← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 30012

نحو الفقهاء = مجرد مقالات أبي إسحاق الشاطبي في العربية

أحمد فتحي البشير

Полный текст (236 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

لا يمكن إهمال مِثله لعالِم بهما لأمور: ١ - أن الكتاب لا بُدَّ من القول فيه ببيان معنًى، واستنباط حُكم، وتفسير لفظ، وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمَّن تقدَّم؛ فإما أن يُتوقَّف دون ذلك فتتعطَّل الأحكامُ كلُّها أو أكثرُها، وذلك غير ممكن؛ فلا بُدَّ من القول فيه بما يليق. ٢ - أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول ﷺ مُبيِّنًا ذلك كلَّه بالتوقيف؛ فلا يكون لأحد فيه نظرٌ ولا قولٌ، والمعلومُ أنه ﵊ لم يفعل ذلك، فدلَّ على أنه لم يُكلَّف به على ذلك الوجه، بل بيَّن منه ما لا يُوصَل إلى عِلمه إلا به، وترك كثيرًا مما يُدرِكه أرباب الاجتهاد باجتهادهم؛ فلم يلزَم في جميع تفسير القرآن التوقيفُ. ٣ - أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد عُلِم أنهم فسَّروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلَغَنا تفسيرُ معناه، والتوقيف يُنافي هذا، فإطلاقُ القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصِحُّ. ٤ - أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة الأمور الشرعية؛ فقد يُسلَّم القول بالتوقيف فيه وتركِ الرأي والنظرِ جدلًا.

стр. 107

ومن جهة المآخذ العربية؛ وهذا لا يمكن فيه التوقيفُ، وإلا لزِم ذلك في السلف الأوَّلين، وهو باطل؛ فاللازم عنه مِثلُه، وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه. وأما الرأي غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري (١) على الأدلة الشرعية؛ فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذمومًا في القياس أيضًا، حسبما هو مذكور في كتاب القياس؛ لأنه تقوُّل على الله بغير برهان؛ فيرجِع إلى الكذب على الله تعالى، وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء، كما روي عن ابن مسعود: "ستجِدون أقوامًا يدعُونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم؛ فعليكم بالعِلم، وإيَّاكم والتبدُّع، وإياكم والتنطُّع، وعليكم بالعتيق" (٢). وعن عمر بن الخطاب: "إنَّما أخافُ عليكم رجُلَين: رَجُل يتأوَّل القرآن على غير تأويله، ورَجُلٌ يُنافِس المُلك على أخيه" (٣). وعن عمر أيضًا: "ما أخافُ على هذه الأُمَّة من مؤمن ينهاه إيمانُه، ولا من فاسقٍ بيِّنٌ فسقُه، ولكني أخافُ عليها رجُلًا قد قرأ القرآن حتى أَذْلَقه بلسانه، ثُمَّ تأوَّله على غير تأويله" (٤) … وإنما هذا كلُّه توقٍّ وتحرُّز أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم والقولِ فيه من غير تثبُّت، وقد نُقِل عن الأصمعي - وجلالتُه في معرفة كلام العرب معلومة -

стр. 108

أنه لم يُفسِّر قطُّ آيةً من كتاب الله، وإذا سُئل عن ذلك لم يُجِب، انظر الحكاية عنه في "الكامل" (١) للمُبرِّد … فالذي يُستفاد من هذا الموضع أشياء: منها: التحفُّظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بيِّنة؛ فإن الناس في العِلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات: إحداها: مَن بلغ في ذلك مبلغ الراسخين كالصحابة والتابعين ومَن يليهم، وهؤلاء قالوا مع التوقِّي والتحفُّظ والهيبة والخوف من الهجوم؛ فنحن أولى بذلك منهم إن ظننَّا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مِثلُهم، وهيهات. والثانية: مَن علِم من نفسه أنه لم يبلُغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طَرَفٌ لا إشكال في تحريم ذلك عليه. والثالثة: مَن شكَّ في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظنَّ ذلك في بعض علومه دون بعض؛ فهذا أيضًا داخل تحت حُكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العِلم، فعندما يبقى له شكٌّ أو تردُّدٌ في الدخول مَدخَلَ العلماء الراسخين، فانسحابُ الحُكم الأول عليه باقٍ بلا إشكال، وكلُّ أحدٍ فقيهُ نفسه في هذا المجال. وربما تعدَّى بعض أصحاب هذه الطبقة طَورَه؛ فحسَّن ظنَّه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين، ومن هنا افترقت الفِرق، وتباينت النِّحَل، وظهر في تفسير القرآن الخَلَل.

стр. 109

ومنها: أن مَن ترك النظر في القرآن واعتمد في ذلك على مَن تقدَّمه، ووكل إليه النظرَ فيه، غيرُ ملوم، وله في ذلك سَعة إلا فيما لا بُدَّ له منه، وعلى حُكم الضرورة؛ فإن النظر فيه يُشبِه النظر في القياس كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرَّجون من القياس فيما لا نصَّ فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن؛ فإن المحظور فيهما واحدٌ، وهو خوف التقوُّل على الله، بل القول في القرآن أشدُّ؛ فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقولُ في القرآن يرجِع إلى أن الله أراد كذا، أو عَنى كذا بكلامه المنزل، وهذا عظيم الخطر. ومنها: أن يكون على بالٍ من الناظر والمفسِّر والمتكلِّم عليه أن ما يقوله تقصيدٌ منه للمتكلِّم، والقرآنُ كلام الله؛ فهو يقول بلسان بيانه: هذا مرادُ الله من هذا الكلام؛ فليتثبَّت أن يسأله الله تعالى: من أين قلتَ عني هذا؟ فلا يصِحُّ له ذلك إلا ببيان الشواهد، وإلا؛ فمجرَّد الاحتمال يكفي بأن يقول: يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا، بِناءً أيضًا على صحة تلك الاحتمالات في صُلب العِلم، وإلا، فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غيرُ معتبرة؛ فعلى كلِّ تقدير لا بُدَّ في كلِّ قول يُجزَم به أو يحمَّل، من شاهدٍ يشهَد لأصله، وإلا كان باطلًا، ودخل صاحبُه تحت أهل الرأي المذموم، والله أعلم" (١).

стр. 110

الفصل الثالث بيانُ تأثير العربية في القرآن والسُّنة والفروع الفقهية

стр. 111

مقالةٌ في أن المُعتمَد من علم العربية في الشريعة ما كان منه من صُلب العلم "من العِلم ما هو من صُلب العِلم، ومنه ما هو من مُلَح العِلم لا من صُلبه، ومنه ما ليس من صُلبه ولا مُلَحه؛ فهذه ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعيًّا، أو راجعًا إلى أصل قطعي، والشريعةُ المباركة المحمدية مُنزَّلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظةً في أصولها وفروعها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] … لهذا القسم خواصُّ ثلاث، بهنَّ يمتاز عن غيره: إحداها: العموم والاطراد … والثانية: الثبوت من غير زوال .... والثالثة: كونُ العِلم حاكمًا لا محكومًا عليه، بمعنى كونه مفيدًا لعمل يترتَّب عليه مما يليق به؛ فلذلك انحصرت علوم الشريعة فيما يفيد العملَ أو يُصوِّب نحوه، لا زائد على ذلك، ولا تجد في العمل أبدًا ما هو حاكم على الشريعة، وإلا انقلب كونُها حاكمةً إلى كونها محكومًا عليها، وهكذا سائر ما يُعَدُّ من أنواع العلوم … القسم الثاني: وهو المعدود في مُلَح العِلم لا في صُلبه: ما لم يكُن قطعيًّا ولا راجعًا إلى أصل قطعي، بل إلى ظني، أو كان راجعًا إلى قطعي إلا أنه تخلَّف عنه خاصةٌ

