القاضي المتولي خواطرهم (١) بالسؤال عن مسائل علمية أجابوه عنها وعن غيرها وغير ذلك مما وعدهم به من مساعدتهم وإكرامهم، والله أعلم بحقيقتها.
وفي صبح يوم الجمعة رابع الشهر صُلّي على زين الكمال الحبشية أم أولاد الشيخ أبي سعد محمد بن زائد المكي وشيّعها جماعة من الأعيان وغيرهم ودفنت بالمعلاة في تربة بني زائد (٢).
وخلفت من سيدها ولدين وهما النوري علي والشهابي أحمد وأم المسعود البكر. وحزنوا عليها لكونها جامعة شمله. وكان وجعها أشهرا وهي عاقلة مدبرة، رحمها الله تعالى.
وفي عشاء ليلة الأحد سادس الشهر سافر السيد محمود ابن السيد علاء الدين ملك التجار على رواحل وصحبته مماليك أبيه خسروه وخليفة إلى ينبع خفية، فأقام في الوادي عند القاضي برهان الدين بن ظهيرة فأشار عليه بالركوب في شقدف لطيف وأعطاه من عنده فسافر فيه. كتب الله سلامته وقضى مأربه وكفاه مهماته.
وفي ضحى يوم الثلاثاء تاسع عشريْ الشهر مات الولد المراهق أبو الحسن محمد ابن الشيخ ولي الدين محمد بن .... (٣) الضرير نزيل مكة وجهّزه في يومه وصلّى عليه شيخ الشافعية أبو الحسن البكري عند باب الكعبة وشّيعه جماعة ودُفن بتربة سلفنا على بعض أجدادنا القدماء لغلط الحفار في حفرة قبره. وكانت أمه مريضة بالإسهال فحزنت عليه لكونها مع أبيه ليس لها ولد غيره فلحقته بالوفاة بعد أربعة أيام، وماتت في ضحى يوم السبت سادس عشري الشهر واسمها زينب [بنت] (٤) علي الطراوي، فجهّزها زوجها، وصلّي عليها في عصر تاريخه
стр. 702
وشيّعها الشيخ أبو الحسن البكري وجماعة، ودُفنت في تربة سلفها بالقرب من والدها. رحمها الله تعالى وإيانا.
وفي ظهر يوم تاريخه ماتت الشريفة فاطمة ابنة شيخنا السيد أصيل الدين عبد الله بن محمد الحسني الأيجي الشافعي وتأخر دفنها إلى صبح ثاني تاريخه لأجل ضبط الدولة لمخلفها. وهي زوجة الشيخ المدرس فخر الدين أبو بكر الشيرازي العمري الشافعي. وليس لها أولاد ولها أختان إحداهما (١) بمكة واسمها أمة العزيز وثانية بالهند اسمها ست الشرف. وماتت لها أخت قبلها كانت زوجة زوجها قبلها.
وخلفت له مصاغًا ونقدًا يقال مجموعه أكثر من ألفي أشرفي وختم على منزلها وجهّزت في ليلتها وصلّي عليها صبح ثاني تاريخه ودفنت بالمعلاة في تربة سلفها بشعب النور، وعمل لها ربعة وختم في يوم الجمعة الأخيرة، رحمها الله تعالى وإيانا.
ووصل لمكة في هذه الجمعة جماعة من الأشراف بني حسن منهم حسن منهم السيد حميضة عم صاحب مكة السيد أبي نمي الحسني وغيرهم من أهل الشام وثقيف أهل الطائف ..... (٢) من جازان باليمن، فقد نصرهم الله على صاحبها وأذن لهم السيد أبو إلى بلدانهم وهو مقيم بها لهدم سورها .... (٣) أهلها. فالله تعالى يؤيده ويعينه.
وفرغ الرطب من مكة ووصل بيع البرد إلى ثلاثة ورطلين ونصف واللون إلى أربعة، وأقام بها نحو الشهرين.
ووصل في هذا الشهر من الحجاز العنب والخوخ والتوت والتين والرمان، وقَلّ البطيخ والخيار والقثّاء، واشتدّ الحر لقلة وجود المطر. فالله تعالى يعيننا وينظر إلينا برحمته.
وفي أواخر هذا الشهر سافرت المراكب الهندية بعد منع نائب جدة لمراكب
стр. 703
كنبايه والديو وسافر قبلها مراكب كاليكوط، ثم إن الباقين خدموا النائب بمبلغ حتى سمح لهم، وكان أولًا يحتج عليهم بعدم سفرهم لكون الفرنج المخذولين ملكوا الديو وقتلوا سلطانها بهادر شاه ويتقوون بالتوجّه إليهم (١) ففاتهم وقت سفرهم أيام النيروز، فكابروا بالسفر فغرق مركب واحد في شعب المحرم قريب جده فيه خلق من التجار والأموال لم يسلم منهم إلّا القليل، ويقال رُبعهم، ورجع بعض الركبة من المراكب منهم عارف العجمي ثم الشيخ عبد الحق شيخ سلطان المغل وترك نوله، وامتنع بقية الركبة من ذلك. فالله تعالى يقدر لهم خيرًا ويكتب سلامتهم.
شهر ربيع الأول استهل ناقصًا بالأربعاء من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
في أوله وصل لمكة السيد أبو القاسم بن بركات الحسني شقيق صاحبها السيد أبي نمي ووصل له ابن أخيه السيد أحمد من الوادي وعمل له ضيافة عند الزيني عبيد ناظر المواريث وابن ناظرها الخواجا الكمالي أبو الفضل بن أبي علي المكي وحملها إلى منزله في أوانيها مع الحُمَّال.
وفي أول الشهر نادى قاضي القضاة الزيني مصطفى الرومي في الأسواق بأنه نائب الحسبة وسعّر على أهل السوق في بيع الفاكهة واللحم، وكان يباع كل رطل ونصف بكبير والعنب رطلين ونصف وزاد كل منهم نصف رطل فعُدم اللحم من السوق وقَلّتْ الفاكهة لعِناد السوقة، فلله الأمر.
وفي يوم الجمعة ثالث الشهر عمل الإمام شرف الدين يحيى ابن الإمام مكرم ابن القاضي محب الدين محمد الطبري الشافعي إمام مقام الخليل كسلفه وليمة حسنة لزواج ابنته كمالية التي عقد لها في أول هذه السنة على ابن خاله الزيني أبي السرور
стр. 704
ابن شهاب الدين أحمد بن محمد الحرازي الحنفي حضره القضاة وأعيان مكة وغيرهم من الغرباء. ودخلت في ليلة السبت ثاني تاريخه وهنّأه الناس بها.
وكان في ليلة الجمعة قبلها دخل الشرفي يحيى بن الشهابي أحمد الخبزي المدني على زوجته ابنة ..... (١) وعمل لها وليمة حضرها قليل من الناس لضعف حاله. وهنأه جماعة من أصحابه، جعلها الله مباركة عليه.
وفي ليلة الأحد ثاني عشر الشهر عمل الفقراء من الطوائف كالقادرية والأحمدية والمشرعية تهليلة من باب المسجد الحرام المعروف بباب (٢) علي إلى مولد النبي ﷺ ومشى معهم خلق من المعتقدين رجالًا ونساء وعليهم السكينة والوقار فزاروا المولد الشريف وعادوا قبل صلاة العشاء وأدركوها جماعة في المسجد الحرام.
وزالت البدعة من إيقاد الشموع والمفرعات مع ناظر المسجد الحرام، وهذه ثالث سنة تُعمل على وجه الإكرام للنبي ﵇ … (٣) لهذه الليلة من يعظمها ببركة من وُلد فيها. فعمل شيخ الشافعية مفتي الفرقة الإسلامية أوحد الأماثل المعتبرين تاج العارفين أبو الحسن محمد ابن الشيخ جلال الدين البكري القاهري نزيل مكة المشرفة عام تاريخه مولدًا عظيمًا حضره قضاة مكة الأربعة المعزولون وغيرهم من الأفاضل المعتبَرين ومَدّ لهم سِماطيْن أحدهما بعد المغرب: أطعمة مفتخرة، وثانيهما بعد فراغ المولد: فَتّوت وحلوى كثيرة. وحضرتُ ذلك مع الذكر فحصل لي فيه خشوع وفكر ببركة صاحب المولد ومن عمله فالله تعالى ينفع به ويجعل البركة في حياته.
وفي صبح تاريخه وصل لمكة السيد عرار بسن عجل الحسني من جهة جازان لأجل إرسال قاصد للقاهرة من البحر لإخبار نائبها بنصرة السيد أبي نمي على أهل
стр. 705
جازان. ووصل القاضي إبراهيم بن ظهيرة الشافعي من الوادي لأجله وكتب الأوراق وتوجّه القاصد، ولله الحمد.
وفي ليلة المولد الشريف فقدت ابنة خماسية السن لشخص مصري نَحّاس مخالف ..... (١) وفي يدها حدائد فضة فسأل عنها ثلاثة أيام ولم يظهر أمرها حتى خرجت جارية زنجية للقائدة سبيكة بنت بدر الحسنية ومعها حدائدها الفضة وعرضتها للبيع على الصوغ، فعرفها صائغها فأخبر بها أهلها فتوجّه والد البنت إلى الحاكم القائد مبارك الدهلكي في عشاء ليلة الأربعاء خامس عشر الشهر فأمره بالصبر إلى الصباح، فلم يصبر والدها وتوجّه لقاضي القضاة الزيني مصطفى الرومي ومعه جماعة إلى منزله - وهم يصيحون - فنزل إليهم القاضي وطلب الحاكم فتعذر حضوره فأخرهم إلى الصباح، فحضر الأخصام والحاكم وأمر القاضي بحضور الجارية فتوجهوا لمنزل سيدتها فأظهرت الكلام الكثير على الحاكم، فأمر القاضي جماعة من الأروام على هجم منزلها فهاجموه ومسكوا الجارية وتوجهوا بها إلى القاضي فاعترفت بقتل البنت المذكورة مع بنت ثانية لشخص من العرب ضاعت يوم القضية لم يشتهر أمرها ويقال ثالثة قبلها. وموجب ذلك أنّ سيدتها ألزمتها بدراهم وحَبّ في كل يوم وقد تعبت في تحصيل ذلك. فأمر القاضي بإحضار سيدتها فاختفت وهي من .... (٢) القواد لبني حسن وولدها شيخ النوبة وهو خيّال شجاع. فتوقف الحاكم من طلبها وصمّم القاضي في حضورها وأرسل للشريف أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي ونائب جدة الرومي يخبرهما بالقضية وشنّع الأروام فيها وكثُرت القالات في الجارية وسيدتها ثم صفّى الأمر على قطع أيدي الجارية ورجلها وعلقوها في رقبتها وسُمّرتْ على جمل وطيف بها في المسعى
стр. 706
ثم شُنقتْ.
