عمل المعتني بالكتاب (عن موسوعة صحيح البخاري) [¬*]:
تمت المقابلة على الطبعة الميمنية المطبوعة بعد وفاة المصنف، واعلم أنا رجعنا في عملنا هذه إلى تقريرات شمس الدين محمد بن محمد بن حسين الأنبابي، ت: ١٣١٣ هـ، وهو قرين المصنف رحمهما الله، والدافع له للتصنيف كما ذكر المصنف في مقدمته هذه، وقد لاحظنا بينهما تشابهًا كبيرًا، لكن في تقريرات الأنبابي بعض الزيادات التي ليست في نسختنا، ولكتاب الأنبابي نسختين خطيتين موجودتين في المكتبة الأزهرية، الأولى منهما مسودة المصنف تحت رقم: ٣٣٦٥٦١، والثانية مبيضة مقابلة ومستدرك عليها تحت الرقم: ٣٣٦٥٥٣.
قابله: عبد الرحيم محمد يوسفان
_________
[¬*] (تعليق الشاملة): هذا العمل خاص بنص النسخة الإلكترونية المنشورة بموسوعة صحيح البخاري ١٤٧٣ هـ، وهو نفسه النص المنشور هنا بالمكتبة الشاملة
أما المطبوع، ١٤٤٢ هـ، فقد زيد في تحقيقه وحواشيه
стр. 2
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
يقولُ أحمد بن محمَّدٍ الخطيبُ القسطلانيُّ غفر الله تعالى (٢) له ولوالديه ولجميع المسلمين:
الحمد لله الذي شرح بمعارف عوارف السُّنَّة النَّبويَّة صدور أوليائه، وروَّح بسماع أحاديثها الطَّيِّبة أرواح أهل وداده وأصفيائه، فسرَّح سِرَّ سرائرهم في رياض روضة قُدسه وثنائه، أحمده على ما وفَّق من إرشاده وأسدى من آلائه، وأشكره على فضله المتواتر الكامل الوافر، وأسأله المزيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحسنُ ما تسهلُ به طوالعُ مقدِّمات الحديث حمدُ الله القديم الَّذي نزَّل أحسن الحديث، كما أنَّ أبلجَ ما تستضيء به مشارق الصَّلاح بوارق شوارق الوآم وصوادق ضوابط الاصطلاح، فله الحمدُ على تسلسل نَعْمائه الحسنة، ولهُ الشكرُ على تواترِ لآلئ آلائه بتواتر الأزمنة، والصَّلاة والسَّلام على فاتح أبواب العلا ومانح أسباب السّعود، وشارح صحيح صريح الشَّريعة بقوله الفصل وفعله المحمود؛ سيِّدنا محمَّد القائل في ظلِّ روضِ القربِ اليانعِ، القائل ﷺ : «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، المتَّصلُ سندُ عزِّهم إليه ما تَرَاسَلَتِ الأخبارُ وتَرَنَّمَت في حدائق الأزهارِ سواجعُ الأطيارِ.
стр. 3
من عطائه وكشف غطائه، وأشهد أنْ لا إله إِلَّا اللهُ وحدَه لا شريك له، الفرد المنفرد في صمدانيَّته بعزِّ كبريائه، واصلُ من انقطع إليه إلى حضرة قربه وولائه، ومدرجُه في سلسلة خاصَّته وأحبابه (١)، وأشهد أنَّ سيِّدنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، المُرسَلَُ بصحيح القول وحَسَنِهِ؛ رحمةً لأهل أرضه وسمائه، الماحي للمختلَق الموضوع بشوارق بوارق لألائه، فأشرقت مشكاة مصابيح «الجامع الصَّحيح» من أنوار شريعته وأنبائه، ﷺ وعلى آله وأصحابه وخلفائه (٢)، آمين (٣).
وبعدُ:
فإنَّ علم السُّنَّة النَّبويَّة بعد الكتاب العزيز أعظم العلوم قدرًا، وأرقاها شرفًا وفخرًا؛ إذ عليه مبنى قواعد أحكام الشَّريعة الإسلاميَّة، وبه تظهر تفاصيل مُجمَلات الآيات القرآنيَّة، وكيف لا ومصدره عمَّن لا ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحيٌ يُوحَى.
فهو المفسِّر للكتاب، وإنَّما نطق النَّبيُّ لنا به عن ربِّه، وإنَّ كتاب البخاريِّ «الجامع» قد
أما بعدُ:
فيقولُ الموقوفُ الرَّجاءِ على فيض فضل جَنَابِ الخالقِ الباري عبد الهادي بن رضوان المشهور بِنَجَا الأَبْيَاري:
لمَّا شرعتُ في قراءة صحيح البخاري بالأزهر لا زال معمورًا بالعلم الأنور، مغمورًا بالفضل الأزهر، ألزمني أجلُّ أحبابي وأخصُّ أصحابي؛ الفاضل الهُمام الشيخ محمد الأَنْبَابِي أن أكتبَ على مقدمة شرح القسطلاني على البخاري حاشيةً، قال: فإنَّها لصُعوبتها صارت العناية بها مع الحاجة إليها واهيةً فحاولت قصورًا فلم تُجْدِّ المحاولة، فامتثلتُ مستعينًا بالله الَّذي لا يخيب مؤمِّله، وكتبتُ عليها ما اقتضاه المقام من توضيح ما أَشْكلهُ الشَّارح وإبداء ما أخفاه، وما تنشرح له من المطالب نفس الطَّالب وتقرُّ بهِ عيناه، فجاءت بحمد الله حاشية كحاشية بَرَد الخودِ كافلةً بحلِّ كلِّ معقودٍ، وافيةً بجلِّ ما هو مقصود، جمعتُ من المصطلح أصلحه وأنفعه، ومنعتُ الأذهانَ أن تُشَتَّتْ في
стр. 4
أظهر من كنوز مطالبها العالية إبريز البلاغة وأبرز، وحاز قَصَبَ السَّبق في ميدان البراعة وأحرز (١)، وأتى من صحيح الحديث وفقهه بما لم يُسبَق إليه، ولا عرَّج أحدٌ عليه، فانفرد بكثرة فرائد فوائده، وزوائد عوائده، حتَّى جزم الرَّاوون بعذوبة موارده؛ فلذا رَجَحَ على غيره من الكتب بعد كتاب الله، وتحرَّكت بالثَّناء عليه الألسن والشِّفاه، ولطالما خطر في الخاطر المخاطر أنْ أُعلِّق عليه شرحًا أَمزجه فيه مزجًا، وأدرجه ضمنه درجًا، أُميِّز فيه الأصل من الشَّرح بالحمرة والمداد، واختلاف الرِّوايات بغيرهما، ليدرِك النَّاظر سريعًا المراد، فيكون باديًا بالصَّفحة، مدركًا باللَّمحة، كاشفًا بعض أسراره لطالبيه، رافع النِّقاب عن وجوه معانيه لمعانيه، موضِّحًا مُشكِلَه، فاتحًا مُقفَلَه، مقيِّدًا مهملَه، وافيًا بتغليق (٢) تعليقه، كافيًا في إرشاد السَّاري لطريق تحقيقه، محرِّرًا لرواياته، مُعْرِبًا عن غرائبه وخفيَّاته، فأَجِدُني أُحجم عن سلوك هذا المسرى، وأُبصِرُني أقدِّم رجلًا وأؤخِّر أخرى؛ إذ أنا بمَعْزِلٍ عن هذا المنزل، لا سيَّما وقد قِيلَ: إنَّ أحدًا لم يستصبح سراجَه، ولا استوضح منهاجَه، ولا اقتعد صهوتَه، ولا
طلب فنون الحديث الضَّائع أوجهًا في أرجاء الأسفار المتَّسعة، لاسيَّما في هذه الأزمان القاصرةِ الهمم المتكاثرةِ الغُمم القليلةِ الالتفات إلى هذه العلوم العظيمة النَّفعِ الجليلة الوقعِ، إذ أضحت فيها غريبة ليس لها مأوًى منقطعةَ الصُّحبة لا تجدُ لها مَن يهوى، على أنَّها جديرةٌ بالوصل والضمِّ حقيقةٌ
стр. 5
افترع ذروتَه، ولا تبوَّأ خلالَه، ولا تفيَّأ ظلالَه، فهو دُرَّةٌ لم تُثْقَب، ومُهرةٌ لم تُركَب، وللَّه درُّ القائل:
أعيا فحولَ العلم حَلُّ رموز ما … أبداه في الأبوابِ من أسرارِ
فازوا من الأوراقِ منه بما جَنَوا … منها، ولم يَصِلوا إلى الأثمار
ما زال بِكرًا لم يُفَضَّ خِتامُه … وعُراه ما حُلَّت عنِ (١) الأزرارِ
حُجِبَت معانيه التي أوراقُها … ضُرِبَت على الأبواب كالأستار
مِن كلِّ بابٍ حين يُفتَح بعضُه … يَنْهار منه العلمُ كالأنهارِ
لا غَرْوَ أن أمسى البخاريْ للورى … مثلَ البحارِ لمنشأ الأمطارِ
خضعتْ له الأقرانُ فيه إذ بدا … خرُّوا على الأذقان والأكوارِ
ولم أَزَلْ على ذلك مدَّةً من الزَّمان، حتَّى مضى عصر الشَّباب وبان، فانبعث الباعث إلى ذلك راغبًا، وقام خطيبًا لبنات أبكار الأفكار خاطبًا، فشمَّرتُ ذيل العزم عن ساق الحزم، وأتيتُ بيوت التَّصنيف من أبوابها، وقمتُ في جامع جوامع التَّأليف بين أئمَّته بمحرابها، وأطلقتُ لسان القلم في ساحات الحِكَم بعبارةٍ صريحةٍ واضحةٍ، وإشارةٍ قريبةٍ لائحةٍ، لخَّصتُها من كلامِ الكُبَرَاء، الذين رَقَتْ في معارج علوم هذا الشَّأن أفكارُهم، وإشاراتِ الألبَّاء الذين أنفقوا
بأن يدأبَ في إيوائها إليه وإدراجها لديه الجمُّ، ولخوفي من التَّطويل مع حرصي على الجمع والتَّحقيق أدمجت فيها تارةً وفصَّلتُ أخرى، ولم ألتفت إلى التَّنميق والتَّدقيق بل إلى التَّوفيق إذ ذلك أحرى، هذا مع جمودِ قريحتي وخمود فكرتي، وتبلبلِ بالي وتشتت أحوالي.
стр. 6
على اقتناص شوارده أعمارَهم، وبذلتُ الجهد في تفهُّم أقاويل الفهماء (١) المشار إليهم بالبنان، وممارسة الدَّواوين المؤلَّفة في هذا الشَّان، ومراجعة الشُّيوخ الذين حازوا قَصَبَ السَّبق في مضماره، ومباحثة الحذَّاق الذين غاصوا على جواهر الفرائد (٢) في بحاره، ولم أتحاشَ عن الإعادة في الإفادة عند الحاجة إلى البيان، ولا في ضبط الواضح عند علماء هذا الشأن، قصدًا لنفع الخاصِّ والعامِّ، راجيًا ثواب ذي الطَّوْل والإنعام.
فدونَك شرحًا قد أشرقت عليه من شرفات هذا الجامع أضواء نوره اللَّامع، وصدع خطيبه على منبره السَّامي بالحجج القواطع القلوب والمسامع، أضاءت بهجته، فاختفت منه كواكب الدَّراري، وكيف لا وقد فاض عليه النُّور من فتح الباري! على أنَّني أقول كما قال الحافظ أبو بكرٍ البَرقانيُّ:
وما ليَ فيهِ سوى أنَّني أَُ … راه هوًى وافق المقصدا
وأرجو الثَّواب بكتب الصَّلاةِ … على السَّيِّد المُصطفَى أحمدا
وبالجملة: فإنَّما أنا من لوامع أنوارهم مقتبِسٌ، ومن فواضل فضائلهم ملتمِسٌ، وخدمت
فإليك أيها الأخ الرَّفيق المعذرة ما وجدتَ زلَّةَ قدمٍ أو زلَّة فهمٍ أو سبقَ قلمٍ أو فلتةَ وهمٍ، فجائزٌ على أبناء جنسك ما تعهده أنت من نفسك، والإنسان محلُّ الخطأ والنِّسيان، وسمَّيتُ هذه الحاشية:
«نيل الأماني في توضيح مقدِّمة القسطلاني»
وعلى الله الاعتماد وإليه الاستناد
стр. 7
به الأبواب النَّبويَّة، والحضرة المُصطَفويَّة، راجيًا أن يُتوِّجني بتاج القبول والإقبال، ويجيزني بجائزة الرِّضا في الحال والمآل، وسمَّيته:
«إرشاد السَّاري لشرح صحيح البخاري»
واللهَ أسأل التَّوفيق والإرشاد إلى سلوك طريق السَّداد، وأن يعينَني على التَّكميل، فهو حسبي ونِعْمَ الوكيل.
