابنة إمام الحنفية شهاب الدين أحمد بن محمد البخاري بعد توعكها مدة طويلة، ويقال إنها مسمومة، وكان والدها مهاجرا لها وكذا جميع أهلها لسوء طريقتها. وكانت لما اشتد بها المرض طلبت أخاها وأباها للاجتماع فتوجّه لها الأخ وامتنع الأب حتى ماتت، فتوجّه لجهازها في يوم تاريخه وصلّي عليها بعد صلاة العصر، وشيّعها جماعة من الأعيان وغيرهم.
стр. 496
ودفنت بتربة الخواجا ابن الزمن على قبور سلفها. وعزّيْتُ والدها فيها بعد مهاجرته نحو ثلاث سنين لخبْثه وعدم قبوله النصيحة. فلما تعدى فيه (١) وأظهر لي الغبطة بذلك، فالله تعالى يصلحها وإياه ويوفقنا للخير. وعمل لها ربعة صباحًا ومساء وختم لها في صبح يوم الجمعة خامس عشر الشهر. رحمها الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين. وخلّفتْ تركة لها صورة من المصاغ وغيره، يُقال نحو خمسمائة أشرفي وأكثر، وحصل لأبيها المسرّة بموتها والنفع بمخلفها. ويقال إنها مزوّجة من رجل ريفي غائب في بلده بغير رضا والدها. فالله تعالى يعفو عنها وعن جميع المسلمين والمسلمات.
شهر ربيع الأول استهل ناقصا بالأربعاء جعله الله مباركا ببركة مَن ولد فيه ﷺ من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ م)
في يوم الخميس ثانيه ابتدأ قاضي القضاة المالكي الشرفي أبو القاسم الأنصاري في عمل فازة لختان أخيه الزيني عبد اللطيف، وعمُره نحو عشر سنين، وحضره القضاة والأعيان.
وفي ليلة السبت رابع الشهر دخل الخطيب الأصيل الجليل وجيه الدين عبد الرحمن بن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن الخطيب أبي الفضل جمال الدين بن أبي الفضل محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز العقيلي النويري على ابنة عمه .... (٢) ابنة قاضي القضاة الزيني عبد الحق ابن قاضي القضاة نور الدين علي ابن قاضي القضاة أبي اليمن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد العزيز العقيلي النويري المالكي في بيت خالات أبيها بنات الشيخ عمر الشيبي فاتح الكعبة الشريفة،
стр. 497
وذلك لمخالفة أخيها الكبير لها في زواجها على ابن عمها لقلّة عقله ووجد الناس لفعله. وهنّأ الأعيان الزوج وأقام عندها (١) سبعة أيام ثم نقلها لمنزله. جعله الله مباركا عليهما.
وفي يوم الإثنين سادسه (٢) خرجت مؤذنة قاضي القضاة المالكي بدعوة زفة الحناء وحضرها الأعيان من القضاة والفقهاء والتجار، منهم علاء الدين ملك التجار في الفازة، وألصق كل منهم ذهبا وفضة، مجموعه نحو خمسين أشرفيا، ثم قدّم لهم حلوى وانصرفوا.
وفي ليلة الثلاثاء ثاني تاريخه كانت الزفة من الصفا تمرّ على المسعى إلى سوق الليل والمسفلة وهي رائقة بالمفزعات والشموع وكثرة الخلق من الأعيان وغيرهم، ثم حصل مطر عند وصولهم لمنزلهم واستمر ليلة ويوما، وسقط فيه دور عديدة منها منزل الأخوات المعروف بدار الحنفية، ومات فيه طفل عمره أربع عشرة سنة اسمه محمد بن إسكندر الجاركسي العادلي الصوفي وسَلِم والده وأخته وجيرانه، ولله الحمد. ونُبِشَ له في صباحه وجهّز في ظهر تاريخه ودفن بالمعلاة في شعب النور. فالله تعالى يضاعف لوالديه الثواب والأجور.
وفي ليلة الخميس تاسع الشهر عمل قاضي القضاة الشرفي المالكي مولدا في الفازة حضره الأعيان من القضاة والفقهاء والتجار وغيرهم وألصقوا له نحو مائتي أشرفي بعد توقّفه في أخْذ ذلك. لكنه غلب عليه أصحابه لطلب العوض في مصرفه.
وفي فجر تاريخه زف الولد الطهير من باب حزورة، وهو رابع أربعة، وكسر مشط عقب تطهيرهم لأجل العدو به (٣) على قاعدة البلد. وحضر ذلك الأهل
стр. 498
والأصحاب الملازمون لأخيه. وفي صباحها عُمل سماط له وكان كبيرا حسنا فيه المأمونيتان (١) والرزان والمشورات والدجاج وجملة من الأطعمة المفتخرة.
وفي يوم تاريخه خرجت مؤذنة الغمرة لزواج المحيوي عبد القادر بن النوري علي الشيبي على ابنة قاضي القضاة المحيوي عبد القادر بن ظهيرة الحنبلي. وكان بَلّ السكر لعقد ابنه قاضي القضاة المالكي المفصول التاجي عبد الوهاب بن يعقوب على شقيقة الخواجا الكبير محيي الدين عبد القادر بن محمد القاري في منزل أبيها، وحضره جماعة من الأعيان، ومُدّت لهم مَدّة فيها أطعمة مفتخرة وانصرفوا.
وفي ليلة الجمعة عاشر الشهر كان العقد المبارك أمام الرواق الشمالي من المسجد الحرام بالشمعيات الجدد وشمع الحرم جميعه من باب السلام إلى باب العمرة. حضره الخلق من الأعيان وغيرهم كالقضاة الأربعة ماعدا المالكي المتولي، فعوّضه المفصول صاحب المهمّ والسيد علاء الدين ملك التجار. وباشر العقد قاضي القضاة الشافعي بخطبة عظيمة بليغة مستقيمة أعجبتْ الحاضرين وفيها التنويه بذكر الزوج، وأنّه على مائتيْ مثقال حالّة، ودُعِيَ فيها للسلطان وصاحب مكة والسيد ملك التجار ثم ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي. وكان ذلك بالإذن منه في الدعاء لملك التجار قبله. ودار على الحاضرين بشرب السكر المذاب والبخور والماورد، وكان كبيرا حسنا. جعله الله على صاحبه مباركا وهنّأه الناس في صباحه.
وفي ليلة الأحد ثاني عشر الشهر كانت زفة المولد الشريف لقاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام ومعه القضاة الثلاثة والخطيب والفقهاء والتجار والفقراء بالتهليل والأعلام والمفرعات والفوانيس والمشاعل إلى محل المولد الشريف في شعب بني هاشم بسوق الليل، وصلى الناظر به وخطب له على منبر هناك، ودُعِيَ له
стр. 499
وللسلطان ولصاحب مكة على العادة. وعاد إلى المسجد ودعا لهم رئيس زمزم أمام قبة الفراشين، وتوجّه الشافعي إلى محله عقب صلاة العشاء وسلم عليه الفقهاء وانصرفوا.
وفي ليلة الثلاثاء رابع عشر الشهر عُمل سماط للمحيوي عبد القادر الشيبي لزواجه على لطيفة ابنة قاضي القضاة الحنبلي المحيوي عبد القادر بن ظهيرة في منزل أبيها بسوق الليل. وكان سماطا أنِقًا فيه كثير من الألوان المفتخرة وغيرها.
وفي ليلة الأربعاء ثاني تاريخه دخل بها الزوج، وهنّأه الناس في صباحها.
واتفق في يوم الثلاثاء قبل تاريخه وُلد النجل علي ابن قاضي القضاة الحنفي شهاب الدين أبي السرور بن الضياء وأمه حبشية موطوءةٌ لأبيه.
وفي ليلة الأربعاء المذكور عُمل عقد احتفل به قاضي القضاة المالكي الشرفي أبو القاسم الأنصاري في محل طهار أخيه بالفازة التي بالقرب من داره بأسفل مكة، للموصّى عليه السراجي عمر ابن المرحوم الخواجا .... (١) البصروي الخطيب الدمشقي على زينب ابنة المرحوم كمال الدين الحريري الحلبي، وحضر فيه القضاة والأعيان من الفقهاء والتجار وغيرهم. وكان بهجا مأنوسا باشر فيه العقد قاضي القضاة الشافعي على خمسين مثقالا مقسّطة كل عام ثلاثة مثاقيل.
وفي ليلة تاريخه عقد قاضي القضاة الشرفي المالكي المشار إليه على المعلّم شهاب الدين أحمد بن محمد البنغالي الحكاك على أم الحسين ابنة السراجي عمر ابن الشيخ شهاب الدين أحمد الزيمي المكي على تسعة عشر مثقالا مقسطة كل عام مثقال. وحضرتُ ذلك مع جماعة في منزل العاقد، وأسقى الحاضرين سكرا مذابا. جعله الله مباركا عليهما ورزقهما ذرية صالحة.
