← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 30012

نحو الفقهاء = مجرد مقالات أبي إسحاق الشاطبي في العربية

أحمد فتحي البشير

Полный текст (236 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال ابن قُتَيبَة: واحتجاجُه لبِشْر أعجبُ من لحنِ بِشْر. واستدلَّ بعضُهم على تحليل شَحْم الخنزير بقول الله تعالى: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، فاقتصَر على تحريم اللحم دون غيره، فدلَّ على أنه حلالٌ. وربما سلَّم بعض العلماء ما قالوا، وزعم أن الشَّحْم إنما حرم بالإجماع. والأمرُ أيسرُ من ذلك؛ فإن اللحم يُطلَق على الشَّحْم وغيره حقيقةً، حتى إذا خُصَّ بالذِّكر قيل: شَحْمٌ. كما قيل: عِرق، وعَصَب، وجِلد. ولو كان على ما قالوا، لزِم أن لا يكون العِرق ولا العَصَب ولا الجِلد ولا المُخ ولا النُّخاع ولا غير ذلك مما خُصَّ بالاسم مُحرَّمًا، وهو خروجٌ عن القول بتحريم الخنزير. ويمكن أن يكون من خَفِيِّ هذا الباب مذهبُ الخوارج في زعمهم أنه لا تحكيم للرِّجال؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فإنه مبنيٌّ على أن اللفظ ورد بصيغة العموم، فلا يلحقه تخصيصٌ؛ فلذلك أعرضوا عن قول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وإلا فلو علموا تحقيقًا قاعدة العرب في أن العموم يُراد به الخصوص؛ لم يُسرِعوا إلى الإنكار، ولقالوا في أنفسهم لعلَّ هذا العام مخصوصٌ؛ فيتأولون. وفي الموضع وجه آخَر مذكور في موضع غير هذا (١). وكثيرًا ما يُوقع الجهلُ بكلام العرب في مخازٍ لا يرضى بها عاقل، أعاذنا الله من الجهل والعملِ به، بفضله.

стр. 142

فمِثل هذه الاستدلالات لا يُعبأ بها، وتسقُط مكالمةُ أصحابها، ولا يُعَدُّ خلافُ أمثالهم خلافًا، فكلُّ ما استدلوا عليه من الأحكام الفروعية أو الأصولية فهو عين البدعة؛ إذ هو خروج عن طريقة كلام العرب إلى اتباع الهوى. فحقٌّ ما حُكي عن عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: "إنما هذا القرآنُ كلامُ الله، فضعُوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم" (١)، أي: فضعُوه على مواضع الكلام، ولا تُخرِجوه عن ذلك، فإنه خروج عن طريقه المستقيم إلى اتباع الهوى. وعنه أيضا: "إنما أخاف عليكم رجُلَين: رَجُل تأوَّل القرآن على غير تأويله، ورَجُل ينفس المال على أخيه" (٢). وعن الحسن (٣) رضي الله تعالى عنه أنه قيل له: "أرأيتَ الرجُل يتعلَّم العربية ليُقِيم بها لِسانه، ويُقِيم بها منطقه؟ قال: نعم، فليتعلَّمْها، فإنَّ الرجُل يقرأ بالآية فيَعْيا بوجهها فيهلِك" (٤). وعنه أيضًا قال: "أهلكتْهم العُجمَة، يتأوَّلون القرآنَ على غير تأويلِه" (٥) " (٦). "ولعلك إذا استقريتَ أهل البدع من المتكلِّمين أو أكثرهم وجدتَهم من أبناء سبايا الأمم وممن ليس له أصالة في اللسان العربي" (٧).

стр. 143

ومن مآخذ صاحب الهوى والبدعة كذلك في تقرير المسائل أن "يتَّبع فيها الهوى أولًا، ثم يطلب لها المَخرَج من كلام العلماء، أو من أدلة الشرع. وكلامُ العرب أبدًا - لاتساعه وتصرُّفه - يحتمل أنحاء كثيرة، لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوَّله، أو آخِره، أو فحواه، أو بساط حاله، أو قرائنه. فمَن لا يعتبره من أوله إلى آخِره، ويعتبر ما ابتنى عليه زلَّ في فهمه، وهو شأن من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية، ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشِك أن يزلَّ، وليس هذا من شأن الراسخين، وإنما هو من شأن من استعجل طلبًا للمَخرَج في دعواه" (١). ومما يدخُل في هذا استدلالُ بعضهم على أن التكبير الجماعي بصوت واحد في العيدين فيه أجرٌ وثواب وأنه من بدع الخير، وليس بمخالف للسُّنة - بـ "ما رُوي عن ابن مسعود من أن: "الاقتصادَ في السُّنة خيرٌ من الاجتهادِ في البدعة" (٢)؛ كون أن جاءت هذه الألفاظ عن السلف بـ "أفعل من" التي هي في اللسان العربي تقتضي التفضيل دالَّةً على الفاضل والمفضول … وقول القائل: إن التكبير على صوت واحد فيه الأجر، فإن أثبتَ ذلك نقلًا صريحًا لا احتمال فيه عن السلف صحَّ الأجرُ، وإلا فلا أجر فيه البتةَ. وأما قوله: إنه من بدع الخير التي شهِد الشرع بحُسنها فغلط؛ إذ لا بدعة في الدنيا يشهد الشرعُ باعتبار حُسنها، بل الأمر بضدِّ ذلك لقوله ﵇: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" (٣) وأشباهه (٤).

стр. 144

وربما يغترُّ القائل بكلام القَرَافي أو من نقل عنه، وهو غلط، بسطتُه في غير هذا الموضع (١). ثم استدلاله بما استشهد به أغربُ … من جهة استنباطه ذلك من "أفعل" التفضيل؛ لأنها عنده تقتضي الاشتراك فيما فيه المفاضلة لزومًا، فيجيء على قوله أن أصحاب الجنة وأصحاب النار مشتركون في خيرية المستقَر وحُسن المَقِيل من قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] إلى غير ذلك مما جاء فيه "أفعل" التفضيل وليس اشتراك البتةَ، وهو كثيرٌ، بل "أفعل" التفضيل أعمُّ مما ذكر" (٢). ومما يدخُل تحت هذا ما يتوهَّمه كثير من الناس في بعض الآي، وهم في توهُّمهم هذا مخالفون لفهم أئمة العربية لهذه الآي؛ فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ليس "على ما يفهمه كثيرٌ من الناس، بل على ما قرَّره الأئمة في صناعة النحو، أي: إن الله يُعلِّمكم على كلِّ حال فاتقوه؛ فكأن الثاني سببٌ في الأول؛ فترتَّب الأمرُ بالتقوى على حصول التعليم ترتُّبًا معنويًّا، وهو يقتضي تقدُّم العلم على العمل" (٣). ولهذا كلِّه ذُمَّ مَن عرِي من هذا العِلم أو أخطأ فيه، ومن ذلك ما "قال لنا الشيخ القاضي الكبير الشهير أبو القاسم الحسني (٤) يوما وقد جرى ذكر "حتى"

стр. 145

التي للابتداء وأن معناها: التي يقع بعدها الكلام سواءٌ كان ذلك متعلِّقًا بما قبله لم يتمَّ دونه أو لا يكون الأمر كذلك. فقال حدَّثني بعض الأصحاب: أنه سمع بمالَقة رجلًا يصلي أشفاع رمضان فقرأ من سورة الكهف إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩]، فوقف هناك وركع وسجد، قال: ظننتُ أنه نسي ما بعدَه، ثم ركع وسجد حتى يتذكَّر بعد ذلك، ويُعيد أول الكلام، فلما قام من السجود ابتدأ القراءة بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ﴾ [الكهف: ٩٠]، فلما أتمَّ الصلاة قلتُ له في ذلك: أليست "حتى" الابتدائية؟ قال القاضي: فيجب أن يفهم أن الاصطلاح في "حتى" وفي غيرها من حروف الابتداء ما ذكر" (١). ومنه أيضًا ما "حُكي عن يوسف بن عبد الله بن مغيث أنه قال: أدركتُ بقُرطبة مُقرِئًا يُعرف بالقُرشي، وكان لا يُحسن النحو، فقرأ عليه قارئُ يومًا: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]، فرَّد عليه القرشي: (تحيدٌ) بالتنوين، فراجعه القارئ، وكان يُحِسن النحو، فلجَّ عليه المُقرئ، وثبت على التنوين، فانتشر الخبرُ إلى أن بلغ يحيى بن مجاهد الألبيري الزاهد، وكان صديقًا لهذا المقرئ، فنهض إليه، فلما سلَّم عليه، وسأله عن حاله قال له ابن مجاهد: إنه بعُد عهدي بقراءة القرآن على مقرئ، فأردتُ تجديد ذلك عليك فأجابه إليه، فقال: أريد أن أبتدئ بالمُفصَّل؛ فهو الذي يتردَّد في الصلوات، فقال له المقرئ: ما شئتَ.

