← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 30012

نحو الفقهاء = مجرد مقالات أبي إسحاق الشاطبي في العربية

أحمد فتحي البشير

Полный текст (236 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

"حدَّثني الشيخ الفقيه الأستاذ النحوي الفاضل أبو عبد الله محمد بن علي البَلَنْسي ﵁، قال: أصابت أبي أزمةٌ شديدة لحقنا بسببها كربٌ عظيمٌ، فبينما أنا ليلةً نائمٌ، إذ أتاني رجل حَسَنُ القَدِّ والصورة، أشبَه رجل بالأستاذ أبي عبد الله بن الفَخَّار شيخنا ﵀، فقال لي: أين دعاء الخَضِر ﵇، فقلتُ له: وأين هو؟ فقال لي قل: "اللَّهم يا مَن لا يشغَله سمعٌ عن سمعٍ، ويا مَن لا تُغلِّطه المسائل، ويا مَن لا يتبرَّم من إلحاح المُلِحِّين أذقْنِي بَرْدَ عفوك وحلاوةَ مغفرتك". قال: وقد كنتُ حفِظتُه قديمًا، ونسيتُه، فذكرتُه عند ذلك، ثم قال: قل: "اللهم أدِّ عني الدَّين، وأغنني من الفقر، اللهم خِرْ لي واختَرْ لي، فإني قد عجزتُ عن صلاح نفسي، وفوضتُ لك أمري". فاستيقظتُ وقد حفظتُه، فدعوتُ الله به فلم يكُن إلا يسيرًا ثم فرَّج الله عنا ببركة هذا الدعاء. قال: فلم أزَل أدعو به إثر الصلوات إلى الآن. قلتُ: وقد سمعتُه يدعو بهنَّ إثر الصلوات، وما تركتُهنَّ أنا منذ حدَّثني بهذا". [أبو إسحاق الشاطبي في "الإفادات"، ص ٩٤، ٩٥]

стр. 2

كلمة حقٍّ "إنَّ الشريعة عربية، وإذا كانت عربية؛ فلا يفهمها حقَّ الفهم إلا مَن فهم اللغة العربية حقَّ الفهم؛ لأنهما سيَّان في النمط … ؛ فإذا فرَضْنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئٌ في فهم الشريعة، أو متوسطًا فهُو متوسطٌ في فهم الشريعة والمتوسطُ لم يبلُغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان فَهمُه فيها حُجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حُجةً، فمن لم يبلُغ شأوَهم؛ فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكلُّ مَن قصُر فَهمُه لم يُعَدَّ حُجةً، ولا كان قوله فيها مقبولًا … الحاصلُ أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فَهمُ خطابها له وصفًا غيرَ متكلَّف ولا متوقَّف فيه في الغالب إلا بمقدار توقُّف الفَطِن لكلام اللبيب". [أبو إسحاق الشاطبي في "الموافقات" ٥/ ٥٣ - ٥٧]

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه تعالي نستعين الحمد لله الذي حفظ شريعته من عبث العابثين، وأهواءِ أصحاب الشهوات المُرتابين، والدُّخلاء الجاهلين، وصلَّى الله على سيدنا وإمامنا محمد رسول الله الذي بلَّغ ما أُنزِل إليه من ربِّ العالمين، وعلى أصحابه الذين تحمَّلوا همَّ هذا الدِّين، وبذلوا من أجله كلَّ غالٍ وثمين، وعلى تابعيهم ومَن جاء بعدَهم من العلماء الجِلَّة الذين بيَّنوا هذه الشريعة أحسن تبيين. أما بعدُ؛ فإن شريعتنا نحن المسلمين شريعة عربية؛ فأصلُها وأسُّها القرآنُ الكريم وقد نزل باللسان العربي وعلى معهوده، وكذا السُّنة النبوية المشرَّفة عربية اللسان، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، وقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]. فمن جهة هذا اللسان يُفهَمان، لا سبيل إلى فهمهما بغيره. وبهذا القيد أُغلق باب التكلُّم فيهما أمام وجه غير المتحقِّق بعلوم هذا اللسان فاقد الرسوخ فيها؛ فكانت العربية لذلك من أهمِّ دُرُوع وقاية الشريعة من

стр. 4

الجاهلين بها والمرتابين فيها والجاحدين لها. ومن هنا كثُر تنبيه العلماء على اختلاف فنونهم وعلومهم على أهمية العربية بالنسبة للشريعة وعلومها؛ هكذا تجد الفقهاء والأصوليين والمفسرين والبيانيين وأهل الأدب وعلماء الكلام. ولما كانت العربية بهذه المرتبة والأهمية أفرد جَمْعٌ من العلماء بيان أهميتها هذه بالتصنيف والتأليف، وأوَّل هذه المصنَّفات المطبوعة في حدود اطلاعنا كتاب "تنبيه الألباب على فضائل الإعراب" لأبي بكر الشَّنتَريني (ت ٥٤٩ هـ)، وهو كتاب صغير الحجم (١)، وهو أشبه بالإشارات والتنبيهات، لكنه نفيس من جهة تقدُّمه في الزمن، ومن جهة اشتماله على بعض النصوص المهمة. ويليه كتاب النجم الطُّوفي (ت ٧١٦ هـ) المسمَّى "الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية"، وقد استوعب فيه الطُّوفي جهات أهمية العربية بشيء من البسط والبيان مع ما فيه من النكات والإشارات المهمة كما هي عادة الطُّوفي في كتبه. وآخرُها وأكثرها بسطًا كتاب "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام" لابن الأزرق الأندلسي (ت ٨٩٦ هـ)، ويكاد ابن الأزرق أن يكون قد جمع فيه كلَّ ما يتعلَّق بهذا الموضوع، هذا مع كثرة النقول النادرة النفيسة والفوائد العزيزة.

стр. 5

وكلُّ هذه التصانيف قد أُقيمت في بيانها أهميةَ العربية على ثلاثة محاور (١): الأول: كون النحو أداة لفهم نصوص الشرع من الكتاب والسُّنة، والسبيلَ الأول لتقرير المعاني واستنباطها منهما. الثاني: الحاجة إلى النحو في سائر العلوم، فالنحو يُرشِّح صاحبَه إلى الخوض فيها؛ لأن سائر العلوم مفتقرة إلى النحو، ومن لم يُحصِّل النحو على الوجه اللائق فلا ثقة فيما حصَّله من هذه العلوم. الثالث: قُبح اللحن وضرره؛ لما يترتب عليه من الخطأ في قراءة القرآن والحديث، وغير ذلك من أضرار اللحن. ومما يدخل ضمن المصنَّفات المبيِّنة لأهمية العربية الكتبُ التي أُفرِدت لتخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية ككتاب الإسنوي (ت ٧٧٢ هـ) المسمَّى "الكوكب الدُّري فيما يتخرج على الأصول النحوية من الفروع الفقهية"، وكتاب ابن المِبرَد الحنبلي (ت ٩٠٩ هـ) المسمَّى "زينة العرائس من الطُّرف والنفائس في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية"، وكتاب ابن طولون الحنفي (ت ٩٥٣ هـ) المسمَّى "قمر الصحو في تنزيل الفقه على النحو"، وغيرها مما صُنِّف في هذا الشأن. وهذا النوع من الكتب يُفصِّل في جانب مما يذكره بعدم تفصيل وإسهاب أصحابُ الكتب المفردة في فضائل العربية وأهميتها، وهذا الجانب داخلٌ في المحور الأول من المحاور الثلاث السابقة الذِّكر.

