أو في ضبطه مُطلَقًا، أو في ضبطه لخبرٍ بعينه؛ لأنَّ الأسباب الحاملة للأئمَّة على الجرح متفاوتةٌ، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
وقد كان أبو الحسن المقدسيُّ يقول في الرَّجل الذي يُخرَّجُ عنه في «الصَّحيح»: هذا جاز القنطرة؛ يعني: أنَّه لا يُلتَفت إلى ما قِيلَ فيه. وأمَّا الأحاديث التي انتُقِدت عليهما فأكثرها لا يقدح في أصل موضوع الصَّحيح، فإنَّ جميعها واردةٌ من جهةٍ أخرى، وقد عُلِمَ أنَّ الإجماع واقعٌ على تلقِّي كتابيهما بالقبول والتَّسليم، إلَّا ما انتُقِد عليهما فيه. والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال.
أنَّه لا ريب في تقديم الشَّيخين على أئمَّة عصرهما ومن بعده في معرفة الصَّحيح والمُعلَّل (١)،
قوله: (مُطْلَقًا)؛ أي: في جميع رواياته.
قوله: (وَمِنْهَا مَا لَاْ يَقْدَحُ)؛ أي: فيُظنُّ قادحًا وليس كذلك كما تقدمَ تفصيله، فلذا كان الجرح غير مقبولٍ إلَّا مفسرًا.
قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيْثُ … ) إلى آخره، هذه عبارةٌ غير ظاهرةٍ من وجوه:
الأول: أن مُرَادَهُ (وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ الأَحَادِيْثِ … ) إلى آخره، كما هو الظاهرُ فيتكرر مع سابقه.
والثاني: أن قَوْلَهُ (فَإِنَّ جَمِيْعَهَا … ) إلى آخره، الظاهرُ أنَّه تعليلٌ لقوله: (فَأَكْثَرُهَا لَاْ يَقْدَحُ … ) إلى آخره، الذي جعلهُ جوابَ الشرطِ فيكونُ هو الجواب عن الانتقاد له، وهو مع ما فيه ممَّا يتضح لك من عبارة «الفتح» غير مُلائمٍ له إذ المعلَّل الأكثر، وعلى ظاهر عبارته فلا يجري إلَّا لو كان النقدُ من حيث عدمُ الورودِ من جهة أخرى في الجميع، وما ذلك إلَّا في البعض فضلًا عن الأكثر.
والثالث: قوله: (إِلَّا مَا انْتُقِدَ عَلَيْهِمَا فِيْهِ) فإنَّ الظاهر من عبارته أنَّ قوله قبل (وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الإِجْمَاعَ … ) إلى آخره، تتمةٌ للجوابِ عمَّا انتقد فما معنى استثناء (ما انتُقِدَ) في الجواب عما انتُقِدَ.
والرابع: أنَّ قوله بعد: (وَالجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ) بعد قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيْثُ … ) إلى آخره، على ما سمعتَ من أنَّ المراد (وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ الأَحَادِيْثِ … ) إلى آخره، وعبارةُ «الفتح» سليمةٌ من ذلك كلِّهِ، ونَصُّهَا.
الفصل الثامن: في سياقِ الأحاديثِ التي انتقدها عليه حافظُ عصره أبو الحسن الدَّارَقُطني وغيره
стр. 247
وقد روى الفَِرَبْريُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: ما أدخلت في الصَّحيح حديثًا إلَّا بعد أن استخرتُ الله تعالى وتثبَّتُّ (١) صحَّته، وقال مكِّيُّ بن عبدان: كان مسلمٌ يقول: عرضتُ كتابي على أبي زُرعة، فكلُّ ما أشار إليَّ أنَّ له علَّةً تركته.
فإذا عُلِمَ هذا، وتقرَّرَ أنَّهما لا يخرِّجان من الحديث إلَّا ما لا علَّة له، أو له علَّةٌ إلَّا أنَّها غير مؤثِّرةٍ، وعلى تقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون كلامه معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.
وأمَّا من حيث التَّفصيل؛ فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما تنقسم إلى ستَّة أقسامٍ:
من النقاد، وسياقُ ما حضر من الجواب عنه، وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أنَّ هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يَقدح في أصل موضوع الكتاب، فإنَّ جميعها واردٌ من جهة أخرى وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإنَّ هذه المواضع متنازعٌ في صحتها فلم يحصل لها مِن التلقي ما حصل لمُعظم الكتاب. انتهى.
فها أنت ترى العبارة في منزعٍ آخر، وهو أنَّ الجواب عن هذه الأحاديث وإن كان مُسَلَّمًا من حيثيةٍ فهو غير مُسَلَّمٍ من أخرى، وترى قوله فيها: (فَإِنَّ جَمِيْعَهَا … ) إلى آخره، عِلَّةً لقوله: (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا) وجوابُ الشَّرط قوله: (فَإِنَّ هَذِهِ المَوَاضِعَ … ) إلى آخره، فتأملْ.
قوله: (الفرَبْرِيُّ) بفاء مكسورة أو مفتوحة على ما في «القاري على الشفاء»، فراء مفتوحة فموحدة ساكنة فراء مكسورة، تلميذُ المُصَنِّفِ.
قوله: (إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ)؛ أي: عندهما، وقد كان الذُّهْلِي يقولُ: أعلم أهل عصره بعلل الحديث الزهري (٢)، وقد استفادَ منه ذلك الشيخان جميعًا.
قوله: (وَعَلَى تَقْدِيْرِ … ) إلى آخره، عبارة «الفتح»: فإذا عُرِف وتقرر أنَّهما لا يُخرجان من الحديث إلَّا ما لا علةَ له، أو له علة إلَّا أنها غيرُ مؤثرةٍ عندهما، فبتقدير توجيه كلام (مَنْ انْتَقَدَ عَلَيْهِمَا يَكُوْنُ مُعَارَضًا … ) إلى آخره.
стр. 248
أوَّلها: ما تختلف الرُّواة فيه بالزِّيادة والنَّقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الحديث الصَّحيح الطَّريق المزيدة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق النَّاقصة؛ فهو تعليلٌ مردودٌ؛ لأنَّ الرَّاوي إن كان سمعه من الطريق النَّاقصة؛ فهو منقطعٌ، والمنقطع من قسم الضَّعيف، والضَّعيف لا يُعِلُّ الصَّحيحَ، وإن أخرج صاحب الصَّحيح الطَّريق النَّاقصة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق المزيدة؛ تضمَّن اعتراضه دعوى انقطاعٍ فيما صحَّحه المصنِّف، فينظر إن كان مدلِّسًا من طريقٍ أخرى،
قوله: (مَا تَخْتَلِفُ فِيْهِ الرِّوَايَةُ) عبارةُ «مقدمة الفتح»: (الرواة) بدون ياء، وهي أظهرُ.
قوله: (صَاحِبُ الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ) الذي في المقدمة المذكورة: (صاحب الصحيح) بحذف لفظ (الحديث) وهو أولى، والمرادُ بصاحب الصحيح أحدُ الشيخين لدلالةِ السِّيَاقِ.
قوله: (وَعَلَّلَهُ النَّاقِض … ) إلى آخره؛ أي: كما في حديث ابن جريج، إذ أخرجاه عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه وعمهِ عُبيد الله بن كعب، عن كعب: «أَنَّ النَّبِي ﷺ كان إِذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ … » الحديث.
قال الدَّارقطني: خالفَ فيه ابنُ جُريج مَعْمَرًا، فقال: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال: ورواية ابن جُرَيْجٍ أصحُّ ولا يضرهُ من خالفه. انتهى.
قال ابن حجر: قول مَعْمَر وغيره: (عبد الرحمن بن كعب) يُحمل على أنَّه منسوب إلى جده فتكونُ روايتهم منقطعةً، وهذا الجوابُ صحيحٌ من الدَّارَقُطْني في أنَّ الاختلافَ في مثلِ هذا لا يضرُّ.
قوله: (إِنْ كَانَ سَمِعَهُ من الطَّرِيْقِ النَّاقِصَةِ … ) إلى آخره، في العبارةِ تصرفٌ بنقصٍ مُخِلٍّ، وأصلها: (لأنَّ الراوي إن كان سمعه) فالزيادةُ لا تضر؛ لأنَّه قد يكون سمعهُ بواسطةٍ عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كانَ لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطعٌ … إلى آخره، ثم مَثَّلَ لهذا؛ -أعني: لما لم يسمعه- بحديث الأعمش، عن مُجَاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرينِ عندهم.
قوله: (إِنْ كَانَ مُدَلِّسًا)؛ أي: هذا الراوي.
وقوله: (مِنْ طَرِيْقٍ أُخْرَى)؛ أي: غيرِ هذه، مع كونه صرَّحَ في هذه بالسماع، وقد اختصر الشارح
стр. 249
فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض به، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا؛ فمُحصَّل الجواب عن صاحب الصَّحيح أنَّه إنَّما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ وعاضدٌ، وما حفَّته قرينةٌ في الجملة تقوِّيه، ويكون التَّصحيح وقع من حيث المجموع، وفي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» من ذلك حديث الأعمش عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ في قصَّة القبرين: «وأنَّ أحدهما كان لا يستبرئ من بوله»، قال الدَّارقطنيُّ: خالف منصورٌ، فقال: عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ،
عبارة المقدمة فأوهم لولا ما قررناه، وأصلُ العبارة: فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك مَن روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح بالسماع إن كان مُدلسًا من طريق أخرى، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ … إلى آخره.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ)؛ أي: كونُ الراوي غيرَ مدلِّس أو مدلِّسًا صرح بالسماع بأن كان مدلِّسًا لم يصرحْ بالسماع فيكونُ الانقطاع حينئذٍ ظاهرًا كما قال، وقد مَثَّلَ لذلك الدَّارَقُطْنِي بحديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «إِذَا صَلَّيْتِ الصُّبْحَ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّوْنَ … » الحديث، فهذا منقطعٌ، وقد وصلهُ حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سَلَمَةَ، ووصله مالك، عن أبي الأسود، عن عروة كذلك في «الموطأ»، وهو عند المصنف في هذا المكان مقرونٌ بحديث أبي مروان، وقد وقع في بعض النُّسخ -وهي رواية الأَصيلي- في هذا عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولًا، لكن معظم الروايات على إسقاط زينب، وهو الصحيح المحفوظُ من حديث هشام، وإنَّما اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبتَ فيها ذكرَ زينب، ثم ساقَ معها رواية هشام التي سقطتْ منها حاكيًا للخلاف فيهِ على عروةَ كعادتِهِ، مع أنَّ سماعَ عُروة من أم سَلَمَةَ ليسَ بِمُسْتَبْعَدٍ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا اختلفت فيه الرواة بالزيادة والنقص.
قوله: (خَالَفَ مَنْصُوْرٌ … ) إلى آخره؛ أي: فأسقطَ طَاوِسًا.
стр. 250
وأخرج البخاريُّ حديث منصورٍ على إسقاطه «طاوسًا». انتهى. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في «الطَّهارة» [خ¦٢١٨] عن عثمان ابن أبي شيبة عن جريرٍ، وفي «الأدب» [خ¦٦٠٥٢] عن محمَّد بن سلَامٍ عن عَبِيْدة بن حميدٍ، كلاهما عن منصورٍ به، ورواه من طرقٍ أخرى من حديث الأعمش، وأخرجه باقي الأئمَّة السِّتَّة من حديث الأعمش أيضًا، وأخرجه أبو داود أيضًا والنَّسائيُّ وابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» من حديث منصورٍ أيضًا، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ؛ يعني: المتضمِّن للزِّيادة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا في التَّحقيق ليس بعلَّةٍ؛ لأنَّ مجاهدًا لم يُوصَف بالتَّدليس، وسماعه من ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقنُ من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث كيفما دار دارَ على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار كان متَّصلًا، فمثل هذا لا يقدح في صحَّة الحديث إذا لم يكن راويه مدلِّسًا، وقد أكثر الشَّيخان من تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدَّارقطنيُّ انتقاده.
ثانيها: ما تختلف الرُّواة فيه بتغيير بعض الإسناد، فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الرَّاوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنِّف ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون متعادلين في الحفظ والعدد، كما في «البخاريِّ» في «بدء الخلق» من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصورٍ جميعًا عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في غارٍ فنزلت ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾» [خ¦٣٣١٧]، قال الدَّارقطنيُّ: لم يتابع إسرائيل عن الأعمش عن علقمة، أمَّا عن منصورٍ فتابعه شيبان عنه، وكذا رواه مغيرة عن إبراهيم عنه.
قوله: (عَنْ عَبِيْدَةَ) بفتح المهملة وكسر الموحدة، فإنَّ عُبَيْدَةَ كُلُّهُ بالضم إلَّا أربعةٌ ذكرناهم في «رضاب المرتشف» منهم ابن حميد هذا.
