← История

История · id 30010

نيل المنى بذيل بلوغ القرى لتكملة إتحاف الورى

جار الله ابن فهد المكي

Полный текст (818 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الروم إلى دمشق الشام وتوجّه إلى الشام وتوجّه منها إلى القاهرة ثم إلى مكة، كما كتب لي به محدث الشام الشيخ محمد بن طولون الصالحي الحنفي، وقال: إنه من العلماء المحققين في سائر العلوم خلا فن الحديث على طريقة أبناء الغرب. وأقام بدمشق نحو الأربعين يومًا وسافر في سادس عشر جمادى الآخرة سنة تاريخه. وعبّر عن هذا التاريخ الشيخ شهاب الدين الطيبي فقال: في السدس الرابع من الخمس الثالث من النصف الثاني من السدس الثالث من العشر الرابع من العشر الخامس من العشر العاشر من الهجرة. وفي صبح تاريخه خرج لملاقاة أمير الحاج الزيني مصطفى كاشف النشار (١) الذي كان أمير الحاج في العام الماضي الشريف ابن صاحب مكة السيد أبي نمي ثاني أولاده ومعه مأكول من الفاكهة وغيرها من عند والده على عادته. ثم لاقاه والده من سبيل الجوخي (٢) بالزاهر وعرض له بعسكر في صبح يوم الثلاثاء سلخ الشهر من المختلع، فخلع عليه وعلى السيد أحمد نائبه في سلطنة مكة خلعتين عظيمتين وطرازتين على عمائمهما الطبقين (٣). وخلع على السيد عرار بن عجل وقاضي مكة الرومي الأفندي مصلح الدين الحنفي قفطانين مدنّريْن. ونزل أمير الحاج مع السيد أبي نمي إلى مدرسة الأشرف قايتباي بالمسعى، وفارقه الشريف والقاضي إلى منزلهما، وسُرّ الناس بهم ولله الحمد.

стр. 737

شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٨ م) واختلف بعض الناس في رؤيته بالثلاثاء ولم يثبت - كما سيأتي ذكره - ونزل وطاقه أمير الحاج المصري خارج باب المعلاة عند البرَكْ وقيّم أمين الصدقة الرومية في محطته. وأشيع أنه نهب له عدْله فيها بَقْجَة ثيابه ودفتر المبرة الرومية فتشوش الناس لذلك وصار بعضهم يصدق الخبر وبعضهم يكذبه، حتى توجّه الأمين الرومي إلى صاحب مكة السيد أبي نمي وأخبره بخبره وقدم له هديته الواصلة معه من الخنكار مع مراسيمه، فقال له: إن كانت السرقة عند جماعتي يُحضرون (١) وإن كانت عند النفر فهي درك أمير الحاج، وكل منا يفحص عنها. فظهرت عند النفر ورُميَ الدفتر عند خيمة أمير الحاج، ولم تظهر حقيقة لحوائج الأمين. ثم إنه سكن في المدرسة الكلبرجية (٢) المجاورة لباب الصفا - أحد أبواب المسجد الحرام - علي عادة الأمناء قبله. وتحرك سكانها في منعه لوصول مرسوم لهم بعدم سكن الأمين عندهم لضررهم من جماعته فلم يُفدهم ذلك لمصلحة الناس وصيانة المال. ثم إن الأمين شرع في القسمة يوم الخميس ثاني الشهر وحضر الأفندي القاضي مصطفى الرومي أول مجلس مع كتّاب السيد أبي نمي والشيخ أبي زرعة - أحد العدول - بإشارة من صاحب السنْحق. ثم ترك القاضي الحضور بنفسه وأمر بعض جماعته بملازمتهم. ففُرّقتْ على العرب أولًا ثم العجم والأروام واستمرت

стр. 738

التفرقة خمسة أيام متوالية. وفي يوم الإثنين سابع الشهر أعطى الأمناء مشائخ الأربطة ففرقوها على أربابها وانفرجوا فيها وتضاعف الدعاء لمرسلها وأمينها ومن حضر تفرقتها. وحصل لي في عصر يوم الخميس في أول يوم من تفرقتها محنة وقعت لي مع أخي لعدم توفيقه معي لجرأته وولده عليّ. وذلك أني قررت له في بيتي بالمبرة الرومية عند توجّهي للأبواب الخنكارية في سنة عشرين وتسعمائة أربعة أسماء باثني عشرة أشرفية ولي مثلها ولأختيّ سعادة وسيدة قريش مثلها ولفاطمة ابنة صاحبنا الجمالي الشلح اسم، الجملة ثلاثة. فمات من أصحاب الأسماء اثنان وأسقط الأمناء اسما من نحو عشر سنين، فوزعتْ على كل أربعة أسماء أشرفيًا ذهبًا واحدًا وأعطي الباقي لأربابها وهم شاكرون مني وراضون عني لتوسطي لهم في الخير المرتب في كل عام ولي أسوة بهم. فأظهر الكمين من باطنه والظلم لي كعادته وطلب مني زيادة للنقصان، وما قضيتُه من دينه بالضمان وهو ثلاثة أشرفية ذهب، فظهر لمن رآه أن عقله ذهب، فأساء هو وولده عليّ فطلبتُ تأديب ولده فمدّ يده إليّ وضربني الآن على رأسي حتى سال دمي. فتوجّهتُ حينئذ إلى الأفندي قاضي الحنفية وهو (١) في مجلس تفرقة الرومية، فأرسل معي شخصًا لإحضاره، فرأيته (٢) ذهب في فراره، إلى شيخ الشافعية أبي الحسن البكري ودخل عليه في خلاصه مني، فتكلم عليه بحضرتي بما فيه رفعته لي وسألني في العفو وترك الأجر على الله. فوكلت أمري إلى الله واستعنت، ثم دخلت إلى الطواف الشريف، ودعوتُ الله تعالى في المحل المعظم المنيف، وغيره من المشاعر

стр. 739

كالصفا والمروة وطلبتُ من الله النصرة عليه في كل مرة. فظهر عليه الخذلان والذل والهوان. ثم إنه جاءني هو وولده إلى محلي وقبّل كل منهما قدمي، فحصل لي عند ذلك عبرة، وسألت الله في وقاية كل عثرة، وأن يرحم شيبي ويقطع من قطعني، ويصل من وصلني، فإنه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير. وفي ضحى يوم الجمعة ثالث الشهر كانت تفرقة الذخيرة الشريفة في المدرسة الأشرفية بحضرة خازندار أمير الحاج المصري ومباشره وشاهديْ قاضي المحمل. وكانت التفرقة ذهبًا، وهي هنيّة، أيامًا متوالية. وفي ليلة الإثنين سادس الشهر وصل جماعة من الحاج الشامي وأميرهم حسين بك الرومي نائب عجلون والعيلب (١) من أعمال دمشق الشام. وعرض له صاحب مكة السيد أبو نمي بعسكره من الزاهر وخلع على ولده الكبير السيد أحمد وفارقه من الأبطح. ووصل صحبة الحاج الشامي وزير سلطان الهند مظفر شاه المدعو آصف خان، وكان وصل من الروم وزار القدس والخليل ورفقته إمام الحنفية السيد جمال الدين محمد بن أحمد البخاري الحسني وقريبي العلامة تقي الدين محمد بن العدل خير الدين أبي الخير ابن الشيخ بدر الدين حسن بن النجمي محمد بن فهد الهاشمي الحنفي. ولاقى الوزير من الحجون جماعة من أصحابه وأرباب الوظائف ببلده وترجل لأجلهم ودخل مكة ماشيًا، ولاقيته من المعلاة فأظهر المحبة والمودة على عادته. وطوّفه وسعّاه إمام الشافعية الأميني أبي اليمن ابن الإمام أبي السعادات الطبري المكي بأمره. وركب الوزير في بعض سعيه ومشى الإمام تحته، وأنكر ذلك الفضلاء، وهرع أهل مكة للسلام على الوزير والقادمين من الشام.

стр. 740

وأضفْتُ قريبي التقي بن فهد جذابة (١) وعسلًا وسرّني قدومه بعد غيبته خمس سنين، وكنتُ أخشى في سنة تاريخه أن يقطع مرتبه لكونه وصل مرسوم بعدم إعطاء الغياب مرتبهم في المبرة الرومية، فأحمد الله تعالى على وصوله وجمع الشمل به وبولده وأمه. ووصل مع الحاج الشامي مرسوم للخطيب محيي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن العراقي الشافعي بولايته من الروم لنصف الخطابة عوض الشيخ جمال الدين محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير الشافعي. وباشر خطبة يوم السابع يوم الثلاثاء ثاني تاريخ وصول الحاج الشامي ومرسومه، وهنّأه أصحابه برد وظيفته إليه. وظهر بعض الأشراف الحسينيين من أهل المدينة وجماعة من حضرموت وأخبروا برؤية هلال (٢) ذي الحجة في ليلة الثلاثاء. واختلف الناس ووصل الخبر إلى صاحب البلد ونائبها الرومي فأمر بالنداء: من رأى هلال ذي الحجة بالثلاثاء فليحضر عند الأفندي، فلم يحضر أحد. وتشوشت الخواطر من هذه الرواية. فأمر الأفندي بالتوجّه إلى عرفة في ليلة الأربعاء ويومها لإدراك الوقفة فيها فتوجّه الحاج إليها. وكانت الوقفة يومين بالأربعاء والخميس وأدرك كثير من الناس غالب الليلة الأولى أو بعضها على قول بعض الشافعية: من أدرك جزءًا من الليل فقد أدرك الوقفة وليلتها تابعة (٣) ليومها، خلافًا لبقية أيام السنة فإن النهار تابع لليل وعليه الإجماع. وبيعت الأسعار في الأقوات (٤) رخية وكذا الكباش والسمن. وأقام الناس بمنى ثلاثة أيام وهم آمنون. وشرع قاضي الحنفية الرومي الأفندي مصلح الدين في تفرقة