стр. 6

وهذا الاعتناء من العلماء ببيان أهمية العربية وتأكيد التنبيه عليها في ثنايا كتبهم على تنوُّعها، كلُّ أهل فنٍّ لا تكاد كتبهم تخلو من هذا إما نصًّا وإما إشارةً وإما إيماءً، ثم إفرادهم التصانيف والتواليف في بيان هذه الأهمية - إنما كان ذلك منهم لمعرفتهم عِظَم خطرها واشتداد مسيس الحاجة إليها في الشريعة؛ فإن قاعدة الشرع أن الشيء إذا عَظُم قدره شُدِّد فيه، وكثُر التنبيه عليه، وبُسِط الكلام فيه (١). ومن تأمَّل حال علماء الشريعة وجَد أن الواحد منهم كلما زاد عِلمه ورسوخُه في العربية زاد فَهمُه لكلام الشارع وبصرُه بمراميه ومقاصده، وما علَت رتبة الشافعي على غيره من الأئمة إلا بالعربية، وهو أول من صنَّف في الأصول في "الرسالة" المشهورة، وقد نبَّه فيها على منزلة العربية من الشريعة وعظيم مكانها منها (٢)؛ ولهذا فإن كلَّ أتباع مذهب إمام من الأئمة المتبوعين كانوا حريصين - وهو حقٌّ، أعني أصل التنبيه - على بيان تقدُّم إمامهم في العربية والذَّبِّ عنه فيما يُوهِم بخلاف ذلك (٣).

стр. 7

ومن الذين كانت لهم قَدَمٌ راسخة في الشريعة، وكان أحد الأسباب في رسوخه هذا وأهمُّها هو تحقُّقه بالعربية وأخذُه بناصية علومها - الإمام النَّظَّار الشهير أبو إسحاق الشاطبي، ومن طالع كتبه وتأمَّلها حقَّ التأمُّل يجِد أن أحد أركان مشروعه الذي انشغل ببيانه وتقريره في هذه الكتب - هو عِلم العربية؛ فهو عنده المدخل إلى الشريعة، وهو العِلم أكيد الاشتراط في رتبة الاجتهاد؛ فلا يكفي فيها اليسير منه في حقِّ مَن أراد تحصيل هذه الرتبة، بل لا بُدَّ له من تحصيله على كماله حتى يكون من أهله، وهو العِلم الذي بسبب إهماله رفَعت البِدَعُ رءوسها، واتسع الخرق في الأزمنة الأخيرة على الراقع؛ فكثُرت الدعاوي على الشريعة. وقد كنتُ في أثناء إعداد رسالة الماجستير الموسومة "أصول العربية بين متقدِّمي النحاة ومتأخِّريهم؛ دراسة في فكر أبي إسحاق الشاطبي" أتنبَّه إلى هذا المأخذ عنده، وكثرة كلامه ونصوصه فيه، فكنتُ أجمع تلك النصوص في قُصاصات، ثم انشغلتُ عن ذلك بالعمل في الدكتوراة وبعض الأعمال العلمية. ثم بعد أن انتهيتُ مما كنتُ مشغولًا به عُدتُ إلى النظر في هذه القصاصات، فوجدتُها مادة نافعة ثريَّة، فيها من التحقيق والتحرير ما فيها كما هي عادة الشاطبي فيما يكتب، فرأيتُ أنها تستحقُّ أن تُفرَد بالتصنيف؛ فاستشرتُ في هذا بعض النُّبهاء من الأصدقاء والزملاء؛ فأجابوني بالموافقة وبأنها فكرة موفَّقة؛ فاستعنتُ بالله تعالى وجردتُ مصادر هذه المادة مرة أخرى؛ خوفًا من أن يكون قد فاتني شيء منها لم أنتبه إليه في جردي لها في المرة الأولى.

стр. 8

وقد رأيتُ بعد التفكير ومشاورة من هو بهذا الأمر خبير وَسْمَ عملي هذا بـ "نَحْوِ الفقهاء؛ مُجَرَّد مقالات أبي إسحاق الشاطبي في منزلة العربية من الشريعة". والمراد بـ "نحو الفقهاء" هو النحو كأداة وآلة لفَهم كلام الشارع وتقرير الأحكام الشرعية والفروع الفقهية، والذي يدلُّ على هذا رسالةُ ابن طولون الحنفي المسمَّاة "إتحاف النبهاء بنحو الفقهاء" (١)، ولعلَّ الميداني (ت ٥١٨ هـ) في كتابه المسمَّى "نحو الفقهاء" قد أراد تقرير هذا المعنى. ومما يدلُّ على هذا أيضًا صنيع القاضي ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ) في كتابه المسمَّى "ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين واللغويين" (٢).

стр. 9

أما قول أبي حيان الأندلسي عن مقدِّمة ابن الحاجب في النحو بأنها "نحو الفقهاء" (١)، وقد أراد الانتقاص منها، فهو مع مراده هذا لا يطعن في هذا المعنى الذي قرَّرناه؛ إذ أراد أن ابن الحاجب تعرَّض لمسائل في العربية هي أليق بكتابات الأصوليين والفقهاء، وهي هذه المسائل المحتاج إليها في تقرير معاني كلام الشارع (٢)، فكأنه يرميه بأنه أَدخل فنًّا في فنٍّ آخَر. وفي هذا الذي قرَّرناه من خلال إشارات العلماء من المراد بـ "نحو الفقهاء" تنبيهٌ من طَرْف خفي على أن مِن مسائل الصناعة النحوية ومباحثها ما لا يُساعِد بالنظر الأصلي والقصد الأوَّل على أخذ المعاني وتقريرها من نصوص الشارع، وهو ما مثَّل له الشاطبي وذكرناه ضمن مقالاته هنا. ولهذا كلِّه وضعتُ عبارة: "نحو الفقهاء" في عنوان الكتاب. أهمية هذا العمل: وأنا أُرجِع أهمية هذا العمل وكونَه محتاجًا إليه إلى عدة أوجه: الأول: أن كلام الشاطبي في هذا الشأن كامل الأركان والمباحث والمسائل؛ فكلامه فيه من هذه الجهة كأنه مصنَّف مستقل قد قصد إليه الشاطبيُّ قصدًا، إلا أن كلام الشاطبي على الصورة التي قرَّرتُها في عملي هذا لم يكن مني على طَرَف الثُّمام؛ إذ كلامه الذي يخصُّ موضوع كتابنا كان متناثرًا في كتبه تحت مباحث أفردها لغير هذا الموضوع بالخصوص وإن كانت دالَّةً عليه ولا بُدَّ،

