ثمَّ الإجازة المقرونة بالمُناوَلَة: بأن يدفع إليه الشَّيخُ أصلَ سماعه أو فرعًا مُقابَلًا عليه،
قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ المَقْرُوْنَةُ بِالمُنَاوَلَةِ) لو قال: ثمَّ المناولة المقرونة بالإجازة ثم المجرَّدَةُ عنها كما فعل غيره لكان أسبك وأسلك وأجمع وأجمل، فالمناولة التي هي من أقسام التحمل أعمُّ من أن تكون مقرونةً بإجازة أو لا، فهي القسم الثالث من أقسام التحمل المذكورة، والأصل فيها ما عَلَّقَهُ المصنف في العلم: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وقال: لَا تَقْرَأْهُ حتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فلما بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِي ﷺ » قال السُّهَيْلي: احتجَّ به البخاري على صحةِ المُناولة، وكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابًا جاز له أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقهٌ صحيحٌ، وفي «معجم البغوي» عن يزيد الرَّقاشي قال: كُنَّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمَخالٍ له فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ سمعتها من رسول الله ﷺ وكتبتها وعرضتها. انتهى.
ثُمَّ هيَ كما علمتَ ضربان:
الأولى: المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ: وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقًا، وأعلى صورها كما صَرَّحَ عياض وغيره، ومنه أن يدفعَ الطالب إلى الشيخ سماعه؛ -أي: سماع الشيخ أصلًا أو فرعًا مقابَلًا به- فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يناوله للطالب ويقول له: (هو حديثي أو روايتي عن فلان أو عمَّن ذُكر فيه فاروه عني أو أجزت لك روايته) وهذا سمَّاه غير واحدٍ من أئمة الحديث (عَرْضًا) فهذا عرض المناولة، وما سبق عرضُ القراءة.
قال النووي: وهذه المناولةُ مُنْحَطَّةٌ عن السماع والقراءة على ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والمزني وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وروي عن مالك.
قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه نذهب وهو الصحيح، وذهب جماعة كثيرون إلى أنَّها كالسماع في القوة والرتبة، بل نقل ابن الأثير أن بعض أصحاب الحديث جعلها أرفعَ من السماع؛ لأنَّ الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع.
стр. 212
ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلانٍ، فاروهِ عني، أو أجزت لك روايته.
ثمَّ الإجازة؛ وهي أنواعٌ؛
ومن صور هذا الضرب أن يُناول الشيخُ الطالبَ سماعه ويجيزهُ ثم يُمسكه الشيخ عنده ولا يُبقيه عند الطالب، وهذه دون ما سبقَ لغيبة ما تحمَّله الطالبُ عنه، ويجوزُ روايته عنه إذا وجدَ ذلك الكتاب المناوَلَ له مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو وَجَدَ فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته ما تناولته الإجازة.
وهذه المناولة في مرتبة الإجازة لمُعيَّن من الكتب الخالية عن المناولة، وستأتي على الصحيح، وبعضهم يجعلُ لها مزيَّةً عليها، ومنها أن يأتيه الطالب بكتابٍ ويقول له: هذا روايتك فناولنيه وأجزني روايته. فيجيبه من غير نظر فيه ولا تحقيق لروايته له فهذا باطل، إلَّا أن يثق بخبرِ الطالب ومعرفته وهو ممَّن يعتمد مثله فتصحُّ الإجازة والمناولة، أو يتبين ولو بعد الإجازة أن ذلك من مروياته فيتبين صحة الإجازة كما استظهره العراقي.
الضرب الثاني: المناولةُ المجردةُ عن الإجازةِ بأنْ يُنَاوله الكتاب كما تقدَّمَ مُقتصرًا على قوله: (هذا سماعي أو من حديثي) ولا يقول له: (اروه عني) ولا (أجزتك) فلا تجوز الرواية بها على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين، وذهب جماعة من أهل الحديث إلى جوازها، قال ابن الصلاح: وعندي أن يُقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤالٍ، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويهُ عنك فناوله ولم يُصرِّحْ بالإذن صحتْ، وجازَ لهُ أن يرويه، وكذا إذا قال: حدَّثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا سماعي منه، كما وقع من أنس فتصحُّ أيضًا، وما عدا ذلك فلا.
قوله: (عَنْ فُلَانٍ)؛ أي: ويُسميه، وكذا إن لم يُسمه ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناول.
قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ) هي القسم الرابع من أقسام التحمل، وهي مُشتقة من التَّجوز، وهو التعدي فكأنَّ الشيخَ عَدَّى روايتهُ حتى أوصلها للراوي، كما ذكره الشارح في «المنهج»، فعليه إذا قال: (أَجزتُ فلانًا كذا) فهو بمعنى: أجزت له.
قال الشُّمُنيِّ: وهي في الاصطلاح إذنٌ في الرواية لفظًا أو خطًّا، يفيد الإخبار الإجمالي عُرفًا، وأركانها أربعةٌ: المُجيز، والمُجاز، والمجاز به، ولفظ الإجازة.
قوله: (وَهِيَ أَنْوَاعٌ)؛ أي: ثمانية: إجازة لمُعيَّن بمُعيَّن، إجازة لمُعيَّن بغير مُعيَّن،
стр. 213
أعلاها: لمعيَّنٍ، كـ (أجزتُك البخاريَّ) مثلًا، أو أجزتُ فلانًا الفلانيَّ جميع فِهرسْتِي ونحوه، أو أجزته بجميع مسموعاتي أو مرويَّاتي،
إجازة لغير مُعيَّن بوصف العموم، إجازة لمُعيَّن بمجهول من الكتاب، إجازة لمجهول من الناس بمُعيَّن من الكتب، إجازة للمعدوم، إجازة ما لم يتحمله المجيز، إجازة المجاز.
وقد ذكرَ الشارحُ من ذلك ثلاثةً بالأمثلة وجعلها كلها من قبيل الإجازة لمُعيَّن كما سيتضحُ وستعرف البقيةَ.
قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: أنواع الإجازة، والمراد أنواع الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكره النووي.
قوله: (لِمُعَيَّنٍ) تحته نوعان أدمجهما الشارح في كلامه: إجازة بمعين، وأشار له بقوله: كـ (أجزتك البخاري)، وإجازة بغير معين، وأشار له بالمثالين بعده، ثم أدخل في هذا النوع ما ليس منه هو قوله (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ … ) إلى آخره، إذ هذا ليس لمعيَّنٍ كما لا يخفى، بل نوعٌ آخر وهو الإجازة لغير معيَّن، ففي كلامه من التَّسَاهُلِ ما لا يخفى.
والحق أنَّ الإجازة دون العرض، وقيل: أفضل منه مطلقًا، وقيل: هما سواء، والصحيح الذي قاله الجمهور جواز الرواية والعمل بها؛ أي: بالمروي بها، ومنع بعضهم الرواية بها كشُعبة قال: لو جازت لبَطَلت الرحلةُ، وهو إحدى الروايتين عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال بعض الظاهرية: لا يعمل بها كالمرسل، وهو باطل؛ لأنَّه ليس فيها ما يقدح في اتصالِ المنقولِ بها.
قوله: (كَأَجَزْتُكَ)؛ أي: أو أجزتكم.
قوله: (فِهْرِسْتِي) بكسر الفاء والراء وسكون السين المهملة آخره مثناة فوقية، لفظة فارسية معناها جملة العدد للكتب، فالمرادُ جُملة عدد مروياتي، قال صاحب «تثقيف اللسان»: الصوابُ أنَّها بالمثناة الفوقية وقوفًا وإدماجًا، وربما وقف عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ.
قوله: (أَوْ أَجَزْتُهُ)؛ أي: فلانًا، ومثله: (أجزتك) أو (أجزتكم) فهذا هو النوع الثاني؛ -أعني: الإجازة لمعيَّن بغير معيَّن- والجمهور على جواز الرواية بها، موجبين العمل بما رُوي بها بشرطه.
стр. 214
أو أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلانيِّ
قوله: (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ) هذا هو النوع الثالث، وهو الإجازة لغير معين بوصف العموم، ومنه أجزتُ أهل زماني أو كلَّ واحدٍ، وقد جوَّزَ الرواية بذلك الخطيب وغيره، وصححه النووي في «الروضة» لكنَّ الأحوطَ ترك الرواية بها، قال شيخ الإسلام: إلَّا أنَّ الرواية بها في الجملة أَوْلَى من إيرادِ الحديث مُعْضَلًا. انتهى.
واستدل لها بحديث: «بَلِّغُوا عَنِّي»، فإنْ قَيَّدَهَا بوصفٍ خاصٍ كأجزتُ طلبةَ العلمِ ببلدِ كذا، أو مَنْ أدرك حياتي، أو مَنْ قرأ علي قبل هذا، فقال عياض: ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك؛ لأنَّه محصور بوصفٍ كقوله: لأولاد فلان أو إخوة فلان.
والرابع من أنواع الإجازة: الإجازةُ لمعيَّن بمجهول من الكتب، كأجزتك بعض مسموعاتي.
الخامسة: عكسه، كأجزتُ لمحمد بن أحمد البخاري مثلًا، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم.
ولم يتضح مراده في الصورتين وهما باطلان، نعم إن اتضحَ بقرينةٍ صحت الإجازةُ، وإذا قال: أجزتُ لمن يشاء فلان، ففيه جهالة وتعليق، فقيل: لا يصح كما لو قال: أجزتُ لبعض الناس قياسًا على تعليق الوكالة، وقيل: يصحُّ؛ لأنَّ الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة ويتعين المجاز له بها، واحتج له بقوله ﷺ لما أمَّر زيدًا على غزوة مؤتة: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ»، فعلَّقَ التأمير، وفرَّق الدَّامَغَاني بينها وبين الوكالة بأنَّ الوكيل ينعزل بعزل الموكِّل بخلاف المجاز.
السادسة: الإجازة للمعدوم، كأجزتُ لمن يولد لفلان، وأجازها الخطيب قياسًا على إجازة بعض الأئمة الوقف على المعدوم، والصحيح بطلانها؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له، فإن عَطَفَهُ على موجود كأجزتُ لفلان ومَن يولد له، أو لك ولعَقِبك ما تناسلوا جاز قياسًا على الوقف.
وأما الإجازة للطفل فتجوز للمميز قطعًا ولغيره على الصحيح؛ لأنها إباحة المجيز للمجاز أن يروي عنه بعد الأهلية لبقاء الإسناد، والإباحة تصح للعاقل وغيره، وكذا للفاسق والمبتدع، ويؤدون إذا زال المانع.