стр. 500
وفي ليلة تاريخه عملتْ المرأة الجليلة سارة ابنة المرحوم الخواجا شيخ محمد قاوان الكيلاني مولدا مغطى في الحوش الذي هو أمام منزلها. وحضره جماعة من القضاة والفقهاء والتجار والفقراء وغيرهم، ومُدّتْ فيه .... (١) للحاضرين.
وفي ليلة الجمعة سابع عشر الشهر عمل الخواجا خليل الكيلاني وكيل الصدقة الهندية مولدا عظيما في المدرسة الباسطية المطلة على المسجد الحرام بالرواق الشمالي حضر فيه القضاة الأربعة والملك إقليم خان الهندي ناظر المبرّة الهندية وغيرهم من الفقهاء والتجار والفقراء والأعيان وقسم فيه البن المسكر والحلوى الملونة والفتوت، وهو كثير مدّ في صحون مفتخرة، وبيارم عال على قاعدة بلَد الهند مع الماورد والبخور والريحان وغيره، وألْبَس قارئ المولد خلعة وأعطاه أزْيد من عشرين أشرفيا. وتحدث الناس به أنه صرف (٢) على مولده نحو ثلاثمائة أشرفي وأكثر، وأنه طهّر ولده عقب ذلك. فالله تعالى يجعله مباركا له.
وفي عصر يوم الجمعة المذكور سافرت قافلة المدينة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وفيها جماعة من الأعيان، منهم قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة بعياله ووالدته وخِيلانه .... (٣) شيخ السدنة الشيخ عمر الشيبي وجماعة من بني عمه كأخي زوجته القاضي إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين بن ظهيرة، والقاضي أمين الدين محمد بن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة الحنفي وزوجته وولده القاضي زين الدين جار الله وزوجته وأولاده والأصيل عفيف الدين عبد الله ابن القاضي أبي البقاء بن ظهيرة بزوجته ابنة القاضي شرف الدين أبي القاسم الرافعي بن ظهيرة وشقيقها الأصيل زكي الدين وغيرهم من الأعيان كالشيخ
стр. 501
نور الدين علي بن عراق بمفرده ورأس المباشرين بجدة الشهابي أحمد بن محمد بن ريحان المريسي بعياله وأولاده وجملة من أهل مكة.
وتحدث الناس بزيارة صاحب مكة الشريف أبي نمي الحسني وأنه سبق القافلة من فريقه باليمن على طريق جدة، ولم يصح ذلك بل نزل قرب خليص لحبس المرعى بها وواجهه بعض القافلة فيها منهم قاضي القضاة الشافعي. وخرج من مكة بأبهة عظيمة ووادعه الأعيان من المسجد الحرام. وتأخرتْ الشريفة خزيمة ابنة صاحب مكة السيد محمد بن بركات الحسني وابنها باز بن فارس بن شامان أمير المدينة الشريفة، وكان قدم منها للزواج بابنة ابن خاله، فتزوجها في شهر تاريخه بفريق خالها جهة اليمن ثم سافروا بقافلة وحدهم بعد ثلاثة أيام.
وفي يوم السبت ثاني عشر الشهر عمل الخواجا عبد القادر القاري سماطا حسنا في منزله لزواج ابنته ستيتة على قاضي القضاة المالكي المفصول التاجي عبد الوهاب بن يعقوب، حضره جماعة من أعيان الفقهاء والتجار وغيرهم. وكذا عمل سماطا ثانيا قاضي القضاة المالكي المتولي الشرفي أبو القاسم الأنصاري لزواج محجوره السراجي عمر البصروي وحضره جماعة من الأعيان وغيرهم.
وفي يوم تاريخه ولد .... (١) ابن قاضي القضاة الحنبلي أبي حامد محمد ابن الشيخ عطية بن ظهيرة القرشي المكي وهنّأه الناس به. أنشأه الله نشأ صالحا.
وفي ليلة الأحد ثاني تاريخه دخل الزوجان على زوجتيهما وهنأهما الناس في صباحها.
وفي ليلة الأحد سادس عشريْ الشهر دخل المعلّم أحمد البنغالي الحكاك على زوجته أم الحسين ابنة السراجي عمر الزيمي في منزلي لرحامة الزوجة لي. فالله يجعله
стр. 502
مباركا عليهما وعلى أهلهما.
وفي يوم تاريخه عمل السيد علاء الدين ملك التجار الحسني سماطا هائلا في منزله بالقاعة المطلّة على المسجد الحرام جوار باب العمرة، التي أنشأها القاضي كاتب السر البدري محمد بن مزهر أول القرن العاشر (١). وانتقلتْ لصاحب المهمّ، وكان زخْرَفَ سقوفها ونوّرَ جدرانها وصرف (٢) على مهمّه مصرفا عظيما، يقال إنه ذبح خمسين كبشا وخمسة رؤوس بقر وجملين، وغير ذلك من الدجاج والأرز والحلويات وغالب الأطعمة طعام العجم مع كثرتها لا يعرف غالب أسمائها ودُعِيَ لها خلق من الأعيان والقضاة والفقهاء .... (٣) والفقراء. وجلس على السماط بنفسه حتى فرغ وقسّم منه جملة.
وفي ليلة الإثنين ثاني تاريخه عمل مولدًا معظما في القاعة المذكورة .... (٤) من الأعيان وغيرهم وكان فيها قناديل وسُرُج كثيرة مع الشموع الكبار البهجة. وقرأ المولد الجمالي محمد بن خضير والشهابي أحمد القباني وأنشد كل منهما قصيدة فيه، وألبسهما خلعتين معظمتين، ودُعي فيه للسلطان والشريف ولصاحب المولد. ومد فيه الحلوى والفتوت للحاضرين وكان كثيرًا في أوان مفتخرة مع البن والبخور والماورد والصندل والقهوة.
وبعد الفراغ من المولد انصرف الأعيان وجلس الفقراء للذكر. وكان بهجًا مأنوسًا، جعله الله مباركا على صاحبه وأخلف عليه نفقته بخير، ببركة من وُلد فيه.
стр. 503
شهر ربيع الثاني استهل كاملًا بالجمعة من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٢٩ م)
في عصر يوم الأحد ثالث الشهر وصل القاصد مسلّم البدوي من القاهرة لصاحب مكة ومعه البشارة بتحقيق نصرة الخنكار الأعظم سليمان خان ابن عثمان على أهل الأنقرس (١) الكبار الملحدين وفتح عدة حصون منهم، وعاد لتخت ملكه مدينة أدرنه - أدام الله عزه ونصره - معه جملة أوراق الجماعته. وأشاع أن القاهرة زُينت لذلك، وأن الولاق (٢) واصل بعده. وأخّرت زينة مكة لوصوله مع قدوم (٣) صاحب مكة إليها من البر. وأقام القاصد بها يومين وتوجّه للشريف بفريقه جهة اليمن، واطمأن خاطر المسلمين بهذه النصرة، ولله الحمد على هذه النعمة، أدامها الله على المسلمين.
وفي ليلة الجمعة ثامن الشهر عمل الخواجا بركات بن إسكندر الحلبي مولدًا عظيمًا في حوش الخواجا قاوان بالسويقة حضره جماعة من الأعيان القضاة والفقهاء والتجار والفقراء وغيرهم. وكان فيه وقْدة عظيمة بالقناديل والشموع، ومد فيه للحاضرين حلوى كثيرة في أوان مفتخرة مع الفتوت والبن والبخور والماورد والقهوة.
وبعد الفراغ عمل الفقراء ذكرًا ثم ختن ولدين له وثلاثة عبيد غيرهما وزفهم من باب السلام بالفقراء والتجار. ولم يأخذ منهم لصقًا عند القطع ووعد المزين بثلاثين أشرفية، وعُدّ ذلك من سماحته.
وفي يوم الثلاثاء تاسع الشهر وصل لمكة جماعة من قافلة المدينة الشريفة.
وفي مغرب ليلة الأربعاء ثاني تاريخه وصل قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة ودخل باب السلام بجماعته ولاقاه بعض الفقهاء والقضاة فطاف
стр. 504
وسعى وتوجّه لمنزله ووصل رفقته جميع أهله وأقاربه الذين توجّهوا معه للزيارة الشريفة، وهنّأهم الناس في صباحها.
وعمل صهره أخو (١) زوجته القاضي برهان الدين إبراهيم ابن أقضى القضاة الشهابي أحمد ابن قاضي القضاة البرهاني القرشي معمولًا وطيبًا وبخورًا لمن قصده للسلام عليه. ولم يسبقه أحد لذلك في زمانه. وسمعتُ أن عمل الناس قديمًا عليه في تهنئة الزيارة.
وعملتْ السيدة سعادة عمة قاضي القضاة الشافعي له سفْرة لطيفة حضرها القضاة وبعض الفقهاء وأهل البيت يوم وصوله. وعمل ذلك غيره في منزله.