стр. 112

من تلك الخواص، أو أكثر من خاصة واحدة؛ فهو مُخيل ومما يستفِزُّ العقل ببادئ الرأي والنظر الأول، من غير أن يكون فيه إخلالٌ بأصله، ولا بمعنى غيره، فإذا كان هكذا؛ صحَّ أن يُعَدَّ في هذا القسم. فأما تخلُّف الخاصية الأولى - وهو الاطراد والعموم - فقادحٌ في جعله من صُلب العِلم؛ لأن عدم الاطراد يقوِّي جانب الاطِّراح، ويُضعف جانب الاعتبار؛ إذا النقصُ فيه يدلُّ على ضعف الوثوق بالقصد الموضوع عليه ذلك العِلم، ويُقرِّبه من الأمور الاتفاقية الواقعة عن غير قصد؛ فلا يُوثَق به، ولا يُبنَى عليه. وأما تخلُّف الخاصية الثانية - وهو الثبوت - فيأباه صُلب العِلم وقواعده؛ فإنه إذا حكَم في قضية، ثم خالَف حكمه الواقع في القضية في بعض المواضع أو بعض الأحوال؛ كان حكمه خطأً وباطلًا، من حيث أطلَق الحُكم فيما ليس بمطلَق، أو عمَّ فيما هو خاص؛ فعَدِم الناظرُ الوثوقَ بحُكمه، وذلك معنى خروجه عن صُلب العِلم. وأما تخلُّف الخاصية الثالثة - وهو كونُه حاكمًا ومبنيًّا عليه - فقادحٌ أيضًا؛ لأنه إن صحَّ في العقول لم يُستفَد به فائدة حاضرة، غير مجرَّد راحات النفوس؛ فاستوى مع سائر ما يُتفرج به، وإن لم يصح فأحرى في الاطِّراح، كمباحث السوفسطائيين ومَن نحا نحوهم. ولتخلُّف بعض هذه الخواص أمثلة يلحق بها ما سواها .... : • الحِكَم المستخرَجة لما لا يُعقَل معناه على الخصوص في التعبُّدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة؛ من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود … إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه

стр. 113

بوجهٍ ولا تَطُور نحوه، فيأتي بعض الناس فيُطَرِّق إليها حِكَمًا يزعُم أنها مقصود الشارع من تلك الأوضاع، وجميعُها مبنيٌّ على ظنٍّ وتخمينٍ غير مطَّرد في بابه، ولا مبني عليه عملٌ، بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ .... [ففي الصناعة النحوية "التعليل من قبيل الزائد على الضروري" (١)، و "المتَّبِع … السماعُ، والتعليلُ إنما يأتي من وراء ذلك" (٢)]. • المسائل التي يُختلف فيها؛ فلا ينبني على الاختلاف فيها فرعٌ عمليٌّ، إنما تُعَدُّ من المُلَح .... ويقع كثيرٌ منها في سائر العلوم، وفي العربية منها كثيرٌ؛ كمسألة اشتقاق الفعل من المصدر، ومسألة اللَّهم، ومسألة أشياء، ومسألة الأصل في لفظ الاسم، وإن انبنى البحث فيها على أصول مطَّردة، ولكنها لا فائدة تُجنى ثمرةً للاختلاف فيها؛ فهي خارجةٌ عن صُلب العِلم … [وذلك لأن في العربية "مسائل الخلافِ على قسمين: - قسم ينبني على الخلاف فيه حُكم من الأحكام الكلامية. - وقسم لا ينبني عليه إلا أمرٌ اصطلاحي وتحقيقٌ صناعي لا غير. … قال ابن الحاج فيما علَّق على "المُقَرَّب" العُصْفُوري: "جملةُ ما أقوله أن كلَّ خلاف وبحث في هذه الصناعة لا يؤدِّي إلى الوقوف على كيفية التكلُّم فهو فضلٌ لا يحتاج إليه، والاشتغالُ به بطالة". قال: "وقد أُولِع المدرِّسون بذلك، وإن لم يكن نافعًا في تعليم الصغار، فالاشتغالُ به اشتغالٌ بما لا يُغني، وأشدُّ من نقض الاشتغال به اعتقادُ أن ذلك مهمٌّ ضروريٌّ موصل إلى معرفةِ حقيقةٍ،

стр. 114

مكسِبٌ عِلمًا بكلام العرب … انتهى" (١)، وعلى الجملة فمثل هذه المسائل لا يُجدي فيها الخلاف فائدة غير تنقيح وجه الحكمة الصناعية" (٢)، "وربطُ الاصطلاح" (٣)، "فلا ينبغي أن يُتشاغل فيها بالترجيح" (٤)؛ ولذلك "حُذَّاق الصناعة إنما يتكلَّفون البحثَ فيما ينبني عليه حُكم، وما عَدَاه فهُم فيه ما بين تاركٍ له رأسًا، وناظرٍ فيه اتِّباعًا لمن تقدَّم له فيه نظر؛ إذ الخروج عن المعتاد مُنَفِّر" (٥)]. • حملُ بعض العلوم على بعض في بعض قواعده؛ حتى تحصُل الفُتيا في أحدها بقاعدة الآخر، من غير أن تجتمع القاعدتان في أصل واحد حقيقيٍّ. كما يُحكى عن الفَرَّاء النحوي أنه قال: مَن برع في عِلم واحد سهُل عليه كلُّ عِلم. فقال له محمد بن الحسن (٦) القاضي وكان حاضرًا في مجلسه ذلك، وكان ابن خالة الفَرَّاء: فأنت قد برَعتَ في عِلمك، فخُذ مسألةً أسألك عنها من غير عِلمك: ما تقول فيمَن سها في صلاته، ثم سجد لسهوه فسهَا في سجوده أيضًا؟ قال الفَرَّاء: لا شيء عليه. قال: وكيف؟ قال: لأن التصغير عندنا لا يُصغَّر، فكذلك السهو في سجود السهو لا يُسجَد له؛ لأنه بمنزلة تصغير التصغير؛ فالسجود للسهو هو جبرٌ للصلاة، والجبرُ لا

стр. 115

يُجبَر، كما أن التصغير لا يُصغَّر. فقال القاضي: ما حسِبتُ أن النساء يلِدنَ مِثلك (١). فأنت ترى ما في الجمع بين التصغير والسهو في الصلاة من الضَّعف؛ إذ لا يجمعهما في المعنى أصلٌ حقيقيٌّ؛ فيُعتبَر أحدُهما بالآخَر (٢). فلو جمعهما أصلٌ واحد؛ لم يكن من هذا الباب، كمسألة الكسائي مع أبي يوسف القاضي بحضرة الرشيد. رُوي أن أبا يوسف دخل على الرشيد والكسائيُّ يُداعبه ويُمازحه، فقال له أبو يوسف: هذا الكوفي قد استفرغك، وغلب عليك. فقال: يا أبا يوسف! إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي. فأقبل الكسائي على أبي يوسف فقال: يا أبا يوسف! هل لك في مسألة؟ فقال: نحو أم فِقه؟ قال: بل فِقه. فضحك الرشيد حتى فحص برِجله، ثم قال: تُلقي على أبي يوسف فقهًا؟! قال نَعَم. قال: يا أبا يوسف! ما تقول في رَجُل قال لامرأته: أنت طالقٌ أن دخلت الدار. وفتح "أنْ"؟ قال: إذا دخلت طُلِّقت.