واتفق في ليلة الأربعاء المذكورة عمل زفة من الصفا لطهار ولد الخواجا أبي بكر الرخامي من ابنة الخواجا بركات المسعودي، تصدى لجمع الناس القاضي تاج الدين المالكي فحضرها هو والحنفي والخطيب العراقي المفصولان وبعض الفقهاء والتجار.
وفي ظهر يوم الجمعة سابع عشر الشهر وصل لمكة قاصد من القاهرة صحبته عدة أوراق للناس منها أوراق لوزير الهند آصف خان الجماعته يخبرهم بأنه حصل له إكرام زائد من نائب الديار المصرية وخلع عليه وعلى جماعته خلعًا (١) سَنية وأنه جهّز له مركبًا في إسكندرية وتوجّه للسفر فيه لمواجهة الخنكار في بلاد الروم، بلّغه الله ما يروم. وأرسل بمرسوم الجماعته لإعزازهم وإكرامهم.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه وصل لمكة نائب جدة الرومي.
وفي صباحها توجّه لقاضي البلد الزيني مصطفى الرومي الحنفي وأظهر مرسومًا وصل إليه من القاهرة بحرًا فيه الشكر منه في قبض مال سلطان الهند مظفر شاه من وزيره آصف خان المقيم بمكة وتوجّه في … (٢) لقبضه عن صاحب السنجق الشريف أبي نمي وجماعته. ويؤكدون عليه في الفحص عن بقية المال من جماعة الوزير والترسيم عليهم في ذلك فأرسل إلى جماعة منهم وكيل الوزير على عياله ميا عمر وشمس خان وبعض كتّابهم وقاضي المالكية التاجي عبد الوهاب بن يعقوب والشيخ عبد الفتاح الشيرازي وغيرهم ممن كان الوزير يميل إليه، فاضطربوا لذلك وأخرجوا المرسوم الواصل إليهم مع القاصد أمس تاريخه فوجدوا تاريخه متأخرًا (٣) عن مرسوم نائب جدة بأيام قليلة. وكان كُتب قبل دخول الحاج للقاهرة وكُتب
стр. 707
الثاني بعد دخولهم، وحصل به الفرج الجماعته وتركهم نائب جدة والقاضي. وتوجّهوا إلى بيوتهم وصار العقلاء يضحكون من أفعالهم.
وكان الخواجا أبو بكر بن .... (١) الرخامي صهر الخواجا بركات المسعودي المغربي عمل في ليلة السبت (٢) المذكورة مولدًا في منزله حضره القضاة والتجار وبعض الفقهاء لطلب القاضي المالكي التاجي لهم لكونه صهرهم.
وفي صباحها خُتن الولد وعبْدان له وتأخر السماط لأجل القاضي حتى … (٣) مع جماعة الوزير إلى الظهر. وكان سماطًا هائلًا فيه ألوان مفتخرة وحلويات كثيرة ولم يحضره كثير من الناس لتأخره عن وقته وسلمهم الله تعالى من تقريبه (٤) لأفراح صهرهم القاضي مع زوجته، ولله الحمد.
وفي ليلة الثلاثاء حادي عشري الشهر وصل لمكة الإيجي أمين التِرَك .... (٥) الرومي وسكن في بيت الخواجا أبي الفضل بن أبي علي بإشارة ولد الزيني عبيد خليفته في التكلم على التركات من جهة صاحب مكة ولم يُحْمَد على فعله لكونه مشاركًا له في وظيفته من جهة الأروام واستولى على بعض التركات، وأنكر عليه في التصرفات كما سيأتي ذكره.
وفي هذه الجمعة شرع القاضي بجدة - كان - القاضي شرف الدين يحيى ابن الشيخ العلامة عز الدين الفائز ابن قاضي جدة والخطيب بمكة فخر الدين بن علي بن ظهيرة القرشي في عمل فازة أمام منزله بحوش ابن عمران لأجل زواج ولده الأصغر جمال الدين محمد على البنت البالغ زينب ابنة المرحوم القاضي بدر الدين محمد ابن
стр. 708
قاضي القضاة شيخ الإسلام الجمالي أبي السعود إبراهيم بن علي بن ظهيرة القرشي الشافعي واجتمع عندهم جماعة من أقاربهم وغيرهم من أصحابهم.
ثم في يوم الأربعاء تاسع عشريْ (١) الشهر وصل لمكة من وادي مر ولي الزوجة ابن عم أبيها أقضى القضاة البرهاني إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين أحمد ابن قاضي القضاة بن ظهيرة الشافعي وعم والد الزوج القاضي أمين الدين محمد ابن الخطيب فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة وأولاده وعياله.
وفي صبح يوم الخميس سلخ الشهر خرجت المؤذنة لطلب النساء في العقد وبل السكر المذاب لأجله وحصل لصق على المؤذنتين من أقارب الزوجين وأصحابهم، فكان المحصول لجهة الزوج أكثر من مؤذنة العروس لأجل اللصق على وجهها.
شهر ربيع الثاني استهل كاملًا بالجمعة لخفائه في الليلة قبلها من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
وربما تحدث الناس بالوادي برؤية الهلال بالخميس ولم يثبت.
وفي ثالث الشهر كان العقد بين الزوجين في الفازه وحضره جماعة من الأشراف والقضاة والفقهاء منهم عَمَّا صاحب مكة السيد أبو الغيث ورميثة وبعض أولادهما والسيد عرار بن عجل النموي وقاضي القضاة الشرفي المالكي المتولي وقت تاريخه وقاضي الحنفية وقاضي الحنابلة المفصولان مع ابن عم الزوجة قاضي المسلمين البرهاني بن ظهيرة وجلس وسطهم وباشر العقد بنفسه وبالغ في الخطبة لتضمينها فضل قريش وجماعة الزوجين من الآباء والأجداد وحُمِد في تأديتها وبلاغتها وظهرت رئاسته فيها. كان الله في عونه وزاده فضلًا وإحسانًا.
وفي صبح يوم الأربعاء سادس الشهر عمل السماط في الفازة وكان هائلًا فيه
стр. 709
الألوان المفتخرة من الحلويات وغيرها وهي أنيقة حسنة، وحضر فيه القضاة والأعيان والفقهاء والتجار وغيرهم.
وفي ليلة الخميس ثاني تاريخه دخل الزوج في بيت جده لكونه مزوّج على عمة الزوجة - وهي القائمة بجهازها - وكملت في فعلها لكونها خاتمة الرؤساء وعمدة النساء. فالله يجعل ذلك مباركًا ميمونًا عليهما.
واتفق في ضحى يوم الجمعة أول الشهر وفاة الخواجا زين الدين عبد الكريم بن حمام سكر المصري المكي، رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
وخلّف دورًا بمكة وجدة وديونًا وذرية هم ثلاثة صبيان وابنتين أكبرهم غائب بالشام وجعل وصيهما خالهما الوجيه عبد الرحمن البحيري ابن أخت الشيخ أبي زرعة أحد العدول بمكة، فجهّزه يوم تاريخه وصلّي عليه بعد صلاة الجمعة، وشيّعه جماعة من الأعيان وغيرهم إلى المعلاة. ودفن على قبر أبيه في الشعب الأقصى. وكان وصل من المدينة الشريفة شهر تاريخه وترك بها فراشه ونخيلًا (١). وتكلم الرومي على تركته وضبطها (٢) .... (٣) والقماش وغير ذلك من المنقولات لأجل حصة ولده الغائب. وأنكر الناس ذلك، ولله الأمر.
وفي ليلة الثلاثاء خامس الشهر وصل من جدة قاضي مكة الرومي، وكان توجّه إليها وأقام بها نحو جمعتين فشُكِيَ إليه أمين التركات في تصرفاته وترك جماعة الشريف من مخالطاته فتكلم عليه ومال لما لديْه.
وفي ليلة الخميس سابع عشر الشهر كان العقد على ابنة قاضي الحنفية - كان - أبي السرور أحمد ابن قاضي القضاة النوري علي بن أبي الليث بن الضياء العمري المكي على قريبه الأصيل الزيني أبي البقاء محمد ابن المرحوم
стр. 710
الشيخ كمال الدين أبي الفضائل محمد بن أحمد ابن قاضي القضاة أبي البقاء بن الضياء القرشي الحنفي، وباشر ذلك قاضي القضاة الشرفي أبو القاسم الأنصاري وعمل خطبة طويلة في فضل النكاح وتعظيم الزوجين وأهلهما، شكره الحاضرون في تأديتها.
وكان فعل ذلك أمام منزل جدّ الزوجة لأمها الخطيب محب الدين النويري قريب سوق الشبيكة وشرب الحاضرون سكرا مذابا وقدّم لهم البخور والماورد على العادة وانصرفوا.
ودخل الزوج على أهله في ليلة السبت تاسع عشر الشهر، وهنأه الناس بها، جعله الله مباركًا ميمونًا (١) عليهما.
وفي آخر يوم الجمعة أمس تاريخه سافرت قافلة كبيرة إلى المدينة الشريفة فيها الأمير صندل السليمي شيخ الحرم النبوي - كان - والشيخ عبد الفتاح وغيرهم. كتب الله سلامتهم وتقبل زيارتهم.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشر الشهر جاء الخبر من ينبع بأن الأمير جانم الحمزاوي أمين الديار المصرية وصل إليها بعسكره نحو خمسمائة نفس وخيل أزيد من مائة وجمال نحو الألفين مع حجاج رافقوه من القاهرة وكان خروجهم منها في ثاني عشريْ الشهر قبله وتوجّه للزيارة النبوية. وقصْده بمكة تسلم الأموال الهندية كما رسم به الخنكار سليمان سلطان الأقطار الرومية وبلاد العجم والديار المصرية. والشامية. فارتج العباد، واهتم لقدومه أولاد البلاد، وتأهبوا لملاقاته بالفواكه وغيرها من الأطعمة.