قوله: (فَإِنْ أَمْكَنَ … ) إلى آخره، شرعَ في الجوابِ عن ذلكَ.
стр. 251
انتهى. وقد حكى البخاريُّ الخلاف فيه، وهو تعليلٌ لا يضرُّ، وإن امتنع الجمع بأن يكون المختلفون غير متعادلين، بل متفاوتين في الحفظ والعدد، فيخرِّج المصنِّف الطَّريق الرَّاجحة، ويُعرِض عن الطَّريق المرجوحة أو يشير إليها، والتَّعليل بجميع ذلك من أجل مجرَّد الاختلاف غير قادحٍ؛ إذ لا يلزم من مجرَّد الاختلاف اضطرابٌ يوجب الضَّعف، وحينئذٍ فينتفي الاعتراض عمَّا هذا سبيله، وفي «البخاريِّ» في «الجنائز» من هذا الثَّاني: حديث اللَّيث عن الزُّهريِّ عن عبد الرَّحمن بن كعبٍ عن جابرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجمعُ بين قتلى أُحُدٍ ويُقدِّم أقرأهم» [خ¦١٣٤٣]. قال الدَّارقطنيُّ: رواه ابن المبارك عن الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ مُرسَلًا، ورواه معمر عن الزُّهريِّ عن ابن أبي صُعَيرةَ (١) عن جابرٍ، ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ، حدَّثني مَنْ سمع جابرًا، وهو حديثٌ مضطربٌ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: أطلق الدَّارقطنيُّ القول بأنَّه مضطربٌ مع إمكان نفي الاضطراب عنه؛ بأن يفسَّر المبهم بالذي في رواية اللَّيث، وتُحمَل رواية معمر على أنَّ الزُّهريَّ سمعه من شيخين، وأمَّا رواية الأوزاعيِّ المُرسَلة فقصَّر
قوله: (وَهُوَ تَعْلِيْلٌ لَا يَضُرُّ)؛ أي: لأنَّ الغرض أنَّهُمَا مُتعادلان في الحفظ مع ذكر المصنف كلًا منهما.
قوله: (فَيُخَرِّجُ … ) إلى آخره، هو جوابُ هذا النوع.
قوله: (وَيُقَدِّمُ أَقْرَأُهُم)؛ أي: للصلاة عليه. قوله: (عَنْ ابْنِ أَبِي صُعَيْرَ) في «التقريب» أنَّه بمهملتين مُصَغَّرًا بهاءٍ ودونها، واسمه عبد الله بن ثعلبة، ويُقال: ثعلبة بن عبد الله.
قوله: (بِأَنْ يُفَسَّرَ المُبْهَمَ)؛ أي: الذي في رواية سليمان وهو قوله: (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا)، وقوله: (بِالَّذِيْ فِيْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ) هو عبد الرحمن بن كعب؛ أي: فيكونُ المراد بقوله (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا) في رواية سليمان. انتهى عبد الرحمن المذكور.
قوله: (مِنْ شَيْخَيْنِ)؛ أي: وهُما ابن أبي صُعَيْرَ وعبد الرحمن بن كعب.
стр. 252
فيها بحذف الوساطة، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاريُّ ذكر الخلاف فيه، وإنَّما أخرج رواية الأوزاعيِّ مع انقطاعها؛ لأنَّ الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك عن اللَّيث والأوزاعيِّ جميعًا عن الزُّهريِّ، فأسقط الأوزاعيُّ عبد الرَّحمن بن كعبٍ، وأثبته اللَّيث، وهما في الزُّهريِّ سواءٌ، وقد صرَّحا بسماعهما له منه، فقبل زيادة الليث؛ لثقته، ثمَّ قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ عمَّن سمع جابرًا، وأراد بذلك إثباتَ الواسطة بين الزُّهريِّ وبين جابرٍ فيه في الجملة، وتأكيدَ رواية اللَّيث بذلك، ولم يرها علَّةً توجب اضطرابًا. وأمَّا رواية معمرٍ فقد وافقه عليها سفيان بن عُيَيْنَة، فرواه عن الزُّهريِّ عن ابن أبي صُعيرٍ (١)، وقال: ثبَّتني فيه معمرٌ، فرجعت روايته إلى رواية معمرٍ.
قوله: (بِحَذْفِ الوَاسِطَةِ) هو أحدُ الشَّيخين المذكورين للزُّهري، وبهذا لا يكونُ اضطرابٌ أصلًا.
قوله: (وَهُمَا فِيْ الزُّهْرِي سَوَاءٌ)؛ أي: في الروايةِ عنه بلا واسطة.
قوله: (وَقَدْ صَرَّحَا)؛ أي: الأوزاعي والليث.
قوله: (ثُمَّ قَالَ)؛ أي: البُخَاري.
قوله: (وَأَرَادَ)؛ أي: البُخاري؛ أي: قَصَدَ بقوله: وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ.
قوله: (وَبَيْنَ جَابِرٍ فِيْهِ)؛ أي: في السَّنَدِ المَذْكُور.
قوله: (وَتَأْكِيْدَ) عَطْفٌ على إثبات.
قوله: (بِذَلِكَ)؛ أي: رواية سليمان.
قوله: (ثَبَّتَنِي فِيْهِ)؛ أي: في هذا الحديث؛ أي: جعلني ثابتًا بموافقتهِ لي في روايتهِ، كذلك بعد أن كُنت بالانفرادِ قلقًا.
قوله: (فَرَجَعَتْ رِوَايَتُهُ)؛ أي: روايةُ سُفيان، قال في «المقدمة الفتحية»: وعن الزُّهْرِي فيهِ اختلافٌ آخرُ، رواهُ البيهقيُّ من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزُّهري، عن
стр. 253
ثالثها: ما تفرَّد بعض الرُّواة بزيادةٍ فيه دون مَنْ هو أكثر عددًا، أو أضبط ممَّن لم يذكرها، فهذا لا يؤثِّر التَّعليل به، إلَّا إن كانت الزِّيادة منافيةً بحيث يتعذَّر الجمع، أمَّا إذا كانت الزِّيادة لا منافاة فيها (١) بحيث تكون كالحديث المستقلِّ فلا نعم؛ إن صحَّ بالدَّلائل أنَّ تلك الزِّيادة مُدرجَةٌ من كلام بعض رواته فيؤثِّر ذلك.
رابعها: ما تفرّد به بعض الرُّواة ممَّن ضُعِّفَ منهم، وليس في «البخاريِّ» من ذلك غير حديثين، وقد تُوبِعا، أحدهما: حديث أُبيِّ بن عبَّاس بن سهل بن سعدٍ عن أبيه عن جدِّه. قال: كان للنبيِّ ﷺ فَرَس يقال له:
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وهو خطأ، وعبد الرحمن هذا ضعيف، ولا يخفى على الحاذقِ أنَّ روايةَ الليثِ أرجحُ هذه الروايات كما قررناهُ، وأنَّ البُخَاري لا يعلُّ الحديث بمجردِ الاختلاف. انتهى.
قوله: (إِنْ صَحَّ) بالصاد المهملة، والذي في «المقدمة»: (إن وضحَ) بالواو والضاد المعجمة من الوضوح، ولم يذكرْ الشَّارح مثال ذلك.
وهو كما في المقدمة عن الدَّارَقُطْنِي ما أخرجه الشيخان من حديثِ قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بن أنس، عن بشير بن نَهِيْك، عن أبي هريرة قال: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيْصًا» وذكرا فيه «الاسْتِسْقَاء» من حديث ابن أبي عروبة وجرير بن حازم، قال: وقد روى هذا الحديث شُعبة وهشام، وهُما أثبتُ الناسِ في قَتَادة، فلم يذكرا في الحديث الاستسقاء من الحديث، فَبَانَ أَنَّهُ مِنْ رَأي قَتَادة، لا مِنْ رواية أبي هريرة. انتهى.
قوله: (مِمَّنْ ضُعِّفَ) بالبناءِ للمجهولِ؛ -أي: ضَعَّفَهُ الحُفَّاظُ- وقوله: (مِنْهُم)؛ أي: من الرواةِ.
стр. 254
اللخيف (١) [خ¦٢٨٥٥] قال الدَّارقطنيِّ: هذا ضعيفٌ انتهى. وهو ابن سعدٍ السَّاعديُّ الأنصاريُّ الذي ضعَّفه أحمد وابن معينٍ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، لكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن عبَّاسٍ، وروى له التِّرمذيُّ وابن ماجه، وثانيهما: في «الجهاد» من «البخاريِّ» في «باب إذا أسلم قومٌ في دار الحرب». حديث إسماعيل بن أبي أويسٍ عن مالكٍ عن زيد بن أسلم عن أبيه: أنَّ عمر استعمل مولًى له يسمَّى هنيًّا على الحِمَى الحديث بطوله [خ¦٣٠٥٩]، قال الدَّارقطنيُّ: إسماعيلُ ضعيفٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: أظنُّ أنَّ الدَّارقطنيَّ إنَّما ذكر هذا الموضع من حديث إسماعيلَ خاصَّةً، وأعرض عن الكثير من حديثه عند البخاريِّ؛ لكون غيره شاركه في تلك الأحاديث وتفرَّد بهذا، فإن كان كذلك فلم ينفرد، بل تابعه عليه معن بن عيسى، فرواه عن مالكٍ كرواية إسماعيل سواءٌ.
خامسها: ما حُكِمَ فيه بالوهم على بعض رواته، فمنه ما يؤثِّر، ومنه ما لا يؤثِّر
قوله: (اللُّخَيْف) بالخاء المعجمة مُصغرًا، قال في «القاموس»: أو هو بالحاء المهملة.
قوله: (وَهُوَ)؛ أي: سهلٌ هذا، راوي الحديث.
قوله: (هُنَيًّا) بضم الهاء وفتح النون وتشديد التحتية.
قوله: (عَلَى الحِمَى) بكسر المهملة؛ أي: ما كان حِمَاهُ لرعي إبلِ الصَّدَقَات.
قوله: (فَمِنْهُ مَا يُؤَثِّرُ)؛ أي: وإنَّما يرويه عن مثلِ هذا اعتمادًا على كونِ ما رواهُ معروفًا من رواية الثقات، فلا يكون ذلك قادحًا في صحة الحديث؛ خلافًا لابن حزم حيث روَّج بمثل ذلك مذهبه في إباحة الملاهي؛ زاعمًا أنَّه لم يصحَّ في حديث أبي مالك الأشعري عنه ﷺ : «لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ»؛ أي: الملاهي، الحديثَ. فزعمَ أنَّ هذا الحديثَ وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيحٍ؛ لأنَّهُ قال فيه (هشام بن عمار) وساقه بإسناده فهو منقطعٌ.
قوله: (وَمِنْهُ مَا لَا يُؤَثِّرُ)؛ أي: كأنْ يكونَ ضعفُ الضعيفِ المذكورِ طرأَ بعدَ أخذهِ عنهُ باختلاط
стр. 255
سادسها: ما اختُلِف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا لا يترتَّب عليه قدحٌ؛ لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو التَّرجيح، كحديث جابرٍ في قصَّة الجمل [خ¦٢٠٩٧]، وحديثه في وفاء دَين أبيه [خ¦٢١٢٧]، وحديث أبي هريرة في قصَّة ذي اليدين [خ¦٤٨٢] وربَّما يقع التَّنبيه على شيءٍ من هذه الأقسام في موضعه من هذا الشرح بتوفيق الله تعالى ومعونته. والذي في «البخاريِّ» من هذه الأقسام مئة حديثٍ وعشرة أحاديث، شاركه في كثيرٍ منها مسلمٌ، لا نطيل بسردها، وأمَّا الجواب عمَّن طُعِنَ فيه من رجال البخاريِّ
حديثٍ عليهِ غيرِ قادحٍ فيما رواه قبلُ في زمن استقامته، فإنَّ الثقةَ إذا خلطَ لاختلال ضبطه بهرمٍ أو نحوه قُبِلَ حديثُ من أَخَذَ عنه قبل الاختلاط.
قوله: (فِيْ قِصَّةِ الجَمَلِ)؛ أي: جَمَلِهِ الذي اشتراهُ منه ﷺ فقد اختلفت الطرق فيها اختلافًا كثيرًا في مقدارِ الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وروى البخاري الطرق التي فيها الاشتراط وعدمه، ورجح الأولى على الثانية، وروى كون الثمن غير أوقية وخرج كونه أوقية.
قوله: (وَحَدِيْثُهُ)؛ أي: جابر، إذ قال: «يَا رَسُوْلَ الله، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ … » الحديث. حيثُ وقعَ الاختلافُ فيه بتقديم بعضِ ألفاظه على بعض، وبتعيين الدَّين وإبهامه.