стр. 146

فقرأ عليه من أول المُفصَّل، فلما بلغ الآيةَ المذكورة ردَّها عليه المقرئ بالتنوين، فقال له ابن مجاهد: لا تفعل، ما هي إلا غير منوَّنة بلا شك، فلجَّ المقرئ، فلما رأى ابن مجاهد تصميمَه، قال له: يا أخي إنِّي لم يحمِلني على القراءة عليك إلا لتُراجع الحقِّ في لُطف، وهذه عظيمة أوقعك فيها قِلة علمك بالنحو، فإن الأفعال لا يدخُلها التنوين، فتحيَّر المقرئ، إلا أنه لم يقنَع بهذا، فقال له ابن مجاهد: بيني وبينَك المصاحف، فأحضَر منها جملة فوجدوها مشكولةً بغير تنوين، فرجَع المقرئ إلى الحقِّ" (١).

стр. 147

الفصل الرابع من مباحث الأصوليين المتعلِّقة بالعربية

стр. 148

مقالةٌ في أن إجماع النحويين حُجة شرعية إجماع الأُمَّة حُجة قطعية في الشريعة (١)، والنحاةُ أُمَّة في فنِّهم كما أن الأصوليين أُمَّة في فنِّهم (٢)، وكذا كلُّ عِلم خادم للشريعة؛ فـ "مخالفةُ إجماع النحويين كمخالفة إجماع الفقهاء وإجماع الأصوليِّين وإجماع المحدِّثين، وكلُّ عِلم اجتمع أربابه على مسألة منه فإجماعُهم حُجة، ومخالِفُهم مخطئ" (٣). "فإن قيل: إن إجماع النحويين ليس بحُجة كما أشار إليه ابن جني إذ قال: "اعلَم أن إجماع أهل البلدَين إنما يكون حُجة إذا أعطاك خصمُك يدَه أن لا يُخالِف المنصوص أو المقيس على المنصوص، فأما إن لم يُعطِ يدَه بذلك فلا يكون إجماعُهم حُجة عليه … ؛ وذلك أنه لم يرِد ممن يطاع أمرُه في قرآن ولا سُنَّة أنهم لا يجتمعون على الخطأ كما جاء النصُّ عن رسول الله ﷺ من قوله: "أُمَّتِي لا تجتمعُ على ضَلَالَةٍ" (٤)، وإنما هو عِلم منتزَع من استقراء هذه اللغة .... فكلُّ مَن فُرِق له عن علة صحيحة وطريق نَهْجَةٍ كان خليلَ نفسِه وأبا عمرو فِكرِه" (٥).

стр. 149

هذا قولُه! وإذا كان إجماعُ النحويين ليس بحُجة، فمَن خالَفه كان خليلَ نفسِه وأبا عمرو فِكرِه؛ إذ لم يُخالِف في كتاب ولا سُنَّة ولا في مقيس عليهما أو مستنبَط منهما … فإنا نقول: الذي يُقطَع به، ولا يُشَكُّ فيه أن الإجماع في كلِّ فنٍّ شرعيٍّ أصلُه المنقول حُجة؛ لأن الإجماع معصومٌ على الجملة، قامت بذلك الدلائل الشرعية على ما تقرَّر في الأصول. وسبيلُ ابن جني في المسألة سبيلُ النَّظَّام وبعضِ الخوارج والشيعة، وحسبك بهذا انحطاطًا عن مراتب العلماء، وبيان هذه المسألة في الأصول، والذي بنى ابن جني عليه هذه المسألة شيءٌ رآه في قولهم: هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ (١)، حاصلُه أنه إحداث تأويل لم يذكره أحدٌ من النحويين، ومخالَفتُه سائغة على الأصحِّ من قولَي الأصوليين، وعليه الأكثر، ومع هذا فإنه أخطأ فيه حين قصَد مخالَفةَ الإجماع في أمرٍ توهَّم أن مِثله لا يُخالَف فيه؛ هكذا كان يذكر لنا شيخنا الأستاذ (٢) ﵀ أنه لم يُوفَّق في تأويله للصواب، بل حلَّ به شؤمُ المخالفة" (٣)، و"ذهب إلى ما لا يقبله عاقل" (٤)؛ فإن "خرق الإجماع ممتنِع، وصاحبُه مخطئ قطعًا؛ لأن يد الله مع الجماعة" (٥).

стр. 150

• بعض صُوَر الإجماع المختلَف في حجِّيتها (١): ثمَّة صُوَر ليس خرق الإجماع فيها ممتنِعًا بإطلاق، وهي: ١ - إحداث قول ثالث إذا أجمع الناس على قولين: تَقرَّر عند الأصوليين أنه إذا اختَلَف أهل العصر في مسألة على قولَين: فهل يجوز لمَن بعدهم إحداث قول ثالث؟ فيه مذاهب (٢): الأول: "لا يَكُون خرقًا للإجماع عند جماعة من أهل الأصول" (٣). ومثاله: مسألة همزة "إِنَّ" إذا وقعت جوابًا للقَسم وليس معها اللام؛ فقد ذهب الكوفيون إلى جواز فتحها وكسرها، إلا أن الأجود عندهم الفتح، وعند الزجاجي الكسر (٤)، والظاهرُ من مذهب ابن مالك في "الخلاصة" - خِلافًا لمذهبه في "التسهيل" (٥) - تَساوي الوجهين، وهو بذلك مخالِف للنحاة، وقولُه هذا "فاختراعٌ لقول لم يَرَه أحدٌ من النحويين، فهو مخالِف للإجماع … ويجاب عن ذلك: أن إحداث قول ثالث إذا أجمع الناس على قولَين لا يكون خرقًا للإجماع عند جماعة من أهل الأصول؛ فلا عَتبَ عليه (٦).

стр. 151

الثاني: أنه "خرق للإجماع" (١). ومثاله: بناءُ فِعل التعجب من "أَفْعَلَ"؛ ففيه ثلاثة أقوال: الجواز مطلَقًا، وهو الذي يَظهر من سيبويه (٢)، والمنع مطلَقًا، وهو قول جمهور المتقدِّمين، وذهب ابن عصفور (٣) إلى أن يُفرَّق؛ فإن كانت الهمزة للتعدية فلا يجوز، وإلا جاز. والذي ذهب إليه "يَرِدُ عليه على مذهبه هنا أن هذه التفرقة لم يَقُل بها أحد، ولا ذهب إليه نحوي، ويكفيه في الردِّ مخالَفتُه للإجماع؛ بِناءً على أن إحداث قول ثالث خرق للإجماع" (٤). الثالث: أنه "ليس بخرق إجماع عند طائفة من الأصوليين … إن كان لا يرفع ما اتفقوا عليه" (٥). ومثاله: مسألة إبدال الهمزة من حروف اللِّين في "مَفاعِل" وما أشبَهه من الجمع إذا اكتَنَف أَلِفَه حرْفَا لين، فهل هذا مختَصٌّ بالجمع دون المفرَد أم لا؛ فالنحويون "في هذه المسألة بين قائلَين: قائلٍ يقصُر هذا الحُكم على ما اكتَنَف فيه ألِفَ الجمع واوان، فلا بُدَّ عنده من شرطَين: أحدهما: أن تكون المَدَّة ألِفَ جمعٍ، والآخر: أن يكون المكتنِفان واوَين. وقائلٍ لا يشترِط شيئًا من ذلك، بل الحُكم جارٍ عنده في الجمع والمفرَد المشابه له، كـ "فَواعِل" من القول أو البيع" (٦).

