أسكننا الله تعالى معه في بحبوحة جِنانه بفضله السَّاري، ومنهم المقتصر على الأحاديث المتضمِّنة للتَّرغيب والتَّرهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن فقط؛ كالبغويِّ في «مصابيحه»، واللُّؤلؤيِّ في «مشكاته».
وبالجملة: فقد كَثُرت في هذا الشَّأن التَّصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التَّآليف، واتَّسعت دائرة الرِّواية في المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السُّنَّة لكلِّ طالب.
وبيدي مروحة أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبِّرين فقال لي: أنت تذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الَّذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح، قال: وألَّفته في بضعَ عشرة سنة.
قوله: (بَحْبُوحَةِ جِنَانِه) في «القاموس» وبحبوحة المكان: وسطه. انتهى.
قوله: (لِلتَّرْغِيب)؛ أي: الحمل على الرَّغبة فيما عند الله تعالى بذكر فضائل الأعمال، وما يتضمَّن سعة رحمته تعالى وعفوه ونحو ذلك (والتَّرهيب) التَّخويف من عِقَابِهِ بذكر ما هو بضدِّ ذلك من موجبات نقمته وغضبه.
قوله: (مَنَاهِج) جمع منهاج، وهو كالمنهج: الطَّريق الواضح.
стр. 37
الفصل الثَّالث
في نَُبذةٍ لطيفةٍ جامعةٍ لفرائد فوائد مصطلح الحديث عند أهله، وتقسيم أنواعه، وكيفيَّة تحمُّله وأدائه ونقله، ممَّا لا بدَّ للخائض في هذا الشَّأن منه؛ لما عُلِمَ أنَّ لكلِّ أهلِ فنٍّ اصطلاحًا يجب استحضاره عند الخوض فيه.
(الفصل الثَّالث)
قوله: (فِي نَُبْذَةٍ) هي بفتح النُّون وضَمِّهَا: النَّاحية والشَّيء اليسير، والمراد هنا الثَّاني.
قوله: (لِفَرَائِدِ فَوَائِدِ) من إضافةِ المشبَّه به للمشبَّه كما لا يخفى، والفرائد جمع فريدة وهي اللُّؤلؤة العظيمة الَّتي تنفرد لعظمها وظرافتها في ظرف على حدة، فعيلة بمعنى مفعولة.
قوله: (مُصْطَلَح الحَدِيْث) بفتح اللَّام؛ أي: ما اصطلح عليه أهل الحديث، وصار عِلمًا مستقلًّا، وهو قسمان أحدهما يسمَّى علم الحديث درايةً، وثانيهما يسمَّى علم الحديث روايةً.
فأمَّا الأوَّل فحَدُّهُ: علمٌ بقوانين يُعرف بها أحوال السَّند والمتن؛ من صحة وحُسن وضعف، وعلوٍّ ونزول، وكيفية التَّحمل والأداء، وصفات الرِّجال، وغير ذلك.
ولنتكلم على مفردات هذا الحدِّ فنقول:
قولهم: (علم بقوانين)؛ أي: بقواعد وضوابط، كقولك: الصَّحيح ما احتوى على اتّصال السَّند والعدالة والضَّبط وخلا من الشُّذوذ والعلَّة القادحة، والحَسَن كذلك على ما يأتي، والضَّعيف ما خلا عنها أو عن بعضها.
وقوله: (وأحوال السَّند والمتن)؛ أي: سواء العامَّة لهما والخاصَّة بأحدهما، فقوله: (من صحة وحسن … ) إلى آخره، عامَّة لهما.
قوله: (وعلوٍّ ونزول) خاصَّةٌ بالسَّند كما سيأتي، ولم يذكروا الخاصَّ بالمتن كأن يقال: ورفع وقطع مثلًا إلَّا أن يقال إِنَّه داخل في قولهم: (وغير ذلك).
стр. 38
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: (وكيفيةُ التحمل) بالرَّفع عطفًا على أحوال؛ أي: تحمُّل الحديث وروايته عن الشَّيخ، وهي أقسام:
منها القراءة على الشَّيخ والسَّماع منه والإجازة وغير ذلك ممَّا سيأتي، وأمَّا كيفية الأداء فهي تابعة لكيفية التَّحمُّل من قوله فيه: (حدَّثنا) إذا كان سمع من لفظ الشَّيخ و (أخبرنا) إذا كان قرأ عليه وغير ذلك ممَّا ستعرفه.
وقوله: (وصفات الرِّجال)؛ أي: من عدالة وفسقٍ وتعبير عنهما -بما يسمَّى بالجرح والتَّعديل- كعدل وكذَّاب وغير ذلك، وقولهم: (وغير ذلك)؛ أي: كالرِّواية بالمعنى، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وغير ذلك ممَّا ستقف على تفصيله.
وهذا الحدُّ للشَّيخ عزِّ الدِّين ابن جماعة.
وأخصرُ منه: علمٌ يُعرف به أحوال الرَّاوي والمرويِّ من حيث القبول والرَّدُّ.
وعرَّفه بعضهم بأنَّه: علمٌ يُعرف به حقيقة الرِّواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرُّواة وشروطهم وأصناف المرويَّات وما يتعلَّق بها.
فـ (حقيقة الرِّواية) نقل السُّنَّة ونحوها كأقوال الصَّحابة، وإسناد ذلك إلى من عُزِيَ إليه بتحديثٍ وإخبارٍ وغيرهما.
و (شروطها) تحمُّل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التَّحمُّل من سماعٍ أو قراءة أو غيرهما.
و (أنواعها) الاتِّصال والانقطاع ونحوهما.
و (أحكامها) القبول والردُّ.
و (حال الرواة): العدالة والجرح.
و (شرطهم) في التَّحمُّل والأداء ما يأتي من الإسلام والبلوغ والعدالة … إلى آخره.
(وأصناف المرويات) المصنَّفات من المسانيد ونحوها أحاديث أو آثار أو غيرهما.
(وما يتعلَّق بها) هو معرفة اصطلاح أهلها.
وموضوعه: الرَّاوي والمرويُّ من حيث ذلك، على القاعدة مِن أنَّ موضوع كلِّ علمٍ ما يبحث فيه عن عوارضه الذَّاتيَّة.
стр. 39
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفائدته: معرفة ما يُقبل وما يُردُّ من ذلك.
وواضعه: الرَّامهرمزيُّ على ما ذكره الشَّارح والسُّيوطيُّ في «شرح النُّخبة» لا ابن شهاب الزُّهريِّ كما ذكره في «حواشي البيقونيَّة»، بل هو واضع علم الحديث رواية كما سنذكر.
واستمداده: من أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته.
وفضله: أنَّ فيه فضلًا جزيلًا؛ لأنَّ به يُعرف كيفية الاقتداء برسول الله ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه.
وحكمه: الوجوب العينيُّ على مَن انفرد به، والكفائيُّ على مَن لم ينفرد.
واسمه: علم الحديث دراية؛ أي: الحاصل بالدِّراية، وهي التَّفكُّر؛ أي: العلم الحاصل بالتَّفكر.
ونسبته: أنَّه بعض العلوم الشَّرعيَّة: وهي الفقه والتَّفسير والحديث.
ومسائله: قضاياه الَّتي يطلب فيها إثبات محمولاتها لموضوعاتها، كقولك: كلُّ حديث صحيح يُقبل أو يستدلُّ به، وكلُّ ضعيف يقبل في فضائل الأعمال ولا يستدلُّ به؛ أي: على الأحكام. فهذه مبادئه العشرة.
وأما علم الحديث رواية فحدُّهُ: علمٌ يشتمل على ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا.
أي: يَشتمل على رواية ذلك؛ -أي: نقله- وضبطه وتحرير ألفاظه.
وموضوعه: ذات النَّبيِّ ﷺ من حيث أقواله وأفعاله … إلى آخره.
وواضعه: ابن شهاب الزهري شيخ البخاري (١)؛ أي: أنَّه أوَّل مَن دوَّنه وجمعه بأمر عمر بن عبد العزيز بعد موته ﷺ بمئة سنة، وقد مات أغلب مَن كان يحفظه، فلولا أمره ﵁ بجمعه لضاع، وقد دخله الضَّعيف والشَّاذُّ ونحو ذلك، ولو جمع في حياته ﷺ لكان مضبوطًا كالقرآن.
وفائدته: الاحتراز عن الخطأ في نقل ذلك.
وغايته: الفوز بسعادة الدَّارين.
стр. 40
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
واسمه: علم الحديث رواية؛ أي: العلم الحاصل بالرِّواية؛ أي: النَّقل والإخبار.
ومسائله: قضاياه الَّتي تُطلب فيه … إلى آخره، كقولك: قال ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّه متضمِّنٌ لقضيَّة قائلة: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» من أقواله ﷺ ، فالمراد: القضايا ولو ضمنًا، وباقي مبادئه يَشترك فيها مع الأوَّل فلا يختلفان فيه.
(تنبيه): ينبغي مع معرفة هذا معرفة ألفاظ تدور بين المحدِّثين: وهي الخبر والأثر والسَّند والإسناد والمُسند والمتن والطَّالب والمحدِّث والحافظ والحُجَّة والحاكم.
فأمَّا الخبر فهو لغةً: ضد الإنشاء، واصطلاحًا: قيل: مرادف للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، فيطلقان على المرفوع والموقوف والمقطوع، وقيل: الحديث ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمَّ قيل لمن يشتغلُ بالحديث محدِّثٌ، وبالتَّواريخ ونحوها أخباري، وقيل: كلُّ حديثٍ خبر ولا عكس.
والأثر في اللغة: بقيَّة الدَّار ونحوها، واصطلاحًا: قيل مرادف للحديث أيضًا، كما قال النَّوويُّ: إنَّ المحدثين يسمّون المرفوع والموقوف بالأثر، ولذا يُسمَّى المحدِّث أثريًّا.
وقال فقهاء خراسان: الخبر هو المرفوع، والأثر الموقوف.
ولعلَّ وجهه أنَّ الأثر هو بقيَّة الشَّيء، والخبر ما يخبر به؛ فلمَّا كان قول الصَّحابيِّ بقيَّة من قول المصطفى ﷺ وكان أصل الأخبار إنَّما هو عنه ﵊ ناسب أن يُسمَّى قول الصَّحابيِّ أثرًا، وقول المصطفى خبرًا.
والسَّند في اللُّغة: المُعتمد من قولهم: فلان سند؛ أي: معتمد، واصطلاحًا: الطَّريق الموصلة إلى المتن؛ أي: الرُّواة الَّذين يتوصَّل بهم إلى الحديث، سمُّوا بذلك؛ لاعتماد الحفَّاظ في صحة الحديث وضعفه عليهم.
والإسناد لغة: مطلق الإخبار، واصطلاحًا: الإخبار عن طريق المتن، فهو مشترك مع السَّند في اعتماد الحفَّاظ في صحَّة الحديث وضعفه عليه، ولذا قال ابن جماعة: المحدِّثون يستعملون السَّند والإسناد لشيء واحد. انتهى.
стр. 41
وأوَّل من صنَّف في ذلك: القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُرمُزيُّ في كتابه «المُحدِّث الفاصل»، والحاكم أبو عبد الله النَّيسابوريُّ، ثمَّ أبو نُعيمٍ الأصبهانيُّ، ثمَّ الحافظ أبو بكرٍ الخطيبُ البغداديُّ في كتابه: «الكفاية في قوانين الرِّواية»، وكتاب «الجامع لآداب الشَّيخ والسَّامع»
والمُسْنَد -بفتح النُّون- لغة: اسم مفعول من أسند، واصطلاحًا: ما اتَّصل سنده من راويه إلى النَّبيِّ ﷺ ، ويطلق على الكتاب الَّذي جُمِع فيه ما أسنده الصَّحابيُّ؛ -أي: رواه- كمسند أحمد كما سبق، وقد يُطلق ويُراد به الإسناد، فيكون مصدرًا كمُسند الفردوس، فإنَّ الفردوس اسم كتاب للدَّيلميِّ ذكر فيه أحاديث غير مسندة وسمَّاه «الفردوس»، فجاء ولده وألَّف كتابًا جمع فيه أسانيد تلك الأحاديث وسماه: «مسند الفردوس».
والمتن لغة: ما صَلُبَ وارتفع من كلِّ شيء، واصطلاحًا: ما ينتهي إليه السَّند من الكلام، فهو نفس الحديث الَّذي ذُكر الإسناد له، سُمِّي بذلك؛ لأنَّ الشَّخص المُسند يقوِّيه بالسَّند ويرفعه إلى قائله.
والطَّالب: هو مُريد فنِّ الحديث الشَّارع فيه.
والمحدِّث: من عَرف رجال الرِّواية والمرويَّ في الَّذي حدَّث به.
والحافظ: مَنْ حفظ مئة ألف حديث مسندةً وضَبَطها.
والحجَّة: من حفظ ثلاثمئة ألف حديث بأسانيدها.
والحاكم: من أحاط بالسنة.
قوله: (الرَّامَهُرْمُزِي) بتشديد الراء وفتح الميم الأولى وضمِّ الثَّانية مع الهاء وإسكان الرَّاء وكسر الزَّاي، أصلُهُ مركب من رامَ وهُرمز، قال ياقوت في «المعجم»: «الرَّام» بالفارسية معناه المراد والمقصود، «هرمز» أحد الأكاسرة، فمعنى هذه اللفظة مقصود هرمز. انتهى.
والمراد هنا: المنسوب لرامهرمز.
قوله: (المُحَدِّث) بكسر الدَّال المشدَّدة، كما قاله الهرويُّ و (الفاصل) بالصَّاد المهملة وهذا اسم لكتابه؛ لفصله بين الحقِّ والباطل.
стр. 42
ثمَّ القاضي عياض في «الإلماع»، والحافظ القطب أبو بكر بن أحمد القسطلانيُّ في «المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب في علوم الحديث على الاطِّلاع»، وأبو جعفرٍ الميانجيُّ في جزءٍ سمَّاه: «ما لا يَسَعُ المحدِّث جَهْله»، ثمَّ الحافظ أبو عمرو بن الصَّلاح، فعكف النَّاس عليه وساروا بسيره، فمنهم النَّاظم له والمختصر، والمستدرك عليه والمقتصر، والمعارض له والمنتصر، فجزاهم الله تعالى خيرًا.
وإذا عُلِمَ هذا؛ فليُعلَم أنَّهم قسموا السُّنن المضافة له ﷺ -قولًا وفعلًا وَتقريرًا، وكذا وصفًا وخَلْقًا؛ ككونه ليس بالطَّويل ولا بالقصير، وأيَّامًا؛ كاستشهاد حمزة وقَتْلِ أبي جهل-
قوله: (المَنْهَج المُبْهِج) الأوَّل: بالنُّون السَّاكنة بعد الميم المفتوحة بمعنى الطَّريق، والثَّاني: بالميم المضمومة والموحَّدة السَّاكنة والهاء المكسورة وصفٌ له من البهجة وهي الحُسن؛ أي: المُكْسب قارئه البهجة.