ووصلت مكاتبته لأخيه الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي وغير ذلك من التقدمة ثم توالت رسله حتى وصل بنفسه إلى ظاهر مكة في الزاهر عصر يوم الثلاثاء
стр. 711
تاسع عشر الشهر فخرج لملاقاته جماعة وبعض الأكابر ولاقاه السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي من وادي مر، وأراد أن يعمل له سماطًا فمنعه من ذلك رفقًا به، فقدم له الحلويات وغيرها من الفواكه وعاد معه لمكة فدخلها بعد صلاة العشاء ثاني تاريخه فطوفه وسعاه من تقدم بأيام وهو الإمام محيي الدين محمد ابن الإمام جمال الدين عبد البر الطبري الشافعي ورفقته ابن عمه المتوفى الإمام إسماعيل وكان عادته يطوفه فشاركه بالفجور والجرأة رئيس المؤذنين بزمزم أبو عبد الله محمد بن الفخري أبي بكر بن أبي عبد الله الكازروني الأصل المكي لكونه تقدم قبله، ففصل بينهم الأمير بمباشرة كل واحد لمرة من الطواف والسعي، فأنكر العقال من الأئمة لابن أخيهم بمساواة رئيس المؤذنين، لكونهم أرأس منه بيقين دينا وعلما وأصالة ووظيفة لكن طمع الدنيا يُعمي الأبصار ويسلب الأنفس من الاستبصار، فلا قوة إلّا بالله العلي القدير.
وكان صبح يوم الأربعاء المذكور توجّه السيد أحمد ابن صاحب مكة الحسني لمواجهة الأمير جانم الحمزاوي في الزاهر وعرض له بعسكره من الخيل والرجل ورافقه قاضي مكة الزيني مصطفى الرومي ونائب جدة وغيرهم من أركان الدولة، ولبس الشريف خلعة على عادته ومشى معه إلى محلّه عند درب المعلاة ونصب خيامه هنالك وواضع جماله وبغاله فيها.
وعمل له الشريف سماطا في منزله وهرع الأعيان للسلام عليه وقدم له هدية ونقدا يقال عشرة آلاف أشرفي ونحو أربعين جملًا واشترى مثلها بأزيد من ثمنها وشكره أهلها وتردد بعد ذلك لمنزل أخيه الأمير شرف الدين يحيى الحمزاوي في حارة الشاميين بقعيقعان. وكانت غالب إقامته عنده في النهار ويصلّي الصلوات الخمس مع الجماعة بالمسجد الحرام ويتوجّه بعد العشاء إلى محطته بالمعلاة في خيامه.
ونادى في يوم وصوله بالأمان والاطمئنان، ومن عبث عليه أحد من عسكره
стр. 712
فعليه ببابه، ولم يحدث منه ومن عسكره ضرر لأحد من أهل البلد، ولم يُدخل نفسه في قضية من القضايا مع تنصّله من ذلك وإظهار البشاشة وإكرام مَن يقصده من الخاصة والعامة. وتردد لجماعة من العلماء والصلحاء وعُدّ ذلك من محاسنه في جميع أفعاله، كثر الله أمثاله.
واتفق في يوم الخميس تاسع عشريْ الشهر يوم وصول أمر الأمير جانم الحمزاوي بقراءة سورة الأنعام للخنكار الأعظم، بالحطيم المعظم، رفقة قاضي البلد مصلح الدين الرومي والفقهاء من العرب والعجم وكان شروعهم فيها في جمعة تاريخه بأمر قاضي البلد الرومي. وبعد فراغ قراءتها حضر إليه نائب جدة الزيني مصطفى الرومي وسأله في تسليم مال الهنود في الصناديق التي تسلّمها من الوزير آصف خان في العام الخالي، وكان توجّه بها إلى جدة ثم ردها إلى مكة عند سماع وصول (١) الأمير جانم الحمزاوي لأجلها وتركها بالمدرسة الأشرفية القايتبائية حتى يحضر ابن صاحب السنحق السيد أحمد ابن السيد أبي نمي الحسني وتُقرأ المراسيم الواصلة صحبته بسببها. فأرسلوا له فجاء إليه وتوجّهوا إلى المدرسة وتركوا قراءة المراسيم في الحطيم، وأعطي الشريف أحمد مرسوم أبيه ولم يُعلم ما فيه، ثم إنهم قبّنوا (٢) بعض الصناديق من المال فوجدوها مختلة الوزن فقال الأمير جانم الحمزاوي لنائب جدة: هي في تسليمك حتى تصل بها إلى الديار المصرية ثم الأبواب الخنكارية وأعزم بالعسكر صحبتك. وأمر بالجهاز في جمعة تاريخه فاهتموا لذلك وتكلم الناس في أمره من فتح بعض الصناديق وخيانته فيها. ثم إنه باع جميع مخلفه من الأثاث والعبيد والجواري (٣) وغير ذلك وكثرت الشكوى فيه عند الحمزاوي فلم يُبْدِ له شيئًا.
стр. 713
شهر جماد الأول استهل ناقصًا بالسبت من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
واتفق في ظهر يوم الثلاثاء رابع الشهر أنّ نائب جدة فتح حاصل المسجد الحرام جهة باب إبراهيم تحت سكنه بالقصر وادعى أنه فقد بعض العود الهندي من البخور واتهم به بعض خدمه من الأروام فمسكه وتوجّه به إلى قاضي مكة الرومي وعرض عليه أمره فأمره بضربه حتى يُقرّ فتوجّه به إلى بيت القائد الزيني مبارك الدهلكي حاكم الشريف فضربه ضربًا مبرحًا وعاقبه بأنواع من العذاب وأسقاه الجير وكسر بعض أسنانه وأراد تلَفهُ، فلما شاهد جماعة الحاكم فحش فعله توجّهوا إلى القاضي الرومي وأخبروه بخبره فأمر بإحضاره إليه فرآه في حالة التلف وتكلم على نائب جدة وقال له: لم آمرك بقتله وإذا مات تُقتل به، وأمر بإطلاقه. ثم إنه … (١).
وفي صبح ثاني تاريخه توجّه القاضي والأمير جانم الحمزاوي إلى جهة الحاصل وأحضروا المضروب وهو مملوك لمشد العين الرومي الغائب عن مكة في جهة الروم وسألوه عن نصته فقال لهم: كان المفتاح معي وجاءني بعض جماعة نائب [جدة] (٢) وأخذه مني على لسانه. ثم إني تبعته فوجدتُ الأمير بنفسه في الحاصل ولم أعلم ما فعل فيه. فصار نائب جدة يحلف ببراءته من هذا الفعل. فقال له الأمير جانم الحمزاري: أنت المفرّط في مال الخنكار وهذا الحاصل غير مأمون في تخلية المال فيه وقَبّنَ الباقي من العود فجاء حملًا ونصفا (٣) وفضل فيه ثلاث قطع وزنها نحو ألف مَنّ بنحو سبعة آلاف دينار. وحُمل إلى المدرسة الأشرفية عند الصناديق وعدتها
стр. 714
(١) مائتان وخمسون كل اثنين منها حمل … (١) عليها نائب جدة وجعلها في صناديق وخيّش عليها.
ثم في يوم الجمعة سابع الشهر برزت الصناديق من المال والعود على أربعة وستين حملًا وقاد كل حمل إنقشاري من العسكر وتوجهوا به صحبة نائب جدة والأمير جانم الحمزاوي إلى محطة العسكر بالمعلاة ووضع هناك في خيمة. ونوى الأمير الرحيل في ليلة السبت ثاني تاريخه.
وكان فرق مبرّةً على أرباب الشعائر من أهل الوظائف بالمسجد الحرام جعل لكل إمام من الشافعية وهم سبعة والحنفية والمالكية ثلاثة والحنابلة اثنان عشر أشرفية سليمية، ولكل واحد من الخطباء الثلاثة سبعة أشرفية سليمية ولكل فرّاش سليمي، ولكل بوّاب نصف سليمي، وكل مؤذن سليميان.
وفرقتْ بيده على جماعة من .... (٢) من الرجال والنساء على (٣) وأخذ رزقه من واحد واثنين وثلاثة وأكثر وبعضهم محلقة، والتمّ عليه الفقراء في ذهابه وإيابه حتى نزق منهم وتوجّه إلى محطته وأقام بها من بعد صلاة الجمعة. وتأخر بعده أخوه (٤) الأمير شرف الدين الحمزاوي حتى أعطى جماعة من الفقهاء كبني ظهيرة وغيرهم كل واحد خمسة أشرفية سليمية، منهم كاتبه وأخيه. أثابه الله تعالى وكتب سلامته.
وفي ضحى يوم السبت ثاني تاريخه رحل ووادعه صاحب مكة وغيره من الأكابر من خارج البلد وكثر الثناء عليه في أفعاله في تعبّده وفضله، فالله تعالى يقابله بالخير ويكتب له السلامة، في السفر والإقامة.
стр. 715
وفي ليلة الأحد تاسع الشهر توجّه بعده أخوه وولده الزيني محمود للسفر صحبته إلى الديار المصرية وترك عياله بمكة على نية العود لهم مع الحاج واستيطانها. بلغه الله مرامه وكتب له السلامة في السفر والإقامة، بمحمد وآله آمين.
وفي يوم السبت خامس عشر الشهر اتفقت (١) لي المخاصمة مع أخي لتعديه عليّ، ونسبته الظلم لدي من كوني ساكن في وقف والدي وعمرتُه بنحو ثلاثمائة أشرفي من مالي على نية الرجوع بها على جهة الوقف.