стр. 116

قال: أخطأت يا أبا يوسف فضحك الرشيد، ثم قال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال "أنْ"؛ فقد وجَب الفِعل، ووقَع الطلاق، وإن قال: "إنْ"؛ فلم يجِب، ولم يقَع الطلاق. قال: فكان أبو يوسف بعدَها لا يدَع أن يأتي الكسائي (١). فهذه المسألة جارية على أصل لغوي لا بُدَّ من البناء عليه في العِلمَين. فهذه أمثلة تُرشِد الناظر إلى ما وراءها، حتى يكون على بيِّنة فيما يأتي من العلوم ويذَر؛ فإن كثيرًا منها يستفِزُّ الناظرَ استحسانُها ببادئ الرأي، فيقطع فيها عُمرَه، وليس وراءها ما يتخذه معتمَدًا في عملٍ ولا اعتقاد، فيخِيب في طلب العِلم سعيُه، والله الواقي. ومن طريف الأمثلة في هذا الباب ما حدَّثَناه بعضُ الشيوخ (٢): أن أبا العباس بن البَنَّاء (٣) سُئل، فقيل له: لِمَ لَمْ تعمل "إِنَّ" في (هذان) من قوله تعالى: (إِنَّ هذانِ لساحران) (٤) [طه: ٦٣] الآية؟ فقال في الجواب: لما لم يؤثِّر القول في المَقُول؛ لم يؤثِّر العامل في المعمول.

стр. 117

فقال السائل: يا سيدي! وما وجهُ الارتباط بين عملِ "إنَّ" وقول الكفار في النبيين؟ فقال له المُجِيب: يا هذا! إنما جئتك بنُوَّارة (١) يحسُن رونقُها، فأنت تُريد أن تحكَّها بين يديك، ثم تطلُب منها ذلك الرَّونَق! أو كلامًا هذا معناه. فهذا الجواب فيه ما ترى، وبعرضه على العقل يتبيَّن ما بينه وبين ما هو من صُلب العِلم" (٢). ومنها أيضًا ما "أورد علينا الأستاذ الكبير أبو عبد الله بن الفَخَّار (٣) ﵀ سؤالًا، وهو كيف يُجمع بين مسألة رَجُل أفرَد الصلاة بثوبٍ حريرٍ اختيارًا وبين قوله (٤): [الوافر] جرَى الدَّمَيَانِ بالخَبَرِ اليَقِينِ فلم ينقدِح لنا شيء. فقال: الجوابُ: أن الأول ممنوع عند الفقهاء شرعًا، وردُّ اللام في "دَم" في التثنية ممنوع عند النحاة قياسًا، وكلاهما في حُكم المعدوم حِسًّا، وإذا كان كذلك كان الأول بمنزلة مَن صلَّى بادي العَورة اختيارًا؛ فتلزمه الإعادة، وكان الثاني

стр. 118

بمنزلة ما باشر فيه عينُ "دَم" على التثنية؛ فتلزمه الفتحة وإن كان أصلُها السكون. قال: ويؤكد عندك الجمع بين المسألتين في الحكم المذكور أن في كلِّ واحدة منهما ثلاثة أقوال؛ ففي مسألة الثوب: الإعادة مطلقًا، ونفيُها مطلقًا، وتخصيصُها بالوقت. وفي مسألة: جرى الدَّمَيان: سكون العين أصلًا، وفتحُها أصلًا، لكن من باب إلحاق الجواهر بالأعراض، وتحريكُها بالفتح أصلًا أيضًا، لكن من باب إلحاق الجواهر بالجواهر لا بالأعراض، فالأول لسيبويه، والثاني للمُبرِّد والثالث لابن السَّرَّاج (١) … " (٢). فإن "كلَّ عِلم شرعي فطلبُ الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبُّد به لله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبارُ جهة أخرى؛ فبالتَّبَع والقصدُ الثاني، لا بالقصد الأول" (٣). "ونحن نعلم أن صاحب العلم الواحد من العلوم الوسائل وإن كان أقعدَ من صاحب العلوم الكثيرة، ربما أدَّاه الفراغ عن طلب علوم أُخَر محتاج إليها، إلى استنباط المُلَح والأغاليط في عِلمه والأحاجي والمعاياة وأشباه ذلك، وقطع بذلك زمانًا طويلًا كمعاياة أهل الفرائض وأهل العدد. ومَن تأمَّل ما فرَّع ابن جني في كتاب "الخصائص" من ذلك "باب إمساس اللفظ أشباه المعاني" (٤)، وغيره من الأبواب التي تنحو نحوه، وكذلك في كتاب "سر الصناعة"؛ حيث تكلَّم في "إياك" وفرض فيها اشتقاقات وتصاريف، وهي

стр. 119

من المبنيَّات التي يشهد لها هو وغيرُه أنها لا اشتقاق لها، ولا تصريف فيها (١). ولو صرف عِلمه فيما هو آكَد من ذلك لَكان أولى به" (٢). "والقسم الثالث: وهو ما ليس من الصُّلب، ولا من المُلَح، ما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني، وإنما شأنه أن يكُرَّ على أصله أو على غيرِه بالإبطال مما صحَّ كونُه من العلوم المعتبَرة، والقواعد المرجوع إليها في الأعمال والاعتقادات، أو كان مُنهضًا إلى إبطال الحقِّ وإحقاق الباطل على الجملة؛ فهذا ليس بعِلم؛ لأنه يرجِع على أصله بالإبطال، فهو غير ثابت، ولا حاكِم، ولا مطَّرد أيضًا، ولا هو من مُلَحه؛ لأن المُلَح هي التي تستحسِنها العقول، وتستملِحها النفوس؛ إذ ليس يصحَبها مُنفِّر، ولا هي مما تُعادي العلوم؛ لأنها ذات أصل مبنيٍّ عليه في الجملة، بخلاف هذا القسم؛ فإنه ليس فيه شيء من ذلك. هذا وإن مال بقوم فاستحسنوه وطلبوه؛ فلِشُبه عارضة، واشتباه بينه وبين ما قَبله، فربما عدَّه الأغبياء مبنيًّا على أصل، فمالوا إليه من ذلك الوجه، وحقيقةُ أصله وهمٌ وتخييل لا حقيقةَ له، مع ما ينضاف إلى ذلك من الأغراض والأهواء، كالإغراب باستجلاب غير المعهود، والجعجعة بإدراك ما لم يُدرِكه الراسخون، والتبجح بأن وراء هذه المشهورات مطالبَ لا يُدرِكها إلا الخواص، وأنهم من الخواص، وأشباه ذلك مما لا يحصُل منه مطلوبٌ، ولا يحُور (٣) منه صاحبُه إلا بالافتضاح عند الامتحان …

стр. 120

وقد يَعرِض للقسم الأول أن يُعَدَّ من الثاني، ويُتصوَّر ذلك في خلط بعض العلوم ببعض؛ كالفقيه يبني فِقهَه على مسألة نحوية مَثَلًا، فيرجع إلى تقريرها مسألةً - كما يُقرِّرها النحوي - لا مُقدِّمةً مسلَّمةً، ثم يرُدُّ مسألته الفقهية إليها. والذي كان من شأنه أن يأتي بها على أنها مفروغٌ منها في عِلم النحو؛ فيبني عليها، فلما لم يفعل ذلك، وأخذ يتكلَّم فيها وفي تصحيحها، وضبطِها، والاستدلالِ عليها، كما يفعَلُه النحوي - صار الإتيان بذلك فضلًا غير محتاج إليه" (١).