وهذه مقدِّمةٌ مشتملةٌ على وسائل المقاصد، يهتدي بها إلى الإرشاد السَّالك والقاصد، جامعةٌ لفصولٍ، هي لفروعِ قواعد هذا الشَّرح أصولٌ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 8
الفصل الأوّل
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث
أقول مستمدًّا من الله تعالى الإعانة على التَّوفيق للإيضاح والإبانة:
قال ﵀: (الفصل الأول): يُطلق الفصلُ في اللُّغة على معانٍ منها الحاجز بين الشَّيئين كما في القاموس، والمصنِّفون يترجمون به أثناء الكتب؛ إمَّا لأنَّه نوعٌ من المسائل مفصولٌ عن غيره، أو لأنَّه ترجمةٌ فاصلةٌ بينه وبين غيره فهو بمعنى مفعول أو فاعل.
قوله: (أهل الحديث) سيأتي أنَّه في الاصطلاح: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وبينه وبين الحديث التَّالي الجناس التَّام، ووقع منه في القرآن كثير، وإن قال بعضهم لم يقع منه فيه إلَّا موضعان: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الرُّوم: ٥٥]، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النُّور: ٤٣ - ٤٤] إذ الأوَّلُ جمعُ «بصرٍ» والثَّاني جمعُ «بصيرةٍ»، فقد بُنيت سورة النَّاس عليه كما بيَّنه المفسرون، ووقع في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ﴾ الآية [آل عمران: ٧٨]، على ما ذكره بعض المفسِّرين من أنَّ المراد بالأوَّل المكتوب في التَّوراة وبالثَّاني نفس التَّوراة وبالثَّالث جنس الكتب الإلهيَّة وغير ذلك كما فصَّلناه في غير ما هنا (١).
قوله: (في القَدِيْمِ والْحَدِيْثِ)؛ أي: الزَّمن السَّابق واللَّاحق (والإِبَانَةُ) مصدرُ أَبَنْتُهُ، بمعنى أوضحته فهو بمعنى ما قبله. وفي «القاموس»: بَيَّنْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ واسْتَبَنْتُهُ: أوضحْتُهُ وعَرِفْتُهُ فبَانَ، وبَيَّنَ وتَبَيَّنَ وأَبَانَ واسْتَبَانَ كُلُّهَا لازمةٌ ومتعدِّيةٌ، والتِّبْيَانُ، ويفتح: مصدرٌ شاذٌ. انتهى.
فقوله: (لازِمَةٌ ومُتَعَدِّيَةٌ)؛ يعني: أنَّ هذه الأوزان الخمسة تُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتعدِّيةً؛ فيُقال: بَانَ الشَّيءُ وبِنْتُهُ، وأَبَانَ الشَّيءَ وأَبَنْتُهُ، وتَبَيَّنَ وتَبَيَّنْتُهُ، وبَيَّنَ الشَّيءَ وبَيَّنْتُهُ، واسْتَبَانَ الشيءَ واسْتَبَنْتُهُ.
وقوله: (والتِّبْيَان، ويفتحٍ مصدرٌ شاذٌ)؛ أي: مصدر لبَيَّنَ وهو بالكسر وفيه الفتحُ، ومجيءُ المصدرِ منهُ على هذا الوزنِ؛ -أي: التِّفعال- بالكسر شاذٌّ؛ فإنَّ المصادر إنَّما تجيء على التَّفْعَال بالفتح، قال في «الصّحاح»: ولم يجئ بالكسر إلَّا التِّبيان والتِّلقاء. انتهى.
وانْحصار تِفعال بالكسر في هذين اللَّفظين به جزم الجماهير من أئمَّة اللُّغة والصَّرف.
стр. 9
رُوِّينا عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأدَّاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه» رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ،
قوله: (نَضَّرَ اللهُ امْرءًا) امرؤ مُنَكَّرُ المرءِ؛ فإنَّه إذا دخل عليه الألف واللَّام سقطت الهمزة الَّتي كانت في أوله قبل دخولهما، قال ابن الطَّيّب: لأنَّ ألف الوصل إنَّما تدخل في (مرء) و (مرأة) إذا كانتا نَكِرَتين، وسُكِّن أوَّلهما من أجل حركة الإتْباع عند اجتماع السَّاكنين، وإذا عُرِّفَا بالألف واللَّام رُدَّا إلى الأصل فحُرِّك أوَّلُهُمَا واستُغني عن ألف الوصل فيهما وسقطت حركة الإتْباع من وَسَطِهِما؛ لذهابِ السَّاكنين كما يُفعل بالبنين والبنات، قال ابن دَرَسْتُوَيه: هكذا الاستعمال في المرء والمرأة؛ لأنَّهما اسمان صحيحان، فأمَّا سائر الأسماء الَّتي في أوَّلها ألف الوصل كابن وابنة فإنَّ التَّعريف يدخل عليها مع تسكين أوَّلها؛ لأنَّها معتلَّةٌ محذوفة الأواخر. انتهى.
قال القزَّاز: ومن العرب من يقول هذا الامرء الصَّالح، وهذه الامرأة. انتهى.
ثمَّ هو لا يُطلق على الأنثى إلَّا مجازًا، وما نقله ابن الأعرابيِّ أنَّه يُقال للأنثى «امرؤ» صريح بغرابته ونُدرته في «المُحكم» وغيره، ولا يجمع من لفظه لا جمعَ سلامة ولا جمع تكسير، وإنَّما يُثَنَّى فيقال: «مرآن» بإسقاط الألف أوَّله كما نبَّه عليه الجوهريُّ، وقال في «الفصيح»: وتقول: هو امرؤ وامرآن وقوم وامرأة ونسوة، قال شرَّاحه: يعني: أنَّ امرأً وامرأةً لا يُجمعان بلفظهما ولكن يستغنى عن ذلك بقوم ونسوةٍ، وهكذا استعمال العرب وهو خلاف القياس؛ لأنَّ امرأً وامرأةً اسمان بمنزلة ابن وابنة أولهما مسكن وألف الوصل داخل عليهما ومع ذلك جمعوهما على لفظهما فقالوا: أبناء وبنون ولكن تُرِك القياس فيهما. انتهى.
وقيل: سُمع جمع «المرء» على «مرؤون»؛ إلحاقًا له بجمع المذكَّر السَّالم، كأنَّهم اعتبروا فيه معنى الوصفيَّة بالمروءة من قال ذلك قال في المرأة أيضًا: «مَرَات» بحذف ألف الوصل وفتح الميم على الأصل، وقيل: في «المرأة» أيضًا «مَرَة» بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الرَّاء، والامرأة بدخول (ال) على امرأة المقرون بهمزة الوصل لكنَّها لغة ضعيفة، ومَرْأَةٌ كفتاةٌ كما في «إصلاح المنطق» وامراةٌ بألف بعد الرَّاء غير مهموز كما في «شرح الفصيح».
وإذا صُغِّرَ المرء والمرأة سقطت منهما ألف الوصل فقيل مُرَيْء ومريئة، قال الشَّاعر:
تَعَرَّضَتْ مُرَيْئَةُ الحَيَّاكِ … لناشئٍ دَمَكْمَكٍ نَيَّاكِ
стр. 10
وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ بلفظ: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع منَّا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في حجَّة الوداع: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ … » الحديثَ، رواه البزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث زيد بن ثابتٍ ﵁، وكذا رُوِي من حديث معاذ بن جبلٍ والنُّعمان بن بشيرٍ وجُبير بن مُطعمٍ وأبي الدَّرداء وأبي قِرصافة، وغيرهم من الصَّحابة ﵃، وبعض أسانيدهم صحيحٌ، كما قاله المنذريُّ، وقوله: «نضَّر الله» بتشديد الضَّاد المُعجمَة وتُخفَّف، والنُّضْرة: الحُسْن والرَّونق.
والنسبة إليه «مَرَئي» بفتح الراء -كما قاله الجوهريّ- وكذا النِّسبة إلى امرئ القيس ممن لُقِّبَ بذلك من الصَّحابة والشُّعراء جميعًا إلَّا ابن حُجْر الملك الضَّليل الشَّاعر الشَّهير فالنسبة إليه مرقسيّ كما نصَّ عليه في «القاموس» في باب السِّين، فاغتنم هذه الفوائد فإنَّها من ذخائر الفرائد.
قوله: (وَوَعَاهَا) في «القاموس»: وَعَى الشَّيءَ: حفظه وجمعه. انتهى.
فيُحتمل أن يكون ما هنا من الأوّل ويكون المراد بأحد الحفظين الاستحضار عن ظهر قلب وبالآخر عدم التَّفريط فيه، وأن يكون من الثَّاني ويكون المراد جمعُ ما تفرَّقَ منها أو جمعُ معانيها.
وقوله: (وَأَدَّاهَا)؛ أي: ألقاها إلى غيره وبلَّغها إياه.
قوله: (كَمَا سَمِعَهَا)؛ أي: من غيرِ تغييرٍ ولا زيادة ولا نقص لا في اللَّفظ ولا في المعنى، وهذا ممَّا اسْتُدِلَّ به على عدم جواز الرِّواية بالمعنى، وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللَّام: اسم مفعول.
وقوله: (أوعى)؛ أي: أحفظْ؛ أي: رُبَّ شخصٍ بلَّغه غيرُه الحديثَ يكون أحفظ ممَّن بلَّغه فينتفع هو ويُبلِّغ غيره وهكذا.
قوله: (والنُّضْرَة الحُسَن)؛ أي: ونَضَّرَ: مشتقٌ منه، فمعناه حسَّن الله … إلى آخره، والفعل منه كنَصَر
وكَرُمَ وفَرِحَ، ويُقال: نَضَّرهُ الله، ونَضَرَهُ، مُخفَّفًا ومشَّددًا، كما في «القاموس».
стр. 11
والمعنى: خصَّه الله تعالى بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نَضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يُناسب حالَه في المُعامَلة. وأيضًا: فإنَّ مَنْ حفظ ما سمعه وأدَّاه كما سمعه من غير تغييرٍ كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا، وخُصَّ الفقه بالذِّكر دون العلم؛ إيذانًا بأنَّ الحامل غيرُ عارٍ عن العلم، إذ الفقه علمٌ بدقائق العلوم المُستنبَطة من الأقيسة، ولو قال: غير عالم لَزِم جهله،
قوله: (والمعنى: خَصَّهُ اللهُ بِالْبَهْجَةِ … ) إلى آخره، أقولُ: لا بهجةَ في وجه التَّخصيص بل لا وجه له إلَّا لو قال: وخصَّ النَّبيُّ ﷺ هذا المرء بالدُّعاء، وبخصوص الدُّعاء بالنَّضرة … إلى آخره، والبهجةُ هي: الحسنُ والفرحُ، والفعل منه بمعنى الأول بَهُجَ -كَكَرُمَ- بهاجةً فهو بهيجٌ، وبمعنى الثَّاني -كفعله- فهو بهيج وبهج، وأما بَهَجَ -كمَنَعَ- فمعناه: أَفْرَحَ وسرَّ، والابتهاج: السُّرور، كما في «القاموس».
قوله: (فَجَازَاهُ في دِعَائِهِ … ) إلى آخره، وقد أجاب الله دعاء نبيِّه ﷺ ، قال سفيان بن عيينة: ليس من أهل الحديث أحدٌ إلَّا وفي وجههِ نضرة؛ لهذا الحديث. انتهى.