стр. 741

وقف الحنفية، وكان وصل مع الحاج المصري مع بقية أوقاف القضاة وهم الشافعي والمالكي والحنبلي وحضر ذلك بنفسه في سكنه بحوش الخواجا جمال الدين محمد الطاهر الصائر للخواجا كمال الدين أبي الفضل بن أبي علي. وجلس معه وفي يده أسماء المستحقين الشيخ زين الدين مصطفى بن إدريس الرومي الحنفي الشهير بالمنتشوي، وصار القاضي يسأل عن الأسماء المحلولة التي مات أهلها وتركوا أولادًا بعدهم فيوقفها. وكثر كلام الحاضرين في ذلك وقالوا له: عادة أهل الحرمين تقرير النظار لأولادهم عوضهم وإلا يحصل الضرر للأطفال والحرم، فمال إلى إعطاء الأولاد ما لآبائهم. ففرّق صر وقف الحنفي في ثاني أيام منى ثم ترك الحضور بنفسه وأمر الشيخ مصطفى والشيخ أبا زرعة في تفرقة الباقي مع بقية القضاة. ففُرق على أربابه بسهولة ولله الحمد وعَدّ الفضلاء من أهل مكة فعل القاضي هذا صلاحه وخيره. جزاه الله خيرًا وأدامه عليه. ثم بعد النزول من منى فرّق مولانا الأفندي ومعه الشيخ مصطفى الرومي والشيخ أبو زرعة المكي في يوم الخميس سادس عشر ذي الحجة أمام الرواق اليماني من المسجد الحرام في بيت الشيبي المقابل للمدرسة العينية سكَن الأفندي قاضي الحنفية الرومي أول الحكمي .... (١) القاضي الشافعي بالقاهرة غالب النهار ثم في الليل بالمسجد الحرام حتى كمل هو والمستجدّ في خمسة أيام. ثم سافر الحاج المصري في يوم الأحد تاسع عشر الشهر وشيّعهم أميرهم الزيني مصطفى الكاشف في ليلة الإثنين ثاني تاريخه. ولم يصبح أحد من الحاج بمكة. وكانت إقامتهم بها عشرين (٢) يومًا. وأقام بعدهم الحاج الشامي حتى

стр. 742

تمت إقامتهم مثل الحاج المصري، ولم تتحرك الأسعار في الأقوات مع خوف أهل البلد من ذلك، وسبيه كون الحاجين نظيفين ومعهم أقواتهم وكفايتهم. وفُرقت الأوقاف الشامية والحلبية في مجلس الأفندي مصطفى الرومي في العشرين من ذي الحجة. واستمر ذلك إلى سفر الحاج الشامي. ووصل المستحقون (١) لتعلّقهم من غير مراصد لهم وذلك لنسابة الأفندي والشيخ مصطفى المنتشوي. جزاهما الله عن أهل الحرمين خيرًا. وفي ضحى يوم السبت ثالث عشري (٢) الشهر اتفق للجمالي محمد بن ناصر الدين الواسطي البزاز بالخان أنّ بعض الأعاجم ادعى عليه عند نواب مصلح الدين الحنفي من الأروام بمبلغ نحو ستمائة أشر في ثمن قماش، فأجاب بأنه وديعة عنده وباع بعضه بخسارة عن رأس ماله والباقي يرده له فأثبت بيعه له وحكم له النائب بتسليم الثمن. ففجر على النائب كفجور أبيه، فأراد تأديبه فهرب منه بالجري من وسط المسجد إلى بيت الأفندي مُستنيبه وخصمه العجمي خلفه. فذكر للقاضي قصته فزجر ابن الواسطي وأمر بالذهاب به إلى منزل الحاج الشامي .... (٣) ويُعمل معه اليسَق العثماني لامتناعه من الحكم الشرعي. فضربه أمير الحاج الشامي في مدرسة الأشرف قايتباي بالمسعى ووضعه في الحديد حتى جاء والده وأهل الخان ودخلوا في ضمانة المال. وفي ليلة الإثنين سابع عشريْ الشهر سافر الحاج الشامي من مكة وهربت (٤) مع بعض جماعة الأروام موطوءة قاضي الحنفية - كان - أبو السرور أحمد بن الضياء

стр. 743

الحبشية المسماة عناية، وكان سيدها أسلم .... (١) لها وادعى أنها أخذت له ثلاثمائة مثقال ذهب بنحو ألف أشرفي ومن الذهب السلطاني أربعمائة بزيادة من الألف وغير ذلك مما يقارب ألفا (٢) وأنكر الناس على سيدها وجود هذا المبلغ عنده وتوجّه في صباح هروبها إلى صاحب مكة السيد أبي نمي وذكر له قصته وقال: إن جارية لجماعة … (٣) أصهار الشريف هي التي أخرجتها، وذُكر لي أنها توجّهت بها إلى محطة الحاج الشامي وتركتها فيه قبل رحيلهم فتحقق سفرها، فأرسل جماعته في طلبها مع ورقة من صاحب مكة السيد أبي نمي فتوجّهوا إليها إلى وادي أبي عروة وفتّشوا ولم يجدوا لها خبرًا. واتفق أنّ مملوكًا لأمير الحاج الشامي هرب على فرس وقت رحيله فافتقده في الوادي وأرسل قاصد الشريف ليحصله فقدّر الله تعالى أنّ المملوك توجّه إلى منى وأقام في بعض بيوتها فرآه بعض أهلها فجاؤوا إلى الشريف وأخبروه بخبره فأرسل إليه جماعة فسكوه وأرسله إلى سيده أمير الحاج، وكان أقام في وادي أبي عروة يومين لأجله، فلما وصل إليه مملوكه رحل من الوادي وأرسل بحارية القاضي أبي السرور إلى الشريف. وكان سيدها توجّه لطلبها الحقيقة وجودها مع الأروام لوصول ورقة من السيد نور الدين الإيجي لولده بذلك وأنّ سيدها يحضر لأخذها فوصلت للشريف في غيبة سيدها فأرسلها لقاضي المالكية التاجي بن يعقوب بصهارته لأخي القاضي أبي السرور، فلم يظهر مع الجارية شيء من الذهب وقالت للشريف والناس إنها لم تأخذ شيئًا من السبائك الذهب المثاقيل وأنها باقية في محلها، وأما الذهب النقد فأخذت منه قليلًا وصرفته على سيّدها لتقلله في نفقته على عياله،

стр. 744

فظهر للناس عدم صحة دعواه، وما حمله على ذلك إلّا كثرة حبه لها. ثم بعد ..... (١) وسيدها بعد ملاقاة الحاج يجلس ويسمع بإرسالها فاجتمع بها وحققت له ما أخذته فصار متحيرا في أمره لما أشاعه عن نفسه. وأنكر العقلاء فعله، وعاقبها بالضرب ثم تركها وعاد لجماعها لحبه لها، فالله تعالى يستر الأحوال في الحال والمآل، بمحمد ﷺ . واتفق في آخر الشهر أنّ صاحب مكة السيد أبا نمي خلع على وزيره الخواجا عبد الرحمن ويدعى عُبيْد ابن المرحوم الخواجا كمال الدين أبي الفضل بن أبي علي المكي خلعة عظيمة وركب فرسًا وتوجّه إلى منزله وقدامه جماعة من صاحب مكة. فلما وصل لمنزله ألبس خلعته للجمالي محمد المدعو البقرة لأجل ولاية حسبة مكة. وكان بذل له فيها بزيادة على الذي قبله النوري علي بن المهتار. شهر عاشوراء المحرم الحرام استهل ناقصًا بالخميس من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٨ م) وفي ليلة السبت سافر الجدة قاضي مكة الأفندي مصلح الدين الرومي لأجل معشر المراكب الهندية وتأخر منها سبعة في المراسي لعدم وجود الريح الأزيب (٢) منها ثلاثة من الديو وخمسة من كاليكوط، وكون جدة ليس بها نائب لأخذ المعشر، وأمْر الدولة الرومية: قاضي مكة يضبط معشرها حتى يحضر نائبها. فجلس في الفرضة عوضه، وأنكر الناس عليه فعله لِنسبته للشريعة المحمدية وموافقته للدولة في هذه القضية واستمر على ذلك حتى وصل نائبها نحو الشهرين. وفي يوم الاثنين ثاني عشر الشهر ولد أبو حامد محمد ابن صاحبنا العلامة

стр. 745

قاضي المسلمين قوام الدين عبد الله ابن القاضي أبي الليث محمد ابن القاضي (١) أبي حامد محمد بن أحمد بن الضياء القرشي (٢) الحنفي. وأمه ابنة بنت خالة أبيه، وكانت جاءت منه بثلاث بنات غير الأسقاط، وله ابن من غيرها وفرح هو وإياها بظهوره. فالله يجعله ولد الحياة ويقرّ عين أبويه به. وعمل له وليمة حسنة. وفي عصر يوم الثلاثاء ثاني تاريخه ماتت ..... (٣) ابنة الشيخ نور الدين علي ابن شيخ الحجبة جمال الدين محمد ابن الشيخ عمر الشيبي. وأمها خاتون ابنة عم أبيها الطيب بن عمر الشيبي. وهي ثيب وكانت تتزوج كثيرًا بالسر، فجهّزت في ليلة الأربعاء وصلّي عليها عند باب الكعبة في صبح تاريخه ودفنت بالمعلاة بتربة سلفها، عفا الله عنها. وفي ضحى يوم الأربعاء رابع عشر الشهر اتفق أنّ شخصًا من الهنود خياطا مرّ في المسعى بقرب باب السلام فوجد شخصا يقال له محمد راجا من جماعة وزير الهند آصف خان ماشيًا على رجله فضربه بسكين في خاصرته حتى سقط إلى الأرض وهرب وسكينه في يده فرآه الناس فمسكه بعض الأتراك من جماعة الشريف وتوجّهوا به إلى حاكم مكة القائد مرشد وتوجّه جماعة الوزير بحمل المقتول على سرير وذهبوا به إلى منزله وفيه الروح وهو يتكلم فأوصى بجهازه للوزير وأنّ له في بلاده أخًا وأنّ بعض [جواريه] (٤) حاملٌ منه، ثم قطب له جراحاته واستمر حيًا إلى بعد الظهر ثم قضى نحبه ومات. فجهّز في يومه ودُفن بعد صلاة العصر تحت الحجون جوار القبب التي هناك، وشيّعه الوزير وجماعته وغيره من الأعيان، وعُملت له ربعة وخُتم له ولابنة الشيبي الماضية في صبح يوم الجمعة بالمعلاة.