وفي صبح يوم الجمعة ثاني عشريْ الشهر وصل لمكة عيال القاضي محيي الدين عبد القادر بن رقيط الناظر بجدة وأحد المباشرين فيها لنفاس زوجة ولده الأكبر في الفريش قرب (٢) المدينة. وانتظرهم القاضي الشافعي في الطريق يومين فلم يلحقوهم لتأخرهم لأجل النفساء، وهم شيخ الدلالين جعفر الرومي وغيره (٣). وكان لدخولهم رؤية من الحجون وباب المعلاة ابتهج الناس بها، وتوجّه الناس للسلام عليهم. تقبل الله ذلك منهم بمنه وكرمه، آمين.
شهر جماد الأول استهل ناقصًا بالسبت ولم يره أحد من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
بل شهد العفيف به عبد الله بن ناصر الواسطي وولده الجمالي عند قاضي القضاة الشافعي في صلاة العشاء، وأمر التاجي بإخراج الشمع الجديد إلى المطاف في
стр. 505
صلاة العشاء والصبح.
وكان اتفق له في العام الماضي شهادته لجماد الثاني برؤيته له من منزله في جبل لعلع فلم يُرَ الشهر إلّا تامًّا مع وفاة الشريف ثقبة ابن صاحب مكة السيد بركات الحسني شقيق صاحب مكة السيد أبي نمي.
واتفق مثل ذلك في هذا الشهر لأن في صبح تاريخه مات الشريف أبو سعيد أخو صاحب مكة المشار إليه. وأمه حبشية كان منقطعًا عندها بمكة أشهرًا بوجع الشباب وحمى الدق. فجهّز ضحى تاريخه وصلّي عليه عند باب الكعبة وشيّعه خلق إلى المعلاة، ودفن خارج قبة أخيه، وعملت له ربعة بالمسجد والمعلاة ثلاثة أيام، وختم له في صبح الثلاثاء. وعُدّ ذلك من الاتفاقيات وتشاءم الناس بشهادة الواسطي لموت الأخوين في كل شهر شهد فيه كل سنة.
وفي جمعة تاريخه وصل الخبر لمكة بحرًا من اليمن أن أهل عدن انتصروا على الأمير مصطفى بيرم الرومي صاحب زبيد لحصاره لهم، وتوجّه لبلاده بعد قتل جملة من جماعته. ثم وصل منه قاصد لمكة وأخبر أن سبب عوده من عدن لمحل ولايته لما بلغه أن العرب اجتمعوا على أخذ زبيد وأن الفرنجة المخذولين قصدهم التوجّه لعدن من البحر، وقصد حفظ بلاده وإرسال مراكب في البحر لجهة عدن لحفظها من الفرنج، والله أعلم بحقيقة الحال. وتشوش الأروام لهذا الخبر وكانوا أخروا سفر القاصد مسلم لأجل الخبر بنصرته لنائب مصر الكافلي سليمان باشا الخصي. فإنه كان حريصًا على ذلك ويسأل عنه.
وفيها وصل القاصد البدوي رفيق مسلّم من مصر وأخبر بتحقيق نصرة سلطان الزمان سليمان خان بن عثمان على الفرنج المخذولين أهل الأنقرس وبني الأغراض (١)
стр. 506
[بلغراد] وأنه عاد لبلاده أدرنه. وأن نائب مصر عين لإمرة الحاج عام تاريخه الجمالي يوسف ابن الأمير جانم الحمزاوي ومعه مرسوم بالكشف عن أحوال قاضي جدة بديع الزمان بن الضياء الحنفي للشكوى منه في أخذ أموال الناس على الأحكام وطمعه فيهم .... (١) اليازجي محمود جلبي الرومي نائب جدة بالإرسال له ليحضر بمكة ويكشف عن حاله. فبلغ القاضي ذلك الإرسال إليه خفية فتوجّه لفريق الشريف أبي نمي صاحب مكة واحتمى به فأرسل ورقة لليازجي محمود بالسكوت عنه وعليه مراجعة نائب مصر في أمره. فسكت عنه وعاد القاضي لمحل ولايته بجدة، فلله الأمر في كل شدة.
وفي يوم الإثنين عاشر الشهر بطلت قراءة سورة الأنعام في الحطيم للخنكار - نصره الله - لتحقيق نصرته ولله الحمد، ولم يصرف المعلوم لأهل القراءات مدة قراءتهم لتوقف اليازجي محمود جلبي الرومي النائب بجدة لعدم الإذن له في ذلك.
وأحال فيه على السيد ملك التجار علاء الدين (٢) الحسيني ثم صرف بعد شهر.
وفي يوم تاريخه توجّه السيد ملك التجار بجماعة من الأعاجم للتنزه بمنى المعظم وعزم على القضاة الأربعة وغيرهم من المشائخ وبعض طلبة العلم، وأقام بمنى ثلاثة أيام بلياليها ومعه القضاة يومًا واحدًا من وسطها وعادوا في آخره لأن زوجة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة ولدت ابنة اسمها … (٣) في ظهر يوم الثلاثاء ثاني تاريخه. جعلها الله مباركة على أهلها.
وفي ليلة الأربعاء سادس عشري الشهر ماتت عائشة ابنة الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد النشيلي ودفنت صبح يومها بالمعلاة وحزن عليها والدها وزوجها الجمالي ابن الشيخ أيوب وولدها الزيني عبد السلام.
стр. 507
وفي صبح يوم الأحد سلخ الشهر مات السيد أبو بكر بن حسين بن إبراهيم الحسيني القبيباتي بعد توعكه جمعة وأوصى لصهره قاضي القضاة التاجي عبد الوهاب ابن القاضي تاج الدين محمد بن يعقوب المالكي أخي زوجته وجعله وصيًا على تركته وجهازه وأولاده وعياله. وترك أزيد من عشرين ألف دينار منها أربعون سندة نيل بستة آلاف دينار وصندوق برماوي .... (١) بنحو أربعة آلاف دينار وسفره بثمانية آلاف في الهند وسواريج (٢) فضة وبيوت بمكة وجدة والوادي بنحو الخمسة.
وسمعت أنه أوصى لصاحب مكة وقاضيها الشافعي وغيرهم بمبلغ لا أعلمه (٣) حماية لتركته. وتشوش الوزير الكمالي أبو (٤) الفضل بن أبي علي لعدم وصيته له. وجهّزه وصيه في يوم تاريخه وصلّي عليه بعد صلاة العصر ودفن في الشعب الأقصى بجانب الشيخ محمد بن عراق في تربة الشيخ أبي كثير عقب الإذن من أولاده. وخلّف زوجة وصبيين وبنتين، ثلاثة أشقاء وواحدة في الشام. وكان ساكنًا منجمعًا عن الناس مع .... (٥) وملازمة الجماعة. رحمه الله تعالى وإيانا.
شهر جماد الثاني استهل كاملًا بالإثنين من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
وفي ظهر يوم الجمعة خامس الشهر اجتمع القضاة الأربعة وملك التجار وبعض المشائخ وغيرهم من الأروام وطلعوا إلى الكعبة الشريفة للكشف على سطحها لكونها ينزف الماء وقت المطر فرأوا بلاط أسطحها من الحجارة قد ارتخى
стр. 508
بعضه. فتشاوروا في إصلاحه فقال لهم قاضي القضاة الشافعي: يحتاج إلى مشاورة أمير مكة السيد أبي نمي. واتفقوا على الإرسال إليه واستئذانه في ذلك فأرسلوا إليه فرد لهم الجواب بسؤال نائب الديار المصرية أو الخنكار في ذلك، وهو الصواب.
وفي يوم تاريخه أرسل اليازجي محمود جلبي الرومي ساعيًا بطلب قاضي جدة بديع الزمان بن الضياء للبحث عن أحواله بمكة فسمع بعض أخصائه بذلك فأرسل له يخبره بذلك فتوجّه من فوره قبل وصول الساعي لجدة لفريق الشريف أبي نمي صاحب مكة فوجده في العزيب لصيد القنص، فأقام بفريقه حتى عاد فشكا عليه حاله و احتمى به فلاحظه بنظره. وأرسل أوراقا لمكة لليازجي محمود بأن القاضي بديع الزمان (١) وعليه المراجعة في أمره فسكتوا عنه، فالله تعالى يوفّقه ويهديه للطريق المستقيم. فإنه عارف بالقضاء طامع في تحصيل المال، وقد كثر الشكوى منه، أصلحه الله وإيانا.
وفي ضحى يوم الإثنين ثامن الشهر مات الولد الأصيل محيى الدين عبد القادر ابن قاضي القضاة الجمالي محمد بن يعقوب المالكي وكان جُذِب وأصابه مرض اختل عقله فيه حتى حُبس في بيت عمه عند جدّته. فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر عقب، النداء له على زمزم - كعادة أولاد القضاة - وشيّعه خلق كثير ودفن في المعلاة في تربة جده لأمه السيد أصيل الدين. وعملت له ربعة فيها صباحًا ومساء وختم له في يوم الجمعة. وانتقد ذلك على عمّه لاختلال عقل الميت وكان ستْره أولى.