стр. 152

أما ابن مالك فله "مذهب ثالث، وهو الفرق بين الجمع والمفرد، فيهمِز في الجمع دون المفرد … وليس إحداث قول ثالث في المسألة بخرق إجماع عند طائفة من الأصوليين، لاسيما إن كان القول المحدَث لا يرفَع ما اتَّفَقوا عليه، كهذا الموضع؛ فإنه مفصِّل في القولَين، فيُوافِق الأخفش في نفي الحُكم عن المفرَد (١)، ويُوافِق سيبويه في إثباته في الجمع مطلَقًا (٢)، فكلُّ قول لا يرفَع ما اتَّفَقوا عليه، فقد أجاز إحداثه طائفة ممن منَع الإحداث، وهو الذي اختاره ابن الحاجب (٣) " (٤). ٢ - إحداث تأويل غير الذي أجمعوا عليه: ومثاله: خَرْق الإجماع المنعقد على أن "عندك، ووراءك" معرَبتان؛ "فإن سلَّمناه، فليست المخالَفة في حكم من الأحكام المتقرِّرة التي يلزم عنها المخالَفة في قياس أو سماع؛ لأن "عندك، ووراءك" ونحوهما، مع القول بالإعراب والبناء على حدٍّ سواء، فإنما حقيقة الخِلاف في تأويل لا في حُكم؛ إذ كانت هذه الأشياء لازمةً للإضافة لا يجوز إفرادُها، فلم يظهر فيها فرقٌ بين الإعراب والبناء … ، وقد نصَّ الأصوليون في مسألة إحداث دليل أو تأويل مخالِف لِمَا أجمعوا عليه مع الموافقة في محصول الحُكم - على الخلاف، ورجَّح المحقِّقون منهم الجواز؛ إذ لا مخالَفة في الحُكم، وهذه المسألة مذكورة في الأصول" (٥).

стр. 153

٣ - إذا خالَف أهل الإجماع واحدٌ من المجتهدين: ومثاله: قوله ابن مالك (١): والمُفرَدَ المَنكُورَ والمضَافَا … وشِبَهَهُ انْصِبْ عَادِمًا خِلَافَا "يُريد أن نصبَ هذه الأنواع الثلاثة اتفاقٌ من النحويين، لا خِلاف بينهم في ذلك. فإن قيل: فما فائدة التنبيه على نفي الخِلاف هنا؟ فالجواب: أن ثَعلبًا (٢) أجاز النصب والرفع في المضاف الصالح للألف واللام نحو: يا حسنَ الوجه، ويا قائمَ الأب. فيجُوز عنده ضمُّ "حسن" و"قائم"؛ لأنه لما كانت إضافته في نية الانفصال كانت كالمعدومة … فالخلاف حاصلٌ في المضاف والشبيه بالمضاف، لكنه شاذٌّ، فكأنه "الناظم" يقول: هذا المذهب غير مَرضِي ولا مُعتَدٍّ به أن يكون خِلافًا، فلا خلاف في الحقيقة، وكذا عادة المصنِّفين يحكُون الوِفاق نفيًا للخِلاف الضعيف، وابنُ الحاجب مما يفعل ذلك" (٣). ومثال آخر: وهو أن "الإجماع المحكي في قصر الممدود صحيحٌ على الجملة؛ إذ (٤) الفَرَّاء يُجِيزه على الجملة، لكن يَشترِط في الجواز، فهو باعتبار ذلك يُطلَق عليه أنه مُجِيز، وأيضًا فلما كان خِلافه شاذًّا لم يُعتَدَّ به خِلافًا" (٥).

стр. 154

وضابط القول الشاذ كونه "قليلًا ما ينقُله أرباب المطوَّلات فضلًا عن أهل المختصَرات، وهو خارج عن القياسات" (١)، "فبعيدٌ أن يَرتكِبه غيرُ مَن نُقِل عنه" (٢). ٤ - الإجماع المنقول بطريق الآحاد: ومثاله: أن الإجماع منعقِدٌ على أن "زيدًا" - وما كان مِثله - في قولنا: زيدٌ قائم، مرفوع على الابتداء وجوبًا، خلافًا لابن العَرِيف (٣)، وتابَعه ابن مالك (٤)، لكن هذا الإجماع "غايتُه إن ثبت أن يثبُت بنقل الواحد، فإن نقل الإجماع تواترًا في هذه المسألة غير موجود، وإذا ثبت آحادًا ففي كونه حُجة خِلاف بين أهل الأصول؛ فمِن الناس مَن أنكر ذلك كالغزالي (٥)، فلعلَّ رأي ابن العَرِيف أو ابن مالك في ذلك هذا الرأي، ومع فرض ذلك لا يكون الإجماع حُجَّة عليه" (٦). • من صُوَر ما لا يُعَدُّ خرقًا للإجماع: أن يُتوقَّف في الحُكم الذي انعقد عليه الإجماع: ومثاله: أن النحاة اتفقوا على أن الكَلِم ثلاثة أنواع: اسم، وفعل، وحرف، و"بعضُهم (٧) قد زاد نوعًا رابعًا، وسمَّاه الخالِفَة، وعنى بذلك أسماءَ الأفعال،

стр. 155

كأنها عند هذا القائل ليست بداخلة تحت واحد من الثلاثة، وذلك قول غير صحيح؛ لقيام الإجماع قبلَه على خلاف قوله؛ إذ هو فيما أحسب متأخِّرٌ جدًّا عن أهل الاجتهاد المعتبَرين من النحويين، ولأن خواص الأسماء موجودة لأسماء الأفعال، فكيف يدَّعي خروجها عن الأسماء، وتسميتُها أسماء أفعال يدلُّ على ذلك أيضًا. فإن قيل: أين الإجماعُ وقد خالَف الفَرَّاء في المسألة؟! وهو من الصدر الأول الذين لا ينعقِد إجماعٌ دونهم؛ لأنه في الكوفيين نظيرُ سيبويه في البصريين، ألا ترى أنه يقول في "كِلَا": إنها ليست باسم، ولا فعل، ولا حرف، بل هي بين الأسماء والأفعال، فهي إذًا عنده نوعٌ رابع؟ فالجواب: أن قول الفَرَّاء في "كِلَا" هو الوقف عن الحُكم عليها بأنها اسم أو فعل لما تعارضت عنده فيها أدلة الاسمية وأدلة الفعلية، فلم يحكُم عليها بشيء، لا أنه حكَم عليها بأنها غيرُ الثلاثة، فالوقفُ ليس بحُكم وإن عُدَّ في الأصول قولًا، وإذا تأملتَ كلامَه وجدتَ الأمرَ كذلك، فطالِعه في اسم ثعلب من "طبقات النحويين" (١) للزُّبيدي" (٢). • مخالفة الأصوليين للنحويين: تقرَّر أنه "إنما يُسأل عن كلِّ علم أربابُه" (٣)، و"أهل اللسان أهدى إلى فهم الوضع العربي من غيرهم" (٤)؛ وقد "جرى بين يدي الأستاذ شيخنا أبي سعيد ﵁ (٥)