واتفقتُ معه والأخت العزبة في السكنى فيه بقية عمري وهما يسكنان في دار غالبها ملكي بقية عمرها بأجرة معينة على كل منا ولا يزاد فيها علينا. وثبت ذلك محررًا، وحكم به القاضي المالكي مقررًا، وإلى أحد من أخوتي حصتهما منجّما حتى أستوفيها. وخاصم الأخ في بدلها مع الظلم في جهات غيرها. فاجتمعت أنا وإياه مع جماعة مع من العلماء الأخيار عند العلامة الحجة قاضي المالكية الشرفي أبي القاسم عين الأعيان من الأنصار فوقع بيننا من الخصام، ما حصل فيه الملام، وعند الله يجتمع الأخصام. فأشار مولانا القاضي المشار إليه، والجماعة الحاضرون لديه، في كتابة فتوى جامعة لواقعتنا كما اتفق لنا لعلماء الشافعية المقيمين بمكة البهية، لكون وقف والدي حكم بموجبه القاضي الشافعي، فكتبت الفتوى المذكورة، بإملاء القاضي المالكي على الصفة المشهورة. فأجاب عليها من الشافعية مفتي الفرقة الإسلامية مفتي الزمان، ونادرة الأوان، تاج العارفين أبو الحسن محمد البكري الصديقي والعلامة الحجة قاضي القضاة بمكة وجدة ناظر المسجد الحرام، أوحد علماء الأنام، القدوة اللطيف زين الدين عبد اللطيف ابن كثير - متّع الله بحياتهما وأدام النفع بهما - بأن شرط الواقف من السكني بشرط العمارة الماضية يكون تبرعًا ممن فعله ويلزم الأخوان أجرة المثل في سكنهم لكون الالتزام غير لازم وهو
стр. 716
مخالف لشرط الواقف.
ووافق على ذلك بقية أهل المذاهب الثلاثة كما بينتُه مفصلًا في مؤلفي الذي عملتُه في الواقعة في شهر تاريخه واسمه حفظ العهود على حكم وقف دار الفهود فظهر بذلك بطلان أخي وعدم انقياده للوجه الشرعي كما سيأتي ذكره مفصلًا إن شاء الله تعالى.
وفي ضحى يوم الإثنين سابع عشر الشهر مات إمام مقام الشافعية بمكة برهان الدين إبراهيم ابن الإمام أبي السعادات محمد الطبري المكي، وكان توعك طويلًا أزيد من نصف سنة بالحدور (١) ورمى الدم، وكُوي مرارًا فطاب وعاد لمرضه حتى قضى نحبه. فجهّز في ظهر تاريخه وصلّي عليه بعد صلاة العصر في ساباط مقام الخليل كعادة سلفه الأئمة ودفن في تربتهم في شعب النور، رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
وخلّف شقيقيه أبا الخير وأبا (٢) اليمن، وحزنا عليه مع جميع معارفه لحسن عشرته وكرم نفسه وصونه. وعمره خمسة وخمسون سنة ولم يعقب ذرية، ﵀ وإيانا.
وفي ظهر يوم الجمعة حادي عشريْ الشهر حصل بمكة مطر قوي وتوالي في نواحيها جهة عرفة وسالت الأودية واستبشر الناس بالخير والمرعى.
وفي ليلة السبت ثاني تاريخه كان عقد الأصيل نور الدين علي ابن شيخنا العلامة المحدث شهاب الدين أحمد بن صحصاح محمد الشهير بالحرفوش الخانكي الأصل المكي الشافعي على خطيبته ابنة المرحوم قاضي القضاة بمكة وجدة الجمالي محمد بديع الزمان ابن قاضي القضاة شيخ الإسلام النوري علي ابن الضياء القرشي
стр. 717
العمري الحنفي. وعقد بها عمها العلامة قاضي القضاة الشهابي أحمد أبو السرور أمام رحبة منزلهم بباب العمرة وحضر ذلك جماعة من الأعيان منهم عم صاحب مكة وابن صاحبها السيد حميضة ابن السيد محمد بن بركات الحسني وبعض أولاده والشيخ المعتقد علي بن عمر الطواشي وقاضي القضاة المالكي التاجي عبد الوهاب بن يعقوب وغيرهم من الفقهاء والتجار. وكان العقد على مائتي مثقال حالة، وعظّم عمها والدها. وشرب الحاضرون سكرًا مذابا مع البخور والماورد وانصرفوا.
وفي صبح العقد هنّأ الناس الزوج وعم الزوجة كعادة البلد.
وفي عصر يوم الإثنين رابع عشريْ الشهر ماتت المرأة عين الأهل ابنة صاحبنا العدل المرتضى الشهابي أحمد بن علي الحناوي المكي المالكي. وكان زوّجَها على زوج طلقها من سنتين ثم ثانيًا قبل الموسم مع زوجة غارت منه فمرضت وطلبت من الزوج الثاني طلاقها طلقة تملك بها نفسها على براءتها له من مهرها وحقوقها عليه، فوكلت الزوج وكالة دورية في طلاقها بعد براءتها قبل جمعة من موتها. حضرتُ ذلك، فطلقها كما ذكر في يوم وكالته. وجهّزت في ليلة ودفنها بعد صلاة صبح تاريخه ودفنت بالمعلاة في الشعب الأقصى عند جدها. وليس مع أبيها ذرية غيرها، رحمها الله تعالى.
شهر جماد الثاني استهل كاملًا بالإثنين من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
وفي ليلة الأحد سابع الشهر دخل النوري علي الحرفوش على زوجته كمالية ابنة قاضي القضاة بديع الزمان ابن الضياء الحنفي وهنأه الناس في صباحها، ولم يعمل لها وليمة إلّا في صباحيتها لعدم من يعتني بها، وبعد جمعة نقلَها إلى منزله وعمل لها
стр. 718
سابعا عند أهلها وحلوى في منزله وقت نُقلتها إليه. وفق الله بينهما ورحم والديهما.
وفي الثلث الأخير من ليلة السبت ثالث عشر الشهر كسف القمر كسوفًا كاملًا الجميعه. وصلّى الخطيب جمال الدين محمد ابن شيخنا العلامة الزاهد عفيف الدين عبد الله باكثير الكندي صلاة لطيفة ختمها عند قيام صلاة الصبح، ولم ينجل القمر جميعه ثم صلّيت صلاة الصبح وبعدها خطب الخطيب المشار إليه خطبة بليغة وجيزة شكره الحاضرون لها.
وفي يوم الإثنين خامس عشر الشهر ظهرت بمكة سكة جديدة في الفلوس عملها نواب صاحب مكة السيد أبي نمي محمد الحسني وهو غائب في جهة اليمن ببلاد جازان، ودقت في المسعى وفُرقتْ على المتسببين والصيارف وأهل الخان من البزازين كل أربعين فلسًا صغيرًا بمحلق كبير وكل عشرين فلسا كبيرا (١) بمحلق كبير على نصف المعاملة الأولى. وتضرر العامة من ذلك لنقصها.
وكان السبب في فعلها رأس المباشرين بجدة الجمالي محمد بن أحمد المريسي. وكثرت الشكوى فيه لأجل ذلك وغيره. فالله ينتقم منه بعدله. وأما أهل جدة فتحاملها السوقة وأعادوا صرفها الأول على حاله ثمانين فلسًا بكبير وخسروا في الأشرفي نحو نصفه وحُمدوا على فعلهم، ثم تبعهم سوقة أهل مكة بعد التشكي بما لا يفيدهم. والله تعالى يخلف عليهم جميعهم ويعينهم.
شهر رجب الفرد استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٧ م)
في أول ليلة منه عقد شيخ الشافعية وقدوة البرية العلامة الحجة تاج الدين أبو الحسن محمد ابن الشيخ جلال الدين محمد البكري القاهري نزيل مكة الآن - نفع الله
стр. 719
به - على … (١) ابنة الخواجا الأجل شهاب الدين أحمد بن محمد العنبري الدمشقي المكي في منزل أبيها عمارة الخواجا محمد الطاهر على باب السويقة جوار المسجد الحرام وباشر لعقده قاضي القضاة الشرفي أبو القاسم الأنصاري المالكي وخطب خطبة حسنة عظّم (٢) فيها الزوج بما يليق به من عظمته وجلالته. ولم يحضر بنفسه بل وكّل في القبول عنه تلميذه الشيخ المدرس شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي. وحضرتُ ذلك مع جماعة من الفضلاء التجار الأجلاء. وكان مأنوسًا مبجلًا وشرب الحاضرون فيه سكرًا مع البخور والماورد على العادة. وهنأ الناس الزوج في صبح تاريخه، وابتهج بفعله مع كونه صحبته بمكة زوجتان أولاهما أم ولده وثانيتهما (٣) ابنة القاضي شمس الدين الحلبي وثالثة قريبة له تركها بالقاهرة، وقال لي إنه قصد بالرابعة أن تكون مقيمة بمكة حتى إذا قدمها جاء بمفرده من غير زوجاته. ودخل بها في ثاني عقده وأقام عندها ثلاثة أيام لكونها ثيّب. وهنأه الناس في منزل أبيها، وعمل لها وليمة مختصرة لم يشكرها مَن حضرها من جماعة الزوج.
وفي فجر يوم الإثنين سادس الشهر مات الأصيل الزيني أبو (٤) الفضل ابن الشيخ كمال الدين محمد بن أبي البركات القسطلاني المكي الشهير كسلفه بابن الزيني المالكي. وجهّز في ليلته وصلّي عليه صبح تاريخه عند باب الكعبة، ودفن على عمه بتربة جد أبيه الوجيه النحاس في الشعب الأقصى من المعلاة. وعمره نحو الخمسين سنة رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
وخلّف أباه وزوجته فاطمة ابنة القاضي نسيم الدين المرشدي الحنفي وابنًا سُمِّيَ كجدّه وبنته زينب مراهقة، ويقال دين نحو خمسمائة أشرفي بل أكثر، قضاه
стр. 720
الله عنه وجبر أولاده.
وفي يوم الثلاثاء رابع عشر الشهر فرق قاضي القضاة بمكة الأفندي مصلح الدين ناظر المسجد الحرام مبَرّة وصلت من بعض الأعاجم أصلها يقال مائة سلطاني أكبر من الأولى بمرتين. وأعْطِيَ لكل قاض عشرون كبيرًا وللنواب نصفها وللأئمة ثلثها ولغيرهم دونها، وحصل لي منها ستة كبار.
وفي يوم تاريخه سافرت قافلة المدينة الشريفة إليها وتتابع الناس في اليوم الذي بعد تاريخه وكانوا خلقًا كثيرًا. كتب الله سلامتهم وتقبّل زيارتهم.