стр. 10

وما كان هذا شأنه - لا سيما أنه لِعَلَم كالشاطبي - فهو حقيق على أن يُفرَد بمؤلَّف. الثاني: أن ما سطره الشاطبي في هذا الموضوع يزيد على الكتب المصنَّفة فيه السابقة الذكر من ثلاث جهات: ١ - عدد المباحث والمسائل؛ فقد زاد الشاطبي فيها عما سطره غيره، يُدرَك ذلك بأدنى اطلاع عما في هذه الكتب وما في كتابنا هنا. ٢ - التفصيل والبسط في بعض المباحث والمسائل التي اشترك في تناوُلها مع أصحاب هذه الكتب. ٣ - نُزُوعه إلى ذكر الأصول والكليات الحاكمة لما يذكره، والتعليل لما يُقرِّره، والإجابة عما يُورَد عليه، وهذا شأنُه في سائر مصنَّفاته (١). الثالث: هو أن ما أودعه الشاطبي في كتبه الكبار: "الموافقات"، و "الاعتصام"، و"المقاصد الشافية" من صُلب فكره ومشروعه الإصلاحي الذي رآه - قد أقامه على ضرورة الرجوع إلى ما كان عليه السلف وأهل العلم الأوائل من جهة: - الإحاطة بمقاصد الشريعة. - التحقُّق بلسان الشريعة ولغتها، وهو اللسان العربي الذي نزل به القرآن. فأما كلامه في مقاصد الشريعة فقد أفرده كثيرون بالتصنيف والدرس والشرح والتحليل والاستدراك، أما كلامه في الجهة الثانية، وهو الكلام عن اللسان العربي على الوجه الذي يُبيِّن منزلة العربية من الشريعة، فلم أرَ مَن أفرده بالتصنيف على الوجه الذي فعلتُ في هذا العمل؛ ففيما قمتُ به فيه يُعَدُّ من باب إلقاء

стр. 11

الضوء على هذا الركن الذي أقام عليه الشاطبي مشروعَه الفكري مع الركن الثاني مقاصد الشريعة. الرابع: أن هذا العمل فيه تذكير وتنبيه لأهل الزمان على وجوب تحصيل علوم العربية لمن أراد أن يرتقي في علوم الشريعة وفَهم الكتاب والسُّنة على الوجه الذي أراده الشارع؛ إذ قد رأينا كثيرين ممن ينسُبون أنفسهم إلى الاشتغال بالعِلم قليلي الاعتناء بعلوم العربية، والمجتهد فيهم هو الذي يقنع فيها برتبة لا تؤهِّله إلى أن يكون مستقلَّ النظر في كلام الشارع، ولا أن يكون مؤهَّلًا لمجاراة العلماء في الحِجاج والنقاش، وهذا من علامات غلبة هوى النفس عليهم؛ فكلما قلَّ دين المرء وورعه وفَهْمه قلَّ صبرُه على تحصيل العِلم - لا سيما علوم الآلة؛ لأنها ليست كعلوم المقاصد التي ينال بها المرء حظَّه من الشهرة والتعظيم بين العامَّة - مع ازدياد جرأته على الكلام فيه. ولو فرض أن ثمَّة طائفة عدمُ الاعتناء بعلوم العربية طريقٌ مَهْيَعٌ لأصحابها، فهي بهذا داخلة في الفرق المبتدعة ولا بُدَّ؛ إذ خالَفت في أصلٍ كليٍّ من أصول الشريعة اتفق عليه في الجملة كلُّ العلماء، بل هم بهذه الحال في الحقيقة أقرب إلى جهلة العوام المتكلِّمين في أمور الشرع، فالأولى في حقِّهم هو الحُكم عليهم بحُكم من يتكلَّم في الشريعة وهو جاهل بها، وهذا التقرير يدلُّ عليه كلامُ الشاطبي كما سيأتي ذكره في ثنايا المقالات. الخامس: أن في هذه المقالات على هذه الهيئة تنبيهات على آفاق معرفية وموضوعات بحثية فيما يتعلَّق بهذا الحقل المعرفي؛ اللغوي الشرعي.

стр. 12

ومما يمكن أن يوضع ضمن أوجه أهمية هذا العمل أن عبارة الشاطبي فيما يكتبه في الغالب عالية سِلسة، وألفاظه رشيقة عذبة، حتى إنه في بعض المواضع ينتشي منها قارئُها.

стр. 13

ترجمة أبي إسحاق الشاطبي (*) الشاطبي عَلَمٌ شهير ترجم له جماعةٌ، وتعرَّض آخرون لذكر شذرات عنه في ثنايا كتبهم دُون أن يُفردوا ترجمته بموضع فيها، ثم كثُرت الترجمات له لدى الدارسين المعاصرين في مقدِّمات ما كتبوه عنه من دراسات. وعلى كلٍّ فقد أصبح الشاطبي في عصرنا هذا ممن لا تخفى مكانته ومنزلتُه، فهو فيه من الأعلام ذائعي الصيت شأنه كشأن غيره من العلماء في هذا الأمر كابن تيمية والتقي السبكي والذهبي وغيرهم، كلُّ هذا جعلني أُفكِّر في عدم إفراد ترجمة له هنا في عملي هذا. لكن رأيتُ أن ليس من الحكمة أن يكون هذا مني في كتاب أُفرِد لمقالات له، فاستقرَّ رأيي على أن أذكر له ترجمة جامعة تكون مختصرة أو تكاد، فوقع اختياري على ترجمة أحمد بابا التُّنبُكتي له في كتابه الماتع "نيل الابتهاج"، حيث قال فيه: "إبراهيم بن موسى بن محمد اللَّخمي الغَرْناطي أبو إسحاق الشهير بالشاطبي.

стр. 14

الإمام العلَّامة المحقِّق القُدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًّا مفسِّرًا فقيهًا، محدِّثًا لُغويًّا بيانيًّا نَظَّارًا، ثبتًا ورِعًا صالحًا زاهدًا سُنيًّا، إمامًا مطلَقًا، بحَّاثًا مدقِّقًا جَدَليًّا، بارعًا في العلوم، مِن أفراد العلماء المحقِّقين الأثبات وأكابر الأئمة المتفنِّنين الثقات، له القدم الراسخ والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربيةً وغيرها، مع التحرِّي والتحقيق. له استنباطات جليلة، ودقائق مُنِيفَة، وفوائد لطيفة، وأبحاث شريفة، وقواعد محرَّرة محقَّقة، على قَدَم راسخ من الصلاح والعِفَّة والتحرِّي والوَرَع، حريصًا على اتباع السُّنة، مجانبًا للبدع والشُّبهة، ساعيًا في ذلك مع تثبُّت تامٍّ، منحرف عن كلِّ ما ينحو للبدع وأهلها، وقع له في ذلك أمور مع جماعة من شيوخه وغيرهم في مسائل، وله تآليف جليلة مشتملة على أبحاث نفيسة وانتقادات وتحقيقات شريفة. قال الإمام الحفيد ابن مرزوق في حقِّه: "إنه الشيخ الأستاذ الفقيه الإمام المحقِّق العلَّامة الصالح أبو إسحاق". انتهى. وناهيك بهذه التحلية من مِثل هذا الإمام، وإنما يعرف الفضلَ لأهله أهلُه. أخذ العربية وغيرها عن أئمة منهم: الإمام المفتوح عليه في فَنِّها ما لا مَطمَع فيه لسواه بحثًا وحفظًا وتوجيهًا ابن الفَخَّار البِيريُّ، لازَمه إلى أن مات. والإمامُ الشريف رئيس العلوم اللسانية أبو القاسم السَّبْتي شارح مَقصُورة حازم. والإمامُ المحقِّق أعلمُ أهل وقته الشريف أبو عبد الله التِّلِمْساني.