стр. 215
ويقول المحدِّث بها: أنبأنا أو أنبأني.
ثمَّ المكاتبة: بأن يكتب مسموعه أو مقروءه جميعه أو بعضه، لغائبٍ أو حاضرٍ، بخطِّه أو بإذنه، مقرونًا ذلك بالإجازة أو لا.
وأما الحمل فالذي استظهره أبو زُرعة أنها بعد نفخ الروح فيه تصح، وقبلها مرتبة متوسطة بينها وبين الإجازة للمعدوم فهي أولى بالمنع من الأولى، وبالجواز من الثانية.
السابعة: إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه من سماع أو إجازة ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز، والأصح بطلانها؛ لأنَّها إعطاء لما لم يأخذه، ولأنَّه لا حصر لما لم يروه بخلاف ما رواه فإنَّه دخل في دائرة حصر العلم، فعلى هذا يتعين على مَن أراد أن يرويَ عن شيخٍ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أنَّ هذا مما تحمَّله شيخه قبل الإجازة له، وأما قوله: أجزتُ لك ما صحَّ وما يصح عندك من مسموعاتي فصحيحٌ تجوزُ الرواية به لما صحَّ عنده سماعه له قبل الإجازة.
الثامنة: إجازة المجاز به، كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز لي روايته، والصحيح جوازها، وعليه العمل، وينبغي للراوي بها تأملها؛ أي: تأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لشيخه؛ لئلا يروي بها ما لم يدخل تحتها.
قوله: (وَيَقُوْلُ المُحَدِّثُ بِهَا … ) إلى آخره؛ أي: كما اصطلحَ عليه المتأخرونَ، ومنعوا أن يقال: (حدَّثنا) أو (أخبرنا) في شيءٍ من أنواع الإجازة، وجَوَّزَ الزُّهري ومالك وغيرهما إطلاق (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الإجازة بالمناولة، وبعضهم في الإجازة المجردة أيضًا، والصحيح المنع وأنها تخصص بعبارة تبين الواقع كـ (حدَّثنا أو أخبرنا إجازة أو مناولة)، وقد اصطلحَ المتأخرونَ على ما ذكره الشارح، ثم المنع من إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) فيما ذُكر لا يزول بإباحة المجيز ذلك؛ لأنَّ إباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في المصطلح، ذكره النووي.
قوله: (ثُمَّ المُكَاتَبَةُ) هذا هو القسم الخامس من أقسام التَّحَمُّلِ.
قوله: (مَقْرُوْنًا ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ أَو لا)؛ أي: فهي ضربان: فالمقرون بالإجازة، كـ (أجزتك ما كتبت لك) أو (ما كتبت به إليك) ونحوه، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة. وأما المجردة عن الإجازة فمنعَ الرواية بها قومٌ منهم الماوردي في «الحاوي» وأجازها الجمهور، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث؛ إذ يوجد في مصنفاتهم كثيرًا: (كتب إليَّ فلان قال: حدَّثنا … ) إلى آخره، والمرادُ به هذا، وهو معمولٌ به عندهم معدودٌ في الموصول لا المنقطع، بل قال السّمْعاني: هي أقوى من الإجازة،
стр. 216
ثمَّ الإعلام: بأن يقول له: هذا الكتاب رويته أو سمعته، مقتصرًا على ذلك من غير إذنٍ، وهذه جوَّزها كثيرٌ من الفقهاء والأصوليِّين، منهم ابن جريجٍ وابن الصَّبَّاغ.
ثمَّ الوصيَّة: بأن يوصيَ الرَّاوي عند موته أو سفره لشخصٍ بكتابٍ يرويه،
قال النووي: وهو المختارُ بل وأقوى من أكثر صور المناولة. وفي «صحيح البخاري» في «الأيمان والنذور»: كتب إليَّ محمد بن بشار … إلى آخره، وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره.
ويكفي معرفة المكتوب له خطَّ الكاتب، وإن لم تقم البينةُ عليه على المعتمد، وإن كان الكاتب غير الشيخ فلا بدَّ من ثُبوت كونه ثقةً، والصحيحُ أن يقول في الرواية بها: (كتب إليَّ فلان قال: حدثنا فلان) أو يقول: (أخبرنا فلان كتابة، أو حدَّثنا كذلك)، ولا يجوز إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) وجوَّز قومٌ آخرون (أخبرنا) دون (حدَّثنا).
روى البيهقي في «المدخل» عن أبي عِصْمَة قال: كنت في مجلس الجَوْزَقَانيِّ فجرى ذكر (حدَّثنا وأخبرنا)، فقلت: هما سواء، فقال رجلٌ: بينهما فرقٌ؛ ألا ترى محمد بن الحسين قال: إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذا فأنتَ حر، فكتبَ إليه بذلك فصارَ حُرًّا، وإن قال: إن حدثتني، فكتب بذلك لا يُعْتَقُ.
قوله: (ثُمَّ الإِعْلَاْمُ) هذا هو القسم السادس؛ أي: إعلامُ الشيخِ الطالبَ أنَّ هذا الحديث أو الكتاب سمعه من فلان، وسُمي بذلك؛ لأنَّ الشيخَ أعلمَ الطالبَ بما يرويه من دون إذنٍ في روايته عنه، ولا تجوزُ الرواية به على الصحيح.
قوله: (مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ)؛ أي: في روايتهِ عنهُ.
قوله: (جَوَّزَهَا كَثِيْرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ)؛ أي: الشافعية والمالكية، بل قال بعض الظاهرية: لو قال: هذه روايتي ولا تروها عني أو لا أجيزها لك. كان له روايتها عنه، وعلَّله عياض بأنَّه بذلك قد حدَّثه وهو شيء لا يُرجع فيه، لكن الصحيح أنَّه لا تجوز الرواية بها كما قطع به الغزالي وحكاه النووي عن غير واحد من المحدثين وغيرهم؛ لأنَّه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه؛ لخللٍ يعرفه فيه، لكن مع ذلك يجب العمل به؛ أي: بما أخبره الشيخ أنَّه سمعه إذا صحَّ سنده.
قوله: (ثُمَّ الوَصِيَّةُ) هي القسم السابع.
стр. 217
فجوَّزه محمَّد ابن سيرين، وعلَّله عياضٌ: بأنَّه نوعٌ من الإذن، والصَّحيح: عدم الجواز إلَّا إن كان له من الموصي إجازةٌ، فتكون روايته بها لا بالوصيَّة.
ثمَّ الوجادة: بأن يقف على كتابٍ بخطٍّ يعرفه لشخصٍ عاصره أو لا، فيه أحاديثُ يرويها ذلك الشَّخص ولم يسمعها منه ذلك الواجد، ولا له منه إجازةٌ، فيقول: وجدتُ أو قرأت بخطِّ فلانٍ كذا، ثمَّ يسوق الإسناد والمتن.
قوله: (نَوْعًا مِنَ الإِذْنِ)؛ أي: وشبهًا من العرض والمناولة، قال: وهو قريبٌ من الإعلامِ.
قوله: (وَالصَّحِيْحُ عَدَمُ الجَوَازِ) كذا قال ابن الصلاح، وأنكرَ عليه ذلك ابن أبي الدم وقال: الوصية أرفع رتبة من الوِجَادة بلا خلافٍ، وهي معمولٌ بها عند الشافعي وغيره، فهذه أولى.
قوله: (الوِجَادَةُ) بكسر الواو مصدرٌ لوجد غير مسموعٍ من العرب، قال المُعافَى بن زكريا: فرَّع المولِّدون قولهم: وجادةً فيما أُخِذَ من العلم من صحيفةٍ من غير سماعٍ ولا إجازةٍ ولا مناولةٍ من تفريقِ العرب بين مصادر وجد، للتمييز بين المعاني المختلفة.
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وَجَدَ ضالته وجدانًا ومطلوبه وجودًا، وفي الغضب: موجدة، وفي الغنى: وُجدًا بالضم، وفي الحُبِّ: وَجْدًا بالفتح.
قوله: (عَلَى كِتَابٍ)؛ أي: فيهِ أحاديث.
قوله: (عَاصَرَهُ)؛ أي: ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه غيرَ ما فيه (١).
قوله: (فَيَقُوْلُ وَجَدْتُ … ) إلى آخره، قال النووي: هذا الذي استقرَّ عليه العمل قديمًا وحديثًا.
قال الجلال: وفي «مسند أحمد» كثير من ذلك من روايةِ ابنه عنه بالوِجادة، وهو من باب المنقطع لكن فيه شائبة اتصالٍ بقوله: وجدتُ بخط فلان، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدَّثنا وأخبرنا، ولم يُجِزْ ذلكَ أحدٌ يُعتمد عليه، ووقع في «صحيح مسلم» أحاديث مروية بالوِجادة فانْتُقد عليه بأنَّها من المقطوع؟
وأجيب: بأنَّها مروية عن طُرُقٍ أُخرى له.
قوله: (بِخَطِّ فُلَاْنٍ)؛ أي: إن وَثِقَ بأنَّهُ خطه أو كتابه، وإلَّا قال: بلغني عن فلان، أو وجدت عن فلان، أو ذكرَ أوقال فلانٌ أخبرنا فلان … إلى آخره، وقد تُستعمل الوِجادة مع الإِجازة فيقال: «وجدت
стр. 218
(تنبيهٌ): وشرط صحَّة الإجازة أن تكون من عالمٍ بالمُجَاز، والمُجَازُ له من أهل العلم المُجَازِ به صناعةً، وعن ابن عبد البرِّ: الصَّحيح أنَّ الإجازة لا تُقبَل إلَّا لماهرٍ بالصِّناعة حاذقٍ فيها، يعرف كيف يتناولها، وما لا يشكل إسناده؛ لكونه معروفًا معيَّنًا، وإن لم يكن كذلك لم يُؤمَن أن يحدِّث المُجَاز عن الشَّيخ بما ليس من حديثه، أو ينقص من إسناده الرَّجل والرَّجلين، وقال ابن سيِّد النَّاس: أقلُّ مراتب المجيز:
بخط فلان وأجازهُ لي»، ثم قد اختلف في العمل بالوِجادة فنُقِلَ عن معظمِ المحدثين والمالكيين وغيرهم أنَّه لا يجوز، وعن الشافعي جوازه، وقطعَ بعضُ المحققينَ بوجوب العملِ بها عند حصولِ الثقة به، قال النووي: وهو الصحيح الذي لا يتجه غيره، قال ابن الصلاح: لأنَّهُ لو توقفَ العملُ فيها على الروايةِ لانسدَّ باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها، قال البُلقيني: واحتج للعمل بها بحديث: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِيمَانًا؟ قَالُوْا: الْمَلائِكَةُ. قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم. قَالُوْا: الأَنْبِيَاءَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ يَأْتِيْهُم الوَحْيُ. قَالُوْا: فَنَحْنُ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ تُؤْمِنُوْنَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُم. قَالُوْا: فَمَنْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَأْتُوْنَ مِنْ بَعْدِكُم يَجِدُوْنَ صُحُفًا يُؤْمِنُوْنَ بِمَا فَيْهَا» وهو استنباطٌ حسن. انتهى. قال الجلال: والحديثُ له طرقٌ كثيرة، وفي بعضها: «أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُم أَجْرًا»، وفي بعضها: «فَهَؤُلَاْءِ أَفْضَلُ أَهْلِ الإِيْمَانِ إِيْمَانًا». انتهى.