وفي جمعة تاريخه وقع بيني وبين أخي خصام من جهة استئجاري لمنزلي فمنعها لنائبي وقصد إخفاء حاله لمصاررة (١) فوصلت إليّ كرهًا عليه واستمرت عندي، وتجرّأ على كتابته وخاله الدب وسلم له خاله قصيدة عدتها خمسة وثمانون قال إنها موعظة لي وهي كالعربة منغمسة في حرمه (٢). وصار الأخ وابنه يعرضانها على الناس، وينسبانها (٣) للولد حتى ظهرت (٤) قلة عقلهما للعلماء الأكياس، واستكثروها على الولد ثم أقرّ بها على الخال التالي الذي هو عن الخيرات خالي. فأهملتُهم نحو شهرين حتى علم الناس ولم ينتج مكرهم، فالله تعالى يخذلهم وحزبهم، ويُحْسن الخلاص منهم - كما سيأتي - فعلي وفعلهم.
شهر شعبان المبارك استهل ناقصًا بالخميس من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٨ م)
في أوله أمر قاضي القضاة مصطفى الرومي الحنفي نائبه قاضي القضاة الشرفي
стр. 721
المالكي بطلوع جبل أبي قبيس لرؤية الهلال على عادة من تقدمه. وتوقّف النائب حتى ألْزمه، وطلب بعض الفقهاء وكنْتُ منهم، فطلعتُ معهم ورأينا الهلال ناقصًا.
وفي أول جمعة فيه زوّج قاضي القضاة مصطفى الرومي المشار إليه ابنته على شخص رومي يقال إنه تاجر (١) كان بالهند أبوه (٢) مفتيا في بلاد الروم. [اسمه عبد الرحمن المدرس له .... كبيرة]. (٣). وعمل له سماطًا حافلًا في يوم الأحد حادي عشر الشهر في سكَنه في القاعة العينية المعروفة قديمًا بالمدرسة الأفضلية وحضر فيه قضاة البلد وأهلها والغرباء واهتمّ به كثيرًا فجعل فيه الألوان المفتخرة كالرّزّيْن والمأمونيتيْن وهريسة الفستق ورغيف السيوطي والدجاج وغير ذلك من الخضر كعادة أهل البلد وشكر الناس منه، وكنتُ ممن حضره ورأيت جهاز العروس من الملبوس والفرش في جانب البيت ظاهرًا على حدة ليراه الناس على قاعدة مِلَل الروم. ثم أدخَل العروسة على زوجها في ليلة الجمعة حادي عشر الشهر في بيت زوجها في بيت ابن شمس عند باب العمرة كقاعدة بلدهم.
وحصل في تلك الليلة مطر غزير بمكة وأعمالها حصل فيه النفع وتتابع بعد ذلك فلله الحمد.
وفي ليلة الأربعاء سابع الشهر كانت (٤) وفاة أم ولد القاضي جلال الدين بن ظهيرة المدعوة جوهرة الحبشية فجهزت في ليلتها وصلّي عليها صبح تاريخه عند باب الكعبة وشيّعها خلق من أهل البلد لأجل سيّدها ودُفنت بتربة سلفه بالحجون، وأخذ العزاء فيها وحزن عليها، فالله يعوّضه خيرًا.
стр. 722
وفي يوم تاريخه ماتت ..... (١) ابنة الشيخ ولي الدين أبي زرعة المنوفي العدل، وجهّزها في يومها وصلّي عليها عصر تاريخه ودفنتْ بالمعلاة وهي مراهقة، عوضها الله وأهلها الجنة.
وفي يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر وصل من المدينة الشريفة أوائل القافلة وقالوا إنها افترقت فرقًا متعددة في مكة وجدة لقدم كثير متعادون (٢) إليه ثم تتابعوا بعد ذلك ثلاثة أيام.
ولم يذكر بعضٌ ليلة النصف من مكة لكثرة الأمطار بها وحواليها.
وبيعت الحلوى كل رطل بكبيرين وعثماني لغلو العسل بمكة.
وفي ليلة الإثنين تاسع عشر الشهر ولد لصاحبنا الشيخ المفيد جمال الدين محمد ابن الشيخ فخر الدين أبي بكر الشلح السلمي المكي ولد ذكر من موطوءته الحبشية سمّاه أبا محمد عبد العظيم جار الله، جعله الله ولد الحياة، وحفظه وأخته وأخاه، لأنّ والده احترق قلبه كثيرًا من تكرار موت الأولاد، ﵀.
وفي صبح يوم تاريخه أشيع أنه وصل لمكة قاصد من القاهرة يخبر بنصرة الخنكار سليمان خان ابن (٣) عثمان على الفرنج المخذولين، وعاد إلى تخت مملكته. وأنّ القاصد توجّه لملاقاة السيد أحمد ابن صاحب مكة السيد أبي نمي إلى جهة اليمن لكونه انتقل بفريقه إليها من عرفة، وعاد القاصد إلى البلد في عصر يوم الثلاثاء عشري الشهر واجتمع بقاضي البلد أفندي مصلح الدين مصطفى وأعطاه مراسيمه من الخنكار والباشا نائب مصر.
وفي صبح تاريخه طلب القاضي جماعة الشريف لقراءة المراسيم بالحطيم - على
стр. 723
العادة - فقالوا: هذا لا يكون إلّا بحضرة صاحب السنجق (١) السيد أبي نمي وهو غائب في جازان جهة اليمن. فحينئذ ونصره (٢) على قراءة المراسيم أمام منزله والرواق اليماني من المسجد الحرام، وحضره بعض جماعة الشريف كالحاكم الدهلكي وجوهر أحمر وابن المريسي (٣)، وغيرهم من الأروام والعامة.
وقُرئ مرسوم خنكاري بالتركي للقاضي قرأه أحد مباشري جدة من الأروام ولم يَعْلم العرب ما فيه. وكانت قراءته والقاضي والخلق واقفون على أقدامهم، وغُيّرتْ العادة في قراءته والناس جلوس.
ثم قرأ النجمي محمد ابن الشيخ علم العباسي مرسومًا ثانيًا من الباشا نائب مصر مضمونه يُقال كما في مرسوم الخنكار وهو الإخبار بنصرته على الكفار وأخذهم نحو ثلاثين قلعة سُمِّيتْ بأسماء لا نعلمها وإنه عاد إلى تخت ملكه وأمر بزينة البلاد الحجازية. فسُر المسلمون لنصرته وعوده إلى تخت مملكته، وكثر الدعاء له نصره الله تعالى من كل طائف وقاطن وعاكف.
ثم إن القاضي أمر بإجهار النداء في شوارع مكة بالزينة سبعة، فزُيّنت وبعض بيوت التجار من الروم والعجم في جهة السويقة وابتهج الناس بها، ولله الحمد.
وتُركتْ في جمعة تاريخه قراءة سورة الأنعام بالحطيم الشريف واستكملتْ مدة أربعة أشهر ولم يُصرف لقراءتها معلوم. ولأهل مكة أسوة بأهل المدينة والقدس وغيرهما من البلدان الذين يقرؤونها للخنكار لطلب النصرة والثواب مَن الملك الوهاب.
وفي يوم السبت رابع عشر الشهر فتح البيت الشريف شيخُ الحجبة القدوة الجليل الشرفي أبو القاسم الشيبي ودخل معه قاضي القضاة الحنفي أفندي مصلح
стр. 724
الدين مصطفى الرومي، وشرع في عمارة الرخام المقلوع من أرض الكعبة وجدرانها مع تسمير الأسطوانة الموالية للجهة الشمالية التي أصلحت في عام .... (١) وأربعين وتسعمائة لتشعّثها من المطر جهة الميزاب.
وطلب القاضي جماعة من الفقهاء والعلماء والصالحين منهم شيخ الشافعية أبا الحسن البكري وشيخ الصوفية علي الكيزواني (٢) الحلبي. وبلغني أنّ الشيخ البكري تعرض لمنع العمارة في المحلّ الشريف، وأنه يضرّ بالبيت المعظم المنيف، فترك القاضي ما شرع في عمله، وذلك لخوفه وديانته. فالله تعالى يصلح الأحوال، في الحال والمآل، بمحمد وآله آمين.
وفي جمعة تاريخه ألّفتُ مؤلفي: قمع الشهوات، في رد كذب ناظم القهوات المسماة الجرأة بالنظم في الكذب على العم (٣) ما يقمع مدّعيها ومن كان السبب في نظمها، وتركوا روايتها للناس، حين أنكرها العلماء الأكياس. فالله تعالى يخذل المبطلين، ولا يُصلح عمل المفسدين.
وفي عصر يوم الخميس تاسع عشريْ الشهر حصل مطر غزير بمكة وغيم مطبق منع القاضي لطلوع جبل أبي قبيس لرؤية هلال شهر رمضان ثم إنه كابَدَ الأفندي مصلح الدين فطلع بنفسه مع نائبه القاضي شرف الدين أبي القاسم المالكي وبعض جماعة من العرب والأروام وصلّوا علوه صلاة المغرب فحط عليهم المطر بقوة فنزل القاضي الرومي بكلفة وقد اجتهد رأيه ولم ينظر الهلال أحد بمكة فأصبح أهلها مفطرون بل عمل أحد مفتيي الشافعية الشيخ شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي
стр. 725
نزيل مكة الآن وليمة لعقيقة ولديه المولودين في الخماسين (١) من سنة تاريخه. ودعا فيها شيخه شيخ الشافعية وعين الأعيان تاج العارفين أبا (٢) الحسن محمد البكري وقضاة مكة وفضلاءها ومعتقديها والفقراء أكثر من مائة نفس فأكلوا من الوليمة بعد صلاة الجمعة.
بل تحدث العامة أنهم رأوا الهلال واضطرب الكلام في القيل والقال فلم يفدهم إلّا الملام. ثم إن الناس رأوا هلال شهر رمضان كبيرًا قبل أذان المغرب.
شهر رمضان المعظم استهل كاملًا بالسبت من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٨ م)
فصام أهل مكة في صبحها وتحدث الناس أنّ بعض القرى التي حواليها من الأودية وجدة واليمن وعرفة رأوا الهلال ليلة الجمعة وأنّ بعضهم صامه في يوم رؤيته، فكانت هذه فتنة خفية، لا يعلم حقيقتها إلّا ربّ البرية.
