← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 30012

نحو الفقهاء = مجرد مقالات أبي إسحاق الشاطبي في العربية

أحمد فتحي البشير

Полный текст (236 стр.). Показаны 211–236 · переход к 216.

стр. 211

وأيضًا قد يُظَنُّ بالعبارتين أنهما مترادفتان، وليستا في الحقيقة كذلك؛ إما لوجود فَرْق لفظي، وإما لوجود أمر معنوي؛ إما ضروري أو تكميلي، ويتبيَّن مثلُ هذا للناظر في فصاحة القرآن، ومثله يتفق في الشِّعر؛ بحيث لا ينبغي أن يؤتى إلا بعبارة الاضطرار دون الجارية على القياس" (١). * * *

стр. 212

مقالةٌ في دفع ما جاء عن بعضهم من ذمِّ صنيع النحاة من نسبتهم العمل إلى الألفاظ النحويون "ينسُبون العمل للألفاظ لتحقيق … الاصطلاح … ، وهو اصطلاح عامٌّ في كلام أهل هذه الصناعة لضبط القوانين، لا أنهم مدَّعُون لذلك حقيقةً؛ لأن الألفاظ لا ترفَع، ولا تنصِب، ولا تجُرُّ، وعلى هذا نبَّه ابن جني في "الخصائص" حين بيَّن أن مقاييس العربية معنوية في الغالب، ومثَّل ذلك بموانع الصَّرف، ثم قال: "ومِثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به بأن تقول: رفعتُ هذا بأنه فاعل، ونصبتُ هذا بأنه مفعول. فهذا اعتبارٌ معنويّ لا لفظيّ". قال: "ولأجله ما (١) كانت العوامل اللفظية راجعةً في الحقيقة إلى أنها معنوية؛ ألا تراك إذا قلتَ: ضرَب سعيدٌ جعفرًا؛ فإن "ضرب" لم تعمل في الحقيقة شيئًا، وهل تحصُل من قولك: "ضرب" إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فِعل، وهذا هو الصوت، والصوتُ مما لا يجوز أن يكون منسوبًا إليه الفعل. وإنما قال النحويون: عاملٌ لفظيٌّ، وعاملٌّ معنويُّ؛ ليُرُوك أن بعض العمل يأتي مسبَّبًا عن لفظ يصحَبه، كـ: مررتُ بزيد و: ليتَ عمرًا قائمٌ. وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلَّق به، كـ: رفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل بوقوعه موقعَ الاسم. هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول.

стр. 213

فأما في الحقيقة ومحصول الحديث (١)، فالعملُ من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو المتكلِّم نفسُه لا لشيء غيره". قال: "وإنما قالوا: لفظيٌّ، ومعنويٌّ لما ظهرت آثارُ فِعل المتكلِّم بمُضَامَّة اللفظ للَّفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ، وهذا واضح" (٢). هذا ما قال … ، ومما يؤنسك بهذا وأنهم جعلوا اللفظ والمعنى كالسبب في اختلاف وجوه الرفع والنصب والجرِّ والجزم ما حكاه ابن جني في "الخصائص" قال: "سألتُ الشجريَّ يومًا فقلتُ له: يا أبا عبد الله: كيف تقول: ضربتُ أخاك؟ فقال: كذلك. قلتُ: أفتقول: ضربتُ أخوك؟ فقال: لا أقول: أخوك أبدًا. قلتُ: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ قال: كذلك. فقلت: ألستَ زعمتَ أنك لا تقول: أخوك أبدًا؟ فقال: أَيْشٍ ذا! اختلفت جِهَتا الكلام، فهذا في قوة أن لو قال: صار المفعول فاعلًا أو زال اللفظ الذي يقتضي الرفع، وخلَفه لفظ آخَر يقتضي النصب" (٣). فهذا الاصطلاح في النحو قد تبيَّن معناه .... ، [و] ابن مَضَاء ممن يُنسَب إلى النحو قد شنَّع على النحويين في هذا المعنى أخذًا بظاهر اللفظ من غير تحقيق مرادهم؛ فنسَبهم إلى التقوُّل على العرب وإلى الكذب في نسبة العمل إلى الألفاظ، بل نسَبهم إلى مذهب الاعتزال والخروج عن السُّنة، وظلمهم - عفا الله عنه - إذ لم يعرف ما قصدوه.