أقول: ولينظر هذا مع حديث: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»، وحديث: «لَوْ وُزِنَ إِيْمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيْمَانِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ»، وغير ذلك من فضل الصحابة وأعمالهم وإيمانهم.
قوله: (وَشَرْطُ صِحَّةِ الإِجَازَةِ … ) إلى آخره، عبارة «التقريب» و «شرحه» قالوا: إنَّما تستحسنُ الإجازة إذا عَلِمَ المجيزُ ما يجيز، وكان المجاز له من أهل العلم أيضًا؛ لأنَّها توسعٌ وترخيص يتأهلُ له أهل العلم لِمَسِيْسِ حاجتهم إليها. قال عيسى بن مِسْكِين: الإجازةُ رأس مال كبير، واشترطه بعضهم في صحتها فبالغَ، وحُكي عن مالك.
قوله: (بِالْمُجَازِ) بضم الميم؛ أي: المجاز به، وقوله: (وَالمُجَازُ لَهُ) بالرفع؛ أي: وكون المجاز له … إلى آخره، وقوله: (المُجَازِ بِهِ) بالجرِّ صفةٌ للعلمِ، ولو عبَّر بما عبَّر به في «التدريب» لسلم من تلك القلاقة.
قوله: (وَمَا لَاْ يُشْكِلُ)؛ أي: وفيما لا يشكل … إلى آخره؛ أي: في معين لا يُشكل كما صرَّح به الشارح.
стр. 219
أن يكون عالمًا بمعنى الإجازة العلمَ الإجماليَّ من أنَّه روى شيئًا، وأنَّ معنى إجازته لذلك الغير في رواية ذلك الشَّيء عنه بطريق الإجازة المعهودة، لا العلم التَّفْصيليَّ بما روى، وبما يتعلَّق بأحكام الإجازة. وهذا العلم الإجماليُّ من أنَّه روى شيئًا حاصلٌ فيما رأيناه من عوامِّ الرُّواة، فإن انحطَّ راوٍ في الفهم عن هذه الدَّرجة، ولا إخال أحدًا ينحطُّ عن إدراك هذا إذا عُرِفَ به، فلا أحسبه أهلًا لأنَّ يتحمَّل عنه بإجازةٍ ولا سماعٍ، قال: وهذا الذي أشرت إليه من التَّوسُّع في الإجازة هو طريق الجمهور، قال شيخنا:
قوله: (مِنْ أَنَّهُ … ) إلى آخره، بيان للعلم الإجمالي.
قوله: (الْغَيْر) بالنصب، مفعول الإجازة، أو بدل من اسم الإشارة.
وقوله: (فِيْ رِوَايَةِ … ) إلى آخره، لعل هنا سَقطًا، والأصل: وأنَّ معنى إجازته لذلك الغير إذنه له في رواية ذلك الشيء … إلى آخره، وإن كان يتبادر من عبارته أنَّ خبر (أن) هو قوله: (بِطَرِيْقِ الإِجَازَةِ) وهو الملائم لسابق كلامه ولاحقه ولا بأس به.
قوله: (لَاْ الْعِلْمَ التَّفْصِيْلِيَّ بِمَا رَوَى)؛ أي: من معرفةِ لفظهِ ومعانيه.
وقوله: (وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الإِجَازَةِ)؛ أي: معرفة ما يجوز منها وما لا يجوز ومعرفة ألفاظ الأداء المختصة بكل نوعٍ منها ممَّا سبق مفصلًا.
قوله: (وَلَاْ إِخَالُ) بكسر الهمزة، قال ابن هشام في «شرح بانت سعاد»: والكسرُ فصيحٌ استعمالًا، شاذٌّ قياسًا، وفتحها لغةُ أَسَد، وهو بالعكس. انتهى.
وقال المرزوقي في «شرح الحماسة»: الكسر لغة طائية كَثُرَ استعمالُها في ألسنة غيرهم حتى صار الفتح كالمرفوض، وزعم أقوام أنَّ الفتح أفصح. انتهى.
قوله: (فَلَا أحسبه … ) إلى آخره، جواب قوله: (فَإِنَّ انحَطَّ … ) إلى آخره.
قوله: (قَالَ)؛ أي: ابنُ سيِّدِ النَّاس.
قوله: (شَيْخُنَا)؛ أي: السَّخَاوي.
стр. 220
وما عداه من التَّشديد فهو منافٍ لما جُوِّزت الإجازة له من بقاء السِّلسلة. نعم؛ لا يُشترَط التَّأهُّل حين التَّحمُّل، ولم يقل أحدٌ بالأداء بدون شرط الرِّواية، وعليه يُحمَل قولهم: أجزت له روايةَ كذا بشرطه، ومنه ثبوت المرويِّ من حديث المجيز، وقال أبو مروان الطُّبنيُّ:
قوله: (بِدُوْنِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ)؛ أي: بدون أن تتحقق فيه شروط الرواية للحديث، من عدالة وضبط وغيرهما، ثم مع توفر شروط الأداء هل يجوز بدون تلقٍّ من المشايخ؟.
رُوِيَ عن الحافظ أبي بكر محمد بن خير الأموي قال: اتفق العلماء على أنَّه لا يصحُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا ولو على أقلِّ وجوه الروايات.
وتَعَقَّبَهُ الزَّركشي فقال: نقلُ الإجماعِ عجيبٌ، وإنَّما حُكِيَ ذلك عن بعض المحدثين، ثمَّ هو معارضٌ بنقل ابن بُرهان إجماع الفقهاء على الجواز، فقال: ذهبَ الفقهاءُ كافةً إلى أنَّه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحَّ عنده نُسخةٌ جازَ له العمل بها وإن لم يسمع، وحكى أبو إسحاق الإِسْفَرَايِينِي الإجماعَ على جوازِ النقل من الكتب المعتمدة ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وذلك شاملٌ لكتب الحديث والفقه، قال إِلْكِيَا الطَّبَرِي: من وجد حديثًا في كتابٍ صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم: لا يجوزُ؛ لأنَّه لم يسمعه، وهذا غلطٌ، وقال ابن عبد السلام: اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة وكذا في النحو واللغة وسائر العلوم، لحصول الثقة بها وبُعْدِ التدليس، ومَن اعتقدَ أنَّ الناس قد اتفقوا على الخطأ فهو المُخْطِئ، وقد جنحَ الشارعُ إلى قول الأطباء في صورٍ، وليست كتبهم مأخوذة في الأصل إلَّا عن قوم كفار، ولكن لما بَعُدَ التَّدْلِيْسُ فيها اعتُمِدَ عليها كما اعتُمِدَ في اللغة على أشعارِ العرب وهم قوم كفارٌ لِبُعْدِ التَّدْلِيْسِ. انتهى.
قال الحافظ السيوطي: وكُتُبُ الحديثِ أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها؛ لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها، فمن قال: شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند إليه، فقد خرق الإجماع، وغايةُ المُخرِّجِ أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته وينسبه إلى من رواه.
قوله: (وَعَلَيْهِ) الظاهرُ أنَّ الضمير يعود على العلم الإجمالي المتقدم.
стр. 221
إنَّها لا تحتاج لغير مقابلة نَسْخِهِ بأصول الشَّيخ، وقال عياضٌ: تصحُّ بعد تصحيح روايات الشَّيخ ومسموعاته وتحقيقها، وصحَّة مطابقة كتب الرَّاوي لها، والاعتماد على الأصول المُصحَّحة، وكتب بعضهم لمن عُلِمَ منه التَّأهيل: أجزت له الرِّواية عنِّي، وهو لما عُلِمَ من إتقانه وضبطه غنيٌّ عن تقييدي ذلك بشرطه. انتهى.
وليُصلِح النِّيَّة في التَّحديث؛ بحيث يكون مخلصًا
قوله: (الطُّبْنِي) بضم الطاء وسكون الموحدة ثم نون، نسبة إلى طُبْنة مدينة بالغرب، كذا في تبصير (١) المنتبه لابن حجر.
قوله: (لِمَا عُلِمَ) علة مقدَّمة على معلولها وهو (غَنِيٌّ … ) إلى آخره.
تنبيه: ينبغي للمُجيز بالكتابة أن يتلفظ بها أيضًا، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت؛ لأنَّ الكتابة كناية، وتكون حينئذ دون الملفوظ بها في الرتبة، فإن لم يقصد الإجازة فقال العراقي: الظاهر عدم الصحة، وقال ابن الصلاح: لا يستبعد صحتها في باب الرواية التي جعلت فيه القراءة على الشيخ مع أنَّه لم يلفظ بما قُرئ عليه إخبارًا منه بذلك، كذا ذكره الحافظ السيوطي وسكت عليه.
وأقول: يظهرُ لي الفرقُ بأنَّ سكوت الشيخ حالَ القراءة عليه إقرارٌ منه، وهو كالفعل في أحكامه فلا غَرر وكانَ سكوته كإخباره، بخلاف الكتابةِ الخليةِ عن القصد، فليس فيها إشعارٌ بذلك الغرضِ أنَّه علم عدم نية المجيز بإخباره مثلًا، وإنَّما الأعمال بالنيات فكانت الكتابة بدون قصد الإجازة كلا كتابة، ثم الظاهر أنَّه إذا لم يُعلم عدم القصد صحت الإجازة والرواية بها عملًا بالظاهر، ولا يشترط القبول في الإجازة كما صرَّح به البُلقيني فلو رُدَّ، فقال الجلال السيوطي: الذي ينقدحُ في النفس الصحةُ، كما لو رجع الشيخ عن الإجازة.