стр. 121

مقالةٌ في ذكر أمثلة تبيِّن تأثير العربية في تقرير معاني القرآن واستنباطها منه المثال الأول: أثر الخلاف في كون الباء للتبعيض في مقدار ما يُمسَح من الرأس حال الوضوء: تقع الباء بمعنى "من" التبعيضية، و"مثالُه: قول الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]. تقديره: يشرب منها، وعلى هذا حمل ابن قتيبة (١) قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٤]، أي: من عِلم الله. وقال أبو ذؤيب الهُذَلي (٢): [الطويل] شرِبْنَ بِمَاءِ البَحْرِ ثُمَّ تصعَدَتْ … متى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئيحُ وقال عنترة العَبْسي (٣): [الكامل] شرِبتْ بمَاءِ الدُّحْرُضَينِ فأصبحتْ … زَوْرَاءَ تَنفِرُ عن حِياضِ الدَّيْلَمِ وقال عمر بن أبي ربيعة (٤): [الكامل] فلَثَمتُ فاهَا آخذًا بقُرُونها … شُرْبَ النَّزِيفَ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ

стр. 122

إذا ثبت وقوع الباء بمعنى "من" التبعيضية، وأنها مرادِفتُها ثبت أن الباء تقع للتبعيض ..... فيقرُب مذهب الشافعية في دعوى أن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] للتبعيض، كما لو قال: وامسحوا من رءوسكم. كما أن قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] بمعنى: يشرب منها. فإن قلت: من أين يتعيَّن في الآية أن الباء هي التي بمعنى "من"، ولعلها بمعنى آخَر كالإلصاق أو الاستعانة، ونحوهما، أو زائدة؟ قيل: هي عندهم متعيِّنة إذا دخلت على مفعول يتعدَّى إليه الفعل بنفسه، فإنك تقول: مسحتُ رأسي، ومسحتُ برأسي، فإذا لم تدخُل اقتضى مسحَ جميعِه، وإذا دخلت اقتضى مسحَ البعض. قال الرازي (١): نحن نعلم بالضرورة الفرق بين أن تقول: مسحتُ يدي بالمنديل والحائط. وبين أن تقول: مسحتُ المنديل والحائطَ. في أن الأول يُفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول. وقد اعتُرض على هذا بأمرين: أحدهما: إمكان كونها زائدةً؛ لأن معنى الزيادة ممكن؛ إذ يقال: مسحتُ رأسي، و: مسحت برأسي على معنًى واحد. والثاني: أن ابن جني ذكر أن كون الباء للتبعيض شيءٌ لا يعرفه أهل اللغة (٢). وأمر ثالث وهو إمكان أن تكون للإلصاق، كأنه إلصاق المسح بالرأس، وقد قيل بهذا، كما أنه قد قيل بالزيادة.

стр. 123

وأُجيب عن الأول: أن الزيادة على خلاف الأصل، فلا يقال بها ما وُجِد عنها مندوحة، وقد وجدناها؛ بأن تكون للتبعيض. وعن الثاني: بأن قول ابن جني شهادةٌ على النفي، وقولَ مَن أثبت التبعيض شهادةٌ على الإثبات، وشهادةُ الإثبات مقدَّمة حسب ما تقرَّر في عِلمه. وعن الثالث: أن كونها للإلصاق لا ينافي كونها للتبعيض؛ لأن معنى الإلصاق هو الأصل فيها، ثم يدخل عليه ما سواه من المعاني حسب ما بيَّنه الحُذَّاق. وأيضًا إذا ثبت التبعيض بها في المُثْل المتقدِّمة، لم يصِحَّ نفيُه عن الآية. وقد ردَّ بوجه رابع حكاه عِيَاض في "ترتيب المدارك"، عن محمد بن عبد الحَكَم قال: قلتُ للشافعي: لأيِّ شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه وترك بعضَه أنه يجزئه؟ قال: من سبب الباء الزائدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولم يقُل: رءوسكم. قال: قلتُ: فأيُّ شيء ترى في التيمُّم إذا مسح الإنسان بعضَ وجهه وترك بعضًا؟ قال: لا يجزئه. قلتُ: لِمَ؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. قال: فسكتَ (١). انتهى. وهذا إلزامٌ للشافعي حَسَنٌ غير أن الرازي قد اعتذر عنه بأنه الأصل أيضًا في آية التيمُّم؛ التبعيضُ، فكان الواجب القول به لولا معارضة ما دلَّ على وجوب

стр. 124

مسح جميع الوجه من السُّنة أو الإجماع، فقَوِي على هذا مذهب الشافعية بعض القوة، وهذا شيء عَرَضٌ" (١). المثال الثاني: الخلاف حول إفادة "ثُمَّ" لمطلَق الجمع، وأثره في اختلاف المعنى: ذهب جمهور النحاة إلى أن "ثُمَّ" تُفيد الترتيب (٢)، "وذهب قومٌ إلى أنها تُرادف "الواو" في بعض تصريفها؛ فلا تُعطي ترتيبًا، واستدلوا على ذلك بأشياء؛ منها قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢)﴾ [البلد: ١١، ١٢] ثم قال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] فلو كانت للترتيب والمُهلَة لكان طلبُ الإيمان مرتَّبًا على طلب فروعه، وذلك فاسد. فالمعنى: فلم يقتحم، ولا كان من الذين آمنوا. فالموضع موضع اجتماع، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١]، والخَلقُ والتصوير في زمان واحد؛ لأنهما راجعان إلى معنى واحد. وقال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، والهدايةُ لا تتأخر عن التوبة والإيمان والعمل الصالح … والجواب: أن ما ذُكر لا دليل فيه؛ أما الآية الأولى؛ فـ "ثُمَّ" فيها على بابها، بمعنى أن الله خلق الإنسان، وهداه طريق الخير والشر، فلم يُعطِ مما رُزِق يتيمًا ولا مسكينًا، ثم بعدَ هذا المنع لم يؤمن، ولم ينتظِم في سلك المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة.

стр. 125

وقيل: إن "ثُمَّ" فيه لترتيب الأخبار كالفاء، إلا أنه قصد هنا التنبيه على تراخي الإيمان وتباعُده في الرتبة عن العِتق والصدقة، لا ترتيب الزمان. وأما قوله: ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ فعلى حذف المضاف، أي: خلقنا أباكم، يريد من تراب ثم صوَّرناه أي جعلناه صورةً ناطقة حيَّةً، لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم إنما كان بعد نفخ الرُّوح فيه، وليس المراد بالتصوير نفسَ الخَلق. وأما قوله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فمعناه: تمادى على ذلك، ودام وثبت، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]؛ إنما طلبوا التثبيت على الهدى؛ لأنهم في الحين مهتدون … والدليل على لزوم الترتيب لها استقراءُ المتقدِّمين المتحقِّقين بكلام العرب" (١). المثال الثالث: تغيُّر معنى الكلام بسبب الاختلاف في حمله على الاستثناء المتصل أو المنفصل: يحتمل أن يكون الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ٢٧] متصلًا ومنفصلًا. فإذا بَنينا على الاتصال، فكأنه يقول: ما كتبناها عليهم إلا على هذا الوجه الذي هو العمل بها ابتغاء رضوان الله، فالمعنى: أنها مما كُتبت عليهم، أي: مما شُرعت لهم، لكن بشرط قصد الرضوان، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]؛ يريد أنهم تركوا رعايتها حين لم يؤمنوا برسول الله ﷺ ، وهو قول طائفة من المفسِّرين؛ لأن قصد الرضوان إذا كان شرطًا في العمل بما شُرع لهم، فمن

стр. 126

حقِّهم أن يتَّبعوا ذلك القصد فإلى أين سار بهم ساروا، وإنما شُرع لهم على شرط أنه إذا نُسخ بغيره رجعوا إلى ما أُحكم، وتركوا ما نُسخ، وهو معنى ابتغاء الرضوان على الحقيقة، فإذا لم يفعلوا وأصرُّوا على الأول كان ذلك اتِّباعًا للهوى لا اتِّباعًا للمشروع، واتباعُ المشروع هو الذي يحصُل به الرضوان وقصدُ الرضوان؛ فلذلك قال الله تعالى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]، فالذين آمنوا هم الذين اتبعوا الرهبانية ابتغاءَ رضوان الله، والفاسقون هم الخارجون عن الدخول فيها بشرطها؛ إذ لم يؤمنوا برسول الله ﷺ . إلا أن هذا التقرير يقتضي أن المشروع لهم يُسمَّى ابتداعًا، وهو خلاف ما دلَّ عليه حدُّ البدعة (١). والجواب: أنه يُسمَّى بدعة من حيث أخلُّوا بشرط المشروع؛ إذ شُرط عليهم فيه شرطٌ فلم يقوموا به، وإذا كانت العبادة مشروطة بشرط فعُمِل بها دون شرطها، لم تكن عبادة على وجهها، وصارت بدعة كالمُخِلُّ قصدًا بشرطٍ من شروط الصلاة؛ مثل استقبال القبلة، أو الطهارة، أو غيرها، بحيث عرف بذلك وعلِمه فلم يلتزمه، ودأَب على الصلاة دون شرطها، فذلك العمل من قبيل البدع. فيكون ترهُّب النصارى صحيحًا قبل بعث محمد رسول الله ﷺ ، فلما بُعث وجب الرجوع عن ذلك كلِّه إلى مِلَّته، فالبقاءُ عليه مع نسخه بقاءٌ على ما هو باطل بالشرع، وهو عين البدعة.

