وسرعة التنبيه (١)، داخلٌ في الممكن، قريبُ الخروج من القوة إلى الفعل، وهذا بخلاف الفقيه الصِّرْف الذي لم يتنقَّح ذهنه بالمباحث العقلية، والمآخذ النظرية، فإنَّ نسبته إلى الذي قبله ممَّن تهذبت قوتُه النظرية نسبةُ الأرض إلى السماء، والظُّلمةِ إلى الضياء، خصوصًا إن كان جاهلًا مركَّبًا يجهَل، ويجهَل أنَّه يجهَل، فيكون كما قيل: إنَّ أشدَّ الناس شقاءً من بُلي بلسان منطلق وقلبٍ منطبق، فهو لا يحسن أن يتكلَّم، ولا يستطيع أن يسكُتَ" (٢).
وما جاء من عبارات في ردِّي على الدكتور قد تبدو قاسية، لم أُرِد منها حاشاني الحطَّ من قَدره إنما هو استيفاء للقصاص، وقد يُستوفَي القصاص مع التعظيم.
стр. 177
الفصل الخامس من الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالعربية
стр. 178
مقالةٌ في أن عِلم العربية في نظر الشارع هو المقدَّم في الطلب
"إن كلَّ عِلم اقتضى الوقت والحال بالنسبة إلى طلب الشرع تقديمَه فهو المقدَّم، وما اقتضى تأخيره فهو المؤخَّر.
وتفصيل هذه الجملة لا يخفى على ذي معرفة بمراتب العلوم في نظر الشارع. نعم ما يُخاف اندراسه وذهابه، وهو من الأكيد في الجملة، فلا بُدَّ من القيام به لئلَّا تفوت المنفعة عند الحاجة إليه" (١) و"علم العربية … الأحقُّ بالتقديم" (٢).
стр. 179
مقالةٌ في حُكم الاشتغال بالعربية، وأثر الأهلية والغرائز الفطرية في تقريره
"اتفَق أهل الشرائع على أن علوم الشريعة أفضل العلوم وأعظمها أجرًا عند الله يوم القيامة، ولا علينا أسامَحَنا بعض الفرق في تعيين العلوم الشرعية - أعني العلوم التي نبَّه الشارع على مزيتها وفضيلتها - أم لم نُسامِحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية وإثبات المزية.
وأيضًا فإن علوم الشريعة منها ما يجري مجرى الوسائل بالنسبة إلى السعادة الأخروية، ومنها ما يجري مجرى المقاصد، والذي يجري منها مجرى المقاصد أعلى مما ليس كذلك - بلا نزاع بين العقلاء في ذلك -، كعِلم العربية بالنسبة إلى عِلم الفقه، فإنه كالوسيلة، فعِلم الفقه أعلى" (١).
و"طلبُ الكفاية، يقول العلماء بالأصول: إنه متوجِّه على الجميع، لكن إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين.
وما قالوه صحيح من جهة كُليِّ الطلب، وأما من جهة جزئيه؛ ففيه تفصيل، وينقسم أقسامًا، وربما تشعَّب تشعُّبًا طويلًا، ولكن الضابط للجملة من ذلك؛ أن الطلب واردٌ على البعض، ولا على البعض كيف كان، ولكن على مَن فيه أهلية القيام بذلك الفعل المطلوب، لا على الجميع عمومًا.
والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النصوص الدالة على ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 180
لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية؛ فورد التحضيض على طائفة لا على الجميع.
وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] الآية، إلى آخرها.
وفي القرآن من هذا النحو أشياء كثيرة، ورَد الطلب فيها نصًّا على البعض لا على الجميع.
والثاني: ما ثبت من القواعد الشرعية القطعية في هذا المعنى كالإمامة الكبرى أو الصغرى، فإنها إنما تتعيَّن على مَن فيه أوصافُها المرعيَّة لا على كلِّ الناس، وسائر الولايات بتلك المنزلة إنما يُطلب بها شرعًا باتفاق مَن كان أهلًا للقيام بها والغَناء فيها، وكذلك الجهاد - حيث يكون فرضَ كفاية - إنما يتعيَّن القيام به على مَن فيه نَجْدَة وشجاعة، وما أشبه ذلك من الخِطَط الشرعية؛ إذ لا يصحُّ أن يُطلَب بها من لا يُبدِئ فيها ولا يُعيد؛ فإنه من باب تكليف ما لا يطاق بالنسبة إلى المكلَّف، ومن باب العبث بالنسبة إلى المصلحة المجتلَبة أو المفسدة المستدفَعة، وكلاهما باطل شرعًا.
والثالث ما وقع من فتاوي العلماء، وما وقع أيضًا في الشريعة من هذا المعنى؛ فمن ذلك ما روي عن محمد رسول الله ﷺ وقد قال لأبي ذَرٍّ: "يا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وإِنِّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لنَفْسِي، لا تأمَّرَنَّ على اثْنَيْنِ، وَلا تَوَلَّيَنَّ مالَ يَتِيمٍ" (١)، وكلا الأمرين من فروض الكفاية، ومع ذلك فقد نهاه عنهما، فلو
стр. 181
فُرِض إهمال الناس لهما، لم يصحَّ أن يقال بدخول أبي ذَرٍّ في حَرَج الإهمال، ولا مَن كان مِثله …
وعلى هذا المهيع جرى العلماء في تقرير كثير من فروض الكفايات؛ فقد جاء عن مالك أنه سُئل عن طلب العِلم: أفرضُ هو؟ فقال: "أمَّا على كلِّ الناس، فلا" (١)، يعني به الزائدَ على الفرض العيني.
وقال أيضًا: "أما مَن كان فيه موضعٌ للإمامة، فالاجتهاد في طلب العِلم عليه واجبٌ، والأخذ في العناية بالعِلم على قدر النية فيه".
فقسَم - كما ترى -، فجعل مَن فيه قبولية للإمامة مما يتعيَّن عليه، ومَن لا، جعله مندوبًا إليه، وفي ذلك بيان أنه ليس على كلِّ الناس …
وبالجملة؛ فالأمر في هذا المعنى واضح، وباقي البحث في المسألة موكول إلى عِلم الأصول.
لكن قد يصحُّ أن يقال: إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامَّة؛ فهم مطلوبون بسَدِّها على الجملة؛ فبعضُهم هو قادر عليها مباشرةً، وذلك من كان أهلًا لها، والباقون - وإن لم يقدِروا عليها - قادرون على إقامة القادرين، فمَن كان قادرًا على الولاية؛ فهو مطلوب بإقامتها، ومَن لا يقدر عليها؛ مطلوب بأمر آخَر، وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها؛ فالقادر إذًا مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم
стр. 182
ذلك القادر؛ إذ لا يتوصَّل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب ما لا يتِمُّ الواجب إلا به، وبهذا الوجه يرتفع مناط الخلاف؛ فلا يبقى للمخالفة وجهٌ ظاهر (١) …
ولا بُدَّ من بيان بعض تفاصيل هذه الجملة ليظهَر وجهُها، وتتبيَّن صحتُها بحَول الله.
وذلك أن الله خلق الخلق غير عالِمين بوجوه مصالحهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، ثم وضَع فيهم العِلم بذلك على التدريج والتربية؛ تارةً بالإلهام كما يُلهم الطِّفلَ التقامَ الثدي ومصَّه.