стр. 214

وقد صنَّف في الردِّ عليه وفي بيان مقاصد النحويين في هذه الأشياء ابن خَرُوف جزءًا سمَّاه: "تنزيه أئمة النَّحْو ممَّا يُنسَب إليهم من الغلط والسَّهْو" (١)، فإن أردتَ كمال القول في ذلك فعليك به، وبالله التوفيق" (٢). * * * قلتُ: هنا فائدة: نقل ابن الأزرق كلامًا لابن خَرُوف في الردِّ على ابن مَضَاء في كلامه السابق من خلال كتابه المفقود "تنزيه أئمة النَّحْو "الذي أشار إليه الشاطبي، فقال ابن الأزرق: "قال ابن خَرُوف: حمل عليهم في ذلك الحمل، وتأوَّل عليهم ما لا يعتقدون ..... ، وكيف يعتقد في أئمةٍ زيَّن الله بهم الدِّين، وجعَلهم حَفَظَةً لكتابه المُبين أنهم يعتقدون أن الألفاظ يعمَل بعضُها في بعض؛ يريد على وجه الحقيقة، وليُشنِّع عليهم بذلك، وإذا كانت العرب قاطبةً تتسع فتنسُب الأشياء إلى غير فاعليها، فتقول: وُلِد له ستون عامًا. و: صِيد عليه يومان. و: اجتمعت اليمامة (٣) .... فأئمةُ

стр. 215

النحويين ﵃ ائتموا بهم، وركبوا طريقَهم حين رأوهم اتسعوا هذا الاتساع البديع، فأكثروا منه، فلا قَبَاحة عليهم فيما عبَّروا به عن مرادهم، بل أَفهَموا بذلك وأحسنوا" (١). * * *

стр. 216

الخاتمة في بعض الآداب والنصائح للمشتغل بالعربية عالِمًا كان أو متعلِّمًا

стр. 217

توطئة في أن طلب العِلم إنما يكون للآخرة، وللعمل بمقتضاه بالقصد الأصلي "طلبُ العِلم عبادة" (١)، و"كلُّ عِلم شرعي فطلبُ الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبُّد به الله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى؛ فبالتبَع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول … وأيضًا فإن في العِلم بالأشياء لذَّة لا توازيها لذة؛ إذ هو نوعٌ من الاستيلاء على المعلوم والحَوزِ له، ومحبةُ الاستيلاء قد جُبِلت عليها النفوس ومِيلَت إليها القلوب، وهو مطلبٌ خاصٌّ برهانُه التجربة التامَّة والاستقراء العامُّ؛ فقد يُطلَب العِلم للتفكُّه به، والتلذُّذِ بمحادثته، ولا سيما العلوم التي للعقول فيها مجال، وللنظرِ في أطرافها متسَع، ولاستنباطِ المجهول من المعلوم فيها طريق مَهْيَع (٢). ولكن كلُّ تابع من هذه التوابع؛ إما أن يكون خادمًا للقصد الأصلي، أو لا. فإن كان خادمًا له؛ فالقصد إليه ابتداء صحيحٌ، وقد قال تعالى في مَعرِض المدح: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. وجاء عن بعض السلف الصالح: "اللَّهم اجعلني من أئمة المتقين".

стр. 218

وقال عمر لابنه حين وقَع في نفسه أن الشجرة التي هي مَثَلُ المؤمن النخلةُ: "لأَن تكون قلتَها أحبُّ إلي من كذا وكذا" (١). وفي القرآن عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]، فكذلك إذا طلَبه لما فيه من الثواب الجزيل في الآخرة، وأشباه ذلك. وإن كان غير خادم له؛ فالقصد إليه ابتداء غيرُ صحيح، كتعلُّمه رياءً، أو ليُماري به السفهاء، أو يُباهي به العلماء، أو يستميل به قلوبَ العباد، أو لينال من دنياهم، أو ما أشبه ذلك؛ فإن مثل هذا إذا لاح له شيءٌ مما طلَب زهِد في التعلُّم، ورغب في التقدُّم، وصعُب عليه إحكام ما ابتدأ فيه، وأنِف من الاعتراف بالتقصير؛ فرضي بحاكم عقله، وقاس بجهله؛ فصار ممن سئل فأفتى بغير عِلم؛ فضلَّ وأضلَّ، أعاذنا الله من ذلك بفضله. وفي الحديث: "لا تَعَلَّموا العِلمَ لِتُبَاهُوا به العُلَمَاءَ، ولا لِتُمارُوا به السُّفَهَاءَ، ولا لتَحتازُوا به المجالسَ، فمَن فعل ذلك؛ فالنَّارُ النَّارُ" (٢). وقال: "مَن تَعَلَّم عِلمًا ممَّا يُبَتَغَى به وجهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمه إلَّا لِيُصِيبَ به عَرَضًا من الدُّنيا، لم يجِد عَرْفَ الجَنَّةِ يوم القيامةِ" (٣) … وفي القرآن العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤] الآية.