قوله: (وَلْيُصْلِحِ النِّيَّةَ … ) إلى آخره، شُرُوْعٌ في آدابِ الحديثِ:
واختلف في السِّن الذي يحسن أن يتصدى فيه له: فقال ابن خلَّاد: إذا بلغَ الخمسينَ ولا يُنكر عند الأربعين؛ لأنَّها حدُّ الاستواء ومنتهى الكمال وعندها ينتهي عزم الإنسان وقوته ويتوفر عقله ورأيه. انتهى.
وَرُدَّ ذلكَ بأنَّ كثيرًا من السلف والخلف حدَّثوا وهم دون ذلك؛ فقد حدَّثَ مالك وهو ابن سبع
стр. 222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عشرة سنة، وكذا الشافعي والبخاري وغيرهم، وقال ابن الصلاح: ما قاله ابن خلَّاد محله فيمن يؤخذ عنه الحديث لمجرد الإسناد من غير براعة في العلم؛ فإنَّه لا يُحتاجُ إليه لعلو الإسناد إلَّا عند السنِّ المذكور أما مَن عنده براعة فيجلس له في أي سن كان، ومقتضاه أنَّه يصح روايته والأخذ عنه حينئذ ولو قبل البلوغ وهو أحد وجهين، والأصح المنع كما ذكره السيوطي في أشباهه، وأما المجنون والكافر فلا كما يُعلم ممَّا سبق.
وأمَّا سنُّ السماعِ فقال جماعةٌ: بعد ثلاثين، وآخرون: بعد عشرين.
قال أبو عبد الله الزبيري: يُستحب كَتْب الحديث في العشرين؛ لأنَّها مجتمع العقل.
قال: وأُحبُّ أن يشتغل قبلها بحفظ القرآن والفرائض؛ -أي: الفقه-.
ونقل عياض أنَّ أهل الصنعة حددوا أوَّلَ زمن يصح فيه السماع بخمس سنين، ونسبه غيره للجمهور.
حجتهم ما رواه البخاري وغيره من حديث محمود بن الربيع قال: «عَقَلْتُ عن النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِيْ وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ» بَوَّبَ عليه البخاري: متى يصحُ سماعُ الصَّغِيْرِ؟.
قال ابن الصلاح: والصوابُ اعتبارُ التمييزِ؛ فإنْ فَهِم الخطاب وردَّ الجواب كان مُميزًا صحيح السماع وإن لم يبلغ خمسًا، وإلَّا فلا وإن كان ابن خمس فأكثر، ولا يلزم مِن عَقْلِ مَحْمُوْدٍ المَجَّةَ في هذا السنِّ أنَّ تمييزَ غيره مثل تمييزه، بل قد ينقص وقد يزيد، قال الشارح في منهجه: وهذا هو التحقيق والمذهب الصحيح. انتهى.
وتُقبل رواية المسلم البالغ لِمَا تحمَّله قبلهما؛ أي: حال الكفر والصبي، فقد قبل الناس راوية الحسن والحسين وابني الزبير وعباس وغيرهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده، وكذا كان أهلُ العلم يُحْضِرُوْنَ الصبيانَ مجلسَ الحديث وَيَعْتَدُّوْنَ بروايتهم بعد البلوغ، وهذا هو المعتمد، وقيل: لا خلاف في الكافر؛ لأنَّ الصبيَّ لا يضبطُ ما تحمله في صباه غالبًا، بخلاف الكافر، لكن الشارح أجراه أيضًا فيه، وفي الفاسق كالصبي.
ثُمَّ ينبغي للمحدثِ أن يُمسكَ عن التحديثِ إذا خشي التخليط بهرمٍ أو حزنٍ أو عمًى، ويختلف ذلك باختلاف الناس، وضبطُه بالثمانين أغلبيٌّ؛ فقد حدَّث بعدها أنس والشعبي ومالك والليث وابن عيينة، وحدَّث بعد المئة من الصحابة حكيم بن حزام، ومِنْ غيرِهم غيرُه، والمدار على ثبوت
стр. 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الفعل واجتماع الرأي، قال مالك: إنَّما يَخْرَفُ الكذَّابُون.
والأولى أن لا يُحدِّث بحضرة مَن هو أعلىَ منه لسنه أو علمه أو غيرهما، ولا يمتنع من تحديث أحدٍ لكونه غير صحيح النية؛ فإنَّه يُرجى له صحتها بعد ذلك.
قال مَعْمَرٌ: طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ثم رزق الله النية بعدُ.
ويُستحبُّ لمنْ أرادَ حضورَ مجلسِ التحديثِ أن يتطهرَ ويتطيبَ ويَستاك ويُسرِّح لحيته ويجلس في وَقَارٍ وهَيبةٍ.
وقد سُئل ابن المسيَّب عن حديثٍ وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدَّث به، وقال: كرهتُ أن أحدِّث عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع.
ويُكره أن يقومَ لأحدٍ، فقد قيل: إذا قام القارئُ لحديثِ رسول الله ﷺ لأحدٍ فإنَّه يُكتب عليه بخطيئةٍ، ثم إذا رفعَ أحد صوته في المجلس زجره كما كان مالك ﵁ يفعله، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفعَ صوتَهُ عند حديثه فكأنَّما رفعَ صوتَهُ فوق صوته، ويفتتحُ مجلسه ويختمهُ بتحميد الله والصلاة على النَّبيِّ ﷺ ، ويسأل الله تعالى التسديد والتوفيق لذلك، ويَستعمل الأخلاق الجميلة والآداب المَرْضية، فقد قال أبو عاصم النبيل: مَن طلب هذا الحديث فقد طلبَ أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس، وليفرغ الطالب جهده في تحصيله، فقد قال يحيى بن كثير: لا يُنَالُ العلمُ براحةِ الجِسْمِ، وقال الشافعي: لا يفلحُ مَن طلبَ العلمَ بغنى النفس، ولكن من طلبه بِذِلَّةِ النَّفْسِ وضيقِ العيش وخدمة العلم أفلحَ. انتهى.
ولا يحملنَّه الحرصُ على التساهلِ في التَّحملِ فيخلَّ بشيءٍ من شروطه؛ فإنَّ شهوة السماع لا تنتهي، والعلم كالبحار التي يتعذر كيلها والمعادن التي لا ينقطع نيلها.
وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب وفضائل الأعمال فذلك زكاةُ الحديث وسببُ حفظه.
قال وكيع: إذا أردتَ أن تحفظ الحديث فاعمل به.
وقال بِشْر: يا أصحاب الحديث أدُّوا زكاة هذا الحديث؛ اعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث.
وقال عمرو بن قيس المُلائي: إذا بلغك شيءٌ من الخير فاعملْ بِهِ ولو مرةً تكنْ من أهله.
стр. 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وليعتقد الطالب جلالةَ شيخه ورجحانَهُ على غيرهِ، فقد قال أبو يوسف: سمعتُ السلف يقولون: مَن لا يعتقدُ أستاذه لا يفلحْ، ويتحرى رضاه، ولا يُطول عليه بحيث يُضجره؛ فإن الإضجار يغيرُ الأفهام ويفسد الأخلاق.
قال ابن الصلاح: ويُخشى على فاعل ذلك أن يُحرمَ الانتفاع.
ولا ينبغي أن يقتصرَ على سماع الحديث وكَتْبه دون معرفته وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفَر بطائلٍ، بل يتعرف صحته وحسنه وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققًا كل ذلك، معتنيًا بإتقان مشكله حفظًا وكتابة ويذاكر محفوظه ويباحث أهل المعرفة.
قال ابن مسعود: تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته.
وقال أبو سعيد الخدري: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن.
وقال ابن عباس: مذاكرةُ العلم ساعةً خيرٌ من إحياء ليلة.
وليكن حفظه له بالتدريج قليلًا قليلًا.
قال الزهري: مَن طلبَ العلم جُملةً فاته جملةً، وإنَّما يُدركُ العلم حديث وحديثان، وليحذر أن يمنعه الحياء والكبر من السعي التام والتحصيل وأخذ العلم ممن هو دونه في نسب أو سن أو غيره، فقد ذكر البخاري عن مجاهد: لا ينال العلم مستحييْ ولا متكبرٌ، وكان ابن المبارك يكتب عمَّن هو دونه فقيل له في ذلك فقال: لعلَّ الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع لي عن غيره.
وقال أبو حاتم: إذا كتبت فَعَمِّشْ (١) وإذا حدَّثت فَفَتِّشْ. انتهى.
وعَمِّشْ بالعين المهملة؛ أي: اكتب عن الأعمش، وذلك؛ لأنَّه كان يُدلس، والمراد لا تبال بمن تكتب عنه.
قال العراقي: أراد اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر حتى تنظر هل هو أهلٌ للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو غير ذلك، فإذا كان وقتُ الرواية أو العمل ففتشْ حينئذ، ويحتمل أنَّه أراد استيعاب الكتاب وتركَ انتخابه أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكون النظر فيه حال الرواية. انتهى.
стр. 225
لا يريد بذلك غرضًا دنيويًّا، بعيدًا عن حبِّ الرِّياسة ورعوناتها، وليقرأ الحديث بصوتٍ حسنٍ فصيحٍ مرتَّلٍ، ولا يسرده سردًا؛ لئلَّا يلتبس أو يمنع السَّامع من إدراك بعضه، وقد تسامح بعض النَّاس في ذلك، وصار يعجِّل استعجالًا بحيث يمنع السَّامع من إدراك حروف كثيرةٍ بل كلماتٍ، والله تعالى بمنِّه وكرمه يهدينا سواء السَّبيل.
قوله: (لَاْ يُرِيْدُ بِذَلِكَ غَرَضًا دُنْيَوِيًّا)؛ أي: لما روى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لَاْ يَتَعَلَّمُهُ إَلَّا لِيُصِيْبَ بِهِ غَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ». والعَرف بالفتح: الرائحة الطيبة.
وقال حَمَّاد بن سلمة: من طلبَ الحديثَ لغير الله مُكِرَ بِهِ.