وفي شهر تاريخه وصل لمكة بحرًا من الديار المصرية درويش محمود العجمي المجذوب ومعه عشرة عبيد لكناسة المسعى، ويقال إن الخنكار - نصره الله - أمر مشترى عشرة عبيد سود وعشرة جوار لزواجهن عليهم ويقيمون جميعًا عند ناظر
стр. 509
العمارة في العين الشيخ مصطفى الرومي. فاشتري ذلك من مال الخنكار بجدة وأرسلوا إلى جهة عين حُنين للشغل فيها. وهذا الفعل جميل ما اتُّفق (١) فيه لأحد من الملوك المتقدمين. جازى الله الملك على ذلك خيرًا وأثابه أجرًا.
ويقال إن درويش محمود هو السائل في ذلك لكنه كدر باستنجاز عدة مراسيم أبي نمي ونائب جدة فيها: سؤال الشريف أبي نمي في إبطال معشر الفرق (٢) بجدة، وأن السلطان يعوض له الجامكية من خزانته وأنه يتوصى بحاملها غاية الوصية والمساعدة في النظر على الأوقاف من الربُط والسّبُل والمياضي وغير ذلك بعمارتها والفحص عن متحصلها. فدار على بعض الأماكن وكتبها مع جهاتها وما فيها من الخراب والإصلاح. ولازم البيمارستان بمكة. وكان الشريف أبو نمي أعطى ولايته للشيخ جمال الدين محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير وله معلوم في أوقافه بمكة والشام، ويُقال إنه لا يصرف غالبه فيه، ووجده معطلًا من المرضى، وأدخل فيه جماعة وقال: أنا أصرف عليهم، وباشر بعض ذلك بنفسه. وأرسل للشريف أبي نمي صاحب مكة مراسيمه الخنكارية، ويقال بوصية من أمر الخنكار في ذلك، وفي حبّ أرسله معه لعمل دشيشة للفقراء بمكة والمدينة الشريفة بنحو خمسمائة إردب، نصفين بينهما. فتأثر الشريف من فعله خصوصًا والتمّ عليه جماعة من الأروام وبعض مماليك الشريف أبي نمي فأرسل لمن صحبه من مماليكه وتهدده وقال له في جوابه: أنت حداد وظيفتك كنس المسعى ولا تكمل (٣) في نظر شيء من الأوقاف وغيرها. وهو الحقيق في أمره لأنه إلى الجنون أقرب. فخاف من ذلك وتوجّه إلى جدة مع اليازجي محمود الرومي. فالله يقدر للمسلمين خيرًا.
وفي هذا الشهر كانت الأسعار بمكة رخية كل رطل لحم بكبير وكذا اللبن
стр. 510
وغيرهما، ولله الحمد والمنة.
شهر رجب الفرد استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
في أوله جاء الخبر بمكة من صاحبها السيد الشريف أبي نمي أن المراكب الهندية وصل منها لكمران، وأن أمير زبيد مصطفى الرومى .... (١) بكمران وأخذ معشرها. فتشوش الناس لهذه الأخبار.
ثم في ثانيه أو ثالثه بطل هذا الخبر وجاء جماعة من البر وأخبروا أنهم نزلوا من مركب هندي جاء من الديو يقال له الفايشي (٢) وأنه خرج وراءه ثمانية مراكب مسن الهند فتباشر الناس بذلك، ولله الحمد.
وفي يوم الجمعة ثالث الشهر وصل لمكة الشيخ أبو بكر الكرماني الشهير بابن رابعة تلميذ الشيخ محمد بن عراق من الحجاز ومعه قافلة من الحب اللقيمة، فبيعت الغرارة بثمانية عشر أشرفيًا، حساب كل ربعية وربع بكبير، وقال: إنه تجدد في طريقهم جملة حب لجماعة صاحب مكة، فتضرر العرب منها وقالوا إن لم يُرفع عنهم وإلا أجاروا (٣) على رفقتهم من المبرّة لمكة. فالله تعالى يوفق ولي الأمر لإزالة ذلك قريبًا، وكان قصده التوجّه إليه، ثم طرأ له زيارة النبي ﷺ . فالله تعالى يقدر خيرًا.
وفي يوم الجمعة عاشر الشهر ماتت الطفلة أم هاني ابنة قاضي القضاة شرف الدين يحيى ابن القاضي عز الدين الفائز بن ظهيرة القرشي الشافعي وعمرها نحو ثلاث سنين، فجهّزت (٤) في يومها وصلّي عليها عقب صلاة الجمعة عند الحجر
стр. 511
الأسود كعادة بني ظهيرة، وشيّعها خلق من الأعيان وغيرهم ودفنت بالمعلاة بتربة سلفها.
وفي هذه الجمعة أشيع بمكة أن الآغا قجماس (١) مملوك الأمير جانم الحمزاوي وصل إلى فريق الشريف أبي نمي صاحب مكة ومعه مراسيم له من ملك الأمراء بالديار المصرية سليمان الرومي.
ثم في عصر يوم السبت ثاني تاريخه وصل هولمكة ونزل في بيت ملك التجار السيد علاء الدين ومعه نجابة من العرب صحبتهم أوراق للناس مؤرخة بأول جماد الثاني وخفي خبرهم. ويقال إن في مراسيم الشريف التأكيد عليه بامتثال المراسيم الواصلة إليه من الروم مع درويش محمود العجمي في إبطال معشر القوت (٢) وضبط متحصله فيها حتى يعوّض عنها. وأن الشريف أبا نمي ما هان عليه ذلك ولا وافق على ضبطه خوفًا من نفور عسكره ومخالفتهم عليه، فإن ذلك هو قوتهم. ويقال في المثال السائر عند بني حسن "قطع الخشوم، ولا قطع الرسوم" خصوصًا وقد ألفوا ذلك وتوارثوه عن آبائهم وأجدادهم. ونسأل الله السلامة من فتنة ذلك، وإن كان ظاهره خيرا للمسلمين.
واستمر قجماس بمكة إلى آخر الجمعة وسافر فيها لجدة وصحبته الخواجا أبو البقاء السكري، فإنه كان وصل لمكة في شهر تاريخه من جدة بسبب خَصامة بعض الأروام له في إجارة بيت للخواجا ابن الزمن بالسويقة كان واضعًا (٣) يده عليه وباعه لابن الخواجا محمد سلطان. وتواصل مع الأروام للقاضي أبي السرور بن الضياء الحنفي في أول السنة، وألزم الخصم بإظهار مستنده فأحال على السكري
стр. 512
وتوجّه له بجدة ولم يظهر مستندًا إلّا في شهر تاريخه بعد أن وضع الأروام يدهم على المنزل وحكم لهم الحنفي بذلك، فطعنوا في مستنده وتوقف الحنفي في الحكم عليهم وأشاع أنه متوجّه للقاهرة مع قجماس والنجابة، والله أعلم بحقيقة الحال.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر الشهر سافرت قافلة المدينة الشريفة وفيها خلق من الأعيان وغيرهم منهم أبو الغيث ابن صاحب مكة السيد محمد بن بركات الحسني، عم صاحبها الآن السيد أبي نمي، بأولاده ورفيقه أبو البقاء بن ظهيرة القرشي وولداه الكبيران القاضي عبد الوهاب والقاضي عمر والقاضي سعد الدين ابن القاضي خير الدين بن ظهيرة وزوجته سعادة ابنة القاضي أبي المكارم الرافعي وابن عمه فتح الدين أبو الفتح ابن الشيخ عمر بن ظهيرة وأولاده وأمه، والشيخ (١) فخر الدين أبو بكر ابن شيخ السدنة جمال الدين بن عمر الشيبي بعياله وأولاده وعمته السيدة صفية والشيخ أبو بكر بن الكرماني الشهير بابن رابعة ومعه جماعة من الفقراء وغيرهم. تقبّل الله ذلك منهم.
وفي يوم الأربعاء ثاني تاريخه تحرك للزيارة جماعة آخرون فاكتروا في يومهم لرخص الكراء كل جمل بعشرة أشرفية ذهابًا وإيابًا. وتوجّهوا بالسلامة؛ منهم الإمام أبو الخير الطبري والسيد زين العابدين المالكي وشيخ الفراشين الشهابي أحمد بن بيسق بعياله وعيال أخيه وجماعة في نحو أربعين جملًا. كتب الله سلامتهم. وفي يوم الأربعاء ثاني عشري الشهر مات ولد طفل لقاضي القضاة الحنفي أبي السرور ابن قاضي القضاة النور علي بن أبي الليث بن الضياء القرشي من موطوءة حبشية له ظهر في عام تاريخه لغيْظ أمّه من مناكدة أبيه وبضربها عليها وهجرها.