стр. 219

والأدلةُ في المعنى كثيرة (١). و"علماء السوء هم الذين لا يعمَلون بما يعلَمون، وإذا لم يكونوا كذلك، فليسوا في الحقيقة من الراسخين في العِلم، وإنما هم رُواة - والفقهُ فيما رَوَوا أمرٌ آخَر - أو ممن غلب عليهم هوًى غطَّى على القلوب والعياذ باللَّه. على أن المثابرة على طلب العِلم، والتفقُّه فيه، وعدم الاجتزاء باليسير منه؛ يجُرُّ إلى العمل به ويُلجئ إليه ..... ، وهو معنى قول الحسن: "كنَّا نطلُب العِلم للدنيا؛ فجرَّنا إلى الآخرة" (٢) " (٣). لكن لا بُدَّ أيضًا من التنبُّه إلى "أن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عملِه الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفُهُوم، وانفتاح مغاليق العلوم، وربما أُكرِم ببعض الكرامات، أو وُضِع له القبول في الأرض، فانحاش الناسُ إليه، وحلَّقوا عليه، وانتفعوا به، وأمُّوه لأغراضهم المتعلِّقة بدنياهم وأُخراهم، إلى غير ذلك مما يدخل على السالكين طُرَقَ الأعمال الصالحة؛ من الصلاة، والصوم، وطلب العِلم، والخلوة للعبادة، وسائر الملازمين لطُرُق الخير، فإذا دخل عليه ذلك، كان للنفس به بهجةٌ وأُنسٌ وغنًى ولذَّة ونعيمٌ؛ بحيث تصغُر الدنيا وما فيها بالنسبة إلى لحظةٍ من ذلك، كما قال بعضهم: "لو علِم الملوكُ ما نحن عليه لقاتَلُونا عليه بالسيوف"، أو كما قال، وإذا كان كذلك، فلعلَّ النفس تنزِع إلى مقدِّمات تلك النتائج، فتكون سابقة للأعمال، وهو

стр. 220

باب السقوط عن تلك الرتبة والعياذ باللَّه، هذا وإن كان الهوى في المحمود ليس بمذموم على الجملة؛ فقد يصير إلى المذموم على الإطلاق، ودليل هذا المعنى مأخوذ من استقراء أحوال السالكين وأخبار الفضلاء والصالحين" (١). * * *

стр. 221

مقالةٌ فيمَن يؤخَذ عنه العِلم "مِن أنفع طُرق العِلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذُه عن أهله المتحقِّقين به على الكمال والتمام ..... ، وهذا … واضح في نفسه، وهو … متفَقٌ عليه بين العقلاء؛ إذ من شروطهم في العالم بأيِّ عِلم اتفَق؛ أن يكون عارفًا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العِلم، قادرًا على التعبير عن مقصوده فيه، عارفًا بما يلزَم عنه، قائمًا على دفعِ الشُّبَه الواردة عليه فيه … وللعالم المتحقِّق بالعِلم أمارات وعلامات … ، وهي ثلاث: إحداها: العملُ بما عُلِم؛ حتى يكون قولُه مطابقًا لفعله، فإن كان مخالِفًا له؛ فليس بأهلٍ لأن يؤخذ عنه، ولا أن يُقتدى به في علم … والثانية: أن يكون ممن ربَّاه الشيوخُ في ذلك العِلم؛ لأخَذه عنهم، وملازمته لهم؛ فهو الجدير بأن يتصف بما اتصَفُوا به من ذلك، وهكذا كان شأن السلف الصالح. فأوَّلُ ذلك ملازمة الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ وأخذُهم بأقواله وأفعاله، واعتمادُهم على ما يَرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أيِّ وجهٍ صدر، فهُم فهموا مغزى ما أراد به أوَّلًا حتى علِموا وتيقَّنُوا أنه الحقُّ الذي لا يُعارَض، والحكمةُ التي لا ينكسر قانونُها، ولا يحُوم النقصُّ حول حمى كمالها، وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المثابرة.

стр. 222

وتأمَّل قصة عمر بن الخطاب في صُلح الحديبية؛ حيث قال: يا رسول اللَّه! ألسنا على حقٍّ، وهم على باطل؟ قال: "بلي". قال: أليس قَتْلانا في الجَنَّةَ وقَتْلاهم في النَّار؟ قال: "بلى". قال:: ففِيمَ نُعطي الدَّنِية في ديننا، ونرجع ولمَّا يحكمِ الله بيننا وبينهم؟ قال: "يا ابن الخَطَّاب! إِنِّي رَسُولُ الله، ولن يُضيِّعَني اللَّهُ أَبَدًا". فانطلَق عمرُ ولم يصبر، متغيِّظًا، فأتى أبا بكر؛ فقال له مثل ذلك. فقال أبو بكر: إنَّه رسول الله، ولن يُضيِّعه الله أبدًا. قال: فنزَل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسلَ إلى عمر، فأقرأه إيَّاه، فقال: يا رسول الله! أَوَ فَتْحٌ هو؟ قال: "نَعَم". فطابت نفسُه، ورجع (١). فهذا من فوائد الملازمة، والانقيادِ للعلماء، والصبر عليهم في مواطن الإشكال؛ حتى لاح البرهان للعيان. وفيه قال سَهْل بن حُنَيف يومَ صِفِّين: "أيها الناس! اتهِمُوا رأيَكم، والله لقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدَل (٢)، ولو أنِّي أستطيع أن أرُدَّ أمرَ رسول الله ﷺ لرددتُه" (٣).