стр. 746

واستمر قاتله في السجن عند الحاكم جمعة. وبلغني أنهم توجّهوا به إلى قاضي المالكية الشرفي أبي القاسم المالكي ليأمر بقتله. فقال لهم: أطلقوه من الزنجير وادخلوا به إلى مجلسي حتى أسأله عن حاله، ففعلوا ذلك فسأله عن سبب قتله فاعترف له به وقال: إنه كان يحترش بعيالي في الهند وكذا بمكة، فحملتني الغيرة منه حتى قتلته. وكذبه الناس في قوله لكون خصمه عاقلًا دينًا ملازمًا للعبادة والتلاوة وظاهر عليه الخير حتى خُتم له بالشهادة وأمر القاضي بردّه إلى السجن حتى يحضر ولي المقتول وهو غائب بالهند. وكثر كلام الناس في تأخير قتله خوفًا من سطوة بعضهم على بعض بذلك. وعند الحنفية يُقتل لأجل ذلك سياسة فتوقف الحاكم جمعة ينتظر كلام الوزير معه ليخدمه مال، فلم يُلْقِ له بالًا وقال: أمره راجع إلى الدولة. بل أفحش الناظر على المواريث من جهة الأروام في بيع مخلّف الميت حتى جاريته وهي حاملة من سيّدها. وأنكر الناس ذلك، ونفرت خواطر الهنود من الإقامة بمكة لأجل هذه القضية. وفي صبح يوم الخميس ثاني عشريّ الشهر أمر الحاكم بشنق القاتل على شجرة في البستان الذي بسوق المعلاة وأقام يومًا وليلة، ثم نزل ثاني تاريخه ودفن بالمعلاة وسكن الأمر من القال والقيل بين العامة. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلمي العظيم. وفي ليلة الثلاثاء سابع عشريْ الشهر عقد الشيخ المرتضى الولوي أبو زرعة أحمد بن علي المنوفي شيخ رباط ربيع بزواج ابنته على العدل المرتضى محمد ابن الشيخ علم الدين العباسي الموقع بمصر - كان - بحضرة جماعة من الفقهاء، وباشر ذلك قاضي القضاة الشرفي أبو القاسم المالكي الأنصاري، وعمل خطبة بليغة ترجم فيها والد الزوجة بألقاب حسنة. ثم شرب الحاضرون سكرًا مذابا مع البخور والماورد. وحضرتُ ذلك في منزل والد الزوجة. ودخل الزوج في ليلته وهنّأه الناس

стр. 747

في صباحها وعمل لهم معمولًا ووليمة حسنة. وفي صبح يوم الخميس تاسع عشريْ الشهر عمل وزير الهند آصف لسلطانه الملك بهادر شاه بن مظفرشاه بن محمود شاه الكجراتي وليمة في المدرسة الباسطية أول النهار وآخره، طلب في الأولى الأروام والأعاجم، وفي الثانية بعض العرب من أهل مكة وقضاتها الشافعي البرهاني بن ظهيرة والحنفي أبي السرور بن الضياء المفصولين والمالكي الشرفي أبي القاسم والنجمي محمد بن الزين الحنبلي المتوليين وغيرهم من المشائخ والفقهاء فحضروا الطعام وانصرفوا. وحضر هؤلاء في الليل مولدا جعل له أيضًا بالفتوت والحلوى كما سيأتي ذكره مع فعله غيره. جوزي خيرا وعوضه الله الخير وأخلفه خيرا منه. شهر صفر الخير استهل ناقصًا في ليلة الجمعة من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٨ م) وفي الليلة المذكورة عمل الوزير آصف خان لسلطانه بهادر شاه مولدًا في المدرسة الباسطية حضره قضاة مكة وأعيانها من الفقهاء والفقراء وقرأه الشهابي أحمد القبابي بجماعته وخلع عليه الوزير وعمل للحاضرين حلوى كثيرة، ثم بعد انصرافهم حضر الفقراء العرابية وعملوا ذكرًا في جميع الليلة المذكورة وحضر معهم الوزير وجماعته، وكان مأنوسًا، بالخيرات محروسًا. وفي ظهر يوم الجمعة المذكور صلّى الخطيب محيي الدين العراقي الشافعي على السلطان بهادر شاه ونادى له الرئيس أبو عبد الله على ظلة زمزم بألقاب كثيرة أنكرها السامع له لمبالغته فيها. ثم بعد الصلاة حضر القضاة والفقهاء وغيرهم أمام المدرسة الباسطية في الرواق الشمالي من المسجد وقُرئت عدة ربعات ودُعيَ للسلطان بهادر شاه وللخنكار وصاحب مكة وناظر المسجد الحرام القاضي

стр. 748

مصلح الدين الرومي وبُخّر الحاضرون بالعود الهندي وقسم عليهم الريحان والماورد - على عادة الختم - وسلم الحاضرون على الوزير وتوجّه ببعض الأعيان، ثم إنه قسم مبلغًا على جماعة من المقربين للمولد نحو ثلاثين أشرفيًا وللخطيب أربعين وللرئيس عشرين ولشيخ الفراشين أربعين وللفراشين عشرين وغيرهم مما لا أتحققه. وبلغني أنّ سبب فعل ذلك طلب زوجة السلطان بهادر له مع أخيه، عوضهم الله خيرًا. وفي ليلة الأربعاء سادس الشهر عقد الشيخ أبو زرعة المنوفي على زوجته ابنة الخواجا شمس الدين محمد العصياتي الدمشقي في منزل أبيها بالقرارة. وحضر ذلك قاضي الشافعية البرهاني إبراهيم بن ظهيرة وقاضي المالكية المتولي الشرفي أبو القاسم الأنصاري، وباشر أولهما أول الخطبة وثانيهما آخرها لوجود ولايته. وحصل من ثانيهما مراعاة لأولهما وللزوج. وشرب الحاضرون سكرًا مذابًا مع البخور والماورد. ودخل الزوج في ليلته وهنّأه الناس في صباحها وأقام عند زوجته ثلاثة أيام على عادة الثّيب. وفي صبح الثالث - وهو يوم الجمعة - مات والد الزوجة (١) وكان مريضا وله قصد في زواج ابنته على المذكور لينتفع به في محله. فإنه ترك ابنته ولها ولدان كبيران (٢) وأخ غائب له بالشام، وخشي من الدولة بعد الإيصاء وتمليك ابنته الموجودة وأولاد بَناتِه الموتى جميع أملاكه من مدة في حياته. فجهّزه صهره في يومه وصلّي عليه ظهر تاريخه ودفن بالمعلاة، ﵀. وعمل له ربعة وختما (٣) حضرها الناس لأجل صهره. وفي هذا الشهر تواترت الأخبار بوصول المراكب والعسكر المجهّزين من

стр. 749

الأبواب الخنكارية الرومية إلى البلاد الهندية لغزو الفرنج المخذولين، أعداء الله والمسلمين. ثم وصل لأجل ذلك قاصد لصاحب مكة السيد أبي نمي الحسني من نائب الديار المصرية مقدم العسكر المنصور سليمان باشا الخصي وإعلامه بأنّ المراسيم الخنكارية أمرتْ بسفر المراكب والعسكر في عاشر المحرم وأنهم يتجهّزون إلى جزيرة كمران (١) ويدخل الباشا لمكة للزيارة والوقوف بالمشاعر الشريفة والدعاء بها لطلب النصرة على الأعداء المخذولين. فاهتم صاحب مكة لملاقاة الباشا وشرع في تحصيل هدية، فجمع كثيرًا من العسل والسمن والغنم نحو الألفين وغير ذلك من المأكولات من التحف تنتظره كل وقت وهو مقيم بوادي الدكناء، أحد أودية وادي مر. فجاءه الخبر بغتة وهو بمكة لكونه وصلها لبعض غرضه في ليلة الجمعة خامس عشر الشهر مع رأس المباشرين بجدة الجمالي محمد بن أحمد المريسي وقال له: إن الباشا دخلها في ضحى يوم الخميس أمس تاريخه وصحْبته من المراكب والأغربة نحو ستين قطعة. فاضطربت البلاد، وارتجّ العباد، وكثرت القالات والمقالات خصوصًا وأشيع أنّ الباشا قتل الأمير جانم الحمزاوي أوحد الخواص، والمقدم على أهل القصاص، والمدبّر للمملكة المصرية، بحسب (٢) السياسة المرضية ومعه ولده أمير الحاج - كان - الجمالي يوسف. فنفر خاطر الشريف، وغيره من كل طريف، فصار بعضهم يصدّق الخبر وبعضهم يكذبه حتى تحقق أمره. ثم إن السيد أبا نمي جزم بإرسال أكبر أولاده السيد أحمد مع بعض جماعته وغيرهم من عوام مكة أهل الحارات والبدن (٣) لأجل ملاقاة الباشا بجدة. وتوجّه الشريف أبو نمي إلى الوادي لتجهيز هدية له من الأطعمة

стр. 750

وغيرها. فعُملتْ الحلوى بمكة وجهّزت مع الأغنام والسمن والعسل والفاكهة - يقال على ثلاثين جملًا - في يوم السبت سادس عشر الشهر. واتفق أنّ السيد أحمد بن أبي نمي واجه الباشا وطلع له إلى مركبه مع السيد عرار بن عجل والجمال محمد المريسي وبعض أكابر القواد نحو العشرة وجلس بقية جماعته في مرسى أبي صريف من جهة الشام. فأكرمه الباشا بالقيام له عند قدومه وذهابه وغيرها، وسأله عن أبيه وطلب الدعاء منه وأخبر أنه لم يقتل الحمزاوي إلّا بأمر خنكاري. ثم خلع على السيد أحمد والسيد عرار بن عجل والجمال المريسي ونزلوا من عنده وهم مسرورون منجبرون. ولم ينزل الباشا من مركبه حفظًا لعسكره ولم يُحدثْ شيئًا من الأمور، فحصل للناس بذلك السرور، ولكنه أمر بطلب الماء والحطب، فحصل له من جماعة الشريف ما أحب، ونُجلتْ له الصهاريج التي هي داخل جدة وخارجها. واجتمع به الخواجا الحيجري (١) صهر قبطان الفرنج وسأله عن حالهم وتخت ملكهم فقال له: بلاد قوة - بضم القاف - وسأله عن مصاهرته له. وأشاع الناس قتله له ومسْك بعض التجار، فلم يصح شيء (٢) من ذلك بل أطلقه. وتيسر الطيب فأمر الباشا بسفر المراكب جميعها وهي نحو التسعين - بتقديم المثناة - ويقال زيادة على المائة وفيها من العسكر ما لا (٣) يعلمه إلا الله. وذلك في ضحى يوم الإثنين ثامن عشر الشهر. وكانت إقامته في بندر جدة خمسة أيام، ولم تصل للباشا هدية الشريف من الأطعمة وغيرها. ويقال إنه رسم له بستمائة ألف أشرفي ذهبًا عن أربعة وعشرين ألفًا معاملةَ تاريخِهِ، ولم أتحقق ذلك. وعُدّ