وإذا كان هذا في الدُّنيا فما بالك في الآخرة، وقد رُوي أنَّه: «يُوْضَعُ لَهُم مَنَابِرُ مِنْ نُوْرٍ يُحَدِّثُوْنَ عَلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ»، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]: ليس لأهل الحديث مَنْقَبَةٌ أشرفُ من ذلك؛ لأنَّه لا إمام لهم غيره ﷺ ، وناهيك بأنَّه العِلْمُ الموصل إلى الله تعالى والباحث عن تصحيح أقواله ﷺ وأفعاله والذَّابُّ عنه أن يُنْسَبَ إليه ما لم يقله، وسائر العلوم محتاجةٌ إليه، أمَّا الفقه فواضحٌ، وأمَّا التَّفسير فلأنَّ أولى ما فُسِّرَ به كلام الله تعالى ما ثبتَ عن نبيِّه ﷺ وأصحابه ﵃.
قوله: (غَضًّا) بفتح الغين وتشديد الضَّاد المعجمتين بمعنى طريًّا، قال في «القاموس»: والغضيض: الطَّري، والطَّلع النَّاعم كالغضِّ فيهما. انتهى.
قوله: (إذ الفِقْهُ عِلْمٌ بِدَقَائِقِ الأُمُوْرِ)؛ أي: بالأمور الدَّقيقة؛ -أي: الخفيَّة- لا بمطلق الأشياء، فلا يُقال مثلًا: فَقِهْتُ السَّماءَ والأرض، بخلاف العلم فأعمُّ، وهذا ما جرى عليه جماعة من اللُّغويِّين، إلَّا أنَّ التَّقييد بكون تلك الدَّقائق مستنبطة من الأقيسة كما ذكره الشَّارح لم أره لأحد منهم وكأنَّه سرى له من معناه الشَّرعيِّ، وقيل: الفقه هو العلم بالشيء مع الفهم له بخلاف العلم فأعمُّ، وقيل: هو شدَّة الفهم بخلاف العلم فمطلق الفهم، وعلى كلٍّ من هذه الأقوال فليس الفقه مرادفًا للعلم بلْ أخصُّ منه، فكلُّ فقيهٍ عالمٌ ولا عَكْسَ.
стр. 12
وقوله: «رُبَّ» وُضِعَت للتَّقليل، فاستُعيرَت في الحديث للتَّكثير، وقوله: «إلى من هو أفقه منه»
والظَّاهرُ أنَّ الفقه في الحديث مصدرٌ بمعنى اسم المفعول؛ أي: علمٌ مَفْقُوهٌ ومفهومٌ، وحينئذٍ فيكون معنى الرِّواية الأولى: رُبَّ حَامِلِ عِلْمٍ قَد فهمه فهمًا ما، يؤدِّيه إلى من هو أفقه وأفهم منه، فيفهم بذهنه الرَّائق وفكره الفائق من ذلك العلم معاني وأحكامًا قَصُرَ عنها مَن بَلَّغَهُ فيَعلمها هو وغيره، فتكثرُ الفائدة وتحصل الثَّمرة المقصودة من الحديث الشريف، وحينئذٍ فوجه التَّعبير بالفقه دون العلم ما قاله الشَّارح من الإيذان بأنَّ الحامل غير عارٍ عن العلم؛ أي: أنَّ حقَّه أن يكون كذلك، فهو حثٌّ له على التَّفقُّه فيما حمل ولا يكون كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ولو قال: رُبَّ حامل علم إلى مَن هو أعلم منه، لم يكن مؤذنًا بذلك كما لا يخفى، وأما الرِّواية الثَّانية فالمعنى فيها: ربَّ حامل علم عظيم قد اشتمل على معان كثيرة يفقه ويفهم منه نوعًا ما من الفهم إلَّا أنَّه قاصر الفهم ليس بكثير الفقه بحيث لا يتوصل إلى فهم جميع ما اشتمل عليه ما حمله، وإذا اقتصر على نفسه ضاع ذلك الفقه فليبلِّغه فرُبَّمَا بلَّغَهُ إلى مَن هو أفقه منه فآثر التَّعبير بالفقه أيضًا؛ إيذانًا بما ذكر، ولو عَبَّر بالعلم بأن قال: ربَّ حامل علم ليس بعالم، لفات ذلك المعنى بل تبادر التَّناقض من هذا المبنى إذ يصير الكلام رُبَّ عالمٍ ليس بعالم، هذا توضيح ما أشار إليه الشارح، وربما عَنَّ لك أن تقول: كان يتأدَّى ذلك لو قال في الرِّواية: الأولى: رُبَّ حامل علم إلى من هو أفقه منه، وفي الثَّانية: رُبَّ حامل علم ليس بفقيه؛ فإنَّ التَّفضيل في الأولى والمبالغة في الثَّانية يؤذنان بأنَّ الحامل له نوعٌ من الفقه والفهم لِمَا علمه فيظهر في الجواب أنَّه عبَّر بذلك ليُفيد تلك النُّكتة المقصودة، أعني: حثُّ حاملِ العلمِ على فهم ما حمل من أول وَهْلَةٍ؛ اهتمامًا بها مع ما فيه من حُسن التَّجانس دون ذاك.
هذا وذهب بعض اللُّغويين إلى أنَّ الفقه أَنْزَلُ من العلم كما نقله ابن الطَّيِّب في حواشي القاموس، وعليه فيظهر أنَّ وجه إيثاره على العلم حينئذٍ الإيذان بطلب نشر مُطلَق العلم النَّافع لا بقيد كونه على وجه مخصوص، فليُتأمَّل.
قوله: (وُضِعَت لِلتَّقْلِيلِ) هو أحد قولين، والمشهور أنَّها للتَّكثير، وقال الشَّارح نفسه في «كتاب العلم» ما نَصُّهُ: ورُبَّ حرفُ جرٍ يُفيد التَّقليل لكنَّه كَثُرَ في الاستعمال للتكثير بحيث غلب حتَّى صار كأنَّه حقيقة فيه. انتهى.
ولذا قيل:
خَلِيْلِي لِلْتَّكْثِيْرِ رُبَّ كَثِيْرَةٌ … وَجَاءَتْ لَتَقْلِيْلٍ وَلَكِنَّهُ يَقِلْ
وكذا ذكر الأشمونيُّ إذ قال: هي للتَّكثير كثيرًا وللتَّقليل قليلًا، فالأوَّل كقوله ﷺ : «يا رُبَّ
стр. 13
صفةٌ لمدخول «رُبَّ» استُغنِي بها عن جوابها، أي: رُبَّ حامل فقهٍ أدَّاه إلى مَنْ هو أفقه منه
كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٌ في الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ أي: لأنَّ الحديث مسوق للتَّخويف، والتَّقليل لا يُناسبه، والثَّاني كقوله:
أَلَا رُبَّ مَوْلُوْدٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ … ... … ... …
وعلى هذا لا استعارة في الحديث، وقيل: موضوعةٌ لهما سواء، وقيل: للتَّقليل مجازًا والتَّكثير حقيقة، وقيل: للتَّكثير في موضع المباهاة والتَّقليل فيما عداه، وقال في «القاموس»: لم تُوضع لتقليلٍ ولا لتكثيرٍ بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى.
قوله: (عَنْ جَوَابِهَا) المرادُ به: خبر المبتدأ الَّذي دخلت عليه رُبَّ، وكأنَّه سمَّاه جوابًا؛ تشبيهًا لرُبَّ
стр. 14
لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه، وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهمَّ ارحم خلفائي»، قلنا: يا رسول الله، ومَنْ خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي ويعلِّمونها النَّاس»، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، ولا ريبَ أنَّ أداء السُّنن إلى المسلمين نصيحةً لهم مِن وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمَنْ قام بذلك كان خليفةً لمن يبلِّغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء ﵈ أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن بطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوَّه، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبرَ همِّه نشرَ الحديث، فقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالتَّبليغ عنه، حيث قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً» الحديثَ، رواه البخاريُّ ﵀، قال المُظْهِريُّ: أي: بلِّغوا عنِّي أحاديثي ولو كانت قليلةً. قال البيضاويُّ ﵀: قال: «ولو آيةً» ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأنَّ الأمر بتبليغِ الحديثِ يُفهَم منه بطريق الأولويَّة، فإنَّ الآياتِ مع انتشارها وكثرةِ حَمَلَتِها، تكفَّل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضَّياع والتَّحريف. انتهىَ.
وقال إمام الأئمَّة مالكٌ رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ العلماء يُسأَلون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما يُسألُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال سفيان الثَّوريُّ: لا أعلم عملًا أفضل من علم (١) الحديث لمن
وخبر مدخولها بالشَّرط وجوابه لتوقف معناها عليه تَوَقُّفَ المبتدأ على الخبر، وتقدير الشَّارح المحذوف (أدَّاه) لا يضره كونه خاصًّا والعامل الخاصُّ لا يُحذف؛ إذ محله ما لم تدلَّ عليه قرينةٌ، إلَّا أنَّ كون ذلك صفة مستغنى بها عن الجواب الظَّاهر أنَّه غير متعيَّن بل يصحُّ أن يكون هو الجواب.
قوله: (خُلَفَائِي)؛ أي: الَّذين يخلفوني في الدِّين: جمع خليفة.
قوله: (الَّذِيْنَ يَرْوونَ أَحَادِيْثِي)؛ أي: فَهُم الخلفاء حقيقةً، ولذا كان المحدِّث في العصر الأولي يُلقَّب
стр. 15
أراد به وجه الله تعالى، إنَّ النَّاس يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام؛ لأنَّه فرض كفايةٍ، وفي حديث أسامة بن زيدٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَحملُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» (١)
بأمير المؤمنين؛ أخذًا من هذا الحديث، وممَّن لُقِّبَ بذلك سفيان وابن رَاهُوْيَه والبخاريُّ وغيرهم.
قوله: (فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوعِ بِالصَّلاةِ) بل قال أبو سعيد الخُدريُّ: مذاكرةُ الحديث أفضل من قراءة القرآن. ورُوي عن ابن عباس ﵄ قال: مذاكرةُ الحديث ساعةٌ خيرٌ من إحياءِ ليلةٍ.
قوله: (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) بفتح اللَّام فيما يُخلَف في الخير، وسكونها فيما يخلف في الشَّرِّ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [مريم: ٥٩].
وقوله: (عُدُوْلُهُ) بالرَّفع فاعل يحمل.
قوله: (الغَالِيْنَ) بالغين المعجمة؛ أي: الَّذين يغلون في الدِّين؛ أي: يتجاوزون الحدَّ.
قوله: (وانْتِحَالَ … ) إلى آخره، بالحاء المهملة، يُقَالُ: انْتَحَلَ الشَّيء وتَنَحَّلَهُ ادَّعاهُ لنفسه وهو لغيره؛ وأُريدَ به هنا الدَّعوى الكاذبة، والانتحال والتَّأويل والغلوُّ ترجعُ كلُّها لمعنى واحد، وهو تغيير لفظ الحديث أو معناه؛ لغرض من الأغراض الفاسدة.
стр. 16
وهذا الحديث رواه من الصَّحابة عليٌّ وابن عمر وابن عمرٍو وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجابر بن سَمُرة ومعاذٌ وأبو أُمامة وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عديٍّ من طرقٍ كثيرةٍ كلُّها ضعيفةٌ، كما صرَّح به الدَّارقطنيُّ وأبو نُعيمٍ وابن عبد البرِّ، لكن يمكن أن يتقوَّى بتعدُّد طرقه، ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائيُّ، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المَنْقَبَة العليَّة، وتعظيمٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين، وعلوِّ مرتبتهم في العالَمين؛ لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتون الرِّوايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين؛ بنقل النُّصوص المُحكَمة لردِّ المتشابه إليها.
وقال النَّوويُّ في أوَّل «تهذيبه»: هذا إخبارٌ منه ﷺ بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنَّ الله تعالى يوفِّق له في كلِّ عصرٍ خَلَفًا من العُدُول يحملونه، وينفون عنه التَّحريف فلا يضيع، وهذا تصريحٌ بعدالة حامليه في كلِّ عصرٍ. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النُّبوَّة، ولا يضرُّ كون
قوله: (وَيَكُوْنُ حَسَنًا)؛ أي: ولذا استدلَّ به ابن عبد البرِّ، ووافقه ابن الموَّاق من المتأخِّرين على أنَّ حامل كل علمٍ معروفُ العناية به فهو عدلٌ محمول في أمره أبدًا على العدالة حتَّى يتبيَّن جرحه.