قال ابن الصلاح: ومِن أقربِ الوجوه في إصلاح النية ما روينا أنَّ أبا جعفر بن حمدان سُئِلَ: بأيِّ نيةٍ نكتبُ الحديثَ؟ فقال: ألستم تروونَ أنَّ عند ذكر الصالحين تنزلُ الرحمة؟ قال: نعم، قال: فرسول الله ﷺ رأس الصالحين.
قوله: (وَلَاْ يَسْرُدْهُ)؛ أي: يقرأه بعجلةٍ، وقد أوردَ البيهقي في ذلك حديث البخاري عن عروة قال: «جَلَسَ أبو هُرَيْرَةَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، فلما قَضَتْ صَلَاتَهَا قالت: أَلَا تَعْجَبُ إلى هذا وَحَدِيثِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيْثًا لو عَدَّهُ الْعَادُّ أَحْصَاهُ»، وفي لفظٍ عند مسلم: «لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيْثَ كَسَرْدِكُمْ» زادَ البَيْهَقِيُّ: «إِنَّمَا كَانَ حَدِيْثُهُ فَصْلًا تَفْهَمُهُ القُلُوْبُ».
قوله: (لِئَلَّا يَلْتَبِسَ … ) إلى آخره، ولو أفرطَ القارئُ في الإسراعِ بحيثُ يخفى بعض الكلام، أو هَيْنَمَ؛ أي: أخفى صوته، أو بَعُدَ السامع بحيث لا يفهم المقروء عُفِيَ في ذلك عن القدرِ اليسيرِ الذي لا يخلُّ عدمُ سماعه بفهم الباقي نحو الكلمة والكلمتين.
ويُستحب للشيخ أن يجيزَ السامعينَ روايةَ ذلك الكتاب أو الجزء الذي سمعوه وإن شمله السماع؛ لاحتمال وقوع شيء ممَّا تقدم من الحديث والعجلة، فينجبر بذلك.
قال ابن عَتَّابٍ الأندلسي: لا غنىَ في السماع عن الإجازة؛ لأنَّه قد يغلطُ القارئُ ويغفل الشيخ
стр. 226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والسامعون، فينجبر ذلك بالإجازة. انتهى.
وإذا كتب الشيخ لأحدهم كتب: سمعَهُ مني وأجزتُ له روايَتَهُ.
(تتمة): ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لَحَّانٍ أو مصحِّف فقد قال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يَدْخُلَ في جملة قوله ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ»؛ لأنَّهُ لم يكن يَلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.
وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتحريف، وقال شعبة: مثلُ الذي يطلب الحديث بلا عربيةٍ كمَثَلِ رجلٍ عليه بُرْنُس ولا رأس له.
والطريق في السلامة من التحريف والتصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والضبط والتحقيق لا من بطون الكتب، وإذا وقع في روايته لَحْنٌ وتحريفٌ فقيل: يرويه كما سمعه، قال ابن الصلاح: وهو غلوٌّ في اتباع اللفظ، والصَّواب تقريره في الأصل على حالهِ مع التَّضْبيب عليه وبيان الصواب في الحاشية، والأولى عند الأداء أن يقرأهُ على الصواب أوَّلًا ثم يقول: وقع في روايتنا أو عند شيخنا كذا، هذا إن علم أنَّ شيخه رواه له على الخطأ، أما إنْ غلب على ظنه أنَّه من كتاب نفسه لا من شيخه فيتجهُ إصلاحه في كتابه وروايته عند تحديثه، كما إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن بنحوِ تَقَطُّعٍ فإنَّه يجوز له استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته ووثق به بأن يكون أخذه عن شيخه وهو ثقةٌ، وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط.
وإذا وجدَ كلمةً في كتابه من غريب اللغة غير مضبوطةٍ أشكلتْ عليه جازَ أن يسأل عنها العُلماء، وله أن يرويها على ما يخبرونه به، كما فعل ذلك أحمد وإسحاق.
وإذا كان الحديثُ عنده عن اثنين أو أكثر واتفقا في المعنى دون اللفظ فلهُ جمعهما في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظِ روايةِ أحدهما فيقول: (حدثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان قال)، أو (قالا: حدثنا فلان)، فإن لم يخصَّ أحدهما بل قال: (أخبرنا فلان وفلان) وتقاربا في اللفظ، أو المعنى واحدٌ جازَ على جواز الرواية بالمعنى، بل عليه يجوز وإن لم يقل تقاربا، فلا وجه لما عيب به البخاري وغيره.
وله أن يسوق الحديث بإسناده ثم يذكر الإسناد الآخر ويحذف متنه ويقول: مثله أو نحوه وهما بمعنىً واحد.
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الحاكم: لا يحلُّ أن يقول: (مثله) إلَّا إذا علمَ أنهما اتفقا في اللفظ، ويحل أن يقول: (نحوه) إذا كان بمعناه. انتهى.
قيل: هذا مبنيٌّ على عدمِ جوازِ الروايةِ بالمعنى، وإلَّا جازَ مُطلقًا، وإذا كان في سماعه بعضُ الوهنِ فعليه بيانه بحالِ الرواية، فإنَّ في إِغفاله نوعًا من التَّدْلِيس وذلك كَأَنْ يَسْمَعَ من غيرِ أصلٍ، أو يحصل عند القراءة نوم أو حديث أو نحوه.
وأما الروايةُ بالمعنى فإن لم يكن الرَّاوي عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرًا بما يُحيل معانيها، بصيرًا بمقاديرِ التفاوت بينها، لم تجزْ له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين لفظُ ما سمعه، أما إن كان عالمًا بذلك، فقيل كذلك مطلقًا، وقيل: تجوز للصحابي دون غيره؛ لأنهم جُبِلوا على الفصاحة والبلاغة، وقيل: بالعكس، وقيل: لمن نَسِيَ اللفظ، وقيل: بالعكس ليتمكن من التصرف فيه، والذي عليه جمهور السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة جوازُ الرواية بالمعنى مُطلقًا إذا قطعَ بأدائه، وذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسَّلف ويدلُّ عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظٍ مختلفةٍ.
وقد وردَ في المسألة حديثٌ مرفوعٌ رواه الطَّبراني في «كبيره» من حديث عبد الله بن سليمان [عن أبيه] (١) قال: قلت: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيْثَ لَاْ أَسْتَطِيْعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْكَ، يَزْيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا؟ فَقَالَ: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا ولم تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلا بَأْسَ»، فذُكِرَ ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدَّثنا.
واستدلَّ لذلك الشافعي بحديث: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» قال: فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرفٍ، علمًا منه بأنَّ الحفظ قد يزلُّ لتَحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى، كانَ ما سوى كتاب الله أولى بذلك، قال ابن الصلاح: هذا الخلافُ إنَّما يجري في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير شيء من تصنيفٍ وإبداله بلفظ آخر وإن كان بمعناه قطعًا، قال في «شرح التقريب»: لأنَّ الرواية بالمعنى رَخَّصَ فيها مَن رخَّصَ لما كان عليهم في ضبط الألفاظ من الحرج، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه الكتب؛ ولأنَّه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره. انتهى.
стр. 228
(لطيفةٌ): أنبأني الحافظ نجم الدِّين ابن الحافظ تقيِّ الدِّين، وقاضي القضاة أبو المعالي محبُّ الدِّين، المكِّيَّان بها، والمحدِّث العلَّامة ناصر الدِّين أبو الفرج المدنيُّ بها، قالوا: أخبرنا الإمام زين الدِّين بن الحسين وآخرون عن قاضي القضاة أبي عمر عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدِّين الكنانيِّ، قال: قرأت على الأستاذ أبي حيَّان محمَّد بن يوسف بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزُّبير، قال أبو عمر: ولي منه إجازةٌ، قال: حدَّثنا القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أحمد الأزديُّ، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمَّد بن حسن بن عطيَّة (ح): قال أبو حيَّان: وأنبأنا الأصوليُّ أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر بن ربيعٍ عن أبي الحسن أحمد بن عليٍّ الغافقيُّ، قال: أخبرنا عياضٌ (ح)، قال أبو حيَّان: وكتب لنا الخطيب أبو الحجَّاج يوسف بن أبي رُكانَة عن القاضي أبي القاسم أحمد بن عبد الودود بن سَمَجُون، قال عياضٌ:
أقول: في النفسِ من كِلا العلتين المذكورتين علة، إذ الحديث السابق صريحه يقتضي عموم ما ضبط وما لم يضبط، وأنَّ المدار على عدم تحليل الحرام وعكسه وإصابة المعنى، وإذا جاز التصرف في حديث رسول الله ﷺ ؛ فلأن يجوز في كلام الغير أولى، وعملُ العلماء قديمًا وحديثًا على نقلِ عبارات بعضهم بتصرفٍ وبدونه مع النسبة للأصل في كلٍّ، وقد روى من الكتب المصنفة بعد تصنيفها كثير من الأئمة والحفاظ ولم يتحرجوا من ذلك، والله أعلم، وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عَقِبه: أو كما قال أو نحوه أو شبهه؛ خوفًا من الزلل لِما في الرواية بالمعنى من الخطر.
قوله: (الْمَكِّيَانِ بِهَا)؛ أي: بمكةَ متعلقٌ بـ «أنبأني»، وكذا يقال في قوله: المدنيَّان بها.
قوله: (ابْنُ سَمَجُوْن) بفتح الميم وجيم، أبو القاسم أحمد الأندلسي المُحدِّث الشاعر.
стр. 229
أخبرنا القاضي أبو بكرٍ محمَّد بن عبد الله بن العربي المعافريُّ، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ هبة الله بن أحمد الأكفانيُّ، قال: حدَّثنا الحافظ عبد العزيز بن أحمد بن محمَّدٍ الكنانيُّ الدِّمشقيُّ، قال (١): حدَّثنا أبو عِصْمة نوح بن نصير الفرغانيِّ، قال: سمعت أبا المظفَّر عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن قتٍّ الخزرجيَّ، وأبا بكرٍ محمَّد بن عيسى البخاريَّ، قالا (٢): سمعنا أبا ذرٍّ عمَّار بن محمَّد بن مخلد التَّميميَّ يقول: سمعت أبا المظفَّر محمَّد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاريَّ يقول: لمَّا عُزِل أبو العبَّاس الوليد بن إبراهيم بن زيدٍ (٣) الهَمَذَانيُّ عن قضاء الرَّيّ؛ ورد بخارى سنة ثمان عشرة وثلاث مئةٍ؛ لتجديد مودَّةٍ كانت بينه وبين أبي الفضل البَلْعَميِّ،
قوله: (ابنُ العَرَبِيِّ)؛ أي: بالتعريف، وهو غير ابن عربي الشيخ الأكبر المشهور، وهذا غير مُعَرَّفٍ.