стр. 751

سرعة سفر الباشا من سعد صاحب مكة. وقد حبسه عن دخولها حابس الفيل، والله الحمد. ثم أخبرني بعض جماعة الشريف صاحب مكة أنه لم يعط الباشا شيئًا من النقد وأنه باع هديته من الكباش والسمن والعسل والفاكهة في بندر جدة بأحسن الأثمان وربح فيها أكثر من شرائها لغلو الأسعار بها. وأما مكة فطلع السعر بها أيضًا حتى بيعت الكيلة الحب بكبير وعثماني تستقيم (١) الإردب - وهو نصف غرارة - بخمسة عشر أشرفيًا والمنّ السمن بستين كبيرًا كل رطل بكبيريْن والعسل عشرة أرطال بخمسة وعشرين كبيرًا واللحم رطل وربع بكبير، وكثُر بعد سفر الباشا حتى بلغ كل ثلاثة أرطال بكبير، وتواترت الفواكه من الحجاز كالخوخ والعنب والتوت. وابتهج الغرباء بها لكثرة فلوسهم وتضَيّق أهل البلد لقلة وجود الدراهم وغلو الأقوات. والأمر الله تعالى. ثم إن الشريف أبا نمي صاحب مكة دخل الجدة وأقام في الفرضة وهرع الأعيان للسلام عليه ثم إنه عزل رأس المباشرين بها الجمالي الظفاري وولى عوضه الشرفي يحيى بن سبيع بن راجح الحفيصي (٢) لوعده له مشاركة الجمالي محمد بن أحمد المريسي ليطلع (٣) على حاله. وكان خدمَهُ في موسم الحاج بمبلغ خمسة آلاف أشر في فتركه إلى الآن حسيبها (٤). وكان فعل ذلك عند توجّهه لجهة الشرق فغاب فيه مدة أيام ثم عاد إلى جدة. وفي آخر ليلة الخميس ثامن عشر الشهر مات الشيخ العلامة بقية السلف الصالح أبو الحسن علي بن عمر الطواشي فجهّز في يومه وصلّي عليه بعد صلاة

стр. 752

العصر عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة عند والده بالشعب الأقصى بالمعلاة عند المشائخ الفضيل بن عياض وعبد الله بن أسعد اليافعي وغيرهم. وكان له مشهد عظيم، رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين. وخلّف ولده وأخاه، نفع الله به وبسَلفه. وفي آخر هذا الشهر عمّرَ الشيخ موسى الرومي دكة لطيفة أمام مسكنه بالمدرسة الشرابية جوار باب السلام، فأنكرها عليه الخاص والعام لكونه تصرف في حدوثها بأمره ولم يشاور الناظر في فعله. ثم توجّه محيي الدين العراقي وإمام الشافعية أبو الخير الطبري لكونهما واجهاه بالإنكار عليه، فصار يحطّ عليهما وعلى العرب بكلام كثير. ثم إن بعض الناس جاء في الليل وهدمها. فكثر منه الكلام، بما لم يفده إلّا الملام، ثم أعادها، والله أعلم بفعله فيها. شهر ربيع الأول استهل كاملًا بالأحد من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٨ م) في (١) صباح أوله ابتدأ الأروام في قراءة سورة الأنعام بالحطيم الشريف تجاه الكعبة الشريفة لأجل الدعاء لنصرة عسكر الخنكار والباشا سليمان الخصي نائب الديار المصرية عند توجّهه لغزو الفرنج المخذولين في الهند. وقرر في قراءتها قاضي مكة مصلح الدين الرومي الحنفي كثيرًا من الأروام ونحو ثلث الأربعين من العرب وأسقط كثيرًا ممن كان مقررًا في قراءتها من مدة خمس عشرة [سنة] (٢) منهم كاتِبُه ومَن ليس له وظيفة في الحرم، وأثبت بعض أهل الوظائف من القاضيين المتوليين المالكي والحنبلي واثنان من أئمة الشافعية وواحد من أئمة الحنفية وغيرهم

стр. 753

نحو الخمسة عشر والباقي أروام وشيخ حضور قاضي العسكر الرميلي - كان - واسع جلبي الرومي الحنفي. وانكسر خاطر العرب من ذلك. فالله تعالى يجبر خاطرهم وينظر إليهم برحمته واستمر قاضي العسكر يحضر حتى وصل قاضي البلد من جدة في آخر الشهر كما سيأتي. وفي (١) عشاء ليلة الأربعاء رابع الشهر وَلدتْ ابنتي سيدة الكل ابنتها المسماة زينب - كأمها - من ابن عمها الوجيهي عبد الرحمن ابن شقيقي عبد القادر بن فهد وهو مغاضب لها كأبيه لي مدة غالب حملها وهي في منزلي وقْف والدي، وأنا محتسب عليهم بالله في أفعالهم وأطلب من الله الفراق، والخلاص منهم قبل يوم التلاق، لعدم تدبيرهم معي واستباحتهم لعرضي ومالي ودمي. فقمتُ بواجبها وجبرتُ بخاطرها وعملتُ لها زلابية وعسلًا وفرّقتها على الجيران وأهلها ثم عملتُ لها عقيقة في يوم سابعها، وانجبر بذلك خاطرها لفقر زوجها وأبيه وعدم توفيقهما كما يعلمه الله وكل وجيه. فأسأل الله تعالى أن يخلف عليّ بخير، ويدفع عني كل شر وضير، بمحمد وآله أمين. وفي يوم الخميس خامس الشهر ماتت مستولدة الزيني مكارم ابن الشيخ فَضل بن عبد القوي الحبشية أم ابنته ستيتة وصلّي عليها عصر تاريخه ودفنت بالمعلاة في تربة سلف سيّدها. وخلفت بنتيها (٢) عند أخت سيدها وزوجها البدري حسن بن موفق عتيق أم سيدها، ونازع في مخلفها … (٣) سيدها الوجيهي عبد الرحمن بن عمر بن إدريس بن عبد القوي، فأثبت الزوج عتقه بشهادتي والقاضي برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر المرشدي عند قاضي المالكية الشرفي أبي القاسم الأنصاري. فللزوج الربع ولبنتيها

стр. 754

الثلثان والباقي صولح العاصب عنه لكونها أشهدت لبنتيسها (١) بما ورثتْه من سيّدها لكونه أعتقها وتزوج بها. وفي يوم الثلاثاء سادس عشر الشهر عمل الوزير الأعظم آصف خان - عظم الله له الشأن - وليمة عظيمة لأصحابه من العرب والعجم في بركة ماجن أسفل مكة عمل فيها أطعمة مفتخرة وفواكه بكثرة وجمع بين الأضداد من أصحاب الوظائف كالخطيبين وإمامي الحنفية العربي والرومي وغيرهم، وأكرم كلًا منهم بما يناسبه مع اللطافة والكياسة والرئاسة. وكنتُ معهم كثر الله من أمثاله، وأدام عليه جزيل أفضاله. وفي ليلة الجمعة عشريْ الشهر وصل لمكة من جدة الأفندي قاضي الحنفية مصلح الدين مصطفى الرومي وتوجّه الأعيان للسلام عليه. وفي ليلة الأحد ثاني عشر الشهر دخل الفاضل الأصيل الزيني أبو البقاء ابن الشيخ شهاب الدين أحمد بن الجمال المصري الأنصاري على زوجته ابنة الشيخ جمال الدين محمد الشاذلي ابن عمة أبيه. وهنأه الناس في صباحها وعمل لهم وليمة حسنة بأطعمة مفتخرة مع المعمول والطيب وغير ذلك. ثم في يوم السابع مولدا. جعله الله مباركًا ووفق بينهما. وفي يوم الإثنين ثالث عشريْ الشهر فرق الأفندي مصلح الدين قاضي مكة وأمين القبطان خير الدين الرومي المبرّة التي أرسلها القبطان لأهل مكة من النقد، وأعطى لكل قاض .... (٢) ولبعض الفقهاء .... (٣) وجعل وسط الكعبة الشريفة قنديلًا من ذهب مع سلسلة فضة وأدخله شيخ الحجبة الشيخ أبو القاسم الشيبي بحضرة الأمين والقاضي. وباشر القاضي مصلح الدين بطْح المسجد الحرام بالبطحاء الحسنة

стр. 755

ونظف العتبة المجاورة له لأجل مجرى السيل منها بمبلغ كثير وصل من الروم. جزاهم الله خيرًا. شهر ربيع الثاني استهل ناقصًا بالإثنين من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٨ م) في يوم الثلاثاء ثاني الشهر عمل الوزير العظيم والخان الكريم عز الدين آصف خان - عظّم الله له الشأن - ضيافة في بركة الماجن أسفل مكة لبعض الأروام وغيرهم من الفقهاء والعلماء الأعلام بقصد الأولين هما قاضي العسكر الرميلي - كان - واسع جلبي وقاضي مكة الأفندي مصلح الدين ونوابه من الحنفية الأروام وقاضي المالكية الشرفي أبي القاسم الأنصاري وغيره من العرب والعجم. وقدم لهم كثيرًا من الأطعمة المفتخرة والحلويات والفاكهة ثم دل على عظمته ورئاسته وجلالته ويُظهر الكرامة لهم وحضرتُ ذلك، ورأيتُ منه أحسن المسالك زاده الله من الخيرات. وفي ليلة الأربعاء ثالث الشهر مات جارنا الخواجا المعمر الأصيل جلال الدين أحمد بن … (١) القاهري ثم المكي الشهير بالقرشي وعمره نحو تسعين سنة بعد أن قَلّتْ حركته وضعفت بُنْيته وثقل سمعه وكلّ منه أهل مكة، فجهّزه ولده في ليلة تاريخه وصلّي عليه في صباحها وشيّعه جماعة ودفن بالمعلاة بالشعب الأقصى وسط تربة الشيخ شرف الدين المجذوب لكونه أعدّ موضعًا لقبره في فسقية بنى ولده عليها قبّة. وعمل له ربعة بالمعلاة وختمًا وتهليلة ومولدًا في الليل للفقراء وغيرهم، ومدّ لهم حلوى وقهوة وبُنًّا وطيبًا وغير ذلك. وخلّف ثلاث بنات مزوّجات وذكرا أصغر منهن وُلد في المنزل الذي بجوارنا

стр. 756

في سنة عشرين وتسعمائة ونشأ نشأة حسنة مع السكون والبركة .... (١) بأبويه، أحسن الله إليه. وترك والدهم عدة بيوت بمكة وجدة ونقدًا يقال أزيد من عشرة آلاف أشرفي اقتسموها بطيبة نفس من غير نزاع. بارك الله فيهم ورحم أموات المسلمين وكثر من الصالحين. وفي ليلة الخميس رابع الشهر مات الشريف زهير ابن السيد حميضة بن محمد بن بركات الحسني وهو أكبر أولاد أبيه وأعقلهم (٢) وصلّي عليه ضحى تاريخه عند باب الكعبة وشيّعه خلق من الأعيان وغيرهم ودفن في قبة جده سلطان مكة السيد محمد على قبر عمّه السيد قايتباي رحمة الله عليهم ولم يعمل له والده ربعة إلّا في عصر ثاني تاريخه في المسجد والمعلاة. وفي صبح يوم الأحد رابع تاريخه عمل له ذلك لملازمة زوجته الشريفة حماطة ابنة صاحب مكة السيد بركات الحسني، وله منها أولاد ذكور وإناث، رحمه الله تعالى. وفي عصر يوم الجمعة أسكنت .... (٣) الحبشية موطوءة القاضي جلال الدين محمد بن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة القرشي أم أولاده (٤) وكانت طيّبة وقت صلاة الجمعة. وجامعها سيّدها فتحركت عليها دموية وجاء الحكيم فوجدها قضت من ساعتها فجأة، فجهّزت في ليلتها ودفنت صبح تاريخه بتربة سلف سيدها بالمعلاة، وحزن سيدها عليها. وفي يوم الأحد ثاني تاريخه فرق الأفندي مصلح الدين قاضي مكة تفرقة ثانية يقال للباشا سليمان على أهل مكة للفقهاء وغيرهم من أهل البلد والغرباء.