قوله: (فِيْ قِصَّةِ ذِيْ اليَدَيْنِ)؛ أي: حيثُ وقعَ فيهِ الاختلافُ في التَّقديم والتأخير وتبديل بعض الألفاظ بأخرى، ففي بعض الطُّرق: «أَنَسِيْتَ أَمْ قَصُرَت الصَّلَاةُ؟»، وفي بعضها: «أَقَصُرَت الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيْتَ؟»، وفي بعضها: «كلُّ ذلك لم يكن»، وفي بعضها: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَر»، إلى غير ذلك.
قوله: (وَالَّذِي فِيْ البُخَارِيِّ)؛ أي: ومُسلم.
وقوله: (مِنْ هَذِهِ الأَقْسَامِ)؛ أي: الستة المتقدمة.
وقوله: (مِئَةُ حَدِيْثٍ -كذا في نسخ، وصوابه: مئتا حديث بالتثنية- وعشرة) كما سلفَ.
وقوله: (شَارَكَهُ فِيْ كَثِيْرٍ … ) إلى آخره، ليسَ المرادُ أنَّه شاركه في روايته بل في الانتقاد بها، والمعنى أنَّهُمَا اشتركا في الانتقادِ عليهما في مجموع المئتي حديث وعشرة، ولكن البخاري لم يُخَرِّجْ مِنها إلَّا أقلَّ من ثمانين، كما سلفَ، والباقي خَرَّجَهُ مُسلم.
قوله: (فِيْ كَثِيْرٍ مِنْهَا) هو مئةٌ وثلاثون.
انظر ترجمة الذهلي في «سير أعلام النبلاء».
قوله: (وَأَمَّا الجَوَابُ عَمَّنْ طُعِنَ … ) إلى آخره، هذا غيرُ ما سبقَ في قوله: (وَأَمَّا الجَوَابُ عَمَّا انْتُقِدَ
стр. 256
فليعلم (١) أنَّ تخريج صاحب الصَّحيح لأيِّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحَّة ضبطه وعدم غفلته، مع ما انضاف لذلك من إطلاق (٢) جمهور الأمَّة على تسمية الكتابين بـ «الصَّحيحين»، وهذا معنًى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في «الصَّحيحين»، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذُكِرَ فيهما، ولا يُقبَل الطَّعن في أحدٍ من رواتهما إلَّا بقادحٍ واضحٍ؛ لأنَّ أسباب القدح -كما مرَّ- مختلفةٌ، ومداره هنا على خمسةٍ: البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة الحال أو دعوى الانقطاع بالسَّند؛ بأن يُدَّعَىَ في راويه (٣) أنَّه كان يدلِّس ويرسل.
فأمَّا البدعة؛ فالموصوف بها إن كان غير داعيةٍ
عَلَيْهِ … ) إلى آخره، فإنَّ ذلكَ في نفسِ الأحاديثِ وهذا في الرجال، ولِذَا عبَّرَ بلفظ (من) هنا، وبلفظ (ما) هناك.
قوله: (مِنْ إِطْلَاقِ جُمْهُوْرِ الأُمَّةِ) فيهِ ما سبقَ في قوله: (مَعَ إِطْلَاقِ جُمْهُوْرِ الأُمَّةِ) من أنَّ (على) زائدةٌ، أو أنَّ لفظ (إطلاق) مُحَرَّفٌ عن (إطباق).
قوله: (عَلَى تَعْدِيْلِ مَنْ ذُكِرَ فِيْهِمَا) محلُّهُ فيمنْ خرَّجَ له في الأصول، أمَّا مَنْ خرَّجَ له في المتابعات والشواهد والتعاليق فدرجاتهم متفاوتة في الضبط مع حصول اسم الصدق لهم كما سلف، وحينئذٍ فإذا وجدنا لغيره طَعنًا في أحدٍ منهم فذلك الطَّعن مقابلٌ لتعديل هذا الإمام بتخريجه له فلا يقبل إلَّا مبينَ السبب.
قوله: (لِأَنَّ أَسْبَابَ القَدْحِ كَمَا مَرَّ مُخْتَلِفَةٌ … ) إلى آخره؛ أي: فرُبَّمَا ظنَّ ما ليس بقادحٍ قادحًا، وقد وقع من جماعةٍ الطعنُ في جماعةٍ بسبب اختلافهم في العقائد، ولا يعتدُّ بذلك إلَّا بحقٍ، وكذا عابَ جماعةٌ من الورعين جماعةً دخلوا في أمر الدنيا فضعَّفوهم لذلك، ولا أثر له مع الصدق والضبط، وضعَّف بعضهم بعضًا تحاملًا، وغير ذلك مما لا عبرة به.
قوله: (وَيُرْسِلُ) الأَولى التعبيرُ بـ (أوْ).
قوله: (إِنْ كَانَ غَيْرَ دَاعِيَةٍ … ) إلى آخره، محلُّ هذا التفصيل في غير البِدعة المكفِّرة تكفيرًا متفقًا عليه، كما في غُلاة الروافض مِن دعوى بعضهم حلول الإلهية في عليٍّ أو غيره، أو الإيمان برجوعه
стр. 257
قُبِل، وإلَّا فلا، وقال ابن دقيقٍ العيد: إن وافق غير الدَّاعية غيره فلا يُلتَفت إليه؛ إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره، وإن لم يوافقه أحدٌ، ولم يوجد ذلك الحديث إلَّا عنده، مع كونه صادقًا
إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيءٌ البتة، فموضوعُ ذلك التفصيل في البدعة المُفسِّقة كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو، وفي غيرهم من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافًا ظاهرًا، لكنه مستندٌ إلى تأويل ظاهر شائع، وما ذكره الشارحُ من التَّفصيل هو المُعتمد الذي جرى عليه الأئمة، بل ادَّعى ابن حبان إجماعَ أهلِ النقل عليه، وقيل: يُقبل مطلقًا، وقيل: يُرَد مطلقًا، والقائلون بما ذكره الشارح من التفصيل اختلفوا، فبعضهم أطلق كما أطلق الشارح.
وبعضهم زاد تفصيلًا فقال: إن اشتملت رواية غيرِ الدَّاعية على ما يُشيد ببدعته ويُزينها ظاهرًا فلا يقبل وإلَّا قُبل، وطَرَدَ بعضهم هذا التفصيل بعينهِ في عكسهِ في حقِّ الداعية، فقال: إن اشتملتْ روايته على ما تردُّ به بدعته قُبِلَ وإلَّا فلا، ثمَّ هذا الخلاف والتفصيل محله إذا كان ذو البدعة المذكورة معروفًا بالتحرز من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفًا بالديانة والعبادة، وإلَّا فلا خلاف ولا تفصيلَ في ردِّهِ، ولكن لا من حيثية البدعة، بل من حيثية عدم العدالة.
قوله: (إِنْ وَافَقَ غَيْرُ الدَّاعِيَةِ … ) إلى آخره، صريحهُ أنَّ هذا التفصيلَ الذي ذكرَهُ ابن دقيق العيد خاصٌّ بغيرِ الدَّاعية من المُبتدعة، وعامٌّ في جميع رواياته ما لم يتعلقْ منها ببدعته أصلًا وما كان له بها تعلقٌ، وصريحُ كلامِ الحافظ ابن حجر في «مقدمته» أنَّه عام في الداعية وغيره، خاص بالأول فقط، وعبارته: إذا اشتملت رواية المبتدع سواءٌ كان داعيةً أو لم يكنْ على ما لا تَعَلُّقَ لهُ ببدعتهِ أصلًا هل يُقبل مطلقًا أو يُرَدُّ مُطلقًا؟ مال أبو الفتح القُشَيْرِي إلى تفصيلٍ آخر فيه فقال: إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو، إخمادًا لبدعته وإطفاء لناره، إلى آخر ما ذكره الشارح.
قوله: (إِجْمَاعًا) كذا في نسختنا، وهو تحريفٌ عن (إخمادًا) كما في عبارة «مقدمة الفتح» المتقدمة، وقد علمتَ ما في ذلك من الخلاف.
стр. 258
متحرِّزًا عن الكذب، مشهورًا بالتَّديُّن، وعدم تعلُّق ذلك الحديث ببدعته؛ فينبغي أن تُقدَّم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السُّنَّة على مصلحة إهانته.
وأمَّا المخالفة، وينشأ عنها الشُّذوذ والنَّكارة؛ فإذا روى الضَّابط والصَّدوق شيئًا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى؛ بحيث يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين فهذا شاذٌّ، وقد تشتدُّ المخالفة أو يضعف الحفظ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه مُنكَرًا، وهذا ليس في «الصَّحيح» منه سوى نزرٍ يسيرٍ.
وأمَّا الغلط؛ فتارةً يَكثُر من الرَّاوي، وتارةً يقلُّ، فحيث يُوصَف بكونه كثير الغلط يُنظَر فيما أُخرِج له، إن وُجِدَ مرويًّا عنده وعند غيره من رواية غير هذا الموصوف عُلِمَ أنَّ المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطَّريق، وإن لم يوجد إِلَّا من طريقه فهو قادحٌ يُوجِب التَّوقُّف عن الحكم بصحَّة ما هذا سبيله، وليس في «الصَّحيح» بحمد الله تعالى من ذلك شيءٌ.
وأمَّا الجهالة فمندفعةٌ عن جميع من أُخرِج لهم في «الصَّحيح»؛ لأنَّ شرط الصَّحيح أن يكون راويه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أنَّ أحدًا منهم مجهولٌ فكأنَّه نازع المصنِّف في دعواه أنَّه معروفٌ، ولا ريب أنَّ المدَّعي لمعرفته مقدَّمٌ على من يدَّعي عدم معرفته؛ لما مع المثبِت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا نجد في رجال الصَّحيح من (١) يُسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا.
وأمَّا دعوى الانقطاع فمدفوعةٌ عمَّن أخرج لهم البخاريُّ؛ لما عُلِمَ من شرطه، ولا نطيل بسرد أسمائهم وردِّ ما قِيل فيهم.
قوله: (بِخِلَافِ) متعلقٌ بـ (رواهُ).
قوله: (فَحَيْثُ يُوْصَفُ بِكَوْنِهِ كَثِيْر الغَلَطِ … ) إلى آخره، لم يذكرْ مقابلَهُ وهو: ما إذا وُصف بقلَّة الغلط كما يُقال: سيئُ الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، أو غير ذلك من العبارات، قال ابن حجر: والحكم فيهِ كالحكمِ في مقابله، إلَّا أنَّ الروايةَ عن هؤلاء في المتابعات أكثرُ منها عند المصنف من الرواية عن أولئك. انتهى.
قوله: (لِمَا عُلِمَ مِنْ شَرْطِهِ)؛ أي: الذي منه أنَّه لا يروي إلَّا عن صادقٍ غير مدلسٍ ولا مُختلط، عدلٍ سليم الذهن، قليل الوهم، فلا يكون مجهولًا.
стр. 259
وأمَّا بيان موضوعه، وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال؛ فاعلم أنَّه رحمه الله تعالى قد التزم مع صحَّة الأحاديث استنباطَ الفوائد الفقهيَّة، والنُّكت الحكميَّة، فاستخرج بفهمه الثَّاقب من المتون معانيَ كثيرةً، فرَّقها في أبوابه بحسب المُناسَبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السُّبل الوسيعة (١)، ومن ثمَّ أخلى كثيرًا من الأبواب عن ذكره إسناد الحديث (٢)، واقتصر فيه على قوله: فلانٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، ونحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسنادٍ، وقد يورده معلَّقًا؛ لقصد الاحتجاج لما ترجم له، وأشار للحديث؛ لكونه معلومًا أو سبق قريبًا، ويقع في كثيرٍ من أبوابه أحاديثُ كثيرةٌ، وفي بعضها حديثٌ واحدٌ، وفي بعضها آيةٌ من القرآن فقط، وبعضها لا شيءَ فيه ألبتَّة،
قوله: (المَنِيْعَةِ المَنَالِ) بفتح الميم وبالنون؛ أي: الممتنعة من أن ينالها غيره، قال في «مقدمة الفتح»: وإنَّما بلغتْ هذه الرتبةَ وفازت بهذه الحظوة لسببٍ عظيم أوجَب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همام قال: شهدتُ عدةَ مشايخ يقولون: حوَّل البخاريُّ تراجم جامعه؛ -يعني: بَيَّضَهَا- بينَ قبرِ النَّبيِّ ﷺ ومنبرهِ، وكان يصلي لكل ترجمةٍ ركعتين. انتهى. وسيأتي بذكر ذلك الشارح.
قوله: (وَمِنْ ثَمَّ أَخْلَى كَثِيْرًا … ) إلى آخره؛ أي: من كونِ غرضه مع ذكرِ الأحاديثِ الصحيحةِ الاستنباط منها والاستدلال لأمورٍ أرادها لا خصوصَ ذكر الأحاديث فقط.