стр. 127

وإذا بَنينا على أن الاستثناء منقطع - وهو قول فريق من المفسِّرين - فالمعنى: ما كتبناها عليهم أصلًا؛ ولكنهم ابتدعوها ابتغاءَ رضوان الله، فلم يعمَلوا بها بشرطها، وهو الإيمان برسول الله ﷺ ؛ إذ بُعث إلى الناس كافةً" (١). المثال الرابع: أثر الخلاف في المنع من العطف على الضمير المرفوع في المعنى: ذهب البصريون إلى منع العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير فصل، وإنما يأتي عندهم في الشعر حيث لا يقاس عليه، وذهب الكوفيون إلى جواز العطف بلا فصل (٢) مستدلِّين … بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ [النجم: ٦، ٧]، ففي (استوى) ضميرٌ عندهم، و (هو) معطوف عليه، أي: استوى جبريلُ ومحمدٌ ﷺ . وهذا عند البصريين ليس فيه دليل … ؛ [إذ] الآية … تحتمل أن تكون الواو في ﴿وَهُوَ﴾ واوَ الحال لا واوَ العطف والضميران معًا لجبريل ﵇، أي: استوى في صورته التي خُلِق عليها حال كونه بالأُفُق الأعلى" (٣). المثال الخامس: أثر الخلاف في إفادة الواو للإباحة في المعنى: "لأجل ما يعرِض للواو في الإباحة من معنى "أو" ذهب مالك (٤) في آية أصناف الزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] إلى

стр. 128

آخِرها، إلى جواز إعطاء بعض الأصناف دون بعض؛ لأنها معطوفة بالواو في موضع الإباحة، وموضعُ الإباحة تقع الواو لواو فيه مجزئة من "أو" كما قال سيبويه (١). وأما على رأي غيره (٢)؛ فالواو محمولة على أصلها عنده من الجمع المطلَق" (٣). المثال السادس: أثر إدراك تصرُّفات العرب في صِيَغ العموم في فهم المعنى: "لا كلام في أن للعموم صِيَعًا وضعيَّةً، والنظرُ في هذا مخصوصٌ بأهل العربية، وإنما يُنظَر هنا في أمرٍ آخَر وإن كان من مطالب أهل العربية أيضًا .... ؛ وذلك أن للعموم الذي تدلُّ عليه الصّيغ بحسب الوضع نظرَين: أحدهما: باعتبار ما تدلُّ عليه الصِّيغة في أصل وضعها على الإطلاق، وإلى هذا النظر قصدُ الأصوليين؛ فلذلك يقع التخصيص عندهم بالعقل والحسِّ وسائر المخصِّصات المنفصلة. والثاني: بحسب المقاصد الاستعمالية التي تقضي العوائد بالقصد إليها، وإن كان أصل الوضع على خلاف ذلك. وهذا الاعتبار استعماليٌّ، والأولُ قياسيٌّ. والقاعدة في الأصول العربية (٤): أن الأصل الاستعمالي إذا عارَض الأصلَ القياسي كان الحُكم للاستعمالي.

стр. 129

وبيان ذلك هنا: أن العرب قد تُطلِق ألفاظ العموم بحسب ما قصدتْ تعميمَه مما يدلُّ عليه معنى الكلام خاصَّةً، دون ما تدلُّ عليه تلك الألفاظ بحسب الوضع الإفرادي، كما أنها أيضًا تُطلِقها، وتقصد بها تعميم ما تدلُّ عليه في أصل الوضع، وكلُّ ذلك مما يدلُّ عليه مقتضى الحال؛ فإن المتكلِّم قد يأتي بلفظ عموم مما يشمل بحسب الوضع نفسَه وغيرَه، وهو لا يريد نفسَه، ولا يريد أنه داخلٌ في مقتضى العموم، وكذلك قد يقصد بالعموم صِنفًا مما يصلُح اللفظُ له في أصل الوضع دون غيره من الأصناف. كما أنه قد يقصد ذكر البعض في لفظ العموم، ومرادُه من ذكر البعض الجميعُ؛ كما تقول: فلانٌ يملك المشرق والمغرب. والمرادُ: جميع الأرض. و: ضُرِب زيدٌ الظَّهْرُ والبَطْنُ (١)، ومنه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧]، ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. فكذلك إذا قال: مَن دخل داري أكرمتُه؛ فليس المتكلِّم بمراد، وإذا قال: أكرمتُ الناس. أو: قاتلتُ الكُفار. فإنما المقصود مَن لقي منهم؛ فاللفظ عامٌّ فيهم خاصة، وهم المقصودون باللفظ العام دون من لم يخطُر بالبال. قال ابن خَرُوف (٢): "ولو حلف رَجُلٌ بالطلاق والعتق ليضرِبنَّ جميعَ مَن

стр. 130

في الدار وهو معهم فيها، فضرَبهم ولم يضرِب نفسَه؛ لبَرَّ ولم يلزمه شيءٌ، ولو قال: اتَّهَم الأميرُ كلَّ مَن في المدينة فضرَبهم؛ فلا يدخُل الأميرُ في التُّهَمَة والضَّرْب". قال: "فكذلك لا يدخُل شيء من صفات الباري تعالى تحت الإخبار في نحو قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]؛ لأن العرب لا تقصد ذلك، ولا تنويه، ومثله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وإن كان عالمًا بنفسه وصفاته، ولكن الإخبار إنما وقع عن جميع المحدَثات، وعِلمُه بنفسه وصفاته شيءٌ آخَر". قال: "فكلُّ ما وقع الإخبار به من نحو هذا، فلا تعرُّض فيه لدخوله تحت المخبر عنه؛ فلا تدخُل صفاته تعالى تحت الخطاب، وهذا معلومٌ من وضع اللسان". فالحاصل أن العموم إنما يُعتبَر بالاستعمال، ووجوهُ الاستعمال كثيرة، ولكن ضابِطُها مقتضيات الأحوال التي هي مِلاك البيان؛ فإن قوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] لم يقصد به أنها تدمِّر السماوات والأرض والجبال، ولا المياه ولا غيرها مما هو في معناها، وإنما المقصودُ تدمِّر كلَّ شيء مرَّت عليه مما شأنُها أن تؤثِّر فيه على الجملة، ولذلك قال: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا

стр. 131

يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]. ومن الدليل على هذ أيضًا أنه لا يصحُّ استثناء هذه الأشياء بحسب اللسان؛ فلا يقال: مَن دخَل داري أكرمته إلا نفسي. أو: أكرمتُ الناس إلا نفسي. ولا: قاتلتُ الكُفارَ إلا مَن لم أَلقَ منهم. ولا ما كان نحو ذلك، وإنما يصحُّ الاستثناء من غير المتكلِّم ممن دخَل الدار، أو ممن لقيت من الكُفار، وهو الذي يُتوهَّم دخولُه لو لم يُستثنَ، هذا كلامُ العرب في التعميم؛ فهو إذًا الجاري في عمومات الشرع. وأيضًا فطائفة من أهل الأصول نبهوا على هذا المعنى، وأن ما لا يخطر ببال المتكلِّم عند قصده التعميم إلا بالإخطار لا يُحمَل لفظُه عليه إلا مع الجمود على مجرَّد اللفظ، وأما المعنى فيبعُد أن يكون مقصودًا للمتكلِّم، كقوله ﷺ : "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فقد طَهُر" (١). قال الغزالي: "خروجُ الكلب عن ذهن المتكلِّم والمستمِع عند التعرُّض للدِّباغ ليس ببعيد، بل هو الغالب الواقع، ونقيضُه هو الغريب المستبعَد" (٢). وكذا قال غيرُه أيضًا، وهو موافق لقاعدة العرب، وعليه يُحمَل كلام الشارع بلا بُدَّ" (٣). المثال السابع: دلالة اسم الإشارة للبعيد في دفعِ ما قد يُتوهَّم من المعنى الفاسد: "سألني الشيخ الأستاذ الكبير الشهير أبو سعيد فرج بن قاسم بن لُب