стр. 757

وفي يوم الثلاثاء وقع بمكة مطر ببَرَد، به الغيث والنفع، ولله الحمد. شهر جماد الأول استهل كاملًا بالجمعة من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٨ م) وفي يوم الأربعاء سادس الشهر ادُّعِيَ على شخص شامي يقال له حسن بندره (١) بأنه سب الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ عند قاضي مكة الأفندي مصلح الدين مصطفى الرومي الحنفي فأنكر ذلك. وجاء الشهود إلى القاضي واختلفوا في أداء الشهادة من لفظ اللسان، فبعضهم قال عنه إنّ جبريل ﵇ غلط في إنزال الوحي على النبي محمد ﷺ ، وإنما كان الوحي لعلي ﵁ وهو مذهب الغرابية (٢) - لعنهم الله تعالى - وطلب النقل منهم فأروه أنّ سبّ الشيخين يكفّر ولم يروا التصريح بعدم توبته واستتابته. وبلغنا أنّ القاضي قال: يُعزّر ويُستتاب، وأنّ ذلك منقول (٣)، فلم يوافقه علماء مذهبه على ذلك، وكثُر كلام الناس في عمل مصلحته. ثم في ضحى يوم الجمعة ثامن الشهر أمر بكشف رأس السّابّ للشيخين والنداء عليه في المسعى "هذا جزاء مَن سبّ الشيخين" وشقّ (٤) جماعته به من منزل القاضي إلى المروة وعادوا به إليه وأطلقه. فكثُرتْ القالات في ذلك، والأمر إلى الله تعالى. وفي صبح يوم الأحد عاشر الشهر وصل لمكة شخص رشيدي أو مغربي كان سرق دراهم قاصد القبطان خير الدين الرومي بصدقته لأهل مكة في عام تاريخه وهو

стр. 758

نحو عشرة آلاف أشرفي بمعاملة عبيده وتوجّه إلى البر وقسم المبلغ على العبيد وأخذ غالبه، وصار مختفيًا في البرية ينتقل من جهة الشرق إلى اليمن والشام. واتهم جماعة مكة الشريف أبا (١) نمي به وبأخذ المال منه حتى يُظهر براءتهم بوجود بعض العبيد في البرية ومعه حصته. ثم هذا الخائن بعد غيبته نحو الشهرين في البرية وهو ينتقل من جهة إلى أخرى حتى ظفر به جماعة الشريف صاحب مكة في عسفان من جهة البحر، وكان اشترى جملًا من بعض العرب ليرحل عليه، فأذله الله تعالى وجبره حتى مسكه حاكم جدة وأرسل به إلى مكة لقاضيها الرومي. فحضر بين يديه مع خصمه صاحب المال فخاصمه وادّعى أنّ الذي أخذه مال نفسه واحتال على أخذه بعبيده لظلمه له وأخذه منه. وفجر على خصمه وقال: أتوجّه أنا وإياه إلى الأبواب الخنكارية وقرابتي القبطان ابن حامد المغربي في أمره، ولم يَظهر شيء من خبره. وعجب العرب من قضيته أشد من الحكومة الماضية. ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم. وفي ضحى يوم الثلاثاء ثاني عشر الشهر ماتت الأصيلة المعمّرة أم فاطمة زينب ابنة شيخنا الخطيب البليغ محب الدين أحمد بن أبي القاسم العقيلي النويري المكية بعد توعّكها مدة أيام بالإسهال بعد خصام ابْنَتِها لها ووُصولها إلى الروم ولم يفصل بينهما لدعوى ابنتها بوضع يدها على مخلف أبيها وادعت .... (٢) عليها وأوقف ما يتعلق بها من أملاكها على نفسها وابنتها وأولادها من بعدها. وأرادت ابنتها رفع يدها على وقفها من أملاكها. فتركت الجميع واندرجت إلى رحمة الله. فجهّزت في يومها وصلّي عليها عصر تاريخه عند باب الكعبة ودُفنت بالمعلاة على أمها في تربة سلفها. وأوصت بعدم تخلف شيء لها وأنها فقيرة، حرمانًا

стр. 759

لعاصبها. فالله تعالى يعفو عنها ويرحمها وإيانا. وكانت بلغت من العمر نحو ثمانين سنة. وفي ليلة الخميس رابع عشر الشهر كسف القمر عند أذان العشاء. وأخرت صلاة الفريضة وصلّى النافلة للكسوف الخطيب محيي الدين العراقي. شهر رمضان المعظم قدره استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٩ م) واشتد القحط فيه بمكة. وفي صبح ثانيه قنَتَ إمام الشافعية الخيري أبو الخير محمد ابن الإمام أبي السعادات الطبري المكي، واختلف العامة في متابعته ومخالفته لعدم الفهم لذلك، واستمر القنوت نحو نصف شهر كما سيأتي. وبيعت الربعية الحب المصرية بكبيرين وعثماني عنها ربع دينار ولا زال السعر يزيد لقلة الواصل من البحر حتى وصلتْ الكيلة المصرية لثلاثة كبار واللقيمية بأربعة والشعير بكبيرين والأرز بأربعة كبار والدخن والذرة لم يوجدا وعُدمت الحبوب من الأسواق حتى أكل كثير من الناس الفول وبلغت الكيلة بكبير وزيادة، ولولا وصول الحب من جهة الحجاز وكيله لزادت الأسعار عن ذلك مع كثرة اللحم والسمن والتمر. فسعر اللحم رطل وربع بكبير والسمن الرطل بكبيرين والتمر رطلان (١) بكبير. واستمر الحال كذلك حتى أغاثهم الله تعالى في نصف الشهر بحصول غيث بمكة وأعمالها وسالت السيول بها، ووصل الخبر لمكة بوصول جلاب من القصير والسويس مشحونة بالحب، فانحلت الأسعار في العشر الأخير من شهر رمضان حتى بيعت الكيلة المصرية بكبير وعثماني عنها نحو سدس دينار. فالله

стр. 760

يرخّص أسعار المسلمين بجاه سيد المرسلين. وفي ضحى يوم الخميس سادس عشر الشهر مات الأصيل الأوحد المحيوي عبد القادر ابن الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد الحرازي المكي الحنفي، وجهّز في يومه وصلّي عليه عصر تاريخه عند باب الكعبة ودفن بالمعلاة في تربة سلفه بفم شعب النور. وبلغ عمره نحو الستين سنة، وخلّف زوجة حبشية أعتقها وتزوج بها وأختًا من أبيه وعصبة بني عمه، ﵀ وإيانا. وفي مغرب تاريخه وصل قاصد من جهة اليمن أرسله مقدم العسكر المنصور الباشا سليمان الرومي الخصي يُخبر بخبر وصوله من الهند إلى جزيرة كمران جهة اليمن ويطلب خيلًا من صاحب مكة السيد الشريف أبي نمي محمد بن بركات الحسني يقال نحو المائتين. وكان الشريف أبا نمى وصل لمكة في ثالث الشهر ليلًا فودع الكعبة الشريفة وطاف وتوجّه إلى جهة اليمن فلاقاه القاصد في طريقه ثم توجّه لجدة لنائبها الأمير عبد .... (١) العجمي بمكاتبة من الباشا. واختلفت الأقوال في خبره وتحقيق أمره مع الفرنج المخذولين الذين في الديو من بلاد الهند هل حاربهم وانتصر عليهم أو هربوا منه؟ وأنّ الديو دخلها أو بعض البنادر حولها؟ وجاءه مقدمها الأمير صفر الرومي فخلع عليه عدة خلع وأمره بحفظ بلاده حتى يعود لأخذ بلاد اليمن ويحج عام تاريخه ويرجع إلى الهند لحرب الفرنج المخذولين ويحفظ باب المندب من هجومهم عليه. ويرسل بخبره للخنكار ويطلب المدد منه بالعساكر والقوت. وأنه أرسل لصاحب زبيد الناخوذة أحمد يطلب مواجهته، فأرسل إليه يعرّفه أنّ عسكر الأروام الذين معه منعوه من ذلك، وهو مهتم بملاقاته من البر بخيل ورجل. فالله تعالى يلطف بالمسلمين ويقدر لهم خيرًا بجاه سيد المرسلين.