قوله: (المَيَانَجِي) بميم فتحتيَّة فنُون مفتوحات، قال ابن أبي شريف: وجيمه بين الجيم والشِّين، نسبة إلى ميانه بلد بقرب أذربيجان، وأبو جعفر هذا هو عمر بن عبد المجيد، وما ذكره الشَّارح من أنَّ كنيته أبو جعفر هو ما ارتضاه السَّيِّد المرتضى كما رأيته منقولًا عنه، وفي «التَّدريب» أنَّ كنيته أبو حفص، والصَّحيح أنَّ هذا غير ذاك، وأنَّ أبا حفص هذا ليس بالجيم بل بالشِّين.
قوله: (فَعَكَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ)؛ أي: لزموه؛ أي: ما صنَّفه في ذلك وهو كتابه المشهور بـ «علوم الحديث»، جَمَعَ ما تفرَّق في غيره فعكف الناس عليه.
قوله: (أَوْ أَيَّامًا) لم نرَ زيادة ذلك لغيره، ولعل مراده به ما أضيف لزمنه ﷺ صراحةً (١)،
стр. 43
إلى متواترٍ ومشهورٍ، وصحيحٍ، وحسنٍ، وصالحٍ، ومُضعَّفٍ، وضعيفٍ، ومُسنَدٍ، ومرفوعٍ، وموقوفٍ، وموصولٍ، ومُرسَلٍ، ومقطوعٍ، ومنقطعٍ، ومُعضَلٍ، ومُعَنعنٍ، ومؤنَّنٍ، ومعلَّقٍ، ومدلَّسٍ، ومُدْرَجٍ، وعالٍ، ونازلٍ، ومُسلسَلٍ، وغريبٍ، وعزيزٍ، ومعلَّلٍ، وفَرْدٍ، وشاذٍّ، ومُنكَرٍ، ومضطربٍ، وموضوعٍ، ومقلوبٍ، ومُركَّبٍ، ومنقلبٍ، ومدبَّجٍ، ومُصحَّفٍ، وناسخٍ، ومنسوخٍ، ومختلفٍ.
ف المتواتر: الذي يرويه
فيكون بمعنى قولهم: قول الصَّحابيِّ: كنا نفعل كذا في عهد النَّبيِّ ﷺ في حكم المرفوع، أو لزومًا كقوله: صار كذا يوم استشهد حمزة أو في غزوة بدر ونحو ذلك، لكن لا يخفى أنَّه يغني عنه قوله أو تقريرًا؛ فلينظر.
قوله: (إِلَى مُتَوَاتِرٍ … ) إلى آخره، جملةُ ما سرده الشَّارح تسعة وثلاثون، وفاته كثير ممَّا هو مستعمل مشهور عند أهل الحديث، كالقويِّ والجيِّد والمعروف والمحفوظ والمجوَّد والثَّابت، كما فاته في صفات الرُّواة ما سنبديه إليك في كلٍّ إن شاء الله تعالى في مواضعه، وذكر النَّوويُّ في «التَّقريب» والسُّيوطيُّ في «شرحه» خمسة وستين وقال: ليس ذلك بآخر الممكن في ذلك؛ فإنَّه قابلٌ للتَّنويع إلى ما لا يحصى، إذ لا تُحصى أحوال رواة الحديث وصفاتهم ولا أحوال متون الحديث وصفاتها.
وقال الحازميُّ في «كتاب العجالة»: علمُ الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مئةً كلُّ نوع منها علم مستقلٌّ، لو أنفق الطَّالب فيه عمره ما أدرك نهايته.
ثُمَّ المراد بالتَّقسيم في قوله: (قَسَّمُوا السُّنَن … ) إلى آخره، التَّنويع إلى الأنواع المذكورة، وإلَّا فأقسام الحديث لا تخرج عن ثلاثة كما قال الأكثرون: صحيح وحسن وضعيف؛ لأنَّها إنْ اشتملت من أوصاف القبول على أعلاها فالصَّحيح، أو على أدناها فالحسن، أو لم تشتمل على شيءٍ منها فالضَّعيف، بل منهم من لم يَزِد نوع الحسن وجعله مندرجًا في الصَّحيح، وحصر الأقسام في اثنين صحيح وضعيف.
قوله: (فَالْمُتَوَاتِر … ) إلى آخره، أقول: الظَّاهر أنَّه إنَّما بدأ به دون الصَّحيح كما فعله الأكثر؛ لأنَّه مقطوع بصحته في نفس الأمر، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قاله إجماعًا كما سيأتي، بخلاف الصَّحيح فإنَّه لا يلزم من كونه صحيحًا باعتبار سنده أن يكون صحيحًا في نفس الأمر كما سيأتي للشَّارح، ولعله ثَنَّى بالمشهور وذكره قبل الصَّحيح؛ لأنَّه قريبٌ منه في ذلك.
والمتواتر في اللُّغة: الشَّيءُ الآتي مرَّة بعد أخرى، من تواتر الرِّجال إذا جاؤوا واحدًا بعد واحد.
стр. 44
عددٌ تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه،
وفي الاصطلاح ما ذكره الشَّارح بقوله: الَّذي يرويه … ، أي: الحديث الَّذي يرويه … إلى آخره.
قال بعضهم: ومن حقِّ هذا الخبر أن يُقال له: المتواصل؛ لأنَّ المتواتر من الوِتر، وهو أن يأتي واحد بعد واحد مع نوع انقطاع بينهما، حتَّى قال بعض أهل اللُّغة: من لحن العوام تواترت كتبك، يريدون: تواصلت، بل لا يقال إلَّا عند عدم التَّواصل كذا في حواشي «اللُّقطة الياسينيَّة»، والظَّاهر: أنْ لا وجه لذلك؛ إذ لا مشاحَّة في الاصطلاح ولا يلزم على الرَّاجح وجود مناسبة بين المعنى اللُّغويِّ والاصطلاحيِّ.
قوله: (عَدَد)؛ أي: بلا حصر في قدرٍ مخصوصٍ على ما عليه الجمهور؛ لأنَّ الاعتقاد يتقوَّى عند الإخبار بتدريج خفيٍّ إلى أن يحصل اليقين، والقوَّة البشريَّة قاصرة عن ضبط عدد يحصلُ عنده ذلك وأقلُّه خمسة فلا يكفي أربعة.
قال في «جمع الجوامع» و «شرحه»: ولا يكفي الأربعة وفاقًا للقاضي الباقلاني والشَّافعيَّة؛ لاحتياجهم إلى التَّزكية فيما لو شهدوا بالزِّنا، وما زاد عليها صالح من غير ضبط بعدد معين، وقال الإصطخريُّ: أقلُّه عشرة؛ لأنَّ ما دونها آحاد، وقيل: اثنا عشر، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون. انتهى.
وتوقُّفهم في عدم كفاية الأربعة مطلقًا؛ لاقتضائه عدم صلاحية الأئمَّة الأربعة بل الخلفاء الأربعة، ثمَّ قال: إلَّا أن يراد عدم الكفاية من حيث مجرد الكثرة، فلا ينافي أنَّ نحو الخلفاء الأربعة يكفي باعتبار نحو أحوالهم. انتهى.
ولا شكَّ أنَّ العدد الَّذي يُؤْمن تواطؤه على الكذب يختلف باختلاف الناس.
وقوله: (تُحِيْلُ العَادَةُ) التَّعويل على العادة في ذلك هو ما صَرَّحَ به جمع من المحقِّقين، فالقول بالتَّعويل على العقل وهمٌ أو مؤوَّلٌ، قاله شيخ الإسلام؛ أي: بأنَّ العقل يحكم بالاستحالة بالنَّظر إلى العادة لا بالنَّظر إلى التَّجويز العقليِّ مجرَّدًا عنها، فإنَّه لا يرتفع وإن بلغ العدد ما بلغ لكنَّ ذلك التَّجويز لا يمنعُ حصول العلم العاديِّ.
قوله: (مِن ابْتِدَائِهِ) متعلقٌ بعددٍ؛ أي: كائن ذلك العدد من ابتدائه؛ -أي: الخبر- إلى انتهائه إن تعددت طبقاته، فيُشترط كونُ كلِّ طبقة جمعًا يؤمن تواطؤهم على الكذب؛ ليفيد خبرهم العلم بخلاف ما إذا لم يكونوا كذلك في غير الطَّبقة الأولى فلا يفيد خبرهم العلم، قال المحليُّ: ومن هنا تبيَّن أنَّ المتواتر في الطَّبقة الأولى قد يكون آحادًا فيما بعدها وهذا مجمل القراءة الشَّاذَّة. انتهى.
стр. 45
وينضاف لذلك أن يصحَب خبرهم إفادة العلم لسامعه،
قوله: (وَيَنْضَافُ لِذَلِكَ … ) إلى آخره، أقول: الظَّاهر أنَّ المراد يَنْتسب لما تقدم من الشُّروط في المتواتر -أعني: كون رواته جمعًا يُؤمَن تواطؤهم على الكذب- ويلابسه أن يصحب خبرهم المذكور إفادته العلم لسامعه، فالمعنى أنَّه متى كان المتواتر كذلك صَحِبه العلم اليقينيُّ بأنَّه مِن كلام مَن أُسند إليه أو بثبوت مدلوله في الواقع، ويدلُّ لذلك عبارة شرح «التَّقريب» وهي: والمتواتر ما نقله مَن يَحْصل العلم بصدقهم ضرورةً بأن يكون جمعًا لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أوَّله … إلى آخره، ولذا كان مفيدًا للعلم الضَّروريِّ وهو الَّذي يضطَّر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه، ثمَّ قال: ولذا يجب العمل به من غير بحثٍ عن رجاله. انتهى.
أي: عدالة وفسقًا بخلاف غيره فلا يُقبل ويعمل به إلَّا بعد تحقُّق عدالة راويه، قال الأصوليُّون: ولا يشترط فيه؛ -أي: المتواتر- الإسلام، بل يُقبل ولو من كفَّار إذا كان إخبارًا عن محسوس؛ -أي: أمر يُدرك بالحسِّ كسمع أو بَصر- كالإخبار بوجود مكة أو قتل الملك الفلانيِّ لا عن معقول كإخبار الفلاسفة بقدم العالم أو عدم البعث فلا يُسمى متواترًا ولو أخبر به العدد المذكور. انتهى.
فانظر هل ذلك عامٌّ حتَّى في الأحاديث النَّبويَّة فتُقبل ويُحتجُّ بها برواية الكفَّار تواترًا ظاهرًا؟ إطلاقهم أنَّه كذلك ولو كان السَّند كلُّه كذلك إلى الرَّسول ﷺ ، لكن الَّذي يظهر لي خلافه إذ كلام المحدِّثين وأهل الاصطلاح على أنَّه لا يُقبل ويحتجُّ به من الأحاديث إلَّا الحديث الصَّحيح، وهو ما رواه عدل … إلى آخره، حتَّى رَدُّوا رواية المجهول عينًا أو صفة ورواية الدَّاعية لبدعته وإن لم يَكفر بها على الصَّحيح كالرَّوافض كما سيأتي، وقد قال النوويُّ في «التَّقريب»: أجمع الجماهير من أئمَّة الحديث والفقه أنَّه يُشترط فيمن يُحتجُّ بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا بأن يكون مسلمًا بالغًا … إلى آخره. انتهى.
ولا يخفى أنَّ مبنى تقسيم الأحاديث إلى صحيح وغيره من الأقسام الكثيرة الآتية إنَّما هو على اعتبار أحوال الرُّواة عدالة وفسقًا، واضطربت أقوالهم في رواية أشخاص كثيرين؛ لاضطرابهم فيهم جرحًا وتعديلًا مع شِدَّةِ تحرِّيهم في الرِّواية والرُّواة، أَفَتَرَاهُم مع ذلك يَقبلون من كافر ولو بلغَ من الكثرة ما بلغ سيَّما وقد قال ﷺ فيما رواه ابن عباس مرفوعًا، كما في المدخل: «لَا تَأْخُذُوْا الْعِلْمَ إِلَّا مِمَّنْ تَقْبَلُوْنَ شَهَادَتَهُ»، وحديث الشَّمائل: «انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُوْنَ دِيْنَكُم»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، فأخبر تعالى أنَّهم يكذبون ويروِّجون
стр. 46
كحديث: «مَنْ كذب عليَّ متعمِّدًا … »
كذبهم بالحلف مع ما ينضمُّ لذلك من عداوتهم للدِّين وأهله الموجبة لعدم أَمْنِ تَواطُئِهِم على الكذب بما ينابذه أو ينافيه وتقييد حصر القبول فيما رواه عَدْل بالآحاد لا التَّواتر بعيد جدًا، بل الظَّاهر أنَّ التَّعميم بما ذكر في المتواتر اصطلاح للأصوليِّين، وأنَّ اصطلاح المحدِّثين فيه غير ذلك بل هو: ما يرويه عددٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب من المسلمين، فيُقبل من غير بحث عن رجاله حينئذ عدالة وفسقًا، على أنَّه لم يوجد حديث نبويٌّ تواتر بكفَّارٍ قطُّ حتَّى يكون للمحدِّثين نظرٌ إليه، وربما يُؤيِّد ما قُلناه أنَّ صاحب «جمع الجوامع» قال بعد أن ذكر في المتواتر ما سبق من قبوله من الكفَّار ما نصُّه: ولا تقبل رواية كافر، قال شارحه المحلِّي: وإن عُرِفَ بالصِّدق لعلوِّ منصب الرِّواية عن الكفَّار. انتهى. فهذا التَّعليل يأبى إلَّا التَّعميم في الآحاد وغيرها، وحينئذ فيكون اصطلاح المحدِّثين في المتواتر غير اصطلاح الأصوليِّين إذ كلامهم في الحديث المتواتر، وكلام الأصوليِّين في الخبر المتواتر من النَّاس غير السُّنَّة الشَّريفة، فتصطلح الاصطلاحات على أنَّ عبارة «جمع الجوامع» نصُّها الأصحُّ أنَّه لا يشترط فيه الإسلام. انتهى.
وهي تفيد أنَّ في ذلك خلافًا وأنَّ القول باشتراط الإسلام في ذلك الخبر الأعمِّ قول صحيح لا ضعيف؛ فليتأمَّل وليحرَّر.
ثمَّ رأيت بعد ذلك ما يؤيد ذلك في «شرح التقريب» للسُّيوطيِّ ونصُّه: ومنه أي من المشهور المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدِّثون باسمه الخاصِّ المُشعر بمعناه الخاصِّ، وإن وقع في كلام الخطيب ففي كلامه ما يُشعر بأنَّه اتَّبع فيه غير أهل الحديث، قاله ابن الصلاح. انتهى.
بل ذلك نصٌّ في أنَّ أهل الحديث ليس لهم نظرٌ إليه بالذَّات وأنَّ الكلام فيه خاصٌّ بأهل الفقه والأصول.