стр. 132

التَّغْلِبي (١)، أدام الله أيَّامه، عن قول ابن مالك في "تسهيل الفوائد" (٢) في باب اسم الإشارة: "وقد يُغني ذو البُعد عن ذي القُرب؛ لعظمة المُشِير أو المشار إليه". فقال: إن المؤلِّف مثّضل عظمة المُشِير في الشرح (٣) بقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧] ولم يُبيِّن ما وجهُ ذلك، فما وجهُه؟ ففكَّرتُ فلم أجد جوابًا. فقال: وجهُه أن الإشارة بذي القُرب هاهنا قد يُتوهَّم فيها القُرب بالمكان، والله تعالى يتقدَّس عن ذلك، فلما أشار بذي البُعد أعطى بمعناه أن المُشِير مُبايِنٌ للأمكنة وبعيدٌ عن أن يُوصَف بالقُرب المكاني، فأتى البُعدُ في الإشارة مُنبِّهًا على بُعد نسبة المكان عن الذات العَلِيَّة، وأنه يبعدُ أن يحِلَّ في مكان أو يُدانِيه" (٤).

стр. 133

مقالةٌ في ذكر أمثلة تبيِّن تأثير العربية في تقرير معاني السُّنة واستنباطها منها المثال الأول: أثر دلالة "ثُمَّ" على الترتيب في المعنى: "قال المارِدي (١): الدليل على أن "ثُمَّ" لا تكون بمعنى الواو إجماعُ الفقهاء على أنه لا يجوز أن يقال: هذا بيُمنِ الله ويُمنك، بالواو، ولكن أجازوا أن يقال: هذا بيُمن الله ثُمَّ يُمنك. قال: ولو كانت بمعنى الواو ما فرُّوا إليها. قال: وفي الحديث أن بعض اليهود قال لبعض أصحاب النبي ﷺ : تزعُمون أنَّكم لا تشركون بالله وأنتم تقولون ما شاء الله وشئتَ! فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "لا تقولوها، وقولوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ" (٢). فإن قيل: فهل يجوز ما شاء الله فشئتَ، بالفاء؟ قيل: لا؛ لأنَّ فيه خلافًا لسُنَّة رسول الله ﷺ ، ولأنَّ الفاء تدلُّ على أنَّ ما بعدَها يتلو ما قبلَها بتراخٍ يسير، ومشيئةُ العِباد لا تُقارِب مشيئةَ الله تعالى" (٣). المثال الثاني: أثر دلالة الصفة المشبَّهة - على وزن "فَعْلَان" - على المعنى: "إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية؛ فعلى شرط أن يتقدَّم النقل

стр. 134

فيكون متبوعًا، ويتأخَّر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقلُ في مجال النظر إلا بقَدْر ما يُسرِّحه النقلُ، والدليل على ذلك أمور … [منها] أن للأصوليين قاعدة .... ، وهي أن المعنى المناسب إذا كان جليًّا سابقًا للفهم عند ذكر النصِّ، صحَّ تحكيم ذلك المعنى في النصِّ بالتخصيص له والزيادة عليه، ومثَّلوا ذلك بقوله ﵇: "لا يَقْضِي القَاضِي وهُو غَضِبَانُ" (١)؛ فمنَعوا - لأجل معنى التشويش - القضاء مع جميع المشوِّشات، وأجازوا مع ما لا يُشوِّش من الغضب، فأنت تراهم تصرَّفوا بمقتضى العقل في النقل من غير توقُّف وذلك خلاف ما أصَّلت، وبالجملة فإنكار تصرُّفات العقول بأمثال هذا إنكار للمعلوم في أصول الفقه. فالجواب: أن ما ذكرتُ لا إشكال فيه على ما تقرَّر … ؛ فإن إلحاق كلِّ مشوِّش بالغضب من باب القياس، وإلحاقُ المسكوت عنه بالمنطوق به بالقياس سائغٌ، وإذا نظرنا إلى التخصيص بالغضب اليسير، فليس من تحكيم العقل، بل من فَهْم معنى التشويش، ومعلومٌ أن الغضب اليسير غير مشوِّش؛ فجاز القضاء مع وجوده بناءً على أنه غيرُ مقصود في الخطاب. هكذا يقول الأصوليون في تقرير هذا المعنى، وأن مطلَق الغضب يتناوله اللفظ، لكن خصَّصه المعنى. والأمرُ أسهلُ من غير احتياج إلى تخصيص؛ فإن لفظ "غضبان" وزنُه "فَعْلَان"، و"فَعْلَانُ" في أسماء الفاعلين يقتضي الامتلاء مما اشتُقَّ منه؛ فـ "غضبان" إنما يُستعمَل في الممتلئ غضبًا؛ كرَيَّان في الممتلئ رِيًّا، وعطشان في الممتلئ عطشًا، وأشباهِ ذلك، لا أنه يُستعمَل في مطلَق ما اشتُّق منه.

стр. 135

فكأن الشارع إنما نهى عن قضاء الممتلئ غضبًا، حتى كأنه قال: لا يقضي القاضي وهو شديد الغضب، أو ممتلئ من الغضب. وهذا هو المشوِّش، فخرَج المعنى عن كونه مخصِّصًا، وصار خروجُ يسير الغضب عن النهي بمقتضى اللفظ، لا بحُكم المعنى، وقيس على مشوِّش الغضب كلُّ مشوِّش؛ فلا تجاوُز للعقل إذًا" (١).

стр. 136

مقالةٌ في ذِكر أمثلة تبيِّن تأثير العربية في تقرير الفروع الفقهية المثال الأول: أثر أحكام الاستثناء في الأقارير: "إذا قلتَ: له عندي عشرةٌ إلا اثنين إلا اثنين، فالمُقَرُّ به ستةٌ؛ لأن الجميع مُخرَجٌ من العشرة، وكذلك إذا قلتَ: له عندي عشرةٌ إلا اثنين إلا ثلاثة، أو قلتَ: له عندي عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا أربعةً، وهو رأي الأكثر في هذا؛ لأن الأخير لا يمكن استثناؤه مما قبلَه، والقائل: إلا اثنين إلا ثلاثةً مُقِرٌّ بخمسة. والقائل: إلا ثلاثةً إلا أربعةً مُقِرٌّ بثلاثة. وذهب الفَرَّاء إلى أنهما ليسا بمستثنيين من العشرة، فيكون قد أقرَّ بخمسة أو بثلاثة، بل يُحكَم بأنه قد أقرَّ بأحدَ عشرَ؛ لأنه عنده في تقدير: له عندي عشرة إلا اثنين فليسا له عندي إلا الثلاثة التي له عندي، وكذلك الأخرى في تقدير: له عندي عشرةٌ إلا ثلاثة، فليست له عندي سوى الأربعة التي له عندي، وارتضاه … في "التسهيل"، وشرحِه (١)، وظاهرُ إشارته [في نظمه (٢)] أنه مع الجمهور، وهو الأصحُّ قياسًا على مسألة: قام القوم إلا زيدًا إلا عمرًا، ولأن الاستثناء الثاني لا يمكن على هذا المعنى إلا أن يكون منقطعًا، فيكون التقدير: له عندي عشرةٌ إلا ثلاثةٌ سوى الأربعة التي له عندي، ومتى أمكن حملُه على الاتصال لم يَجُز حملُه على الانفصال. فإن قيل: يُعيِّن الحملَ على الانفصال هنا أنه لو أراد استثناءها من الأول معًا