قوله: (المَعَافِرِي) بالعين المهملة نسبة لمَعَافِر، بلد، وأبو حي من همذان لا ينصرف، وإلى أحدهما تُنْسَبُ الثيابُ المَعَافِرِيَّة، ولا تُضَمُّ الميم. «قاموس».
قوله: (أَبُوْ عِصْمَة) بكسر العين وسكون الصاد المهملتين، وهو غير نوح بن أبي مريم (وَالْفَرْغَانِي) بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة، نسبة لفَرغانة بلد بالمغرب.
قوله: (قَتٍّ) بفتح القاف وتشديد الفوقية.
قوله: (الهَمَدَانِي) بالتحريك، والإهمال، نسبة إلى القبيلة.
قوله: (الرَّيِّ) بفتح الراء وتشديد الياء.
стр. 230
فنزل في جوارنا، فحملني معلِّمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الخُتَّليُّ إليه، فقال له: أسألك أن تحدِّث هذا الصَّبيَّ عن مشايخك، فقال: ما لي سماعٌ، قال: فكيف وأنت فقيهٌ؟ فما هذا؟ قال: لأنِّي لمَّا بلغت مبلغ الرِّجال؛ تاقت نفسي إلى معرفة الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ ببخارى صاحب «التاريخ»، والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته مرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي: يا بنيَّ؛ لا تدخل في أمرٍ إلَّا بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره، فقلت: عرِّفني -رَحِمَك الله- حدود ما قصدتك له، ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أنَّ الرَّجل لا يصير محدِّثًا كاملًا في حديثه إِلَّا بعد أن يكتب أربعًا مع أربعٍ، كأربعٍ مثل أربعٍ، في أربعٍ عند أربعٍ، بأربعٍ على أربعٍ، عن أربعٍ لأربعٍ، وكلُّ هذه الرُّباعيَّات لا تتمُّ إلَّا بأربعٍ مع أربعٍ، فإذا تمَّت له كلُّها؛ هان عليه أربعٌ، وابتُلِي بأربعٍ، فإذا صبر على ذلك، أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربعٍ، وأثابه في الآخرة بأربعٍ. قلت له: فسِّر لي -رحمك الله- معاني ما ذكرت من أحوال هذه الرُّباعيات، من قلب صافٍ بشرحٍ كافٍ وبيانٍ شافٍ؛ طلبًا للأجْر الوافي، فقال: نعم؛ الأربعة التي يُحتَاج إلى كتبها هي: أخبار الرَّسول ﷺ وشرائعه، والصَّحابة ﵃ ومقاديرهم، والتَّابعون وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأحوالهم وأزمنتهم؛ كالتَّحميد مع الخطب، والدُّعاء مع التَّوسُّل، والبسملة مع السُّورة، والتَّكبير مع الصَّلوات؛ مثل: المُسنَدات والمُرسَلات والموقوفات والمقطوعات، في صغره وفي إدراكه، وفي شبابه وفي كهولته، عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبحار، والبلدان (١) والبراري،
قوله: (الخُتَّلِيُّ) بضم الخاء المعجمة وتشديد الفوقية نسبة إلى خُتَّل، كوْرَةٌ خلفَ جيحون، كما في «التبصير».
قوله: (وَالْمَنْظَور) عطفٌ على صاحب.
стр. 231
على الأحجار والأخزاف (١)، والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق، عمَّن هو فوقه وعمَّن هو مثله وعمّن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقَّن أنَّه بخطِّ أبيه دون غيره؛ لوجه الله تعالى طلبًا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله منها، ونشرها بين طالبيها ومحبِّيها، والتَّأليف في إحياء ذكره بعده، ثمَّ لا تتمُّ له هذه الأشياء إلَّا بأربعٍ هي من كسب العبد؛ أعني: معرفة الكتابة واللُّغة والصَّرف والنَّحو، مع أربعٍ هي من إعطاء الله تعالى؛ أعني: القدرة والصِّحَّة والحرص والحفظ، فإذا تمَّت له هذه الأشياء كلُّها؛ هان عليه أربعٌ: الأهل والولد والمال والوطن، وابتُلِي بأربعٍ: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر على هذه المِحَن؛ أكرمه الله في الدُّنيا بأربعٍ: بعزِّ القناعة، وبهيبة النفس، وبلذَّة العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربعٍ: بالشَّفاعة لمن أرادهُ من إخوانه، وبظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، وبسقي من أراد من حوض نبيِّه ﷺ ، وبمجاورة النَّبيِّين في أعلى عليِّين في الجنَّة، فقد أعلمتك يا بنيَّ مجملًا لجميع ما سمعتُ من مشايخي، متفرِّقًا في هذا الباب، فأَقْبِلِ الآن إلى ما قصدتَ إليه أو دَعْ.
فهالني قوله، فسكتُّ متفكِّرًا، وأطرقت متأدِّبًا، فلمَّا رأى ذلك منِّي؛ قال: وإن لم تُطِقْ حمل هذه المشاقِّ كلِّها؛ فعليك بالفقه، يمكنك تعلُّمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ، لا تحتاج إلى بُعْد الأسفار، ووطء الدِّيار، وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرةُ الحديث، وليس ثوابُ الفقيه دون ثواب المحدِّث في الآخرة، ولا عزُّه بأقلَّ من عزِّ المحدِّث. فلمَّا سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلُّمه
(وَالأَخْزَافِ) بالخاء والزاي المعجمتين جمع خَزَف، مُحَركًا، قال في المصباح: هو الطين المعمول آنيةً قبل أن يُحرق. انتهى.
قوله: (وَالأَكْتَافِ) بالمثناة الفوقية بعد الكاف، جمع كتف، والمراد أكتاف الحيوانات؛ أي: الألواح التي تكون فيها.
قوله: (فَسَكَتُّ مُتَفَكِّرًا) بضمير المتكلم المُسند إلى النَّفس.
قوله: (سَاكِنٌ) بدلٌ من قَارٌّ.
стр. 232
إلى أن صرت فيه متقدِّمًا، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلُّمه بتوفيق الله تعالى ومنَّته، فلذلك لم يكن عندي ما أُمليه على هذا الصَّبيِّ يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إنَّ هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصَّبيِّ من ألف حديثٍ يجده عند غيرك. انتهى.
وقد قال الخطيب البغداديُّ الحافظ: إنَّ علم الحديث لا يَعْلق إِلَّا بمن قَصَر نفسه عليه، ولم يضمَّ غيره من الفنون إليه. وقال إمامنا الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى: أتريد أن تجمع بين الفقه والحديث؟ هيهات. والله وليُّ التَّوفيق والعصمة، وله الحمد على كلِّ حالٍ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
قوله: (خَيْرٌ لِلصَّبِيِّ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ) فيهِ نظرٌ بيِّنٌ، وقد نقلَ السَّخاوي عن الحافظ ابن حجر قال: منذُ قرأت هذه الحكاية إلى أن كتبت هذه الأسطر وقلبي نافرٌ من صحتها مستبعدٌ لثبوتها، تلوح أمارة الوضع عليها وتلمح إشارة التلفيق فيها، ولا يقع في قلبي أنَّ محمد بن إسماعيل يقول هذا ولا بعضه، وأما (قوله: إِنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ) فكذبٌ لا مزيدَ عليه.
قوله: (لَاْ يَعْلَقُ) في المصباح عَلِقَ الشوكَ بالثوب عَلَقًا من باب تَعِبَ، وتعلق به إذا نشب واستمسك. انتهى.
стр. 233
الفصل الرَّابع
فيما يتعلَّق بالبخاريِّ في «صحيحه» من تقرير شرطه وتحريره، وضبطه وترجيحه على غيره، كـ «صحيح مسلمٍ» ومن سار كَسَيْرِهِ، والجواب عمَّا انتقده عليه النُّقَّاد من الأحاديث ورجال الإسناد، وبيان موضعه (١)، وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال، وسبب تقطيعه للحديث واختصاره، وإعادته له في الأبواب وتكراره، وعِدَّةُ أحاديثه الأصول والمكرَّرة، حسبما ضبطه الحافظ ابن حجرٍ وحرَّره.
وهذا الفصل -أعزَّك الله تعالى- لخَّصته من «مقدِّمة فتح الباري»، مستمدًّا من سِيْحِ فضله الجاري،
(الفصل الرابع)
قوله: (وَمَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ)؛ أي: كأصحاب السنن.
قوله: (وَتَرَاجِمِهِ) بكسر الجيم؛ أي: ما تَرجم به من الكتب والأبواب جمعُ ترجمةٍ، وسُمِّيَ ما ذكر تراجمًا؛ لأنَّه مُترجم عما بعده؛ لأنَّ ما يُذكر في الباب مثلًا تُنبئ عنه الترجمة وتُبَيِّنُهُ.
قوله: (المَنِيْعَةَ المَنَالِ) بفتح الميم فيهما؛ أي: التي يمتنعُ أن ينالها غيره؛ أي: يأتي بها، أو المراد أنَّه لا ينالها السامع؛ -أي: يفهمها- إلَّا بالتَّأَمُّلِ الصادقِ والذِّهْنِ الرَّائق والفِطنة الزائدة والقَرِيحة المُتَوَقِّدَةِ.
قوله: (تَقْطِيْعِهِ لِلْحَدِيْثِ)؛ أي: ذِكرهُ مُقَطَّعًا بعضه في ترجمة وبعضه في أخرى؛ بحسب الاحتجاج به في المسائل كلِّ مسألة على حدة، وفيه خلاف، قال النووي: وهو إلى الجواز أقرب. انتهى.
وقد فعله الأئمة كمالك والمصنِّف وغيرِهما.
قوله: (وَاخْتِصَارِهِ)؛ أي: باختصار سنده، كأن يذكره في بعض الأبواب موصولًا وبعضها مرسلًا أو موصولًا أيضًا لكن بطريقٍ أُخرى تنقص عن الأولى.