стр. 17
بعض الفسَّاق يعرف شيئًا من علم الحديث؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهىَ.
على أنَّه قد يُقال: ما يعرفه الفسَّاق من العلم ليس بعلمٍ حقيقةً؛ لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ في تقرير قول «التَّلخيص»: وقد يُنزَّل العالم منزلة الجاهل، وصرَّح به الإمام الشَّافعيُّ في قوله: ولا العلم إلَّا مع التُّقى، ولا العقل إلَّا مع الأدب.
ولَعَمْري
قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ) رَدَّهُ العراقيُّ فقال: لا يصحُّ حمله على الخبر؛ لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبقَ له محمل إلَّا على الأمر، ومعناه: أنَّه أمر للثقات بحمل العلم؛ لأنَّ العلم إنَّما يُقبل عنهم، والدَّليل على ذلك أنَّ في بعض طرقه عند ابن أبي حَاتِم: «ليَحملْ هذا العلم» بلام الأمر. انتهى.
وهذا يَرُدُّ ما ذهب إليه ابنُ عبد البَرِّ.
قوله: (لَيْسَ بِعِلْمٍ حَقِيْقَةً) ليس المراد بالحقيقة الحقيقة اللَّفظيَّة بل المعنويَّة، فإنَّ الحقيقة والمجاز كما يأتيان في الألفاظ كذلك يَرِدَانِ في المعاني كما نقلته في «الفواكه الجنوية»، كما يقالُ في الحياة الحقيقية هي الأخروية لا الدنيوية ونحو ذلك.
وذكر ابن الصَّلاح في «فوائد رحلته» أنَّ بعضهم ضبط الحديث بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول ورفع «العلم»، وفتح العين واللام من «عَدُولَة» وآخره تاء فوقية -فعلة بمعنى فاعل-؛ أي: كامل في عدالته؛ والمعنى أنَّ هذا العلم يُحمل؛ -أي: يُؤخذ- عن كلِّ خلفٍ عدلٍ فهو أمر بأخذ العلم عن العدول، قال: والمعروف في ضبطه فتح ياء «يَحْمِلُ» مبنيًا للفاعل ونصب «العلمَ» مفعوله والفاعل «عدوله» جمع عدل. انتهى.
قوله: (وَلَعَمْرِي) اللام قسمية، و (العمر) في «القاموس»: بالفتح وبالضَّمِّ، وبضمتين: الحياة وجمعه أعمار. انتهى.
وفي «كليَّات أبي البقاء»: الفتح غالب في القسم ولا يجوز فيه الضَّمُّ. انتهى.
لكن في «شرح أدب الكاتب»: أنَّه سُمع نادرًا (لعُمرك) بضم العين.
وفي «نسيم الرِّياض»: العَمر بالفتح مصدر (عَمَّر) المشدَّد، وأصلُهُ (التَّعمير) فحُذفت زوائده؛ وله معنيان: تعمير الله إياك أو قلبك، وهو على هذا صفة من صفاته تعالى فيصحُّ القَسَم به حقيقة، وهذا ما جنح له الحنفيَّة والنُّحاة.
و (العُمر) بضمِّ العين؛ مخصوص بالإنسان وهو مدَّة وجوده في الدُّنيا فلا يصحُّ القَسم به شرعًا،
стр. 18
إنَّ هذا الشَّأن من أقوى أركان الدِّين، وأوثق عُرى اليقين، لا يَرْغَبُ في نشره إلَّا صادقٌ تقيٌّ، ولا يَزْهَدُه إلَّا كلُّ منافقٍ شقيٍّ، قال ابن القطَّان: ليس في الدُّنيا مبتدعٌ إلَّا وهو يُبغض أهل الحديث، وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدِّثين على حفظ الأسانيد لَدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «العلم ثلاثةٌ: آيةٌ مُحكمَةٌ أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ» رواه أبو داود وابن ماجه، قال في «شرح المشكاة»: والتَّعريف في «العلم» للعهد، وهو ما عُلِمَ من الشَّارع، وهو العلم النَّافع في الدِّين، وحينئذٍ العلم مطلقٌ، فينبغي تقييده بما يُفهَم منه المقصود، فيُقال: علم الشَّريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتَّقسيم حاصرٌ، وبيانه: أن قوله: «آيةٌ محكمةٌ» يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقَّف عليه معرفته؛ لأنَّ المُحكَمة هي التي أُحكِمت عبارتُها،
لكنَّ الله أَقسم به في قوله: ﴿لَعُمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] على قراءة ضمِّ العين، ولله أن يُقسم بما شاء، فأصله الضمُّ؛ لاختصاصه به في غير القسم فإذا أريد بالمفتوح هذا لا بأس أن يُقال إنَّه من قبيل معناه أو معدول به عنه، وإن لم يَرد هذا المعنى في قَسَمِ النَّاس صحَّ أن يقال إنَّه كناية؛ لتوقفه على النِّيَّة كالمشترك. انتهى.
وفي «القاموس»: في الحديث النَّهي عن قول لعمر الله.
قوله: (إنَّ هَذَا الشَأْنَ) (١)؛ أي: علمَ الحديث.
قوله: (عُرَى) بضم العين المهملة جمع عروة.
قوله: (إِلَّا وَهُوَ يُبْغِضُ أَهْلَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لمعارضة حديثه لما ينتحله في ترويج بدعته.
قوله: (مِنْ وَضْعِ الأَحَادِيثِ)؛ أي: مع اشتباهها بالصَّحيح وإضلال النَّاس بالعمل بها، وإلَّا فقد وضع كثيرون منهم كثيرًا منها، أو المراد أكثر ممَّا وضعوا.
قوله: (فَهُوَ فَضْلٌ)؛ أي: زائدٌ غير محتاج إليه.
قوله: (وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ)؛ أي: من العلوم كالنَّحو واللُّغة والبيان.
стр. 19
بأن حُفِظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمَّ الكتاب، فتُحمَل المتشابهات عليها وتُردُّ إليها، ولا يتمُّ ذلك إلَّا للماهر الحاذق في علم التَّفسير والتَّأويل، الحاوي لمقدِّماتٍ يُفتقَر إليها من الأصلين وأقسام العربيَّة، وقوله: «سُنَّةٌ قائمةٌ» معنى قيامها: ثَباتُها ودوامُها بالمُحافَظَة عليها، مِنْ «قامت السُّوق» إذا نَفَقَت؛ لأنَّها إذا حُوفِظ عليها كانت كالشَّيء النَّافق الذي تتوجَّه إليه الرَّغبات، ويتنافس فيه المحصِّلون بالطَّلِبات، ودوامُها: إمَّا أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرِّجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام مِنَ الصَّحيح والحسن والضَّعيف المتشعِّب منه أنواعٌ كثيرةٌ، وما يتَّصل بها من المتمِّمات ممَّا يُسمَّى علمَ الاصطلاح، ممَّا يأتي في الفصل الثَّالث إن شاء الله تعالى، وإما أن يكون بحفظ متونها من التَّغيير والتَّبديل؛ بالإتقان وتفهُّم معانيها واستنباط العلوم منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١) في هذا الشَّرح بعون الله سبحانه؛ لأنَّ جُلَّها بل كلَّها من جوامع كَلِمِهِ التي اختُصَّ بها، لا سيَّما هذه الكلمة الفاذَّة الجامعة -مع قِصَر متنها وقُرْب طرقها- علومَ الأوَّلين والآخرين، وقوله: «أو فريضةٌ عادلةٌ» أي: مستقيمةٌ مُستَنبَطَةٌ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وقوله: «وما سوى ذلك فهو فضلٌ» أي: لا مدخل له في أصل علوم الدِّين، بل ربَّما يُستعاذ منه حينًا، كقوله: «أعوذ بك من علمٍ لا ينفع»، ولله دَرُّ أبي بكرٍ حميدٍ القرطبيِّ، فلقد أحسن وأجاد حيث قال ﵀:
قوله: (من الأَصْلَيْن)؛ أي: التَّوحيدَ وأصولَ الفقهِ.
قوله: (الفَاذَّة) بالفاء والذَّال المعجمة المشدَّدة؛ أي: المنفردة.
стр. 20
نور الحديث مُبينٌ فَادْنُ واقتبسِ … واحْدُ الرِّكابَ له نحو الرِّضى النَّدِسِ
واطلُبْهُ بالصِّين فهْو العلم إن رُفِعَتْ … أعلامُه بِرُباها يا بن أندلسِ
فلا تُضِعْ في سوى تقييد شارِدِه … عُمْرًا يفوتك بين اللَّحْظ والنَّفَسِ
قوله: (فَادْنُ) أمرٌ من الدُّنوِّ وهو القُرب.
وقوله: (واقْتَبِسْ) أمرٌ من الاقتباس، وهو من النَّار الأخذ، ومن العلم الاستفادة.
قوله: (وَاحْدُ الرِّكَابِ) أُحْدُ أمرٌ من الحدو، يقال: حدا الإبل يحدوها وبها حدوًا: زجرها وساقها، فدال (احدُ) مضمومة، و (الرِّكاب) -ككتاب- الإبل كما في «القاموس»، قال: واحدتها راحلة. انتهى.
أي: لا واحد له من لفظه، وقيل واحده: ركوبة، وهي كالرَّكوب بالفتح: النَّاقة المعدَّة للحمل والرَّكوب كما في «العناية»، يقال: ما له ركوبة ولا حمولة ولا حلوبة؛ أي: ما يركبه ويحمل عليه ويحلبه.
وقوله: (نَحْوَ الرِّضى)؛ أي: جهة الرجل الرَّضيِّ؛ أي: المرضيِّ الأخلاق والأطوار.
وقوله: (النَّدس) بضم الدال المهملة وكسرها، وفيه السُّكون أيضًا بعد النُّون المفتوحة: وهو الرَّجل السَّريع الفهم، وفعله كفرح، كما في «القاموس»؛ وهو كناية عن التَّعب في تحصيله وأخذه عن الثِّقات ولو بتحمُّل المشاقِّ العديدة بالأسفار البعيدة وقد نوَّره بما بعده.
قوله: (وَاطْلُبْهُ) المأمور (ابن الأندلس) في قوله: يا ابن أندلس (بالصِّين) ولو بَعُدَت الشِّقة وعظمت المشقَّة (فهو العلم)؛ أي: النَّافع الَّذي لا ينبغي الجدُّ والاجتهاد في غيره (إن رفعت أعلامه) كنايةً عن العمل به وإظهاره ونشره للنَّاس، و (الرُّبى) بضم الراء جمع رَبْوة، مثَّلث الرَّاء كالرُّباوة: ما ارتفع من الأرض والضمير في (رُبَاها) للأَعْلَامِ جمع عَلَمَ بالتَّحريك وهو الرَّاية.
قوله: (فَلَا تُضِعْ) بضمِّ الفوقيَّة من الإضاعةِ، ومفعوله قوله: (عمر … ) إلى آخره، وقوله: (شَارِدَةٌ) بإضافةِ شاردٍ إلى الضَّمير العائد على علم الحديث؛ أي: ما شَرَدَ وتَفَرَّقَ منه.
стр. 21
وَخَلِّ سمْعَك عن بلوى أخي جَدِلٍ … شُغْلُ اللَّبيبِ بها ضَرْبٌ من الهَوَسِ
ما إنْ سَمَتْ بأبي بكرٍ ولا عمرٍ … ولا أتتْ عن أبي هِرٍّ ولا أَنَسِ
إلَّا هوًى وخصوماتٍ ملفَّقةٍ … ليست برطْبٍ إذا عُدَّتْ ولا يَبَسِ
فلا يغرَّك من أربابها هَذَرٌ … أجْدى وجدِّك منها نَغْمة الجَرَسِ
قوله: (وخَلِّ سَمْعَكَ … ) إلى آخره؛ أي: أفرغ سمعك، والمراد عدم السَّماع رأسًا.