قوله: (وَبَعْضُهَا لَاْ شَيءَ فِيْهِ) ادَّعى قومٌ أنَّه صنعَ ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنَّه لم يثبتْ عنده
стр. 260
وقد وقع في بعض نسخ الكتاب ضمُّ بابٍ لم يُذكَر فيه حديثٌ، إلى حديثٍ لم يُذكَر فيه بابٌ، فاستشكله بعضهم، لكن أزال الإشكال الحافظ أبو ذرٍّ الهرويُّ بما رواه عن الحافظ أبي إسحاق (١) المُستملي، ممَّا ذكره أبو الوليد الباجيُّ -بالموحَّدة والجيم- في كتابه: «أسماء رجال البخاري»، قال: استنسخت كتاب البخاريِّ من أصله الذي كان عند الفَِرَبْريِّ، فرأيت أشياء لم تتمَّ وأشياء مُبيَّضةً، منها تراجمُ لم يُثْبت بعدها شيئًا، وأحاديث (٢) لم يُترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعضٍ. قال الباجيُّ: وممَّا يدلُّ على صحَّة ذلك، أنَّ رواية المُستملي والسَّرخسيِّ والكُشْمِيهَني وأبي زيدٍ (٣) المروزيِّ مختلفةٌ بالتَّقديم والتَّأخير، مع أنَّهم انتسخوها (٤) من أصلٍ واحدٍ، وإنَّما ذلك بحسب ما قد رأى كلُّ واحدٍ منهم فيما كان في (٥) طُرَّةٍ أو رقعةٍ مضافةٍ أنَّه من موضعٍ فأضافها إليه، ويبيِّن ذلك أنَّك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متَّصلةً ليس بينها أحاديثُ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه قاعدةٌ حسنةٌ يُفزَع إليها (٦)، حيث
حديثٌ بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، أفاده في الفتح ثم قال: ومن ثَمَّ وقعَ في بعضِ نسخ الكتاب … إلى آخر ما ذكرهُ الشارح.
قوله: (قَالَ البَاجِي … ) إلى آخره؛ نقلَ عنه الحافظ ابن حجر أنَّه قال بعد ما ذكر: وإنَّما أوردت هذا هناك لما عُنِيَ به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها وتكلفهم في ذلك من تَعَسُّف التأويل ما لا يسوغ. انتهى.
قوله: (قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَر: وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ … ) إلى آخره، قال بعد ذلك: ثم ظهرَ لي أنَّ البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب إن وجدَ حديثًا يناسب ذلك الباب، ولو على وجهٍ
стр. 261
يتعسَّر (١) الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضعُ قليلةٌ. انتهى. هذا الذي قاله الباجيُّ فيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ الكتاب قُرِئَ على مؤلِّفه، ولا ريب أنَّه لم يُقرَأ عليه إلَّا مُرَتَّبًا مُبوَّبًا، فالعبرة بالرِّواية، لا بالمُسوَّدة التي ذكر صفتها، ثمَّ إنَّ التَّراجم الواقعة فيه تكون ظاهرةً وخفيَّةً، فالظَّاهرة: أن تكون التَّرجمة دالَّةً بالمُطابَقة لما يورده في مضمَّنها، وإنَّما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبارٍ لمقدار تلك الفائدة، كأنَّه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت
خفيٍّ، ووافقَ شرطه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحًا لموضوع كتابِه، وهي: «حدَّثنا» وما قام مقام ذلك، والعنعنة بشرطها عنده، وإن لم يجدْ فيه إلَّا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحُجَّةِ كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوقُ بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّ أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره وكان مما يُستأنس به ويقدمه قومٌ على القياس استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمةَ بابٍ، ثم أوردَ في ذلك إما آية من كتاب الله تشهدُ له أو حديثًا يؤيدُ عمومَ ما دلَّ عليه ذلك الخبرُ، وعلى هذا فالأحاديثُ التي فيه على ثلاثة أقسام، وسيأتي تفصيل ذلك مشروحًا. انتهى.
قوله: (فِيْ ضِمْنِهَا) وقعَ في نسخ الطبع (في مضمنها) ولا معنى له إلَّا زيادة حرف الميم عند الجمعِ بلا قصدٍ.
قوله: (مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِتِلْكَ الفَائِدَةِ) لو قال: (من غير اعتبار فائدة ما، غير التنبيه على ما يورد فيها) كان أولى، ومراده أنَّه لم يُدرج في طَيِّها شيئًا من النُّكات والفوائد التي أدرجها في بقية التراجم التي هي القسم الخفي.
قوله: (كَيْتَ وَكَيْتَ) كنايةٌ عمَّا يُذكر من الأحاديث وغيرها عند الخليل وسيبويه، وعند ثعلب
стр. 262
وقد تكون التَّرجمة بلفظ المُترجَم له أو ببعضه أو بمعناه، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ التَّرجمة احتمالٌ لأكثرَ من معنًى واحدٍ، فيعيِّن أحد الاحتمالين بما يذكره تحتها من الحديث، وقد يوجد فيه عكس ذلك؛ بأن يكون الاحتمال في الحديث، والتَّعيين (١) في التَّرجمة، والتَّرجمة هنا بيانٌ لتأويل ذلك الحديث، نائبةٌ مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العامِّ الخصوصُ، أو بهذا الحديث الخاصِّ العمومُ؛ إشعارًا بالقياس؛ لوجود العلَّة الجامعة، أو أنَّ ذلك الخاصَّ المراد به ما هو أعمُّ ممَّا يدلُّ عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المُطلَق والمُقيَّد نظير ما ذكر في العامِّ والخاصِّ، وكذا في شرح المُشكِل، وتفسير الغامض، وتأويل الظَّاهر، وتفصيل المُجمَل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم «البخاريِّ»؛ ولذا اشتُهِر من قول جمعٍ من الفضلاء: فقه البخاريِّ في تراجمه، وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به، ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضمَره واستخراج خَبِيئه، وكثيرًا ما يفعل ذلك، أي هذا الأخير
ومن تبعه أنَّ كيت وكيت كناية عن الأفعال، وذي وذيت كناية عن المقال، والأصل كيه وذيه لكنه أُبْدِلَ من الهاء تاءٌ وفُتِحَتْ لالتقاء الساكنين وطلبًا للتخفيف.
قوله: (تَحْتَهَا)؛ أي: الترجمة؛ أي: فيها.
قوله: (بِأَنْ يَكُوْنَ الاحْتِمَالُ فِيْ الحَدِيْثِ)؛ أي: بأن يكونَ عامًّا مخصوصًا أو خاصًّا مُرادًا به العموم.
قوله: (بِطَرِيْقِ الأَعْلَى أَوْ الأَدْنَى)؛ أي: بطريقِ القياسِ الأعلى وهو الأولوي، ويُسْمَى الجَليَّ كقياس الضربِ على التأفيف في التحريم، والأدنى ويسمى بالأدون والخفي، كقياس التفاح على البُرِّ في الرِّبَا، ويقال له: قياس الشَّبَه، وأمَّا المُساوي، ويقال له الواضح، فكقياس إحراقِ مالِ اليتيم على أكله في التحريم.
قوله: (شَحْذِ الأَذْهَانِ) بفتح الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة وبالذال المعجمة؛ أي: تقويتها من شَحَذْتُ المُدْيَةَ أَشْحَذُهَا بفتحتين: أَحْدَدْتُهَا.
قوله: (أَيْ هَذَا الأَخِيْرَ) يريدُ تفسيرَ الغامضِ وتأويلَ الظَّاهِرِ.
стр. 263
حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضعٍ آخرَ متقدِّمًا أو متأخِّرًا، فكأنَّه يُحيلُ عليه ويومئ بالرَّمز والإشارة إليه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام، كقوله: باب هل يكون كذا؟ أو: من قال كذا؟ ونحو ذلك. وذلك حيث لا يتَّجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه: بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم ومراده ما يُفسَّر (١) بَعْدُ من إثباته أو نفيه، أو أنَّه محتملٌ لهما، وربَّما كان أحد المُحتمَلين أظهر، وغرضه أن يبقيَ للنَّاظر مجالًا، وينبِّه على أنَّ هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التَّوقُّف حيث يعتقد أنَّ فيه إجمالًا، أو يكون المدرَك مختلفًا في الاستدلال به، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ ظاهرٍ قليل الجدوى، لكنَّه إذا تحقَّقه المتأمِّل أجدى؛
قوله: (مَا يُفَسرُ)؛ أي: الذي يُفسره وعبارة «مقدمة الفتح»: ما يتفسرُ، وفي نسخٍ (مَا يَتَيَسَرُ).
قوله: (أنَّ فِيْهِ إِجْمَالًا) كذا في نسختنا، ولعلَّها احتمالًا كما هي عبارة «المقدمة الفتحية».
قوله: (أَوْ يَكُوْنُ المُدْرَكُ) قال في «المصباح»: والمُدْرَك بضم الميم يكون مصدرًا واسم زمان ومكان، تقول: أَدْرَكْتُهُ مُدْرَكًا؛ أي: إِدْرَاكًا، وهذا مُدْرَكُهُ؛ أي: موضعُ إِدْرَاكِهِ وزمنُ إِدْرَاكِهِ، ومَدَارِكُ الشَّرْعِ مواضعُ طلبِ الأحكامِ، وهي حيثُ يُستدلُّ بالنصوص والاجتهاد من مَدَارِكِ الشرعِ، والفقهاءُ يقولون في الواحد: مَدْرَكٌ، بفتح الميم وليس لتخريجه وجهٌ، وقد نصَّ الأئمةُ على طردِ البابِ فيُقال: مُفعل بضم الميم من أفعل، واستُثْنِيتْ كلماتٌ مسموعةٌ خرجتْ عن القياس، قالوا: المَأْوَى، مِن آويتُ، ولم يُسمعْ فيهِ الضَّمُّ، وقالوا: المَصْبَحُ والمَمْسَ لموضع الإصباح والإمساء ولوقته من أصبح وأمسى، والمَخْدَعُ من أَخْدَعْتُهُ أَوْثَقْتُهُ، أو حَمَلْتُهُ على المُخَادعة، وأجْزَأْتُ عنك مُجْزَأَ فُلانٍ، بالضم في هذه على القياس، وبالفتحِ شذوذًا، ولم يذكروا: المُدرَك فيما خرجَ عن القياس، فالوجهُ الأخذ بالأصول القياسية حتى يصحَّ سماعٌ، وقد نَظَمْتُ ذلكَ فقلتُ:
ومُفعلُ اضممْ فِي الرُّباعي غيرُ خمسةٍ … مأوًى افتحْهُ وَلا تضمَّنْ قطعا
ومَجزءُ المَمْسَى ومَصبحُ مَخدع … وذي معَ ضمٍّ فتحُهَا قدْ أتَى سَمْعَا
стр. 264
كقوله: «باب قول الرجل: ما صلَّينا»، فإنَّه أشار به إلى الرَّدِّ على من كره ذلك، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ يختصُّ ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرَّأي؛ كقوله: «باب استياك الإمام بحضرة رعيَّتِه»؛ فإنَّه لمَّا كان الاستياك قد يُظَنُّ أنَّه من أفعال المهنة، فلعلَّ أن يُظَنَّ أنَّ إخفاءه أولى مراعاةً للمروءة، فلمَّا وقع في الحديث: أنَّه ﷺ استاك بحضرة الناس دلَّ على أنَّه من باب التَّطيُّب، لا من الباب الآخر، نبَّه على ذلك ابن دقيقٍ العيد. قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أرَ هذا في «البخاريِّ»، فكأنَّه ذكره على سبيل المثال.
وكثيرًا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديثٍ لم يصحَّ على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في التَّرجمة، ويورد في الباب ما يؤدِّي معناه تارةً بأمرٍ ظاهرٍ، وتارةً بأمرٍ خفيٍّ، من ذلك قوله: «باب الأمراء من قريش»، وهذا لفظ حديثٍ يُروَى عن عليٍّ، وليس على شرط البخاريِّ، وأورد فيه حديث: «لا يزال والٍ من قريش» (١)، وربَّما اكتفى أحيانًا بلفظ التَّرجمة التي هي لفظ حديثٍ لم يصحَّ على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آيةً، فكأنَّه يقول: لم يصحَّ في الباب شيءٌ على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدَّقيقة اعتقد مَن لم يمعن النَّظر أنَّه ترك الكتاب بلا تبييضٍ، وبالجملة؛ فتراجمه حيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل:
قوله: (كَقَوْلِهِ: بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا) ومنهُ قوله: (باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة) أشارَ بذلك إلى الردِّ على مَن كَرِهَ إطلاقَ هذا اللفظِ.