هذا وقد اختُلِف في العلم الحاصل بالتَّواتر، فالجمهور أنَّه ضروريٌّ، وليس مرادهم أنَّه يعلم بغير دليل بل المعنى كما في «ياسين على لقطة العجلان» أنَّه يلزم التَّصديق به ضرورة إذا وُجدت شروطه، كما يلزم التَّصديق بالنَّتيجة الحاصلة عن المقدِّمات ضرورة وإن لم تكن في نفسها ضروريَّة، وقال الكعبيُّ والإمامان (١): نظريٌّ؛ أي: يتوقَّف على مقدِّمات حاصلة لا بمعنى أنَّه يحتاج إلى النَّظر عقبه، وقيل: بالوقف، وهذا بالنَّظر إلى العلم بتلك الألفاظ وكونها من كلام من أسند إليه، وكذا العلم بثبوت مدلوله في الواقع، فالجمهور: أنَّه ضروريٌّ كذلك، وقيل نظريٌّ وأطال في ردِّه في «شرح النُّخبة» وعلى كلٍّ فهو يفيد العلم بخلاف الآحاد فإنَّه يفيد الظَّنَّ.
стр. 47
[خ¦١٠٦]، فنقل النَّوويُّ أنَّه جاء عن مئتين من الصَّحابة ﵃.
قوله: (أَنَّه جَاءَ عَنْ مَئتَيْن مِنَ الصَّحَابَةِ)؛ أي: وبحسب العادة إذا ورد الحديث عن مثل هذا العدد من الصَّحابة ينقله عنهم كثيرون وهكذا إلى انتهائه، إذ لا يخفى أنَّه إذا جاء من الطَّبقة الأولى الَّتي يتوهَّم فيها التَّفرُّد عن هذا العدد برمَّته فلأن يجيء عن مثله أو أكثر فيما عداها من الطَّبقات من باب أولى، فلا يُقال مقتضاه أنَّ كثرة العدد إنَّما هي في الطَّبقة الأولى خاصَّةً فيُنافي ما أسلَفه من اشتراط ذلك العدد من ابتدائه إلى انتهائه، ثمَّ كون هذا الحديث جاء عن مئتين من الصَّحابة، قال العراقيُّ: ليس في هذا المتن بعينه ولكنه في مطلق الكذب، والخاصُّ بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابيًّا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنَّة. انتهى.
وقد قسم العلماء المتواتر إلى لفظيٍّ وهو ما اتَّفق رواته المذكورون في لفظه ولو حكمًا وفي معناه، ومعنويٍّ وهو ما اختلفوا في لفظه ومعناه مع رجوعه لمعنىً كليٍّ كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلًا أنَّه أعطى جملًا وآخر أنَّه أعطى فرسًا وآخر أنَّه أعطى دينارًا وهلمَّ جرًّا، فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء؛ لأنَّ وجوده مشترك بين جميع هذه القضايا.
فمثال ما تواتر لفظه ومعناه في الحديث: ما ذكره الشَّارح من حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا … » إلى آخره، ومثله حديث: «رَفْعُ اليَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ»، إذ رواه نحو خمسين صحابيًّا بلفظ واحد، وحديث «نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي» إذ رواه نحو ثلاثين صحابيًا، كذلك وحديث «مَنْ بَنَى لله مَسْجِدًا»، وحديث «بَشِّر المَشَّائِيْنَ إِلَى المَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّوْرِ التَّامِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وغير ذلك.
وهو كثيرٌ خلافًا لابن الصلاح إذ قال: المتواتر من الحديث قليلٌ لا يكاد يوجد في رواياتهم، ومثال ما تواتر معناه كحديث رفع اليدين في الدعاء، إذ روي فيه مئة حديث في قضايا مختلفة كلُّ قضيَّة منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرَّفع عند الدُّعاء تواتر باعتبار المجموع.
(تنبيه) توهَّمَ بعضُ أفاضل العصر من قولهم في تعريف المتواتر: جمعٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب أنَّه لا يكون إلَّا صحيحًا، وليس كذلك في الاصطلاح بل منهُ ما يكون صحيحًا اصطلاحًا بأن يرويه عدول عن مثلهم وهكذا من ابتدائه إلى انتهائه، ومنه ما يكون ضعيفًا كما إذا كان في بعض طبقاته غير عدلٍ ضابط فهذا ليس بصحيح اصطلاحًا، وإن كان صحيحًا بمعنى أنَّه مطابق للواقع باعتبار أمن تواطئ نقلته على الكذب وعبارة «التقريب» فيه صريحة فيما ذكرناه إذ جعله قسمًا من المشهور وقسمه إلى صحيح وغيره؛ أي: حسن وضعيف؛ فَتَبَصَّرْ.
стр. 48
و المشهور: وهو أوَّل أقسام الآحاد:
قوله: (وَالْمَشْهُوْرِ … ) إلى آخره، سُمِّي بذلك؛ لشهرته ووضوحه، وسمَّاهُ جماعة من الفقهاء: المستفيض؛ لانتشاره من فاضَ الماءُ يفيض فيضًا، ومنهم من فَرَّقَ بينهما بأنَّ المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعمُّ من ذلك، ومنهم من عكس، وقد يراد به ما اشتهر على الألسنة وهذا يُطلق على ما له إسنادٌ واحد فصاعدًا، بل على ما لا يوجد له إسناد أصلًا.
وينقسم المشهور إلى صحيح بالمعنى الشَّامل للحسن كحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»، وحديث «ذِي اليَدَين في السَّهو»، وضعيفٍ كحديث: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ على كل مُسْلِمٍ»، وحديث: «إِحْيَاءُ أَبَوي النَّبيِّ ﷺ حتى آمَنَا بِهِ» -فهو ضعيفٌ على الصَّواب لا موضوعٌ خلافًا لقوم، ولا صحيح خلافًا لآخرين- وموضوعٌ كما روي عن أحمد ابن حنبل أنَّه قال: أربعة أحاديث تدور في الأسواق عن رسول الله ﷺ ليس لها أصل: «مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوْجِ آذار بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ» و «مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» و «يَوْمَ صَوْمِكُم يَوْمَ نَحْرِكُم» و «لِلْسَّائِلِ حَقٌ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ».
وينقسم من وجه آخر إلى مشهور عند أهل الحديث، ومشهور شهرة مطلقة؛ أي: عندهم وعند غيرهم، ومشهور عند العامَّة.
فالمشهور عند أهل الحديث خاصَّة كحديث أنس: «أَنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو على رِعْلٍ وَذَكْوَانَ»، أخرجه الشَّيخان من رواية سليمان التَّيميِّ عن أبي مجلز عن أنس، ورواه عن أنس غير أبي مجلز، وعن أبي مجلز غير سليمان، وعن سليمان جماعة، وهو مشهور بين أهل الحديث، وقد يستغربه غيرهم؛ لأنَّ الغالب على رواية التَّيميِّ عن أنس كونها بلا واسطة.
والمشهور عندهم وعند غيرهم من العلماء والعامَّة «الْمُسْلِمُ من سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ من لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
والمشهور بين العامَّة فقط: «مَنْ دَلَّ على خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، أخرجه مسلم، «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» صحَّحه ابن حبَّان والحاكم، «مَنْ بُوْرِكَ لَهُ فِي شَيءٍ فَلْيَلْزَمْهُ»، «أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُوْلِهِم» وهما ضعيفان، «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» «كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ» وهما باطلان لا أصل لهما.
قوله: (هُوَ أَوَّلُ أَقْسَامِ الآحَادِ) المرادُ بها ما يُقابل المتواتر، وإن رواه اثنان أو ثلاثة، وظاهر عبارته هذه أنَّ جميع أفراد المشهور أُحاديَّة وليس شاملًا للمتواتر، وتعريفه الآتي يقتضي شموله له وهو الواقع، فلعلَّ مراده بما هنا أنَّه أوَّل الأقسام الَّتي يتحقَّق فيها الآحاد وذلك لا ينافي أنَّه يتحقَّق فيها غيرها.
стр. 49
ما له طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنين، كحديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّة (١)» [خ¦١]، لكنَّه إنَّما طرأتْ له الشُّهرة من عند يحيى بن سعيدٍ، وأوَّل إسناده فَرْدٌ،
قوله: (بَأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ) هذا هو المعروف كما قاله ابن الصَّلاح.
فما جرى عليه صاحب «البيقونيَّة» من أنَّه أكثر من ثلاثة إذ قال:
مشهور مرويٌّ فوق ما ثلاثة
مردودٌ، والأكثر من اثنين صادق بما بلغَ حدَّ التَّواتر وما لا، فينقسم المشهور إلى متواتر وغيره وكل متواتر مشهور ولا عكس.
قوله: (أَوَّلُ إِسْنَادِهِ فَرْدٌ)؛ أي: لأنَّه تفرَّدَ به عمر ﵁ إذ لم يَرْوِهِ عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا هو، ثمَّ تَفَرَّدَ بروايته عن عُمر علقمة، ثم محمَّد بن إبراهيم عن علقمة، ثم عنه يحيى بن سعيد، ثم رواه عنه جماعة وعن كل جماعة وهكذا، فطرأت له الشُّهرة من عند يحيى بن سعيد وأوَّل إسناده فردٌ وهو عمر، واعترض بأنَّه لم ينفرد به بل رواه عن النَّبيِّ ﷺ كما ذكره أبو القاسم بن منده سبعة عشر من الصَّحابة، بل ذكر غيره أكثر منهم، كأبي سعيد الخدريِّ وعليِّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقَّاص وابن مسعود وابن عمر وابن عبَّاس وأنس وأبي هريرة وأبي ذرٍّ.
وذكر ابن منده أنَّه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير محمَّد، وعن محمَّد غير يحيى.
وأُجيب: بأنَّه لم يصحَّ له طريقٌ غير حديث عمر ولم يروَ بلفظ حديث عمر إلَّا من حديث ابن سعيد وسائر أحاديث الصَّحابة المذكورين إنَّما هي في مطلق النِّيَّة كحديث: «يُبْعَثُوْنَ عَلَى نِيَّاتِهِم»، وحديث: «لَيْسَ لَهُ مِنْ غَزَاتِهِ إِلَّا مَا نَوَى» ونحو ذلك.
والتِّرمذيُّ في جامعه يقول بعد سوق الحديث: (وفي الباب عن فلان وفلان) فلا يريد ذلك الحديث المعيَّن، بل أحاديث أُخر يصحُّ أن تكتب في الباب.
قال القرافي: وهو عملٌ صحيح إلَّا أنَّ كثيرًا من النَّاس يفهمون من ذلك أنَّ مَن ذُكر من الصَّحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك بل قد يكون كذلك وقد يكون آخر يصحُّ إيراده في ذلك. انتهى.
ولم يصح من طريق عمر إلَّا الطَّريق المتقدِّمة.
стр. 50
وهو مُلْحَقٌ بالمتواتر عندهم؛ لأنَّه يفيد العلمَ النَّظريَّ.
والصَّحيح: ما اتَّصل سندُه بعدولٍ
قال البزَّار في «مسنده»: (لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ إلَّا من حديث عمر، ولا عن عمر إلَّا من حديث علقمة، ولا عن علقمة إلَّا من حديث محمَّد، ولا عن محمَّد إلَّا من حديث يحيى).
قوله: (وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالمُتَوَاتِرِ)؛ أي: في إفادة العلم ووجوب العمل به.
وقوله: (لأنَّه يفيد العلم النظري)؛ أي: لا الضَّروريَّ كالمتواتر، إذ هو مقطوع بصحَّته وصدقه من غير نظرٍ فيه، وأمَّا هذا فلا يُقطع بصحَّته حتَّى ينظر فيه؛ فإن كان رواته رواة الصَّحيح أو الحسن أُعطي حكمهما، وإلَّا فلا على ما سيأتي تفصيله.
قوله: (والصَّحيح) فعيل بمعنى فاعل من الصِّحة وهي حقيقة في الأجسام واستعمالها في مثل ما هنا مجازًا واستعارة تبعيَّة وهذا بحسب الأصل، أمَّا الآن فقد صار حقيقة عرفيَّة فيما عرَّفه الشَّارح.
قوله: (مَا اتَّصَلَ)؛ أي: متنٌ اتَّصلَ سنده بحيث يكون كلٌّ من رجاله سمعه من شيخه من أوَّل السَّند إلى آخره بأن ينتهي إلى النَّبيِّ ﷺ أو الصَّحابيِّ أو من دونه فيشمل الموقوف، ويخرج المنقطع والمُعضَل والمعلَّق والمُرسَل على رأي من لا يَقْبله.
فالمراد بالصَّحيح الصَّحيح لذاته المُجمع عند المحدِّثين على صحَّة نسبته للنَّبيِّ ﷺ ، فلذلك خرج المرسل فإنَّه صحيح عند مالك دون الشَّافعيِّ؛ لعدم اتَّصال سنده، ويخرج أيضًا الصَّحيح لغيره فإنَّه الحسن لذاته كما سيأتي.
قوله: (بِعُدُوْلٍ) جمع عدل، من العدالة وهي لغة: الاستقامة، وأمَّا اصطلاحًا فقد عرَّفها ابن السُّبكيِّ في «جمع الجوامع» بقوله: ملكةٌ تحمِلُ على اجتناب الكبائر وصغائر الخسة والرَّذائل المباحة. انتهى. والكبائر: كلُّ ما فيه وعيدٌ شديد كالزِّنا ونحوه فلا حصر لها على الرَّاجح، وصغائر الخسَّة: كلُّ ما يدلُّ على خسَّة النَّفس كسرقة لقمة والتَّطفيف في الوزن بحبَّة، والرَّذائل جمع رذيلة: وهي ما تُورث الاحتقار كالأكل في السُّوق والمشي حافيًا أو مكشوف الرَّأس لكن هذا جائز دون ما قبله، وعرَّفها الحَمُّويي بقوله: العدالة: المحافظة على التَّقوى والمروءة، والتَّقوى: الاحتراز عما يُذَمُّ شرعًا.