стр. 223

وإنما قال ذلك لِمَا عرض لهم فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الفتح بعدَ ما خالَطهم الحُزن والكآبة؛ لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر، ولكنهم سلَّموا وتركوا رأيَهم حتى نزل القرآن؛ فزال الإشكال والالتباس. وصار مِثلُ ذلك أصلًا لمَن بعدَهم؛ فالتزم التابعون في الصحابة سيرتَهم مع النبي ﷺ حتى فقهوا، ونالوا ذِروة الكمال في العلوم الشرعية. وحسبُك من صحة هذه القاعدة أنَّك لا تجِد عالمًا اشتهر في الناس الأخذُ عنه إلا وله قُدوة، واشتهر في قَرنِه بمِثل ذلك، وقلَّما وُجِدت فرقة زائغة، ولا أحدٌ مخالِف للسُّنة إلا وهو مُفارِق لهذا الوصف، وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري، وأنه لم يلازِم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدَّب بآدابهم، وبضدِّ ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم. والثالثة: الاقتداء بمَن أخذ عنه، والتأدُّب بأدبه، كما علِمتَ من اقتداء الصحابة بالنبي ﷺ ، واقتداء التابعين بالصحابة، وهكذا في كلِّ قرن، وبهذا الوصف امتاز مالك عن أضرابه - أعني بشدة الاتصاف به - وإلا فالجميع ممن يُهتدَى به في الدِّين، كذلك كانوا، ولكن مالكًا اشتهر بالمبالغة في هذا المعنى، فلما تُرِك هذا الوصف، رفَعت البدع رءوسها؛ لأن تركَ الاقتداء دليل على أمرٍ حدث عند التارك أصلُه اتباع الهوى" (١). * * *

стр. 224

مقالةٌ في اشتراط تحرِّي الطالب كتبَ المتقدِّمين بعد أن يتأهَّل لها "إذا ثبت أنه لا بُدَّ من أخذ العِلم عن أهله؛ فلذلك طريقان: أحدهما: المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمُهما … الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنِّفين ومُدوِّني الدواوين، وهو أيضًا نافع في بابه؛ بشرطين: الأول: أن يحصُل له من فهم مقاصد ذلك العِلم المطلوب، ومعرفة اصطلاحات أهله؛ ما يتِمُّ له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول، ومن مشافهة العلماء، أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال: "كان العِلم في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحُه بأيدي الرجال"، والكتبُ وحدَها لا تُفيد الطالب منها شيئًا دون فتح العلماء، وهو مشاهَد مُعتاد. والشرط الآخَر: أن يتحرَّى كتب المتقدِّمين من أهل العِلم المراد؛ فإنهم أقعدُ به من غيرهم من المتأخِّرين، وأصلُ ذلك التجربة والخَبَرُ. أما التجربة؛ فهو أمرٌ مشاهَد في أيِّ عِلم كان، فالمتأخِّر لا يبلغ من الرسوخ في عِلم ما يبلُغه المتقدِّم، وحسبُك من ذلك أهل كلِّ عِلم عملي أو نظري؛ فأعمالُ المتقدِّمين في إصلاح دنياهم ودينهم على خلاف أعمال المتأخِّرين، وعلومُهم في التحقيق أقعدُ، فتحقُّقُ الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقُّق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومَن طالَع سِيَرَهم وأقوالَهم