стр. 15

والإمامُ علَّامة وقته بإجماع أبو عبد الله المَقَّري. وقطب الدائرة شيخ الشيوخ الجِلَّة الإمام الشهير أبو سعيد بن لُب. والإمامُ الجليل الرُّحلة الخطيب أبو جعفر الشَّقُوري. وممن اجتمع معه واستفاد منه العالم الحافظ الفقيه أبو العباس القَبَّاب، والمُفتي المحدِّث أبو عبد الله الحَفَّار وغيرهم. اجتهد وبرع وفاق الأكابر والتحق بكبار الأئمة في العلوم، وبالغ في التحقيق، وتكلَّم مع كثير من الأئمة في مشكلات المسائل؛ من شيوخه وغيرهم كالقبَّاب وقاضي الجماعة الفشْتالي، والإمام ابن عَرَفة، والولي الكبير أبي عبد الله بن عباد. وجرى له معهم أبحاث ومراجعات أجلت عن ظهوره فيها وقوة عارضته وإمامته؛ منها: مسألة مراعاة الخلاف في المذهب. له فيها بحث عظيم مع الإمامين القَبَّاب وابن عَرَفة، وله أبحاث جليلة في التصوف وغيره. وبالجملة فقَدْرُه في العلوم فوقَ ما يذكر، وتحليتُه في التحقيق فوقَ ما يُشهَر. ألَّف تآليف نفيسة اشتملت على تحريرات للقواعد وتحقيقات لمهمات الفوائد؛ منها: - شرحُه الجليل على الخلاصة في النحو في أسفار أربعة كبار لم يؤلَّف عليها مثله بحثًا وتحقيقًا فيما أعلم. - وكتاب "الموافقات" في أصول الفقه كتاب جليل القدر لا نظير له، يدلُّ على إمامته وبُعد شأوه في العلوم سيما عِلم الأصول، قال الإمام الحفيد ابن

стр. 16

مرزوق: "كتاب "الموافقات" المذكور من أنبل (١) الكتب". وهو في سفرين. - وتأليفٌ نفيس في الحوادث والبدع في سِفر في غاية الإجادة. - وكتابُ "المجالس" شرح فيه كتاب البيوع من "صحيح البخاري"، فيه من الفوائد والتحقيقات ما لا يعلمه إلا الله. - وكتابُ "الإفادات والإنشادات" في كرَّاسين، فيه طُرَف وتُحَف ومُلَح أدبيات وإنشادات. - وله أيضًا كتاب "عنوان الاتفاق في عِلم الاشتقاق"، وكتاب "أصول النحو"، وقد ذكرهما معًا في شرح الألفية، ورأيتُ في موضع آخَر أنه أتلف الأول في حياته، وأن الثاني أُتلف أيضًا. وله غيرُها وفتاوي كثيرة. ومن شِعره لما ابتُلي بالبدع: [البسيط] بُليتُ يا قوم والبلوى منوَّعةٌ … بمَن أُداريه حتى كاد يُردِيني دفعُ المَضرَّة لا جلبٌ لمصلحة … فحسبي الله في عقلي وفي دِيني أنشدهما تلميذَه الإمام يحيى بن عاصم له مشافهةً … أخذ عنه جماعةٌ من الأئمة كالإمامين العلَّامتين: أبي يحيى بن عاصم الشَّهير، وأخيه القاضي المؤلِّف أبي بكر بن عاصم، والشيخ أبي عبد الله البياني وغيرهم.

стр. 17

توفي يوم الثلاثاء الثامن من شعبان سنة تسعين وسبعمئة، ولم أقِف على مولده ﵀" (١).

стр. 18

خطوات العمل والمنهج المتبَع فيه أولًا: مادة المجرَّد ومواردها: مادةُ المقالات هي كلُّ كلام للشاطبي يُبِين عن منزلة العربية من الشريعة أو يساعد على ذلك، وقد كان هذا من جهات عِدَّة كما سيأتي بيانها عند الكلام عن تقسيم مادة الكتاب. وقد جمعتُ مادة المجرَّد من كتب الشاطبي بالأصالة وممن نقل عنه وليس موجودًا في هذه الكتب، وهي جميعًا كالتالي: • "الموافقات" (١). • "المقاصد الشافية". • "الاعتصام" (٢). • "الإفادات والإنشادات".

стр. 19

• "روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام"، لابن الأزرق الأندلسي. • "فتاوي الإمام الشاطبي" (١) جمعها: الدكتور محمد أبو الأجفان. ثانيًا: منهج العمل المتبع: ١ - جمعتُ مادة المقالات من المصادر السابق ذكرها. ٢ - جمعتُ كلَّ كلام تحت فكرته ومبحثه، وصُغتُه كأن الشاطبي هو الذي نظمه على هذه الصورة، فلم أتدخل بكلام لي إلا بأن ألَّفتُ بين كلامه في هذا السياق الجديد بعد أخذه من سياقه الأصلي. وقد كنتُ منتبِهًا إلى أن إعادة صوغ كلامه في سياق جديد قد يحصُل معه إخلال بمراده أو نسبة أمر إليه لم يقُل هو به، وقد ساعدني على تحامي هذا أنني على دربة بكلامه الذي يتعلَّق بمباحث هذا العمل؛ لعكوفي على كتبه زمنًا طويلًا في أثناء إعداد رسالة الماجستير وبعد الانتهاء منها، إلا ما يعتري البشر من الغلط والسهو والنسيان. ٣ - اعتنيتُ بكلام كلِّ مَن اشتبك مع الشاطبي فيما يتعلَّق بمادة المقالات، وكنتُ أقرِّر هذا بعد الانتهاء من تقرير كلامه وسبكه؛ بأن أفصِل بين تقريري وبين كلامه بفاصل أقول بعده: قلتُ بخطٍّ غليظ، ثم أذكر ما أريد بيانه وتقريره. وقد يكون الذي أذكره هو تنبيه مني على شيء في كلامه أو توضيح أو استدراك. ٤ - كلُّ نصٍّ أنقله عن الشاطبي أضعه بين علامتي تنصيص ""، مع عزوه في الهامش إلى الكتاب المنقول منه، وأيُّ كلام له ليس بلفظه لا أضعه بين