قوله: (بِأَثَرٍ) ظاهر عبارة ابن حجر: (بأمر) بالميم؛ فلعلَّ ما هنا تحريفٌ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ … ) إلى آخره، ومنه قوله: (باب: اثنان فما فوقهما جماعة) فهذا حديثٌ يُروى عن أبي موسى الأشعري، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه: «فأذِّنا وأقيما وليؤمكما أحدكما».
стр. 265
أعيا فحولَ العلم حَلُّ رموز ما … أبداه في الأبوابِ من أسرارِ (١)
وإنمَّا بلغت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة؛ لما رُوِيَ أنَّه بيَّضها بين قبر النَّبيِّ ﷺ ومنبره، وأنَّه كان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين.
وأمَّا تقطيعه للحديث واختصاره، وإعادته له في الأبواب وتكراره؛ فقال الحافظ أبو الفضل (٢) بن طاهرٍ في «جواب المتعنِّت»: اعلم أنَّ البخاريَّ - رحمه الله تعالى - كان يذكر الحديث في كتابه في مواضعَ، ويستدلُّ به في كل بابٍ بإسنادٍ آخر، ويستخرج منه معنًى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلَّما يورد حديثًا واحدًا (٣) في موضعين بإسنادٍ واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، وإنَّما يورده من طريقٍ أخرى لمعانٍ يذكرها، فمنها: أنَّه يخرِّج الحديث عن صحابيٍّ، ثمَّ يورده عن صحابيٍّ آخر؛ والمقصود منه: أن يُخْرِجَ الحديث من حدِّ الغرابة، وكذا يفعل في أهل الطَّبقة
قوله: (مِنْ أَسْتَارِ) (٤)؛ أي: مستورُ أستارٍ، وفيه مَكْنِيَّةٍ لا تخفاكَ.
قوله: (فِيْ جَوَابِ المُتَعَنِّتِ) اسم كتابٍ، لابن طاهرٍ المذكور.
قوله: (بِإِسْنَادٍ آخَرَ)؛ أي: مصحوبًا بإسنادٍ آخر غير الإسناد الذي ذكرهُ له في البابِ الأول.
قوله: (فِيْ حَدِّ الغَرَابَةِ) كذا في نسختنا، والذي في «المقدمة الفتحية»: (عن حد) بلفظ (عن)، وهو
стр. 266
الثَّانية والثَّالثة وهلمَّ جرًّا إلى مشايخه، فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصَّنعة أنَّه تكرارٌ، وليس كذلك؛ لاشتماله على فائدةٍ زائدةٍ، ومنها: أنَّه صحَّح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كلُّ حديثٍ منها على معانٍ متغايرةٍ، فيورده في كلِّ بابٍ من طريقٍ غير طريق الأوَّل، ومنها: أحاديثُ يرويها بعض الرُّواة تامَّةً وبعضهم مُختصرةً، فيرويها (١) كما جاءت؛ ليُزيل الشُّبهة عن ناقلها، ومنها: أنَّ الرُّواة ربَّما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديثٍ فيه كلمةٌ تحتمل معنًى آخر، فيورده بطرقه إذا صحَّت على شرطه، ويفرد لكلِّ لفظةٍ بابًا مفردًا، ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل، فاعتمده وأورد الإرسال منبِّهًا على أنَّه لا تأثيرَ له عنده في الموصول، ومنها: أحاديثُ تعارض فيها الوقف والرَّفع، والحكم فيها كذلك، ومنها: أحاديثُ زاد فيها بعض الرُّواة رجلًا في الإسناد، ونَقَصَهُ بعضُهم، فيوردها على الوجهين، حيث يصحُّ عنده أنَّ الرَّاوي سمعه من شيخٍ حدَّثه به عن آخر، ثمَّ لقي آخر فحدَّثه به، فكان يرويه على الوجهين، ومنها: أنَّه ربَّما أورد حديثًا عنعنه راويه، فيورده من طريقٍ أخرى، مصرِّحًا فيها بالسَّماع، على ما عُرِفَ من طريقه في اشتراط ثبوت اللِّقاء من المعنعن.
وأمَّا تقطيعه للحديث في الأبواب
المُتعين إذْ متى روى الحديثَ راوٍ آخرَ فقد خرج عن الغرابة، فرُبَّمَا ذكرَ أحد أنَّه غريب لعدم اطِّلاعِه فيوردهُ البخاري عن صحابي آخر، ردًّا على من زعمَ غرابَتَهُ.
قوله: (ثُمَّ لَقِيَ آخَرَ) كذا في نُسختنا وعبارةُ ابن حجر: (ثم لقي الآخر) بالتعريف، وهي ظاهرة.
قوله: (وَأَمَّا تَقْطِيْعُهُ لِلْحَدِيْثِ … ) إلى آخره، قال في «الملخص»: اختلفَ العلماءُ في اختصار الحديث الواحد ورواية بعضه دون بعض، فمنهم من منعَ بناءً على القول بالمنع من النقل بالمعنى،
стр. 267
تارةً، واقتصاره منه على بعضه أخرى؛ فلأنَّه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنِّه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدةٍ حديثيَّةٍ، وهي إيراده له عن شيخٍ سوى الشَّيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك، فيُستفَاد بذلك كثرة (١) الطُّرق لذلك الحديث، وربَّما ضاق عليه مَخْرَج الحديث حيث لا يكون له إِلَّا طريقٌ واحدٌ، فيتصرَّف حينئذٍ فيه، فيورده في موضعٍ موصولًا، وفي آخرَ معلَّقًا، وتارةً تامًّا، وأخرى مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملًا على جمل متعدِّدةٍ لا تَعَلُّقَ لإحداها بالأخرى فإنه يخرِّج كلَّ جملةٍ منها في بابٍ مستقلٍّ فرارًا من التَّطويل، وربَّما نَشِطَ فساقه بتمامه. وقد ذُكر أنَّه وقع في بعض نسخ البخاريِّ في أثناء «الحجِّ» بعد «باب قصر الخطبة بعرفة»، «باب التَّعجيل إلى الموقف»، قال أبو عبد الله: يُزاد في هذا الباب حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ، ولكنِّي لا أريد أن أُدخِل فيه مُعادًا، وهذا كما قال في «مقدِّمة الفتح»: يقتضي أنَّه لا يتعمَّد أن يخرِّج في كتابه حديثًا مُعادًا بجميع إسناده ومتنه، وإن كان قد وقع له من ذلك شيءٌ فعن غير قصدٍ وهو قليلٌ جدًّا. انتهى.
ومنهم مَن منع مع تجويزِ النقلِ بالمعنى إذا لم يكن قد رواه على التمام مرة أخرى، ولم يعلم أن غيره قد رواه تامًّا، ومنهم مَن جَوَّزَ ذلكَ وأطلقَ، والصحيحُ أن يُقالَ: إن كانَ ما تركه متميزًا عَمَّا نقلَهُ، غير متعلقٍ به جازَ؛ لأنَّهما والحالةُ هذه يصيران بمنزلة خبرين منفصلين لا تعلُّقَ لأحدهما بالآخر، وأما تقطيع المصنف الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب فهو إلى الجوازِ أقربُ، ولا يخلو من كراهةٍ. انتهى.
стр. 268
قلت: وقد رأيت ورقةً بخطِّ الحافظ ابن حجرٍ تعليقًا، أحضرها إليَّ صاحبنا الشَّيخ العلَّامة المحدِّث البدر المشهديُّ، نصُّها: نبذةٌ من الأحاديث التي ذكرها البخاريُّ في موضعين سندًا ومتنًا:
حديثُ عبد الله بن مغفَّلٍ: «رمى إنسانٌ بجرابٍ فيه شحمٌ» في آخر «الخُمس» [خ¦٣١٥٣] وفي «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٥٠٨].
حديث «في نحر البدن» في «الحج» عن سهل بن بكَّارٍ عن وُهَيبٍ (١) ذكره في موضعين متقاربين [خ¦١٧١٢] [خ¦١٧١٤].
حديث أنسٍ: «أُصِيب حارثة، فقالت أمُّه … » في «غزوة بدرٍ» [خ¦٣٩٨٢] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٥٥٠]
حديث: «أنَّ رجلين خرجا ومعهما مثل المصباحين» في «باب المساجد» [خ¦٤٦٥] وفي «باب انشقاق القمر» [خ¦٣٦٣٩].
حديث أنس: «أنَّ عمر استسقى بالعبَّاس» في «الاستسقاء» [خ¦١٠١٠] و «مناقب العبَّاس» [خ¦٣٧١٠].
حديث أبي بكرة: «إذا التقى المسلمان» في «باب وإن طائفتان» [خ¦٣١]
قوله: (رُمِيَ إِنْسَانٌ بِجِرابٍ) ببناء (رَمَىَ) للفاعل ورفع (إنسان) على الفاعلية، (وَالجِرَابُ) بكسر الجيم، قال في «المصباح»: ولا يُقال (جَرَاب) بالفتح، قاله ابن السِّكِّيْتِ وغيره، وجمعُهُ: جُرُبٌ ككتاب، وكُتُبٌ، وسُمِعَ أَجْرِبَةٌ أيضًا. انتهى.
قوله: (فِيْ آخِرِ الخُمُسِ) متعلقٌ بمحذوف، يدل عليه قوله: (ذَكَرَهَا البُخَارِيِّ فِيْ مَوْضِعَيْن … ) إلى آخره؛ أي: ذكرهُ فِيْ آخِرِ الخُمُسِ وَفِيْ الصَّيْدِ … إلى آخره، وكذا يُقالُ فيما بعده.
стр. 269
من «كتاب الإيمان»، وفي «كتاب الدِّيات» [خ¦٦٨٧٥].
حديث أبي جُحيفة: «سألت عليًّا هل عندكم شيءٌ؟» في «باب العاقلة» [خ¦٦٩٠٣]، وفي «باب لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» [خ¦٦٩١٥].
حديث حذيفة حدَّثنا حديثين أحدهما: في «باب رفع الأمانة» من «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧]، وفي «باب إذا بقي في حثالة» من «الفتن» [خ¦٧٠٨٦].
حديث أبي هريرة: «في قول رجلٍ من أهل البادية: لسنا أصحاب زرعٍ» في «كتاب الحرث» [خ¦٢٣٤٨]، وفي «التَّوحيد» في «كلام الرَّبِّ مع الملائكة» [خ¦٧٥١٩].
حديث عمر: «كانت أموال بني النَّضير» في «باب المِجَنّ» من «الجهاد» [خ¦٢٩٠٤]، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٨٨٥].
حديث أبي هريرة: «بينا أيُّوب يغتسل عريانًا» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٩١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٣].
حديث: «لا يقتسم ورثتي» في «الخُمس» [خ¦٣٠٩٦] وقبله في «الجهاد» (١) [خ¦٢٧٧٦].
حديث عبد الله بن عمروٍ: «مَنْ قَتل معاهدًا»
قوله: (حَدِيْثَيْن: أَحَدُهُمَا … ) إلى آخره، الذي في «صحيح البخاري» في البابين (حَدَّثَنَا حَدِيْثَيْن رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا … ) إلى آخره؛ أي: رأيتُ وأدركتُ مدلولَ أحدهما، وقوله: (فِيْ بَابِ رَفْعِ الأَمَانَةِ)؛ أي: ذكرَ هذا الحديثَ في (باب: رفع الأمانة … ) إلى آخره، وإن كانت عبارته تُوهمُ خلافَ ذلك.
قوله: (حُثَالَةٍ) هي بضم الحاء المهملة وبالثاء المثلثة: الرديء من كلِّ شيءٍ.
قوله: (فِيْ قَوْلِ رَجُلٍ) متعلقٍ بحديث، وأما قوله: (فِيْ كِتَابِ الحَارِثِ … ) إلى آخره، فمنَ النَّسق المتقدم.
قوله: (فِيْ بَابِ المِجَنِّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون التِّرس، وجمعه مَجان كدَوَاب، كما في «المصباح».
قوله: (مُعَاهَد) بفتح الهاء.
стр. 270
في «الجزية» (١) «باب (٢) مَنْ قَتل معاهدًا» [خ¦٣١٦٦]، وفي «الدِّيات» «باب مَنْ قَتل ذميًّا» [خ¦٦٩١٤].
حديث أبي سعيدٍ: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيءٍ يستره» في «الصلاة» [خ¦٥٠٩]، وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٤].
حديث أبي هريرة: «وكَّلني بحفظ زكاة رمضان» في «الوكالة» [خ¦٢٣١١] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٥]، وفي «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠].
حديث عديِّ بن حاتمٍ: «جاء رجلان أحدهما يشكو العيلة» في «الصَّدقة قبل الرَّدِّ» [خ¦١٤١٣] وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٥].
حديث أنس: «انهزم النَّاس يوم أُحُدٍ» في «غزوة أُحُد» في «الجهاد» (٣) [خ¦٢٨٨٠] و «مناقب طلحة» [خ¦٣٨١١].