стр. 225

وحكاياتِهم، أبصَرَ العَجَبَ في هذا المعنى. وأما الخبر؛ ففي الحديث: "خيرُ القُرُون قَرْنِي، ثُمَّ الذين يلُونَهم، ثُمَّ الذين يلُونُهم" (١)، وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ قرن مع ما بعده كذلك. ورُوي عن النبي ﷺ : "أَوَّلُ دِينَكُم نبوة ورحمة، ثُمَّ مُلك ورحمة، ثُمَّ مُلك وجبرية، ثُمَّ مُلك عضوضٌ" (٢)، ولا يكون هذا إلا مع قلة الخير، وتكاثر الشرِّ شيئًا بعد شيء، ويندرِج ما نحن فيه تحت الإطلاق. وعن ابن مسعود أنه قال: "ليس عامٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، لا أقول عامٌ أمطرُ من عامٍ، ولا عامٌ أخصبُ من عامٍ، ولا أميرٌ خيرٌ من أميرٍ، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدُث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم؛ فيُهدَم الإسلام ويُثْلَم" (٣). ومعناه موجود في "الصحيح" في قوله: "ولكن ينتزِعُه مع قَبضِ العلماءِ بِعِلمِهم؛ فيَبَقَى ناسٌ جهَّالٌ يستفتُونَ فيُفتُونَ برأيهم، فيَضِلُّونَ ويُضِلُّونَ" (٤). والأخبارُ هنا كثيرة، وهي تدلُّ على نقص الدِّين والدنيا، وأعظمُ ذلك العِلم؛ فهو إذًا في نقصٍ بلا شكٍّ؛ فلذلك صارت كتب المتقدِّمين وكلامُهم وسِيَرُهم، أنفعَ لمَن أراد الأخذ بالاحتياط في العِلم، على أيِّ نوع كان، وخصوصًا عِلم الشريعة، الذي هو العُروة الوثقى والوَزَر الأحمى" (٥).

стр. 226

فـ "عدم اعتمادي على التآليف المتأخِّرة، لم يكن منى بحمد الله محض رأيي، ولكن اعتمدتُه بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدِّمين مع كتب المتأخِّرين .... ؛ ولأن بعض مَن لقيتُه من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخِّرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع، لكنها محض النصيحة .... [فـ] شأني أن لا أعتمد على هذه التقييدات المتأخِّرة البتةَ؛ تارةً للجهل بمؤلِّفيها، وتارةً لتأخُّر زمان أهلها جدًّا، أو للأمرين معًا؛ فلذلك لا أعرف كثيرًا منها، ولا أقتنيه، وإنما المعتمد عندي كتب الأقدمين المشاهير" (١). * * * قلتُ: علَّق ابن الأزرق على كلام الشاطبي وكلامِ غيره في اشتراط اعتماد كتب المتقدِّمين دون كتب المتأخِّرين بقوله: "قلتُ: وقد جرت العادة منذ زمان بقراءة كتب النحاة المتأخِّرين لا سيما في البداية، فلا بُدَّ من مطالعة شُرَّاحها، والنظرِ في كلام مَن قيَّد عليها، لكن ينبغي أن يؤثر من ذلك ما هو أقرب إلى التحقيق وأجرى على مناهج المتقدِّمين، وعند الانتهاض لطلب المعرفة بالصناعة على ما ينبغي، فلا غِنًى عن قراءة "كتاب سيبويه"، والكتب الموضوعة عليه، لا يخفى على المشتغِل به ما يؤثِر منها ويُكثِر من مطالعته" (٢). قلتُ: إن كان ابن الأزرق قد ذكَر هذا لمطلَق التنبيه، فلا بأس، وإن كان يريد به الاستدراك، فليس كذلك؛ لأن ما قرَّره أمرٌ بدهيٌّ، وهو عينُ ما أراده الشاطبي؛

стр. 227

إذ كتب المتقدِّمين لا تصلح للمبتدئين، بل ولا لمَن شدا شيئًا في عِلم العربية، والدليل على ذلك احتفاء الشاطبي بـ "خلاصة ابن مالك" وشرحُه لها، وبسائر كتبه، وبغيرها من كتب أئمة الصناعة من المتأخِّرين المتحقِّقين بالعربية السائرين فيها على خُطَا المتقدِّمين؛ يظهر هذا لمَن طالَع شرحَه على "الألفية" المسمَّى بـ "المقاصد الشافية". * * *

стр. 228

مقالةٌ في وجوب احترام القراءات القرآنية، والمنع من وصفها باللَّحن، وعدم جواز نسبةِ ناقِليها إلى إعمال الرأي في أخذها وتلقِّيها تقدَّم في "الفصل الأول" تقرير أن المتَّبَع في صناعة العربية هو السماع، وأفصحُ السماع باتفاق هو القرآن الكريم وما نُقِل فيه من القراءات وأوثقُه من جهة الثبوت، ولهذا اعتمد النحويون "على ما نقل أهلُ القراءات من الروايات في ألفاظ القرآن، فبنَوا عليها لمَّا كان اعتناؤهم بنقل الألفاظ" (١). وقد كان هناك قومٌ من النحويين يُسيئون الظنَّ بالقَرَأة، وهو لا يجوز، ولذلك "لا يُسمع قول مَن قال بتخطئة ابن عامر (٢) والغضِّ منه؛ بأنه اتَّبَع رأيه وخَطَّ المصحف، وترك الرواية، وأن تلك القراءة لحنٌ وغير جارية على أصول كلام العرب (٣)، فإن هذا القول تخرُّص عليه وعدم توفية لحقِّ الإمامة، والتقدُّمِ والعدالة، ولقاءِ الصحابة والأخذ عنهم؛ إذ كان من شيوخه الذين عوَّل عليهم عثمان بن عفان (٤) ﵃ أجمعين. وأيضًا فهو ممن اتَّفَق الجمُّ الغفير