стр. 137

لقال: عشرةٌ إلا سبعةً؛ لأنه أخصرُ، فتخصيصُه الثلاثة بالاستثناء، ثم جاء بالأربعة دليلٌ على أن الأربعة تزاد على ما أقرَّ به أولًا، وهي السبعة. فالجواب: هذا لازمٌ في: عشرةٌ إلا ثلاثة، فلقائل أن يقول: لو أراد استثناء الثلاثة من الأول لقال له عندي سبعةٌ؛ لأنها أخصرُ، فَأَنْ لم يفعلوا ذلك دليل على أنهم قصدوا أمرًا آخَر، وهذا فاسدٌ. فإن قيل: إن للعرب في كلامها تصرُّفاتٍ كثيرةً فلا يمتنع مِثلُ هذا عليها. قيل: فكذلك يلزم في مسألتنا. … [و] إذا أمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض … [فـ] في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أن الجميع مُخرَجٌ من الأول، فإذا قلتَ: له عندي عشرةٌ إلا اثنين إلا ثلاثةً؛ فالمُقَرُّ به خمسة كما تقدَّم، وإذا قلتَ: عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا اثنين فكذلك، وهذا إذا أمكن أن تكون المستثنيات كلُّها مُخرَجةً من الأول. والثاني: مذهب الفَرَّاء المتقدِّم، فيجعل الاستثناءَ الثاني منقطعًا كما تقدَّم. والثالث: مذهب الأكثر أن يُجعَل الثاني مستثنًى من الأول، والثالث مستثنى من الثاني، فإذا قلتَ: له عندي عشرةٌ إلا ثلاثةً إلا اثنين، فالثلاثةُ مُخرَجةٌ من العشرة، والاثنان مُخرَجةٌ من الثلاثة؛ فالمُقَرُّ به إذًا تسعة" (١). المثال الثاني: من أحكام تعليق الطلاق بالشرط: "اتفق مالك وأبو حنيفة (٢) على صحة التعليق في الطلاق قبل النكاح، والعِتقِ

стр. 138

قبل المِلك؛ فيقول للأجنبية: إنْ تزوجتُكِ فأنت طالق، وللعبد: إن اشتريتُك فأنت حرٌّ، ويلزَمُه الطلاقُ إن تزوج، والعتقُ إذا اشترى، وقد عُلِم أن مالكًا وأبا حنيفة يبيحان له أن يتزوج المرأة وأن يشتري العبد. وفي "المبسوطة" عن مالك - فيمَن حلف بطلاق كلِّ امرأة يتزوجها إلى ثلاثين سنة ثم يخافُ العنَت - قال: "أرى له جائزا أن يتزوج، ولكن إن تزوج طُلِّقت عليه" (١). مع أن هذا النكاح وهذا الشراء ليس فيهما شيء مما قصده الشارع بالقصد الأول ولا بالقصد الثاني، إلا الطلاق والعنق، ولم يُشرَع النكاحُ للطلاق، ولا الشراءُ للخروج عن اليد، وإنما شُرِعا لأمور أُخَر، والطلاقُ والعِتاقُ من التوابع غير المقصودة في مشروعيتهما؛ فما جاز هذا إلا لأن وقوعَ الطلاق أو العتق ثانٍ عن حصول النكاح أو الملك وعن القصد إليه؛ فالناكحُ قاصدٌ بنكاحه الطلاقَ، والمشتري قاصدٌ بشرائه العِتقَ، وظاهرُ هذا القصد المنافاةُ لقصد الشارع، ولكنه مع ذلك جائزٌ عند هذين الإمامين. وإذا كان كذلك؛ فأحدُ الأمرين جائزٌ؛ إما جواز التسبب بالمشروع إلى ما لم يُشرَع له السبب، وإما بطلانُ هذه المسائل" (٢).

стр. 139

مقالةٌ في مفاسد خُلُو الناظر في الشريعة من علم العربية، ومضارِّ الغفلة عن أحكامه، وذمِّ مَن عري منه أو أخطأ فيه "كلُّ خارج عن السُّنة ممن يدَّعي الدخول فيها والكونَ من أهلها، لا بُدَّ له من تكلُّف الاستدلال بأدلَّتها على خصوصات مسائلهم، وإلا كذَّب اطراحُها دعواهم، بل كلُّ مبتدِع من هذه الأُمَّة إنما يدَّعي أنه هو صاحب السُّنة دون مَن خالَفه من الفرق، فلا يمكنه إلا الرجوع إلى التعلُّق بشُبَهها، وإذا رجع إليها كان الواجب عليه أن يأخذ الاستدلال مأخذَ أهلِه العارفين بكلام العرب وكليات الشريعة ومقاصدها، كما كان السلف الأول يأخذونها، إلا أن هؤلاء … لم يبلُغوا مبلَغ الناظرين فيها بإطلاق؛ إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعِلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في العِلم بقواعد الأصول التي من جهتها تُستنبط الأحكام الشرعية، وإما للأمرين جميعًا، فبالحَرِيِّ أن تصير مآخذهم للأدلة مُخالفة المأخذ مَن تقدَّمهم من المحقِّقين للأمرين" (١). ولهذا كان من مآخذ أهل البدع والأهواء في الاستدلال "تخرُّصهم على الكلام في القرآن والسُّنة العربيِّين، مع العُروِ عن عِلم العربية الذي به يُفهَم عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا، ويدينون به، ويُخالِفون الراسخين في العِلم، وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظنِّ بأنفسهم، واعتقادِهم

стр. 140

أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك، كما حُكي عن بعضهم أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]، فقال: هو هذا الصُّرصُر؛ يعني صَرَّار الليل (١). وعن النَّظَّام أنه كان يقول: إذا إلى المرء بغير اسم الله لم يكن مُولِيًا. قال: لأن الإيلاء مشتقٌّ من اسم الله. وقال بعضُهم في قول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]: إنه أُتخِم من أكل الشجرة؛ يذهبون إلى قول العرب: "غوِي الفصيل": إذا أكثرَ من اللبن حتى بَشِم، ولا يقال فيه غوَى. وإنما "غوَى" من الغَيِّ. وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، أي: ألقينا فيها. كأنه عندهم من قول العرب: "ذَرَتْه الرِّيحُ"، وذلك لا يجوز؛ لأن "ذرأنا" مهموز، و"ذرته" غير مهموز، وكذلك لا يكون من: "أَذْرَته الدَّابَّة عن ظهرها"؛ لعدم الهمز، ولكنه رباعي، و"ذرأنا" ثلاثي وحكى ابن قُتَيبَة (٢) عن بِشر المَرِيسِي: أنه كان يقول لجُلسائه: قضى اللهُ لكم الحوائج على أحسن الوجوه وأهيؤها. فسمع قاسم التَّمَّار قومًا يضحكون، فقال: هذا كما قال الشاعر (٣): [المنسرح] إِنَّ سُلَيْمَى واللهُ يكلؤها … ضنَّتْ بشيءٍ ما كان يُرْزَؤها وبِشْر المَرِيسِي رأس في الرأي، وقاسم التَّمَّار رأس في أصحاب الكلام.