والمُروءة بالضَّمِّ على الأفصح، وقد تُبدل همزته واوًا وتُدغم بمعنى الإنسانية؛ لأنَّها مأخوذة من المرء: وهي تعاطي المرء ما يُستحسن وتجنُّب ما يُسترذل كالحِرَف الدَّنيئة والملابس الخسيسة
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والجلوس في الأسواق، أو صيانة النَّفس عن الأدناس أو ما يُشين عند النَّاس، أو آداب نفسانيَّة تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال: مرؤ الإنسان فهو مرئ كقُرُب فهو قريب كما في «المصباح» وكلُّها قريبة المعنى لكنَّها بعيدة المرمى ولله درُّ من قال:
مَرَرْتُ عَلَى المُرُوءةِ وَهِيَ تَبْكِي … فَقُلْتُ عَلَامَ تَنْتَحِبُ الفَتَاةُ
فَقَالَتْ كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَهْلِي … جَمِيْعًا دُوْنَ خَلْقِ الله مَاتُوْا
وقد كان قيل:
ولا بدَّ منْ شكوى إلى ذيْ مروءةٍ … يُوَاسِيْكَ أَوْ يُسليكَ أو يتوجعُ فقلت:
ولا تشكُ منْ خبٍّ ألمَّ إلى فتىً … وكنْ صابرًا فالصَّبرُ للحرِّ أنفعُ
فمَا منْ فتىً تَلقى بهِ مِنْ مروءةٍ … يواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجَّعُ
ثُمَّ المرادُ بالعدل هنا عدل الرِّواية: وهو المسلم البالغ العاقل السَّالم من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، لا عدلُ الشهادة فلا يختصُّ بالذَّكَر الحرِّ بل يعمُّ الأنثى ومن فيه رقٌّ، فخرج الفاسق بما ذكر، والمجهول عينًا كحدَّثنا رجل؛ لأنَّه لا يقال عدل إلَّا لمعيَّن إذ هو حكم، والحكم على الشَّيء فرعٌ عن تصوُّره، ما لم يصفه نحو الشَّافعيّ من أئمَّة الحديث الرَّاوي عنه بقوله: الثِّقة، كقول الشَّافعيِّ كثيرًا: أخبرني الثِّقة، وكذا مالك قليلًا أو يقول فيه: مَن لا أتهم، كقوله: أخبرني من لا أتَّهمه، فيُقبل فيهما خلافًا للصَّيرفيِّ، وخَرَجَ أيضًا المجهول حالًا؛ كحدَّثنا زيد، ولا يُعرف منه إلَّا أنَّه ابن عمرو ولم ينصَّ أحدٌ من أهل الحديث على توثيقه أو تجريحه.
تنبيه: ظاهر تعبير الشَّارح بـ «عدول» جمعًا أنَّه لا بدَّ فيه من أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين إلى منتهاه، وليس كذلك على الصَّحيح بل الشَّرط أن يرويه عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه، كما عبَّرَ به ابن الصَّلاح، والشَّارح نظر إلى مجموع سلسلة السَّند فجَمَعَ.
стр. 52
ضابطين بلا شذوذٍ، بألَّا يكون الثِّقة
قوله: (ضَابطِيْن) من الضَّبط وهو قِسمان: ضبطُ صدرٍ: وهو أن يحفظ ما سمعه بحيث يتمكَّن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته عنده منذ سمع فيه وصحَّحه إلى أن يؤدي منه ولا يدفعه إلى مَن يمكن أن يغيِّرَ فيه، ومحلُّ هذا في كتاب لم يشتهر ولم يضبط، أمَّا ما كان كذلك كالبخاريِّ ومسلم فلا يشترط صيانة ما سمع فيه عنده حتَّى يُؤدِّي منه بل الشَّرط أنْ يروي من أصل شيخه أو فرع مقابَلٍ عليه أو فرع مقابلٍ على الفرع كما أفاده بعض حواشي شيخ الإسلام، أقول: والظَّاهر أنَّ التَّقييد بشيخه في مثل ما ذكر ليس بلازم لضبط تلك الكتب في ذاتها فالمدار على كون النُّسخة مصحَّحة على أيِّ شيخ أو مقابلةً بأيِّ فرع صحيح.
وأطلق الشَّارحُ الضَّبط ولم يقيِّد بالتَّام مع أنَّه مراتب ثلاثة: عليا ووسطى ودنيا؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق فإنَّ اللَّفظ إذا أُطلق انصرف للفرد الكامل وهو التَّامُّ خصوصًا والمقام يقتضيه.
والضَّبط التَّامُّ هو ما لا يختلُّ، فلا يُقال في صاحبه إنَّه يضبط تارة ولا يضبط أخرى، فيخرج الحسن لذاته المُشترط فيه سَمِيُّ الضَّبط فقط، وما نقله مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ.
قال في «التَّقريب»: ويُعرف ضبط الرَّاوي بموافقته الثِّقات المتقنين الضَّابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابط، ولا تضرُّ المخالفة النَّادرة فإنْ كثرت اختلَّ ضبطه ولم يُحتجَّ به في حديث.
قوله: (وَلَا شُذُوْذ) زاد بعضهم: ولا إنكار، ولا حاجة إليه لأنَّ المُنكر أسوأ حالًا من الشَّاذِّ فاشتراط نفي الشُّذوذ يقتضي اشتراط نفيه بالأولى.
قوله: (بِأَنْ (١) يَكُوْنَ الثِّقَةُ … ) إلى آخره، تصوير لعدم الشُّذوذ، فيكون الشُّذوذ هو مخالفة الثِّقة لأرجح منه حفظًا أو عددًا، وهو أحد أقوال في تفسيره.
ثانيها: تفرُّدُ الثِّقة مطلقًا سواء خالف غيره أو لا.
ثالثها: تفرُّدُ الرَّاوي مطلقًا ثقة أو لا، والرَّاجح الأوَّل، وعليه قال شيخ الإسلام: إنَّ انتفاء صحة الحديث بمجرد مخالفةِ أحدِ رواته لمن هو أوثقُ منه مُشكل؛ لأنَّ الإسناد إذا كان متصلًا ورواته كلّهم عدول ضابطون فقد انتفت عنه العلل الظَّاهرة وإذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحُكم بصحته، فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أرجح منه لا تستلزمُ الضَّعف بل يكون من باب صحيح وأصح.
стр. 53
خالف أرجح منه حفظًا أو عددًا مخالفةً لا يمكن الجمع، ولا علَّةٍ
قال: ولم أرَ مع ذلك عن أحد من أئمَّة الحديث اشتراط نفي الشُّذوذ المعبَّر عنه بالمخالفة، وإنَّما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة، وأمثلة ذلك موجودة في الصَّحيحين وغيرهما.
فمن ذلك أنَّ مسلمًا أخرج حديث مالك عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في «الاضْطِّجَاع قَبْلَ رَكْعَتَي الفَجْرِ» وقد خالفَ مالكًا عامَّةُ أصحاب الزُّهريِّ، كمَعْمَر ويونس والأوزاعيِّ وغيرهم عن الزُّهريِّ فذكروا الاضطِّجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصُّبح، ورَجَّحَ جمعٌ من الحفَّاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخَّر أصحاب الصَّحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم، قال: فإن قيل: يلزم أن يسمَّى الحديث صحيحًا ولا يُعمل به، قلت: لا مانع من ذلك إذ ليس كل صحيحٍ يُعمل به بدليل المنسوخ.
قوله: (ولا عِلَّةَ) عطفٌ على شذوذ، والعلَّة: عبارة عن أمر قادح في الحديث؛ -أي: مؤثر في ردِّه- تظهر للنُّقَّاد عند جَمْع طُرق الحديث والبحث والتفتيش فيها؛ وذلك كإرسال الحديث الموصول إمَّا إرسالًا خفيًّا بأنْ يرويه عمَّن عاصره بلفظ (عن) ولم يسمع منه شيئًا، أو ظاهرًا بأن ينقل عن شيخ عُرف عند النَّاس عدم اجتماعه به والحال أنَّه لم يسمع عنه شيئًا أيضًا، فالإرسال هنا غير ما يأتي في تعريف المرسل من الأنواع فإنَّ صُورته أنَّه لم يوصل سنده، ولذلك قيَّدنا هنا بقولنا الموصول، وأيضًا فإنَّه لا فرقَ في كون الإرسال بهذا المعنى علَّةً قادحةً بين أن يكون ظاهرًا أو خفيًّا، ويسمَّى الأوَّل علَّة ظاهرة والثَّاني علَّة خفية، وكلٌّ منهما قادحٌ في صحَّة الحديث؛ لأنَّ الخفيَّة إذا أثَّرت مع خفائها فالظَّاهرة أولى، بخلاف الإرسال بالمعنى الآتي فلا يقدح منه إلَّا الخفيّ فقط، وذلك كإرسال سند متَّصل أو وقف سند مرفوع حيثُ لم يتعدَّد السَّند ولم يقوَ الاتِّصال أو الرَّفع على مقابله من الإرسال في الأوَّل والوقف في الثَّاني بكون راويه أضبط أو أكثر عددًا.
أما الظَّاهرة فهي كإرسال ووقف إذا قويا على مقابلهما بما ذكر وكان يقع اختلاف في تعيين ثقة من ثقتين كحديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا»، فإنَّ بعضهم رواه عن عمرو بن دينار، وبعضهم عن عبد الله بن دينار، وكلٌّ منهما ثقة، وإن كان الصَّواب أنَّه مرويٌّ عن عبد الله بن دينار فليست هذه قادحةٌ، ولا يُسمَّى الحديث المشتمل عليها معلَّلًا اصطلاحًا، كما لا يُعلُّ الحديث بكل قادحٍ ظاهر من فسق راويه أو غفلته أو سوء حفظه وإن أعلَّ بعضهم الحديث بذلك.
стр. 54
خفيَّةٍ قادحةٍ
والحاصلُ: أنَّ الإرسال بالمعنى الأوَّل بقسميه في مرتبة الخفيِّ منه بالمعنى الثَّاني، وأنَّ المعلَّل الآتي الَّذي هو نوع من أنواع الضَّعيف هو ما احترز عنه هنا في تعريف الصِّحة بقوله ولا علة … إلى آخره.
قوله: (قَادِحَةٍ)؛ أي: في صحَّةِ الحديث مع أن الظَّاهر سلامته منها، وهذا القيد؛ لبيان الواقع إذ لا يكون علَّة إلَّا القادحة عند الجمهور، وأطلق بعضهم العلَّة على كلِّ مخالف ولو لم يقدح في صحَّة الحديث كإرسال ما وَصَلهُ الثِّقةُ الضَّابط ممَّن لم يرجح عنه حتَّى قيل في الصَّحيح: صحيح معلَّل، وعليه فيكون هذا القيد للاحتراز عن غير القادحة فلا تضرُّ في كونه صحيحًا كما في المثال المذكور، وكأنْ يروي العدل الضَّابط عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ حديثًا فيرويه ثقة آخر عن هذا التَّابعيِّ بعينه عن صحابيٍّ آخر غير الأوَّل، فهذه علَّة غير قادحة أيضًا في صحَّة الحديث؛ لجواز أن يكون ذلك التَّابعيُّ سمعه من كلا الصَّحابيَّين، وفي الصَّحيحين من ذلك كثير.
وتُدرك العلة بقرائن تُنبِّه العارف على وهمٍ وقع بإرسال في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديثٍ في آخر أو نحو ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحَّة الحديث أو يتردَّد فيتوقَّف.
وتقع في الإسناد كالإرسال والوقف وتغيير راوٍ بآخر كما سَلَفَ، وفي المتن كحديث الوليد بن مسلم عن أنس في «نفي البسملة من الفاتحة» الآتي فإنَّه معلولٌ بمخالفة العدد الكثير إذ رووه ولم يذكروا الزيادة الَّتي فيها نفي البسملة.
تنبيهان:
الأوَّل: أورد على التَّعريف المذكور أنَّ الحسن إذا رُوي من غير وجهٍ ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصَّحيح وهو غير داخل في هذا الحدِّ، وكذا ما اعتضد بتلقِّي العلماء له بالقبول فإنَّه يحكم له بالصِّحة وإن لم يكن إسناد صحيح؟
وأجيب: إنَّ هذا تعريف للصَّحيح لذاته لا لغيره، وما أورد من قبيل الثَّاني.
الثَّاني: ما ذكره الشَّارح من شروط الصَّحيح في هذا الحدِّ هو المُجْمع عليه وبقي شروط أُخر مختلف فيها: منها ما ذكره الحاكم أن يكون راويه مشهورًا بالطَّلب، قال عبد الرَّحمن بن عوف: لا يؤخذ العلم إلَّا عمَّن شُهد له بالطَّلب، وعن أبي الزِّناد: أَدركنا بالمدينة مئةً كُلُّهم مأمون لا يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله.
قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يُقال: اشتراط الضَّبط يغني عن ذلك إذ المقصود بالشُّهرة بالطَّلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرِّواية؛ لتركن النَّفس إلى كونه ضبط ما روى.
стр. 55
مُجمَعٍ عليها، أي: إسناده صحيح،
ومنها اشتراط علم الراوي بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى، وهو شرط لا بدَّ منه لكنَّه داخل في الضَّبط.
ومنها اشتراط البخاريِّ ثبوت السَّماع لكلِّ راوٍ من شيخه ولم يكتف بإمكان اللِّقاء والمعاصرة.
ومنها أنَّ بعضهم اشترط العدد في الرِّواية كالشَّهادة، وبه جزم ابن الأثير، وقال الجبَّائيُّ: لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد إلَّا إذا انضمَّ إليه خبر عدل آخر أو عضده موافقة الكتاب أو يكون منتشرًا بين الصَّحابة أو عمل به بعضهم. واشترط بعضهم أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه وبعضهم أربعة عن أربعة وبعضهم خمسة عن خمسة وبعضهم سبعة عن سبعة، وللمعتزلة في ردِّ خبر الواحد حجج منها «قصَّة ذي اليدين» وكونه ﷺ توقَّف في خبره حتَّى تابعه عليه غيره، وأجيب: بأنَّه إنَّما حصل التَّوقُّف في خبره؛ لأنَّه أخبره عن فعله ﷺ في الصَّلاة، وأَمْر الصَّلاة لا يرجع المصلِّي فيه إلى خبر غيره بل ولو بلغ حدَّ التَّواتر، وإنَّما تذكَّر ﷺ عند إخبار غيره، وقد بَعث ﷺ واحدًا واحدًا إلى الملوك ووفد عليه الآحاد من القبائل فصار يُرسل كلَّ واحد إلى قبيلته، وكانت الحجَّة قائمة بإخباره عنه، وقد استدلَّ البيهقيُّ على ثبوت الخبر بالواحد بحديث «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي» الحديثَ، وبحديث «بَيْنَمَا النَّاس في صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد أُنْزِلَ عليه اللَّيْلَةَ قُرْآن وقد أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلى الشَّأم فَاسْتَدَارُوا إلى الْقِبْلَةِ الكعبة» [خ¦٤٤٩٤]، قال الشَّافعيُّ: فقد تركوا قبلة كانوا عليها بخبر واحد ولم يُنكر عليهم ﷺ وغير ذلك.
قوله: (مُجْمَعٍ عَلَيْهَا) خرجَ ما اخْتُلف فيه كإرسال ما وَصَلَهُ الثِّقة الضَّابط فإنَّ ذلك لا يقدح في صحَّة الحديث، لكنَّ بعضهم سمَّى ذلك علَّةً وإن كانت غير قادحة كما سلفَ بل شدَّدَ بعضهم فردَّ بكلِّ علَّةٍ ولو غير قادحة.