стр. 229

على اتِّباعه الأثر وعدمِ أخذه بالرأي، كسائر السبعة وغيرهم ممن اشتَهَر بنبذ الرأي واتِّباع السند في القراءة. ولا أعني بهذا الكلام مَن زعم أن مثل هذا مختصٌّ بالشعر، وأنه شاذٌ غير مَقِيس؛ فإن قائل ذلك مُقِرٌّ بأنه لم يُحفَظ مِثله في كلام العرب، أو لم يَكثُر كثرةً تُعتَبر في القياس، أولم يُدرِك وجه القياس فيه، أو أدركه لكن رآه ضعيفًا؛ فمِثل هذا لا كلام معه ولا عَتْب عليه، وإنما المراد مَن زعم أن هذه القراءة خطأ" (١). فكونُ الشيء قد "جاء في فصيح الكلام لا يُخرِجه عن كونه قليلًا، فكم في القرآن والكلامِ الفصيح من الأمور التي تدخُل في هذا النِّصاب" (٢)، وقد تقدَّم في "الفصل الخامس" الكلامُ على وصف بعض ما جاء في القرآن بالقلة والشذوذ وعدم القياس، وما أشبه تلك العبارات. * * *

стр. 230

مقالةٌ في بعض الآداب التي يتخلَّق بها المشتغل بالعربية مع علمائها وأئمَّتها الأدب الأول: لا يجوز بحال نسبتهم إلى الكذب أو ما يخدِش عدالتهم: "ردُّ [الـ] روايات .... وتكذيب ناقليها فيها … ، ليس هذا شأنُ العلماء" (١)؛ إذ "لا يسُوغ نسبة الناقل إذا كان عدلًا إلى الكذب أو الوهم إلا ببرهان واضح، وإلا فالظاهر الصدق … اللهم إلا أن يُقدَح في الشاهد من جهة الدلالة؛ باحتمال غير ما قال الخصم، فهناك يُسلَّم إن كان ظاهرًا أو غير مرجوح بالنسبة إلى الدعوى" (٢). هذا في كلِّ ما يُخبِرون به؛ فمثلًا علماء عربية "لم يدَّعُوا في "ما أَفَقَرَهُ" وأخواته أنه شاذٌّ إلا بعد أن عرفوا بالاستقراء التامِّ أن قائله لا يتكلم بـ "فَقُرَ" ونحوه، وإن تكلَّم به؛ ففي شِعر أو نادر كلام وما لا ينبَني عليه القياس، وإلا لكان نفيُهم لذلك نفيًا لما لا عِلم لهم بنفيه ولا إثباته، وهذا لا يصحُّ أن يُنسب إلى عدل منهم على حال، كما لا يُنسَب مِثلُ ذلك إلى فقيه أو أصولى أو غيرهما … ومن هنا قال بعضُ المحقِّقين في مسألة من مسائل التعجب: "إثباتُ أنهم تعجَّبوا من فعل ما بأن يُسمَع التعجُّب منه هيِّنٌ سهلٌ، وأما نفيُ أنهم لا يتعجَّبون منه بأن لم يُسمَع صعبٌ عَسِرٌ شاقٌّ، إلا على إمام موثوق به قد فهم من قرائن

стр. 231

ومجموعِ أحوالٍ وظواهرَ تعمُّدَهم لترك ذلك، وما أَعزَّ ذلك وأَقلَّه". هذا ما قال، وهو واضح. فمَن كان مِثلَهم فواجبٌ أن يُقبَل قولُه نفيًا وإثباتًا، وهم قد قالوا: إن "ما أَفْقَرَه" وأخواته شاذٌّ، لعدم جريانه على الثلاثي، فلم يقولوا ذلك إلا بعد فهمه من العرب كذلك، فإذا سُمِع بعد ذلك الثلاثي فالواجبُ على المتأخِّر التوقُّف حتى يدخل من حيث دخل المتقدِّم، فإن وجد الأمر مُستتِبًّا مطَّردًا على خلاف ما قال الأَوَّل لم يسَعه إلا مخالَفتُه، وإن لم يجِده كذلك فلْيتوقَّف، فإن اجتمع على ما قال الأَوَّل أئمةٌ مِثلُه فينبغي تقليدُهم؛ لأنهم عن السماع يُخبِرون، لا عن آرائهم. وإلا لم يقطع في المسألة بنفيٍ ولا إثبات إن حصل له في الاستقراء شكٌّ يستنِد إلى سبب، وإن لم يكن له سببٌ في الشكِّ يستنِد إليه فالأَولى الوقوفُ مع ما قال الأَوَّل؛ لأنه إنما حكم عن بصيرة، وهذا ليست له في المسألة بصيرةٌ يستنِد إليها، والكلام هنا واسع، ومَحلُّ بَسطِه "الأصول" … ولذلك نرى الحُذَّاق يعتنون بقواعد المتقدِّمين، ويتحامون الاعتراض عليهم، بل يُقلِّدون نقلَهم وقياسهم، ويحتجُّون لهم ما استطاعوا مراعاةً لهذه القاعدة، فيظُنُّ الشادي في النحو أن ذلك من باب التعصب للمذهب، وليس كذلك فاعلم" (١)، "ولو رأيتَ اجتهادهم في الأخذ عن العرب وكيفيةَ التلقي منهم؛ لقضَيتَ العَجَب" (٢).