стр. 156

أن أهل الأصول يقولون: إن اسم الفاعل إذا كان للحال حقيقةٌ اتفاقًا، وإذا كان للاستقبال مجازٌ اتفاقًا، وإذا كان للماضي ففيه خلافٌ؛ هل هو حقيقة أو مجاز؟ قال: وبعض الناس يستشكِل كلَّ هذا جدًّا مع قول النحويين: إن اسم الفاعل معناه جارٍ مجرى الفعل؛ فإن كان للماضي فهو كالماضي، وإن كان للمستقبل فهو كالمستقبل، وإن كان للحال فهو كفعل الحال، ولا خلاف أن الأفعال دلالتُها على معانيها حقيقة لا مجازًا، فإذا تقرَّر هذا فكيف اتفق على ضدِّ ما اتفق عليه النحويون؟! قال الأستاذ: فالظاهر في المسألة والحقُّ الرجوعُ إلى أهل اللسان" (١). ومن أمثلة مخالَفة الأصوليين النحاة "أن الواو معناها في العطف الجمعُ المطلَق من غير ترتيب ولامعِيَّة، فإذا قلت: "قام زيدٌ وعمرو "احتمل أن يكون عمرو لاحقًا لزيد، أي: قائمًا بعدَه. ولذلك يحسُن أن يقال: قام زيدٌ وعمرو بعدَه. واحتمل أن يكون سابقًا لزيد في القيام، ولذلك يصحُّ أن يقال: قام زيدٌ وعمرو قبلَه. واحتمل أن يكون مصاحبًا له في القيام وموافقًا له في زمانه، فيكون قيامها معًا، ولذلك يصلح أن يقال: قام زيدٌ وعمرو معه. قالوا: وليس فيها دلالة على شيء من ذلك، وهو نصُّ سيبويه (٢) ورأي البصريين والكوفيين؛ حكى السِّيرافي الاتفاق من الطائفتين على ذلك (٣). وبعضُهم يحكي عن الفَرَّاء المخالَفة في هذا، وليس بصحيح؛ إذ قد نصَّ في "معاني القرآن" له على ما نصَّ عليه غيُره من عدم التزام الترتيب، لكن الأصوليين

стр. 157

يحكُون الخلاف في المسألة، فلعلَّه ناشئٌ من جهتهم" (١). • إجماع الأصوليين على مسألة من مسائل العربية لا ينعقد مع مخالَفة أهل العربية الأوائل لمقتضاه: ومثاله: أن "التخصيص إما بالمنفصل أو بالمتصل؛ فإن كان بالمتصل كالاستثناء، والصفة، والغاية، وبدل البعض، وأشباه ذلك؛ فليس في الحقيقة بإخراج لشيء، بل هو بيان لقصد المتكلِّم في عموم اللفظ؛ أن لا يتوهَّم السامع منه غير ما قصَد وهو ينظُر إلى قول سيبويه: زيد الأحمر. عند مَن لا يعرفه كـ "زيد" وحدَه عند مَن يعرِفه وبيان ذلك أن زيدًا الأحمر هو الاسم المُعرَّف به مدلول "زيد" بالنسبة إلى قصد المتكلِّم، كما كان الموصول مع صلته هو الاسم لا أحدهما، وهكذا إذا قلتَ: الرَّجُل الخياط. فعرَفه السامعُ؛ فهو مرادف لـ "زيد"؛ فإذًا المجموع هو الدَّال، ويظهر ذلك في الاستثناء إذا قلتَ: عشرة إلا ثلاثة. فإنه مرادِفٌ لقولك: سبعة، فكأنه وضعٌ آخر عرَض حالةَ التركيب. وإذا كان كذلك، فلا تخصيص في محصول الحُكم لا لفظًا ولا قصدًا، ولا يصحُّ أن يقال: إنه مجاز أيضًا؛ لحصول الفرق عند أهل العربية بين قولك: ما رأيتُ. أسدًا يفترس الأبطال. وقولك: ما رأيتُ رَجُلًا شجاعًا. وأن الأول مجازٌ، والثاني حقيقةٌ، والرجوع في هذا إليهم، لا إلى ما يُصوِّره العقل في مناحي الكلام. وأما التخصيص بالمنفصل؛ فإنه كذلك أيضًا راجعٌ إلى بيان المقصود في عموم الصِّيَغ … ، لا أنه على حقيقة التخصيص الذي يذكره الأصوليون. فإن قيل: وهكذا يقول الأصوليون: إن التخصيص بيان المقصود بالصِّيَغ

стр. 158

المذكورة؛ فإنه رفعٌ لتوهُّم دخول المخصوص تحت عموم الصيغة في فهم السامع، وليس بمراد الدخول تحتها، وإلا كان التخصيص نسخًا؛ فإذًا لا فرق بين التخصيص بالمنفصل والتخصيص بالمتصل على ما فسَّرتَ؛ فكيف تُفرِّق بين ما ذكرتَ وبين ما يذكره الأصوليون؟ فالجواب: إن الفرق بينهما ظاهر، وذلك أن ما ذُكر هنا راجعٌ إلى بيان وضع الصِّيَغ العمومية في أصل الاستعمال العربي أو الشرعي، وما ذكره الأصوليون يرجع إلى بيان خروج الصيغة عن وضعها من العموم إلى الخصوص؛ فنحن بيَّنَّا أنه بيانٌ لوضع اللفظ، وهم قالوا: إنه بيانٌ لخروج اللفظ عن وضعه، وبينهما فرقٌ؛ فالتفسيرُ الواقع هنا نظيرُ البيان الذي سِيق عقب اللفظ المشترَك؛ ليِبيِّن المرادَ منه، والذي للأصوليين نظيرُ البيان الذي سِيق عقيب الحقيقة؛ لِيبيِّن أن المراد المجاز، كقولك: رأيتُ أسدًا يفترس الأبطال. فإن قيل: أفيكون تأصيل أهل الأصول كلُّه باطلًا، أم لا؟ فإن كان باطلا، لزِم أن يكون ما أجمعوا عليه من ذلك خطأً، والأُمَّة لا تجتمع على الخطأ (١)، وإن كان صوابًا، وهو الذي يقتضيه إجماعهم، فكلُّ ما يُعارِضه خطأٌ، فإذا كلُّ ما تقدَّم بيانه خطأُ. فالجواب: أن إجماعهم أولًا غير ثابت على شرطه، ولو سُلِّم أنه ثابت لم يلزَم منه إبطال ما تقدَّم؛ لأنهم إنما اعتبروا صِيَغ العموم بحسب ما تدلُّ عليه في الوضع الإفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي، حتى إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام؛ رجعوا إلى اعتباره، كلٌّ على اعتبار رآه، أو تأويل

стр. 159

ارتضاه، فالذي تقدَّم بيانه مستنبَط من اعتبارهم الصِّيَغ في الاستعمال؛ فلا خلاف (١) بيننا وبينهم، إلا ما يفهَم عنهم مَن لا يُحيط عِلمًا بمقاصدهم، ولا يُجوِّد محصولَ كلامهم، وبالله التوفيق" (٢). قلتُ: يحتاج كلام الشاطبي في هذه المقالة إلى التنبيه على موضعَين فيه: الأول: وهو أنه أعاد النظر فيما قرَّره من كون إجماع النحاة حُجة؛ فقد نقل ابن الأزرق الأندلسي في "روضة الإعلام" (٣) إنكار الشاطبي - السابق ذكره - على ابن جني فيما ذهب إليه من جواز خرق إجماع النحويين، ثم قال: "ومع هذا النَّكير عليه من أجل تجويزه لمخالَفة إجماع النحاة، فيظهَر من الأستاذ أبي إسحاق أن رأيه لم يستقِرَّ على إجماع الصنائع والعلوم حُجة؛ وذلك لأنه بعد أن وضَع في مسائل "الموافقات" أن إجماعهم إجماع صحيح - أسقط ذلك، وكتب بإزائه: سقطت هذه، بل فيها نظر. حسبما رأيته منقولا لشيخنا العلامة أبي إسحاق بن فُتُوح (٤) ﵀، ومن خَطِّه كتَبتُ، فالله أعلمُ بما تلخَّص عند الأستاذ أبي إسحاق في هذا الأصل" (٥).