حديث أبي موسى: «رأيتُ في المنام أنِّي أهاجر من مكَّة إلى أرضٍ ذات نخلٍ … » الحديث في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٦٢٢] وفي «المغازي» [خ¦٣٩٠٥]، وفي «التَّعبير» (٤) [خ¦٧٠٣٥].
حديث ابن عبَّاس: «هذا جبريل» في «غزوة بدر» [خ¦٣٩٩٥] وفي «غزوة أُحُد» (٥) [خ¦٤٠٤١].
حديث جابرٍ: «أَمر عليًّا أن يقيم على إحرامه» في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٧]، وفي «بعث عليٍّ» من «المغازي» [خ¦٤٣٥٢].
حديث عائشة: «كان يوضع لي المِرْكَن» في «الطَّهارة» [خ¦٢٥٠]، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٩].
قوله: (العَيْلَة) بفتح العين المهملة؛ أي: الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية [التوبة: ٢٨].
قوله: (المِرْكَن) بكسر الميم آخره نون، (الإِجَّانَةُ) بتشديد الجيم، وهي إناءٌ يُغسل فيه الثياب والجمع أجاجين.
стр. 271
هذا آخر ما وجدته بخطِّ الحافظ ابن حجرٍ من ذلك، ورأيت في «البخاريِّ» أيضًا حديث أبي هريرة: «كان أهل الكتاب يقرؤون التَّوراة بالعبرانيَّة، ويفسِّرونها بالعربيَّة لأهل الإسلام» في «باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٣٦٢]، وفي «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٥]، وفي «باب ما يجوز من تفسير التَّوراة» في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٢].
وأمَّا اقتصاره -أي: البخاريِّ- على بعض المتن من غير أن يذكر الباقي في موضعٍ آخر؛ فإنَّه لا يقع له ذلك في الغالب إلَّا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصَّحابيِّ، وفيه شيءٌ قد يُحكَم برفعه، فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع، ويحذف الباقي؛ لأنَّه لا تعلق له بموضوع كتابه، كما وقع له في حديث هُزَيل بن شُرحبيلَ عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: «إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإنَّ أهل الجاهلية كانوا يسيِّبون» [خ¦٦٧٥٣]. هكذا أورده، وهو مختصرٌ من حديثٍ موقوفٍ أوَّله: «جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعودٍ، فقال: إنِّي أعتقت عبدًا لي سائبةً، فمات وترك مالًا ولم يدَعْ وارثًا، فقال عبد الله: إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يسيِّبون، فأنت وليُّ نعمته، فلَكَ ميراثُه، فإن تأثَّمت وتحرَّجت في شيءٍ فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال». فاقتصر البخاريُّ على ما يُعطَى حكم الرَّفع من هذا الموقوف؛ وهو قوله: «إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون»؛ لأنَّه يستدعي بعمومه النَّقل عن صاحب الشَّرع لذلك الحكم، واختصر الباقي؛ لأنَّه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى المواضع التي وقعت له من هذا الجنس، فقد اتَّضح أنَّه لا يعيد إلَّا لفائدةٍ، حتَّى لو لم يظهر لإعادته فائدةٌ من جهة الإسناد ولا من جهة المتن؛ لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه التَّرجمة الثَّانية موجبًا؛ لئلَّا يُعَدَّ تكرارًا بلا فائدةٍ، كيف لا وهو لا يُخْلِيْهِ مع ذلك من فائدةٍ إسناديَّةٍ، وهي إخراجه للإسناد عن شيخٍ غير الشَّيخ الماضي، أو غير ذلك.
قوله: (لَاْ يُسَيِّبُوْنَ) بضم الياء الأولى وكسر الثانية مشدَّدًا في «المصباح»: سابَ الفرسُ ونحوه يَسِيْبُ سَيَبَانًا: ذهب على وجهه، والسَّائِبَةُ أمُّ البَحِيْرَةِ، وقيل: كلُّ ناقةٍ تُسَيَّبُ لنَذْرٍ فترعى حيث شاءت.
стр. 272
وأمَّا إيراده للأحاديث المعلَّقة مرفوعةً وموقوفةً فيوردها تارةً مجزومًا بها؛ كـ «قال» و «فَعَلَ»، فلها حكم الصَّحيح، وغيرَ مجزومٍ بها؛ كـ «يُروَى» و «يُذكَر»، فالمرفوعُ تارةً يوجد في موضعٍ آخرَ منه موصولًا، وتارةً معلَّقًا: فالأوَّل -وهو الموصول- إنَّما يورده معلَّقًا حيث يضيق مخرج الحديث؛ إذ إنَّه لا يكرِّر إلَّا لفائدةٍ، فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكامٍ واحتاج إلى تكريره؛ يتصرَّف في الإسناد بالاختصار خوفَ التَّطويل.
والثَّاني وهو ما لا يوجد فيه إلَّا معلَّقًا: فإمَّا أن يذكره بصيغة الجزم فيُستفاد منه الصِّحَّة عن المضاف إلى من علَّق عنه وجوبًا، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث؛ فمنه ما يلحق بشرطه، ومنه ما لا يلحق.
فأمَّا الأوَّل: فالسَّبب في كونه لم يُوصِل إسناده؛ لكونه أخرج ما يقوم مقامه، فاستغنى عن إيراده مستوفيًا ولم يهمله، بل أورده معلَّقًا اختصارًا، أو لكونه لم يحصل عنده مسموعًا، أو
والسائبة: العبدُ يُعتَق ولا يكون لمعتقهِ عليه ولاءٌ فيضعُ ماله حيث شاء.
قال ابن فارس: وهو الذي ورد النهي عنه، و (سَيَّبْتُهُ) بالتشديد فهو مُسَيَّبُ وباسم المفعول سُمِّيَ، ومنه سعيد بن المُسَيَّب، وهذا هو الأشهرُ فيهِ، وقيل: اسم فاعل، قاله عياض وابن المَدِيني، وقال بعضهم: أهلُ العراقِ يفتحونَ وأهلُ المدينةِ يكسرونَ، ويحكون عنه أنَّه كان يقول: سَيَّبَ الله من سَيَّبَ أبي. انتهى. وإنَّما نقلته كله لما اشتملَ عليه من الفوائد التي نحن بصددها خصوصًا وعمومًا.
قوله: (إِذْ إِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ … ) إلى آخره؛ أي: إن قاعدته كذلك كما عبَّرَ به في «مقدمة الفتح».
قوله: (فَإِمَّا أَنْ يَذْكُرَهُ … ) إلى آخره، أصلُ عبارة «مقدمة الفتح»، والثاني هو: ما لا يوجد فيه إلَّا مُعَلَّقًا فإنَّهُ على صورتين: إمَّا أن يُورده بصيغةِ الجزمِ وإمَّا أن يُورده بصيغة التمريض، فالصيغة
стр. 273
سمعه وشكَّ في سماعه له من شيخه، أو سمعه مذاكرةً فلم يَسُقْهُ مَسَاق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه، فمن ذلك: أنَّه قال في «كتاب الوكالة»: قال عثمان بن الهيثم: حدَّثنا عوفٌ حدَّثنا محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: «وكَّلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان … » الحديث بطوله [خ¦٢٣١١]، وأورده في مواضع أُخَر؛ منها: في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠] وفي «ذكر إبليس» [خ¦٣٢٧٥]، ولم يقل في موضعٍ منها: حدَّثنا عثمان، فالظَّاهر أنَّه لم يسمعه منه، وقد استعمل البخاريُّ هذه الصِّيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدَّة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة: «قال فلانٌ»، ثمَّ يوردها في موضعٍ آخرَ بواسطةٍ بينه وبينهم، ويأتي لذلك أمثلةٌ كثيرةٌ في مواضعها. فقال في «التَّاريخ»: قال إبراهيم بن موسى: حدَّثنا هشام بن يوسف … ، فذكر حديثًا، ثمَّ قال: حدَّثوني بهذا عن إبراهيم، ولكن ليس ذلك مطَّردًا في كل ما أورده بهذه الصِّيغة، لكن مع هذا الاحتمال لا يَجْمُل حمل جميع ما أورده بهذه الصِّيغة (١) على أنَّه سمع ذلك من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلِّسًا عنهم، فقد صرَّح الخطيب وغيره بأنَّ لفظ «قال» لا يُحمَل على السَّماع إلَّا ممَّن عُرِفَ من عادته أنَّه لا يطلق ذلك إلَّا فيما سمع، فاقتضى ذلك أنَّ من لم يُعرَف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال.
وأمَّا ما لا يلتحق بشرطه: فقد يكون صحيحًا على شرط غيره؛ كقوله في «الطَّهارة»: وقالت عائشة: «كان النَّبيُّ (٢) ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه» [خ¦٦/ ٧ - ٥١٠] فإنَّه حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، أخرجه في «صحيحه»، وقد يكون حسنًا صالحًا للحجَّة؛ كقوله فيها: وقال
الأولى يُستفادُ منها الصحةُ إلى مَن عَلَّقَ عنهُ، لكن يَبْقَى النَّظَرَ فيمنْ أبرزَ من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق، أما ما يلتحقُ فالسبب في كونه لم يوصل إسناده إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفَى السياق ولم يهمله، بل أورده بصيغة التعليق طلبًا للاختصار، وإمَّا لكونه لم يحصل عنده مسموعًا، أو سمعه وشكَّ في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرةً، فما رأى أنَّه يسوقه مساقَ الأصل وغالب هذا … إلى آخر ما ذكره الشارح.
стр. 274
بَهْزُ بن حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه: «الله أحقُّ أن يُستَحيا منه من النَّاس» [خ¦٥/ ٢٠ - ٤٦٩]، فإنَّه حديثٌ حسنٌ مشهورٌ عن بَهْزٍ، أخرجه أصحاب السُّنن، وقد يكون ضعيفًا، لا من جهة قدحٍ في رجاله، بل من جهة انقطاعٍ يسيرٍ في إسناده؛ كقوله في «كتاب الزَّكاة»: وقال طاوسٌ: قال معاذ بن جبلٍ لأهل اليمن: «ائتوني بعَرَضٍ ثيابٍ خَمِيْصٍ، أو لَبِيْسٍ في الصَّدقة مكان الشَّعير والذُّرة، أهونُ عليكم وخيرٌ لأصحاب محمَّدٍ ﷺ » [خ¦٢٤/ ٣٣ - ٢٢٧٩]، فإنَّ إسناده إلى طاوسٍ صحيحٌ، إلَّا أنَّ طاوسًا لم يسمع من معاذ.
وأمَّا ما يذكره بصيغة التَّمريض؛ فلا يُستَفَاد منه الصِّحَّة عن المضاف إليه، لكن فيه ما هو صحيحٌ، وفيه ما ليس بصحيحٍ، فالأوَّل: لم يوجد فيه ما هو على شرطه إلَّا في مواضعَ يسيرةٍ جدًّا، ولا يذكرها إلَّا حيث يذكر ذلك الحديث المعلَّق بالمعنى ولم يجزم بذلك؛ كقوله في «الطِّبِّ»: ويذكر عن النَّبيِّ ﷺ في الرُّقَى بفاتحة الكتاب [خ¦٥٧٣٦]، فإنَّه أسنده في موضعٍ آخرَ من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مُليكة عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ نفرًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ مرُّوا بحيٍّ فيه لديغٌ … » [خ¦٥٧٣٧]، فذكر الحديث في رقيتهم للرَّجل بفاتحة الكتاب، وفيه قوله ﷺ لمَّا أخبروه بذلك: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، فهذا لمَّا أورده بالمعنى؛ لم يجزم به؛ إذ ليس في الموصول أنَّه ﷺ ذكر الرُّقية بفاتحة الكتاب، إنَّما فيه أنَّه لم ينههم عن فعلهم، فاستُفيد ذلك من تقريره.
قوله: (بِعَرَضٍ) بفتح العين المهملة والراء منونًا، و (ثِيَابٍ) بالجرِّ بدل أو عطف بيان له، وجوَّزَ بعضهم الإضافة، و (خَمِيْص) بفتح الخاء المعجمة آخره صاد مهملة: كساء له عَلَمان، و (لَبِيْس) بفتح اللام وكسر الموحدة، آخره سين مهملة فعيل بمعنى مفعول؛ أي: ملبوس، وقوله: (أَهْوَنُ) بالرفع خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك أهون … إلى آخره.
стр. 275
وأمَّا ما لم يورده في موضعٍ آخر ممَّا أورده بهذه الصِّيغة:
فمنه: ما هو صحيحٌ إلَّا أنَّه ليس على شرطه؛ كقوله في «الصَّلاة»: ويذكر عن عبد الله بن السَّائب قال: «قرأ النَّبيُّ ﷺ (المؤمنون) في صلاة الصُّبح، حتَّى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى؛ أخذته سَعْلةٌ فركع» [خ¦٧٧٥]، وهو حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ أخرجه في «صحيحه».