стр. 513
وفي ثاني تاريخه كُوّنَ (١) الشاب عبد المعطي الوكيل ابن الجمالي محمد ابن الفقيه العلامة زين الدين عبد المعطي بن حسان اليمني الأصل المكي، لدخوله على امرأة مولدة لبيت ابن جوشن جارة له في غيبة زوجها ليلًا وكان يتهمه فجاء زوجها واسمه محمد بن إبراهيم الخضري فوجده عندها - ويقال نائمًا على سريرها - فضربه بجنبية نفسه عدة ضربات حتى عطله فهربت الزوجة. وتوجّه الزوج إلى الوزير كمال الدين أبي الفضل بن أبي علي وأخبره بقصته فتدرك له سلامته (٢) ومراجعة الشريف في أمره فظهر بين أظهر الناس واستمرت الزوجة عند قبة السيد بركات والد السيد أبي نمي صاحب مكة أيامًا ثم رجعت إلى منزلها واستمر المكوّن مريضًا مرضًا مؤلما وازداد به ذلك عند غسل الجراحة لطلبه الغسل (٣) وخوفه من الموت حتفًا. واعترف بالزنا وهو غير محصن، وكان ملازمًا للأذكار والإنشاد في الزوايا كعادة الشباب في العمل بذلك للوصول لغرضهم من الاجتماع بالنساء والمخلّعة. فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويسترهم ويختم بخير.
وتوجّه والده مع القافلة لزيارة النبي ﷺ لوله فصار الولد متعللًا حتى قدم والده ومات في تاسع عشر شعبان كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وفي عصر يوم الثلاثاء ثامن عشري الشهر وصل لمكة من فريق صاحبها السيد أبي نمي الحسيني قريبه السيد عرار بن عجل النموي ورفقته درويش محمود العجمي الواصل صحبته المراسيم الخنكارية في الكشف على الأوقاف وغيرها وهو راكب بغلة ولابس كبرًا وديسًا (٤) دقيقًا حكميًا، أولهما من ملبوس الشريف أبي نمي
стр. 514
وثانيهما من القائد جوهر المغربي. ودار البلد بذلك فصار ضحكة للناس فإنه كان يلبس مرقّعة تحته ويكشف رأسه فأثار فِتنًا كثيرة بالتعلق على الناس وأظهر عجائب بالغوا .... (١) على الفقراء أهل الأربطة والأوقاف والسُبل. وحصل الضرر بذلك فدعوا عليه وسبّوه وهو لا يلتفت، وعنده أن فعله كريم. فلا قوة إلا بالله.
شهر شعبان المكرم استهل ناقصًا بالخميس من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
وفي أول يوم منه ظهرت العجائب وشاهدنا الغرائب بإظهار درويش محمود بالنداء في الشوارع والأسواق بمكة حسبما أمر به الخنكار والشريف أبي نمي ودرويش محمود بحضور مشائخ الأربطة وكتابة أهلها السكان بها بعد صلاة العصر بالمدرسة الأشرفية ليتحرر المتكرر منهم في تقرير الخلاوي من الأربطة المتفرقة. وتحدث الناس والغرباء بإخراجها عن أهلها لهم. فأنكر المستحقون ذلك وامتنع المشائخ من الحضور له، فتوجّه للشريف عرار بن عجل وأخبره بامتناعهم، فقال له: أنا لا أتعرض للفقراء وأخشى من دعائهم، وإن كان بيدك وجه شرعي اطلبهم إلى قضاة الشرع. فتوجّه لقاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة فذكر له ذلك وأراه مرسومه وليس له ذكر فيه بالتكلم على الأوقاف وغيرها، بل هو مكتوب لصاحب مكة ونائب جدة داود المتوفى. فتعجب القاضي والخلق من جرأته والافتيات بالنداء من غير تصريح له بذلك من ولاة الأمور، فصار يقول: الشريف أقامني في ذلك، فسكت الناس عنه ولم يأمره القاضي بشيء فصار ملازمًا له في كل وقت يراه في المسجد أو في مجلس حكمه.
وتعلق على بعض الأوقاف منها أوقاف الجمالي ناظر الخاص في باب حزورة ومنع المتكلم عليها بطريق النيابة عن المستأجر لها قاضي القضاة الكمالي التادفي
стр. 515
والحلبي على عمارة لها في أيام ولايته لقضاء مكة وهو الخواجا جمال الدين الصيرفي الدمشقي. وتوجّه به لقاضي (١) القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة وطالبه بأجرتها وتجاهى عليه بالأروام وأخذ مبلغًا نحو مائة دينار وعاوده مرة أخرى ورفع يده عن الوقف بغير مستند شرعي بالجاه، وطلب منه كتابة إشهاد بما قبضه منه فلم يكتب له وقال: قبضتُ منك بالمرسوم الخنكاري، فلله الأمر.
وفي ثاني الشهر أشيع بمكة أن المراكب الهندية الواصلة منها لمكة خرج عليهم الفرنج المخذولون (٢) عند باب المندب وضاربوهم ظلام الليل وهربت طليعة مركب يوسف التركي ولم يُعلم خبرهم. فحصل بمكة وجدة رجفة وطلع سعر الحب والقوت والقماش وتشوّش لذلك جميع الناس. ثم فرّج الله عنهم في أثناء الجمعة بحصول .... (٣) توالاها أيامًا حتى دخل لبندر جدة مركب يوسف التركي وطليعته ومركب ثالث للفايشي. وحققوا كذب ظهور الفرنج المخذولين لهم. فابتهج الناس بذلك ورخصت الأسعار ولله الحمد.
وفي صبح يوم الجمعة تاسع الشهر عمل الوزير كمال الدين أبو الفضل بن أبي علي سماطًا حافلًا لزواج ابنته على ابن عمها السراجي عمر ابن الشيخ جمال الدين محمد بن أبي علي. حضره الأعيان من القضاة والسيد علاء الدين ملك التجار والسيد عرار بن عجل والفقهاء والتجار وغيرهم. فكان فيه أطعمة كثيرة مفتخرة من الحلويات وغيرها من الدجاج والكباش والرغيف الأسيوطي والمأمونيتان الحموي والسكب وهريسة الفستق والمشورات والزايرباج وغيرها (٤) وقسم منها على بعض الأعيان.
стр. 516
وعمل الزوج في ليلة السبت ثانيه وهنأ الناس الزوج ووالده وعمه. وكان زواجًا بهجًا، جعله الله مباركًا.
وفي ليلة السبت عاشر الشهر وصل لمكة القاضي الجليل أبو البقاء محمد ابن القاضي عفيف الدين بن ظهيرة القرشي المكي وصُحبته ولداه النجيبان الرئيسان التاجي عبد الوهاب والسراجي عمر من الزيارة النبوية متقدمين عن القافلة رفقة السيد الشريف أبي الغيث ابن صاحب مكة السيد محمد بن بركات الحسني وعم صاحبها السيد أبي نمي، وتوجّهوا معهم لوادي الدكناء لضيافته بها.
وفي صباحها هنأهم الناس وعمل لهم عيالهم سماطًا لطيفًا حضره الأعيان والقضاة الثلاثة ما عدا قريبهم الشافعي لمهاجرة كل منهما للآخر. وكان توجّه هو للزيارة في أول السنة ولم يهنؤوه عند قدومه فعاملهم كفعلهم. وجميع ذلك غير مرضي لقطع الرحم.
وفي يوم الأربعاء رابع عشر الشهر وصل لمكة جميع القافلة من الزيارة النبوية وتوجّه الناس لتهنئة القادمين فيها.
وفي يوم الخميس نصف الشهر تحرك العواني درويش محمود بالنداء مرة ثانية في الشوارع والأسواق بمكة بحضور مشائخ الأربطة وكتابة سكانها في قوائم له وحضورهم بها عند قاضي القضاة الشافعي. ويقال فعل ذلك بمراجعة صاحب البلاد الشريف أبي نمي الحسني وأمر بعض الأتراك بملازمته وتأييد أمره. فلا حول ولا قوة إلا بالله. فحضر غالب المشائخ بعد صلاة العصر فصلى قاضي القضاة الشافعي بزيادة دار الندوة وكان حاضرًا فدفعوا له قوائم بأسماء المستحقين وأخذها، وتكلم أهلها معه وجاهروه بالدعاء على من يظلمهم، فقال: ليس قصدي ظلم أحد، وقام من المجلس ولم يُبْد أمرًا، ولله الحمد على ما تفضل.
وفي يوم الإثنين تاسع عشر الشهر مات عبد المعطي بن الجمالي محمد بن
стр. 517
حسان المكوّن في ثالث عشري شعبان (١) بعد مرضه ستة وعشرين يومًا، فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة العصر ودفن بالمعلاة واختفى خصمه. وتوجّه والده لفريق صاحب مكة السيد أبي نمي وشكا قصة ولده ورمى عمامته وأعطاه ورقة من قاضي القضاة الشافعي بالوصية عليه. فقدر الله تعالى أنه كان وصل للشريف وقت اجتماعه به شاووشان من الأروام جاءا بخبر نصرة السلطان سليمان خان ابن عثمان على الفرنج المخذولين من أهل الأنقرس. فتشوش الشريف من فعله وتكلم عليه وفتح سيرة ولده.