стр. 234
أنبأتني المسندة أُمُّ حبيبةَ زينبُ بنت الشَّوبكيِّ المكيَّة، أخبرنا البرهان بن صِدّيقٍ الرَّسَّام، أخبرنا أبو النُّون يونس بن إبراهيم عن أبي الحسن بن المُقَيَّر عن أبي المُعَمَّر المبارك ابن أحمد الأنصاريِّ، قال: أخبرنا أبو الفضل محمَّد بن طاهرٍ المقدسيُّ، قال في جزء «شروط الأئمَّة» له: اعلم أنَّ البخاريَّ ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهما لم يُنقل عن واحدٍ منهم أنَّه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما (١) يكون على الشَّرط الفلانيِّ، وإنَّما يُعرَف ذلك من سَبْر كتبهم، فيُعلَم بذلك شرط كلِّ رجلٍ منهم، واعلم أنَّ شرط البخاريِّ ومسلمٍ أن يخرجا الحديث المتَّفق على ثقةِ نَقَلَته إلى الصَّحابيِّ المشهور، من غير اختلافٍ بين الثِّقات الأثبات،
قوله: (وَمَنْ ذَكَرْنَا بَعْدَهُم) صوابه بعدهما، ولعلَّ المراد تنويهه بقوله في أول الفصل (كَصَحِيْحِ مَسْلِمٍ وَمَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ) وتقدَّمَ أنَّ المراد بذلك أربابُ السنن الأربعة؛ أي: أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه.
قوله: (أَنَّهُ قَالَ: شَرَطتُ … ) إلى آخره؛ أي: ولا وجود لذلك في كتابيهما ولا خارجًا عنهما.
قوله: (أَنَّ شَرْطَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ … ) إلى آخره، المراد بالشرط هنا ما التزماه في تخريج الأحاديث، وهو الشرط المطلق، وأما ما اختلفا فيه من اللُّقِيِّ والاكتفاء بالمعاصرة فهذا شرطهما في المُعنعن خاصة.
قوله: (نَقَلَتِهِ) بالتحريك جمع ناقلٍ.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاْفٍ) يحتملُ أنَّ المُراد في توثيقِ النَّقلة المذكورين بحيثُ لم يجرحهم جارحٌ، ويحتملُ أنَّ المراد من غير اختلافٍ في رواية هذا الحديث عنه.
قوله: (الأَثْبَات) بفتح الهمزة، جَمْعُ ثَبْتٍ.
стр. 235
ويكون إسناده متَّصلًا غير مقطوعٍ، وإن كان للصَّحابيِّ راويان فصاعدًا فَحَسَنٌ، وإن لم يكن له إِلَّا راوٍ واحدٍ إذا صحَّ الطَّريق إلى ذلك الرَّاوي أخرجاه.
ثمَّ قال: أخبرنا أبو بكرٍ أحمد بن عليٍّ الأديب الشِّيرازيُّ بنيسابور، قال: قال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله؛ يعني: الحاكم في كتابه «المدخل إلى الإكليل»: القسم الأوَّل من المتَّفق عليه اختيار البخاريِّ ومسلمٍ، وهو الدَّرجة الأولى من الصَّحيح؛ ومثاله: الحديث الذي يرويه الصَّحابيُّ المشهور عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثمَّ يرويه عنه [التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويانِ ثقتانِ، ثم يرويه عنه] (١) من أتباع التَّابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواةٌ من الطَّبقة الرَّابعة، ثمَّ يكون شيخ البخاريِّ ومسلمٍ حافظًا متقنًا
قوله: (وَمِثَالُهُ الحَدْيْث … ) إلى آخره، كذا في النسخ، وفيه سقطٌ كما يعلم من نقل الحافظ السيوطي في «شرح التقريب».
عبارة «المَدْخل» هي: الدرجة الأولى من الصحيح اختيار البخاري ومسلم، وهو أن يروي الحديث عن النَّبيِّ ﷺ صحابيٌّ زائلٌ عنهُ اسم الجهالة بأن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يروي عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثِقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين حافظٌ متقنٌ وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة. انتهى.
стр. 236
مشهورًا بالعدالة، فهذه الدَّرجة الأولى من الصَّحيح. انتهى. وتعقَّب ذلك الحافظ ابن طاهرٍ، فقال: إنَّ الشَّيخين لم يشترطا هذا الشَّرط، ولا نُقِلَ عن واحدٍ منهما أنَّه قال ذلك، والحاكم قدَّر لهما هذا التَّقدير، وشرط لهما هذا الشَّرط على ما ظنَّ، ولعمري إنَّه لشرطٌ حسنٌ لو كان موجودًا في كتابيهما، إلَّا أنَّا وجدنا هذه القاعدة التي أسَّسها الحاكم مُنتَقضَةً في الكتابين جميعًا، فمن ذلك في الصَّحابيِّ أنَّ البخاريَّ أخرج حديث قيس بن أبي حازمٍ عن مِرْداسَ الأسلميِّ: «يذهب الصَّالحون أوَّلًا فأوَّلًا» [خ¦٦٤٣٤] وليس لمرداسَ راوٍ غير قيسٍ، وأخرج مسلمٌ حديث المسيَّب بن حَزْنٍ في وفاة أبي طالبٍ، ولم يروِ عنه غير ابنه سعيدٍ. وأخرج البخاريُّ حديث الحسن البصريِّ عن عمرو بن تغلب:
قوله: (مُنْتَقَضَةً)؛ أي: بأنَّ في الصحيحين غرائبَ تفرَّدَ بِهَا بعضُ الرُّواةِ كالذي ذكره الشارح.
قوله: (أَوَّلًا فَأَوَّلًا) نصبٌ على الحالِ؛ أي: مرتبين.
قوله: (المُسَيَّب) بضم الميم وفتح السين والياء التحتية، وحُكي كسرها في والد سعيد دون غيره، كما في «ترتيب المطالع».
وقوله: (ابْنُ حَزْن) بفتح المهملة وسكون الزاي، آخره نون. قوله: (ابْنُ تَغْلِبٍ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام آخره موحدة.
стр. 237
«إنِّي لأعطي الرَّجل والذي أَدَعُ أحبُّ إليَّ … » [خ¦٩٢٣] الحديث.
ولم يروِ عن عمرٍو غير الحسن في أشياء عند البخاريِّ على هذا النَّحو. وأمَّا مسلمٌ؛ فإنَّه أخرج حديث الأغرِّ المزنيِّ: «إنَّه ليُغَان على قلبي» ولم يرو عنه غير أبي بردة في أشياء كثيرةٍ اقتصرنا منها على هذا القدر؛ ليُعلَمَ أنَّ القاعدة التي أسَّسها الحاكم لا أصل لها، ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التَّابعين وأتباعهم وبمن روى عنهم إلى عصر الشَّيخين لأربى على كتابه «المدخل»، إلَّا أنَّ الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يفيد فائدةً. انتهى.
وقال الحافظ أبو بكر ٍالحازميُّ: هذا الذي قاله الحاكم قولُ من لم يُمعن الغوص في خبايا «الصَّحيح»، ولو استقرأ الكتاب
قوله: (إِنِّيْ لَأُعْطِي الرَّجُلَ)؛ أي: وأدع الآخر تأليفًا لقلب المُعطى ووثوقًا بثبات المحروم، ولذا قال: «وَالَّذِيْ أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ».
قوله: (الأَغَرِّ) بالغين المعجمة والراء.
قوله: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي) كنايةٌ عن تكاثرِ أنوارِ التجليات الإلهية عليه، وسيأتي في ذلك ما تطمئن له القلوب وتنشرحُ به الصدور.
قوله: (لَأَرْبَى) بالراء والباء الموحدة؛ أي: زاد.
قوله: (وَلو اسْتَقْرَأَ الكِتَابَ)؛ أي: تتبع.
стр. 238
حقَّ استقرائه لوجد جملةً من الكتاب ناقضةً لدعواه.
وقوله: (لَوَجَدَ جُمْلَةً مِنْ الكِتَابِ نَاقِضَةً لِدَعْوَاهُ)؛ أي: كالغرائب السالفة، وقد أجيبَ عن الحاكم بأنَّهُ إِنَّما أرادَ أنَّ كُلَّ راو في الكتابين يشترط أن يكون له راويان، لا أنَّه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه، فليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابِيِّه، ثم عن تابِعيِّه فمن بعده فإن ذلك يعز وجوده، وإنَّما المراد أنَّ هذا الصحابي وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حدِّ الجهالة.
وقال شيخ الإسلام: كأنَّ الحازمي فهم ذلك من قول الحاكم كالشهادة على الشهادة؛ لأنَّ الشهادة يشترط فيها التعدد مع أنَّه يحتمل أن يريد بالتشبيه بعضَ الوجوه لا كلَّها؛ كالاتصال واللقاء وغيرهما.
وقال بعضهم: ليس من الإنصاف إلزام الشيخين هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به.
قال شيخ الإسلام: وهذا كلام مقبول. انتهى.
قال في «مقدمة الفتح»: ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضًا في حقِّ بعض الصحابة الذين خرَّج لهم إلَّا أنَّه معتبرٌ في حقِّ من بعدهم فليس في الكتاب حديثٌ أصلٌ من رواية مَن ليس له إلَّا راو واحد فقط، وقال الحازمي ما حاصله: شرط البخاري أن يخرِج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه الملازمة الطويلة، وقد يخرج أحيانًا عن الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن روى عنه فلم يلزمه إلَّا ملازمة يسيرة، وشرط مسلم أن يخرج حديث هذه الطبقة الثانية، وقد يخرج حديث من لم يسلمْ من غوائل الجرح إذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه؛ كحماد بن سلمة في ثابت البناني.
وقال النووي: المراد بقولهم: على شرطهما، أن يكون رجال إسناده في كتابيهما، وللحازمي في كتابه «شروط الأئمة» كلام جامع في شرط الشيخين وغيرهما حاصله أنَّ مذهب مَن يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه إلَّا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم، ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أنَّ أصحاب الزهري مثلًا على خمس طبقات ولكل طبقة منها مزيَّةٌ على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية قصد البخاري كمالك وابن عيينة.
والثانية: شاركت
стр. 239
وقد اتَّفقت الأمَّة على تلقِّي «الصَّحيحين» بالقبول، واختُلِف في أيِّهما أرجح؟
الأولى في العدالة غير أنَّ الأولى جَمَعت مع الحفظ والإتقان طول الملازمة للزهري، حتى كان منهم من يلازمه سفرًا وحضرًا كالليث بن سعد والأوزاعي، وهؤلاء لم يلازموا الزهري إلَّا مدة يسيرة فلم يمارسوا حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، كجعفر بن برقان وسفيان بن حسين السُّلمي وهم شرط مسلم.