ومنه: ما هو حسنٌ، كقوله في «البيوع»: ويُذكر عن عثمان بن عفَّان ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا بِعْتَ فاكْتَلْ» [خ¦٢١٢٦]، وهذا الحديث قد رواه الدَّارقطنيُّ من طريق عبيد الله بن المغيرة، وهو صدوقٌ عن منقذ مولى عثمان، وقد وُثِّقَ عن عثمان، وتابعه عليه سعيد بن المسيَّب، ومن طريقه أخرجه أحمد في «المُسنَد»، إلَّا أنَّ في إسناده ابن لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من حديث عطاء عن عثمان، وفيه انقطاعٌ، فالحديث حسنٌ؛ لما عضده من ذلك.
ومنه: ما هو ضعيفٌ فردٌ، إلَّا أنَّ العمل على موافقته، كقوله في «الوصايا» عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه قضى بالدَّين قبل الوصيَّة» [خ¦٢٧٥٠]، وقد رواه التِّرمذيُّ موصولًا من حديث أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن الحارث الأعور عن عليٍّ، والحارث ضعيفٌ، وقد استغربه التِّرمذيُّ، ثمَّ حكى إجماع أهل المدينة على القول به.
قوله: (أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ) ضبطه النووي والقاضي عياض بفتح السين، وفي «القاموس»: سَعَلَ كنَصَرَ سُعْالًا وسُعْلَةً بضمهما، وهي حركةٌ تدفعُ بها الطبيعة أذى الرئة والأعضاء التي تتصل بها. قوله: (بِصِيْغَتَيِ الجَزْمِ وَالتَّمْرِيْضِ) في «المقدمة الفتحية» بعد ذلك ما نصه: وهاتان الصيغتان قد نقلَ النووي اتفاقَ محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما، وأنَّه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف؛ لأنَّها
стр. 276
ومنه: ما هو ضعيفٌ فردٌ لا جابرَ له، وهو في «البخاريِّ» قليلٌ جدًّا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقَّبه المصنِّف بالتَّضعيف بخلاف ما قبله.
ومن أمثلته: قوله في «كتاب الصَّلاة»: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «لا يتطوَّع الإمام في مكانه» [خ¦٨٤٨] ولم يصحَّ، وهو حديثٌ أخرجه أبو داود من طريق ليث بن أبي سُليمٍ عن الحجَّاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة، وليث بن أبي سليمٍ ضعيفٌ، وشيخ شيخه لا يُعرَف، وقد اختُلِف عليه فيه.
فهذا حكم جميع ما في «البخاريِّ» من التَّعاليق المرفوعة بصيغتي الجزم والتَّمريض.
وأمَّا الموقوفات؛ فإنَّه يجزم فيها بما صحَّ عنده، ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في إسناده ضعفٌ أو انقطاعٌ إلَّا حيث يكون منجبرًا، إمَّا بمجيئه من وجهٍ آخر، وإمَّا بشهرته عمَّن قاله، وإنَّما يورد ما يورد من الموقوفات (١) من فتاوى الصَّحابة ﵃ والتَّابعين، وكتفاسيرهم لكثيرٍ من الآيات على طريق الاستئناس، والتَّقوية لما يختاره من المذاهب
صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه، ولا ينبغي أن يُطلقا إلَّا فيما صحَّ، قال: وقد أهملَ ذلكَ كثيرٌ من المُصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتدَّ إنكارُ البيهقي على مَن خالف ذلك، وهو تساهلٌ قبيحٌ جدًا من فاعله أن يقول في الصحيح: (يذكر، ويُرْوَى) وفي الضعيف: (قال، وروى) وهذا قلبٌ للمعاني
стр. 277
في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمَّة، فحينئذٍ ينبغي أن يُقال: جميع ما يورده فيه: إمَّا أن يكون ممَّا ترجم به، أو ممَّا تُرجِم له، فالمقصود في هذا التَّأليف بالذَّات هو الأحاديث الصَّحيحة، وهي التي تُرجِم لها، والمذكور بالعرض والتَّبع الآثار الموقوفة والآثار المعلَّقة، نعم، والآيات المكرَّمة، فجميع ذلك مترجمٌ به، إلَّا أنَّه إذا اعتُبِرت بعضها مع بعض، واعتُبِرت أيضًا بالنِّسبة إلى الحديث، يكون بعضها مع بعضٍ منها مفسِّرٌ ومفسَّرٌ (١)، ويكون بعضها كالمُترجَم له باعتبارٍ، ولكن المقصود بالذَّات هو الأصل، فقد ظهر أنَّ موضوعه إنَّما هو للمسندات، والمعلَّق ليس بمسندٍ؛ ولذا لم يتعرَّض الدَّارقطنيُّ فيما تتبَّعه على «الصَّحيحين» إلى الأحاديث المعلَّقات؛ لعلمه بأنَّها ليست من موضوع الكتاب، وإنَّما ذكرت استئناسًا واستشهادًا. انتهى. من «مقدِّمة فتح الباري» بحروفه، وبالله تعالى التَّوفيق والمستعان.
وأمَّا عدد أحاديث «الجامع»؛ فقال ابن الصَّلاح: سبعة آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون -بتأخير الموحَّدة عن السين فيهما- بالأحاديث المكرَّرة، وتبعه النَّوويُّ وذكرها مُفصَّلةً، وساقها ناقلًا لها من كتاب «جواب المتعنِّت» لأبي الفضل بن طاهرٍ، وتعقَّب ذلك الحافظ أبو
وَحَيْدٌ عن الصوابِ، قال: وقد اعتنى البخاري باعتبار هاتين الصيغتين فأعطاهما حكمهما في صحيحه؛ فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريضٍ وبعضه بجزم مُراعيًا ما ذكرنا، وهذا مُشعر بتحرِّيهِ وورعه، وعلى هذا فيحمل قوله: (ما أدخلت في الجامع إلَّا ما صح)؛ أي: مما سُقت إسناده. انتهى كلامه.
قال: وقد تبيَّنَ ممَّا فصلنا به أقسام تعاليقه أنَّه لا يفتقرُ إلى هذا الحمل، وأن جميع ما فيه صحيحٌ باعتبار أنَّه كله مقبولٌ ليس فيه ما يردُّ مُطلقًا. انتهى.
قوله: (بِحُرُوْفِهِ)؛ أي: في الغالبِ.
قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ أَحادِيْثِ الجامِعِ)؛ أي: الذي هو «صحيح البخاري»، والمراد من الأحاديث المُسندة، كما ذكره النووي.
قوله: (بِالأَحَادِيْثِ المُكَرَّرَةِ) وأما بدونها فأربعة آلاف، كما في «شرح التقريب».
وفيه قال العراقي: هذا مُسَلَّمٌ في رواية الفرَبْريِّ، وأما رواية حمَّاد بن شاكر فهي دونَ رواية الفرَبْريِّ بمئتي حديث، ورواية إبراهيم بن معقل دونها بثلاثمئة.
стр. 278
الفضل ابن حجرٍ رحمه الله تعالى بابًا بابًا محرِّرًا ذلك، وحاصله أنَّه قال: جميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حرَّرته وأتقنته سبعة آلافٍ -بالموحَّدة بعد السِّين- وثلاث مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مئةَ حديثٍ واثنين وعشرين حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وستُّ مئةٍ وحديثان، وإذا ضمَّ له المتون المعلَّقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضعٍ آخر منه، وهي مئةٌ وتسعةٌ وخمسون؛ صار مجموع الخالص ألفي حديثٍ وسبع مئةٍ وإحدى وستِّين حديثًا. وجملة ما فيه من التَّعاليق ألفٌ وثلاثة مئةٍ وأحدٌ وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّرٌ مخرَّجٌ في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرَّج في الكتاب -ولو من طريقٍ أخرى- إلَّا مئةٌ وستُّون حديثًا، وجملة ما فيه من المتابعات والتَّنبيه على اختلاف الرِّوايات ثلاث مئةٍ وأربعةٌ وأربعون حديثًا، فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرَّر تسعة آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا، خارجًا عن الموقوفات على الصَّحابة، والمقطوعات على التَّابعين، فمن بعدهم.
قال شيخ الإسلام: وهذا قالوه تقليد للحمُّويي، فإنَّه كتب البخاري عنه، وعدَّ كلَّ بابٍ منهُ ثم جمعَ الجُمْلَةَ، وقَلَّدَهُ كلُّ من جاءَ بعده؛ نظرًا إلى أنَّه راوي الكتاب وله به العنايةُ التامة.
قال: ولقد عَدَدْتُهَا وحَرَّرْتُهَا فبلغتْ بالمكررة سوى المُعلقات والمتابعات سبعةَ آلاف وثلاثمئة وسبعة وتسعين حديثًا، وبدون المكررة ألفين وخمسمئة وثلاثة عشر حديثًا، وفيه من التعاليق ألف وثلاثمئة وأحد وأربعون، وأكثرها مُخرَّج في أصول متونه، والذي لم يُخرجه مئة وستون.
وفيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثمئة وأربعة وثمانون، هكذا وقع في شرح
стр. 279
وأمَّا عدد كتبه فقال في «الكواكب»: إنَّها مئةٌ وشيءٌ، وأبوابه ثلاثة آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون بابًا، مع اختلافٍ قليلٍ في نسخ الأصول.
وعدد مشايخه الذين خرَّج (١) عنهم فيه مئتان وتسعةٌ وثمانون، وعدد من تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئةٌ وأربعةٌ وثلاثون، وتفرَّد أيضًا بمشايخَ لم تقع الرِّواية عنهم لبقية (٢) أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، والله سبحانه الموفِّق والمعين.
وأمَّا فضيلة «الجامع الصَّحيح»: فهو -كما سبق- أصحُّ الكتب المؤلَّفة في هذا الشَّأن، والمُتلقَّى بالقبول من العلماء في كلِّ أوانٍ، قد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتَّقدُّم الصَّناديد العِظَام، والأفاضل الكرام،
البخاري، ونُقل عنه ما يخالف هذا يسيرًا. انتهى.
وفيه مخالفةٌ لما ذكره الشارح عن تحرير الحافظ ابن حجر في عدِّ غيرِ المُكرر، وقد اشتملَ كتابه وكتاب مسلم على ألف ومئتي حديث من الأحكام؛ روت عائشة من جملتها مئتين ونيفًا وسبعين فحُمِل عنها ربع الشريعة.
ومن الغرائب ما نقل عن البخاري أنَّه صَنَّفَ كتابًا أورد فيه مئة ألف حديثٍ صحيح. ذكره العيني.
فائدة: ذكر مَنْلَا عَلِي القَاري في «شرحه للشفاء» أنَّ الحَمُّويي بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو آخره ياء، نسبةً إلى جده حَمُّوِيه: وهو عبد الله بن محمد بن حمويه السَّرَخْسِي، قال: توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة.
قوله: (فِيْ الكَوَاكِبِ)؛ أي: الدراري، اسم شرح على الكتاب للكرماني.
قوله: (وَأَبْوَابُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ … ) إلى آخره، فصَّلها الشيخ العيني في مقدمة شرحه، وسيأتي للشارح سردها في القصيدة الآتية.
стр. 280
ففوائده أكثر من أن تُحصَى، وأعزُّ من أن تُستقصَى، وقد أنبأني غير واحدٍ عن المسندة الكبيرة عائشة بنت محمَّد بن عبد الهادي: أنَّ أحمد بن أبي طالبٍ أخبرهم: عن عبد الله بن عمر بن عليٍّ: أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعًا قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الهروِيُّ شيخ الإسلام، سمعت خالد بن عبد الله المروزيَّ يقول: سمعت أبا سهلٍ محمَّد بن أحمد المروزيَّ يقول: سمعت أبا زيدٍ المروزيَّ يقول: «كنت نائمًا بين الرُّكن والمقام، فرأيت النَّبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيدٍ؛ إلى متى تدرس كتاب الشَّافعيِّ وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله؛ وما كتابك؟ قال: جامع محمَّد بن إسماعيل».
وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وأمَّا «جامع البخاريِّ الصَّحيح»؛ فَأَجَلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للنَّاس، ومن ثلاثين سنةً يفرحون بعلوِّ سماعه، فكيف اليوم؟! فلو رحل الشَّخص لسماعه من ألف فرسخٍ؛ لَمَا ضاعت رحلته. انتهى.
وهذا قاله الذَّهبيُّ ﵀ في سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وسبعِ مئةٍ.
ورُوِيَ بالإسناد الثَّابت عن البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ ﷺ وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب،
قوله: (تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ) في «القاموس»: درس الكتاب يَدْرُسُهُ ويَدْرِسُهُ؛ أي: بضمِّ الراء وكسرها دَرْسًا ودِرَاسَةً، قرأهُ، كأَدْرَسَهُ ودَرَّسَهُ. انتهى.