стр. 160

والذي يظهر أن الشاطبي لم يرجع عن قوله بأن إجماع النحويين حُجة، وإنما فقط قيَّد ذلك بحالة كان له تعلُّق بالدِّين حسبما بيَّنته في "أصول العربية" (١). الموضع الثاني: وهو بيان وجه عدم انعقاد إجماع الأصوليين على مسألة من مسائل العربية دون أهل العربية الأوائل، وهذا البيان يظهر من خلال معرفة معنى قول أبي إسحاق: "إن إجماعهم غير ثابت على شرطه"، ومعنى قول الشاطبي هذا "هو أن شرط الإجماع اتفاقُ كلِّ أصحاب النظر والاجتهاد في المسألة المعنية؛ ولما كانت هذه المسألة من مسائل العربية في الجملة، فكان لزامًا أن يُعتبر كلام أهل العربية فيها، ولا ينعقد الإجماع فيها دونهم، وكلام أهل العربية هنا في هذه المسألة هو كلام سيبويه … الذي أورده الشاطبي معتمِدًا عليه في مخالَفة الأصوليين … ؛ لأن سيبويه من الصدر الأول الذين لا ينعقد إجماعٌ في مسائل العربية - التي منزَعها لفظي أو معنوي - دونهم بلا خلاف (٢). فهذا معنى كون إجماع الأصوليين في هذه المسألة غير ثابت على شرطه، فمسائلُ العربية التي يتكلَّم فيها كلٌّ من الأصوليين والنحاة، لا ينعقد الإجماع في هذه المسائل إلا باتفاق أهل الاجتهاد من الفريقين عليها ومن غيرهم ممن كان له نظر مستقِلٌّ في العربية كأئمة المفسِّرين" (٣).

стр. 161

مقالةٌ في أن بلوغ رتبة الاجتهاد في العربية شرط في تحصيل رتبة الاجتهاد في الشريعة "اعلم أن الله أنزل القرآن عربيًّا لا عُجمة فيه، بمعنى أنه جارٍ في ألفاظه ومعانيه وأساليبه على لسان العرب؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣]، وقال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، وكان المُنزَّل عليه القرآن عربيًّا أفصحَ مَن نطق بالضاد، وهو محمد بن عبد الله ﷺ ، وكان الذين بُعِث فيهم عربًا أيضًا، فجرى الخطاب به على مُعتادِهم في لسانهم، فليس فيه شيءٌ من الألفاظ والمعاني إلا وهو جارٍ على ما اعتادوه، ولم يُداخِله غيرُه (١)، بل نفى عنه أن يكون فيه شيء أعجمي؛ فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، وقال تعالى في موضع آخَر: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]. هذا وإن كان قد بُعِث للناس كافةً، فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألسنة في هذا الأمر تَبَعًا للسان العرب، وإذا كان كذلك فلا يُفهَم كتاب الله تعالى إلا من الطريق الذي أُنزِل عليه، وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها" (٢).

стр. 162

فـ "القرآن والسُّنة لما كانَا عربيَّين لم يكن لينظرُ فيهما إلا عربيٌّ، كما أن مَن لم يعرِف مقاصدهما لم يحِلَّ له أن يتكلَّم فيهما؛ إذ لا يصحُّ له نظرٌ حتى يكون عالمًا بهما، فإنه إذا كان كذلك؛ لم يختلف عليه شيءٌ من الشريعة" (١). وبما أن "المجتهد نائب عن الشارع" (٢)، والشارع عربيُّ اللسان؛ كان لزامًا أن يكون المجتهد عربيَّ اللسان أيضًا، بمعنى أن يكون في فهمه للِّسان العربي يضاهي في الجملة فهم أهل اللسان (٣). وعلى هذا "فإن كان ثَمَّ عِلمٌ لا يُحصَّل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه، فهو لا بُدَّ مضطرٌ إليه؛ لأنه إذا فُرِض كذلك لم يمكن في العادة الوصول إلى درجة الاجتهاد دونه، فلا بُدَّ من تحصيله على تمامه، وهو ظاهر … والأقربُ في العلوم إلى أن يكون هكذا عِلمُ اللغة العربية، ولا أعني بذلك النحو وحدَه، ولا التصريف وحدَه، ولا اللغة، ولا عِلمَ المعاني، ولا غيرَ ذلك من أنواع العلوم المتعلِّقة باللسان، بل المراد جملة عِلم اللسان ألفاظًا أو معاني كيف تُصُوِّرت، ما عدا الغريب، والتصريف المسمَّى بالفعل، وما يتعلَّق بالشِّعر من حيث هو الشِّعر كالعَرُوض والقافية؛ فإن هذا غيرُ مفتقَر إليه هنا، وإن كان العِلم به كمالًا في العلم بالعربية. وبيانُ تعيَّن هذا العِلم … أن الشريعة عربية، وإذا كانت عربية؛ فلا يفهَمها حقَّ الفهم إلا من فهِم اللغة العربية حقَّ الفهم؛ لأنهما سيَّان في النمط ما عدا وجوهَ الإعجاز؛ فإذا فرَضْنا مبتدئًا في فهم العربية فهو مبتدئٌ في فهم الشريعة،

стр. 163

أو متوسِّطًا فهو متوسِّطٌ في فهم الشريعة، والمتوسِّطُ لم يبلُغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة؛ فكان فَهمُه فيها حُجة كما كان فهم الصحابة وغيرِهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حُجةٌ، فمَن لم يبلُغ شأوَهم؛ فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكلُّ مَن قصُر فَهمُه لم يُعَدَّ حُجةً، ولا كان قولُه فيها مقبولًا. فلا بُدَّ من أن يبلُغ في العربية مبلَغَ الأئمة فيها، كالخليل، وسيبويه، والأخفش، والجَرْمِي، والمازني ومَن سواهم، وقد قال الجَرْمِي: "أنا منذ ثلاثين سنة أُفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه" (١). فسَّروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث، وكتابُ سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش، والمرادُ بذلك أن سيبويه وإن تكلَّم في النحو، فقد نبَّه في كلامه على مقاصد العرب، وأنحاء تصرُّفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصِر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يُبيِّن في كلِّ باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على عِلم المعاني والبيان ووجوه تصرُّفات الألفاظ والمعاني، ومن هنالك كان الجَرْمِي على ما قال، وهو كلام يُروى عنه في صدر "كتاب سيبويه" من غير إنكار. ولا يقال: إن الأصوليين قد نفوا هذه المبالغة في فهم العربية؛ فقالوا: ليس على الأصولي أن يبلُغ في العربية مبلَغَ الخليل وسيبويه وأبي عبيدة والأصمعي، الباحثين عن دقائق الإعراب ومشكلات اللغة، وإنما يكفيه أن يُحصِّل منها ما

стр. 164

تتيسَّر به معرفة ما يتعلَّق بالأحكام بالكتاب (١) والسُّنة. لأنا نقول: هذا غيرُ ما تقدَّم تقريره، وقد قال الغزالي في هذا الشرط: "إنه القَدر الذي يُفهَم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال، حتى يُميِّز بين صريح الكلام وظاهره ومجملِه، وحقيقته ومجازه، وعامِّه وخاصِّه، ومُحكَمه ومتشابِهه، ومُطلَقه ومقيَّده، ونصِّه، وفحواه، ولَحنِه ومفهمومه". وهذا الذي اشترَط لا يُحصَّل إلا لمَن بلَغ في اللغة العربية درجة الاجتهاد، ثم قال: "والتخفيف فيه أنه لا يُشترط أن يبلُغ مبلغ الخليل والمُبرِّد، وأن يعلم جميع اللغة، ويتعمَّق في النحو" (٢). وهذا أيضًا صحيحٌ؛ فالذي نفى اللزومَ فيه ليس هو المقصود في الاشتراط، وإنما المقصود تحرير الفهم حتى يُضاهي العربيَّ في ذلك المقدار، وليس من شرط العربي أن يعرف جميع اللغة، ولا أن يستعمل الدقائق، فكذلك المجتهد في العربية، فكذلك المجتهد في الشريعة. وربما يفهم بعض الناس أنه لا يُشترَط أن يبلُغ مبلغ الخليل وسيبويه في الاجتهاد في العربية؛ فيبني في العربية على التقليد المحض؛ فيأتي في الكلام على مسائل الشرعية بما السكوتُ أولى به منه، وإن كان ممن تُعقَد عليه الخناصر جلالةً في الدِّين، وعِلمًا في الأئمة المهتدين. وقد أشار الشافعي في "رسالته" إلى هذا المعنى، وأن الله خاطب العربَ بكتابه بلسانها على ما تعرف من معانيها.