قوله: (أَيْ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ) (١) كذا في النُّسخ وهو بيان للمراد من الصَّحيح وفيه سقطٌ لا بدَّ منه
стр. 56
لا أنَّه مقطوعٌ به في نفس الأمر؛ لجواز خطأ الضَّابط الثِّقة ونسيانه، نعم؛ يُقطَع به إذا تواتر، فإن لم يتَّصل بأن حُذِف من أوَّل سنده أو جميعه لا وسطه؛ فمعلَّقٌ، وهو في «صحيح البخاريِّ» يكون مرفوعًا وموقوفًا،
وهو لفظ ليس، والأصل؛ أي: ليس إسناده ضعيفًا؛ أي: أنَّ معنى كون الحديث صحيحًا أنَّ إسناده ليس بضعيف بقانون الصِّناعة الحديثيَّة، وإن كان قد يكون غير صحيح في نفس الأمر كما قال الشَّارح: لا أنَّه مقطوع به … إلى آخره.
قوله: (لا أَنَّهُ مَقْطُوْعٌ بِهِ)؛ أي: خلافًا لمن قال: إنَّ خبر الواحد يوجب القطع. كما حُكي عن أحمد ومالك وداود، وحُكي عن بعض الشَّافعية بشرطِ أن يكون في إسناده إمام كمالك وأحمد وسفيان وإلَّا فلا يوجبه.
قوله: (إِذَا تَوَاتَرَ)؛ أي: أو احتَفَّت به قرائن، قال في «شرح النُّخبة»: الخبر المُحتفُّ بالقرائن يفيد العلم خلافًا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع منها ما أخرجه الشَّيخان ممَّا لم يبلغ عدد التَّواتر فإنَّه احتفَّ به قرائن منها جلالتهما وتقدُّمهما في تمييز الصَّحيح على غيرهما وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، ومنها المشهور إذا كان له طرق متباينة سالمة من ضعف الرُّواة والعلل وممَّن صرَّح بإفادته العلم أبو منصور البغداديُّ، ومنها المسلسل بالأئمَّة الحفَّاظ حيث لا يكون غريبًا كحديث يرويه أحمد مثلًا ويشاركه فيه غيره عن الشَّافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك فإنَّه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، قال: وهذه الأنواع الَّتي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلَّا للمُتَبَحِّر في الحديث العارف بأحوال الرُّواة والعلل.
قوله: (فمُعَلَّق)؛ أي: لكونه بحذف أوَّل سنده صار كالجدار المعلَّق، ويُطلق عليه أنَّه غير صحيح بمعنى أنَّه لم يصحَّ إسناده بالشُّروط المذكورة لا أنّه كذب في نفس الأمر؛ لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ.
وقوله: (وَهُوَ فِي صَحِيْحِ البُخَاريِّ) سيأتي أنَّه إنَّما يفعل ذلك؛ اعتمادًا على شهرة الحديث وسنده أو في المتابعات والشَّواهد لا في الأصول.
قوله: (يَكُوْنُ مَرْفُوْعًا) هو كما سيأتي ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ من قول أو فعل … إلى آخره.
وقوله: (أَوْ (١) مَوْقُوْفًا) هو المقصور على الصَّحابيِّ كما ستعرفه.
стр. 57
يأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في الفصل التَّالي، والمختار: لا يُجزم
قوله: (والمُخْتَار … ) إلى آخره، مقابله أنَّه لا يجزم بذلك مطلقًا، وأنَّه يجزم به مطلقًا تَقيَّد بمخصوص أو لا، والقائلون بذلك اختلفوا، فقال بعضهم:
أصحُّها: مطلقًا ما رواه أبو بكر محمَّد بن مسلم عن عبيد الله بن عبد الله الزُّهريِّ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وهو مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه.
وقيل: أصحُّها محمَّد بن سيرين عن عَبيدة عن عليٍّ، وهو مذهب ابن المدينيِّ وقيل غير ذلك.
ما جرى عليه الشَّارح هو ما اختاره الحاكم، قال: ينبغي تخصيص القول في أصحِّ الأسانيد بصحابيٍّ، أو بلد مخصوص بأن يقال: أصحُّ إسناد فلان أو فلانيين كذا؛ -أي: كالبصريِّين- ولا يُعَمِّم، ثمَّ قال: (فأصحُّ أَسَانِيْدِ الصِّدِيْق … ) إلى آخره، ما ذكرهُ الشَّارح.
قال الخطيب: وأصحُّ طرق السُّنن ما يرويه أهل الحرمين مكَّة والمدينة فإنَّ التَّدليس عنهم قليل والكذب والوضعُ عندهم عزيز، ولأهل البصرة من السُّنن الثَّابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، والكوفيون لا تخلو روايتهم من دَغلٍ وغلل، وحديث الشَّاميين أكثرهُ مراسيل ومقاطيع وما اتَّصل منه فإنَّه صالحٌ، وأما العراقيُّون فقال هشام: إذا حدَّثك عراقيٌّ بألف حديثٍ فاطرح تسعمئة وتسعين وكنْ من الباقي في شكٍّ. انتهى.
стр. 58
في سندٍ بأنَّه أصحُّ الأسانيد مطلقًا غير مقيَّدٍ بصحابيِّ تلك التَّرجمة لعسر الإطلاق؛ إذ يتوقَّف على وجود درجات القبول في كلِّ فردٍ فردٍ من رواة السَّند المحكوم له، فإن قُيِّد بصاحبها ساغ فيُقال مثلًا: أصحُّ أسانيد أهل البيت:
قوله: (فِي سَنَدٍ)؛ أي: أو حديثٍ، قال العلائيُّ: أمَّا الإسناد فقد صرَّح جماعة بذلك، وأمَّا الحديث فلا يُحفظ عن أحد من أئمَّته أنَّه قال: حديث كذا أصحُّ الأحاديث على الإطلاق؛ لأنَّه لا يلزم من كون الإسناد أصحَّ من غيره أن يكون المتن كذلك، فلذلك لم يخصَّ الأئمَّة إلَّا في الحكم على الإسناد. انتهى. لكنَّ شيخ الإسلام سيأتي إنَّ من لازم ما قاله بعضهم من أنَّ أصحَّ الأسانيد ما رواه أحمد عن الشَّافعي عن مالك عن نافع … إلى آخره أن يكون أصحُّ الأحاديث الحديث الَّذي رواه أحمد بهذا الإسناد. انتهى.
قال الحافظ السُّيوطيُّ: وقد جزمَ بذلك العلائيُّ نفسه في عوالي مالك فقال في الحديث المذكور: إنَّه أصحُّ حديثٍ في الدنيا.
قوله: (بِصَحَابِي تِلْكَ التَّرْجَمَةِ)؛ أي: أو بجهة محصورة كأهل البيت الآتية في الشَّارح أو البصريِّين أو المدنيِّين.
قوله: (على وُجُوْدِ دَرَجَاتِ القَبُوْلِ)؛ أي: المرتفعةُ عن سائر الأسانيد؛ فإنَّ الإطلاع على سائر الأسانيد ومعرفة أنَّ هذا أصحُّها متعسّرٌ بل متعذّر.
تنبيه: يُستفاد من كلام الشَّارح أنَّ الصَّحيح يتفاوت، وهو كذلك فله مراتب مختلفة متنًا وسندًا بحسب تفاوت الأوصاف المقتضية لهما، وإن كان الجميع مشتملًا على الشُّروط المذكورة.
فمن المرتبة العليا سندًا ما ذكره الشَّارح، ومن المرتبة العليا متنًا ما اتَّفق على إخراجه البخاريُّ ومسلم، ثمَّ ما انفرد به البخاريُّ، ثمَّ مسلم، ثمَّ ما كان على شرطهما ولم يخرِّجاه بل خرَّجه غيرهما، ثمَّ ما كان على شرط البخاريِّ، ثمَّ ما كان على شرط مسلم، ثمَّ ما كان على شرط غيرهما كباقي الكتب السِّتَّة.
وسيأتي في الشَّارح الكلام على شرط الشَّيخين، وحاصله أنَّه ليس لهما شرط موجود في كتابيهما فاختلف النَّاس فيه، قيل: والأسلم ما قاله النَّوويُّ: أنَّ المراد بالشَّرط الرِّجال الرَّاوون للحديث،
стр. 59
جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ ﵃، إذا كان الرَّاوي عن جعفرٍ ثقةً، وأصحُّ أسانيد الصِّدِّيق ﵁: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازمٍ عن أبي بكرٍ، وأصحُّ أسانيد عمر ﵁: الزُّهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن جدِّه، وأصحُّ أسانيد أبي هريرة ﵁: الزُّهريُّ عن سعيدِ بن المسيَّب عن أبي هريرة، وأصحُّ أسانيد ابن عمر: مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر، وأصحُّ أسانيد عائشة: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂ وعنهم أجمعين.
ويُحكَم بتصحيح نحو جزءٍ نَصَّ على صحَّته مَنْ يُعتَمد عليه من الحفَّاظ النُّقَّاد،
فإذا قيل هذا الحديث على شرط البخاريِّ أو شرط مسلم فمعناه أنَّ الرَّاوين له كرواة البخاريِّ أو مسلم أو منهما، واعلم أنَّ ما أخرجه المؤلِّفون بعد الشَّيخين كالسُّنن لأبي داود إذا قالوا فيها: أخرجه البخاريُّ أو مسلم فلا يَعْنون بذلك أكثر من أنَّ البخاريَّ أو مسلمًا أخرج أصل ذلك الحديث، فعلى هذا ليس لك أن تنقل حديثًا منها وتقول هو على هذا الوجه من كتاب البخاريِّ أو مسلم إلَّا أن تقابل لفظه، أو يقول الَّذي خرَّجه: أخرجه البخاري بهذا اللَّفظ، كذا في «الملخّص»، ومثل ذلك يقال فيما يخرجه الحافظ السُّيوطيُّ في «الجامع الصَّغير» عن الشَّيخين أو أحدهما؛ فتَفَطَّن.
قوله: (جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّد)؛ أي: ابن عليِّ بن الحسين بن عليِّ ﵃.
وقوله: (عن أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ) هذه عبارةُ الحاكم ونُظر فيها بأنَّ الضَّمير في جدِّه إن عاد لجعفر فجدُّه عليٌّ لم يسمع من عليِّ بن أبي طالب أو إلى محمَّد فهو لم يسمع من الحسين.
قوله: (مَالِك عَن نَافِع) مالك هو ابن أنس الإمام، ونافع هو مولى ابن عمر، قال البخاريُّ: وهذا أصحُّ الأسانيد، قال السُّيوطيُّ: وهو أمر تميلُ إليه النُّفوس وتنجذب له القلوب، قال النَّوويُّ: وعلى هذا فأجلُّ الأسانيد الشَّافعيُّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر؛ أي: لإجماع أهل الحديث على أنَّه لم يكن في الرُّواة عن مالك أجلُّ من الشَّافعيِّ، وبَنى بعض المتأخِّرين على ذلك أن أجلَّها رواية أحمد ابن حنبل عن الشَّافعيِّ عن مالك؛ لاتفاق أهل الحديث على أنَّه لم يرو عن الشَّافعي أجلُّ من أحمد، وتسمَّى هذه التَّرجمة سلسلة الذَّهب.
قوله: (نَحْوَ جُزْءٍ)؛ أي: ككتاب من المصنَّفات المشهورة.
стр. 60
فإن لم ينصَّ على صحَّته معتَمدٌ فالظَّاهرُ جوازُ تصحيحه لمن تمكَّنت معرفتُه وقويَ إدراكُه، كما ذهب إليه ابن القطَّان والمنذريُّ والدِّمياطيُّ والسُّبكيُّ وغيرهم؛ خلافًا لابن الصَّلاح، حيث مَنَعَ لضعف أهل هذه الأزمان.
قوله: (أَوْ لَمْ يَنُصَّ) كان الأظهر: فإن لم ينصَّ … إلى آخره.
قوله: (جَوَازُ تَصْحِيْحِهِ) قال العراقيُّ: وهو الَّذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحَّح جماعة من المتأخِّرين أحاديث لم نجد لمن تقدَّمهم فيها تصحيحًا.
وقوله: (كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ القَّطَانِ) بالقاف وهو أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبد الملك بن القطَّان صاحب كتاب «الوهم والإيهام»، فصحَّحَ في كتابه المذكور حديث ابن عمر: «أنَّه كان يتوضَّأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول: كذلك كَانَ رسول الله ﷺ يَفْعَلُ».
وقوله: (والمُنْذِرِيُّ) هو الحافظ زكيُّ الدِّين، فصَحَّحَ حديثَ بحر بن نصر عن ابن وهب عن مالك ويونس عن الزُّهريِّ عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في «غُفْرَان مَا تقدَّمَ منْ ذنبهِ وما تأخَّرَ».
وقوله: (وَالدِّمْيَاطِيُّ) هو الحافظ شرف الدِّين من الطَّبقة الَّتي تلي طبقة ابن القطَّان والمنذريِّ،
فصحَّحَ حديث جابر «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
وقوله: (والسُّبْكِيُّ) هو تقيُّ الدِّين من الطَّبقة الَّتي بعد طبقة الدّمياطيِّ فصَحَّحَ حديث ابن عمر في «الزِّيارة».
قوله: (حَيْثُ مَنَعَ … ) إلى آخره، قال: لا يُحكم بصحَّته؛ لضعف أهل هذه الأزمان وما من إسناد من ذلك إلَّا ونجدُ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عَرِيًّا عما يُشترط في التَّصحيح من الحفظ والضَّبط والإتقان، قال في «المنهل»: مع غلبة الظَّنِّ أنَّه لو صحَّ لما أهمله أئمَّة الأعصار المتقدِّمة؛ لشدَّة فحصهم واجتهادهم. انتهى.
قال الحافظ السُّيوطيُّ: والأحوط في مثل ذلك أن يعبَّر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التَّصحيح؛ لاحتمال علَّة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبِّر؛ خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله.
стр. 61
و الحسن: ما عُرِفَ مَخْرَجُه مِن كونه حجازيًّا شاميًّا عراقيًّا مكيًّا كوفيًّا؛ كأن يكون الحديث عن راوٍ قد اشتُهِر برواية أهل بلده، كقَتادة في البصريِّين، فإنَّ حديث البصريِّين إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مَخْرَجُه معروفًا، بخلافه عن غيره. والمراد به الاتِّصال، فالمنقطع والمُرسَل والمُعضَل لغيبة بعض رجالها
تنبيه: حيثُ جاز التَّصحيح للمتأخرين فالتَّحسينُ أولى، وقد حَسَّنَ المِزيُّ حديث «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ» مع تصريحِ الحُفَّاظِ بتضعيفه، وكذلك التَّضعيف، وأمَّا الحكم بالوضع فيمتنعُ إلَّا حيث لا يخفى كالأحاديث الطِّوال الرَّكيكة الَّتي وضعها القُصَّاصُ أو ما فيه مخالفةٌ للعقل أو الإجماع كما ذكره في «شرح التَّقريب»، قال: وأمَّا الحكم للحديث بالتَّواتر أو الشُّهرة فلا يمتنع إذا وجدت الطُّرق المعتبرة في ذلك وينبغي التَّوقُّف عن الحكم بالفرديَّة والغرابة والعزَّة أكثر.