وفي ليلة الثلاثاء رابع الشهر - على رؤية أهل مكة - وُلد وَلَد للإمام أبي اليمن أحمد بن أبي السعادات محمد الطبري إمام مقام الخليل بمكة سمّاه باسم أخيه المتوفى في عام تاريخه البرهاني وأمه الشريفة سعادة ابنة السيد زين العابدين الحسني.
وفي يوم الأربعاء ثاني عشر الشهر - على رؤية أهل مكة - وُلد لإمام مقام الخليل أيضًا الجمالي محمد الملقب بالغزاوي الطبري ولد ذكر سمّاه باسم أبيه المتوفى في العام الماضي الزيني عبد المعطي وأمه فاطمة ابنة القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي السعادات الأنصاري المالكي. فذهبتُ لتهنئته فأخبرني صهره زوج أخته قاضي القضاة الشرفي أبو القاسم المالكي أنّ شهر رمضان ثبت عنده بالجمعة بشهادة بعض
стр. 726
الأشراف وغيرهم المقيمين جهة اليمن (١) - قرب مكة - وكذا جماعة من أهل جدة والأودية، وأنه أرسل بعضهم إلى مستنيبه قاضي القضاة الحنفي مصطفى الرومي فقبله.
وفي يوم الإثنين ثامن عشر الشهر - على الثبوت الجديد - ولد للأصيل السراجي عمر ابن قاضي المسلمين نور الدين علي بن أبي بكر المرشدي المكي الحنفي - شقيق زوجتي أم أولادي -[بنت] (٢) وسمّاها باسم أخته المرحومة أم الأولاد زينب. وأمها سيدة الأهل ابنة العدل المرتضى الزيني أبي السرور بن شرف الدين يحيى بن إدريس بن عبد القوي المكي المالكي. وهنّأه الناس بها لكونها بكره، وعمل لها سابعًا موافقة لأمها.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشر الشهر ماتت سيدة القضاة ابنة الشيخ عبد القادر بن عبد الحي بن ظهيرة المكية، وجهّزها قريبها الشيخ أبو عبد الله بسن عطية بن ظهيرة في يومه وصلّي عليها بعد صلاة العصر وشيعها جماعة من الفقهاء وغيرهم، ودفنت بتربة سلفها عند الشيخ الشولي، رحمها الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
وفي يوم الجمعة رابع تاريخه وصل أقاربها من جدة الوارثين لها أولاد أخوتها وهم المحيوي عبد القادر بن أبي بكر بن عبد القادر ...... (٣) بن عمر بن عبد القادر، وعزاهم الناس فيها، واستولوا على مخلفها وعادوا إلى جدة سكنهم.
وفي ليلة الإثنين خامس عشريْ الشهر كانت العادة يختم فيها إمام الحنفية بالمسجد الحرام من صلاة التراويح فلم يختم نائب إمامهم الشيخ إبراهيم لغيبة مستنيبه في بلاد الروم، لكونه يسلم الشمع والمفرعات والزيت للقناديل وخدمة الفراشين بنحو أشرفيين أو ثلاثة.
стр. 727
وفي ضحى يوم الثلاثاء ثاني تاريخه توجّه الأعيان من أرباب الوظائف كالقاضي مصطفى الرومي ونوابه والقضاة المفصولين الشافعيين البرهاني بن ظهيرة والزيني عبد اللطيف باكثير والمالكي التاجي بن يعقوب لملاقاة صاحب مكة السيد الشريف أبي نمي الحسني بن بركات بن محمد بن بركات بن حسن بن عجلان الحسني المكي لقدومه من بلاد جازان من جهة اليمن. وكان توجّه لمحاربة سلطانها في سابع شهر رمضان من السنة الماضية فظفر به فكملت لغيبته سنة كاملة وعشرون [يوما] (١). فلاقوه على خيلهم من قوز المكاسة (٢) وبعضهم من بركة الماجن. وهو راكب على راحلة محرم بعمرة ومعه قليل من عسكره.
فدخل إلى المسجد وطاف بالكعبة أسبوعًا ودعا له الرئيس أبو عبد الله فوق ظلة زمزم دعاء سلفه المشهور. ثم بعد فراغه من الطواف خرج من باب الصفا لأجل السعي فالتمّ عليه العامة بالدعاء بنصرته وإظهار محبته. فسعى وقضى من شغفته (٣) وتوجّه إلى منزله وقصده الناس والخلق للسلام عليه وتهنئته. وأنشد الشعراء عدة قصائد في مدحه، منهم الشيخ زين الدين عبد اللطيف الديربي والسيد بدر الدين حسين بن ناصر والرئيس أبو عبد الله المكي، وغيرهم مما لا نطوّل بذكرهم.
ثم عمل له ولده السيد أحمد سماطا بعد المغرب عند إفطاره ودعا فيه أرباب القضاة المتولين والمفصولين وغيرهم وجلس القاضي الرومي على يمينه وولده السيد أحمد وبعض القضاة المفصولين على يساره.
وفي ثاني تاريخه عمل له وليمة ثانية قاضي الشافعية المفصول البرهاني إبراهيم بن ظهيرة فحضرها بعض الأعيان فقدم القاضي المتولي الأفندي مصلح الدين
стр. 728
الرومي للسيد أبي نمي هدية من القماش السكندراني والسكر يقال بنحو مائتي أشرفي، وكذا قاضي القضاة التاجي المالكي المفصول يقال إنه عمل حلوى عند الإفطار أو السحور فأعجبه ذلك أكثر من هدية القاضي، ولذلك صلّى في ختم ولده بالمقام كما سيأتي.
وفي ليلة الأربعاء سابع عشريْ الشهر كان ختم مقام الحنبلي وصلّى فيه الإمام الأصيل عفيف الدين عبد الله ابن قاضي القضاة إمام المقام المذكور المحيوي عبد القادر ابن الشيخ نجم الدين محمد بن ظهيرة القرشي المخزومي، وأمه حبشية، وعمره نحو أربع عشرة سنة وظهر بعد وفاة والده بأشهر .... (١) مع أجله نجم الدين محمد وأمه عربية وبينهما في العمر أشهرًا .... (٢) أخوان أكبر منهما، فحضر ختمه بعض القضاة المفصولين وغيرهم من الفقهاء، وكان ختمًا مأنوسًا لطيفًا.
ثم بعد الفراغ منه ختم صلاة التراويح بجماعة من الأروام الأصيل (٣) الفاضل أبو حامد ابن إمام الحنفية المرحوم السيد أحمد بن محمد البخاري الحسني واحتفل بذلك عوض ختم المقام كما تقدم تركه. وختم الجمالي محمد ابن الشيخ جعفر الرومي في الرواق الشرقي وكانت قراءتهما حسنة.
وفي ليلة الجمعة تاسع عشريْ الشهر احتفل قاضي القضاة التاجي بن يعقوب المالكي المفصول بختم ولده البرهاني إبراهيم المراهق صلاة التراويح في مقام المالكية. وعمل له زفة من منزله بالمفرعات والشموع والمشاعل ودعي فيها القضاة والفقهاء والتجار وغيرهم، فمشوا أمام الولد من منزله إلى سويقة الشامي ودخل من باب الزيادة حتى وصل إلى المقام، والنساء يزغردن خلفه بأصواتهن (٤) في المسجد الحرام.
стр. 729
وأنكر ذلك الأروام منهم قاضي مكة الحنفي الأفندي مصلح الدين، وسمعتُه وهو في الطواف يقول: هذا إسراف وهو مخالف للشرع، وأنكره بلسانه وجُبنَ عن الأمر بتركه خوفًا من المعارضة .... (١) خصوصًا وصاحب السنجق في البلاد.
واتفق أنه حضر الصلاة خلف الولد بالمقام وصحبته ولده السيد أحمد وأخوه السيد أبو القاسم وصهره السيد عرار بن عجل وغيرهم من القضاة والأعيان من الفقهاء والتجار وغيرهم، وكثر فيها السرج من الثريات والمفرعات وغير ذلك. وكان بهجًا مأنوسًا وخطب الولد خطبة بعد فراغه على منبر الوُعّاظ - على العادة - ودعا فيه للخنكار وأمير مكة السيد أبي نمي ووالده وجده وناظر المسجد الحرام. فخلع عليه السيد أبو (٢) نمي خلعة قفطان وكذا .... (٣). ويقال ذلك بسؤال والده للشريف فجازاه بذلك على هديته المتقدمة عند قدومه. وعُدّ حضوره من الغرائب لكونه لم يتفق لغيره وهو من العجائب.
وأصيب الشريف أبو (٤) نمي في المجلس قبل الفراغ من الختم لوصول الخبر له بوفاة ولده الشريف أبي سعد - وهو مراهق - وتركه مريضا بفريقه فوصلوا بجنازته لمكة، فجهّز في ليلته وصلّي عليه ودفن في صبح تاريخه وشيّعه الأعيان للمعلاة.
شهر ذي القعدة الحرام استهل كاملا بالإثنين من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٨ م)
وفي صباحها سافر صاحب مكة السيد أبو نمي محمد بن بركات الحسني
стр. 730
إلى جهة الشرق على نية محاربة عرب سبيع وشيخهم الرويبي، وأخفى طلبه لذلك، فأُنذر خصمه به فقرّ منه ولم يلحقه، فقُدر أنه وقع على الشريف في ليلة ثالث الشهر مطر قوي بثلج كبار فقرّر بعض خيله من ذلك حتى وجدهم مفرقين.
واستعمل من الثلج أخوه الشريف أبو القاسم ابن السيد بركات فمرض بالحمى وكُتِم باطنه نحو جمعة ثم قضى نحْبه في عصر يوم الخميس حادي عشر الشهر. فجهّزه شقيقه على راحلة له وأرسل معه ولده السيد أحمد والشريف عرار ابن عجل وغيره من الأشراف والقواد، فجدّوا به في السير مسافة خمسة أيام في يوم وليلة وصلوا به إلى مكة في عشاء ليلة السبت ثالث عشر الشهر ودخلوا به إلى منزله وجهّز فيه وصلّي عليه عند باب الكعبة في صبح تاريخه، وشيّعه القضاة والأعيان وغيرهم، ودفن في قبة أبيه الجديدة من جهة القبلة ومن الجانب الآخر أخوه ثقبة.