وقوله: (عَنْ بَلْوَى أَخِي جَدَلٌ) هو بالجيم والدَّال محرَّكًا: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها، كما في «القاموس»؛ أي: عمَّا ابتُلي به صاحب الشِّدَّة في الخصومة والمجادلة.
وقوله: (شُغْلُ اللَّبِيْبِ) مبتدأٌ و (بها) متعلق به، والضمير للبلوى، و (ضربٌ)؛ أي: نوع (من الهوس) خبره، والجملة صفة لبلوى، والهوس بالتَّحريك: طرفٌ من الجنون واسم المفعول منه مُهْوَس، كمعظم، كما في «القاموس».
قوله: (مَا إِنْ سَمَتْ … ) إلى آخره، ما نافية، وإن زائدة، وسمت بمعنى علت، وضميره للبلوى المذكورة، فالجملة صفةٌ لها أيضًا، ويصحُّ أن يكون استئنافًا بيانيًّا؛ علَّة لعدم سماعها والاشتغال بها كأنَّه قال: لأنَّها لم تَسْمُ من السُّمو (بأبي بكر … ) إلى آخره، و (أبو هر) بكسر الهاء هو أبو هريرة ﵁؛ أي: لم تُسند إليهما أصلًا؛ لعدم وقوعها منهما ولو كان فيها خير لسبقانا إليها، فهي مجرد بدعة مذمومة ولو فرض أنَّهما تلبَّسا بهما إذ لا يتلبسان إلَّا بحَسن.
قوله: (لَيْسَت بِرَطْبٍ) بفتح الراء؛ أي: بشيء رطب. وقوله: (إذا عُدَّتَ) بضمِّ العين وتشديد الدَّال المهملتين، مبني للمجهول من العدِّ معترض بين المتعاطفين، و (اليبس) بالفتح والكسر الَّذي كان رطبًا فجفَّ، والمعنى: ليست شيئًا من الأشياء رطبها أو يابسها، فنزَّلها منزلةَ العدم.
قوله: (هَذَرٌ) بتحريك المعجمة؛ وهو سقط الكلام، أو الكثير الرَّديء، يٌقال: هَذِرَ كلامه كَفَرِحَ يهذر، ويهذر بالكسر والضم هذرًا كَثُر في الخطأ والباطل.
стр. 22
أَعِرْهُمُ أُذُنًا صُمًّا إذا نطقوا … وكُنْ إذا سألوا تُعزَى إلى خَرَسِ (١)
ما العلم إلَّا كتاب الله أو أَثَرٌ … يَجْلُو بنور هُدَاه كلَّ ملتبِسِ
نورٌ لُمقتبِسٍ، خيرٌ لُملتمِسٍ … حِمًى لمُحترِسٍ، نُعْمَى لمُبْتَئِسِ
فاعكُف ببابِهما على طِلابِهما … تَمْحُ العَمَى بهما عن كلِّ ملتمِسِ (٢)
وقوله: (أَجْدَى) بالجيم السَّاكنة أفعل تفضيل من الجِدَّةِ؛ أي: أنفع منها، وهو مبتدأ خبره (نغمة الجرس) بفتح النُّون وسكون الغين المعجمة، والجَرَس بالجيم والرَّاء المفتوحتين الَّذي يُعلَّق في عنق البعير ويضرب به أيضًا، وما بينهما قسمٌ بحياة الجدِّ معترض بينهما؛ يعني: أنَّ سماع صوت هذا الجرس أنفع من سماع الجدليَّات المذكورة.
قوله: (أَعِرْهُم) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة أمرٌ من العارية، والضَّمير في (هم) لأهل الجدل؛ أي: إذا أفضى بك الحال إلى سماعهم فسدَّ أذنك وأعطها إيَّاهم عارية، وهو كناية عن عدم الإصغاء إليهم بالكلِّيَّة.
وقوله: (وَكُنْ إِذَا سَأَلَوا تُعزى إلى خَرَسٍ)؛ أي: تُنسب إلى عدم النُّطق؛ أي: إذا سألوك وأرادوا خطابك فأَرِهم أنَّك أخرس لا تطيق الكلام، والمعنى لا تَسمع لقولهم ولا تخاطبهم أصلًا.
قوله: (أو أَثَرٍ)؛ أي: حديثٍ، وقوله: (يَجْلُو) بالجيم؛ أي: يُزيل، والمُلْتَبِس بكسر الموحدة: المُشتبه.
قوله: (نورٌ لمُقْتَبَسٍ) خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي هما؛ أي: كتاب الله والأثر نورٌ … إلى آخره، والمُلْتَمس: الطَّالب للشَّيء، والحِمَى: ما يُحمى عن الغير، والمُحْتَرِس: المتحفِّظ.
وقوله: (نُعْمَى) بضم النون وسكون العين المهملة؛ أي: نعيم.
وقوله: (لِمُبْتَئِسِ) بسكون الموحَّدة وفتح الفوقيَّة بعدها همزة مكسورة آخره مهملة؛ أي: فقير.
قوله: (فاعْكُف) بضمِّ الكاف؛ أي: أَقِم.
وقوله: (بِبَابِهِمَا)؛ أي: باب أربابهما.
وقوله: (عَلَى طِلَابِهِمَا) متعلقٌ بـ (اعكف) والطِّلاب كالمطالبة: طلب الإنسان حقّه.
стр. 23
وَرِدْ بقلبك عَذْبًا من حياضه … ماتَغْسِل بماء الهدى ما فيه من دنَسِ
واقْفُ النَّبيَّ وأتباع النَّبيِّ وكُنْ … من هديهم أبدًا تدنو إلى قَبَسِ
والزم مَجالسَهم واحفظ محاسنهم … واندُب مدارسَهم بالأربُع الدُّرُسِ
واسلك طريقهمُ واتْبعْ فريقهمُ … تكن رفيقهمُ في حَضْرةِ القُدُسِ
تِلكَ السَّعادةُ إن تُلْمِم بساحتها … فَحُطَّ رَحْلكَ قد عُوفِيت من تَعَسِ
وقوله: (تَمْحُ الْعَمَى) مجازٌ عن الضَّلالة والجهل. وقوله: (عَنْ كُلِ مُلْتَمِسٍ)؛ أي: طالب محو عماه.
قوله: (وَرِدْ) بكسر الرَّاء أمر من الورود، والدَّنس محرَّكًا: الوسخ، يُقال: دنس الثَّوب والعِرض والخُلِق كفرح، دَنَسًا ودَنَاسة فهو دَنِسٌ: اتَّسخ ودَنِسَ ثوبه وعرضه تدنيسًا: فُعِلَ به ما يشينه.
قوله: (واقْفُ النَّبيَّ) بضمِّ الفاء أمرٌ من القفو وهو التَّتبُّع، يقال: قَفَوْتَهُ قَفْوًا وقُفُوًّا بفتحٍ فسكون، وبضمَّتين وشدِّ الواو: تبعته كتقفَّيته واقتفيته.
قوله: (إِلَى قَبَسٍ) مجازٌ عن النُّور، وهو بفتح القاف والموحَّدة.
قوله: (والْزَمْ مَجَالِسَهُم) بفتح الميم جمع مجلس، والثَّاني بضمِّها بمعنى: الَّذي يُجالسهم.
قوله: (وانْدُبْ مَدَارِسَهُم) أمرٌ من النُّدْبَةِ بالضَّمِّ، وهي بكاء الميت وعدُّ محاسنه، والمدارس جمع مدرسة، وهي محل دراسة العلوم.
وقوله: (بالأربُع)؛ أي: مع الأربع بضمِّ الموحَّدة، جمع رَبْع -بفتح الرَّاء وسكون الموحَّدة-: الدَّار حيث كانت، وجمعه أَرْبُع ورِبَاع ورُبُوع، والدُّرس بضمِّ الدَّال والرَّاء؛ أي: الدِّراسة الذَّاهبة من قولهم: دَرَسَ الرَّسمُ، كذهب وزنًا ومعنىً كنايةً عن التَّأسُّف على مَن فاتك منهم.
قوله: (فِيْ حَضْرَةِ القُدُسِ) بضمَّتين من إضافة الموصوف لصفته؛ أي: في الحضرة المقدَّسة؛ أي: المُطهَّرة من النَّقائص، وهي حضرة ذي الجلال والإكرام.
قوله: (تِلْكَ السَّعَادَة)؛ أي: هذه الخصال المذكورة من العكوف على بابهما … إلى آخره، هي السَّعادة؛ أي: أسباب السَّعادة، أو: هي مبالغة على حدِّ: زيدٌ عدلٌ.
وقوله: (إِنْ تُلْمَم) بضمِّ الفوقيَّة مِن ألمَّ بالمكان نزل به؛ أي: متى جئت إلى تلك السَّاحة (فحطَّ
стр. 24
ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ (١) حسنٌ غريبٌ، وفي سنده موسى بن يعقوب الزَّمعيُّ، قال الدَّارقطنيُّ: إنَّه تفرَّد به، وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: في هذا الحديث بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أولى النَّاس برسول الله ﷺ في القيامة أصحابُ الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاةً عليه منهم. وقال غيره: المخصوص بهذا الحديث نَقَلَة الأخبار الذين يكتبون الأحاديث، ويذبُّون عنها الكذب آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، وقال الخطيب في كتابه «شرف أصحاب الحديث»: قال لنا أبو نُعيمٍ: هذه مَنقَبةٌ شريفةٌ يختصّ بها رواة الآثار ونَقَلتُها؛ لأنَّه لا يُعرَف لِعصابةٍ من العلماء من الصَّلاة على رسول الله ﷺ أكثر ما يُعرَف لهذه العِصابة نسخًا وذكرًا، وقال أبو اليُمْن بن عساكرَ:
رحلك) يُكنَى به عن الإقامة، والمراد قد أوتيت سؤلك وصادفت حاجتك وسعادتك الحقيقية فالزمها، فإذا ألزمتها فـ (قد عوفيت من تَعْسٍ) بالفوقيَّة والعين المهملة محرَّكًا؛ أي: خيبة.
قوله: (الزَّمْعِي) بفتح الزَّاي وسكون الميم وبالعين المهملة، نسبة لجده وهب بن زمعة القرشيِّ، كما في «اللُّباب».
قوله: (نَسْخًا)؛ أي: كتابة، وقد ورد: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَل الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ»، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهو ممَّا يَحسن إيراده في ذلك المعنى، قال الحافظ السُّيوطيُّ: ولا يلتَفَتُ إلى ذكر ابن الجوزي له في «الموضوعات» فإنَّ له طُرقًا تُخرجه عن الوضع وتقتضي أنَّ له أصلًا في الجملة، فأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث أبي هريرة وأبو الشَّيخ والدَّيلميُّ من طريق أخرى عنه، وابن عديٍّ من حديث أبي بكر الصِّدِّيق، الأصبهانيُّ في «ترغيبه» من حديث ابن عبَّاس، وأبو نُعيم من حديث عائشة ﵂، وقد روي من طريق صحيح (٢) عن أنس يرفعه: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ أَصْحَابُ الْحَدِيْثِ وَبِأَيْدِيْهِم الْمَحَابِرُ فَيُرْسِلُ الله إِلَيْهِمْ جِبْرِيْلَ
стр. 25
لِيُهْنَ أهل الحديث كثَّرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتمَّ الله تعالى نِعَمَه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنَّهم أولى النَّاس بنبيِّهم ﷺ ، وأقربهم -إن شاء الله تعالى- وسيلةً يوم القيامة إلى رسول الله ﷺ ، فإنَّهم يخلِّدون ذكره في طروسهم (١)، ويجدِّدون الصَّلاة والتَّسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفِرقةُ النَّاجية، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، آمين.
فَيَسْأَلُهُمْ مَنْ أَنْتُم؟ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَصْحَابَ الْحَدِيْثِ. فَيَقُوْلُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ طَالَمَا كنْتُم تُصَلُّوْنَ عَلَى نَبِيِّي فِي دَارِ الدُّنْيَا».