قوله: (مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ) بفتح الميم والرَّاء؛ أي: محلَّ خروجه، وهو رجاله الرَّاوون له؛ لأنَّه خرج منهم والمراد ولو نساء.
وأما المخرِّج بالتَّشديد أو بالتَّخفيف اسم فاعل فهو ذاكرُ الرِّواية، كالبخاريِّ، والمعنى أنَّ الحَسن هو ما اشتهرت رجاله وذلك كناية عن الاتِّصال كما سيأتي بقول الشَّارح، والمرادُ به؛ -أي: بمعرفة المخرَج- الاتِّصال وأنَّ المدار عليه ولو لم يعرف المخرج إذ المرسل والمنقطع والمُعْضَل والمُدَلَّس -بفتح اللام- قبل أن يتبيَّن تدليسه لا يُعرف مخرج الحديث فيها فلا يكون متَّصلًا إذ لا يُدرى من سقط.
قوله: (بِسِبَبِ رِوَايَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ)؛ أي: عنه، وقوله: (كان مخرجه معروفًا)؛ أي: لمعرفة سلسلة قتادة وشهرتها بين المحدثين.
قوله: (فالمُنْقَطِعُ … ) إلى آخره، تفريعٌ على أنَّ المرادَ الاتِّصال والمدار عليه، وسيأتي أنَّ المنقطع ما سقط من رواته واحدٌ قبل الصَّحابيِّ من مكان أو أكثر، والمُعْضَل السَّاقط منه اثنان فأكثر مع التَّوالي، والمُرْسل ما سقط منه الصَّحابيُّ ورفعه التَّابعي.
وقوله: (لغيبة … ) إلى آخره، علَّةٌ مقدَّمةٌ على المعلول.
стр. 62
لا يُعلَم مَخْرَجُ الحديث منها، فلا يسوغ الحكم بمَخْرَجه، فالمعتبر الاتِّصال
وقوله: (لا يعلم … ) إلى آخره، خبر المنقطع.
وأمَّا قوله: (لا يُسوغ) فالظَّاهر أنَّ له فاء سقطت ولا يسوغ سقوطها، إذ المعنى أنَّه يترتَّب على عدم معرفة السَّاقط منها عدم جواز الحكم على مَخْرجها بالحُسن؛ لتوقفه على الاتِّصال المتوقِّف على معرفة جميع الرِّجال، أو الباء في (بمخرجه) سببيَّة والكلام على تقدير مضاف؛ أي: بسبب جهل مَخْرَجِهِ لا يسوغ الحكم عليه … إلى آخره.
ثمَّ ما ذكره الشَّارح من التَّعريف أصله للخطَّابيِّ، واعترضه ابن دقيق العيد بصدقه على الصَّحيح، وأُجيب: بأنَّ الصَّحيح أخصُّ من الحسن، ودخول الخاصِّ في حدِّ العامِّ ضروريٌّ، والتَّقييد بما يخرجه عنه مخلٌّ بالحدِّ له، وهذا مبنيٌّ على طريق المتقدمين من جواز التَّعريف بالأعمِّ، لكنَّ الشَّارح سيأتي بقوله (وَشُهْرَةُ رِجَالِهِ بِالْعَدَالَةِ … ) إلى آخره، عاطفًا له على قوله (فَالْمُعْتَبَرُ الاتِّصَالُ) فسَلِمَ كلامه من ذلك، إلَّا أنَّه قاصرٌ على أحد شِقَّي الحسن وهو الحسن لذاته غير شاملٍ للحسن لغيره، ولذا لم يرتضِ ذلك ابن الصَّلاح، وقال ما حاصله: قد أمعنتُ النَّظر في ذلك جامعًا بين أطراف كلامهم ملاحظًا مواقع استعمالهم فاتَّضح لي أنَّ الحسن قسمان؛ أحدهما وهو المسمَّى بالحسن لغيره ما في إسناده مستورٌ لم تتحقَّق أهليَّته غير أنَّه ليس مغفَّلًا ولا كثير الخطأ فيما يرويه ولا متَّهمًا بالكذب فيه ولا يُنسب إلى مفسِّق آخر واعتضد بمتابع أو شاهد، وثانيهما وهو المسمَّى بالحسن لذاته ما اشتهر رواته بالصِّدق والأمانة ولم يصلْ في الحفظ والإتقان مرتبة رجال الصَّحيح، قال: وعليه ينزل حدُّ الخطَّابيِّ ويزاد في كلٍّ منهما سلامته من التَّعليل والشُّذوذ. انتهى.
أي: لتتمَّ الشُّروط الخمسة الَّتي للصَّحيح، وهي الاتِّصال، وكون راويه عدلًا، وكونه ضابطًا، وعدم الشُّذوذ والتَّعليل.
قال ابن جماعة: ويرد على الأوَّل من القسمين الضَّعيف والمنقطع والمرسل الَّذي في رجاله مستور، وروي مثله أو نحوه من وجه آخر، وعلى الثَّاني المرسل الَّذي اشتهر راويه بما ذكر فإنَّه كذلك وليس بحسنٍ في الاصطلاح، قال: ولو قيل: الحسن كلُّ حديث خالٍ عن العلل وفي سنده المتَّصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان لكان أجمع وأخصر. انتهى.
وحدَّ شيخ الإسلام الصَّحيح لذاته بما نقله عدل تامُّ الضَّبط متَّصل السَّند غير معلَّل ولا شاذٍّ، ثمَّ قال: فإنْ خفَّ الضَّبط فهو الحسن لذاته. فشَرَّك بينه وبين الصَّحيح في الشُّروط إلَّا تمام الضَّبط، ثمَّ
стр. 63
ولو لم يعرف المَخْرَج، إذ كلُّ معروفِ المَخْرَج متَّصلٌ ولا عكسَ، وشهرةُ رجاله بالعدالة والضَّبط المنحطِّ عن الصَّحيح، ولو قِيلَ: هذا حديثٌ
ذكر الحسن لغيره بالاعتضاد.
وبالجملة فقد كثُرت تعاريف الحسن ولم يصفُ منها تعريفٌ حسن، قال البلقينيُّ: الحسن لَمَّا توسَّطَ بين الصَّحيح والضَّعيف عند النَّاظر كأنَّ شيئًا ينقدح في نفس الحافظ وقد تقصُر عبارته عنه فلذا صعُب تعريفه. انتهى.
قوله: (ولَمْ يُعْرَف المَخْرَج)؛ أي: لم يشتهر، وأمَّا أصل معرفته وضبطه فلا بدَّ منه.
قوله: (مُتَّصِلٌ)؛ أي: لِمَا عرفت من أنَّ ما سقط من رجاله شيء لم يعرف مخرجه.
وقوله: (ولا عَكْسَ)؛ أي: لأنَّه قد يتَّصل مع عدم الاشتهار بل ومع الضَّعف.
قوله: (وشُهْرَةُ) بالرَّفع عطف على الاتِّصال، والمراد بالشُّهرة: سلامة الرِّجال من وصمة الكذب فهو بمعنى قول التِّرمذيِّ: ولا يكون في إسناده متَّهم بالكذب، كما في «شرح التَّقريب»، ويحتمل أن يكون (وشهرة) مبتدأ و (بالعدالة) خبره؛ والمعنى: وشهرة رجاله الَّتي هي مُرادة لمعرفة المَخْرج تكون بالعدالة … إلى آخره؛ أي: فمعنى قولنا: ما عُرف مخرجه؛ أي: ما اشتهرت رجاله بأنَّهم عدول ضابطون … إلى آخره، وبالجملة فهذا التَّعريف فيه من الطُّول والقلاقة والصُّعوبة ما لا يخفى.
قوله: (المُنْحَطِّ عَنْ الصَّحِيْحِ)؛ أي: الَّذي للصَّحيح وهو تمام الضَّبط إذ المعتبر فيه الضَّبط التَّامُّ، وفي الحسن أصل الضَّبط، واعلم أنَّ الحسن بقسميه يشارك الصَّحيح في الاحتجاج والعمل به عند جميع الفقهاء وأكثر المحدثين وإن كان دونه في القوَّة ولهذا أدرجه جماعة في نوع الصَّحيح كالحاكم وابن حبَّان، لكن مَن سمَّاه صحيحًا لا يُنكر أنَّه دونه بدليل تقديم الصَّحيح عليه عند التَّعارض فحينئذ يكون الخلاف لفظيًّا، فمن جعله من الصَّحيح أراد في الاحتجاج والعمل، ومن أخرجه منه أراد أنَّ رتبته أقلُّ من رتبته.
ويُشارك الصَّحيح أيضًا في تفاوت رتبه، فمن الرُّتبة العُليا سندًا ما قاله الحافظ الذَّهبيُّ: إنَّ أعلى مراتب الحسن محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فإنَّ عدَّةً من الحُفَّاظ يصفون هذه الطَّريق بأنَّها من أدنى مراتب الصَّحيح، ورويَ منها قوله ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كل صَلَاةٍ» رواه التِّرمذيُّ.
стр. 64
حسن الإسناد أو صحيحه؛ فهو دون قولهم: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أو حديثٌ حسنٌ؛ لأنَّه قد
تنبيهان:
الأوَّل: إذا كانَ راوي الحديث متأخِّرًا عن درجة الحافظ الضَّابط مع كونه مشهورًا بالصِّدق والسَّتر حتَّى يكون حديثه حسنًا فرُويَ حديثه من وجه آخر ولو واحدًا قَوِيَ بالمتابعة وانجبر ذلك النَّقص اليسير، وارتفع من درجة الحسن إلى درجة الصَّحيح وهو الصَّحيح لغيره، وذلك كحديث محمَّد بن عمرو المتقدِّم؛ فإنَّ محمَّد بن عمرو من المشهورين بالصِّدق لكنَّه لم يكن من أهل الإتقان حتَّى ضعَّفه بعضهم؛ من جهة سوء حفظه، ووثَّقه بعضهم؛ لصدقه وجلالته فحديثه من ذلك الوجه حسن، وانضمَّ إلى ذلك كونه رُوي من وجه آخر عن أبي هريرة فرواه الشَّيخان من طريق الأعرج عن أبي هريرة فحكمنا بصحَّته فهو صحيحٌ لذاته من طريق الشَّيخين صحيح لغيره من طريق محمَّد؛ نظرًا لجبره بوروده من طريق غيره، وحسنٌ لذاته من طريقه بقطع النَّظر عن جبره بغيره.
الثَّاني: اشتُهر أنَّ الأحاديث الضعيفة يقوِّي بعضها بعضًا، وأنَّه يتحصَّل من مجموعها أنَّ الحديث
يصير حسنًا. وليس على إطلاقه؛ بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصَّدوق الأمين زال لمجيئه من وجه آخر موافق له، وعرفنا أنَّه لم يختلَّ فيه ضبطه وصار الحديث حسنًا بذلك وهو الحسن لغيره، وكذا ما كان ضعفه لإرسالٍ أو تدليسٍ أو جهالةِ رجالٍ زال بمجيئه من وجه آخر وكان دون الحسن لذاته، وأمَّا الضَّعيف لفسق الرَّاوي أو كذبه فلا يؤثِّر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله؛ لقوة الضَّعف وتَقَاعُد هذا الجابر، نعم؛ يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكرًا أو لا أصل له.
قال شيخ الإسلام: بل ربَّما كَثُرَت الطُّرق حتَّى أوصلته إلى درجة المستور والسَّيِّئ الحفظ، بحيث إذا وُجد له طريق آخر فيه ضعفٌ قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن.
قوله: (حَسَنُ الإِسْنَادِ أَوْ صَحِيْحِهِ)؛ أي: بإضافة الحُسن أو الصِّحة إلى الإسناد.
وقوله: (فَهُوَ دُوْنَ قَوْلِهِم: حَدِيْثٌ حَسَنٌ … ) إلى آخره؛ أي: كلٌّ منهما أدنى من كلٍّ منهما، وكذا لو قيل صحيح حسن الإسناد، بأنَّ وصف الإسناد بكلٍّ من الصِّحة والحُسن على ما جرى عليه شيخ الإسلام فيما يأتي في الحديث الصَّحيح الحسن إذا كان له طريق واحد وعُلم أنَّ كلًّا ممَّا ذكر أدنى من
стр. 65
يصحُّ أو يحسُنُ الإسناد؛ لاتِّصاله وثِقَةِ رواته وضبطِهم دون المتن؛ لشذوذٍ أو علَّةٍ،
قولهم: صحيح الإسناد، فالحاصل أنَّه قد يُضاف إلى الإسناد الصِّحة وحدها أو الحسن وحده أو كلاهما، وكذلك إلى الحديث، فما أضيف إلى السَّند بأقسامه الثَّلاثة أدنى من كلٍّ ممَّا أضيف إلى الحديث.
قوله: (دُوْنَ المَتْنِ) قال ابن الصَّلاح: لكن إذا اقتصر الحاكم المعتمد على قوله: (صحيح الإسناد) ولم يذكر له؛ -أي: للمتن- علَّة، فالظَّاهر منه الحُكم بأنَّه صحيح في ذاته؛ لأنَّ عدم العلَّة هو الأصل، قال شيخ الإسلام: والَّذي لا أشكُّ فيه أنَّ الإمام منهم لا يَعدل عن قوله: (صحيح) إلى قوله: (صحيح الإسناد) إلَّا لأمرٍ ما. انتهى.
قال العراقيُّ: ومثل ذلك يُقال فيما لو اقتصر على قوله: (حسن الإسناد) ولم يعقبه بضعيف، فهو أيضًا محكوم له بالحسن.
قوله: (دُوْنَ المَتْنِ)؛ أي: لشذوذٍ أو علَّةٍ فيه، وكذلك قد يصحُّ المتن دون السَّند بأن يجيء المتن من طريق آخر سالم ممَّا في هذا الطَّريق، كما في «شرح المشكاة»، ولا يختصُّ ذلك بالصَّحيح ولا بالحسن بل يجري في الضَّعيف أيضًا كما قاله الزركشيُّ في «نُكته»، فلا تلازم بين السَّند والمتن في الصِّحة وغيرها، فإذا قالوا: هذا إسناد صحيح أو حسن أو ضعيف. فلا يلزم منه صحَّة المتن ولا ضعفه وبالعكس، وكذا يقال في سائر الأنواع؛ وذلك؛ لأنَّها إمَّا أن تكون صفة للسَّند كالمُعضل والمنقطع والمعلَّق والمتَّصل والمسلسل، وإمَّا أن تكون من أوصاف المتن كالمرفوع والمقطوع والمسند والموقوف والمرسل والمتواتر والمشهور، وإمَّا أن تكون من الأوصاف الشَّاملة للسَّند والمتن وهي الصِّحة والحسن والضَّعف، فإذا وصفنا السَّند بصفة تخصُّهُ كأن يقال: مُعْضل مثلًا لم يُنظر إلى متن الحديث أصلًا، بل تارة يكون صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا وتارة يكون مرفوعًا أو موقوفًا أو مقطوعًا، وإذا وصفنا الحديث بصفة تخصه كأنْ يقال: مرفوع لم ينظر إلى السَّند أصلًا سواء كان صحيحًا أم حسنًا أم ضعيفًا أم منقطعًا أم معضلًا أم غير ذلك، وإذا وصفنا أحدهما بما هو مشترك بينهما لم يلزم منه كون الآخر كذلك، فاعرف ذلك واغتنمه.