стр. 20

علامتي التنصيص؛ سواءٌ كان بالمعنى أو كان لي مستمدًّا من فحوى كلامه وهذا قليل، ومُعظَم الكلام له بلفظه. ٥ - خرَّجتُ كل الوارد في كلامه من القراءات والأحاديث والآثار والأشعار. ٦ - ترجمتُ لغير المشاهير من الأعلام. تقسيم المجرَّد وخطته: اقتضت طبيعة مادة المجرَّد أن أقسِّمه إلى: - مقدِّمات. وتحتهاست مقالات. - وستة فصول. تحت كلِّ فصل عِدَّة مقالات، وقد اعتنيتُ أن يكون ترتيب المقالات داخل الفصول ترتيبًا منطقيًّا؛ بأن تُسلِم كل مقالة إلى ما بعدها أو يكون بينهما علاقة تناسُب: أما الفصل الأول فبعنوان: بيان وجه الاحتياج إلى عِلم العربية في الشريعة. وتحته خمس مقالات. وأما الفصل الثاني فبعنوان: من ضوابط فَهم كلام الشارع وَفق العربية. وتحته ست مقالات. وأما الفصل الثالث فبعنوان: بيان تأثير العربية في القرآن والسُّنة والفروع الفقهية. وتحته خمس مقالات. وأما الفصل الرابع فبعنوان: من مباحث الأصوليين المتعلِّقة بالعربية. وتحته مقالتان.

стр. 21

وأما الفصل الخامس فبعنوان: من الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالعربية. وتحته سبع مقالات. وأما الفصل السادس فبعنوان: ما جاء مما قد يُوهِم خلاف ما تقدَّم من منزلة العربية من الشريعة. وتحته أربع مقالات. - وخاتمة. وهي في بعض الآداب والنصائح للمشتغل بالعربية عالِمًا كان أو متعلِّمًا، وتحتها أربع مقالات. ثم الكشافات العلمية؛ وهي كشاف الآيات القرآنية، وكشاف الأحاديث النبوية، وكشاف الآثار السلفية، وكشاف الأشعار، وكشاف الأعلام، وكشاف أسماء الكتب الواردة في المتن. ثم يأتي ثَبَت المصادر والمراجع. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه والتابعين، وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

стр. 22

المُقدِّمات

стр. 23

مقالةٌ في تعريف النحو "أصلُ النحو في اللغة: القصدُ. وهو ضد اللَّحن الذي هو العُدُول عن القصد والصواب، والنحوُ قصدٌ إليه. وهو في الاصطلاح: عِلم بالأحوال والأشكال التي بها تدلُّ ألفاظ العرب على المعاني. ويعني بالأحوال: وضع الألفاظ بعضها مع بعض في تركيبها للدلالة على المعاني المُركَّبة. ويعني بالأشكال: ما يعرض في أحد طرفي اللفظ أو وسطه أو جُملته من الآثار والتغييرات التي بها تدلُّ ألفاظ العرب على المعاني، هذا حَدُّ بعض المتأخِّرين. وقال الفارسي (١): النحو عِلم بالمقاييس المستنبَطة من استقراء كلام العرب. ويعني بالمقاييس: القوانين الكلية الحاصلة في مَلَكَة الإنسان من تتبُّع كلام العرب" (٢). و"التصريف … هو الشطر الثاني من شطرَي علم النحو، وهو أغمضُهما وأشرفُهما عند أهل هذا الشأن؛ لما فيه من الفائدة العائدة عليهم في تصرُّفات كلام العرب، ولأجل ذلك خصَّه كثيرٌ من النحويين بالتأليف على الاستقلال، كالمازني والمُبرِّد وابن جني وغيرهم ممن لَهِج به، وأغرق في النظر فيه، وقد

стр. 24

أطنبوا في مدحه بما هو مذكور في مواضعه … وقد حدَّه في "التسهيل" (١) بأنَّه: "عِلمٌ يتعلَّق ببنية الكلمة وما لحروفها من أصالة وزيادة وصحة وإعلال، وشِبه ذلك". فقولُه: عِلم، هو الجنس الأقرب؛ إذ التصريف المراد حدُّه من جنس العلوم. وقوله: يتعلَّق ببنية الكلمة، هو معرفة أبنية الأسماء والأفعال، وأعداد حروف تلك الأبنية من ثلاثي ورباعي وما فوقَ ذلك، وما هو منها مجرَّد من الزيادة أو مزيد فيه، وكيف يُوزَن بالتفعيل؟ وكيف بناءُ ما يُبنى منها إن أُطلق القياسُ فيها، أو سُوِّغ للتدُّرب والامتحان، ونحو ذلك. وقوله: وما لحروفها من أصالة وزيادة، أي: وما لحروف تلك الأبنية من أصالة، يعني: حيث تكون أصولًا لا زوائد. وزيادة، يعني: حيث تكون الزوائد في تلك الأبنية، وأين تُزاد؟ وما الذي يُزاد؟ وما الذي لا يُزاد؟ وقوله: وصحة وإعلال، يعني بالصحة: إقرارَ الحرف على وضعه الأصلي كالياء في "بياض" و"أبيض"، والواو في "سواد" و"أسود". وبالإعلال: تغييرَ الحرف عن وضعه الأصلي كالواو في "قام" و"أقام"، و"عاذ عياذًا"، والياء في "أبان" و"مُوقِن" و"بائع" ونحو ذلك. وقوله: وشبه ذلك، يعني: كالقلب والحذف، نحو: "لاثٍ" في "لائث"، "أينُق" في جمع "ناقة". وحذف واو "يَعِدُ"، و "تَعِدُ"، و"نَعِدُ"، و"عِدَةٍ" و"زِنَةٍ" وما أشبه ذلك.

стр. 25

فهذه هي أجزاء التصريف قد نبَّه عليها، ومعرفة ذلك كلِّه هو عِلم التصريف. وإنما سُمِّي هذا العِلم تصريفًا من التصريف الذي هو التقليبُ، وتقول: صرَفتُ الرجلَ في أمري: إذا جعلته يتقلَّبُ فيه بالذهاب والمجيء. وصروفُ الدَّهر: تقلُّباتُه وتحوُّلاتُه من حال إلى حال. فهذا العِلم فيه هذا المعنى من جهتين: إحداهما: من جهة مُتعلَّقه؛ إذ هو مُتعلِّق بالتصرُّفات الموجودة في الألفاظ العربية، فقولُ العربي: ضرَب، ويضرِب، وضارب، ومضروب، واضطرب، وما كان نحو ذلك - تصريفٌ للمصدر الذي هو الضَّرْب، وهو مُتعلَّق نظر صاحب هذا العِلم، فينظُر في هذه التصرُّفات؛ في الزيادة والنقصان، والصحة والإعلال، وشبه ذلك، فقيل للعلم المتعلِّق بهذا التصريف: تصريفٌ، تسميةً له باسم متعلَّقه. والجهةُ الثانيةُ: جهةُ فائدتِه، وهو انتحاءُ سمت كلام العرب بالبناء مثل أبْنِيتها، والتصرُّفُ في الكلام بنحوٍ من تصرُّف العرب. وإلى هذا المعنى ردَّ ابن جني وغيرُه حقيقة التصريف المبوَّب عليه؛ إذ قال: "إن التصريف هو أن تجيء إلى الكلمة الواحدة فتُصرِّفها على وجوه شتى، مثالُ ذلك أن تأتي إلى "ضرَب" فتبني منه مثل "جعفر"، فتقول: "ضَرْبَبٌ"، ومثل "قِمَطْر": "ضِرَبٌّ"، ومثل "دِرْهم": "ضِرْبَبٌ"، ومثل "عَلِم": "ضَرِبَ"، ومثل "ظَرُف": "ضَرُب". قال: أفلا ترى إلى تصريفك الكلمة على وُجوه كثيرة". فحدَّه كما ترى بفائدته، وعلى ذلك نصَّ في كتاب "الخصائص" (١)، فذكر أن الغرض من مسائل التصريف على ضربَين:

стр. 26

أحدهما: الإدخال لما تبنيه في كلام العرب والإلحاق له به. ومثَّله بما ذكر في الحدِّ. والآخر: الْتِماسُك الرياضةَ به والتدُّرب بالصنعة فيه. ومَثَّله بأن تبني من "شَوَيت" مثل "فَيْعَلول"، فتقول: "شَيْوَوِيّ"، ونحو ذلك. فكلاهما راجعٌ إلى معنى واحد، إلا أن أحدهما في الصحيح والآخَر في المعتل. [فـ] موضوعُ كلِّ عِلمٍ ما يُبحث في ذلك العِلم عن عوارضه الذاتية، كما تقول: موضوعُ عِلم العَرُوض الشعرُ، وموضوعُ عِلم اللغة مفرداتُ كلام العرب؛ فكذلك تقول: موضوعُ عِلم التصريف الأسماءُ المتمكِّنة والأفعال المتصرِّفة. وما ليس باسم متمكِّن ولا فعل متصرِّف فليس بموضوع له. فالأسماء المتمكِّنة والأفعال المتصرِّفة يُبحث في هذا العِلم عن عوارضها التي تلحَقها في التقلُّبات من الزيادة والنقصان، والصحة والإعلال بالقلب والإبدال، ومحالِّها وشروطها وموانعها وأسبابها وشِبه ذلك" (١).

стр. 27

مقالةٌ في السبب الموجب لوضع هذا العِلم ومَن وضَعه "أهلُ العربية يحكُون عن أبي الأسود الدؤلي: أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو، حين سمِع الأعرابيُّ قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] بالجرِّ، فقال برئتُ مما بَرئ الله منه، فبلغت عليًّا ﵁ فأشار على أبي الأسود؛ فوضَع النحوَ (١). وقد روي عن ابن أبي مُلَيْكة (٢): أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ أمَر أن لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود؛ فوضَع النحوَ" (٣). إلا أن وضعَ أبي الأسود الدؤلي ومَن جاء بعدَه للنحو إنما هو بمعنى أولية الوضع وفتح الباب إليه، لا أنهم أتوا على المحتاج إليه منه؛ إذ "سيبويه وشيوخه هم الذين جمعوا أطراف النحو، واستولوا على أمره، وأَتوا على آخره، وتكلَّموا مع المخالفين؛ فإليهم يُنسَب، وأما من قبلَهم فإنما وضعَوا نُتَفًا وأبوابًا لا تفي بالمقصود من ضبط اللسان. [وكذلك] الكسائي وأصحابه هم الذين مهَّدوا العِلم، وبثُّوا حِكمتَه، وناظَروا المخالفين، نظيرَ الخليل وسيبويه ومَن والاهُما" (٤).

стр. 28

مقالةٌ في مذاهب النحويين النحاة في صناعتهم على مذهبين: "أهل البصرة، [و] هم النحويون الناشئون بالبصرة، ويُعنى بهم: سيبويه ومَن أخذ هو عنهم كالخليل، ويونس، وأبي عمرو بن العلاء، ومَن تبع هؤلاء في المذهب وإن لم ينشأ بالبصرة فهو أيضًا بصريٌّ نسبةً إلى المذهب. وقد يُطلَق لفظ البصريين ويُراد بهم ما هو أعمُّ من هؤلاء كأبي الأسود - وهو أول الواضعين في العربية -، وعبد الرحمن بن هُرْمُز، ويحيى بن يَعْمَر، وعبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر، وغيرهم. والأشهرُ من الإطلاقَين هو الأول؛ لأنَّ سيبويه وشيوخه هم الذين جمعوا أطراف النحو، واستولوا على أمره، وأَتوا على آخِره، وتكلَّموا مع المخالفين؛ فإليهم يُنسَب، وأما مَن قبلهم فإنما وضعوا نُتَفًا وأبوابًا لا تفي بالمقصود من ضبط اللسان. وأهل الكوفة، وهُم النحويون الناشئون بالكوفة، وأشهرُهم الكسائي علي بن حمزة القارئ ومَن أخذ عنه: كيحيى بن زياد الفَرَّاء، وخَلَف الأحمر، وهشام بن معاوية الضرير، وإسحاق البغوي، وأضرابهم، وكذلك مَن تبع مذهبَهم وطريقتَهم وإن لم ينشأ بالكوفة فهو كوفيٌّ نسبةً إلى المذهب. وقد يُطلق اسم الكوفيين أيضًا على ما هو أعمُّ من هذا، فيدخُل تحتَه مَن

стр. 29

كان قبل الكسائي كأبي جعفر الرُّؤاسي، ومعاذ بن مُسلِم الهَرَّاء، وأبي مُسلِم مؤدِّب عبد الملك بن مروان. والأشهرُ من الإطلاقَين هو الأول؛ لأنَّ الكسائي وأصحابه هم الذين مهَّدوا العِلم، وبثُّوا حِكمتَه، وناظَروا المخالفين، نظيرَ الخليل وسيبويه ومَن والاهُما. [و] مع أن النحويين ليسوا بمنحصرين في هاتين الفرقتين؛ [لكن] … يرجع غيرُهم إليهم غالبًا؛ لأنهم الذين تجرَّدُوا الضبط كلام العرب من بين سائر الناس؛ فهم المنفردون فيه بالتقدُّم (١) " (٢).