تنبيه: ينبغي أن يَجمعَ عند ذكره ﷺ بين الصَّلاة عليه ببنانه ولسانه ولو لم تكن مكتوبة في الأصل كما سبق فيكتبها ويتلفَّظ بها مطلقًا، قال ابن عبَّاس العنبريُّ وابن المدينيُّ: ما تركنا الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في كلِّ حديث سمعناه وربَّما عَجَّلنا فَنُبَيِّضُ الكتاب في كل حديث حتَّى نرجعَ إليه.
قوله: (لِيَُهَن أهلَ الْحَدِيْثَ … ) إلى آخره، يهن بضم الياء، وأهل الحديث بالنَّصب مفعول مقدَّم، و (هذه البُشْرَى) بالرَّفع فاعل مؤخَّر، و (كَثَّرَهُم الله) جملة دعائية؛ أي: لتكن هذه البشرى مهنئة لهم؛ والمراد: ليكونوا مهنئين بها.
стр. 26
الفصل الثَّاني
في ذكر أوَّل مَن دوَّن الحديث والسُّنن ومَن تلاه في ذلك سالكًا أَحْسَنَ السُّنن
(الفصل الثاني)
قوله: (مَنْ دَوَّنَ الأَحَادِيْثَ) بفتح الدَّال والواو المشدَّدة؛ أي: ذكرها في الدَّواوين، أو: جعلها دواوين جمع ديوان؛ وهو الكتاب، وأصله: ما تعلَّق بحقوق السَّلطنة في الأعمال والأموال ومَن يقوم بها من الجيوش والعمَّال كما في الباب الثَّاني عشر من «الأحكام السُّلطانيَّة» للماورديِّ، ثمَّ أُطلق على الدفتر ثم قيل لكل كتابٍ، وقد يخص بشعرِ شاعرٍ معين مجازًا، وشاع حتى صار حقيقة فيه، فمعانيه خمسة كما في «الشِّفاء»: الكَتَبَة، ومحلهم، والدَّفتر، وكلُّ كتاب، ومجموع الشِّعر.
وهل هو عربيٌّ أو معرَّب من الفارسيِّ؟ خلافٌ مشهور.
والأحاديث جمع حَدِيث، وهو لغة ضدُّ القديم، واصطلاحًا: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا؛ -أي: عدم إنكار لما فُعِل بحضرته ﵊ أو في غيبته وبَلَغه- أو هَمًّا؛ -أي: عزمًا كقوله ﷺ : «وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ» - أو وَصْفًا خَلقيًّا -بفتح الخاء ككونه ﵊ ليس بالطَّويل ولا بالقصير- أو خُلُقيًّا -بضمَّتين؛ أي: متعلِّقًا بخُلُقه وطبعه الشَّريف ككونه أحسن النَّاس خُلقًا وكونه كان لا يُواجه أحدًا بمكروه وغير ذلك-.
قوله: (وَالسُّنَن) جمع سُنَّة وهي لغةً: الطَّريق، وأمَّا اصطلاحًا فقيل: إنَّها مرادفة للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، وقيل: الحديث خاصٌّ بفعله وقوله ﵊، والسنَّة أعمُّ منهما.
قوله: (وَمَنْ تَلَاهُ)؛ أي: تَبِعَهُ؛ أي: من دَوَّنَ.
وقوله: (فِيْ ذَلِكَ)؛ أي: التَّدوين.
وقوله: (أَحْسَنَ السُّنَنِ) بالضَّمِّ جمع سُنَّة بمعنى الطَّريقة، فالمراد بها هنا المعنى اللُّغويُّ وفي الأوَّل المعنى الاصطلاحيُّ، وهو أحسنُ من قراءته بفتحتين بمعنى الطريق.
стр. 27
اعلم أنَّه لم يَزَلِ الحديث النَّبويُّ -والإسلامُ غضٌّ طريٌّ، والدِّين مُحكَمُ الأساسِ قويٌّ- أشرفَ العلوم وأجلَّها لدى الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم خلفًا بعد سلفٍ، لا يشرُف بينهم أحدٌ بعد حفظ التَّنزيل إلَّا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النُّفوس إلَّا بحسب ما سُمِعَ من الحديث عنه، فتوفَّرت الرَّغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلُّمه، حتَّى رحلوا المراحل ذوات العدد، وأفنَوا الأموال والعُدَد، وقطعوا الفيافي في طلبه، وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه،
قوله: (والْإِسْلَامُ غَضٌّ … ) إلى آخره، جملة حالية معترضة بين اسم (زال) وخبرها وهو أشرف العلوم.
قوله: (لا يَشْرُفُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه؛ أي: لا يصير شريفًا.
قوله: (بَعْدَ حِفْظِ التَّنْزِيْلِ)؛ أي: القرآن.
قوله: (إِلَّا بِحَسَبِ مَا سُمِعُ مِنَ الحَدِيْثِ عَنْهُ)؛ أي: إلَّا بحسب ما يُروى عنه من الأحاديث كَثْرَةً وقلَّة وصحَّةً وضعفًا؛ فكلَّما أكثر من الحديث تحمُّلًا وأداءً وعُني بمعرفة رجاله ومتنه كان أجلَّ عندهم وأشرفَ وبالعكس.
قوله: (وانْقَطَعَت الهِمَمُ … ) إلى آخره، لعلَّه ضمَّنَهُ معنى قصرت فعَدَّاهُ بعَلَى، وإلَّا فكان حقُّهُ التَّعدية باللَّام.
قوله: (ذَوَاتِ العَدَدِ) بفتح العين؛ أي: المعدودة؛ والمراد الكثيرة وإن كان ذلك كناية عن القلَّة بإشارة قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وقوله: (والعُدد) بضمِّ العين جمع عُدَّة بضمِّها وفتح الدَّال مشدَّدة، وهي ما يعِدُّه الإنسان للأمر من مال وغيره.
قوله: (وَقَطَعُوا الفَيَافِي) بفاءين جمع فيفاء بالمد ويُقصر، كما في «القاموس» وهي: المفازةُ لا ماءَ فيها كالفيفاة، ويُجمع أيضًا على أفياف وفيوف.
قوله: (وَجَابُوا)؛ أي: قطعوا بمسيرهم.
стр. 28
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والأصل في الرِّحلة ما رواه البيهقيُّ والخطيب عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رسول الله ﷺ لم أسمعه فابتعت بعيرًا فشددت عليه رحلي وسرت شهرًا حتَّى قَدِمتُ الشَّام، فأتيت عبد الله بن أُنَيس فقلت للبوَّاب: قل له: جابر على الباب، فأتاه فقال: جابر بن عبد الله؟! فأتاني فقال لي فقلت: نعم، فرجع فأخبره، فقام يطأُ ثوبه حتَّى لقيني، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص لم أسمعه فخشيتُ أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَحْشُرُ اللهُ الْعِبَادَ، أو قال: النَّاس عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قُلْنَا: ما بُهْمًا؟ قال: ليس مَعَهُمْ شيء، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ رَبُّهُم بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ من قَرُبَ: أنا الْمَلِكُ أنا الدَّيَّانُ لَا ينبغي لأَحَدٍ من أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلأَحَدٍ من أَهْلِ النَّارِ عِندَهُ مَظْلَمَةٌ حتى أَقُصَّها مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ، قُلْنَا: كَيْفَ وإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».
واستدلَّ البيهقيُّ أيضًا برِحلة موسى إلى الخَضِر.
وروي أيضًا من طريق عيَّاش عن واهب بن عبد الله المعافريِّ قال: قَدِم رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ من الأنصار على مَسْلمة بن مَخْلد فألفاه نائمًا، فقال: أيقظوه. فأيقظوه، فرحَّب به وقال: انزل، قال: لا حتَّى تُرسل إلى عقبة بن عامر لحاجة لي، فأرسل إلى عقبةَ فأتاه فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وَجَدَ مُسْلِمًا على عَوْرَةٍ فَسَتَرَه فَكَأَنَّمَا أَحْيَا مَوْؤُودَةً من قَبْرِهَا»، فقال عُقبة: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك (١).
وسأل عبد الله بن أحمد أباه عمَّن طلب العلم: ترى له أن يلزم رجلًا عنده علمٌ فيكتب عنه؟ أو ترى له أن يرحل إلى المواضع الَّتي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال: يرحل يكتب عن الكوفيِّين والبصريِّين وأهل المدينة ومكَّة.
قال إبراهيم بن أدهم: إنَّ الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.
قال الخطيب: والمقصود بالرِّحلة أمران:
أحدهما: تحصيل علوِّ الإسناد وقِدَم السَّماع.
والثَّاني: لقاء الحفَّاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلدةٍ ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرِّحلة أو موجودين في كلٍّ منهما فليُحَصِّل حديثَ بلده ثمَّ يرحلُ.
стр. 29
وكان اعتمادُهم أوَّلًا على الحفظ والضَّبط في القلوب والخواطر، غير مُلْتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يَسْطُرونه، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم، فلمَّا انتشر الإسلام واتَّسعت الأمصار، وتفرَّقت الصَّحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوحات، ومات معظم الصَّحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضَّبط واتَّسع الخَرْق، وكاد الباطل أن يلتبس بالحقِّ؛ احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، فمارسوا الدَّفاتر،
قوله: (وَكَانَ اعتِمَادَهُم)؛ أي: السَّلف والخلف (١).
وقوله: (أوَّلًا)؛ أي: في أوَّلِّ الأمر قبل انتشار الإسلام وتَفَرُّقُ الصَّحابةِ في الأمصار فكانت كتابة الحديث إذ ذاك قليلة؛ لما ذكره الشَّارح من سرعة حفظهم، ولأنَّ أكثرهم كان لا يحسن الكتابة، ولوقوع الخلاف بين السَّلف في كتابة الحديث؛ فقد كَرِهَهَا طائفةٌ منهم؛ لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تَكْتُبُوا عنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ، فَمَنْ كَتَبَ عنِّي شَيْئًا غير الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»، وأباحها آخرون؛ لحديث ابن عمرو قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيءَ أَفَأَكْتُبُهُ؟ قال: «نعم». قلت: في الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قال: «نعم؛ فإنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إلَّا حَقًّا».
وحديث رافع بن خَدِيج قال: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ فقال: «اكْتُبُوا وَلا حَرَجَ».
وأسند الدَّيلميُّ عن عليٍّ مرفوعًا: «إِذَا كَتَبْتُم الْحَدِيْثَ فَاكْتُبُوْهُ بِسَنَدِهِ».
ثمَّ أجمعوا بعد ذلك على جوازها وزال الخلاف وجمعوا بين هذه الأحاديث؛ بأنَّ الإذن لمن خافَ نسيانه، والنَّهي لِمَن أمن ووَثِقَ بحفظه، أو النَّهي خاصٌّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه، والإذن في غيره.
قوله: (فَمَارَسُوا الدَّفَاتِرَ) جمعُ دفتر -بفتح الدَّال وقد تُكسر، كما في «القاموس» - وهو جماعة
стр. 30
وسامروا المحابر، وأجالوا في نظم قلائده أفكارَهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارَهم، واستغرقوا لتقييده ليلَهم ونهارَهم، فأبرزوا تصانيفَ كَثُرَت صنوفُها، ودوَّنوا دواوين ظهرت شفوفها، فاتَّخذها العالَمُون قدوةً،
الصُّحف المضمومة.
وفي «المصباح»: الدَّفتر: جريدة الحساب، وكَسْرُ الدَّال لغةٌ حكاها الفرَّاء وهو عربيٌّ، قال ابن دُريد: ولا يُعرف له اشتقاق، وبعض العرب يقول تفتر. انتهى.
وفي «شفاء الغليل»: الدَّفتر: عربيٌّ صحيح وإن لم يُعْرف اشتقاقه، وجعله الجوهريُّ واحد الدَّفاتر، وهي الكراريس. انتهى.
قوله: (وسَامَرُوا المَحَابِرَ) من المُسَامرة، وهي الحديث ليلًا، كُنِّيَ به عن الملازمة، والمحابر: بالمهملة -جمع محبَرة بفتح الباء- موضع الحبر، قال في «القاموس»: وحُكي فيها مَحْبَرَة كمقبرة، وتُشدَّد الراء.