وعُملتْ له ربعة في المسجد الحرام والمعلاة ثلاثة أيام وخُتم له في صبيحة رابعها يوم الثلاثاء سادس عشر الشهر، وأنْشِدتْ (١) فيه عدة مراتٍ، ونعى عليه النساء في المعلاة أياما، ووصل الأشراف من البر للعزاء به، رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين.
وخلف ستة أولاد من الذكور والإناث ﵀ وعوضه في شبابه الجنة - وأظهر الحزن عليه أخوه السيد أبو نمي فتوجّه من غيطه بحرا (٢) بخيله ورواحله إلى جهة عرب مطير وبني حرب بن علي وشيخ أولهما جغيمان والثاني سعي (٣) فكبس فريقهم وأخذهم بغتة فكسب مالهم من الخيل والإبل والغنم شيئًا كثيرًا. فمن الخيل يقال نحو المائة ومن الإبل والغنم بالآلاف. ثم إن شيخ بني حرب أظهر له الصلح
стр. 731
وأنه طائعه فرد عليه تعلّقه وغنم الباقي ودخل به مكة وباعه بها. كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
واتفق في أول الشهر وصول الخواجا محمد على القيلاني من الديو ونزل من المراكب الهندية على البر من جهة درب اليمن وفرح التجار بوصوله بغتة، وأخبر بوصول خمسة مراكب من الديو وأقام بمكة أيامًا ثم توجّه لجدة. ودخل مركبُه وغيره من المراكب الهندية من جهات متفرقة.
وفي ليلة السبت سادس الشهر سافر الجدة قاضي مكة مصطفى الرومي وباشر المعشر في الفرضة السلطانية، وأنكر الناس عليه هذه القضية لكونه قاضي الشرع ولم يتوقف عن حضور المكس، وذلك لعدم نائب الجدة فيها. ثم إنه فوّض الأمر إلى اليازجي الرومي - أحد الكتاب بجدة - وعاد لمكة بعد نصف شهر وأكثر.
وكان القاضي الرومي الأفندي شرع أول شهر تاريخه في عمارة تربة له بالمعلاة بجانب قبة خوند أم الناصر ولد الأشرف قايتباي في مارة الطريق جوار مسجده وعمل فيه سبيلًا وفتح دبلًا (١) في عين مكة وسافر لجدة ولم يكمل، وجعل عليها قيّمًا أحمد بن … (٢) الترجمان عنده فباشر في غيبته إلى حين وصوله من جدة.
وفي يوم السبت المذكور اتفق في بيت الخواجا روح الدين العجمي اللاري بالسويقة أنّ بعض العمال المشهورين نزل في صهريجه لكَنْسِه فمات بوصوله إليه، ويقال ذلك من الجان، فنزل له عبد صاحب البيت فمات أيضًا ثم مات ثالث (٣) يجعل عشرة .... (٤) كبار له فمات أيضًا، فاضطرب الناس لذلك. [وظهر أنه من
стр. 732
عفونة الأرض وحبس الهواء الحي عنها، ويقع ذلك كثيرًا فليتيقظ لذلك] (١).
ثم إن شخصا يقال له أبو شعرة طلب أشرفيا سلطانيا (٢) عن أربعة أشرفية فنزل لهم فأخذ حرزا وفتح للصهريج بابًا ثانيًا (٣) ودخل فيه فأخرج الأموات الثلاثة الذين (٤) فيه وسلم هو، وعُدّ ذلك من الغرائب. وطلب الحاكم صاحب البيت وأراد أخذ مال منه فقال له: لم آمر أحدا بالنزول فيه إلا الأخير وسلّمه الله تعالى، فما رضي الحاكم حتى تركه، فلله الأمر.
وفي فجر يوم السبت رابع الشهر مات الجمالي محمد ابن المرحوم قاضي القضاة أبي حامد بن عطية بن ظهيرة الحنبلي وهو مراهق عمره خمس عشرة سنة، وصلّي عليه عصر تاريخه عند الحجر الأسود ودفن بالمعلاة في تربة سلفه التي جوار الشيخ علي الشولي.
وعُملت له ربعة في المعلاة وخُتم له في رابعه رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين. وخلّف أمه وعصبته، عوضهم الله فيه خيرًا وعوضه في شبابه الجنة.
وفي ظهر يوم الجمعة ثاني تاريخه مات الخواجا خليل بن محمد الكيلاني أمين الصدقة المظفرية الهندية - كان - وتخلف دفنه إلى صبح تاريخه لأجل الختم على بيوته وحواصله. وكان وجعه أيامًا وفرّق صدقة في أول وجعه نحو خمسمائة أشرفي وأوصى لابنته الموجودة وأنّ له جاريتين حاملتين وضعت إحداهما (٥) .... (٦) وجعل وصيّه الشيخ أبا زرعة المنوفي أحد العدول وأثبت ذلك عند القاضي الرومي، ويقال
стр. 733
إنه عقد بابنته على ولد الشيخ أبي زرعة وأنه أوصى بصدقة لأهل الحرمين مكة والمدينة ولم تظهر حقيقة ذلك.
وصلّي عليه بعد صلاة الصبح يوم السبت سادس الشهر ودفن بالمعلاة عند قبر أبيه بجوار الشيخ علي الزيلعي - رحمه الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين - وعُملت له ربعة في المعلاة وخُتم له في رابعها.
وفي ضحى يوم السبت المذكور. ماتت .... (١) الطفلة زينب ابنة المرحوم القاضي بدر الدين ابن قاضي القضاة الجمالي أبي السعود بن ظهيرة. وجهّزت في ساعتها وصلّى عليها (٢) عند الحجر الأسود وليها القاضي برهان الدين إبراهيم ابن القاضي شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن ظهيرة ودفنت بتربة سلفها بالحجون، وخلفت زوجها الذي تزوجها في سنة تاريخه وعمتها أخت أبيها وعصبَة وعُملت (٣) لها ربعة بالمعلاة وخُتم لها في رابعها.
وفي يوم ..... (٤) عشري الشهر طلبني قاضي المالكية الشرفي أبو القاسم الأنصاري لدعوى أخي من جهة مبيعِهِ لي لحصة في بيتنا بمنى ودعواه أنه بيع الناس (٥) ويريد إبطاله لقلة عقله وعدم تدبيره. فحضرتُ في مجلسه ورأيت فيه جماعة من علماء المالكية وسألوني مع القاضي برده إليه ويعطي لي ما دفعْتُه له وعهدة ذلك على القاضي، وطلب مستندي فأعطيتُه له وقال لأخي: مهما جئتَ به أنا أسلم الباقي، فظهر من أخي الجرأة والإقدام كعادته فيّ، وقال في المجلس إنه يتقرّب إلى الله بقطيعي. فأنكر الحاضرون عليه ذلك فالنْتُ له الكلام، وبدأته وولده
стр. 734
بالسلام، حتى بكى الحاضرون وصاروا كلهم شاكرين (١) [وصاروا يلومونه ويعتبون] (٢).
واتفق الحال على صلح الولد لابنتي ويسكن هو وولده معي وقف والدي. فقاموا من المجلس ولم يظهر لفعلهم نتيجة إلّا المكر والخديعة. ثم بعد عدة أيام لما كثر عليهم الإنكار حصلوا من الدراهم خمسة وخمسين بنقص عن أصلها ثلاثين، وتوجّهوا بها إلى القاضي، وتردّد الولد مدة .... (٣) لها للنفقة ولم يأكل عندها، فظهر لي منهم الخديعة. ثم إن القاضي [دعاني] (٤) لقبض الدراهم ناقصة بأزيد من ثلثها، فوقع بيني وبينه من الكلام ما حصل به الخصام، وناقض قوله فعله، وعند الله تجتمع الأخصام، بل أكد العداوة بيننا فأشكوه إلى الله، فإنه يعلم السر وما أخفاه، وصار القاضي خصمي، وصرّح لي بأنّي إن (٥) لم أقبض الدراهم ناقصة أبطل حكمي، (٦) الأخت بينما يمتنع منزلها بمنزلي. وقبضتُ الثمن منه وأوقفتُ نصفه عليها ونصفه على سبيل بمنى. والله يخلف عليّ بخير. فأمرهم بالإتيان إلى منزلي والسلام على ابنتي، فجاء الأخ إليها وولده وسلموا عليها. [وما في القلوب يعلمه علام الغيوب] (٧).
وفي ضحى يوم الخميس خامس عشريْ الشهر شُمّرت ثياب الكعبة الشريفة ويسمى إحرامها كعادتها من بني شيبة وخدامها بحضرة شيخهم [وخدام الدرجة
стр. 735
والعامة] (١).
وفي عصر يوم الجمعة ثاني تاريخه وصل قاصد لمكة من القاهرة وكان أرسله الأمير جانم الحمزاوي للقاضي (٢) الأفندي مصطفى الرومي الحنفي. ولحق الحاج المصري في الحوراء وأخبر أنهم قليل والأسعار معهم، رخية، فاستبشر أهل مكة بذلك لتحرك الغلاء بها في الأقوات. فالله تعالى يرخّصها ويرخّص أسعار المسلمين. [ويولي علينا خيارنا، ويغفر أوزارنا] (٣).
وكان القاصد دخل إلى القاهرة بعد بروزهم منها بيومين وأقام بها نحو عشرة أيام، ودخل مكة بعد عشرين يومًا ومعه الأجوبة من نائب القاهرة لقاضي مكة من جهة الترك ومعارضة الأمين عليها ويسمى المالحي لأميرها السيد أبي نمي محمد بن بركات الحسني في أخذ عادته للألف أشرفي من كل تركة، ومهما زاد يكون للخنكار. فأحال نائب القاهرة على .... (٤) مراسيم الشريف القديمة من زمن الأشرف قايتباي لسلفه، وأن يترك له ذلك. فتوجّه الأفندي بمراسيمه للسيد الشريف في مغرب تاريخه وفتحها بحضرته وقرأها عليه فسُر بها واطمأنّ خاطره، وذلك لحسن سياسة القاضي وتدبيره في مصالح أهل مكة، جزاه الله خيرًا. ثم بعد وصول القاصد بيومين وصلت راحلة من أمير الينبع لصاحب مكة بخبر الحاج ولم تظهر له نتيجة.