وتارةً بالتعليم؛ فطلَب الناس بالتعلُّم والتعليم لجميع ما يُستجلَب به المصالح وكافَّةِ ما تُدرَأ به المفاسد؛ إنهاضًا لما جبَل فيهم من تلك الغرائز الفطرية، والمطالب الإلهامية؛ لأن ذلك كالأصل للقيام بتفاصيل المصالح، كان ذلك من قبيل الأفعال، أو الأقوال، أو العلوم والاعتقادات، أو الآداب الشرعية أو العادية.
وفي أثناء العناية بذلك يقوى في كلِّ واحد من الخَلْق ما فُطِر عليه، وما أُلهم له من تفاصيل الأحوال والأعمال؛ فيظهر فيه وعليه، ويُبرَّز فيه على أقرانه ممن لم يُهيَّأ تلك التهيئة؛ فلا يأتي زمانُ التعقُّل إلا وقد نجَم على ظاهره ما فُطِر عليه في أوَّليته، فترى واحدًا قد تهيأ لطلب العِلم، وآخَر لطلب الرياسة، وآخَر
стр. 183
للتصنُّع ببعض المهن المحتاج إليها، وآخَر للصراع والنِّطاح، إلى سائر الأمور.
هذا وإن كان كلُّ واحد قد غُرز فيه التصرُّف الكلي؛ فلا بُدَّ في غالب العادة من غلبة البعض عليه؛ فيرِدُ التكليف عليه مُعلَّمًا مؤدَّبًا في حالته التي هو عليها، فعند ذلك ينتهض الطلب على كلِّ مكلَّف في نفسه من تلك المطلوبات بما هو ناهضٌ فيه.
ويتعين على الناظرين فيهم الالتفات إلى تلك الجهات؛ فيراعونهم بحسبها ويراعونها إلى أن تخرج في أيديهم على الصراط المستقيم، ويعينونهم على القيام بها، ويُحرِّضونهم على الدوام فيها؛ حتى يُبرِّز كلُّ واحد فيما غلَب عليه ومال إليه من تلك الخِطَط، ثم يُخلَّى بينهم وبين أهلها، فيُعاملونهم بما يليق بهم؛ ليكونوا من أهلها، إذا صارت لهم كالأوصاف الفطرية، والمدرَكات الضرورية؛ فعند ذلك يحصُل الانتفاعُ، وتظهر نتيجة تلك التربية.
فإذا فُرض - مثلًا - واحد من الصِّبيان ظهر عليه حُسن إدراك، وجودةُ فهم، ووفورُ حفظ لما يسمَع - وإن كان مشارِكًا في غير ذلك من الأوصاف - مِيلَ به نحو ذلك القصد، وهذا واجب على الناظر فيه من حيث الجملة؛ مراعاةً لما يُرجَى فيه من القيام بمصلحة التعليم؛ فطُلِب بالتعلُّم، وأُدِّب بالآداب المشتركة لجميع (١) العلوم، ولا بُدَّ أن يُمال منها إلى بعض فيؤخذَ به، ويعانَ عليه، ولكن على الترتيب الذي نصَّ عليه ربَّانيُّو العلماء، فإذا دخل في ذلك البعض فمال به طبعُه إليه على الخصوص، وأحبَّه أكثرَ من غيره؛ تُرِك وما أحبَّ، وخُصَّ
стр. 184
بأهله، فوجب عليه إنهاضُه فيه حتى يأخذ منه ما قُدِّر له، من غير إهمال له ولا تركٍ لمراعاته.
ثم إن وقَف هنالك فحسنٌ، وإن طلب الأخذ في غيره أو طُلِب به؛ فُعِل معه فيه ما فُعِل فيما قبلَه، وهكذا إلى أن ينتهي.
كما لو بدأ بعِلم العربية مثلًا - فإنه الأحقُّ بالتقديم - فإنه يُصرَف إلى معلِّميها؛ فصار من رعيَّتهم، وصاروا هم رُعاة له، فوجب عليهم حفظُه فيما طلب بحسب ما يليق به وبهم، فإن انتهض عزمُه بعد إلى أن صار يحذِق القرآن؛ صار من رعيّتهم، وصاروا هم رُعاة له كذلك، ومِثلُه إن طلَب الحديث أو التفقُّه في الدِّين إلى سائر ما يتعلَّق بالشريعة من العلوم.
وهكذا الترتيب فيمَن ظهر عليه وصفُ الإقدام والشجاعة وتدبير الأمور، فيُمال به نحو ذلك، ويُعلَّم آدابه المشتركة، ثم يُصار به إلى ما هو الأَولى فالأَولى من صنائع التدبير؛ كالعِرافة، أو النقابة، أو الجُندية، أو الهداية، أو الإمامة، أو غير ذلك مما يليق به، وما ظهر له فيه نَجابة ونهوض.
وبذلك يتربَّى لكلِّ فعل هو فرض كفاية قومٌ؛ لأنه سِيرَ أَوَّلًا في طريق مشترك، فحيث وقف السائر، وعجز عن السَّير، فقد وقف في مرتبة محتاج إليها في الجملة، وإن كان به قوةٌ زاد في السَّير إلى أن يصل إلى أقصى الغايات في المفروضات الكفائية، وفي التي يندُر مَن يصل إليها، كالاجتهاد في الشريعة، والإمارة؛ فبذلك تستقيم أحوال الدنيا وأعمال الآخرة.
فأنت ترى أن الترقِّي في طلب الكفاية ليس على ترتيب واحد، ولا هو على
стр. 185
الكافَّة بإطلاق، ولا على البعض بإطلاق، ولا هو مطلوب من حيث المقاصد دون الوسائل، ولا بالعكس، بل لا يصحُّ أن يُنظَر فيه نظرٌ واحد حتى يُفصَّل بنحوٍ من هذا التفصيل، ويُوزَّع في أهل الإسلام بمثل هذا التوزيع، وإلا لم ينضبِط الأول فيه بوجه من الوجوه، والله أعلمُ وأحكمُ" (١).
стр. 186
مقالةٌ في النهي عن إضاعة العِلم بالكلام به مع غير أهله، وأن ليس كل عِلم يُبثُّ ويُنشَر بإطلاق
"ليس كلُّ عِلم يُبثُّ ويُنشَر وإن كان حقًّا، وقد أخبر مالكٌ عن نفسه أن عندَه أحاديث وعِلمًا ما تكلَّم فيها ولا حدَّث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحتَه عملٌ، وأخبر عمن تقدَّمه أنهم كانوا يكرهون ذلك (١)، فتنبَّه لهذا المعنى.
وضابطُه أنك تعرض مسألتَك على الشريعة؛ فإن صحَّت في ميزانها، فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهلِه، فإن لم يؤدِّ ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول؛ فإن قبِلتها، فلك أن تتكلَّم فيها؛ إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوتُ عنها هو الجاري على وَفق المصلحة الشرعية والعقلية" (٢).
стр. 187
مقالةٌ في أن قطع الزمن الطويل في الانشغال بمُلَح العِلم خلافُ الأَولى
"إن صاحب العِلم الواحد من العلوم الوسائل وإن كان أقعدَ من صاحب العلوم الكثيرة، ربما أدَّاه الفراغ عن طلب علوم أُخَر محتاج إليها، إلى استنباط المُلَح والأغاليط في عِلمه والأحاجي والمعاياة وأشباه ذلك، وقطع بذلك زمانًا طويلًا كمعاياة أهل الفرائض وأهل العدد.