стр. 165

ثم ذكر مما تعرف من معانيها اتساعَ لسانها، وأن تُخاطِب بالعامِّ مرادًا به ظاهرَه، وبالعامِّ يُراد به العامُّ ويدخُله الخصوص، ويُستدل على ذلك ببعض ما يدخل في الكلام. وبالعامِّ يُراد به الخاصُّ، ويُعرَف بالسياق. وبالكلام يُنبئ أوَّلُه عن آخره، وآخِرُه عن أَوَّلِه. وأن تتكلَّم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ كما يُعرَّف (١) بالإشارة. وتُسمِّي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد. ["وإنما أتى الشافعيُّ بالنوع الأغمض من طرائق العرب؛ لأن سائر أنواع التصرُّفات العربية قد بسطها أهلُها، وهم أهل النحو والتصريف، وأهل المعاني والبيان، وأهل الاشتقاق وشرح مفردات اللغة، وأهل الأخبار المنقولة عن العرب المبيِّنة لمقتضيات الأحوال" (٢)]. ثم قال "فمَن جهل هذا من لسانها - وبلسانها نزل الكتاب وجاءت به السُّنة - فتكلَّف القول في عِلمها تكلُّفَ ما يجهَل بعضَه، ومَن تكلَّف ما جهل وما لم تُثبته معرفتُه؛ كانت موافقتُه للصواب وإن وافقه من حيث لا يعرف غيرَ محمودة، وكان بخطئه غيرَ معذور، إذا (٣) نطق فيما لا يُحيط عِلمُه بالفرق بين الصواب والخطأ فيه" (٤).

стр. 166

هذا قولُه، وهو الحقُّ الذي لا محيص عنه، وغالبُ ما صُنِّف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية التي تكفَّل المجتهد فيها بالجواب عنها، وما سواها من المقدِّمات، فقد يكفي فيه التقليد، كالكلام في الأحكام تصوُّرًا وتصديقًا؛ كأحكام النَّسخ، وأحكام التحديث (١)، وما أشبه ذلك. فالحاصلُ أنه لا غنى للمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهمُ خطابها له وصفًا غير متكلَّف ولا متوقَّف فيه في الغالب إلا بمقدار توقُّف الفَطِن لكلام اللبيب" (٢). "فعلى الناظر في الشريعة والمتكلِّم فيها أصولًا وفروعًا أمران: أحدهما: أن لا يتكلَّم في شيء من ذلك حتى يكون عربيًّا، أو كالعربي في كونه عارفًا بلسان العرب بالغًا فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدِّمين كالخليل وسيبويه والكسائي والفَرَّاء ومن أشبَهَهم وداناهم، وليس المراد أن يكون حافظًا كحفظهم وجامعًا كجمعهم، وإنما المراد أن يصير فهمُه عربيًّا في الجملة، وبذلك امتاز المتقدِّمون من علماء العربية على المتأخِّرين؛ إذ بهذا المعنى أخذوا أنفسهم حتى صاروا أئمة. فإن لم يبلُغ ذلك فحسْبُه في فهم معاني القرآن التقليد، ولا يُحسن ظنَّه بفهمه دون أن يسأل فيه أهل العِلم به .... والأمر الثاني … أنه إذا أشكل عليه في الكتاب أو في السُّنة لفظٌ أو معنًى فلا يُقدِم على القول فيه دون أن يستظهِر بغيره ممن له عِلمٌ بالعربية؛ فقد يكون إمامًا

стр. 167

فيها، ولكنه يخفى عليه الأمرُ في بعض الأوقات، فالأَولى في حقِّه الاحتياط؛ إذ قد يذهب على العربي المحض بعضُ المعاني الخاصة حتى يسأل عنها، وقد نُقِل من هذا عن الصحابة ﵃، وهم العرب! فكيف بغيرهم؟ نُقل عن ابن عباس ﵃ أنه قال: كنتُ لا أدري ما: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى: ١١] حتى أتاني أعرابيَّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطَرتُها أي: أنا ابتدأتُها (١). وفيما يُروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل وهو على المنبر عن معنى قوله تعالى: ﴿يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، فأخبرَه رَجُلٌ من هُذَيل أن التخوُّف عندهم هو التنقُّصُّ (٢). وأشباه ذلك كثير. قال الشافعي: "لسانُ العرب أوسعُ الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا" قال: "ولا نعلَمه يُحيط بجميع عِلمه إنسانٌ غيرُ نبيٍّ، ولكنه لا يذهب منه شيءٌ على عامَّتها حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه"، قال: "والعِلم به عند العرب كالعِلم بالسُّنة عند أهل العِلم؛ لا نعلم رجُلًا جمع السُّنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جُمِعَ عِلم عامة أهل العِلم بها أتى على السُّنن كلِّها، وإذا فُرِّق عِلم كلِّ واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم كان ما ذهب عليه منها موجودًا عند غيرِه ممن كان في طبقته وأهل عِلمه"، قال: "وهكذا لسان العرب عند خاصتها وعامَّتها، لا يذهب منه شيءٌ عليها، ولا يُطلَب عند غيرها، ولا يعلَمه إلا مَن نقَله

стр. 168

عنها، ولا يشركها فيه إلا مَن اتبعها في تعلُّمه منها، ومَن قبله منها فهو من أهل لسانها، وإنما صار غيرُهم من غير أهله بتركه، فإذا صار إليه صار من أهله" (١). هذا ما قال، ولا يُخالِف فيه أحدٌ، فإذا كان الأمر على هذا لزم كلُّ مَن أراد أن ينظُر في الكتاب والسُّنة أن يتعلَّم الكلام الذي به أُدِّيت، وأن لا يُحسِن ظَنَّه بنفسه قبل الشهادة له من أهل عِلم العربية بأنه ممن يستحِقُّ النظر، وأن لا يستقِلَّ بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يُحط بها عِلمُه دون أن يسأل عنها مَن هو من أهلها، فإن ثبت على هذه الوَصَاة كان إن شاء الله مُوافِقًا لما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه الكرام" (٢). قلتُ: يحتاج كلام الشاطبي السابق إلى التنبيه على موضعَين فيه: الموضع الأول: أنه لم يذكر ضمن علوم العربية المشترَطةِ في المجتهد - التي ذكرها - عِلمَ أصول العربية، وهو ضروري؛ إذ هو بالنسبة لهذه العلوم كأصول الفقه بالنسبة للفقه؛ ولا يكون الفقيه فقيهًا مستقِلًّا مجتهدًا إلا بعِلمه بأصول الفقه، فكذلك النحوي والتصريفي والبياني إلخ لا يكون عالمًا بعِلمه على الكمال والحقيقة إلَّا إذا كان عالمًا بأصول العربية. والجواب عن ذلك من جهتين: الأولى: أن هذا بدهي لا يحتاج إلى تنبيه؛ إذ من المقرَّر عند أهل العِلم جميعًا أن غير العالم بأصول العِلم الذي يشتغل به لا يقال عنه: إنه عالمٌ به على

стр. 169

الحقيقة. وهو ما نصَّ عليه الشاطبي في قوله: "كثيرًا ما كنتُ أسمع الأستاذ أبا علي الزواوي (١) يقول، قال بعض العقلاء: لا يُسمَّى العالم بعِلم ما عالمًا بذلك العِلم على الإطلاق، حتى تتوفَّر فيه أربعة شروط: أحدها: أن يكون قد أحاط عِلمًا بأصول ذلك العلم على الكمال. والثاني: أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العِلم. والثالث: أن يكون عارفًا بما يلزَم عنه. والرابع: أن تكون له قدرة على دفعِ الإشكالات الواردة على ذلك العِلم" (٢). فإن قيل: هذا وإن كان صحيحًا، لكن كان لا بُدَّ من ذكره والتنبيه عليه؛ لأن هذا موضع تفصيل في شرط منصِب مُهم في الشريعة، وهو منصِب الاجتهاد، ولهذا نصَّ الأصوليون على اشتراط عِلم أصول الفقه في شروط المجتهد، وهو من الباب نفسه الذي نتكلَّم فيه. والجواب - هو الجهة الثانية -: أن مباحث عِلم أصول العربية مبثوثة في كتب أهل العربية لا سيما كتب المتقدِّمين ومَن سار على دربهم من المتأخِّرين