стр. 30

مقالةٌ في مقاصد عِلم النحو "عِلم النحو يحتوي على نوعين من الكلام: أحدهما: إحراز اللفظ عند التركيب التخاطُبي للإفادة عن التحريف والزَّيغ عن معتاد العرب في نطقها وما وقع عليه كلامُها؛ حتى لا يُرفع ما وضعُه في لسانهم أن يُنصب أو يُخفض، ولا يُنصب ما وضعُه في لسانهم على أن يُرفع أو يُخفض، ولا أن يؤتى بما حقُّه أن يكون عندها على شكل وهيئة على شكل آخر وهيئة أخرى، بل يجري في ذلك على مَهْيَع نُطقهم ومعروف تواضُعهم. فإن كان المتكلَّم فيه مما قد تقدَّمت العرب للتكلُّم به، وحُفِظ عنهم، لم يُحرِّفه عما نطقوا به، وإن كان مما لم يُحفَظ عنهم من التركيب النطقي؛ إما لأنهم لم يتكلَّموا به، أو تكلَّموا به ولم يبلُغنا، أو بلغ بعضًا ولم يبلغ بعضًا، أعمَلنا في ذلك المقاييس التي استقر أناها من كلامهم حتى توصِّلنا إلى موافقتهم، وحتى نقطع أو يغلب على ظنوننا أنهم لو تكلَّموا بهذا لكان نطقهم كذا، فإذا تحصَّل لنا مجاراتُهم في ذلك ومساواتُهم كنا جديرين بأن نُسمَّى مُعرِبين، واستحقَّ المتَّصِف منا بذلك أن يُسمَّى نحويًّا، وهذا النوع هو المقصود من عِلم النحو. والنوع الثاني: التنبيه على أصول تلك القوانين وعلل تلك المقاييس والأنحاء التي نحَت العرب في كلامها وتصرُّفاتها، مأخوذًا ذلك كلُّه من استقراء كلامها،

стр. 31

وهذا النوع متمِّمٌ، وليس بواجب، ولا هو المقصود من عِلم النحو" (١). قلتُ: قال ابن الأزرق الأندلسي تعليقًا على كلام الأستاذ أبي إسحاق في هذه المقالة: "وإذا كان المقصِد الأول هو الواجب في التوسُّل به إلى ما هي له هذه الصناعة مرادة، فهو الذي يُعتبَر عند نسبة الصناعة من غيرها من العلوم. أما المقصِد الثاني فإنما هو كما قال: "مُكمِّل"، وعند ذلك فلا نظر له بالذات عند اعتبار هذه النسبة، ولعلَّ الطاعنين على هذه الصناعة إنما غلطهم اعتقاد أن هذا المقصِد هو كلُّ ما يُراد من النظر فيها، وليس كذلك، فليُعلَم هذا المعنى، وليكُن من الناظر فيها على بالٍ" (٢). وما ذكره ابن الأزرق من أن الطعن علي الصناعة النحوية من قِبَل الطاعنين فيها إنما هو من اعتقادهم أن هذا الوجه المُكمِّل هو المراد من النظر فيها - فيه نظر، وهو: أن الطاعنين في الصناعة النحوية من المنتسبين إلى العِلم في الجملة يصعُب أن يظنوا ذلك، فهذا لا يظنُّه مَن له اطلاع جيد على هذه الصناعة بَلْهَ أن يكون من المنتسبين إلى أهل العلم، وإنما طعَن مَن طَعَن؛ من جهة التزيُّد من بعض النحويين - لا سيما المتأخِّرين - في بعض جهات هذا الجزء المُكمِّل، كما هو حال ابن مَضَاء النحوي (٣) وابن رشد الحفيد (٤).

стр. 32

مقالةٌ في أن نظر النحوي في صناعته إلى الألفاظ بالأصالة وإلى المعاني بالتَّبَع "النحاة … نظرُهم بالقصد الأول في اللفظ، وبالقصد الثاني في المعنى" (١)، فـ "النحويُّ … إنما كلامُه في الألفاظ" (٢)، و"لا يتكلَّم … إلا في الألفاظ الدالَّة على المعاني" (٣). "فإن قيل: فإن النحويين يتكلَّمون كثيرًا في معاني الأدوات والألفاظ، أفَتراهم خارجين عن الصواب بذلك؟ فالجواب: أن كلامهم في معاني الألفاظ في الغالب إنما يكون لما يعرِض لهم من بناء القوانين على النقل اللغوي أو لأن كلامهم في ذلك يجري مجرى ضبط القوانين. فالأول: نحو قول .... إن لحاق الكاف واللام في "ذلك" و"تلك" يدلُّ على البُعد، وتركُها يدلُّ على القُرب، فمثل هذا ينبني عليه من القياس أن الكاف واللام تلحقان اسمَ الإشارة قياسًا إذا قصدتَ الإشارة بها إلى البعيد. والثاني: مثل كلامهم في معاني حروف الجرِّ، فإن كلامهم في ذلك من قَبيل ضبط القوانين ..... وقلَّما يتكلَّم النحوي في معاني اللغة على غير هذين

стр. 33

القصدَين، إلا أن يتصدَّى لُغويًّا محضًا كشُرَّاح شواهد سيبويه وأمثلته وما جرى مجرى ذلك، فخُذ هذا أصلًا في معناه تنتفع به إن شاء الله" (١). وهذا "سؤالٌ واردٌ على جميع مَن تكلَّم في حصر معاني … الحروف حتى إن باب حروف الجرِّ صار غالب ما يُذكَر فيه تفسيرَ معانيها؛ بحيث صارت الأحكام المتعلِّقة بها في القياس أقلية بالنسبة إلى تفسير المعاني، ولا شكَّ أنَّ هذا نِحلة اللغوي لا نِحلة النحوي من حيث هو نحوي، فمَن تعرَّض لتفسير معاني الحروف وصيَّرها كالأمر الضروري في صناعة النحو فليتعرَّض لتفسير معاني الأسماء والأفعال، وحينئذٍ يصير لُغويًّا لا نحويًّا، أو ليترُك تفسيرَ الجميع حتى يكون نحويًّا فقط، وهو الأحقُّ؛ لأنَّ غيره تخليط لبعض العلوم ببعض. فالجواب عن هذا [كما تقدَّم]: أنَّ حروف المعاني على الجملة مما يُحتاج في إدراك حقائق معانيها إلى قياس ونظرٍ، كما يُحتاج في سائر أبواب النحو إلى القياس والنظر لتمييز الصواب من الخطأ، وهذا النحو ليس على وضع تفسير الغريب؛ إذ كنتَ تفسِّر الشيء بمرادفه فقط. وأيضًا تفسيرُها يصعُب؛ لأنها تدُور بين المولَّدِين والعرب على معنًى واحد لشدة الحاجة إلى معانيها، فتفسيرها أشدُّ من تفسير الغريب؛ لأن الغريب له ما يُساويه من اللفظ المعروف للمعنى الواحد، فإذا طُلب ذلك وُجد ما يقوم مَقامه، فيُفسَّر به، ولأنه قد كان يُستغنى به عن الغريب العربي. وأما الحروف فليست كذلك؛ لأنها تجري في كلام العرب والمولَّدِين سواء، فليس في كلام المولَّدِين ما يُستغنى به عنها، كما كان في الأسماء والأفعال،