стр. 141

قال ابن قُتَيبَة: واحتجاجُه لبِشْر أعجبُ من لحنِ بِشْر. واستدلَّ بعضُهم على تحليل شَحْم الخنزير بقول الله تعالى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فاقتصَر على تحريم اللحم دون غيره، فدلَّ على أنه حلالٌ. وربما سلَّم بعض العلماء ما قالوا، وزعم أن الشَّحْم إنما حرم بالإجماع. والأمرُ أيسرُ من ذلك؛ فإن اللحم يُطلَق على الشَّحْم وغيره حقيقةً، حتى إذا خُصَّ بالذِّكر قيل: شَحْمٌ. كما قيل: عِرق، وعَصَب، وجِلد. ولو كان على ما قالوا، لزِم أن لا يكون العِرق ولا العَصَب ولا الجِلد ولا المُخ ولا النُّخاع ولا غير ذلك مما خُصَّ بالاسم مُحرَّمًا، وهو خروجٌ عن القول بتحريم الخنزير. ويمكن أن يكون من خَفِيِّ هذا الباب مذهبُ الخوارج في زعمهم أنه لا تحكيم للرِّجال؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فإنه مبنيٌّ على أن اللفظ ورد بصيغة العموم، فلا يلحقه تخصيصٌ؛ فلذلك أعرضوا عن قول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وإلا فلو علموا تحقيقًا قاعدة العرب في أن العموم يُراد به الخصوص؛ لم يُسرِعوا إلى الإنكار، ولقالوا في أنفسهم لعلَّ هذا العام مخصوصٌ؛ فيتأولون. وفي الموضع وجه آخَر مذكور في موضع غير هذا (١). وكثيرًا ما يُوقع الجهلُ بكلام العرب في مخازٍ لا يرضى بها عاقل، أعاذنا الله من الجهل والعملِ به، بفضله.

стр. 142

فمِثل هذه الاستدلالات لا يُعبأ بها، وتسقُط مكالمةُ أصحابها، ولا يُعَدُّ خلافُ أمثالهم خلافًا، فكلُّ ما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الأصولية فهو عين البدعة؛ إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى. فحقٌّ ما حُكي عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: "إنما هذا القرآنُ كلامُ الله، فضعُوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم" (١)، أي: فضعُوه على مواضع الكلام، ولا تُخرِجوه عن ذلك، فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى. وعنه أيضا: "إنما أخاف عليكم رجُلَين: رَجُل تأوَّل القرآن على غير تأويله، ورَجُل ينفس المال على أخيه" (٢). وعن الحسن (٣) رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: "أرأيتَ الرجُل يتعلَّم العربية ليُقِيم بها لِسانه، ويُقِيم بها منطقه؟ قال: نعم، فليتعلَّمْها، فإنَّ الرجُل يقرأ بالآية فيَعْيا بوجهها فيهلِك" (٤). وعنه أيضًا قال: "أهلكتْهم العُجمَة، يتأوَّلون القرآنَ على غير تأويلِه" (٥) " (٦). "ولعلك إذا استقريتَ أهل البدع من المتكلِّمين أو أكثرهم وجدتَهم من أبناء سبايا الأمم وممن ليس له أصالة في اللسان العربي" (٧).

стр. 143

ومن مآخذ صاحب الهوى والبدعة كذلك في تقرير المسائل أن "يتَّبع فيها الهوى أولًا، ثم يطلب لها المَخرَج من كلام العلماء، أو من أدلة الشرع. وكلامُ العرب أبدًا - لاتساعه وتصرُّفه - يحتمل أنحاء كثيرة، لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوَّله، أو آخِره، أو فحواه، أو بساط حاله، أو قرائنه. فمَن لا يعتبره من أوله إلى آخِره، ويعتبر ما ابتنى عليه زلَّ في فهمه، وهو شأن من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية، ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشِك أن يزلَّ، وليس هذا من شأن الراسخين، وإنما هو من شأن من استعجل طلبًا للمَخرَج في دعواه" (١). ومما يدخُل في هذا استدلالُ بعضهم على أن التكبير الجماعي بصوت واحد في العيدين فيه أجرٌ وثواب وأنه من بدع الخير، وليس بمخالف للسُّنة - بـ "ما رُوي عن ابن مسعود من أن: "الاقتصادَ في السُّنة خيرٌ من الاجتهادِ في البدعة" (٢)؛ كون أن جاءت هذه الألفاظ عن السلف بـ "أفعل من" التي هي في اللسان العربي تقتضي التفضيل دالَّةً على الفاضل والمفضول … وقول القائل: إن التكبير على صوت واحد فيه الأجر، فإن أثبتَ ذلك نقلًا صريحًا لا احتمال فيه عن السلف صحَّ الأجرُ، وإلا فلا أجر فيه البتةَ. وأما قوله: إنه من بدع الخير التي شهِد الشرع بحُسنها فغلط؛ إذ لا بدعة في الدنيا يشهد الشرعُ باعتبار حُسنها، بل الأمر بضدِّ ذلك لقوله ﵇: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (٣) وأشباهه (٤).

стр. 144

وربما يغترُّ القائل بكلام القَرَافي أو من نقل عنه، وهو غلط، بسطتُه في غير هذا الموضع (١). ثم استدلاله بما استشهد به أغربُ … من جهة استنباطه ذلك من "أفعل" التفضيل؛ لأنها عنده تقتضي الاشتراك فيما فيه المفاضلة لزومًا، فيجيء على قوله أن أصحاب الجنة وأصحاب النار مشتركون في خيرية المستقَر وحُسن المَقِيل من قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] إلى غير ذلك مما جاء فيه "أفعل" التفضيل وليس اشتراك البتةَ، وهو كثيرٌ، بل "أفعل" التفضيل أعمُّ مما ذكر" (٢). ومما يدخُل تحت هذا ما يتوهَّمه كثير من الناس في بعض الآي، وهم في توهُّمهم هذا مخالفون لفهم أئمة العربية لهذه الآي؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ليس "على ما يفهمه كثيرٌ من الناس، بل على ما قرَّره الأئمة في صناعة النحو، أي: إن الله يُعلِّمكم على كلِّ حال فاتقوه؛ فكأن الثاني سببٌ في الأول؛ فترتَّب الأمرُ بالتقوى على حصول التعليم ترتُّبًا معنويًّا، وهو يقتضي تقدُّم العلم على العمل" (٣). ولهذا كلِّه ذُمَّ مَن عرِي من هذا العِلم أو أخطأ فيه، ومن ذلك ما "قال لنا الشيخ القاضي الكبير الشهير أبو القاسم الحسني (٤) يوما وقد جرى ذكر "حتى"

стр. 145

التي للابتداء وأن معناها: التي يقع بعدها الكلام سواءٌ كان ذلك متعلِّقًا بما قبله لم يتمَّ دونه أو لا يكون الأمر كذلك. فقال حدَّثني بعض الأصحاب: أنه سمع بمالَقة رجلًا يصلي أشفاع رمضان فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩]، فوقف هناك وركع وسجد، قال: ظننتُ أنه نسي ما بعدَه، ثم ركع وسجد حتى يتذكَّر بعد ذلك، ويُعيد أول الكلام، فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ [الكهف: ٩٠]، فلما أتمَّ الصلاة قلتُ له في ذلك: أليست "حتى" الابتدائية؟ قال القاضي: فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في "حتى" وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر" (١). ومنه أيضًا ما "حُكي عن يوسف بن عبد الله بن مغيث أنه قال: أدركتُ بقُرطبة مُقرِئًا يُعرف بالقُرشي، وكان لا يُحسن النحو، فقرأ عليه قارئُ يومًا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]، فرَّد عليه القرشي: (تحيدٌ) بالتنوين، فراجعه القارئ، وكان يُحِسن النحو، فلجَّ عليه المُقرئ، وثبت على التنوين، فانتشر الخبرُ إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيري الزاهد، وكان صديقًا لهذا المقرئ، فنهض إليه، فلما سلَّم عليه، وسأله عن حاله قال له ابن مجاهد: إنه بعُد عهدي بقراءة القرآن على مقرئ، فأردتُ تجديد ذلك عليك فأجابه إليه، فقال: أريد أن أبتدئ بالمُفصَّل؛ فهو الذي يتردَّد في الصلوات، فقال له المقرئ: ما شئتَ.
следующие страницы →