ثم إنه أمر بخروج أهل المسفلة الذين القاتل منهم من مكة إن لم يحضروا بالقاتل وقد هرب فالتمّ مشائخ أهل المسفلة فتوجّهوا للشريف فلم يجبهم وتهددهم بالقتل فتوجّهوا لوادي صروعه للدخالة على مشائخها، فدخلوا معهم لمكة ودخلوا لقاضي القضاة الشافعي ووالد المقتول لإعطاء الدية وما يهتمون في حضور القاتل فمال والده (٢) لذلك طمعًا في المال ورضى به. فراسل قاضي القضاة الشافعي السيد الشريف أبا نمي بذلك فسكتت القضية.
وأشيع أن القاتل مات عطشًا وجوعًا في طريق الحجاز. والله أعلم بذلك.
وفي ضحى يوم الخميس ثاني عشري الشهر وصل الشاووشان الأروام لمكة ونزلوا بالمدرسة العينية وتوجّه أرباب الوظائف للسلام عليهما. ثم نودي بزينة أسواق مكة سبعة، فشرعوا في ذلك يوم تاريخه واستمرت سبعة أيام بلياليها وفرح الناس بذلك ولله الحمد.
وفي تاسع عشري الشهر حصل بمكة غيم مطبق ومطر كثير منع قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام من طلوع أبي قبيس لرؤية هلال رمضان على العادة.
стр. 518
فقدر الله تعالى أنه كشف الغيم عند غروب الشمس ورؤي الهلال ظاهرًا لكل أحد بعد إخفائه، ولله الحمد.
شهر رمضان المعظم قدره استهل ناقصًا ليلة الجمعة من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
وفيها سقط منزل صهر الشريف منصور العجمي بالسويقة من مكة المشرفة على الساكنين فيه جماعة من الحلبيين قرابة الخواجا قاسم الجمال، هم امرأة وأولادها وعيالها، فسلم الجميع ما عدا المرأة وعبد ماتا وأخرجا من تحت الردم. وجهّزت المرأة في صبح تاريخه ودفنت بالمعلاة وكان زوجها غائبًا بجدة وحضر الكشف عليها بعض أقاربها وأصحابه منهم الخواجا برهان الدين إبراهيم ابن الشيخ علي الدمشقي. وكان وضع شمعة في قاعة سكنه نسيانًا فلما فرغت أكلت ما حولها وأحرقت جميع حوائجه التي بالقاعة وهي تحف كثيرة من الفرش والأثاث والملبوس وغيره، يقال نحو ألفي دينار، وتشوش الناس له، فالله تعالى يجبره ويعوضه خيرًا.
وفي مغرب ليلة السبت ثاني الشهر ماتت أم الحسين ابنة السراجي عمر ابن الشيخ أحمد الزيمي بعد توعكها أشهرًا بالحمى الدق والسعلة كوجع أختها. وكانت تزوجت في آخر شهر ربيع الأول عام تاريخه وأقامت مع الزوج خمسة أشهر غالبها مريضة فيها. وتخاصم زوجها وإياها بسببها وأدّى الأمر إلى طلاقها في عصر تاريخه وهي غائبة الذهن. وطلعت روحها بعد خروجهم عنها وكان ذلك غرض كل من أبيها والزوج لعدم المطالبة بإرثها ومهرها. وقد أخطأ كل منهما في فعله، فلا حول ولا قوة إلا بالله. فجهّزها والدها في ليلة تاريخه وصلّى عليها بعد صلاة الصبح ودفنت بالمعلاة على أمها بتربة بيت الشطي عند الدرب. رحمه الله تعالى.
стр. 519
وفي العشر الأول من شهر تاريخه وصل الخبر لمكة بأن صاحب عدن من بلاد اليمن صالح الفرنج المخذولين على إقامة ثلاثين نفسًا منهم في بلده لأجل البيع والشراء لهم وأنهم يُطلقون الأسرى الذين معهم ولا يتعرضون لمن يسافر من عدن بالمراكب الهندية. فأنكر المسلمون ذلك وتشوشوا من فعله، فالأمر لله.
وفي يوم السبت سادس عشر الشهر وصل لمكة الشيخ مسلّم البدوي من مصر ومعه مراسيم من نائبها ملك الأمراء سليمان باشا الخصي الرومي لصاحب مكة السيد أبي نمي الحسني وصحبته عدة أوراق للناس. وفيها أن الأمير جانم الحمزاوي نوى التوجّه للروم من البر لتهنئة الخنكار بنصرته على الفرنج المخذولين وأن الخواجا أبا البقاء السكري واجه القاصد في البويب (١) قريب مصر ومعه قجماس (٢) مملوك الحمزاوي، ولم يظهر خبر المراسيم.
وأشيع بمكة أن جماعة من بني إبراهيم أهل ينبع خرجوا من مصر هاربين لبلدهم ووصلوها فصار الناس في هرج ومرج بسببهم. فالله تعالى يخذلهم.
وفي يوم الجمعة ثاني عشري الشهر أشيع بمكة أن قاصدًا ثانيًا وصل لجدة من مصر أرسله (٣) الخواجا أبو البقاء السكري بولاية صهره قاضي القضاة التاجي عبد الوهاب بن يعقوب المالكي وأنه توجّه لفريق صاحب مكة الشريف أبي نمي.
ثم في ليلة السبت ثاني تاريخه وصل القاصد وهو .... (٤) البدوي ومعه مراسيم من نائب مصر بولاية القاضي تاج الدين المالكي لقضاء المالكية بمكة ونصف الإمامة بالمسجد الحرام على ما أنعمت به الحضرة الخنكارية السليمانية من الروم. وصحبته
стр. 520
عدة أوراق من صهره وغيره والإخبار فيها بوصول قاصد السكري من الروم قبل دخول السكري لمصر بيوم واحد، وعُدّ ذلك من الاتفاقية الغريبة، وسر صاحب الوظيفة بذلك وكذا أصحابه واهتم لذلك خصمه قاضي القضاة الشرفي الأنصاري وتوجّه الناس للسلام عليه وعلى المعزول كما جرت به عادة البلد. وتحقق من القاصد وصول بني إبراهيم لينبع وخيبر في جمع كبير، يقال معهم نحو ثمانين فرسًا وثلاثمائة راجل على نية الصلح مع صاحب (١) والإقامة ببلدهم ينبع. فتشوش أهل مكة وصاحبها من هذا الخبر لكونهم مفسدين، خذلهم الله.
وأمر السيد أبو نمي صاحب مكة بجمع خيل من الحجاز لموت بعض خيله أول السنة على نية يرسلها مع عسكر صحبة الشريف عرار بن عجل الحسني واستخدم جماعة من الأروام بالنفط نحو العشرين ومن الترك مثلهم وخلق من جماعته بني حسن. فقدم الشريف عرار بمكة وأقام بها أيامًا وعاد للفريق ليعتد به وتوجّه لينبع بعد الفطر.
وفي عصر يوم الأربعاء سابع عشري الشهر ختمتُ صحيح البخاري خلف مقام الحنفية - على العادة - وحضره جماعة من الأعيان كناظر الصدقة الهندية إقليم خان البكري وسمعه من حضر وأجزتُ لهم. وعملت بخورًا وطيبًا ودعوتُ لسلطان الروم والهند والخواجا عبد الله.
وفي يوم تاريخه ختم عليّ الولد تقي الدين محمد بن فهد مسند الإمام الشافعي وأجزتُ له روايته.
وفي عصر يوم الجمعة تاسع عشري الشهر طلع قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام إلى علو جبل أبي قبيس لرؤية هلال العيد ولم يره مع الصحو. وصام الناس تامًّا جميع الشهر، ولله الحمد.
стр. 521
شهر شوال المبارك استهل كاملًا بالأحد من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
في أوله عيّد الناس وصلّى بهم وخطب الخطيب الأصيل وجيه الدين عبد الرحمن ابن الخطيب فخر الدين العقيلي النويري، وأدى الخطبة المعتادة تأدية حسنة من غير توقف بالنسبة لعادته، ولله الحمد.
وفي يوم الخميس خامس الشهر وصل لمكة صاحبها السيد الشريف أبو (١) نمي الحسني وتوجّه الأعيان للسلام عليه. واهتم في جهاز عسكره لينبع وعين أربعين فرسًا وأربعين مملوكًا، صرف لكل واحد عشرين أشرفيًا في الشهر وأربعين روميًا بالبندق لكل واحد اثني عشر أشرفيًا، وقيل دونها، وجماعة من بني حسن لكل واحد تسعة أشرفية ومقدمهم الشريف عرار بن عجل النموي الحسني. ورحلوا في يوم تاريخه والذي يليه بعضهم من مكة والباقي من فريق صاحبها بالبحرة - قريب جدة - ثم إن السيد أبا نمي صلّى الجمعة وعاد لفريقه. فالله تعالى ينصره ويؤيد عسكره بجاه جده المصطفى.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر شرع القضاة الأربعة وغيرهم من الكتبة والمشدين الأروام في تفرقة حب الصدقة الخنكارية على أهل مكة المشرفة بعد مشاورة ملك التجار السيد علاء الدين الحسني واليازجي محمود الرومي النائب بجدة وهما بها.