стр. 170

أصحاب المطوَّلات؛ فمَن طالع هذه الكتب بذكاء وحُسن تأتي، لا يخرج منها إلا عالمًا بأصول العربية. هذا بالإضافة إلى أن علم أصول العربية كتبُه قليلة جدًّا، بل نادرة إذا قيست بكتب عِلم أصول الفقه، فلم يكن إلا "الخصائص" لابن جني - وهو من الكتب العالية النفيسة -، و"لُمَع الأدلة" - وهو شذرات لا تفي بحقيقة هذا العِلم -؛ مما حدا بالشاطبي نفسه إلى وضع كتابه "أصول العربية" (١). فثبت من خلال هذين الوجهين أنه لا يلزم النصُّ على عِلم أصول العربية ضمن علوم العربية المشترطة في منصِب الاجتهاد. وممَّا يدلُّ على أهمية عِلم أصول العربية بالنسبة للفقيه والأصولي احتكامُ الشاطبي إلى بعض قواعد هذا العِلم في أثناء كلامه على بعض دقائق مبحث العموم والخصوص (٢). تنبيه واستدراك: قال الدكتور فريد الأنصاري ﵀ عن مصطلح "أصول العربية" عند الشاطبي: "الأصول العربية أو أصول العربية: هي القواعد والكليات اللغوية. قال: "والقاعدة في الأصول العربية: أن الأصل الاستعمالي إذا عارض الأصل القياسي كان الحكم للاستعمالي" (٣). و"ما ثبت في أصول العربية من أن للَّفظ العربي أصالتين: أصالة قياسية وأصالة استعمالية" (٤).

стр. 171

وقد يُسمِّيها "أصولًا لغوية" ثبت ذلك بصيغة المفرَد، قال في الفرق بين "أن" بالفتح و"إن" بكسرها في قول القائل لزوجته: "أنت طالق إن دخلت الدار"؛ فهذه المسألة جارية على أصل لغوي لا بُدَّ من البناء عليه" (١) " (٢). قلتُ: ليس مراد الشاطبي بـ "أصول العربية" و "الأصول العربية" - كما ذكر الدكتور - أنها القواعد والكليات اللغوية؛ بل يريد عِلم أصول العربية، وسياقُ كلامه يدلُّ على ذلك، ومن طالع "المقاصد الشافية" له قَطَع بهذا، ومما يؤيِّد ذلك من كلامه فيه قوله: "تقرَّر في الأصول أن الأصالة على ثلاثة أقسام: أصالة قياسية فقط، وأصالة استعمالية فقط، وأصالة مطلَقة" (٣). وينبني على ذلك بالتَّبَع أن الشاطبي لا يريد بالأصل اللغوي أصولَ العربية، بل ظاهر جدًّا أنه يريد به القاعدةَ النحوية الفرعية من التفريق بين "أن" و"إن" من جهة الدلالة عند دخولها على الفعل الماضي في مثل الجملة المذكورة، وإنما أطلق الشاطبي على القاعدة الفرعية هنا أصلًا؛ لأنها مرجوع إليها مُحكَّمة في بناء الحُكم الفقهي. الموضع الثاني المحتاج إلى التنبيه عليه: وهو أن للشاطبي كلامًا ظاهرُه أن ثمَّة نوعًا من الاجتهاد لا يُحتاج فيه إلى عِلم العربية، وهو تنقيح المناط، وذلك في قوله: "إن نوعًا من الاجتهاد لا يفتقِر إلى شيء من تلك العلوم أن يعرفه، فضلًا أن يكون مجتهدًا فيه، وهو الاجتهاد في تنقيح المناط، وإنما يفتقِر

стр. 172

إلى الاطلاع على مقاصد الشريعة خاصةً" (١). وكلامه هذا مخالِف لما تقدَّم من كلامه في شأن العربية ولقوله: "ونصوصُ الشارع مُفهمة لمقاصده، بل هي أول ما يُتلقَّى منه فَهمُ المقاصد الشرعية" (٢). ولهذا اعترض عليه المعلِّق على كلامه بقوله: "كيف وهو لا يكون إلا في أوصاف تضمَّنها نصُّ الشارع، وهو عربيٌّ يحتاج فهمه إلى الرتبة العربية المشترَطة. قال فيما تقدَّم: إن التمكُّن من الاستنباط على معارف وعلوم كثيرة، وإنه خادم للأول، وهو فهم مقاصد الشريعة. فقوله: "وإنما يفتقر إلى الاطلاع على مقاصد الشريعة خاصة دون شيء من تلك العلوم" لا يتأتى مع سابق الكلام؛ لأنه على ما تقدَّم لا بُدَّ له من هذه المعارف كوسيلة إلى فهم مقاصد الشريعة على الأقل، وإن لم يحتج إليها عند التخريج، وإنما يصحُّ ذلك إذا صحَّ أن يأخذ مقاصد الشريعة تقليدًا؛ فتأمَّل" (٣). قلتُ: "وقد يُعتذَر عن الشاطبي بأنه أراد أن ذلك عند التخريج؛ إذ حملُ كلامه على ظاهره مُعارِض لما قرَّره بنفسه - كما يُقِرُّ بذلك المعترض عليه - من أن هذه العلوم شرطٌ كوسيلة في فهم مقاصد الشريعة لا سيما عِلم العربية، لكن لعله بسبب تداخُل ما يتكلَّم فيه مع علوم أخرى، وتشابُكه معها، ودِقَّته في ذاته، وكثرة تفريع الشاطبي الكلام فيه وتشقيقه - قد تهوَّشت عندَه الفكرة في هذا الموضع، فأثَّرت على عبارته، ويقع للشاطبي مثل هذا في مواضع

стр. 173

من "الموافقات"؛ مما يجعل كلامه مغلَقًا أو مُلبِسًا بعض الشيء لا سيما في المواضع التي ليس لغيره كلامٌ فيها" (١). استدراك آخَر: علَّق محقِّق "الموافقات" - النشرة المغربية - على قول الشاطبي تعليقًا على قول الجَرْمي: "أنا منذ ثلاثين سنة أُفتِي الناس في الفقه من كتاب سيبويه": "فسَّروا ذلك بعد الاعتراف به بأنَّه كان صاحب حديث، وكتابُ سيبويه يُتعلَّم منه النظر والتفتيش" - بقوله: "قلتُ: وهذا التأويل يبدو عليه شيء من التمحُّل والمبالغة والإغراق في الخيال؛ فإذا كان الجَرْمي يُفتي الناس منذ ثلاثين سنة، فهذه المدة فيها الكفاية وفوق الكفاية أن تشتهر فتاواه، وأن تشرِّق وتغرِّب وتدوَّن ويُتحدَّث بها في المجالس، وتسير بها الرُّكبان، ويكون لها تلاميذ يحملونها وينشرونها، ويدافعون عنها، ويردُّون على خصومها ومناوئيها، كما هو معهود في عامَّة المفتين من المذاهب الفقهية ممَّن شرَّقت فتاواهم وغرَّبت من فقهاء الأمصار الذين لم يفتوا إلَّا مقدار هذه المدة أو أقل منها، فأين فتاوى الجَرمي وأين دُوِّنت إن صحَّ أَنَّه كان يُفتي؟ بغض النظر عن كتاب سيبويه، أرى أنَّه لا ينبغي للإنسان الذي أكرمه الله بالتمييز أن يكون أسيرًا لمِثل هذه الحكايات التي لا أَزِمة لها ولا خُطم، ينقُلها من ينقُلها كأنها حقائق ثابتة، والتسليمُ بمضامينها فيه من الغفلة ما لا يرضاه الله لمَن أكرَمه بالتمييز" (٢).