ومَن تأمَّل ما فرَّع ابن جني في كتاب "الخصائص" من ذلك "باب إمساس اللفظ أشباه المعانى" (١)، وغيره من الأبواب التي تنحو نحوه، وكذلك في كتاب "سر الصناعة"؛ حيث تكلَّم في "إياك" وفرض فيها اشتقاقات وتصاريف، وهي من المبنيَّات التي يشهد لها هو وغيرُه أنها لا اشتقاق لها ولا تصريف فيها (٢).
ولو صرَف عِلمه فيما هو آكد من ذلك لكان أَولى به" (٣).
стр. 188
مقالةٌ في ذِكر مَن هو المعتبَر في نَصْب النحوي وتصديره
"كلُّ ولاية فالأصلُ في النَّصب لها أهلُ الحَلِّ والعَقد فيها، وهم العارفون بمصلحتها؛ لأن غيرهم كثيرًا ما يُقدِّم من لا يجوز تقديمُه، ويترك مَن يجب عليه تقديمُه؛ إذ ليس بعارف بتلك المصلحة وما تقوم به، ولا بمن توفَّرت فيه أدواتُها.
فإذًا الفقهاء هم الذين يُنصِّبون الفقيه.
والنحاةُ هُم الذين يُنصِّبون النحويَّ.
والأصوليون هم المعتبَرون في نَصب الأصولي.
وكذلك غير هذا من أنواع العلوم" (١).
وأما عند عدم وجود أهل الحَلِّ والعَقْد الذين يُنصِّبونه، ولا وجود لغيره يقوم بهذا الواجب الكفائي؛ فليُنصِّب هو نفسَه وجوبًا، "وشاهدُه النظرُ والأثرُ:
فالأثر: أن النبيَّ ﷺ بُعِث إلى أُمَّة جاهلية لا تعرف مصالح أُخراها ولا دُنياها، ولا تدري ما الوحي ولا النبوءة فيها، وقد أمرَه الله بالبشارة والنِّذارة، فقام فيها بأمر الله كما يجب، ولم يعتبر في ذلك إنكارَ منكِر، ولا إعراضَ مُعرِض.
فالعالِمُ بعِلم يعُمُّ الناسَ نفعُه - إذا لم يكن ثَمَّ غيرُه - مِثلُه في الحُكم؛ إذ كُلُّ حُكم تعلَّق برسول الله ﷺ يتعلَّق بأُمَّته مِثله من غير اختصاص إلا ما قام الدليل على اختصاصه.
стр. 189
فأما النظرُ: فلأن العالِم إذا كان عِلمه عامَّ النفع، ولا سيما عِلم الشريعة وما يتعلَّق بها، ولم يكن هناك مَن يقوم به إلا هو، ولو ترك القيام به لفسدت الأحوال، وعاد الناس عن قريب إلى الجاهلية - كان من أوجب الواجبات عليه القيام به والتعرُّض للانتصاب فيه، ولا عُذر له في ذلك إن اعتذر بخوفِ إذايةٍ أو عدم قَبولٍ؛ فإنه ﵇ احتمَل في التبليغ الإذايات كلَّها، بل كانوا يترصَّدون قتلَه والفَتْكَ به، فكذلك هذا، فإن الله مُنجِز وعده، وناصِر عبده.
وذكر العلماء مسألةَ الولي إذا طُلِب بالتحدي بالكراهية ليُقبَل منه؛ هل له التعرُّض لذلك أو لا؟
فمنهم مَن سوَّغ ذلك تتميمًا لدعوته إلى الحقِّ، ومنهم مَن لم يُسوِّغه بِناءً على أن التحدي من خواصِّ النبوءة، فليس على الولي إلا الدعاء.
فهذا جارٍ في العالم، والجميعُ متفقون على أنه لا بُدَّ من الدعاء إلى الحقِّ، وإنما الخلاف في أمر زائد.
فهذا العالم إن كان من أهل الخوارق جرى فيه القولان، وإلا أعلَن بالدعوة، ووقَف عندها" (١).
стр. 190
مقالةٌ في أنه لا يُشترط في الدعاء عدم اللحن
"وقعت نازلةٌ بإمام مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس؛ من الدعاء للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام - وهو أيضًا معهود في أكثر البلاد، فإن الإمام إذا سلَّم من الصلاة يدعو للناس، ويؤمِّن الحاضرون -، وزعم التارك أن تركه بِناءً منه على أنه لم يكن من فِعل رسول الله ﷺ ، ولا فِعل الأئمة بعدَه؛ حسبما نقله العلماء في دواوينهم عن السلف والفقهاء.
أمَّا أنه لم يكن من فِعل رسول الله ﷺ فظاهرٌ …
وأمَّا فِعل الأئمة بعدَه، فقد نقل الفقهاء من حديث أنس - في غير كتب الصحيح -: "صلَّيتُ خلفَ النبيِّ ﷺ ، فكان إذا سلَّم يقوم، وصلَّيتُ خلفَ أبي بكر ﵁، فكان إذا سلَّم وثَب كأنه على رَضْفَةٍ" (١)؛ يعني: الحَجَر المُحْمَى …
وقال مالك في "المدونة" (٢): "إذا سلَّم فليقُم ولا يقعُد، إلا أن يكون في سَفَر أو في فنائه".
стр. 191
وعدَّ الفقهاء إسراع القيام ساعةَ يسلّم من فضائل الصلاة، ووجَّهوا ذلك بأن جلوسه هنالك يدخل عليه فيه كِبر وترفُّع على الجماعة وانفراده بموضع عنهم يرى به الداخل أنه إمامُهم، وأما انفراده به حال الصلاة فضرورة.
قال بعض شيوخنا الذين استفدنا بهم: "وإذا كان هذا في انفراده في الموضع، فكيف بما انضاف إليه مِن تقدُّمه أمامَهم في التوسُّل به بالدعاء والرغبة، وتأمينُهم على دعائه جهرًا؟! قال: ولو كان هذا حَسَنًا لَفعَله النبيُّ ﷺ وأصحابُه ﵃، ولم ينقل ذلك أحدٌ من العلماء، مع تواطئهم على نقل جميع أموره، حتى: هل كان ينصرف من الصلاة عن اليمين أو عن الشمال؟
وقد نقل ابن بَطَّال عن علماء السلف إنكار ذلك والتشديد فيه على مَن فعَله بما فيه كفاية (١).
فبلغت الكائنة بعضَ شيوخ العصر (٢) فرَدَّ على ذلك الإمام ردًّا أقذَع فيه، على خلاف ما عليه الراسخون، وبلغ من الردِّ بزعمه إلى أقصى غاية ما قدر عليه، واستدلَّ بأمور إذا تأمَّلها الفَطِن عرف ما فيها …
قد علَّل المُنكِر هذا الموضع بعلل تقتضي المشروعية، وبنى على فرض أنه لم يأت ما يخالفِه، وأن الأصل الجواز في كلِّ مسكوت عنه، أما أن الأصل الجواز فيُمنَع …
وأيضًا فما يُعلِّل به لا يصحُّ التعليل به، وقد أتى الرادُّ بأوجُه منه: ....