стр. 232

"إن العالِم المعلوم بالأمانة والصِّدق والجري على سَنَن أهل الفضل والدِّين والوَرَع إِذا سُئل عن نازلة فأجاب - أو عرَضتْ له حالةٌ يبعُد العهدُ بمثلها، أو لا تقع من فهم السامع موقعها - أن لا يُواجَه بالاعتراض والنقد، فإن عرَض إشكالٌ؛ فالتوقُّف أَولى بالنجاح، وأحرى بإدراك البغية إن شاء الله تعالى" (١)، و"لما توفي شيخُنا الأستاذ الكبير العَلَم الخطير أبو عبد الله محمد بن الفَخَّار، سألتُ الله أن يُرِينيَه في النوم فيوصيني بوصية أنتفِع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العِلم، فلما نمتُ تلك الليلة رأيتُ كأني داخلٌ عليه في داره التي كان يسكن بها، فقلتُ له: يا سيدي أوصني. فقال لي: لا تعترض على أحد" (٢). الأدب الثاني: لا يُحمَل كلامهم إلا على أحسن المحامل: "لا يُلتمَس للأئمة الأعلام والعلماء المهتدى بهم والمقتدى بكلامهم إلا أحسنُ المخارج، ولا يُظنُّ بهم إلا أحسنُ المذاهب، وهو الحقُّ والإنصاف والدِّين والأمانة في الاعتقاد في كُبَرائنا في أيِّ عِلم من العلوم الشرعيات" (٣). الأدب الثالث: حمل كلامهم على مقاصدهم ومرادهم منه وما ارتضَوه في تقريره: "ابنُ مالك نصَب نفسه في هذه الصناعة لتحرير العبارات واختصارها ووضعها على الأساليب الحسنة والمَنازِع المستقرَبة؛ فيُشاحُّ في مثل هذا بخلاف غيره ممن لم يلزَم إلا الإتيان بالمعنى كيف كان وعلى أيِّ وجه أمكنت العبارة

стр. 233

فيه وعلى غير تحرُّز من حشو ولا غيره؛ فمثل هؤلاء لا كلامَ معهم في هذه الأشياء للمعرفة بمقاصدهم، كما أنا إذا نظرنا في كتب المتقدِّمين لا نُشاقِّهم في عباراتهم، ولا نتتبَّع ألفاظهم هذا التتبُّع؛ فإنا إن فعلنا ذلك كنا مخطئين في أخذ كلامهم متعسِّفين في تقصيدهم ما لم يقصدوا. وابنُ مالك ومَن تبع مثل ما تبع معلومٌ منهم القصدُ إلى إغماض المعاني في العبارات، وإدراجِ الكثير منها في اللفظ اليسير، وتركِ اللفظ لإيهام يكون فيه، واختيارِ ما يعطي أصل المعنى من غير تطويل، وما أشبه هذا؛ فنحن نعامِل ابنَ مالك بما نصَب له نفسَه" (١). فمثلًا "سيبويه وغيرُه .... عادتُهم التجوُّز في تعريف القانون بالمثال؛ قال سيبويه: "وأما السين فتُزاد في "استفعل"" (٢)، ولم يزِد على هذا، لكن قد يُسمَح لسيبويه ولمَن كان مِثلَه في مثل هذا؛ إذ مقصودُه حاصل على الجملة، وأما الناظم فلم يَبنِ في عبارته على سَذَاجة أولئك، وإنما بنى على التحذُّق في العبارات، وضمِّ أطراف الألفاظ، وإيرادها من تحت النظر والامتحان؛ فهو جديرٌ بأن لا يُسامَح في هذا وأشباهه" (٣). الأدب الرابع: الإقرار بفضل المتقدِّم والاعتراف له بسَبْقه: "إن السابق له فضيلة ظاهرة على غيره من اللاحقين؛ إذ كان اللاحق مهتديًا بناره مقتديًا بفعله، فكانا كالإمام والمأموم.