стр. 761

وفي صبح يوم الأربعاء عشري رمضان مات قاضي العسكر الرميلي - كان - المدعو واسع جلبي واسمه عبد الواسع بن .... (١) العجمي الأصل الرومي الحنفي، فجهّزه قاضي البلد في ظهر تاريخه وصلّي عليه عقب صلاة الظهر وشيّعه جماعة من الأروام وبعض العرب إلى المعلاة ودفن في قارعة الطريق أمام تربة ابن سفيان الشامي في الشعب الأقصى بعد أن أوصى لبعض الأروام. ولم يظهر له نقد، وقال: إنه عمّر بها رباطًا بمكة في جهة زقاق الشرابي بسويقة الشامي ولم يتم تبييضه وأسكن بعضه. وختم أمين الترك الرومي على مخلّفه، بل باع ملكه من الأثاث والملبوس وانفرد بذلك عن جماعة صاحب مكة وعارضوه في البيع ومنعوه حتى يراجع صاحب السنجق في أمره فلم يترك. وكثرت القالات في الميت وفي عقيدته لإثارة بعض الفتن منها: أمر الخطيب المغربي بتقدمة أهل البيت في الخطبة على العشرة المشهود لهم بالجنة. فعمل ذلك بعض الجُمَع ثم تركها لإنكار الناس عليه. وكذلك تقدمة الخطيب في صلاة العيد على مذهب الإمام أبي حنيفة فحصل الخبط من العامة، كما تقدم في السنة قبلها. ثم منع الخطيب الشافعي المحيوي العراقي من لبْس السواد في الخطبة على العادة القديمة بمكة. وغير ذلك مما اختصرت ذكره وفي شهر تاريخه عُملتْ الختومات بالمسجد الحرام على العادة القديمة للمصلين للتراويح من الأبناء وغيرهم من أصحاب المقامات على المذاهب الأربعة ما عدا مقام الحنفية لترك ذلك إمامهم الرومي المتجدد في العام الماضي لعدم تكليفه بثمن الشمع وخدمة الفراشين، وفُعِل ذلك في العام الماضي لكون إمامهم السيد محمد البخاري كان غائبًا في الروم. وكان ختم مقام الشافعي في ليلة الخميس حادي عشريْ الشهر. وختم الحنبلي في سابع عشريه. وختم المالكي في تاسع عشريه، واحتفل قاضي المالكية المفصول

стр. 762

التاجي عبد الوهاب ابن شيخنا قاضي الحرمين النجمي محمد بن يعقوب بختم مقام الحنبلي والمالكي لكونه وصيّ المصلّي في أولهما ابن الخواجا أحمد بن الحسين القاري، والمصلّي في ثانيهما ابن أخته سيدة الكل من القاضي نجم الدين محمد بن المعلم الشيخ خير الدين أبي الخير بن جبريل العزي، وهو صهر الوزير الأعظم آصف خان الهندي على أخته في عام تاريخه. وعمل لكل منهما زفة من بيته إلى المقام في أول الشهر وليلة الختم بالمفرعات والفوانيس ومشى القضاة المفصولون (١) والفقهاء والتجار وغيرهم معها. وخطب ابن أخته ليلة الختم على منبر الوعاظ خطبة لطيفة، أداها بسكون ومعان ظريفة، جبره الله تعالى وجمع شمله بأبيه وجعل لكل من الولدين في منزلهما حلوى للمتوجّهين معهما لمحلهما. فالله تعالى يجعل ذلك مباركًا على أهلهما وجميع المسلمين آمين. وفي عصر يوم الأربعاء تاسع عشريْ الشهر طلع إلى جبل أبي قبيس قاضي مكة الحنفي الأفندي مصلح الدين مصطفى بن إدريس الرومي ورافقه بطلبهم نائباه المالكي الشرفي أبو القاسم الأنصاري والحنبلي النجمي محمد بن أبي البركات الزين وجماعة من الفقهاء والشهود وغيرهم لأجل رؤية الهلال فصلّي المغرب علو الجبل وترايا (٢) الجماعة للهلال زمانًا طويلًا فرآه جماعة نحو خمسة عشر نفسًا، فطلب أداؤهم عند القاضي فأدى منهم سبعة هم إمام الشافعية محمد الغزاوي وابن خالته السراجي عمر الحرازي وابن خاله القاضي الحنبلي الشرفي أبو القاسم الزين والعدل الجمالي محمد بن الشرف قاسم الشاهد ومحمد التكروري وقّاد الحرم الشريف وروميان. وتوقف جماعة عن الأداء كإمام الحنفية السيد محمد البخاري والشيخان

стр. 763

مصطفى الرومي أحد أخصاء القاضي والولوي أبو زرعة المنوفي والزيني جعفر الخولاني وغيرهم فلم يقبل القاضي شهود .... (١) مع عدالتهم، لكون مذهبه يشترط في رؤية العيد جمعًا لا يمكن تواطؤهم على الكذب نحو الخمسين ودونها إلى العشرين، إلّا أن يكون في السماء علة من غيم أو ضباب فكان كذلك. فنزل القاضي من الجبل إلى المسجد الحرام وصلّى فيه ركعتين وقال بعض جماعته: مَن رأى الهلال فليتقدم للشهادة، فلم يتقدم أحد فصار القاضي المالكي يعرض المستنيبه بأن مذهبه ومذهب الشافعي يثبت بشاهدين ممن أدى عنده، فلم يصغ لقوله وأراد الانصراف من المجلس بلا ثبوت الشهر. وكاد (٢) يقع الاضطراب والقالات في القاضي، فحينئذ قال بعض الحاضرين له: لأي شيء ما تقبلون هؤلاء الشهود السبعة مع وجود العلة في السماء؟ فقال: مَن يشهد بوجودها؟ فشهد بها جماعة ممن شاهد وهو الضباب وحمرة الشفق عند مطلعه. فحينئذ أثبته وكبّر الرئيس يزمزم والزمازمة وغيرهم في مجلس القاضي. وحصل بذلك السرور الجيران بلد الله الأمين وسلم الجماعة على القاضي وانصرفوا من المسجد، ولم يجعل لهم القاضي طعامًا للإفطار كعادة من تقدمه، وأنكر عليه فعله. شهر شوال المبارك استهل ناقصًا بالخميس من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٩ م) وفي صبحه صلّى بالناس العيد الخطيب محيي الدين عبد القادر العراقي الشافعي على قاعدة مذهبه وأمن العامة من الخبط في الصلاة لتقدمة التكبير على القراءة كما ألفوه خلاف السنة الماضية، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.

стр. 764

وكان القاضي الرومي طلب الخطابة للخطيب الحنفي فراجعه الخطيب العراقي وقال له: تكون سنة لي وسنة لشريكي، على ما جرت به العادة في ذلك، فوافقه والله الحمد. وفي شهر تاريخه حدث بمكة وجدة وبعض أعمالهما قتل جماعة غيلة بغير وجه شرعي لكثرة الفساد، وطغى الجهّال من العباد. منها في ضحى يوم الخميس ثامن الشهر طالب الشهابي أحمد [بن] (١) النوري علي بن فخر الدين المالكي الماهر في لعب الشطرنج على وجهين غيبة وحضورا وانفراده بذلك في زمانه، شخصًا قوّاسا يقال له أبو بكر النابلسي أحد خدام الشريف حميضة ابن السيد محمد بن بركات صاحب مكة - كان - وعم صاحبها الآن في مخلّفه - صار - رفعها له لكراء جمل من جدة لمكة وترك جمله بجدة فمنعه من إعطائه استحقاقه فطلبه (٢) بمجلس الشرع الشريف، فامتنع من التوجّه معه على رؤوس الأشهاد بالمسعى الشريف قبالة باب السلام عند الصيارف، فلطمه القواس على وجهه فمسكه ابن فخر الدين من لَبّتِه فوصل لذقنه، وهي كبيرة، فاستعظم ذلك القواس فسلّ جنبيته وضربه بها على جنبه الأيسر تحت رقبته حتى وصل لمقْتلته، فخرج من ساعته وهرب الضارب له، فصاح المضروب: يا مسلمين قتلني، وسكت من وقته بعد سقوطه إلى الأرض وطلعت روحه. فجيء له بسرير وحُمل عليه إلى منزله ثم توجّهوا به إلى منزل القاضي الرومي وأروه له وجهّز من ساعته في منزله وصلّي [عليه] (٣) بعد صلاة عصر تاريخه وشيّعه خلق من الناس وهم يترحمون عليه وينكرون على قاتله، ودفن بتربة أهله قريب درب المعلاة. وخلّف أمه وولدًا صغيرًا وجارية تركية حاملة منه، رحمه الله تعالى وجبَرهم.

стр. 765

ثم إن حاكم مكة القائد مرشد الحسني بلغه خبر القواس وأنه توجّه إلى سوق الليل ونزل على الواسعة ثم أجياد وتوجّه إلى بعض أولاد أستاذه الشريف حميضة فأمره بالخروج من مكة فتوجّه إلى جهة درب اليمن فقصده الحاكم بجماعة حتى لحقوه وقبضوا عليه وكتّفوه وتوجّهوا به إلى القاضي الرومي فسأله عن قتله فقال: لا أعلم، فقال القاضي: توجّهوا به إلى السجن، فقال الحاكم: هذا أمر راجع إلى السياسة وإلّا قتل الناس بعضهم بعضًا. فتوجّه به إلى جهة المدّعى وشنقه هناك. وما نزل الناس من جنازة المقتول وقت غروب الشمس إلّا وجدوا القاتل مشنوقًا. فحمد الناس ذلك وشكروا القائد على فعله، وانطفأت الفتنة والقالات بينهم، ولله الحمد والمنّة. وحدث في جمعة تاريخه بجدة أنّ بعض التجار من الأعاجم يقال له شمس الدين البقال .... (١) بعض العبيد من بني حسن فضربه بجنبيته حتى وقع إلى الأرض وحُمل إلى منزله وهرب ضاربه ولم يعلم خبره لكونه في الليل، وتحدث الناس بتلاف العجمي، ثم طب نفسه وطال مرضه وعاد لمكة وهو مريض وتخلف عن الحج ثم مات بعد ذلك بها ودفن بالمعلاة. وخلّف ولدًا صغيرًا من جارية بيضاء وغيرها. وقتل في … (٢) بعض الأروام شخصًا وقيل أهله قاتله. وفي مغرب ليلة الأحد ثامن عشر الشهر تحادث جماعة من الأعاجم في المدرسة الكلبرجية المجاورة لباب الصفا - أحد أبواب المسجد الحرام - منهم ملا عارف والشيخ أبو المعين السمرقندي مع شخص يقال له حسين الاسترابادي (٣) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (٤) فقالوا: نزلت في عمر بن الخطاب ﵁