стр. 192
الخامس: أن عامَّة الناس لا عِلم لهم باللسان العربي، فربما لحن، فيكون اللحن سبب عدم الإجابة، وحُكي عن الأصمعي في ذلك حكاية شعرية (١) لا فقهية، وهذا الاحتجاج إلى اللعب أقربُ منه إلى الجِدِّ، وأقربُ ما فيه أن أحدًا من العلماء لا يشترِط في الدعاء أن لا يُلحَّن كما يشترِط الإخلاصَ، وصِدقَ التوجُّه، وعَزْمَ المسألة، وغير ذلك من الشروط.
وتعلُّم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء - وإن كان الإمامُ أعرفَ به - هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه؛ فإن كان الدعاء مستحبًّا، فالقراءة واجبةٌ، والفقه في الصلاة كذلك" (٢).
* * *
قلتُ: تعقَّب ابن الأزرق الشاطبي في كلامه هذا، وناقشه فيه، فقال: "أما الدعاء فحِفظه بالعربية مما يُفسِد اللحن معناه، ظاهرٌ … ؛ ولذلك قال الأستاذ أبو سعيد بن لُب: "الدعاء عِلم لساني، وتعلُّق قلبي؛ هما مبناه، وعليهما يدور معناه"، ثم ذكر عن الخَطَّابي أن الرِّيَاشي قال: مرَّ الأصمعيُّ برجل يقول في دعائه: "يا ذو الجلال والإكرام"، فقال له: ما اسمُك؟ قال: ليثُ. فأنشأ يقول: [الوافر]
يُنادِي ربَّه باللحنِ لَيثٌ … لِذاكَ إِذا دَعَاهُ لا يُجِيبُ
стр. 193
إلا أن الأستاذ أبا إسحاق الشاطبي ﵀ تعقَّب هذا "بأن الحكاية شعرية لا فقهية، والاحتجاج بها إلى اللعب أقربُ منها إلى الجِدِّ. قال: "وأقربُ ما فيه أن أحدًا من العلماء لا يشترِط في الدعاء أن لا يُلحَّن كما يشترِط الإخلاصَ، وصِدقَ التوجُّه، وعَزْمَ المسألة وغير ذلك من الشروط".
قلتُ [ابن الأزرق]: لم يأت الأستاذ [ابنُ لب] بالحكاية على أنها الحُجة على اشتراط سلامة الدعاء من اللحن من حيث هي شعرية، بل لجريانها على ما ينبغي في الجملة من السلامة عن ذلك، وحينئذٍ فلا يَرِد عليه ذلك التحامُل.
وقوله: "وأقرب ما فيه إلى آخره"، جوابُه: أن الإمام أبا سليمان الخَطَّابي الذي ذكر الأستاذ عنه الحكاية، وهو مَن عُلِم مقامُه في العلماء الجِلَّة، قد قال في صدر كتابه في شرح الأدعية ما نصُّه: "ومما يجب أن يُراعى في الأدعية الإعرابُ الذي هو عماد الكلام، و به يستقيم المعنى، وبعدمه يختَلُّ ويفسُد، وربما انقلب المعنى باللحن حتى يصير كالكفر إن اعتقده صاحبُه، كدعاء مَن دعا أو قراءة مَن قرأ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بتخفيف الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾، فإن "الإيَا" ضياءُ الشمس، فيصير كأنه يقول: شمسُك نعبُد. وهذا كفرٌ.
ثم قال عن أبي عثمان المازِني إنه قال لبعض تلاميذه: "عليك بالنحو، فإن بني إسرائيل كفرت بحرفٍ ثقيلٍ خفّفوه، قال الله لعيسى ﵇: "إني ولَّدتُك". فقالوا: إنِّي ولَدتُك. فكفروا (١).
وبإثر هذا ساق الحكاية عن الأصمعي، فمقتضى عطفه هذا الكلام على ما تقدَّم له من ذكر شروط الدعاء أن من جملتها سلامةَ الدعاء من اللحن. فقول
стр. 194
الأستاذ أبي إسحاق: "أن أحدًا من العلماء لم يشترِط ذلك" قد ظهر خلافُه، وعلى ذلك اعتمد الأستاذ أبو سعيد، لكنه اقتصر على جَلْب الحكاية، فظنَّ به أن لا مستنَدَ له غيرها.
والظنُّ بالأستاذ أبي إسحاق أنه - والله أعلم - لم يتذكَّر عنه هذا الكلام؛ قول الخطابي في المسألة، على أنه قال بعد ذكر ما تقدَّم عنه:
"وتعلُّم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه".
وهذا اعتراف منه بأن الدعاء يُحتاج فيه إلى السلامة من اللحن، فمن أين لزم عنده لغوُ ما قرَّره الأستاذ في ذلك؟!
وبالجملة فهذا الموضع مما يُشكِل من كلامه على ظهور ما اعتمد عليه الأستاذ [ابن لُب] في ذلك، والله أعلم، وبه التوفيق سبحانه.
وقد جرى الشيخ أبو عبد الله بن مرزوق ﵀ على هذا الذي ظهر من الخَطَّابي، فقال في كتابه "النُّصح الخالص" (١) وقد تعقَّب بعض الأذكار لاشتمالها على أمور؛ منها اللحن، فقال: "واللحن في الأذكار لا ينبغي؛ لأن كثيرًا من الألفاظ بسببه توجد بصورة الكفر - والعياذ بالله -، وأمثلته لا تخفى". انتهى. والذِّكر والدعاء من باب واحد" (٢).
стр. 195
قلتُ: ما نقله ابن الأزرق عن الخَطَّابي وابن مرزوق وابن لُب ظاهرٌ - أو يكاد - في القدح في تعميم الشاطبي بأن أحدًا من العلماء لم يشترِط في الدعاء أن يكون غير ملحون.
لكن لا يؤخذ منه أن ما قرَّروه هو الصواب في المسألة، لا سيما أننا وجدنا جَمعًا من العلماء ينصُّون على ما نصَّ عليه الشاطبي، فهذا ابن الصلاح يقول: "الدعاء الملحون ممن لا يستطيع غير الملحون لا يقدح في الدعاء، ويُعذَر فيه" (١)، وكذا قال غيرُه، وهو الأشبه بمقصد الشارع من التيسير ورفع المشقة عن المكلَّفين؛ لأننا إما أن نُلزِمهم بتعلُّم العربية، وإما أن يتوقَّفوا عن الدعاء إلا إذا لُقِّنوا، وكلاهما صعبٌ ثقيل فيه مشقة ظاهرة، وهذا - كما هو ظاهر - لا يمنع من تنبيه مَن وقع في دعائه لحنٌ يُوقِع في حرام من القول.
ولعلَّ اشتراط الخَطَّابي وابن لُب وابن مرزوق مُتوجِّهٌ إلى مَن يستطيع ذلك، فيكون كلام الشاطبي غير مخالف لهم، وهو الأليق.
أما قوله: "وهذا اعتراف منه بأن الدعاء يُحتاج فيه إلى السلامة من اللحن"، فهذا منه أخذٌ لكلامه على غير وجهه الذي أراد لأمرَين:
الأول: أنه لا يمنع هذا أصلًا، ولهذا ذكره، وإنما يمنع أن يكون ذلك واجبًا، وأن يكون تاركُه غير مقبول الدعاء؛ إذ المحتاج إليه في الشرع أعمُّ من أن يكون واجبًا.