стр. 66
وما قِيلَ فيه: حسنٌ صحيحٌ، أي: صَحَّ بإسنادٍ وحَسُنَ بآخرَ.
قوله: (وَمَا قِيْلَ فِيهِ … ) إلى آخره؛ أي: كما فعله التِّرمذيُّ في جامعه في كثير من الأحاديث، وكذلك ابن أبي شيبة وغيره.
قوله: (أَيْ: صَحِيْحٌ بِإِسْنَادٍ … ) إلى آخره، قال ابن دقيق العيد: يرد على ذلك الأحاديث الَّتي قيل فيها ذلك وليس لها إلَّا مخرج واحد كحديث «إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ من شَعْبَانَ فلا تَصُومُوا»، أخرجه التِّرمذيُّ، وقال فيه: حسن صحيح لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه على هذا اللفظ، وأجاب ابن الصَّلاح: بأنَّ المراد بقولهم: «حسن صحيح» الحسن اللُّغويُّ وهو حُسن الَّلفظ دون الاصطلاحيِّ.
ولذا قيل في بعض الأحاديث: حسن ولكن في رواته من هو كذَّاب، وردَّه ابن دقيق العيد بأنَّه يلزم أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن الَّلفظ أنَّه حسن، وذلك لا يقوله من المحدِّثين أحد، وأجاب ابن كثير: بأنَّ الجمع بين الصِّحة والحسن درجة متوسِّطة بين الصَّحيح والحسن، قال: فما يقال فيه حسن صحيح أعلى رتبةً من الحسن، ودون الصَّحيح، قال العراقيُّ: وهذا تَحَكُّمٌ لا دليل عليه. انتهى.
قلت: لعلَّ وجه التَّحكُّم أنَّه كان المتبادر أنَّه إمَّا أن يكون جانب الصِّحة فيه أرجح أو جانب الحسن أو يستويان، فإن كان أحدهما أرجح كان الحكم له وإلَّا فللحسن أيضًا إذ لا يُصار إلى الأعلى إلَّا بيقين، فالحكم بدرجة متوسطة حينئذ تحكُّم ولا دليلَ عليه في اصطلاحهم، ثمَّ إنَّا نجدهم تارة يقدِّمون لفظ (حسن) على (صحيح) وتارة يؤخِّرونه فيقولون تارة: (حسن صحيح) وأخرى: (صحيح حسن) والظَّاهر أنهم لا يفعلون ذلك عبثًا بل لا بدَّ من نُكتة، ولا مانع مِن أن يقال: إنَّها في تقديم لفظ الصِّحة يكون الحديث من قبيل الصَّحيح لغيره الحسن لذاته، فيكون أعلى من قولهم: حديث حسن فقط؛ لاحتمال أن يكون حسنًا لغيره، وفي تقديم لفظ الحسن يكون الحديث حسنًا لغيره بقرينة ضمِّ (صحيحٍ) إليه، ويكون المراد من قولهم (صحيح) أنَّه ليس بضعيف بل تَرَقَّى من هذه الرُّتبة فيكون ذلك أدنى من قولهم (صحيح حسن) كذا ظهر، وأحسن الأجوبة ما قاله شيخ الإسلام: وهو أنَّ الحديث إن تعدَّد إسناده فالوصف راجعٌ إليه باعتبار الإسنادين أو الأسانيد، قال: وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردًا؛ لأنَّ كثرة الطُّرق تُقوِّي، وإلَّا فبحسب اختلاف النُّقاد في راويه فيَرى المجتهدُ منهم بعضهم يقول فيه: (صدوق) وآخر يقول فيه: (ثقة)، ولا يترجَّح عنده قول واحد منهما أو يترجَّح ولكنَّه يريد أن يُشير إلى كلام النَّاس فيه، فيقول ذلك وكأنَّه قال: حسن عند قوم صحيح عند قوم، قال: وغايةُ ما فيه أنَّه حَذَفَ منه حرف التَّرَدُّدِ؛ لأنَّ
стр. 67
و الصَّالح: دون الحسن، قال أبو داود: ما كان في كتابي «السُّنن» من حديثٍ فيه وهنٌ شديدٌ؛ فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالحٌ، وبعضها أصلح من بعضٍ. انتهىَ. قال الحافظ ابن حجرٍ: لفظ «صالحٍ» في كلامه أعمُّ من أن يكون للاحتجاج أو للاعتبار، فما ارتقى إلى الصِّحَّة، ثمَّ
حقَّه أن يقول: حسن أو صحيح، قال: وعلى هذا ما قيل فيه ذلك دون ما قيل فيه: صحيح؛ لأنَّ الجزم أقوى من التَّردُّد. انتهى.
(فائدتان) الأولى: من الألفاظِ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيِّد، والقويُّ، والمعروف، والمحفوظ، والمجوَّد، والثَّابت.
فالجيِّد هو الصَّحيح، قال البُلقينيُّ: الجَودةُ يُعبَّر بها عن الصِّحة، وكذا قال غيره. لا مغايرة بين «جيِّد» و «صحيح» عندهم إلَّا أنَّ الجَهْبَذَ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيِّد إلَّا لنكتةٍ كأنْ يرتقي الحديث عن الحسن لذاته ويتردَّد في بلوغه الصَّحيح، فالوصف به أنزل رتبةً من الوصف بصحيح، وكذا القويُّ، وأما المُجوَّد والثَّابت فيشملان الصَّحيح والحسن، والمعروف مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشَّاذ، وسيأتيان.
الثانية: زيادةُ راوي الصَّحيح والحسن مقبولةٌ إذ هي في حكم الحديث المستقلِّ ما لم تُنافِ رواية من لم يزد، فإنْ نافت بأن يلزم من قَبولها ردُّ الأخرى احتيج للترجيح، فإن كان لأحدهما مُرجِّحٌ فالآخر شاذٌ.
قوله: (وَالصَّالِحُ دُوْنَ الحَسَنِ) مقتضاهُ أنَّه لا يشمل الحسن والصَّحيح وليس كذلك بل يَعمُّهما وغيرهما ممَّا يصلح للاعتبار كما تفيده عبارة ابن حجر الآتية، فهو ما ليس فيه وهنٌ شديد أعمُّ من أن يكون لا وهن فيه أصلًا، أو فيه وهن غير شديد.
وعبارة «شرح التَّقريب»: وأما الصَّالح فهو شاملٌ للصَّحيح والحسن، لصلاحيَّتهما للاحتجاج بهما، ويُستعمل أيضًا في ضعيفٍ يصلح للاعتبار. انتهى.
وهو بمعنى ما ذكره ابن حجر في تفسير كلام أبي داود.
стр. 68
إلى الحُسْنِ فهو بالمعنى الأوَّل، وما عداهما فهو بالمعنى الثَّاني، وما قَصُرَ عن ذلك فهو الذي فيه وَهَنٌ شديدٌ (١).
و المُضعَّف: ما لم يُجمَع على ضعفه، بل في متنه أو سنده تضعيفٌ لبعضهم وتقويةٌ للبعض الآخر، وهو أعلى من الضَّعيف، وفي «البخاريِّ» منه.
والضَّعيف: ما قَصُر عن درجة الحسن، وتتفاوت درجاته. في الضَّعف بحسب بُعده من شروط الصِّحَّة.
قوله: (وَهُوَ أَعْلَى مِنَ الضَّعِيْفِ)؛ أي: قوَّةً لا ضعفًا كما قد يُتوهَّم.
قوله: (وَفِي البُخَارِيِّ مِنْهُ)؛ أي: على وجه التَّقويةِ لحديثٍ آخر تابعًا أو شاهدًا له لا على أنَّه أصلٌ مقصودٌ بذاته.
قوله: (مَا قَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ) وأَوْلَى عن درجة الصَّحيح.
قوله: (وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ … ) إلى آخره، وذلك؛ لأنَّ شروط القبول الشَّامل للصَّحيح والحسن وهي: الاتِّصال، والعدالة، والضَّبط، وعدم الشُّذوذ، وعدم العلَّة، والمتابعة في المستور بالنَّظر إلى انتفائها انفرادًا واجتماعًا، يتفرَّع منها أقسام أوصلها العراقيُّ إلى اثنين وأربعين، والبستيُّ إلى تسعة وأربعين، وزاد على ذلك شيخ الإسلام حتَّى أوصلها إلى ثلاثمئة وأحد وثمانين، ونوَّع ما فَقَد الاتِّصال إلى المرسل، والمنقطع، والمعضل، بالنَّظر لكون السَّاقط صحابيًّا أو غيره وكونه واحدًا أو أكثر، وما فقد العدالة إلى ما في سنده ضعيف، أو مجهول عينًا أو حالًا، أو كذَّاب، أو فاسق، أو متَّهم، أو مبتدع، قال ابن حجر: وحصرُ ذلك مع كثرة التَّعب فيه قليل الفائدة لكن اشتهر تلقيب تسعة منها، وهي: المرسل، والمُعضل، والمنقطع، والمُعَلَّل، والمقلوب، والشَّاذُّ، والمضطرب، والموضوع، والمُنْكر.
стр. 69
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعُلِمَ ممَّا تقرَّر: أنَّ الضَّعيف تتفاوت مراتب ضعفه بحسب خفَّة ضعف رواته وشدَّتهم وبحسب ما اجتمع فيه فَقْدُ شرطٍ أو أكثر، فمنه أوهى، كما أنَّ في الصَّحيح أصحُّ.
قال الحاكم: فأوهى أسانيد الصِّدِّيق: صدقة عن فرقد عن مُرَّة عنه.
وأوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمَّر عن جابر الجعفيِّ عن الحارث الأعور عن عليٍّ.
وأوهى أسانيد العمريِّين: محمد بن عبد الله بن القاسم (١) عن أبيه عن جدِّه.
وأوهى أسانيد أبي هريرة: السَّري بن إسماعيل عن داود بن يزيد عن أبيه عنه.
وأوهى أسانيد عائشة (٢): الحارث بن شبل عن أم النعمان عنها.
وأوهى أسانيد المكيِّين: عبد الله بن ميمون عن شهاب بن خِراش عن إبراهيم بن يزيد عن عكرمة عن ابن عبَّاس.
وأوهى منها: السُّدِّيُّ الصَّغير عن الكلبيِّ عن أبي صالح عنه، قال شيخ الإسلام: وهذه سلسلة الكذب لا سلسلة الذَّهب. انتهى.
إذا أردتَ رواية الضَّعيف بغير إسنادٍ فلا تقل: قال رسول الله ﷺ كذا وما أشبهه من صيغ الجزم، بل رُوي عنه كذا أو بَلغنا عنه أو وَرد عنه أو جاء أو نُقل عنه أو نحو ذلك من صيغ التمريض، وكذا ما شكَّ في صحَّته وضعفه، بخلاف الصَّحيح فيُذكر بصيغة الجزم ويَقبح فيه صيغة التَّمريض عكس ذلك.
تنبيه: ويجوزُ رواية ما سوى الموضوع من الضَّعيف والعمل به من غير بيان ضعفهِ في غير صفاته تعالى وفي غير الأحكام كالحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالقَصَصِ والمواعظِ وفضائل الأعمال وغيرها ممَّا لا تَعَلُّقَ لهُ بالعقائد والأحكام، كذا ذكر ابن الصَّلاح وزاد شيخ الإسلام ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الضَّعفُ غير شديدٍ فيخرجُ من انفردَ من الكذَّابين ومن فَحُش غلطه.
الثَّاني: أن يندرج تحت أصلٍ معمول به.
الثَّالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط، وهذا هو المعتمد،
стр. 70
و المُسنَد: ما اتَّصل سنده من راويه (١) إلى منتهاه رفعًا ووقفًا.
وقيل: لا يجوز العمل به مطلقًا، وقيل: يُعمل به مطلقًا، وعُزي إلى أبي داود وأحمد؛ رَأَيَا ذلك أقوى من رأي الرجال، أما الموضوع فلا يجوزُ العمل به مطلقًا إجماعًا.
قوله: (ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ)؛ أي: ولو ظاهرًا فيدخلُ ما فيه انقطاع ظاهر، كسقوط صحابي أو غيره منه، أو خفيٍّ كعنعنة المُدَلِّس والمُعاصر الذي لم يثبتْ لُقِيُّهُ.
قوله: (إِلَى مُنْتَهَاهُ)؛ أي: سواءٌ انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ أو الصحابي أو من دونه، وهذا قول الخطيب.
وقوله: (رَفْعًا وَوَقْفًا)؛ أي فيدخل فيه الموقوف وهو قول الصحابي، وكذا يدخل فيه المقطوع
وهو قول التابعي مثلًا، قال العراقي: وكلامُ أهل الحديث يأباه؛ أي: فيكون هذا التعريف غير مانع، ولم يمنعه ابن الصلاح كليًا، بل قال: أكثر ما يستعمل فيما جاء عن النَّبيِّ ﷺ دون غيره، فإنَّ الأكثر فيما جاء عن الصحابة استعمال الموقوف، وفيما جاء عن التابعين فمن بعدهم استعمال المقطوع، ويقلُّ فيهما استعمال المسند.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: هو ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ خاصةً متصلًا كان؛ كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ، أو منقطعًا؛ كمالك، عن الزهري، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، قال: فهذا مُسْنَدٌ؛ لأنَّه أُسند إلى رسول الله ﷺ ، وهو منقطع؛ لأنَّ الزهري لم يسمع من ابن عباس، وعلى هذا يستوي المسند والمرفوع، قال شيخ الإسلام: يلزم عليه أن يَصْدق على المرسل والمعضل والمنقطع إذا كان مرفوعًا ولا قائل به. انتهى.
وقال الحاكم وغيره: لا يستعمل إلَّا في المرفوع المتصل بخلاف الموقوف والمرسل والمُعْضَل والمدلَّس. انتهى.
стр. 71
والمرفوع: ما أُضيف إلى النَّبيِّ ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، متَّصِلًا كان أو منقطعًا، ويدخل فيه المُرسَل، ويشمل الضَّعيف.