стр. 174

هذا ما قال، وهو في غاية الغرابة، وكلُّ هذه الإلزامات التي ذكرها لمسألة إفتاء الجَرمي إلزامات متوهَّمة ليست بلازمة البتةَ، والردُّ على ما قال من جهتين: الأُولى: أنَّه لا يلزَم أن تُنقَل هذه الفتاوي عنه، بل من المعلوم أنَّ ثمة مذاهب كاملة لفقهاء كبار اندثرت، ولم يصِل إلينا منها شيء. الثانية: وهي مُنبنِية على الأُولى، وبيانُها أنَّه إذا كانت مذاهب كاملة لفقهاء عِلمهم الأصيل الفقه وقد اشتهروا بذلك عند سائر العلماء من شتى الفنون، والناس كانوا يقصدونهم قصدًا على هذا - قد انتشرت وضاعت، أفيبعُد هذا في حقِّ نحويٍّ لم يكن الفقه فنَّه الأول، وغايتُه أن يكون مشاركًا جيِّدًا فيه (١)، فمِن أين يلزَم انتشار فتاويه شرقًا وغربًا ووجود أناس يحملونها ويُنافحون عنها - كأنه كان في الفقه كالشافعي مَثَلًا! - وغير ذلك من التزيُّد والتمحُّل الذي نحَا الدكتور نحوَه. هذا مع التنزُّل في قبول هذا الذي نحَا إليه الدكتور، وإلَّا فالأمر أيسرُ من ذلك لولا هذه الحَرفية والظاهرية التي تعامل بها الدكتور مع هذه الحكاية، وهي سبب ما وقَع فيه من التمحُّل والتزيُّد، فليس الأمر كما يريد أن يصوِّره لنا الدكتور من أنَّ الجَرمي كان جالسًا الليلَ والنهار يُفتي الناس ويُعلِّمهم أمور دينهم شأنُه في ذلك شأن الفقهاء الكِبار! بل أكثر الفقهاء الكِبار لم تُنقَل فتاويهم على الحال الذي يُصوِّرها الدكتور. فظاهر الحاكية لا يُساعد على ما ذهب إليه، والفَهم الصحيح لهذه الحكاية ما قاله الطُّوفي - وهو عين ما قاله الشاطبي، لكن كلام الطوفي فيه بسط؛ فهو أوضحُ وأظهرُ في بيان المراد -، قال في "شرح مختصر الروضة":

стр. 175

"مباحث الأصول والعربية عقلية، وفيهما من القواطع كثير، فيتنقَّح بها الذِّهن، ويقوى بها استعداد النفس لإدراك التصوُّرات والتصديقات، حتى يصير لها ذلك مَلَكة، فإذا توجهت إلى الأحكام الفقهية، أدركتها، إذ هي في الغالب لا تُخالف قواعد الأصول العقلية إلَّا بعارض بعيد، أو تخصيص علة، ومع ذلك فهو لا يخفى على من مارَس المباحث الأصولية. ولهذا حُكي عن أبي عمر الجَرْمي أنَّه قال: لي كذا وكذا سَنة أُفتي في الفقه من كتاب سيبويه، يعني في النحو، وما ذاك إلَّا لأنَّ مأخذ سيبويه في كتابه في غاية اللطافة، ونظرُه في غاية الدقة، والجري على قواعد الحكمة، والأحكامُ الشرعية - لمن اعتبرَها - من الحكمة بمكان على ما أشرتُ إلى جملة منه في "القواعد" (١)، وهذا رَجُل قد كان ذكيًّا، وله نظر يسيرٌ في الفقه، فعاد يتنبَّه بلطافة حكمة سيبويه ومأخذه في العربية على حُكم الشرع ومأخذِه في الأحكام الشرعية. ويقال: إنَّ الكسائي قيل له يومًا: ما تقول في المصلِّي يسهو في صلاته، ويسهو أنَّه سها؛ هل يسجد لسهو السهو؟ فقال: لا، فقيل له: ما الحُجة في ذلك، ومن أين أُخذت؟ فقال: إنَّ التصغير عندنا لا يُصغَّر. قلتُ: فقد اعتبر القَدر المشترك بين الصورتين، وهو أن الحُكم الواحد لا يتكرَّر في محل واحد مرتين، وإنما ذكرتُ هذا المثال؛ لئلَّا يستبعِد بعضُ أجلاف الفقهاء ما حُكي عن الجَرْمي، ويقول: أين النحوُ من الفقه حتى تستفاد أحكامُه منه؟! فبيَّنتُ له أن ذلك مع جودة الذهن، ولطف المأخذ، ودقة النظر،

стр. 176

وسرعة التنبيه (١)، داخلٌ في الممكن، قريبُ الخروج من القوة إلى الفعل، وهذا بخلاف الفقيه الصِّرْف الذي لم يتنقَّح ذهنه بالمباحث العقلية، والمآخذ النظرية، فإنَّ نسبته إلى الذي قبله ممَّن تهذبت قوتُه النظرية نسبةُ الأرض إلى السماء، والظُّلمةِ إلى الضياء، خصوصًا إن كان جاهلًا مركَّبًا يجهَل، ويجهَل أنَّه يجهَل، فيكون كما قيل: إنَّ أشدَّ الناس شقاءً من بُلي بلسان منطلق وقلبٍ منطبق، فهو لا يحسن أن يتكلَّم، ولا يستطيع أن يسكُتَ" (٢). وما جاء من عبارات في ردِّي على الدكتور قد تبدو قاسية، لم أُرِد منها حاشاني الحطَّ من قَدره إنما هو استيفاء للقصاص، وقد يُستوفَي القصاص مع التعظيم.

стр. 177

الفصل الخامس من الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالعربية

стр. 178

مقالةٌ في أن عِلم العربية في نظر الشارع هو المقدَّم في الطلب "إن كلَّ عِلم اقتضى الوقت والحال بالنسبة إلى طلب الشرع تقديمَه فهو المقدَّم، وما اقتضى تأخيره فهو المؤخَّر. وتفصيل هذه الجملة لا يخفى على ذي معرفة بمراتب العلوم في نظر الشارع. نعم ما يُخاف اندراسه وذهابه، وهو من الأكيد في الجملة، فلا بُدَّ من القيام به لئلَّا تفوت المنفعة عند الحاجة إليه" (١) و"علم العربية … الأحقُّ بالتقديم" (٢).

стр. 179

مقالةٌ في حُكم الاشتغال بالعربية، وأثر الأهلية والغرائز الفطرية في تقريره "اتفَق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرًا عند الله يوم القيامة، ولا علينا أسامَحَنا بعض الفرق في تعيين العلوم الشرعية - أعني العلوم التي نبَّه الشارع على مزيتها وفضيلتها - أم لم نُسامِحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية وإثبات المزية. وأيضًا فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلاء في ذلك -، كعِلم العربية بالنسبة إلى عِلم الفقه، فإنه كالوسيلة، فعِلم الفقه أعلى" (١). و"طلبُ الكفاية، يقول العلماء بالأصول: إنه متوجِّه على الجميع، لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين. وما قالوه صحيح من جهة كُليِّ الطلب، وأما من جهة جزئيه؛ ففيه تفصيل، وينقسم أقسامًا، وربما تشعَّب تشعُّبًا طويلًا، ولكن الضابط للجملة من ذلك؛ أن الطلب واردٌ على البعض، ولا على البعض كيف كان، ولكن على مَن فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب، لا على الجميع عمومًا. والدليل على ذلك أمور: أحدها: النصوص الدالة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ

стр. 180

لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية؛ فورد التحضيض على طائفة لا على الجميع. وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، إلى آخرها. وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة، ورَد الطلب فيها نصًّا على البعض لا على الجميع. والثاني: ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى، فإنها إنما تتعيَّن على مَن فيه أوصافُها المرعيَّة لا على كلِّ الناس، وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يُطلب بها شرعًا باتفاق مَن كان أهلًا للقيام بها والغَناء فيها، وكذلك الجهاد - حيث يكون فرضَ كفاية - إنما يتعيَّن القيام به على مَن فيه نَجْدَة وشجاعة، وما أشبه ذلك من الخِطَط الشرعية؛ إذ لا يصحُّ أن يُطلَب بها من لا يُبدِئ فيها ولا يُعيد؛ فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلَّف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلَبة أو المفسدة المستدفَعة، وكلاهما باطل شرعًا. والثالث ما وقع من فتاوي العلماء، وما وقع أيضًا في الشريعة من هذا المعنى؛ فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله ﷺ وقد قال لأبي ذَرٍّ: "يا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وإِنِّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لنَفْسِي، لا تأمَّرَنَّ على اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ" (١)، وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنهما، فلو
следующие страницы →