الثاني: أن الأستاذ أبا إسحاق أراد من قوله: "وتعلُّم اللسان العربي لإصلاح الألفاظ في الدعاء هو كسائر ما يحتاج إليه الإنسان من أمر دينه" إلزامَ المخالِف
стр. 196
بأن يفعل في كلِّ ما يحتاج إليه الإنسان في أمر دينه فِعلَه في شأن الدعاء إثر الصلوات مما هو آكد منه وأَولى، ولهذا قال بعد كلامه هذا: "فإن كان تعليمُ الدعاء إثر الصلاة مطلوبًا، فتعليمُ فقه الصلاة آكدُ، فكان من حقِّه أن يجعل ذلك من وظائف آثار الصلوات" (١).
وعلى هذا التقرير فليس كلام الشاطبي في هذا الموضع مما يُشكِل كما يقول ابن الأزرق.
* * *
стр. 197
مقالةٌ في أن الشارع قد يَمنع ممَّا تقتضي قواعد العربية جوازه
حكم ابن مالك على إيلاء لفظ "يَدَيْ" للفظ "لَبَّي" بالشذوذ (١)، "ورُوي في بعض الأحاديث عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا دَعَا أَحَدُكُم أَخَاهُ فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فلا يَقُولَنَّ: لَبَّى يَدَيْكَ، ولْيَقُلْ: أَجَابَكَ اللهُ بما تُحِبُّ" (٢)، وهذا ممَّا يُشعِر بأن عادة العرب إذا دعت فأُجِيبت بـ "لبيك" أن تقول: لَبَّي يَديك. فنهى ﵇ عن هذا القول، وعوَّض منه كلامًا حسنًا … ، فعلى هذا ليس بمختصٍّ بالشِّعر.
[فـ] إضافة يَدَي لـ "لَبَّى" شاذٌّ، فيُعطِي أنَّه لا يقاس عليه، وهذا يُشكِل من جهتين:
إحداهما: جعلُه إياه من الشاذ، والشاذُّ هو - عنده - ما اختصَّ بالشِّعر، أو جاء في كلام نادر لم يكثُر، ولم يشتهر في الاستعمال.
وهذا ليس كذلك؛ لما تقدَّم آنفًا من دلالة الحديث على أنه كان مستعمَلًا عند العرب معهودًا، ولذلك نهى عنه ﷺ ، ولو لم يشتهر عندهم لم يَنهَهُم عنه، وهذه عادتُه ﵇ فيما اعتادُوه من الأقوال والأفعال المخالِفة للشرع.
وأيضًا فإن بيت "الكتاب" (٣) يُشعِر بذلك، فليس من الشاذ النادر، بل هو من الكثير المستعمل، لكن مختصٌّ باليدين، فكان من حقِّه أن يجعله قياسًا في
стр. 198
موضعه، ولا يمنع منه، وهذه هي الجهة الثانية من جهتَي الإشكال.
والجواب: أن الحديث لا نُسلِّم أنه يُشعر بكثرة ذلك، وإنما فيه دلالة على أنه سمِعه أو بلَغه عمن قاله فيمكن أن تكون كلمة قيلت على غير عادة، فيكون من النادر والشاذ، وإذا احتَمَل هذا لم يكن فيه دليل، وإن سُلِّم أن ذلك اعتيد في الاستعمال، فلا يلزم من ذلك خروجُه عن نِصاب الشاذِّ ودخولُه في القياس؛ لأن الشاذَّ عند النحويين على ثلاثة أقسام: شاذٌّ في الاستعمال دون القياس، وشاذٌّ على العكس، وشاذٌّ في القياس والاستعمال جميعًا؛ فيكون هذا من الشاذِّ في القياس دُون الاستعمال، كأنه لم يكثر كثرةً تُوجِب القياس عليه …
وإن سُلِّم أنه بلغ مبلَغ القياس عليه في كلام العرب، فقد يقال: إن الناظم لم يعتبره حيث كان الحديث قد نهى عن استعماله، فصار القياس على ما سُمِع ممنوعًا شرعًا؛ ألا تراه قال: "لا يَقُولَنَّ: لَبَّى يَدَيْك"، فهذا معنى المنع من القياس على ما قيل منه، وهذا من غرائب أحكام العربية أن يُمنَع من القياس لمانع شرعي، ولكن له نظائر، كالمنع من تثنية أسماء الله تعالى وجمعها وتصغيرها، وإن كان قياس العربية يقتضي تثنية الأسماء المُعرَبات على الجملة، وكذلك تصغير الأسماء التي سُمِّي بها نبيُّنا محمد ﷺ تسليمًا؛ فإنه أعظم الخَلْق عند الله تعالى، فلا يجوز تصغيرُ اسمه وإن كان لفظًا؛ لعِظَم المدلول ﵇، والألفاظُ تشرُف بشرف مدلولها شرعًا، وهذا الموضع مما منع الشرع من استعماله، وذلك يستلزم منعَ القياس عليه، فمنَعه الناظم، وسمَّى ما سُمِع منه مخالِفًا للمشروع شاذًّا؛ لمساواته للشاذِّ العربي الذي لا يُقاس عليه، والله أعلم" (١).
стр. 199
الفصل السادس ما جاء ممَّا قد يُوهِم خلاف ما تقدَّم من منزلة العربية من الشريعة
стр. 200
مقالةٌ في دفع ما قد يُظَنُّ من أن عِلم النحو عِلم مبتدع لم يكن في الزمن الأوَّل
"البدعة … عبارة عن: "طريقة في الدِّين مخترعة، تُضاهي الشرعية، يُقصَد بالسلوك عليها المُبالَغة في التعبُّد لله سبحانه" …
ولما كانت الطرائق في الدِّين تنقسم؛ فمنها: ما له أصلٌ في الشريعة، ومنها: ما ليس له أصلٌ فيها - خُصَّ منها ما هو المقصود بالحدِّ، وهو القسم المخترَع، أي: ابتُدعت على غير مثال تقدَّمها من الشارع؛ إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما رسمه الشارع.
وبهذا القيد انفصلت عن كلِّ ما ظهر لبادي الرأي أنه مخترَع مما هو متعلِّق بالدِّين، كعِلم النحو، والتصريف، ومفردات اللغة، وأصول الفقه، وأصول الدِّين، وسائر العلوم الخادمة للشريعة؛ فإنها وإن لم تُوجَد في الزمان الأول، فأصولُها موجودة في الشرع:
- إذ الأمرُ بإعراب القرآن منقولٌ.
- وعلومُ اللسان هادية للصواب في الكتاب والسُّنة، فحقيقتُها إذًا أنها فقهُ التعبُّد بالألفاظ الشرعية الدالَّة على معانيها؛ كيف تؤخذ وتؤدَّى.
- وأصولُ الفقه إنما معناها استقراءُ كليات الأدلة، حتى تكون عند المجتهد نُصْب عين، وعند الطالب سهلة الملتمَس.
стр. 201
- وكذلك أصول الدِّين، وهو عِلم الكلام، إنما حاصلُه تقرير لأدلة القرآن والسُّنة، أو ما ينشأ عنها؛ في التوحيد وما يتعلَّق به، كما كان الفقه تقريرًا لأدلتها في الفروع العملية.