وفي نسخةٍ: (وسابر) بالموحدة بدل الميم من المسابرة؛ وهي اختبار الشَّيء، كُنِّي به عن الملازمة والمصاحبة.
قوله: (ظَهَرَت شُفُوفُهَا) الشُّفُوف بضمِّ الشِّين المعجمة والفاء جمع شفّ بالفتح وبكسر؛ الثَّوب الرَّقيق، فَتَجَوَّزَ بِهِ عن الثَّوب الَّذي يُتزيَّن به، فيكون المعنى ظهرت زينتها وبهجتها، أو عن الأوراق أو الجلود ثمَّ تجوَّز بها عمَّا تضمَّنته من الأحاديث والأحكام، فيكون المعنى: ظهر وانتشر في الأقطار ما فيها.
قوله: (العَالَمُونَ) بفتح اللَّام جمع عَالَم بالفتح أيضًا، وما بعده بالكسر جمع عالم ولا مانع من العكس، و (القُدْوَةُ) بضمِّ القاف: الاقتداء.
стр. 31
ونصبها العاملون قبلةً، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسن ما جزى (١) به علماءَ أمَّةٍ وأحبارَ ملَّةٍ.
وكان أوَّل من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة عمر بن عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه خوفَ اندراسه، كما في «الموطَّأ» رواية محمَّد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزمٍ: أنِ انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه فاكتبه؛ فإنِّي خِفتُ دُروسَ العلم
قوله: (قِبْلَة)؛ أي: كالقِبلة يتوجَّهون إليها ويفزعون لها في أحوالهم وأحكامهم كما يتوجَّه المصلُّون إلى قبلتهم.
قوله: (وأَحْبَار مِلَّةٍ) جمع حبر -بفتح الحاء وكسرها- العالم.
قوله: (عُمَر بن عبد العزيز) على رأس المئة الأولى، كما في «شرح التَّقريب» ولولاه لضاع الحديث، ولذا دخل فيه الضَّعيف والشَّاذُّ ونحوهما ولو كتب في حياته ﷺ لكان مضبوطًا كالقرآن.
قوله: (إِلَى أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: الأنصاريِّ المدنيِّ المتوفَّى سنة اثنتين ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان أبو بكر نائب عمر بن عبد العزيز في الإمارة والقضاء على المدينة الشَّريفة.
قوله: (انْظُرْ مَا كَانَ) زاد الكُشميهَني: «عندك»؛ أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّة وعلى الثَّانية ناقصة و «عندَك» الخبر.
قوله: (دُرُوْس) بضمِّ الدَّال مصدر دَرَسَ، كفَتَرَ؛ أي: ذَهَبَ.
стр. 32
وذهابَ العلماء، وأخرج أبو نُعيم في «تاريخ أصبهان» عن عمر بن عبد العزيز: أنَّه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه. وعلَّقه البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦٣/ ٣٤ - ١٧٩]. فيُستفاد منه كما قال الحافظ ابن حجرٍ ابتداءَ تدوين الحديث النَّبويِّ. وقال الهرويُّ في «ذمِّ الكلام»: ولم تكن الصَّحابة ولا التَّابعون يكتبون الأحاديث، إنَّما كانوا يؤدُّونها حفظًا ويأخذونها لفظًا، إلَّا «كتاب الصَّدقات»، والشَّيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتَّى إذا خِيف عليه الدُّروس، وأسرع في العلماء الموتُ؛ أَمَرَ عمرُ بنُ عبد العزيز أبا بكر بن محمَّدٍ فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنَّةٍ أو حديثٍ فاكتبه. وقال في «مقدَّمة الفتح»: وأوَّل من جمع في ذلك الرَّبيع
وقوله: (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ)؛ أي: موتهم، وقد كان الاعتماد إنَّما هو على الحفظ فخاف أن يموت العلماء الحافظون له فيذهب ويفنى فأَمر بكتابته.
قوله: (وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ)؛ أي: أتى به محذوف السَّند، وسيأتي تعريف المعلَّق وذلك أنَّه قال: باب كيف يقبض العلم، وكتب عمر بن عبد العزيز … إلى آخره، ما هنا بلفظه.
قوله: (ابْتِدَاءُ تَدْوِيْنِ الحَدِيْثِ النَّبَوِي) قال ابن حجر أيضًا: وأوَّلُ مَن دوَّنه بأمر عمر بن عبد العزيز ابنُ شهاب الزهري. انتهى.
قوله: (إِلَّا كِتَابَ الصَّدَقَاتِ) هو ما كتبه النَّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبل لمَّا وجَّهه إلى اليمن؛ لجلب صدقاته، وبيَّن له فيه ما يأخذه من أنواع النَّعم، وهو مبسوط في كتبنا الفقهيَّة، وسيأتي للمصنِّف تخريجه.
قوله: (وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ فِي ذلك الرَّبيع … ) إلى آخره، قال في «شرح التَّقريب»: فأَوَّلُ مَن جمعَ ذلك ابن جُريج بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والرَّبيع بن صَبيح أو سعيد بن أبي عَروبة أو حمَّاد
стр. 33
بن صَبيح وسعيد بن أبي عَروبة وغيرهما، وكانوا يصنِّفون كلَّ بابٍ على حِدَةٍ، إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطَّبقة الثَّالثة، وصنَّف الإمام مالك بن أنس «الموطَّأ» بالمدينة، وعبد الملك بن جريجٍ بمكَّة، وعبد الرَّحمن الأوزاعيُّ بالشَّام، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، وحمَّاد بن سلمة بن دينارٍ بالبصرة، ثمَّ تلاهم كثيرٌ من الأئمَّة في التَّصنيف، كلٌّ على حسب ما سَنَحَ له،
بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، والأوزاعيُّ بالشَّام، وهُشيم بواسط، ومَعْمَر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرّيِّ، وابن المبارك بخراسان. قال العراقيُّ وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يُدرى أيُّهُم سبق. ثمَّ تلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمَّة أن تُفرد أحاديث النَّبيِّ ﷺ خاصَّة وذلك على رأس المئتين؛ فصنَّف عُبيد الله بن موسى الكوفيُّ مسندًا، وصنَّف مُسَدَّد البصريُّ مسندًا، وأسد بن موسى مسندًا، ونُعيم بن حمَّاد الخزاعيُّ المصريُّ مسندًا، ثمَّ اقتفى الأئمَّة آثارهم، فقلَّ إمام إلَّا وصنَّف حديثه على المسانيد كأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وابن أبي شيبة وغيرهم.
قال: قلت: وهؤلاء المذكورون في أوَّل مَن جَمَعَ كُلُّهُم في أثناء المئة الثَّانية، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنَّه وقعَ على رأس المئة في خلافة عُمر بأمره. انتهى ملخصًا. ثم قال بعد ذلك بأسطر: قال في فتح الباري: يُستفاد من ذلك ابتداء تدوين الحديث النَّبويِّ، ثمَّ أفاد أنَّ أوَّل من دوَّنه بأمر عمر ابن عبد العزيز ابنُ شهاب الزُّهريُّ. انتهى.
أقول: فلعلَّ ابن شهاب أوَّلُ مَن جمع على الإطلاق، ثمَّ تبعه هؤلاء أو أنَّه جَمع جمعًا مطلقًا من غير ترتيب على أبواب، وهؤلاء جمعوا مع التَّبويب فيكون هو أوَّلُ من جمع مطلقًا وأولئك أوَّل من جمع مبوَّبًا.
قوله: (مَا سَنَحَ لَهُ) بمهملتين؛ أي: عَرَضَ.
стр. 34
وانتهى إليه علمه، فمنهم من رتَّب على المسانيد (١)، كالإمام أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وأحمد بن منيعٍ، وأبي خيثمة، والحسن بن سفيان، وأبي بكرٍ البزَّار وغيرهم، ومنهم من رتَّب على العلل؛ بأن يجمع في كلِّ متنٍ طرقَه واختلافَ الرُّواة فيه، بحيث يتَّضح إرسال ما يكون متَّصلًا، أو وقف ما يكون مرفوعًا أو غير ذلك، ومنهم من رتَّب على الأبواب الفقهيَّة وغيرها، ونوَّعه أنواعًا، وجمع ما ورد في كلِّ نوعٍ وفي كلِّ حكمٍ إثباتًا ونفيًا في بابٍ فبابٍ، بحيث يتميَّز ما يدخل في الصَّوم مثلًا عمَّا يتعلَّق بالصَّلاة، وأهل هذه الطَّريقة منهم من تقيَّد بالصَّحيح كالشَّيخين وغيرهما، ومنهم من لم يتقيَّد بذلك كباقي الكتب
قوله: (على المسانيد) جمع مُسند، وهو لغةً اسم مفعول من السَّند، واصطلاحًا: ما اتَّصل إسناده من راويه إليه ﷺ . يُطلق على الكتاب الَّذي جمع فيه ما أسنده الصَّحابيُّ؛ -أي: رواه- والمعنى أنَّ منهم من جَعل كتابه مرتَّبًا بحسب ما يذكره من أسانيد الصحابة كـ «مسند الإمام أحمد» فإنَّه كتاب ذَكر فيه مسانيد الصحابة كذلك فيقول فيه: مسند أبي بكر؛ أي: ما رواه أبو بكر عن النَّبيِّ ﷺ ، ويذكر أحاديثه في محلٍّ واحد، فإذا فرغ منها يقول: مسند عمر، وهكذا فيذكر جميع الأحاديث المسندة إلى مثل الصِّدِّيق ولا يفصل بينها بحديث مسند إلى صحابيٍّ آخر.
قوله: (بِحَيْثُ يَتَّضِحُ إِرْسَالُ مَا يَكُوْنُ مُتَّصِلًا)؛ أي: بحسب الظَّاهر، وكذا يُقال فيما بعده وذلك كأن يقول: حدَّثنا فلان عن فلان عن فلان التَّابعيِّ عن النَّبيِّ ﷺ بكذا، ويُسقط الصَّحابيَّ ويسوق طرقًا لهذا الحديث كلَّها مُسقطةٌ للصَّحابيِّ، ثمَّ يسوق طريقًا واحدًا فيه الوصل فيُعلَم بذلك وبقرائن أخر تقوم عندهم أنَّ وصله غلطٌ وأنَّه مرسل، وكذا يُقال في وقف المرفوع ونحو ذلك.
قوله: (وغيرها)؛ أي: كـ «الموطأ» و «صحيح سعيد بن السَّكن» و «المنتقى» لابن الجارود.
وقوله: (وَمِنْهُم مَنْ لَمْ يَتَقيّدْ بِذَلِكَ)؛ أي: بالصَّحيح، بل ذكر معه الحسن.
وقوله: (كَبَاقِي الكُتُب السِّتَّةِ) هي «سنن: أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه» وهم على
стр. 35
السِّتَّة، وكان أوَّلَ من صنَّف في الصَّحيح: محمَّدُ بن إسماعيلَ البخاريُّ،
هذا التَّرتيب في الصِّحة. و (ماجه) ونحوه كسَنْدَه ومَنْدَه ومَرْدَوَيْه وابن رَاهُوْيَه أعلامٌ أعجميةٌ وُضعت على السكون وصلًا ووقفًا، وتُعرب بحركات مقدَّرة على آخرها مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل؛ لسكون الحكاية، لكن حركة الجرِّ فتحة نائبة عن الكسرة؛ لمنعها من الصَّرف للعلمية والعُجمة، والمراد بالحكاية حكاية حال وضعها.
واعلم أنَّ المراد بـ «سنن النَّسائيِّ» (١) المعدودة في الكتب السِّتَّة الصَّحيحة هي الصُّغرى؛ فإنَّ له اثنتين كما صرَّح بذلك التَّاج ابن السُّبكيُّ: ولمَّا صنَّف الكبرى أهداها لأمير الرَّملة فقال له: كلُّ ما فيها صحيح؟ فقال: لا، فقال: ميِّز لي الصَّحيح من غيره، فصنَّف له الصُّغرى.