وكان الحب وصل من أول السنة وتوقفوا في تفرقته لكلام بعض العوانية (٢) بالروم على أنه يفرق على الأغنياء والمتسببين، فجاء مرسوم بمنعهم، وغالب أهل البلد من العامة حاله مستور ويتعانى البيع والشراء في الأسواق. فقال القضاة: نحن لا
стр. 522
نقدر على منعهم ولا نخالف مرسوم الخنكار، فتوقفوا في ذلك وكاتبوا ملك الأمراء نائب الديار المصرية فأحال الأمر عليهم.
وضبط أهلَ البلد الشيخُ ولي الدين أبو زرعة المنوفي الشافعي على عادته - نفع الله به - فبلغ عدتهم أربعة وعشرين ألفًا زيادة على العادة بنحو سبعة آلاف لكثرة الغرباء المقيمين بمكة الواصلين إليها برًا وبحرًا.
فتلف الحب لخزنه وخرج منه للدشيشة .... (١) وجميعه .... (٢) إردب وأعطي لكل نفر نقصًا عن عادته. فلكل واحد من الفقهاء ربع مُدّ ينقص نصف كيلة. ولكل عامي كيلتان ونصف بحسب عدد عيالهم. واستمروا على ذلك نحو عشرين يومًا. فالله تعالى يجزي المتصدقين خيرا وينتقم من المؤذين، بمحمد وآله آمين.
وفي يوم الخميس تاسع عشر الشهر وصلت قافلة المدينة الشريفة وفيها فخر الدين ابن شيخ السدنة جمال الدين محمد بن عمر الشيبي بعياله وأولاده والقاضي سعد الدين ابن العلامة القاضي خير الدين أبي الخير بن ظهيرة القرشي بعياله وغيرهم ممن جاور بها، وقاضي المدينة كان وخطيبها وإمامها الآن القاضي فتح الدين أبو الفتح ابن قاضي القضاة صلاح الدين محمد بن أبي الفتح بن صالح الشافعي وبعض أقاربه، والقاضي خضر الرومي الحنفي والشيخ جمال الدين عبد الله بن عمر كاتب الحرم الشريف بعياله وخلق منهم. وكُتبوا في صدقة الحب وأعْطوا منه كالفقهاء وهو قليل بالنسبة لما يحصل في بلدهم، فإن حبهم كثير وعددهم قليل.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر الشهر ختم علي صحيح البخاري بالمسجد الحرام الفاضل المقرئ شهاب الدين أحمد بن … (٣) الأندلسي المغربي المالكي وسمعه جماعة
стр. 523
وأجزت لهم روايته وكتب القارئ إجازة به ولله الحمد على بلوغ ذلك.
شهر ذي القعدة الحرام استهل ناقصًا بالإثنين من سنة ٩٣٦ هـ (١٥٣٠ م)
في أوله جاء الخبر للسيد الشريف أبي نمي بأن بني إبراهيم أهل ينبع كثر جمعهم من القادمين والمقيمين والتجؤوا إلى بلدهم الشريف (١) وطلب الشريف عرار بن عجل منه تكثير العسكر وإرسالهم له لمقابلتهم للحرب، فاهتم الشريف أبو نمي لذلك وبلغ اليازجي محمود النائب بجدة ذلك فبرز من جدة ليقدم مكة ويعين منها عسكرًا من الأروام. فلما وصل لوادي جدة جاءه الخبر بأن النائب الجديد بجدة والي جلبي الرومي وصل إليها في غراب تقدم من المراكب المسمارية، فعاد لمواجهته واجتمع به.
وكان قدومه لها في يوم الثلاثاء تاسع الشهر. ونزل إليها ليلًا ودخل الفرضة السلطانية وخرج الناس في صباحها للقائه من البحر ليعرضوا له فبلغهم دخوله للبلد ليلًا، فتوجّهوا إليه وسلموا عليه وأخبروه بقضية بني إبراهيم فأمر الزيني مصطفى مشدّ العين والعمائر السلطانية ليجمع عسكرًا من الأروام وينفق عليهم للتوجّه صحبة عسكر صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني.
فيقال إنه عيّن ثلاثين روميًا يرمون بالبندق وجماعة الشريف أربعين تركيًا صرف لكل واحد منهم أربعة وعشرين أشرفيًا في كل شهر وللأروام كل واحد اثني عشر. ومن الخيل أربعين وجماعة من أكابر بني حسن مقدمهم السيد أبو القاسم ابن السيد بركات شقيق السيد أبي نمي صاحب مكة وصحبته القائد ياقوت بن عجلان إلى عسفان وعاد منها. وتوجّه غالبهم من فريق الشريف والأروام من مكة
стр. 524
مصحوبين بالسلامة. وأمرهم الشريف بمقاتلتهم في سابع عشر تاريخه إن أمكنهم ذلك وإلا يؤخرون إلى بعد سفر الحج من مكة. فالله تعالى يقدر لهم وللمسلمين خيرًا ويكفيهم شر المؤذين.
وفي أول جمعة تاريخه تمت (١) تفرقة حب الصدقة الخنكارية، على أهل مكة العلية، وكانت مدة فعلهم لذلك نحو عشرين يومًا بمباشرة القضاة الأربعة. فأخذ كل واحد ثلاثة أرادب وللمعزول إردبين والشافعي ضعفهم لوظيفة القضاء ومتولي نظر المسجد الحرام، ولكل واحد من الفقهاء بحسب عياله لكل نفر ربع إلى نصف كيلة، ولكل من العامة كيلتين ونصف، ومجموع الأنفار أربعة وعشرون (٢) ألفًا.
وفي ليلة الإثنين ثالث عشر الشهر مات الشيخ المعمر الأصيل نور الدين علي بن عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم المرشدي المكي الحنفي عن نحو ثمانين سنة وكان منقطعًا في منزله عدة سنين بوجع الحرقة. وكان ولده الزيني عبد الأول توجّه إلى وادي أرض خالد للنزهة فطلب وأدرك والده قد قُبر بمدفنه، وأمر قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة بالصلاة عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم، ودفن بالمعلاة على والده بالشعب الأقصى جوار السيدة خديجة الكبرى زوج النبي ﷺ ورضي عنها. وهو آخر الأكابر بمكة الآن، رحمه الله تعالى وإيانا.
وفي ليلة الأربعاء سابع عشر الشهر توجّه جماعة لوادي الجعرانة. وهو المكان الذي اعتمر منه النبي ﷺ لما رجع من الطائف بعد فتح مكة وقسم بها غنائم حنين.
وقال الفاكهي (٣) إنها على بريد من مكة، وقال الفاسي: هذا مخالف للباجي فإنه
стр. 525
قال: بينها وبين مكة ثمانية عشر ميلًا، وحَدّ الحرم من جهتها على تسعة أميال - بتقديم المثناة - وقيل بريد، وهو اثنا عشر ميلًا.
وذكر السهيلي أنه سُمي بامرأة تلقب بالجِعرانة واسمها ريطة بنت سعد بن زيد بن تميم وقيل من قريش، وهي التي نقضت غزلها، وقال الله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ الآية (١) كما بينه الفاكهي وقال: لقبها جعرانة (٢) وكانت حمقاء.
وذكر الواقدي أن النبي ﷺ أحرم من هذا المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى من الجعرانة. وأما المسجد الأدنى فبناه رجل من قريش واتخذ حائطا عنده ولم يَجُزْ رسول الله ﷺ الوادي إلّا محرمًا. وكان إحرامه ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة. نقل ذلك عن الواقدي المحب الطبري قال: ومنها يحرم أهل مكة كل عام ليلة سبع عشرة من القعدة، وذلك خلاف ما ذكره الواقدي انتهى.
وما ذكره المحبي الطبري يخالف ما أدركنا (٣) عليه أهل مكة فإنهم يخرجون من مكة في اليوم السادس عشر من ذي القعدة ويقيمون اليوم السابع عشر بالجعرانة ويصلّون المغرب بها ليلة الثامن عشر ويحرمون ويتوجّهون إلى مكة، وهو يلائم ما ذكره الواقدي. إلا أن في بعض السنين يحصل للناس تخوف فيخرجون من الجعرانة محرمين من اليوم السابع عشر، وربما خرجوا منها قبل صلاة العصر. وما ذكره الواقدي في تاريخه عمرة النبي ﷺ وهو المعروف. كما نقل ذلك القاضي تقي الدين
стр. 526
الفاسي المالكي في تاريخه شفاء الغرام. ثم نقل جواب الحافظ ابن سيد الناس (١) المذكور عن محمد بن سعد كاتب الواقدي عن عقبة مولى ابن عباس أنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة يقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال. ثم قال: هذا ضعيف.
والمعروف عند أهل السير أن النبي ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة وأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة ليلًا، فأحرم بعمرة ودخل مكة انتهى.
قال: والجعرانة هو أفضل مواقيت العمرة من مكة لإحرام النبي ﷺ على مذهب مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم من العلماء ﵃.