فإن قيل: فإن تصنيفها على ذلك الوجه مخترَع.
فالجواب: أن له أصلًا في الشرع؛ ففي الحديث ما يدلُّ عليه (١)، ولو سُلِّم أنه ليس في ذلك دليل على الخصوص، فالشرعُ بجملته يدلُّ على اعتباره، وهو مستمَدٌّ من قاعدة المصالح المرسلة …
فعلى القول بإثباتها أصلًا شرعيًّا لا إشكال في أن كلَّ عِلم خادم للشريعة داخلٌ تحت أدلته التي ليست بمأخوذة من جزئيٍّ واحد، فليس ببدعة البتةَ.
وعلى القول بنفيها لا بُدَّ أن تكون تلك العلوم مبتدَعات، وإذا دخلت في قسم البدع كانت قبيحة؛ لأن كلَّ بدعة ضلالة من غير استثناء …
ويلزم من ذلك أن يكون كَتْب المصحف، وجمعُ القرآن قبيحًا، وهو باطلٌ بالإجماع، فليس إذًا ببدعة.
ويلزم أيضًا أن يكون له دليل شرعيٌّ، وليس إلا هذا النوع من الاستدلال، وهو المأخوذ من جملة الشريعة.
стр. 202
وإذا ثبت جزئيٌّ في المصالح المرسلة، ثبت مُطلَق المصالح المرسلة.
فعلى هذا لا ينبغي أن يُسمَّى عِلم النحو، أو غيرُه من علوم اللسان، أو عِلم الأصول، أو ما أشبه ذلك من العلوم الخادمة للشريعة بدعةً أصلا.
ومَن سمَّاه بدعةً؛ فإما على المجاز كما سمَّى عمر بن الخطاب ﵁ قيامَ الناس في المسجد في ليالي رمضان بدعةً (١)، وإما جهلًا بمواقع السُّنة والبدعة، فلا يكون قولُ مَن قال ذلك معتدًّا به، ولا معتمَدًا عليه" (٢).
* * *
قلتُ: قال ابن الأزرق على كلام الشاطبي السابق: "وللأستاذ أبي إسحاق الشاطبي ﵀ في تخليص هذا الأصل من شوائب ما يُكدِّر صفوَه اليدُ الطُّولى والسعي الذي لا يؤدِّي شكرَه إلا مَن عرف قَدْرَ ما يسَّر الله من ذلك على يديه، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا" (٣).
* * *
стр. 203
مقالةٌ في دفع ما جاء عن بعض السَّلَف ظاهرُه ذمُّ العربية
"نُقِل عن القاسم بن مُخَيْمِرَة (١) أنه ذُكِرت عندَه العربيةُ، فقال: "أَوَّلُها كِبْرٌ، وآخِرُها بَغْيٌ" (٢).
وحُكي أن بعض السلف قال: "النحوُ يُذهِب الخُشوع من القلب، ومَن أراد أن يزدَري الناس كلَّهم فليَنظُر في النحو " (٣)، ونُقِل نحوٌ (٤) من هذا (٥).
وهذه كلُّها لا دليل فيها على الذَّمِّ؛ لأنه لم يذُمَّ النحو من حيث هو بدعة، بل من حيث ما يُكتسَب به أمرٌ زائد، كما يُذَمُّ سائرُ علماء السوء، لا لأجل علومهم، بل لأجل ما يحدث لهم بالعَرَض من الكِبْر به والعُجْب وغيرهما، ولا يلزم من ذلك كونُ العِلم بدعة، فتسميةُ العلوم التي يُكتسَب بها أمرٌ مذمومٌ
стр. 204
بدعًا؛ إما على المجاز المحض؛ من حيث لم يُحتَج إليها أوَّلًا، ثم احتيج إليها بعدُ، أو من عدم المعرفة بموضوع البدعة؛ إذ من العلوم الشرعية ما يُداخِل صاحبها الكِبْر والزَّهْو وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذمٍّ.
ومما حكى هذا المتصوِّفُ (١) عن بعض علماء الخَلَف، قال: "العلوم تسعة؛ أربعة منها سُنَّة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسةٌ محدَثة لم تكن تُعرَف فيما سلف". قال: "فأما الأربعة المعروفة: فعِلم الإيمان وعِلم القرآن وعِلم الآثار، والفتاوي، وأما الخمسة المحدَثة: فالنحو، والعَرُوض، وعِلم المقاييس، والجَدَل في الفقه، وعِلم المعقول بالنظر" (٢). انتهى.
وهذا إن صحَّ نقلُه فليس أوَّلًا كما قال؛ فإنَّ أهل العربية يحكون عن أبي الأسود الدؤلي أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو، حين سمِع الأعرابيُّ قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣] بالجرِّ، فقال: برئتُ مما برئ الله منه. فبلغت عليًّا ﵁، فأشار على أبي الأسود، فوضع النحوَ (٣).
وقد رُوي عن ابن أبي مُلَيْكَة: أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر أن لا يُقرئ القرآن إلَّا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود، فوضع النحوَ (٤).
والعَرُوض من جنس النحو، وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين صار النحو والنظر في الكلام العربي من سُنَّة الخلفاء الراشدين، وإن سُلِّم أنه
стр. 205
ليس كذلك، فقاعدةُ المصالح تعُمُّ علوم العربية، أي: تكون من قَبِيل المشروع؛ فهي من جنس كَتْب المصحف، وتدوين الشرائع.
وما ذُكِر عن القاسم بن مُخَيْمِرَة قد رجع عنه؛ فإن أحمد بن يحيى ثعلبًا قال: "كان أحد الأئمة في الدِّين يعيب النحو، ويقول: "أَوَّلُ تعلُّمه شُغل، وآخِره بغي، يزدري العالمُ به الناسَ"، فقرأ يومًا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] برفع ﴿الله﴾، ونصبِ ﴿الْعُلَمَاءُ﴾، فقيل له: كَفَرتَ من حيث لم تعلم؛ تجعلُ الله يخشَى العلماء؟! فقال: لا طعَنتُ على عِلم يئول بي إلى معرفة هذا أبدًا".
قال عثمان بن سعيد الدَّاني (١): "الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هو القاسم بن مُخَيْمِرَة". قال: وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين كلامٌ، وكان ابن سيرين ينتقِص النحويين، فاجتمعا في جَنَازة فقرأ ابن سيرين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ برفع اسم الله، فقال له ابن أبي إسحاق: كفَرتَ يا أبا بكر، تعِيب على هؤلاء الذين يُقِيمون كتاب الله؟ فقال ابن سيرين: إن كنتُ أخطأت فأستغفر الله" (٢) " (٣).
* * *
стр. 206
مقالةٌ في دفع ما جاء في ذمِّ النحاة بسبب وصفهم بعض آي القرآن بالشذوذ
"ربما يظُنُّ مَن لم يطَّلع على مقاصد النحويين أن قولهم: شاذٌّ، أو: لا يُقاس عليه، أو بعيدٌ في النظر القياسي، أو ما أشبه ذلك - ضعيفٌ في نفسه وغيرُ فصيح، وقد يقع مثل ذلك في القرآن فيقومون في ذلك بالتشنيع على قائل ذلك، وهم أولى لَعَمْرُ الله أن يُشنَّع عليهم، ويُمال نحوَهم بالتجهيل والتقبيح؛ فإن النحويين إنما قالوا ذلك لأنهم لما استَقْرَوا كلام العرب ليُقِيموا منه قوانين يُحذَى حذوها وَجَدُوه على قِسمَين:
قسم سهُل عليهم فيه وجهُ القياس، ولم يعارِضه مُعارِض لشياعه في الاستعمال وكثرة النظائر فيه؛ فأعملوه بإطلاق، عِلمًا بأن العرب كذلك كانت تفعل في قياسه.