стр. 766

وأظهر بُغْضه مع الصديق ﵁ وأنّ الأئمة الأربعة على ضلال لاختلافهم في الفروع، وأنّ مذهب الشيعة وما ورد عنه ﷺ في أنّ أمته تفترق ثلاثًا وسبعين فرقة واحدة منها الناجية وهم الشيعة، قبّحهم الله تعالى وقبّحه. فأنكر كثير من الأعاجم عليه قوله وتوجّهوا به إلى منزل القاضي الرومي الأفندي مصلح الدين مصطفى الحنفي وادعوا عليه فيما ذكره فأنكر قوله الأول وقال: إنما قلتُ إن قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (١) يعني النساء في الصوم نزلت في عمر. فشهد عليه جماعة نحو العشرة بقوله الأول فاعترف به وقال له: القاضي: أبك جنون؟ فقال: لا، هذا مذهبي وهو مذهب الشيعة. فأمر القاضي بسجنه وطلب من القائد محمد بن عقبة نائب الحاكم مرشد بالتوجّه به إلى السجن. فكثر كلام العامة من الأعاجم والأروام وبعض أهل مكة وقالوا للقاضي: تطلب تأخذ الرشوة منه كما أخذتَها من الرافضي الأول وتطلقه. وكثر الصياح والعياط على باب القاضي بالمدرسة العينية المعروفة قديمًا بالمجاهدية جوار المسجد وقت صلاة المغرب، فخرج به القائد محمد بن عقبة على باب القاضي فتهدده العامة بالرجم فتركه وفرّ ناجيًا بنفسه ودخل المسجد الحرام، فسطا بعض الأروام وضرب العجمي بخنجر على رقبته وآخر بسكين فسقط إلى الأرض فرجمه العامة قريبًا من باب القاضي. فأغلق القاضي بابه وحمى نفسه منهم وأطلق العامة النار على المقتول وأحرقوه وصارت النار تشتعل جانبًا من الليل. فلمّا تخلى الناس وهدأ الرجل يقال إن قاضي المالكية التاجي بن يعقوب المفصول أمر القائد بحمله وتكفينه ودفنه بالشبيكة، فأطفأ النار وحمله إلى الشبيكة ودفنه بها. فحمد العقلاء هذا الفعل مع الإنكار على العامة فيما تجرؤوا به على قتله على باب قاضي الشرع. فالله تعالى يصلح الأحوال ويجعل العاقبة إلى خير.

стр. 767

وترك المقتول ولدًا صغيرًا وجارية موطوءة له. ويقال إنه مع جماعة من الشيعة لم يفطروا مع أهل السنة يوم العيد بل أفطروا في ثاني يوم وصلّي بهم صلاة العيد بالمعلاة. شهر ذي القعدة الحرام استهل كاملًا بالسبت من سنة ٩٤٥ هـ (١٥٣٩ م) بعد أن طلع قاضي الحنفية مصلح الدين الرومي وجماعة ممن يلوذ به لجبل أبي قبيس لرؤية الهلال في الليلة قبله فلم يظهر. وظهرت فيه حوادث وظهر لنا التألم فيها. فالله تعالى يستر الحال ويكفينا جميع المآل. منها أنّ في ضحى يوم السبت ثامن الشهر توفيت ابنتي وهي مراهقة سيدة سداسية السن لها فطنة ونجابة بعد وجعها بالجدري نحو ثلاث جُمَع وهو كبير عليها بحيث تورّم جسدها. وتألمنا لها فجهّزتها في يومها وصلّيتُ عليها بعد صلاة عصر تاريخه عند باب الكعبة، وشيّعها جماعة من الأعيان وغيرهم ودفنتها بتربة سلفنا على جدتي لوالدتي وبعض إخواننا، وحزنتُ عليها مع أمها وجميع من يعرفها فالله يجبر مصائبنا فيها. وكان في السبت الأول طلع الناس إلى منى لأجل الفرجة للسبت بها على العادة. ثم في السبت الثاني تكرر لكثير من الناس الطلوع بمنى وأقاموا بها الجمعة والسبت - على عادتهم - وصلوا في مسجد الخيف مغرب ليلة السبت. ونودي بزينة أسواق مكة سبعة أيام لأجل وصول الخبر بنصرة الخنكار على الفرنج المخذولين وعوده إلى تخت ملكه، نصره الله تعالى وأيد المسلمين. واتفق من المقدّر علينا أنّ جارية حبشية موطوءة للشرفي البحيري الحناط والده، أنها فُقدت عند توجّهها لسبت منى ولم يظهر خبرها إلّا في يوم الثلاثاء

стр. 768

حادي عشر الشهر، فسأل سيدها عنها فأخبر بوجود بعض أعضائها في البرية قريب مضياف منى مع بعض ملبوسها، فاتهم بها قريبنا الصلاحي ابن الشيخ الصالح العدل بدر الدين حسن ابن الشيخ عطية بن فهد الهاشمي لكونها كانت مرافقة له في الأذكار. فطلبه سيدها إلى حاكم مكة القائد مرشد الحسني وسأله عنها فأنكر اجتماعه بها فقسّمه (١) الحاكم برأس الشريف والطلاق من زوجته أنه لم يجتمع بها في ذلك المحل ولم يعرف خبرها ففعل ذلك ثم أطلقه ونفى الريبة عنه، وقال له: لا تغِبْ (٢) عن البلد حتى يظهر أمرها. فبلغني ذلك فاجتمعتُ بالمتهم به وسألته عن خبرها فأظهر لي البراءة منها مع ظهور الربكة (٣) عليه وعدم ظن السوء به، لكن قدَر الله مقدور (٤) وأمره نافذ في خلقه مبروم (٥). ثم إن سيد الجارية فحص عن أمرها فأخبره بعض عبيد العرب المقيمين بالبرية في ناحية قتلها أنه وجد امرأة بالحياة ومعها رجل وصفه بلونه وملبوسه وهو ميزر على رأسه، فقوّى تهمته لقريبنا المذكور. فطلبه سيدها في ضحى يوم الخميس ثالث عشر الشهر إلى الحاكم وجاء العبد فرآه وعرفه، فقال له: مررتُ عليك أنت وهي وأعطيتني رغيفًا ولحمًا تحت الجبل فكذّبه مع ظهور الريبة فدفعه الحاكم إلى الشرع، فشُكر على فعله. فطلبني قريبي المذكور مع ابن أخيه الشيخ تقي الدين محمد بن أبي الخير بن فهد وتوجّهنا معه إلى قاضي المالكية الشرفي أبي القاسم الأنصاري فادعى عليه سيّدها أنه أفسد جاريته وقتلها، فأجابه بأنه لم يعرفها إلّا في الأذكار

стр. 769

مع الفقراء الأحمدية وكذبه في قتلها. فساءتْني (١) هذه الدعوى واعترافه بالجمعية بها، ولو علمتُ قبل ذلك اجتماعه بها لم أحضر معه، لكن قدَر الله مقدور (٢). فحضر العبد وأخبر القاضي برؤيته معها في البرية فتلجلج في الكلام فأمر القاضي بالتوجّه به إلى الحاكم حتى يظهر أمره. فتوجّهوا به إلى السجن وشاوروا القاضي في وضع الحديد في رقبته. فأمر القاضي بالاحتفاظ عليه في حديد لطيف يوضع الزنجير في رقبته. فقويت الريبة عليه، فأمر الحاكم جماعته بالتوجّه إلى خلوته في رباط العز وتدويرها للحوائج المفقودة وطلب ابن أخيه للتوجّه معهم لذلك. وكان الحاكم وغالب الناس متعجبون لأمره يُبرّئونه في فعله حتى حقق الله مراده بظهور الحوائج عنده في خلوته ولم يُفقِد منها شيئًا إلّا دملج فضة (٣) رهنه عند شخص من الصيارفة. فلما جاءت الحوائج إلى الحاكم طلب الخصم إليه وأراها له، فاعترف عند رؤيتها من غير ضرب بأنه تضرر من صحبتها وعمل لها بُنْجًا أو قبيسيًا (٤) حتى غيّرها عن نفسها وأخذ حوائجها وتركها في البرية حتى أكلتْها الكلاب، فصار فعله من الأمر المعاب، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون. ثم أرسله (٥) الحاكم إلى القاضي المالكي فاعترف بحضرته وأنه خنقها بصالحية زيادة على تغييبها. فأمر القاضي بوضعه في السجن حتى يجتمع بعلماء المالكية وينظر في مسألته. فكثرت القالات وانتشرت المقالات في هذا الفعل. ثم إن القاضي في يوم السبت ثالث تاريخه جمع علماء المالكية بحضرة صاحب

стр. 770

القضية وتكلم معهم في المسألة فاتفقوا على أنّ قتله غيلة لها، وأنه يُقتل بها سواء كانت حرة أو مملوكة، والحق للحاكم لا لوليها. حينئذ أمر القاضي برده إلى السجن حتى يكاتب مستنيبه في جدة. ثم في ثاني يوم أمر بالتوجّه به مرتين .... (١) عنده قبلنا فتوقفت القضية لكون مذهب الحنفية يسلم الدية إن كانت المقتولة حرة وإلّا قيمتها لسيدها فأرصد أمره. ثم إن المالكي لِيمَ على تأخير قتله واعتذر بأنه بلغه عزل مستنيبه ومذهبه يعزل بالإشاعة ومستنيبه لا يعزل إلّا بوصول المنشور في البلد. ثم اتفق الحاكم عند وصول مستنيبه من جدة أنه فرج هذه الشدة بأخذ الدية فوقع الصلح على مائة أشرفي لسيدها وخمسين للحاكم وأتباعه. فجيئتْ لصاحب القضية وأعطى غالبها وبقي عليه باقيها فالله تعالى يستر الحال، في الحال والمآل بمحمد وآله آمين. ثم اشتغلت الدولة بوصول خبر الوزير الأعظم الباشا سليمان الرومي من جهة الهند واليمن بعد أخذهم لمدينة زبيد بمباطنة بعض عسكرها ودخوله هجمًا لها في خامس شوال عام تاريخه. فأقام بها مدة وقتل أميرها الناخوذة أحمد الرومي مع غيره من أكابرها، واستناب بعض الأروام فيها (٢). واهتم صاحب مكة السيد أبو نمي الحسني في ملاقاته وأمر بتحصيل الضيافة له من العسل والسمن والغنم والحلوى وغير ذلك من الفاكهة. فجمع له ألف رأس من الغنم ومائة قنطار عسل وستين مَنّ سمن. وتوجّهوا بها إلى بندر جدة فوصل قبله كيخيته سليمان إليها في نصف الشهر فلاقاه ابن صاحب مكة السيد أحمد في جدة وقدم له حلوى وفاكهة وغير ذلك وأراد الطبخ له بها فقال له: يكون بمكة، ونيته