وجزمَ به شيخ الإسلام، ثم قال: والقائل به لَحَظَ الفرق بينه وبين المتصل والمرفوع من حيث إنَّ
المرفوع يُنْظَرُ فيه إلى حال المتن وهو إضافته؛ -أي: نسبته- إلى النَّبيِّ ﷺ دون الإسناد من أنَّه متصل أو لا، والمُتَّصِلُ يُنْظَرُ فيه إلى حال الإسناد وهو سماعُ كل راوٍ ممَّن يروي عنه دون المتن من أنَّه مرفوع أو لا، والمسند ينظر فيه إلى الحالين معًا فيجمع بين شرطي الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كلٍّ من المرفوع والمتصل عموم وخصوص مطلق، وكلُّ مسند مرفوع متصل ولا عكس، وحاصل ما ذكر أنَّ الحاكم جعل المُسند مركبًا من صفاتهما معًا، وابن عبد البر جعله من صفات المتن، فإذا قيل: هذا حديثٌ مسندٌ، علمنا أنَّه مضاف للنَّبيِّ ﷺ ، ثم قد يكون مرسلًا أو مُعضلًا إلى غير ذلك، والخطيب الذي تبعه الشارح جعله من صفات المتن أيضًا، لكن لحظَ فيه صفة السند فجعلها المقصودة بالذات وألغى النظر عن اعتبار المتن، فإذا قيل: هذا حديث مسند، علمنا أنَّه متصلٌ، ثم قد يكون مرفوعًا وموقوفًا إلى غير ذلك، قال السيوطي: وقول الحاكم هو الأصح. انتهى.
قال الحاكم: وشرط المسند أن لا يكون في إسناده (أُخبرت عن فلان) ولا (حُدثت) ولا (بلغني عن فلان) ولا (أظنُّه مرفوعًا) ولا (رفعه فلان).
قوله: (والمَرْفُوْعُ) سُمِّيَ بذلك لارتفاع رتبته بإضافته إلى النَّبيِّ ﷺ .
قوله: (مَا أُضِيْفَ إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: سواءٌ أضافه صحابي أو غيره ولو منا الآن، فيدخل فيه المسند والمتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، دون الموقوف والمقطوع، هذا هو المشهور.
وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعله ﷺ فأخرج بذلك المُرسل، لكن قال ابن الصلاح: مَنْ جعل المرفوع في مقابلة المرسل؛ أي: حيث يقولون مثلًا (رفعه فلان وأرسله فلان) فقد عُني بالمرفوع المتصل لا مُطلق مرفوع، فهو مرفوع مخصوص لما مرَّ من أنَّ المرفوع أعمُّ من المتصل والمرسل، والإضافة إلى النَّبيِّ ﷺ أعمُّ من أن تكون صريحًا أو حكمًا قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو صفةً.
مثال المرفوع صريحًا من القول قول الراوي مطلقًا قال النبي ﷺ كذا.
ومثاله حكمًا قول الصحابي في المتعلق بالأمور الماضية كبدء الخلق، أو المستقبلة كأشراط الساعة لما يأتي من أنَّ مثل هذا لا يقوله الصحابي إلَّا عن توقيف.
стр. 72
و الموقوف: ما قُصِرَ على الصَّحابيِّ قولًا أو فعلًا ولو منقطعًا،
ومثال المرفوع صريحًا من الفعل قول الصحابي: فَعَلَ النَّبيُّ كذا ورأيته يفعل كذا.
ومثاله حكمًا أن يفعل الصحابي ما لا مجال للرأي فيه، فَيُنَزَّل على أن ذلك عنده عن النَّبيِّ ﷺ كالقَصْر والفِطر الواقعين من ابن عمر وابن عباس في أربعة بُرُدٍ.
ومثال المرفوع صريحًا من التقرير أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ، أو: فُعِلَ بحضرة النَّبيِّ ﷺ كذا، ويذكر عدم إنكاره لذلك.
ومثاله حكمًا حديث المغيرة بن شعبة: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَقْرَعُوْنَ بابه بِالأَظَافِيْرِ» فإنَّه مستلزم لاطِّلاعه ﷺ على ذلك وإقرارهم عليه.
ومثال المرفوع صريحًا من الصفة أن يقال: «كَانَ النبي ﷺ أَبْيَضَ اللَّوْنِ رَبْعَةً» مثلًا.
ومثالها حكمًا قول الصحابي: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِيْنا عن كذا، أو من السُنَّة كذا؛ لظهور أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَعلَ ما ذُكر، والفعلُ صفةٌ لفاعله.
قوله: (عَلَى الصَّحابي) سيأتي تعريفه وما تثبت به الصحبة، والتقييد بالصحابي إنَّما هو بالنظر للإطلاق، وإلَّا فيستعمل في غيره مقيدًا، فيُقال: موقوف على عطاء أو على الزهري، أو وقفه فلان على مجاهد أو الثوري أو غيرهما من التابعين.
قوله: (قَوْلًا أَوْ فِعْلًا)؛ أي: له كما في بعض النسخ، وكان الأولى التعبير بالواو بدل (أو) في قوله: (أو فعلًا) فيه وفيما قبله؛ لأنَّها تُفيد الجمع، ولا شكَّ أنَّ كلًّا من القول والفعل مجتمع فيما أُضيف لمن ذكر، وكلمةُ (أو) تقتضي خلاف ذلك؛ لأنَّها لأحد الشيئين أو الأشياء، وهذا مُطَّرِدٌ في كلِّ ما كان من تقسيم الكلي إلى جزئياته كالكلمة اسم وفعل وحرف، أما ما كان من تقسيم الكل إلى أجزائه نحو: (الحصير: خَيْطٌ وسَمُرٌ) فتتعين الواو، فاحفظه.
ومحل كون ما قُصر على الصحابي موقوفًا إذا خلا عن قرينة الرفع، أما لو وجدت فيه قرينة الرفع بأن لم يكن للرأي فيه مجالٌ فهو في حكم المرفوع، وإن احتمل أخذ الصحابيِّ له عن أهل الكتاب تحسينًا للظن به، كما سبق من الإخبار بالأمور الماضية والآتية، وكما في قول البخاري: «كان ابن عمر وابن عباس يُفطران ويقصران في أربعة بُرُدٍ»؛ لأنَّ مثل ذلك لا يُفعل من قبل الرأي، ثم مثل القول والفعل التقريرُ كما أفادهُ الحافظ ابن حجر.
стр. 73
وهل يُسمَّى أثرًا؟ نعم؛ ومنه قول الصّحابيِّ: «كنا نفعل» ما لم يُضفه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فإن أضافه إليه نحو قول جابرٍ: «كنَّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ » فمن قَبِيلِ المرفوع، وإن كان لفظه موقوفًا؛ لأنَّ غرضَ الرَّاوي بيانُ الشَّرع
قوله: (نَعَم)؛ أي: عند فقهاء خراسان، فيسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر لما سبق، وفي «شرح النخبة»: يُقال للموقوف والمقطوع: الأثر، قال النووي: وعند المحدثين كل هذا يُسمى أثرًا؛ لأنَّه مأخوذ من أَثَرْتُ الحديثَ؛ أي: رويته. قوله: (وَمِنْهُ قوْلُ الصَّحَابِيِّ … ) إلى آخره؛ أي: سواءٌ قاله في حياته ﷺ أو بعدها.
وقوله: (كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا)؛ أي: أو نقول، أو نرى كذا.
وقوله: (ما لم يضفه إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: إلى زمنه، كأنْ يقول: كنا نفعل كذا في زمن النَّبيِّ ﷺ ، وما ذهب إليه الشارح مِن أنَّ ما لم يُضف له ﷺ من الموقوف، هو ما حكاه النووي في «شرح مسلم» عن الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وأطلق الحاكم والرازي والآمدي أنَّه مرفوع، وقال ابن الصبَّاغ: إنَّه الظاهر، ومثَّله بقول عائشة «كَانَتْ اليَدُ لَا تُقْطَعُ فِيْ شَيءٍ مِنَ التَّافِهِ»، وحكاه النووي في «شرح المهذب» أيضًا عن كثير من الفقهاء، ثم قال: وهو قوي من حيث المعنى. وصحَّحه العراقي وشيخ الإسلام.
قوله: (لِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي … ) إلى آخره؛ أي: ولأنَّ ظاهرَ ذلك مُشْعِرٌ بأنَّ رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأَقَرَّهُم عليه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمور دينهم، وتقريرهُ ﷺ أحد وجوه السنن المرفوعة.
قوله: (بَيَانُ الشَّرْعِ)؛ أي: لا اللغة ولا العادة، والشرعُ يُتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمراد جابر بقوله: (كنا نعزل … ) إلى آخره، أنَّ العزل جائز شرعًا لفعلهم إياه في زمنه ﷺ مع إقراره إياهم عليه، وإقْرَارُه ﷺ حكمٌ شرعيٌّ، وكذا قول الصحابي: أُمِرْنَا بكذا، إذ لا يصحُّ أن يُريد بقوله: (أُمرنا)؛ أي: أمرنا الكتابُ؛ لكون ما في الكتاب مشهورًا يعرفه الناس، ولا الإجماع؛ لأنَّ المتكلم بذلك من أهل الإجماع ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس؛ إذ لا أمر فيه، فتعيَّن كون المراد أَمْرُ الرسول ﷺ ؛ ولأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَن له الأمر والنهي، ويجب اتباع أمره، وذلك هو الرسول ﷺ .
стр. 74
وقِيلَ: لا يكون مرفوعًا.
وقول الصَّحابيِّ: «من السُّنّة كذا» أو «أُمِرْنا»؛ بضمِّ الهمزة، أو «كنَّا نُؤمَر» أو «نُهِينا» أو «أُبِيحَ» فحكمه الرَّفع أيضًا،
قوله: (وَقِيْلَ لَاْ يَكُوْنُ مَرْفُوْعًا)؛ أي: بل موقوفٌ، وهو قول الإسماعيلي، وهو بعيدٌ جدًا، والأول هو الصحيح الذي قطع به الجمهور من أهل الحديث والأصول، وفَصَّلَ بعضهم فقال: إنْ كان هذا الفعل ممَّا لا يخفى غالبًا كان مرفوعًا، وإلَّا كان موقوفًا.
قال في «شرح التقريب»: ومحل ذلك الخلاف ما لم يكن في القصة تصريحٌ باطِّلاعه ﷺ ، وإلَّا فمرفوع إجماعًا، كقول ابن عمر: «كُنَّا نَقُوْلُ وَرَسْوْلُ الله ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُوْلُ الله ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ»، رواه الطبراني.
قوله: (مِنَ السُّنَّةِ كَذَا)؛ أي: كقول علي ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الكَفِّ عَلَى الكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» رواه أبو داود.
وقوله: (أَوْ أُمِرْنَا)؛ أي: بكذا، كقول أم عطية: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ في الْعِيدِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَأُمِرَ الْحُيَّضُ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ»، أخرجه الشيخان.
وقوله: (أَوْ نُهِيْنَا)؛ أي: كقولها: «نُهِيْنَا عن اتِّبَاعَ الجَّنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا»، أخرجه الشيخان أيضًا. فكلُّ ذلك حكمه الرفع على الصحيح؛ لأنَّهم إذا أطلقوا السنة فمرادهم سنة النبي ﷺ ، ولا نظر لما قيل: يحتمل أن يكون المراد سنة غيره فإنَّه بعيد، والأصل الأول.
وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعًا فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ، فمدفوعٌ بأنَّهم تركوا ذلك تورعًا واحتياطًا، وكذا يُقال في احتمال أن يكون الآمر في أمرنا غيره ﷺ كالقرآن، ثم مثل قوله: (من السنة كذا) قوله: سنة أبي القاسم، أو سنة نبينا ﷺ ، أو أصبت السُنَّة، وقيل: كلُّ ذلك موقوف لما سبقَ مما علمت رَدَّهُ، ومحلُّ الخلاف إذا لم يصرِّح الصحابي بالآمر في نحو: أُمِرْنَا فإنْ صرَّح كقوله: «أَمَرَنَا رسول الله ﷺ » فلا خلاف في رفعه، إلَّا ما حُكي عن أبي داود وبعض المتكلمين أنَّه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه، وهو ضعيف، بل باطلٌ؛ فإنَّ الصحابي عَدْل عارف باللسان فلا يطلق ذلك إلَّا بعد التحقيق، وخصَّ بعضهم الخلاف أيضًا بغير الصديق، أما هو فإنْ قال ذلك فمرفوع بلا خلاف، كما ذكره الحافظ السيوطي، قال: وكذا ما كان عن أبي هريرة، قال ابن سيرين: كلُّ شيءٍ حدثتُ عن أبي هريرة فهو مرفوع. انتهى. أقول: الظاهر أنَّ هذا خاص بما جاء من طريق ابن سيرين بقرينة إسناد ذلك لنفسه.
стр. 75
كقول الصَّحابيِّ: «أنا أشبهكم صلاةً به ﷺ »، وكتفسيرٍ تعلَّق بسبب النُّزول، وحديث المغيرة: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون
قوله: (كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنَا أُشْبَهُكُم … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه في قوَّةِ قوله: كان رسول الله ﷺ يصلي هكذا.
قوله: (تَعَلَّقَ بِسَبَبِ النُّزُوْلِ)؛ أي: نزول الآيات القرآنية، كقول جابر: «كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ من دُبُرِهَا في قُبُلِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣]»، رواه مسلم.
قال الحاكم في المستدرك: ليعلم طالب الحديث أنَّ تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مُسند. انتهى. وخَرَجَ بِما تعلَّقَ بسبب النزول ما لم يتعلق به من التفسير فهو موقوفٌ، كما روي عن أبي هريرة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، قال: (تَلْقَاهُم جَهَنَّمُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَلْفَحُهُم لَفْحَةً فَلَا تُبْقي لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ)، قال الحاكم: فهذا وأمثاله يعدُّ في تفسير الصحابة من الموقوفات. انتهى.
وينبغي تقييده بغير ما يتعلق بأحوال الآخرة وغيرها مما لا يُقال من قبل الرأي، فقد ذكر في «شرح التقريب» أنَّ أحوال الآخرة والإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الرسل وكذا الآتية كالملاحم والفتن، وما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص؛ إذا جاء شيء منها عن صحابي لم يأخذْ عن أهل الكتاب فإنَّه يُنَزَّل على أنَّه سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ ، فيكون مرفوعًا، بل صَرَّحَ الرازي بأنَّ كلَّ ما جاء عن الصحابي ممَّا لا يقال من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه يُحمل على السماع كما سيأتي للشارح. قال الزركشي: ومن المرفوع حكمه؛ -أي: الصحابي- على فعلٍ من الأفعال بأنَّه طاعة لله أو لرسوله أو معصية كقوله: «من صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». انتهى.
وما قاله البُلْقَيني من أَنَّهُ ليسَ بمرفوع لجواز إحالة الإثم على ما ظهرَ من القواعد، لا يظهر له رواجٌ عند التأمل، لِمَا أَقْرَّينَا به عينك من النقول وأنعمناك به من التحقيق المقبول.
قوله: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُوْلُ الله ﷺ ؛ أي: فهو كقوله: كنا نفعل كذا … إلى آخره.
قوله: (وَحَدِيْثُ الْمُغِيْرَةِ)؛ أي ابن شعبة، قال شيخ الإسلام: تَعِب الناس في التفتيش عليه من