وقسم لم يظهر لهم فيه وجهُ القياس أو عارَضه معارِض لقلته وكثرةِ ما خالَفه. فهنا قالوا: إنه شاذٌّ، أو موقوفٌ على السماع، أو نحو ذلك، بمعنى أننا نتَّبع العربَ فيما تكلَّموا به من ذلك، ولا نقِيس غيرَه عليه، لا لأنه غير فصيح، بل لأنا نعلَم أنها لم تقصِد في ذلك القليل أن يُقاس عليه، أو يغلب على الظنِّ ذلك، وترى المعارِض له أقوى وأشهرَ وأكثر في الاستعمال، هذا الذي يعنُون، لا أنهم يرمُون الكلام العربيَّ بالتضعيف والتهجين حاشَ للَّه، وهم الذين قاموا بفَرْض الذَّبِّ عن ألفاظ الكتاب، وعبارات الشريعة، وكلامِ نبيِّنا محمد ﷺ ! فهم أشدُّ
стр. 207
توقيرًا لكلام العرب وأشدُّ احتياطًا عليه ممن يغمِز عليهم بما هم منه بُرَآء.
اللهم إلا أن يكون في العرب مَن بعُد عن جمهرتهم، وبايَن بَحْبُوحَة أوطانهم، وقارَب مساكن العَجَم، أو ما أشبه ذلك ممن يُخالفِ العرب في بعض كلامها وأنحاءِ عباراتها، فيقولون: هذه لُغة ضعيفة، أو ما أشبه ذلك من العبارات الدالَّة على مرتبة تلك اللغة في اللغات؛ فهذا واجبٌ أن يُعرَّف به، وهو من جملة حفظ الشريعة والاحتياط لها، وإذا كان هذا قصدَهم، وعليه مدارُهم، فهم أحقُّ أن يُنسَب إليهم المعرفةُ بكلام العرب ومراتبه في الفصاحة، وما من ذلك الفصيح قياسٌ، وما ليس بقياس، ولا تضُرُّ العبارات إذا عُرِف الاصطلاح فيها" (١).
ومما يدخل تحت هذا الأصل، ويحسُن التنبيه عليه هو أن "ابن مالك في العربية ينحو نحوَ الظاهرية، ولا يُحكِّم القياس تحكيمَ غيره، فهذه طريقتُه" (٢)،
стр. 208
لا سيما إذا تعلَّق الأمر بالقرآن؛ إذ "من عادة ابن مالك التعويل على اللفظة الواحدة تأتي في القرآن ظاهرُها جوازُ ما يمنعه النحويون، فيُعوِّل عليها في الجواز ومخالَفة الأئمة، وربما رشَّح ذلك بأبيات مشهورة أو غير مشهورة، ومثل ذلك ليس بإنصاف؛ فإن القرآن الكريم قد يأتي بما لا يقاس مِثله وإن كان فصيحًا وموجَّهًا في القياس لقِلَّته" (١).
هذه طريقة ابن مالك؛ أن "ما قُرئ به لا بُدَّ أن يستنبِط له قياسًا جاريًا في أمثاله، وإن كان قليلًا أجرى القياس فيه على قِلَّته ولم يجعله مسموعًا نادرًا، وقد جعل في "التسهيل" (٢) تحقيق الهمزتين مع الاتصال لغةً، ولم ينقُلها أحدٌ لغةً، وإنما نُقِل من ذلك ألفاظ شاذَّة، نَعَم جاء في القرآن ﴿أَئِمَّةَ﴾ بتحقيق الهمزتين قراءة عن الكوفيين وابن ذَكْوَان (٣)، قال شيخنا القاضي (٤) ﵀: جعل ذلك لغةً للقرآن أدبًا مع القرآن أن يجعَل ما نُقِل فيه قراءةً شاذةً أو مخالِفة لكلام العرب" (٥)، هذه "عادة ابن مالك؛ التأدُّبُ مع القرآن، والاعتمادُ على ما جاء فيه فيقيسه وإن لم يُجِز غيرُه ذلك على الإطلاق" (٦)، "وهي قاعدة من قواعده التي استبَدَّ بها دون غيره" (٧).
стр. 209
فـ "لا يلزَم من عدم القول بالقياس في هذه الأشياء الواقعة في القرآن الكريم أن يكون عَدَمَ مراعاة للفظ القرآن أو إخراجًا له عن الفصاحة أو نحو ذلك، كما يظُنُّ مَن لا تحقيق له! بل هو في أعلى الدرجاتِ في الفصاحة، لكنه لم يكثُر مِثلُه فيقاس عليه. وعلى هذا بنى سيبويه والمحقِّقُون، وهو الصواب، ولكن ابن مالك ربما أهمل هذه القاعدة" (١).
"فإن القياس إنما يُجرى إذا فهمنا من العرب إجراء القياس، وذلك يكون بوجوده مسموعًا كثيرًا جدًّا في النثر والنظم، أو بمجرَّد سماعه من غير وجود معارِض له … ، ولم يعتبِر الكوفيون هذا، وهو حقيقٌ بالاعتبار، فإن القياس لا ينبغي أن يُعمَل جُزافًا وكيف اتَّفَق، بل يُنظَر في كلام العرب بالاستقراء الصحيح والتتبُّع الحَسَن، فما وُجِد مشهورًا عندهم لا يُتحاشى من استعماله في النثر والنَّظْم، ساغ القياس عليه كان له معارِض أو لا، لكن إن كان المعارِض نادرًا اطُّرِح ذلك المعارِض، وأُعمِل القياس فيما اشتهر، وإن كان مشتهِرًا مثِله أُعمِلا معًا.
وما وُجد عندهم غير مشهور بل كان نادرًا؛ فإن كان لمعارِض أشهر تُرِك الأندر للأشهر.
وإن لم يكن له معارِض أصلًا أُعمِل.
وإن كان إنما سُمِع في الشعر؛ إذ لم يقُم دليلٌ على أنه مما اختَصَّ بالشِّعر، فيُحمَل على أنه من مطلَق كلامها، حتى يوجد ما يعارِضه، ويدلُّ على أنه مما اختَصَّ بالشِّعر، قاله الشَّلَوبِين …
стр. 210
[و] الكوفيون لم يعتبِروا هذا الأصل، بل تلقَّوا كلَّ ما جاء في كلام أو شِعر نادرًا أو شهيرًا، فقاسوا عليه وُجِد له معارِض أولم يوجد، فلم يلتفتوا إلى المعارِض، وبسبب ذلك اتسع عندهم نطاق القياس، وانخرَمت عليهم أشياء من الضوابط الاستقرائية.
ولما رأى أهل التحقيق البناء على مثل هذه الأصول المحقَّقة الاستقرائية مطَّردًا عند الخليل وسيبويه، وغير مطَّرد عند الكوفيين - اعتمدوا على قياسهما، واعتمدوا على نقلهما وتحقيقهما، ونِعمَّا فعلوا" (١).