стр. 771

العجلة لأجل السفر إلى جهة مصر والروم للأبواب الخنكارية في مهمات الباشا والإخبار بخبره، فركب معه السيد أحمد إلى وادي حدة - بالحاء - ثم بلغه وصوله بنفسه (١) إلى جدة فأمره الكيخيا بالعود إليه. فواجه الكيخيا بجدة قاضي مكة الشافعي البرهاني بن ظهيرة والمالكي النجمي بن يعقوب ووزير الهند آصف خان وسلموا عليه وركبوا معه إلى مكة فدخلها بعد صلاة العشاء في ليلة الثلاثاء حادي عشريْ الشهر، ونزل في مدرسة الأشرف قايتباي بالمسعى الشريف وأقام بها يومين حتى حصّل له ابن صاحب مكة الركائب وبعض خيل والرجال وما يحتاج إليه. وخرج من مكة في ليلة الخميس ثالث عشريْ الشهر ومعه بعض جماعة صاحب مكة من بني حسن. وفي ضحى يوم الجمعة ثاني تاريخه جاءت الأخبار بوصول الباشا سليمان لبندر جدة ومعه من المراكب عدة يقال نحو الأربعين، وأنه قصد تجهيزها إلى جهة الطور مع غالب عسكره الذي وصل معه فأقام بجدة حتى جهّز غالبهم ثم قدم إلى مكة المشرفة فخرج الأعيان لملاقاته من وادي حدة. ووصل إلى الزاهر في ليلة الأربعاء تاسع عشريْ الشهر وبات بها إلى الصباح فدخل من أعلى مكة بعرضة لطيفة ورفقته ابن صاحب مكة السيد أحمد ابن السيد أبي نمي الحسني وألبسه خلعة قفطان مُدَنّر هو وقاضي مكة الأفندي مصلح الدين الرومي الحنفي والشافعي البرهاني بن ظهيرة والمالكي التاجي بن يعقوب ووزير الهند آصف خان راكبين أمام الباشا وهو خلفهم بمفرده وخلفه السنجق والطبل والزمر حتى وصل إلى المدعى، فأمر بسكوت الطبل تأدبًا. واستمر كذلك حتى وصل إلى سكنه جهة باب إبراهيم أسفل مكة في منزل ملك التجار السيد علاء الدين - رحمه الله تعالى - وأقام به وهرع الأعيان للسلام عليه فلم يجتمعوا به.

стр. 772

وعمل له صاحب مكة سماطًا لائقًا به ومدّ بحضرته، ولم يخرج من منزله يوم تاريخه إلّا في الليل وطاف وسعى راكبًا ومعه إمام المالكية الجمالي محمد ابن قاضي المالكية الزيني عبد الحق النويري العقيلي. وكان لاقاه من جدة ومعه محضر بالوصية عليه من الشيخ الصوفي علي الكيزواني الحلبي وغيره من الأروام فأقبل عليه وأحسن إليه بما اختلفت القالات فيه من الأكابر وغيرهم (١). والله أعلم بحقيقته، وهو مستحق له لأصله وفضله وكونه بقية بيت كبير. ونادى الباشا في البلد بالأمان والاطمئنان ومن له شكوى يتوجّه إلى منزله، وكان نداء المشاعلي بذلك وسط المسجد الحرام وحول المطاف على رؤوس الأنام. ثم إن في ظهر يوم الجمعة حادي عشريْ الشهر جلس بعد صلاتها في مقام الحنفية في المسجد الحرام تجاه بيت الله وميزاب سُحُب الإنعام على كرسي من حديد وجلس تحته ابن صاحب مكة السيد أحمد الحسني وقاضي البلد الرومي الأفندي مصلح الدين والقضاة المفصولون (٢) الشافعي البرهاني بن ظهيرة والمالكي التاجي بن يعقوب. وأمر بالنداء في الطواف وأروقة المسجد بأن من له شكوى فليحضر ديوان الباشا. فأنكر الأخيار ذلك بقلوبهم ولم يمكنهم الظهور به. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا من ضعف الدين كما ورد عن سيد المرسلين بقوله: ﴿من رأى منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان﴾ (٣). وحصل (٤) بذلك انتهاك حرمة المسجد الحرام بالنداء للمظالم والجلوس على كرسي للحكم والترفع على قضاة الشرع وكل عالم. ولم ينتج من مجلسه إلّا التعاظم. ثم قام وتوجّه إلى منزله وصار يبرز لصلاة العصر والمغرب والعشاء والصبح في

стр. 773

مقام الحنفية ويجلس على الكرسي كل يوم بعد صلاة الصبح ساعة وبعض عسكره واقفون أمامه. ولم يتفق ذلك لمن كان قبله من السلاطين وغيره من الجبابرة المتكبرين. وصار يظهر إبطال المظالم وإخفاء (١) الصدقات لأهل الربط الفقراء وبعض ذوي البيوت، فكتب له قوائم بمستحقيها الشيخ أبو زرعة المنوفي على جاري عادته. ففرق على أهل الأربطة لكل نفر ثلاثة عشر كبيرًا، واستوعب أهلها. ثم قسم عليهم لحمًا لكل رباط خمسة كباش، وأعطى بعض ذوي البيوت من الفقهاء وأتباعهم والفقراء من الغرباء وغيرهم لكل نفر ثلاثة عشر كبيرًا. فوقع لصدقته الموقع لحاجة الناس إليها وقت تفرقتها. جزاه الله خيرًا وألهمه العدل في الرعية. ثم عمل ديوانًا ثانيًا في صبح يوم الثلاثاء خامس عشريْ الشهر. وفي ليلتها أحرمت ثياب الكعبة فيها خلافًا لعادتها نهارًا، وذلك بأمر شيخ السدنة الحجبة وجماعته بني شيبة خوفًا على ثيابها وكسوتها وتعرّضِ عسكر الباشا وحسم المادة اجتماع العامة من الرجال والنساء بحضرته، وشكرَهم العقّال في فعل ذلك وأنكره العامة لعدم الفهم له. واتفق في يوم تاريخه بدعة منكرة (٢) أشد من إحرام الكعبة وهو عمل ديوان الباشا في المسجد الحرام وادّعِيَ فيه على جماعة بعدة دعاوى، منها على الشيخ مصطفى الرومي الشهير بالمنتشوي أحد المقربين لقاضي البلد الرومي بعد النداء بالتفتيش عليه وعلى صديقه القاضي فرفع الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي قصة بأنه تقرر في خلوة برباط الأشرف قايتباي من صاحب السنجق الزيني الشريف أبي نمي الحسني وأنه منعه منها وأعطاها لفقيه أولاده شخص يماني لتقرير

стр. 774

القاضي له. فأمر الباشا بعود الخلوة لابن حجر لسابق تقريره من صاحب السنجق. بل أمر الباشا بضرب بعض الأروام خارج باب المسجد الحرام عند الميل الملاصق لدار العباس بالمسعى لأجل تجرّئه على الباشا بالكلام في المجلس فارتدع الحاضرون حينئذ، وذلك لغرض الباشا في إهانته وقاضيه لكثرة الشكوى عنده فيهما من الأروام والأعاجم عنده. ثم ادعى الخطيب العراقي على الشيخ موسى الرومي لبنائه في الشرابية علو دار .... (١) الملاصقة لجدار باب الدريبة وباب السلام وإسرافه عليها. فأمر الباشا بالكشف على ذلك بقضاة البلد المفصولين، فتوجّهوا لذلك وعادوا في المجلس، فلم ينتج إلا ذل المدعي والمدعى عليه ولم يغيّر شيئًا. ثم ادّعى أعجمي على الشيخ أبي زرعة من جهة وصيته على تركة الخواجا خليل الجيلاني وأنه خلّف نقدًا وجواهر من غير وارث شرعي. فأجاب الوصي بأنه ثبت عند قاضي البلد الرومي وناظر المواريث، وأمر بالترسيم على الوصي فتوجّه إلى منزله. ورسم على ناظر المواريث مرة بعد أخرى، لدعوى جماعة عليه في عدة تركات ويخدم فيها، وفهم من الترسيم على الوصي الخدمة فقدّر الله تعالى .... (٢). ثم في ظهر تاريخه وصل لمكة السيد محمود ابن السيد ملك التجار ورفقته عبداه (٣) خليفة وقصروه على ركائب متقدمين عن الحاج المصري، وأخبروا أنهم فارقوا الحاج من ينبع ودخلوها في تاسع عشر شهر تاريخه. وهم كثير ونظيف والرخاء معهم، وشيّعوا عزل قاضي مكة الرومي بقاضي العسكر - كان - واسع جلبي المتوفى بمكة في آخر شهر رمضان عام تاريخه. وواجه ابن السيد ملك التجار الباشا في منزله وأخبره بخبر الحاج، وأنّ كيخيته واجهَ أمير الحاج في ينبع وأعطاه

стр. 775

بعض الركائب وتوجّه بعدم وصول الحاج لمقصده. وتكلم مع الباشا في إطلاق الشيخ أبي زرعة من الترسيم وعليه ضمانه فأطلق من ساعته، وعُدّ ذلك من لطف الله تعالى به. ثم عُملتْ مصلحته بما لم أطّلع عليه وكذلك القاضي المفصول حتى فوّض إليه الباشا الحكم على عادته. واختلفت القالات بسببه. ثم وصل لمكة في ثاني تاريخه الشرفي ابن الأمير جانم الحمزاوي وسكن عند عيال أبيه وتوجّه في عصر تاريخه للباشا وسلم عليه وسأله عن والده فقال له: في إسطنبول، ثم قام عنه. وتتابع الحاج بعده ووصل أميرهم كاشف الشرقية الزيني مصطفى الجاركسي على عادته بالسنين قبلها في عصر يوم الخميس سابع عشر الشهر، فطاف وسعى وتوجّه لمنزل الباشا سليمان للسلام عليه وخالف عادته في قدومه ليلًا لأجله، ويقال إنه أرسل طلبه وتهدده من جهات فعلها في غيبته بالقاهرة واستمر عنده إلى وقت المغرب وهو واقف على رجليه بين يديه ويعتذر له ويسلّم على ركبتيه مرارًا عديدة حتى عفا عنه، بل أخذ حمولًا له من الدقيق والفول وغير ذلك الواصلة له في البحر من جدة. ثم إن أمير الحاج عاد لوطاقه وبات به إلى الصباح فخرج للقائه السيد أحمد بن أبي في الحسني صاحب مكة إلى الزاهر بعسكره فخلع عليه خلعته - على العادة - ومشى معه القاضي الرومي المفصول حتى وصل أمير الحاج إلى جهة درب المعلاة ونزل هناك في خيامه ومعه محفتان لزوجتيه وثالثة له. وصار يتردّد للباشا في كل وقت ولا يتصرف في شيء إلّا بأمره، وانحصر لذلك جميع أرباب الدولة الرومية والمكية. وتخلفت تفرقة المبرّة الرومية لكون اليازجي عليها واسمه محمد الدوادار تخلف
следующие страницы →