ثم في عشاء ليلة الإثنين تاسع عشريْ الشهر وصل لمكة أول الحاج المَصري على بغال وفيهم ابن العظمة المقوم. ثم تتابع الحاج في صبح تاريخه ومعهم جماعة من التكاررة وقاضي العسكر بمدينة تونس العلامة الشيخ مغوش المالكي، وكان قدم من
стр. 736
الروم إلى دمشق الشام وتوجّه إلى الشام وتوجّه منها إلى القاهرة ثم إلى مكة، كما كتب لي به محدث الشام الشيخ محمد بن طولون الصالحي الحنفي، وقال: إنه من العلماء المحققين في سائر العلوم خلا فن الحديث على طريقة أبناء الغرب. وأقام بدمشق نحو الأربعين يومًا وسافر في سادس عشر جمادى الآخرة سنة تاريخه.
وعبّر عن هذا التاريخ الشيخ شهاب الدين الطيبي فقال: في السدس الرابع من الخمس الثالث من النصف الثاني من السدس الثالث من العشر الرابع من العشر الخامس من العشر العاشر من الهجرة.
وفي صبح تاريخه خرج لملاقاة أمير الحاج الزيني مصطفى كاشف النشار (١) الذي كان أمير الحاج في العام الماضي الشريف ابن صاحب مكة السيد أبي نمي ثاني أولاده ومعه مأكول من الفاكهة وغيرها من عند والده على عادته. ثم لاقاه والده من سبيل الجوخي (٢) بالزاهر وعرض له بعسكر في صبح يوم الثلاثاء سلخ الشهر من المختلع، فخلع عليه وعلى السيد أحمد نائبه في سلطنة مكة خلعتين عظيمتين وطرازتين على عمائمهما الطبقين (٣). وخلع على السيد عرار بن عجل وقاضي مكة الرومي الأفندي مصلح الدين الحنفي قفطانين مدنّريْن.
ونزل أمير الحاج مع السيد أبي نمي إلى مدرسة الأشرف قايتباي بالمسعى، وفارقه الشريف والقاضي إلى منزلهما، وسُرّ الناس بهم ولله الحمد.
стр. 737
شهر ذي الحجة الحرام استهل كاملًا بالأربعاء من سنة ٩٤٤ هـ (١٥٣٨ م)
واختلف بعض الناس في رؤيته بالثلاثاء ولم يثبت - كما سيأتي ذكره - ونزل وطاقه أمير الحاج المصري خارج باب المعلاة عند البرَكْ وقيّم أمين الصدقة الرومية في محطته.
وأشيع أنه نهب له عدْله فيها بَقْجَة ثيابه ودفتر المبرة الرومية فتشوش الناس لذلك وصار بعضهم يصدق الخبر وبعضهم يكذبه، حتى توجّه الأمين الرومي إلى صاحب مكة السيد أبي نمي وأخبره بخبره وقدم له هديته الواصلة معه من الخنكار مع مراسيمه، فقال له: إن كانت السرقة عند جماعتي يُحضرون (١) وإن كانت عند النفر فهي درك أمير الحاج، وكل منا يفحص عنها. فظهرت عند النفر ورُميَ الدفتر عند خيمة أمير الحاج، ولم تظهر حقيقة لحوائج الأمين. ثم إنه سكن في المدرسة الكلبرجية (٢) المجاورة لباب الصفا - أحد أبواب المسجد الحرام - علي عادة الأمناء قبله. وتحرك سكانها في منعه لوصول مرسوم لهم بعدم سكن الأمين عندهم لضررهم من جماعته فلم يُفدهم ذلك لمصلحة الناس وصيانة المال.
ثم إن الأمين شرع في القسمة يوم الخميس ثاني الشهر وحضر الأفندي القاضي مصطفى الرومي أول مجلس مع كتّاب السيد أبي نمي والشيخ أبي زرعة - أحد العدول - بإشارة من صاحب السنْحق. ثم ترك القاضي الحضور بنفسه وأمر بعض جماعته بملازمتهم. ففُرّقتْ على العرب أولًا ثم العجم والأروام واستمرت
стр. 738
التفرقة خمسة أيام متوالية.
وفي يوم الإثنين سابع الشهر أعطى الأمناء مشائخ الأربطة ففرقوها على أربابها وانفرجوا فيها وتضاعف الدعاء لمرسلها وأمينها ومن حضر تفرقتها.
وحصل لي في عصر يوم الخميس في أول يوم من تفرقتها محنة وقعت لي مع أخي لعدم توفيقه معي لجرأته وولده عليّ. وذلك أني قررت له في بيتي بالمبرة الرومية عند توجّهي للأبواب الخنكارية في سنة عشرين وتسعمائة أربعة أسماء باثني عشرة أشرفية ولي مثلها ولأختيّ سعادة وسيدة قريش مثلها ولفاطمة ابنة صاحبنا الجمالي الشلح اسم، الجملة ثلاثة. فمات من أصحاب الأسماء اثنان وأسقط الأمناء اسما من نحو عشر سنين، فوزعتْ على كل أربعة أسماء أشرفيًا ذهبًا واحدًا وأعطي الباقي لأربابها وهم شاكرون مني وراضون عني لتوسطي لهم في الخير المرتب في كل عام ولي أسوة بهم.
فأظهر الكمين من باطنه والظلم لي كعادته وطلب مني زيادة للنقصان، وما قضيتُه من دينه بالضمان وهو ثلاثة أشرفية ذهب، فظهر لمن رآه أن عقله ذهب، فأساء هو وولده عليّ فطلبتُ تأديب ولده فمدّ يده إليّ وضربني الآن على رأسي حتى سال دمي. فتوجّهتُ حينئذ إلى الأفندي قاضي الحنفية وهو (١) في مجلس تفرقة الرومية، فأرسل معي شخصًا لإحضاره، فرأيته (٢) ذهب في فراره، إلى شيخ الشافعية أبي الحسن البكري ودخل عليه في خلاصه مني، فتكلم عليه بحضرتي بما فيه رفعته لي وسألني في العفو وترك الأجر على الله. فوكلت أمري إلى الله واستعنت، ثم دخلت إلى الطواف الشريف، ودعوتُ الله تعالى في المحل المعظم المنيف، وغيره من المشاعر
стр. 739
كالصفا والمروة وطلبتُ من الله النصرة عليه في كل مرة. فظهر عليه الخذلان والذل والهوان. ثم إنه جاءني هو وولده إلى محلي وقبّل كل منهما قدمي، فحصل لي عند ذلك عبرة، وسألت الله في وقاية كل عثرة، وأن يرحم شيبي ويقطع من قطعني، ويصل من وصلني، فإنه بالإجابة جدير، وعلى ما يشاء قدير.
وفي ضحى يوم الجمعة ثالث الشهر كانت تفرقة الذخيرة الشريفة في المدرسة الأشرفية بحضرة خازندار أمير الحاج المصري ومباشره وشاهديْ قاضي المحمل. وكانت التفرقة ذهبًا، وهي هنيّة، أيامًا متوالية.
وفي ليلة الإثنين سادس الشهر وصل جماعة من الحاج الشامي وأميرهم حسين بك الرومي نائب عجلون والعيلب (١) من أعمال دمشق الشام.
وعرض له صاحب مكة السيد أبو نمي بعسكره من الزاهر وخلع على ولده الكبير السيد أحمد وفارقه من الأبطح. ووصل صحبة الحاج الشامي وزير سلطان الهند مظفر شاه المدعو آصف خان، وكان وصل من الروم وزار القدس والخليل ورفقته إمام الحنفية السيد جمال الدين محمد بن أحمد البخاري الحسني وقريبي العلامة تقي الدين محمد بن العدل خير الدين أبي الخير ابن الشيخ بدر الدين حسن بن النجمي محمد بن فهد الهاشمي الحنفي.
ولاقى الوزير من الحجون جماعة من أصحابه وأرباب الوظائف ببلده وترجل لأجلهم ودخل مكة ماشيًا، ولاقيته من المعلاة فأظهر المحبة والمودة على عادته. وطوّفه وسعّاه إمام الشافعية الأميني أبي اليمن ابن الإمام أبي السعادات الطبري المكي بأمره. وركب الوزير في بعض سعيه ومشى الإمام تحته، وأنكر ذلك الفضلاء، وهرع أهل مكة للسلام على الوزير والقادمين من الشام.
стр. 740
وأضفْتُ قريبي التقي بن فهد جذابة (١) وعسلًا وسرّني قدومه بعد غيبته خمس سنين، وكنتُ أخشى في سنة تاريخه أن يقطع مرتبه لكونه وصل مرسوم بعدم إعطاء الغياب مرتبهم في المبرة الرومية، فأحمد الله تعالى على وصوله وجمع الشمل به وبولده وأمه.
ووصل مع الحاج الشامي مرسوم للخطيب محيي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن العراقي الشافعي بولايته من الروم لنصف الخطابة عوض الشيخ جمال الدين محمد ابن شيخنا عبد الله باكثير الشافعي. وباشر خطبة يوم السابع يوم الثلاثاء ثاني تاريخ وصول الحاج الشامي ومرسومه، وهنّأه أصحابه برد وظيفته إليه. وظهر بعض الأشراف الحسينيين من أهل المدينة وجماعة من حضرموت وأخبروا برؤية هلال (٢) ذي الحجة في ليلة الثلاثاء. واختلف الناس ووصل الخبر إلى صاحب البلد ونائبها الرومي فأمر بالنداء: من رأى هلال ذي الحجة بالثلاثاء فليحضر عند الأفندي، فلم يحضر أحد. وتشوشت الخواطر من هذه الرواية. فأمر الأفندي بالتوجّه إلى عرفة في ليلة الأربعاء ويومها لإدراك الوقفة فيها فتوجّه الحاج إليها.
وكانت الوقفة يومين بالأربعاء والخميس وأدرك كثير من الناس غالب الليلة الأولى أو بعضها على قول بعض الشافعية: من أدرك جزءًا من الليل فقد أدرك الوقفة وليلتها تابعة (٣) ليومها، خلافًا لبقية أيام السنة فإن النهار تابع لليل وعليه الإجماع.
وبيعت الأسعار في الأقوات (٤) رخية وكذا الكباش والسمن. وأقام الناس بمنى ثلاثة أيام وهم آمنون. وشرع قاضي الحنفية الرومي الأفندي مصلح الدين في تفرقة