تنبيه: المراد بكون نحو «الموطَّأ» مُتقيِّدًا بالصَّحيح على ما قرَّرنا به كلام الشَّارح أنَّه لا يُخرج إلَّا الصَّحيح عنده وعند من يُقلِّده على ما يقتضيه نظره من الاحتجاج بالمُرسل والمنقطع وغيرهما لا على الشَّرط الَّذي ذكره في تعريف الصَّحيح، كما قاله شيخ الإسلام فلا ينافي ما قاله العراقيُّ مِن أنَّ مالكًا لم يُفْرِد الصَّحيح بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تُعرف كما ذكره ابن عبد البرِّ. انتهى.
والبخاريّ: وإن وجد مثل ذلك في كتابه في مواضع إلَّا أنَّها مُتَّصلة في مواضع أخر منه.
قوله: (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيْحِ … ) إلى آخره، اعترضَ بأنَّ مالكًا أوَّل من صنَّف الصَّحيح، وتلاه أحمد ابن حنبل، وتلاه الدَّارميُّ، وأُجيب بأنَّ المراد الصَّحيح المجرَّد؛ أي: الَّذي لم يُذكر معه غيره، أو الصَّحيح المُجمع على صحَّته.
والسَّبب في تصنيف البخاريِّ صحيحَه ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النَّسفيُّ قال: كنَّا عند إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّة النَّبيِّ ﷺ ، قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصَّحيح. وعنه أيضًا قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ وكأنَّني واقفٌ بين يديه
стр. 36
أسكننا الله تعالى معه في بحبوحة جِنانه بفضله السَّاري، ومنهم المقتصر على الأحاديث المتضمِّنة للتَّرغيب والتَّرهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن فقط؛ كالبغويِّ في «مصابيحه»، واللُّؤلؤيِّ في «مشكاته».
وبالجملة: فقد كَثُرت في هذا الشَّأن التَّصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التَّآليف، واتَّسعت دائرة الرِّواية في المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السُّنَّة لكلِّ طالب.
وبيدي مروحة أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبِّرين فقال لي: أنت تذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الَّذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح، قال: وألَّفته في بضعَ عشرة سنة.
قوله: (بَحْبُوحَةِ جِنَانِه) في «القاموس» وبحبوحة المكان: وسطه. انتهى.
قوله: (لِلتَّرْغِيب)؛ أي: الحمل على الرَّغبة فيما عند الله تعالى بذكر فضائل الأعمال، وما يتضمَّن سعة رحمته تعالى وعفوه ونحو ذلك (والتَّرهيب) التَّخويف من عِقَابِهِ بذكر ما هو بضدِّ ذلك من موجبات نقمته وغضبه.
قوله: (مَنَاهِج) جمع منهاج، وهو كالمنهج: الطَّريق الواضح.
стр. 37
الفصل الثَّالث
في نَُبذةٍ لطيفةٍ جامعةٍ لفرائد فوائد مصطلح الحديث عند أهله، وتقسيم أنواعه، وكيفيَّة تحمُّله وأدائه ونقله، ممَّا لا بدَّ للخائض في هذا الشَّأن منه؛ لما عُلِمَ أنَّ لكلِّ أهلِ فنٍّ اصطلاحًا يجب استحضاره عند الخوض فيه.
(الفصل الثَّالث)
قوله: (فِي نَُبْذَةٍ) هي بفتح النُّون وضَمِّهَا: النَّاحية والشَّيء اليسير، والمراد هنا الثَّاني.
قوله: (لِفَرَائِدِ فَوَائِدِ) من إضافةِ المشبَّه به للمشبَّه كما لا يخفى، والفرائد جمع فريدة وهي اللُّؤلؤة العظيمة الَّتي تنفرد لعظمها وظرافتها في ظرف على حدة، فعيلة بمعنى مفعولة.
قوله: (مُصْطَلَح الحَدِيْث) بفتح اللَّام؛ أي: ما اصطلح عليه أهل الحديث، وصار عِلمًا مستقلًّا، وهو قسمان أحدهما يسمَّى علم الحديث درايةً، وثانيهما يسمَّى علم الحديث روايةً.
فأمَّا الأوَّل فحَدُّهُ: علمٌ بقوانين يُعرف بها أحوال السَّند والمتن؛ من صحة وحُسن وضعف، وعلوٍّ ونزول، وكيفية التَّحمل والأداء، وصفات الرِّجال، وغير ذلك.
ولنتكلم على مفردات هذا الحدِّ فنقول:
قولهم: (علم بقوانين)؛ أي: بقواعد وضوابط، كقولك: الصَّحيح ما احتوى على اتّصال السَّند والعدالة والضَّبط وخلا من الشُّذوذ والعلَّة القادحة، والحَسَن كذلك على ما يأتي، والضَّعيف ما خلا عنها أو عن بعضها.
وقوله: (وأحوال السَّند والمتن)؛ أي: سواء العامَّة لهما والخاصَّة بأحدهما، فقوله: (من صحة وحسن … ) إلى آخره، عامَّة لهما.
قوله: (وعلوٍّ ونزول) خاصَّةٌ بالسَّند كما سيأتي، ولم يذكروا الخاصَّ بالمتن كأن يقال: ورفع وقطع مثلًا إلَّا أن يقال إِنَّه داخل في قولهم: (وغير ذلك).
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: (وكيفيةُ التحمل) بالرَّفع عطفًا على أحوال؛ أي: تحمُّل الحديث وروايته عن الشَّيخ، وهي أقسام:
منها القراءة على الشَّيخ والسَّماع منه والإجازة وغير ذلك ممَّا سيأتي، وأمَّا كيفية الأداء فهي تابعة لكيفية التَّحمُّل من قوله فيه: (حدَّثنا) إذا كان سمع من لفظ الشَّيخ و (أخبرنا) إذا كان قرأ عليه وغير ذلك ممَّا ستعرفه.
وقوله: (وصفات الرِّجال)؛ أي: من عدالة وفسقٍ وتعبير عنهما -بما يسمَّى بالجرح والتَّعديل- كعدل وكذَّاب وغير ذلك، وقولهم: (وغير ذلك)؛ أي: كالرِّواية بالمعنى، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وغير ذلك ممَّا ستقف على تفصيله.
وهذا الحدُّ للشَّيخ عزِّ الدِّين ابن جماعة.
وأخصرُ منه: علمٌ يُعرف به أحوال الرَّاوي والمرويِّ من حيث القبول والرَّدُّ.
وعرَّفه بعضهم بأنَّه: علمٌ يُعرف به حقيقة الرِّواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرُّواة وشروطهم وأصناف المرويَّات وما يتعلَّق بها.
فـ (حقيقة الرِّواية) نقل السُّنَّة ونحوها كأقوال الصَّحابة، وإسناد ذلك إلى من عُزِيَ إليه بتحديثٍ وإخبارٍ وغيرهما.
و (شروطها) تحمُّل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التَّحمُّل من سماعٍ أو قراءة أو غيرهما.
و (أنواعها) الاتِّصال والانقطاع ونحوهما.
و (أحكامها) القبول والردُّ.
و (حال الرواة): العدالة والجرح.
و (شرطهم) في التَّحمُّل والأداء ما يأتي من الإسلام والبلوغ والعدالة … إلى آخره.
(وأصناف المرويات) المصنَّفات من المسانيد ونحوها أحاديث أو آثار أو غيرهما.
(وما يتعلَّق بها) هو معرفة اصطلاح أهلها.
وموضوعه: الرَّاوي والمرويُّ من حيث ذلك، على القاعدة مِن أنَّ موضوع كلِّ علمٍ ما يبحث فيه عن عوارضه الذَّاتيَّة.
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفائدته: معرفة ما يُقبل وما يُردُّ من ذلك.
وواضعه: الرَّامهرمزيُّ على ما ذكره الشَّارح والسُّيوطيُّ في «شرح النُّخبة» لا ابن شهاب الزُّهريِّ كما ذكره في «حواشي البيقونيَّة»، بل هو واضع علم الحديث رواية كما سنذكر.
واستمداده: من أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته.
وفضله: أنَّ فيه فضلًا جزيلًا؛ لأنَّ به يُعرف كيفية الاقتداء برسول الله ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه.
وحكمه: الوجوب العينيُّ على مَن انفرد به، والكفائيُّ على مَن لم ينفرد.
واسمه: علم الحديث دراية؛ أي: الحاصل بالدِّراية، وهي التَّفكُّر؛ أي: العلم الحاصل بالتَّفكر.
ونسبته: أنَّه بعض العلوم الشَّرعيَّة: وهي الفقه والتَّفسير والحديث.
ومسائله: قضاياه الَّتي يطلب فيها إثبات محمولاتها لموضوعاتها، كقولك: كلُّ حديث صحيح يُقبل أو يستدلُّ به، وكلُّ ضعيف يقبل في فضائل الأعمال ولا يستدلُّ به؛ أي: على الأحكام. فهذه مبادئه العشرة.
وأما علم الحديث رواية فحدُّهُ: علمٌ يشتمل على ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا.
أي: يَشتمل على رواية ذلك؛ -أي: نقله- وضبطه وتحرير ألفاظه.
وموضوعه: ذات النَّبيِّ ﷺ من حيث أقواله وأفعاله … إلى آخره.
وواضعه: ابن شهاب الزهري شيخ البخاري (١)؛ أي: أنَّه أوَّل مَن دوَّنه وجمعه بأمر عمر بن عبد العزيز بعد موته ﷺ بمئة سنة، وقد مات أغلب مَن كان يحفظه، فلولا أمره ﵁ بجمعه لضاع، وقد دخله الضَّعيف والشَّاذُّ ونحو ذلك، ولو جمع في حياته ﷺ لكان مضبوطًا كالقرآن.
وفائدته: الاحتراز عن الخطأ في نقل ذلك.
وغايته: الفوز بسعادة الدَّارين.
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واسمه: علم الحديث رواية؛ أي: العلم الحاصل بالرِّواية؛ أي: النَّقل والإخبار.
ومسائله: قضاياه الَّتي تُطلب فيه … إلى آخره، كقولك: قال ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّه متضمِّنٌ لقضيَّة قائلة: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» من أقواله ﷺ ، فالمراد: القضايا ولو ضمنًا، وباقي مبادئه يَشترك فيها مع الأوَّل فلا يختلفان فيه.
(تنبيه): ينبغي مع معرفة هذا معرفة ألفاظ تدور بين المحدِّثين: وهي الخبر والأثر والسَّند والإسناد والمُسند والمتن والطَّالب والمحدِّث والحافظ والحُجَّة والحاكم.
فأمَّا الخبر فهو لغةً: ضد الإنشاء، واصطلاحًا: قيل: مرادف للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، فيطلقان على المرفوع والموقوف والمقطوع، وقيل: الحديث ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمَّ قيل لمن يشتغلُ بالحديث محدِّثٌ، وبالتَّواريخ ونحوها أخباري، وقيل: كلُّ حديثٍ خبر ولا عكس.
والأثر في اللغة: بقيَّة الدَّار ونحوها، واصطلاحًا: قيل مرادف للحديث أيضًا، كما قال النَّوويُّ: إنَّ المحدثين يسمّون المرفوع والموقوف بالأثر، ولذا يُسمَّى المحدِّث أثريًّا.
وقال فقهاء خراسان: الخبر هو المرفوع، والأثر الموقوف.
ولعلَّ وجهه أنَّ الأثر هو بقيَّة الشَّيء، والخبر ما يخبر به؛ فلمَّا كان قول الصَّحابيِّ بقيَّة من قول المصطفى ﷺ وكان أصل الأخبار إنَّما هو عنه ﵊ ناسب أن يُسمَّى قول الصَّحابيِّ أثرًا، وقول المصطفى خبرًا.
والسَّند في اللُّغة: المُعتمد من قولهم: فلان سند؛ أي: معتمد، واصطلاحًا: الطَّريق الموصلة إلى المتن؛ أي: الرُّواة الَّذين يتوصَّل بهم إلى الحديث، سمُّوا بذلك؛ لاعتماد الحفَّاظ في صحة الحديث وضعفه عليهم.
والإسناد لغة: مطلق الإخبار، واصطلاحًا: الإخبار عن طريق المتن، فهو مشترك مع السَّند في اعتماد الحفَّاظ في صحَّة الحديث وضعفه عليه، ولذا قال ابن جماعة: المحدِّثون يستعملون السَّند والإسناد لشيء واحد. انتهى.