قوله: (لَما ضَاعَتْ رِحْلَتُهُ) الرِّحْلَةُ بالكسر والضم لغة: اسم من الارتحال، وقال أبو زيد: الرّحلة بالكسر اسم من الارتحال، وبالضمِّ الشيء يُرتحل إليه، فيُقالُ: قَرُبَتْ رِحلتنا بالكسر، وأنت رُحْلَتُنَا بالضم: أي المقصد الذي نقصده. انتهى.
قوله: (وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ) بكسر الميم آلة يروَّح بها؛ أي: يجلب بها الهواء.
وقوله: (أَذُبُّ عَنْهُ) من باب: قتلَ؛ أي: أَدْفَعُ، كما في «المصباح».
стр. 281
فهو الذي حملني على إخراج «الجامع الصَّحيح»، وقال: ما كتبت في «الجامع (١) الصَّحيح» حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وقال: خرَّجته من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وصنَّفته في ستَّ عشْرةَ سنةً، وجعلته حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: ما أدخلت فيه إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصَّحيح أكثرُ حتَّى لا يطولَ، وقال: صنَّفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استخرت الله تعالى وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.
قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّه كان يصنِّفه في البلاد: أنَّه ابتدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في المسجد الحرام، ثمَّ كان يخرِّج الأحاديث بعد ذلك في بلده (٢) وغيرها، ويدلُّ عليه قوله: إنَّه أقام فيه ستَّ عشْرةَ سنةً، فإنَّه لم يجاور بمكَّة هذه المدَّة كلَّها.
وقد روى ابن عديٍّ عن جماعةٍ من المشايخ: أنَّ البخاريَّ حوَّل تراجم «جامعه» بين قبر النَّبيِّ ﷺ ومنبره، وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين، ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدَّم؛ لأنَّه يحمل على أنَّه في الأوَّل كتبه في المُسودَّة،
قوله: (فَهُوَ الَّذِي حَمَلَنِي … ) إلى آخره، قد يُقال هذا يُعارض ما أسلفناهُ عنه أنَّه قال: كنا عند إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النَّبيِّ ﷺ ، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح، قلتُ: يُمكنُ الجمع بحصولِ كلٍّ ولا مانع من تعددِ السببِ.
قوله: (مَا أَدْخَلْتُ فِيْهِ إِلَّا صَحِيْحًا) تقدَّمَ أنَّ المرادَ: ما ذكرتَ فيهِ مُسندًا إلَّا ما صحَّ.
وقال القُرطبي: وكذلك لا يُعَلِّقُ في كتابه إلَّا ما كان صحيحًا في نفسه مُسندًا كذلك لكنه ليس على شرطه، فلم يسنده ليفرِّقَ بين ما كان على شرطه في أصل كتابه وما كان ليس كذلك.
قوله: (ثُمَّ كَانَ يُخَرِّجُ الأَحَادِيْثَ بَعْدَ ذَلِكَ … ) إلى آخره، يظهُر لي عكسُ ذلك، وأنَّه خَرَّجَ الأحاديث أولًا في تلك المدة وجمعها في مُسوداتها، ثم ترجم لها وبيضها في المسجد الحرام، وبين قبر ومنبر النَّبيِّ ﵊.
стр. 282
وهنا حوَّله من المُسوَّدة إلى المُبيضَّة.
وقال الفَِرَبْريِّ: قال لي محمَّد بن إسماعيلَ: ما وضعت في الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنَّفات.
وقال الشَّيخ أبو محمَّدٍ عبد الله بن أبي جَمْرَة: قال لي مَن لقيت من العارفين عمَّن لقيه من السَّادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ «صحيح البخاريِّ» ما قُرِئَ في شدَّةٍ إِلَّا فُرِجَت، ولا رُكِبَ به في مركبٍ فغرق. قال: وكان مُجابَ الدُّعاء، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: وكتاب البخاريِّ «الصَّحيح» يُستسقَى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام. وما أحسن قول البرهان القيراطيِّ ﵀:
حدِّث وشنِّف بالحديث مسامعي … فحديثُ مَنْ أهوى حليُّ مسامعي
قوله: (الغَمَام)؛ أي: المطر.
قوله: (وشَنِّفَ) بالشين المعجمة والنون، آخره فاء؛ أي: زيِّنْ مسامعي بالحديث الشبيه بالشَّنف، وهو ما يُعلق في رأسِ الأذنِ.
والقُرْط بضم القاف ما يعلق في أدناها، وفي الكلام تصريحية أو مكنية.
قوله: (فَحَدِيْثُ مَنْ أَهْوَاهُ … ) إلى آخره، في نسخٍ ثبوتُ الضمير في أهواه، وفي أخرى حذفه، فعلى
стр. 283
لله ما أحلى مكرَّره الذي … يحلو ويعذب في مذاق السَّامع
بسماعه نلتُ الذي أمَّلتُه … وبلغتُ كلَّ مطالبي ومطامعي
وطلعتُ في أفق السَّعادة صاعدًا … في خير أوقاتٍ وأسعدِ طالعِ
ولقد هُديتُ لغاية القصد التي (١) … صحَّت أدلَّته بغير ممانعِ
وسمعت نصًّا للحديث معرَّفًا … ممَّا تضمَّنه كتاب «الجامع»
وهو الذي يُتلَى إذا خَطْبٌ عَرا … فتراه للمحذور (٢) أعظَم دافعِ
كم من يدٍ بَيْضَا حواها طِرْسُه … تُومي إلى طُرُق العلا بأصابعِ
وإذا بدا باللَّيل أسودُ نقشه … يجلو علينا كلَّ بدرٍ ساطعِ
ثبوته يتعين في (حلي) أن يكون بفتح الحاء المهملة وسكون اللام، وهو: ما تتحلى به المرأة، وعلى حذفه يكون بضم الحاء وكسر اللام، جمع حلي المذكور، وأصله على فعول مثل فَلْس وفُلُوس، كما في «المصباح» وعلى كلٍّ ففي (المَسامع) مكنيَّةٌ لا تخفى.
قوله: (فِيْ مَذَاقِ السَّامِعِ)؛ أي: في ذوقه.
قوله: (إِذَا خَطْبٌ) بفتح الخاء المعجمة وإسكان الطاء آخره موحدة: الأمر العظيم الهائل الذي يستحق أن يُخطب له.
قوله: (طِرْسُه) بكسر الطاء المهملة: الصحيفة، أو التي مُحيت ثم كتبت، وجمعه أطراس وطروس.
قوله: (أَسْوَدُ نِقْشِهِ) بكسر النون وبالقاف والسين المهملة؛ أي: خطُّه الأسود.
وقوله: (يَجْلُو … ) إلى آخره، بالجيم المعجمة؛ أي: يُوضح ويكشف، يقال: جَلا الخبر للناس جلاءً بالفتح والمدِّ: وضحَ وانكشف فهو جليٌّ، وجَلَوْتُهُ: أوضحته يتعدى ولا يتعدى. انتهى «مصباح».
وقوله: (كُلَّ بَدْرٍ سَاطِعٍ) إما مُستعارٌ للأحاديث أو رجالها، والأول هو الظاهر.
стр. 284
مَلَكَ القلوبَ به حديثٌ نافعٌ … ممَّا رواه مالكٌ عن نافعِ
في سادةٍ ما إن سمعتَ بِمثلهم … من مُسمِعٍ عالي السَّماعِ وسامعِ
وقراءة القاري له ألفاظه … تغريدها يزري بسجْع السَّاجعِ
(وقول الآخر):
وفتى بُخارى عند كلِّ محدِّثٍ … هو في الحديث جُهينةُ الأخبارِ
لكتابه الفضلُ المبينُ (١) لأنَّه … أسفاره في الصُّبح كالإسفار
قوله: (حَدِيْثٌ نَافِع) بتنوين لفظِ «حديثٍ» رفعًا على الفاعلية لـ «مَلَكَ» ونافع صفةٌ له؛ أي: ينفع المُتَمَسِّك به في دينه ونحو ذلك، وأمَّا نافع القافية فشيخُ مالكٍ، وبينه وبين الأول تمامُ الجِنَاسِ.
قوله: (مِنْ مُسْمِعٍ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية.
قوله: (أَلْفَاظُهُ تَغْرِيْدُهَا … ) إلى آخره، مبتدآن أخبر عنهما بقوله (يُزْرِي … ) إلى آخره، والكلامُ على تقديرِ مُضافٍ: أي صوتُ ألفاظه؛ -أي: القارئ- يُزْرِي تَغْرِيْدُهُ؛ -أي: تطريبه في صوته- من غَرَّدَ يغردُ كتَعِبَ إذا طَرِبَ في صوته وغنائه كالطائر، وغرد تغريدًا مثله، كما في «المصباح»، والإزراء بالشيء: تعييبه، يُقال أزرى عليه، وازدرى به عابه، و (السَّاجِع) الحمام يسجعُ؛ -أي: يهدرُ ويصوت- وفي «المصباح»: سَجَعَتْ الحمامةُ سَجْعًا من باب نفع: هدرت وصوتت، والسَّجْعُ في الكلام مشبه بذلك لتفاوت فواصله، وسَجَعَ الرجلُ كلامه كما يقال نَظَمَهُ إذا جَعلَ لكلامه فواصلَ كقوافي الشعر ولم يكن موزونًا. انتهى.
قوله: (جُهَيْنَةُ الأَخْبَارِ) جُهَيْنَة بجيم مضمومة فهاء مفتوحة فياء ساكنة: رجلٌ يُضرب به المثل في الإحاطة بالأخبار، في الحديث الشريف: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنَةَ، فَيَقُوْلُ أَهْلُ الجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الخبرُ اليقينُ»، وذكرَ بعضهم أنَّه بالفاء بدلَ الهاء، والكلام من باب التشبيه كما لا يخفى.
قوله: (لِكِتَابِهِ)؛ أي: الجامع الصحيح.
وقوله: (أَسْفَارُهُ) بفتح الهمزة جمع سِفْر بكسر فسكون، بمعنى الكتاب، والإسفار الثاني بكسر
стр. 285
كم أزهرت بحديثه أوراقُه … مثل الرِّياض لصاحب الأذكارِ
أَلِفَاتُه مثلُ الغصونِ إذا بدت … من فوقها الهمزاتُ كالأطيارِ
بجوامعِ الكَلِمِ التي اجتمعت به … متفرِّقاتُ الزُّهرِ والأزهارِ
وقول الشَّيخ أبي الحسن عليِّ بن عبيد الله (١) بن عمر الشَّقِّيع -بالشِّين المُعجمَة، والقاف المكسورة المُشدَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهملَةٌ- النَّابلسيِّ، المُتوفَّى بالقاهرة سنة ستَّ عشْرةَ وتسع مئةٍ:
خُتِم الصَّحيحُ بِحمْدِ ربِّي وانتهى … وأرى به الجاني تقهقر وانتهى
فسقى البخاري جُودُ جَوْدِ سحائبٍ … ما غابت الشِّعرى وما طلعَ السُّهى
الحافظُ الثِّقةُ الإمامُ المُرتضَى … مَنْ سار في طلبِ الحديث وما وهى
الهمزة مصدر أَسْفَرَ الصبحُ أضاءَ وأشرقَ، والتَّشْبِيْهُ من حيثُ إيضاح طريق الحق كفَلق الصبح.
قوله: (أَلِفَاتُهُ مِثْلُ الغُصُوْنِ) الألفات جمع ألف، والتشبيه من حيثُ ميلُ النفوس إليها من باب قوله:
قلبِي عَلَى قَدِّكَ المَمْشُوقِ بالهيفِ … طيرٌ على الغصن ِأوْ همزٌ على الألفِ
قوله: (مُتَفَرِّقَاتُ الزُهْرِ) بضم الزاي جمع أزهر وزهراء، وهو صفة لمحذوف؛ أي: المائل الزهر؛ أي: المشرقة، والأزهار جمع زهر؛ أي: ومتفرقات الأزهار؛ أي: الأحكام والأحاديث الشبيهة بالأزهار.
قوله: (تَقَهْقَرَ)؛ أي: رجعَ على عقبهِ خائبًا، وانتهى عن جنايته ببركته، وما احتوى عليه من الأسرار الحديثية والنفحات النبوية.
قوله: (جُوْدُ جَوْدِ) الجود بفتح الجيم المطر، وبضمها الكرم، والأول بالرفع فاعل سقى،
والثاني مضاف إليه، والكلام من باب المَكْنِيَّةِ، و (الشِّعْرَى) بكسر الشين المعجمة، و (السُّهَى) بضم المهملة نجمان معروفان.
قوله: (وَمَا وَهَى)؛ أي: ما ضَعُفَ.