стр. 234

رُوي أن إسحاق بن إبراهيم (١) لما صنع كتابه في "النَّعْم واللُّحون" عرَضه على إبراهيم بن المهدي (٢)، فقال: لقد أحسنتَ يا أبا محمد، وكثيرًا ما تُحسِن. فقال إسحاق: بل أحسنَ الخليلُ؛ لأنه جعل السبيلَ إلى الإحسان - يعني بعِلم العَرُوض -. فقال إبراهيم: ما أحسنَ هذا الكلام! فممَّن أخذتَه؟ قال: من ابن مُقبِل (٣)؛ إذ سمع حَمَامةً من المُطوَّقات فاهتاج لمَن يحب فقال (٤): [الطويل] فلو قَبْلَ مَبْكَاهَا بكَيتُ صَبَابَةً … بِلَيْلَى شَفَيْتُ النَّفْسَ قَبْلَ التندُّمِ ولكن بَكَت قَبْلِي فَهَاجَ (٥) ليَ البُكَا … بُكَاهَا فَقُلتُ الفَضْلُ للمُتقدِّمِ وهو فضلٌ عند الكافَّة مَرعيٌّ، وينضاف هاهنا إلى فضلٍ شرعيٍّ نبَّه عليه قوله ﷺ : "مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كان له أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها إلى يَوْمِ القِيَامَةِ" (٦) " (٧).

стр. 235

ولهذا كان "شأن العلماء والفضلاء أن يأتوا بالفائدة مجرَّدة من التنكيت والاستصغار لِمَا جاء به غيرُهم وإن كان ما يأتون به أتمَّ وأَكملَ" (١). الأدب الخامس: الاقتصار في الإقراء على ما قُرئ على الشيوخ: "مسألة أبي القاسم في "الجُمَل" (٢): "أُعطِيَ بالمُعطَى به ديناران ثلاثون دينارًا". قد صوَّر الناس فيها نيِّفًا وستين مسألة، وبعضُهم نيِّفًا وتسعين، وصوَّر فيها شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفَخَّار ﵀ ما يقرُب من مئة وثمانين مسألة من غير استقصاء لِمَا يُتصوَّر فيها، بل إنما ذكر ما يشتهر في اللسان وعند النحويين، وأفرد ذلك في مسألة خارجة عن شرحه للجُمَل، وحدَّثنا فيها حكايةً قال: كنتُ أسمع بسَبْتَة زمانَ قراءتي بها أن الشيخ أبا الحسن بن الحَصَّار كان إذا وصل الطلبة بقراءة "الجُمَل" عليه إلى مسألة: "أُعطِيَ المُعطَى" حضَّهم على القراءة على غيره من النحاة، فقيل له في ذلك، فقال: لما وصلتُ إلى هذه المسألة على شيخنا فلانٍ، وصوَّر لي ما قرُب من وجوهها لم يُفتَح لي في تصوُّرها، ولم أطمع في ذلك، فذهبتُ هاربًا، ثم ندمتُ. قال: ولم يكن ابن الحَصَّار ممن بقِيَت عليه هذه المسألة غير مفهومة؛ لأنه كان إمام نحويي زمانه، ولكنه استعمَل أدب المتقدِّمين في الاقتصار على إقراء ما قرأوه على الشيوخ" (٣). * * *

стр. 236

إلى هنا انتهى ما قصدتُ جمعَه من مقالات الإمام النَّظَّار أبي إسحاق الشاطبي ﵀ ورضي عنه في منزلة العربية من الشريعة؛ راجيًا أن أكون قد وفَّيتُ بالمفترَض، لكن السهو والغلط والنسيان كالصفات الذاتية للإنسان، وحسبي أني لم آلُ جهدًا في تحبيره وإتقانه، والعَونُ منه تعالى بفضله وإنعامه. واللهَ أسأل الأجر والقبول، وأن يجعلني ممن لا يخوضون إلا فيما هو داخلٌ تحت ما يعلمون ويفهمون، وأن يُعرِّفنا قَدْرنا؛ فلا نتعدَّاه، وأن يغفر لنا ويسترنا، ويعفو عنا، ويجعلنا ممن تجاوَز عنهم في الآخرة؛ إنه سميع مجيب. وصلى الله على سيدنا محمد الداعي إلى كلِّ خيرٍ المُحذِّر من كل شرٍّ، وعلى أصحابه حَمَلة الشرع الشريف إلينا وناقليه، والتابعين لهم بإحسان، وأئمَّتنا من العلماء من كل الطوائف الذين سهَّل الله لنا على أيديهم الفهم عنه تعالى في كتابه وعن رسوله ﷺ في خطابه. والحمد للَّه ربِّ العالمين