ومما يُقال في وجه القول بأن وصفَ بعض ما جاء في القرآن بالشذوذ وعدمِ القياس لا يعني عدم المراعاة للفظ القرآن أو الإخراج له عن الفصاحة - هو أنه "قد تكون للمعنى عبارتان أو أكثرُ منهما؛ واحدةٌ يلزَم فيها ضرورة، إلا أنها مطابِقة لمقتضى الحال ومُفصِحة عنه على أو في ما يكون، والتي صحَّ قياسُها ليست بأبلَغَ في ذلك من الأخرى، ولا مِرية في أنهم في هذه الحال يرجعون إلى الضرورة؛ إذ كان اعتناؤهم بالمعاني أشدَّ من اعتنائهم بالألفاظ، وقد بوَّب ابن جني على هذا (٢).
وإذا ظهر لنا نحن في موضع أن ما لا ضرورة فيه يصلح هنالك، فمِن أين يُعلَم أنه مطابق لمقتضى الحال، أو أنه أبلغُ فيما قصد من المبالغة في البيان والإفصاح؟ لا سبيلَ إلى معرفة ذلك في أكثر المواضع، والحاضرُ أبصرُ من الغائب، فلا تجويز لما لا تُعلَم حقيقتُه.
стр. 211
وأيضًا قد يُظَنُّ بالعبارتين أنهما مترادفتان، وليستا في الحقيقة كذلك؛ إما لوجود فَرْق لفظي، وإما لوجود أمر معنوي؛ إما ضروري أو تكميلي، ويتبيَّن مثلُ هذا للناظر في فصاحة القرآن، ومثله يتفق في الشِّعر؛ بحيث لا ينبغي أن يؤتى إلا بعبارة الاضطرار دون الجارية على القياس" (١).
* * *
стр. 212
مقالةٌ في دفع ما جاء عن بعضهم من ذمِّ صنيع النحاة من نسبتهم العمل إلى الألفاظ
النحويون "ينسُبون العمل للألفاظ لتحقيق … الاصطلاح … ، وهو اصطلاح عامٌّ في كلام أهل هذه الصناعة لضبط القوانين، لا أنهم مدَّعُون لذلك حقيقةً؛ لأن الألفاظ لا ترفَع، ولا تنصِب، ولا تجُرُّ، وعلى هذا نبَّه ابن جني في "الخصائص" حين بيَّن أن مقاييس العربية معنوية في الغالب، ومثَّل ذلك بموانع الصَّرف، ثم قال: "ومِثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به بأن تقول: رفعتُ هذا بأنه فاعل، ونصبتُ هذا بأنه مفعول. فهذا اعتبارٌ معنويّ لا لفظيّ". قال: "ولأجله ما (١) كانت العوامل اللفظية راجعةً في الحقيقة إلى أنها معنوية؛ ألا تراك إذا قلتَ: ضرَب سعيدٌ جعفرًا؛ فإن "ضرب" لم تعمل في الحقيقة شيئًا، وهل تحصُل من قولك: "ضرب" إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فِعل، وهذا هو الصوت، والصوتُ مما لا يجوز أن يكون منسوبًا إليه الفعل.
وإنما قال النحويون: عاملٌ لفظيٌّ، وعاملٌّ معنويُّ؛ ليُرُوك أن بعض العمل يأتي مسبَّبًا عن لفظ يصحَبه، كـ: مررتُ بزيد و: ليتَ عمرًا قائمٌ. وبعضه يأتي عاريًا من مصاحبة لفظ يتعلَّق به، كـ: رفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل بوقوعه موقعَ الاسم. هذا ظاهر الأمر وعليه صفحة القول.
стр. 213
فأما في الحقيقة ومحصول الحديث (١)، فالعملُ من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو المتكلِّم نفسُه لا لشيء غيره".
قال: "وإنما قالوا: لفظيٌّ، ومعنويٌّ لما ظهرت آثارُ فِعل المتكلِّم بمُضَامَّة اللفظ للَّفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ، وهذا واضح" (٢).
هذا ما قال … ، ومما يؤنسك بهذا وأنهم جعلوا اللفظ والمعنى كالسبب في اختلاف وجوه الرفع والنصب والجرِّ والجزم ما حكاه ابن جني في "الخصائص" قال: "سألتُ الشجريَّ يومًا فقلتُ له: يا أبا عبد الله: كيف تقول: ضربتُ أخاك؟ فقال: كذلك. قلتُ: أفتقول: ضربتُ أخوك؟ فقال: لا أقول: أخوك أبدًا. قلتُ: فكيف تقول: ضربني أخوك؟ قال: كذلك. فقلت: ألستَ زعمتَ أنك لا تقول: أخوك أبدًا؟ فقال: أَيْشٍ ذا! اختلفت جِهَتا الكلام، فهذا في قوة أن لو قال: صار المفعول فاعلًا أو زال اللفظ الذي يقتضي الرفع، وخلَفه لفظ آخَر يقتضي النصب" (٣).
فهذا الاصطلاح في النحو قد تبيَّن معناه .... ، [و] ابن مَضَاء ممن يُنسَب إلى النحو قد شنَّع على النحويين في هذا المعنى أخذًا بظاهر اللفظ من غير تحقيق مرادهم؛ فنسَبهم إلى التقوُّل على العرب وإلى الكذب في نسبة العمل إلى الألفاظ، بل نسَبهم إلى مذهب الاعتزال والخروج عن السُّنة، وظلمهم - عفا الله عنه - إذ لم يعرف ما قصدوه.
стр. 214
وقد صنَّف في الردِّ عليه وفي بيان مقاصد النحويين في هذه الأشياء ابن خَرُوف جزءًا سمَّاه: "تنزيه أئمة النَّحْو ممَّا يُنسَب إليهم من الغلط والسَّهْو" (١)، فإن أردتَ كمال القول في ذلك فعليك به، وبالله التوفيق" (٢).
* * *
قلتُ: هنا فائدة: نقل ابن الأزرق كلامًا لابن خَرُوف في الردِّ على ابن مَضَاء في كلامه السابق من خلال كتابه المفقود "تنزيه أئمة النَّحْو "الذي أشار إليه الشاطبي، فقال ابن الأزرق:
"قال ابن خَرُوف: حمل عليهم في ذلك الحمل، وتأوَّل عليهم ما لا يعتقدون ..... ، وكيف يعتقد في أئمةٍ زيَّن الله بهم الدِّين، وجعَلهم حَفَظَةً لكتابه المُبين أنهم يعتقدون أن الألفاظ يعمَل بعضُها في بعض؛ يريد على وجه الحقيقة، وليُشنِّع عليهم بذلك، وإذا كانت العرب قاطبةً تتسع فتنسُب الأشياء إلى غير فاعليها، فتقول: وُلِد له ستون عامًا. و: صِيد عليه يومان. و: اجتمعت اليمامة (٣) .... فأئمةُ
стр. 215
النحويين ﵃ ائتموا بهم، وركبوا طريقَهم حين رأوهم اتسعوا هذا الاتساع البديع، فأكثروا منه، فلا قَبَاحة عليهم فيما عبَّروا به عن مرادهم، بل أَفهَموا بذلك وأحسنوا" (١).
* * *