واختلف في ضبطها، فقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: الجِعرانة بكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء، هكذا صوابها عند إمامنا الشافعي والأصمعي وأهل اللغة ومحققي المحدثين وغيرهم ومنهم من يكسر العين ويشدد الراء وهو قول عبد الله بن وهب وأكثر المحدثين. قال صاحب الأنوار: أصحاب الحديث يشددونها وأهل الإتقان والأدب يخطئونهم ويخفّفون وكلاهما صواب (٢).
ومن فضلها ما ذكره الجَنَدي (٣) في فضل مكة له (٤) بسنده عن يوسف بن
стр. 527
ماهك قال: اعتمر من الجعرانة ثلاثمائة نبي، وصلّى في مسجد الخيف سبعون نبيًا.
وبالجعرانة ماء شديد العذوبة يقال إن النبي ﷺ فحص موضع الماء بيده المباركة فانحبس فشرب منه ﷺ وسقى الناس. ويقال: إنه غرز فيه رمحه فنبع الماء موضعه وهذان الخبران (١) في كتاب الفاكهي (٢). انتهى كلام الفاسي ملخصًا.
ونقل جد والدي الحافظ الرحلة تقي الدين محمد بن فهد الهاشمي المكي ﵀. في كتابه الإبانة في فضل الجعرانة (٣) فضائل كثيرة اقتصرتُ منها على ما ذكرته.
وقد قرأتُ هذا المؤلف من لفظي في الجعرانة بحضرة جماعة من الفضلاء منهم: أئمة الشافعية المحمدون عبد البر وأبو الخير وأبو اليمن، والبرهاني إبراهيم أولاد الإمام أبي السعادات الطبري وغيرهم. وأجزت أنا والأئمة لمن حضرنا روايته، وزرنا في المكان المسجدين المأثورين وشربنا من البئر الكبيرة العذبة الماء المشهورة على الألسنة أنها البئر المباركة النبوية. وهي مدورة وبقربها بئر مربعة وعدة أشجار جميز عظيمة في الكبر يقال بعضها قديم وبعضها محدث، ورأينا بقرب المسجد الأقصى عدة قبور للعرب النازلين بجعرانة وبالبعد منه عند الصخار الشرقية محل (٤) يقال له الصحيفة حجارة مُلْس يَعْجن فيها الزوار عجينهم ويقرصونه صغارًا ويخبزونه على النار ويتهادون به لأهل مكة عند عودهم. ولم أرَ له ذكرًا في التاريخ ولا نبّه عليه جدي، لكن يفعله السلف عن الخلف.
وأقمنا بالجعرانة من بعد صلاة العصر وأحرمنا منها وعُدْنا إلى مكة المشرفة
стр. 528
واجتمع معنا خلق نحو عشرين شقدفًا ومشاة وركبانا على بهائم نحو الثلاثين. ووصلنا إلى مكة نصف ليلة الخميس ثامن عشر الشهر وطفنا (١) وسعينا وفكَّيْنا (٢) الإحرام، ولله الحمد والمنة.
وسمعتُ أنه في كل عام يخرجون إليها ويقيمون بها في بعض الأحيان كثيرًا وبعض الأحيان قليلًا. وكان جد والدي ممن يلازم الاعتمار منها كل سنة كما شاهدته في مؤلفه الماضي ويقرؤه هناك. وأرجو الله تعالى أن ييسر لي ذلك بقية عمري اقتداء بالنبي ﷺ .
وفي يوم الأربعاء سابع عشر الشهر مات الكيخيا .... (٣) الرومي الواصل لمكة بحرًا مع نائب جدة عام تاريخه. وكان وصل من الروم ببشارة نصرة الخنكار على أهل الأنقرس، وحصل له من نواب المملكة الشامية والمصرية يقال نحو ثلاثين ألف دينار ومعه مثلها. وخلف ذلك للسلطان غنيمة، وجهّز في يومه ودفن بالمعلاة وشيّعه الأعيان. عفا الله عنه وإيانا. وبُنِيَ له على قبره قبة على أربعة أعمدة.
وفي يوم الإثنين ثاني عشريْ الشهر قدم مكة صاحبها السيد الشريف أبو نمي فتوجّه له الأعيان للسلام عليه، جعله الله قدومًا مباركًا عليه وعلينا وعلى جميع المسلمين.
وفي ثاني تاريخه قدمها نائب جدة والي جلبي الجاركسي، وقيل الرومي الحلبي، والسيد علاء الدين ملك التجار وكان توجّه الجدة وسط السنة، فقصدهما الأعيان للسلام عليهما. وكثر الواصلون من البحر من الأروام وغيرهم، وخلع النائب على صاحب مكة خلعة وأعطاه مرسومه وقت السلام وأظهر له توددًا، وشكر الناس منه ذلك.
стр. 529
وفي ليلة الخميس خامس عشري الشهر مات الشيخ المعمر الصوفي عفيف الدين عبد الله بن أحمد بن عبد الله الحفاشي اليمني الشافعي نزيل مكة المشرفة بعد توعكه أشهرًا، فجهّز في ليلته وصُلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة وشيّعه جماعة من الفقراء وغيرهم في مشهد حافل، ودفن بتربة الشيخ الجنيد المشرع عند الشيخ علي الشولي بسفح الجبل بالمعلاة.
وخلف زوجة وأولاد أخويه ولم يعقب وترك كتبًا كثيرة وكان حريصًا على تحصيلها ضنينًا بعاريتها مع كثرة فوائده وتودده. وأثنى الناس عليه خيرًا، رحمه الله تعالى وإيانا ونفع به.
وفي ضحى تاريخه ماتت الطفلة سيدة الجميع ابنة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة القرشي وصلّي عليها عند الحجر الأسود كعادة سلفه وشيّعها خلق من الأعيان، ودفنت بالمعلاة بتربة أهلها بالحجون وعمرها سبعة أشهر، عوض الله والديها فيها خيرًا وأخلفهما ذكرًا صالحًا.
وفي صبح تاريخه شُمرت ثياب الكعبة ويقال إحرامها على العادة. ووصلت راحلة لصاحب مكة السيد الشريف أبي نمي من ينبع أخبر صاحبها بوصول الحاج سالمين إليها في تاسع عشر الشهر. وأن جماعة بني إبراهيم العاصين طلبوا الصلح مع الشريف عرار أمير عسكر صاحب مكة ويعطونه الفرس والدرع والرهائن على عادتهم القديمة. ويقال إن الشريف أبا نمي توقف في ذلك ونيته التوجّه إليهم بنفسه بعد الحج وأمر عسكره بالإقامة بينبع. فالله يقدر له وللمسلمين خيرًا.
وفي عشاء ليلة الجمعة ثاني تاريخه وصل لمكة متقدما عن الحاج من ينبع عم أميرهم الشيخ شرف الدين بن يحيى الحمزاوي أخو مدبّر المملكة الأمير جانم كعادته في التقدمة للتملي بالعبادة في الخلو وإدراك صلاة الجمعة وصحبته جماعة، وأخبروا بسلامة الحجاج وكثرتهم وأن الحاج الشامي توجّه على دربه المعتاد، فالله يكتب
стр. 530
سلامته (١) ويكتب سلامة المسافرين في البر والبحر من المسلمين.
وفي يوم السبت سابع عشري الشهر أضاف نائب جدة قاضي القضاة الشافعي المحبي بن ظهيرة فخلع عليه خلعة ومشى الفقهاء أمامه لمنزله وهنؤوه بها.
وفي عصر تاريخه سافر لجدة الملك إقليم خان أمين الصدقة الهندية وناظرها خليل بن .... (٢) الكيلاني وكانا قدما مكة للوداع فتحدث الناس بتفرقتهم صدقة على أهل مكة ثم تحقق بعد سفرهم كتابة قائمة بخط الهنود جملتها ألف دينار سمي فيها لقاضي القضاة الشافعي ثمانون أشرفيًا ولكل من القضاة المتولين والمفصولين أربعين وكذا الخطيب وشيخ (٣) ولأئمة الشافعية خمسة وثلاثون ولأئمة الحنفية خمسة وعشرون ولخدام الدرجة مثلها وللفراشين مثلها وللمشائخ المدرسين من الأكابر عشرة والأصاغر خمسة ولي باسم شيخ الحديث ستة وغير ذلك من أرباب الوظائف كالمؤذنين والوقادين. وتشوّش غالب أهل الحرم لعدم ذكرهم فيها ونُسب فعل ذلك للناظر أو المباشر الشيخ أبو زرعة المنوفي وانخرمت (٤) في تفرقتها العادة في إعطاء القضاة في الألف عشرين. فالله تعالى يعوّض المستحقين خيرًا ويكتب سلامة المسافرين برًا وبحرًا.
وذُكر أن المراكب الهندية تسافر للهند في رابع ذي الحجة وفي ذلك حسرة وندامة لفوات الحج، لكن الضرورات تُبيح المحظورات.
وفي ليلة الإثنين تاسع عشري الشهر دخل لمكة أمير الحاج قرب نصف الليل المقر الجمالي يوسف بن المقر الأشرف الأمير جانم الحمزاوي، وطاف وسعى ماشيًا وعاد للزاهر بعد أن لاقاه صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني وقاضي القضاة