стр. 34

فإذا طُلب ما تُفسَّر به أعوزَ ذلك، فصار بيانُها أشد من بيان غيرها؛ هذا ما قال ابن سِيده في "المخصص" في توجيه المسألة (١)، وكأنه منتزَع من كلام سيبويه، فإنه لما تكلَّم على معاني الحروف وما أشبهَها من الأسماء في "باب عِدَّة ما يكون عليه الكَلِم"، ختم الباب بأن قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة وما جاوزها غير المتمكِّن الكثيرَ الاستعمال من الأسماء وغيرها الذي تكلَّمُ به العامة؛ لأنه أشد تفسيرًا، وكذلك الواضح عند كلِّ أحدٍ هو أشد تفسيرًا؛ لأنه يُوضَّح به الأشياء، فكأنه تفسيرُ التفسير"، ثم قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة على نحو الحرف والحرفين، وفيه الإشكال والنظر" (٢). هذا ما قال، وهو يشير إلى ما تقدَّم، فكان إذًا تفسير الحروف العربية وما أشبهَها من مشكلات الكَلِم التي لا مرادف لها تُفسَّر به مما يُلحَق النظر فيه بعلِم النحو بهذا التقرير، وعلى هذا جرى النحويون فيما أشكل معناه من الأدوات أو ما أشبَه الأدوات" (٣). إلا أن متقدِّمي النحاة كان لهم مزيد عناية بتقرير المعاني والنظر فيها بخلاف ما استقرَّ عليه الأمر عند المتأخِّرين كما تقرَّر في هذه المقالة؛ فـ "سيبويه وإن تكلَّم في النحو، فقد نبَّه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرُّفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوعٌ والمفعول منصوبٌ ونحو ذلك، بل هو يُبيِّن في كلِّ باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على عِلم

стр. 35

المعاني والبيان ووجوه تصرُّفات الألفاظ والمعاني" (١). قلتُ: هذا الذي تقرَّر من أن النحو الذي استقر عند المتأخِّرين النظرُ فيه بالأصالة إلى الألفاظ وإلى المعاني بالتَّبَع بخلاف نحو المتقدِّمين - ليس بنقص في نحو المتأخِّرين كما يظُنُّ مَن لا تحقيق له، بل قد قاموا ﵃ بالواجب في حقِّهم على أتمِّ وجه، وقد بيَّنتُ ذلك في غير هذا الموضع (٢).

стр. 36

مقالةٌ في أن النحوي نظرُه إلى أصل الوضع وتقريره "كلامُ النحويين ونظرُهم إنما هو في أصل الوضع" (١)، ومثالُ ذلك أن "أو" لها معان "سبعة، وهي: التخيير، والإباحة، والتقسيم، والإبهام، والشك، والإضراب، ومعاقَبة الواو. وأصلُها أن تكون لأحد الشيئين أو الأشياء، وأما استعمالها لخصوص تلك المعاني فإنما ذلك بحسب قرائن الكلام، لا أنها وضعٌ لها أصليٌّ، هذا هو القياس" (٢). فأصل الوضع هو المعنى الحقيقي للَّفظ، أما المعاني التي تُعرَف من خلال القرائن والسياقات، فهي معاني استعمالية طارئة على أصل الوضع - وقد تصل إلى أن تكون أصلًا وضعيًّا ثانيًا استعماليًّا -، ومما يدخل في بيان هذا الفرق بين المعني الوضعي الذي ينظُر إليه النحوي والمعانى الاستعمالية - الفَرقُ بين تقدير الإعراب وتفسير المعنى (٣)، فـ "فرقٌ بين تقدير (٤) الإعراب وتفسير

стр. 37

المعنى، وهُما معًا يرجِعان إلى حُكم واحد؛ لأن النظر اللغوي راجعٌ إلى تقرير أصل الوضع، والآخَرُ راجعٌ إلى تقرير المعنى في الاستعمال" (١). ومن ذلك "تقدير سيبويه … في: "أهْلَكَ واللَّيْلَ" إِن معناه: الْحَقْ أهلَك قبلَ اللَّيْلِ (٢). وليس هذا تقديرَه اللفظي، وكما يقال: إن قولك: "أنتَ وشَأْنُكَ" في تقدير: "أنتَ مع شَأْنِك" (٣). فهذا - وما كان من بابه - تقديرُ معنًى لا تقديرُ صناعة لفظية، وبينهما فَرقٌ. وسيبويه كثيرًا ما يَجتزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب" (٤). قلتُ: علَّق الشيخ دراز على إطلاق الشاطبي على المعنى الوضعي تقديرَ الإعراب، فقال: "انظر لِمَ أطلَق على بيان المعنى الوضعي إعرابًا؟ " (٥). ويتبيَّن لك مما سبق بيانُه أن السبب في إطلاقه هذا هو أن تقدير الإعراب هو التقدير الذي ينظُر إليه النحوي ويُقرِّره الموافقُ لمقاصد الصناعة وأصولها، والنحويُّ في صناعته ينظُر إلى أصل الوضع ويُقرِّره، وهو المقابل لتفسير المعنى في الاستعمال، هذا هو السبب في إطلاقه هذا، وهو صحيح.

стр. 38

فإن قلتَ: لكن الشاطبي ذكر في كلامه السابق أن سيبويه كثيرًا ما يَجتزِئ بتقدير المعنى عن تقدير الإعراب، وسيبويه إمام الصناعة النحوية؛ هذا خُلف! فالجواب: أن سيبويه وغيرَه من المتقدِّمين نَحْوُهم يختلف من جهة العناية الزائدة بتقرير المعاني عن نحو المتأخِّرين، كما تبيَّن في المقالة السابقة لهذه المقالة.

стр. 39

الفصل الأول بيان وجه الاحتياج إلى عِلم العربية في الشريعة

стр. 40

مقالةٌ في أن القرآن نزل وَفْق اللسان العربي، وطلبُ فَهمه لا يكون إلا من خلال هذا اللسان إن "اللسان العَجَمي هو ما خالَف كلام العرب، لا يختصُّ ذلك بأُمَّة دون أُمَّة، فكلُّ لسان غير لسان العرب عَجَمَي" (١)، و"إن هذه الشريعة المباركة عربية، لا مدخل فيها للألسُن العجمية" (٢)، "فإن قلنا: إن القرآن نزل بلسان العرب وإنه عربيٌّ وإنه لا عُجمة فيه؛ فبمعنى أنه أُنزِل على لسان معهود العرب في ألفاظها الخاصة وأساليب معانيها" (٣). "القرآن الكريم ليس فيه من طرائق كلام العَجَم شيء، وكذلك السُّنَّة .... ؛ [فـ] القرآن عربيٌّ، والسُّنَّة عربية، لا بمعنى أن القرآن يشتمل على ألفاظ أعجمية في الأصل أو لا يشتمل؛ لأن هذا من علم النحو واللغة، بل بمعنى أنه في ألفاظه ومعانيه وأساليبه عربيٌّ؛ بحيث إذا حُقِّق هذا التحقيق سُلِك به في الاستنباط منه والاستدلال به مسلَكَ كلام العرب في تقرير معانيها ومنازِعها في أنواع مخاطباتها خاصةً؛ فإن كثيرًا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يُعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يُفهَم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبيرٌ وخروجٌ عن
следующие страницы →