والثالث: جماعة لزموا الزهري مثل الطبقة الأولى غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الردِّ والقبول، كمعاوية بن يحيى، وهم شرط أبي داود والنسائي.
والرابعة: قوم شاركوا الثالثة في الجرح والتعديل وتفردوا بقلَّة ممارستهم لحديث الزهري؛ لأنَّهم لم يلازموه كثيرًا وهم شرط الترمذي.
والخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلَّا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأمَّا عند الشيخين فلا. انتهى.
لكن تقدم عن الجمهور أنَّ المتابعة والاستشهاد تكونُ بالضعيف الذي لم يشتدَّ ضعفُهُ، فلعلَّ مرادَ الحازمي ذلك.
قوله: (عَلَى تَلَقِّي الصَّحِيْحَيْنِ بِالقَبُوْل)؛ أي: لأنَّهما أصحُّ الكتبِ بعد القرآن الشريف، وما روي عن الشافعي من أنَّه قال: ما أعلمُ في الأرض كتابًا أكثر صوابًا من كتاب مالك، وفي رواية عنه: ما بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك. فذلك قبل وجودهما.
وما فيهما، ولو غير متواتر، مقطوع بصحته يفيد العلم القطعي؛ لتلقي الأمة له بالقبول اللازم منه إجماعهم على صحته، كما اختاره ابن الصلاح خلافًا لمن نفى ذلك محتجًّا بأنَّه لا يفيد إلَّا الظن وإنَّما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنَّه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يُخطئ.
قال ابن الصلاح: وقد كنت أميل إلى هذا، ثم بانَ لي أنَّ الذي اخترناه هو الصحيح؛ لأن ظنَّ مَن هو معصومٌ من الخطأ لا يُخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، وقد قال إمام الحرمين: لو حلفَ إنسانٌ بطلاق امرأته أنَّ ما في الصحيحين ممَّا حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق؛ لإجماع علماء المسلمين على صحته. قال: ولو قال قائلٌ: إنَّه لا يحنث ولو لم يُجْمِعْ المسلمون على صحتهما؛ للشك في الحنث فإنَّه لو حلفَ بذلك في حديث ليس هذه صفته لم يحنث وإن كان رواته فُساقًا، فالجوابُ: أنَّ المُضاف إلى الإجماعِ هو القطع بعدم الحنث ظاهرًا وباطنًا، وأمَّا عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرًا مع احتمال وجوده باطنًا حتى تُستحب الرجعة. انتهى.
стр. 240
وصرَّح الجمهور بتقديم «صحيح البخاريِّ»، ولم يوجد عن أحدٍ التَّصريح بنقيضه وأمَّا ما نُقِلَ عن أبي عليٍّ النَّيسابوريِّ أنَّه قال: ما تحت أديم
قال البُلقيني: وقد نُقل مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي حامد الإِسْفَرَاييني والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق الشِّيْرَازي وعن السَّرَخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وابن الخَطَّاب وغيره من الحنابلة، وأكثرِ أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبةً، ومذهب السَّلف عامَّةً، بل بالغَ ابن طاهر المقدسي فألحق بهما ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه.
وقيل: يفيدُ الظن ما لم يتواترْ، كحديث غيرهما، وأيده النووي في «شرح مسلم» قال: وتلقي الأمة بالقبول لحديثهما إنَّما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقفٍ على النظر فيه، بخلاف غيرهما فلا يُعمل به حتى ينظر فيه وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنَّه كلامه ﷺ . انتهى.
ورَدَّهُ شيخُ الإسلام بأنَّ الخبر المحتف بالقرائن يُفيد العلم خلافًا لمن أبى ذلك، وما أخرجه الشيخان مما لم يبلغ عدد التواتر قد احتف بقرينة جلالتهما في هذا الشأن، وتَقَدُّمِهِما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجردِ كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، قال: وما قيل مِن أنَّهم إنَّما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ممنوع؛ لأنَّهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صحَّ ولو لم يخرجاه، فلم يبق للصحيحين في هذا مزيةٌ، والإجماع حاصل على أنَّ لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. انتهى.
قال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّلَ عليه وأرشدَ إليه. انتهى. وقال الحافظ السيوطي: وهو الذي أختارهُ ولا أعتقدُ سواه. انتهى.
واستثني من المقطوع بصحته فيهما ما تُكُلِّمَ فيه من أحاديثهما وعدة ذلك مئتان وعشرون حديثًا اشتركا في اثنين وثلاثين، واختصَّ البخاري بثمانين إلَّا اثنين ومسلم بمئة، وسيأتي للشارح كلام في ذلك قريبًا.
قوله: (بِتَقْدِيْمِ صَحِيْحِ البُخَارِي)؛ أي: فهو أصحُّ من مُسلم عند الجمهور؛ أي: المُتَّصِل فيه دونَ التعليق والتراجم، وأكثرُ فوائدَ لما فيه من الاستنباطات الفقهية والنُّكت الحكمية وغير ذلك؛ ولأنَّه أشدُّ اتصالًا وأتقنُ رجالًا كما سيبينه الشارح.
قوله: (عَنْ أَبِي عَلِي النَّيْسَابُوْرِي) هو شيخُ الحاكم.
стр. 241
السَّماء أصحُّ من كتاب «مسلم»؛ فلم يصرِّح بكونه أصحَّ من «صحيح البخاريِّ»؛ لأنَّه إنَّما نفى وجود كتابٍ أصحَّ من كتاب «مسلمٍ»؛ إذ المنفيُّ إنَّما هو ما تقتضيه صيغة «أَفْعَلَ» من زيادة صحَّةٍ في كتابٍ شارك كتاب «مسلم» في الصِّحَّة، يمتاز بتلك الزِّيادة عليه، ولم ينفِ المساواة. وكذلك ما نُقِلَ عن بعض المغاربة: أنَّه فضَّل «صحيح مسلمٍ» على «صحيح البخاريِّ»؛
قوله: (وَلَمْ يَنْفِ المُسَاوَاةَ)؛ أي: فيكون من باب قوله ﷺ : «مَا أظَّلَت الخَضْرَاءُ وَلَاْ أَقَلَّت الغَبْرَاءُ أَصْدَقُ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» هذا لا يقتضي أنَّه أصدقُ من جميع الصحابة، ولا من الصِّديق بل نفى أن يكون منهم أصدقُ منه، فيكون فيهم مَن يساويه.
وممَّا يدلُّ على أن عُرْفَهُم من ذلك الزمان ماشٍ على قانونِ اللغة: أنَّ أحمد ابن حنبل قال: ما بالبصرةِ أعلمُ -أو قال: أثبت- من بِشْرِ بن الفضل، أما مثله فعسى.
ومع ذلك فإنَّ هذا القول قد انفردَ به أبو علي المذكور فلا يُصادم إجماع الجمهور، مع اتفاق العلماء على أنَّ البخاري كان أجلَّ من مسلم في العلوم وأعرف بصناعة الحديث، وأنَّ مسلمًا تلميذه ولم يزل يستفيد منه ويتتبع آثاره حتى هجرَ من أجله شيخه محمد بن يحيى الذُّهلي في قصة شهيرةٍ.
وقال الدَّارقُطْنِي: لولا البخاري ما راحَ مسلم ولا جاءَ، وهذا كنايةٌ عن عدمِ التصرف في صناعة الحديث.
وقال الحاكم: رحم الله البخاري فإنَّه أَلَّفَ الأصولَ؛ -يعني: أصول الأحكام من الأحاديث- وبَيَّنَ للناسِ، وكلُّ مَن عملَ بعده فإنَّما أخذ من كتابه، كمسلم بن الحجاج. انتهى.
وعن الدَّارقُطْنِي أيضًا: وأيُّ شيءٍ صنع مسلم؟! إنَّما أخذ كتاب البخاري فعمل عليه مُستخرجًا وزاد فيه زيادات.
قوله: (عَنْ بَعْضِ المَغَارِبَةِ)، قيلَ: هو ابن حزم.
стр. 242
فذلك فيما يرجع إلى حسن السِّياق، وجودة الوضع والتَّرتيب، ولم يُفصِح أحدٌ بأنَّ ذلك راجعٌ إلى الأصحِّيَّة، ولو صرَّحوا به؛ لردَّ عليهم شاهد الوجود، فالصِّفات التي تدور عليها الصِّحَّة في كتاب «مسلم» أتمُّ منها في كتاب «البخاريِّ» وأشدُّ، وشرطه فيها أقوى وأسدُّ.
قوله: (فَذَلِكَ فِيْمَا يَرْجِعُ … ) إلى آخره، نقل عنه نفسه أنَّه علل ذلك بأنَّه لم يسقْ فيه بعد الخطبة إلَّا الحديث السرد؛ أي: فليس ممزوجًا بمثل ما في البخاري.
قوله: (وَجَوْدَةِ الوَضْعِ … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه يجمعُ طُرق الحديث في مكان واحدٍ بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فَسَهُلَ تناوله بخلاف البخاري، فإنَّه قطَّعَها في الأبواب بسبب استنباطه الأحكام منها، وأورد كثيرًا منها في غير مظنته، قال شيخ الإسلام: إذا امتاز مسلم بهذا فللبخاري في مقابلته من الفضل ما ضمنه في أبوابه من التراجم التي حَيَّرَت الأفكار، وأنَّه ما قرئ في شدَّة إلَّا فُرجت ولا رُكب به في مركبٍ فغرق، ولله در من قال:
قالُوْا لِمُسْلِمٍ فَضْلُ … قُلْتُ البُخَارِيُّ أَعَلى
قَالوا المُكرَّرُ فيهِ … قلتُ المُكرَّرُ أَحْلَى
وقيل: إنهما سواءٌ، وقيل: بالوقفِ.
قوله: (فِيْ كِتَابِ مُسْلِم أَتَمُّ مِنْهَا … ) إلى آخره، كذا في النُّسخ، وعليها فـ (أتمُّ) مبتدأ (أن)، وفي كتاب البخاري خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر عن قوله (فَالصِّفَاتُ) ولا يخفاكَ ما فيه من نوع التكلف.
ولو عكسَ بأن قال في كتاب البخاري أتمُّ مِنْهَا في كتاب مسلم كان أظهر.
قال في «مقدمة الفتح»: وبيانُ ذلكَ من وجوهِ: أحدها: أنَّ الذين انفردَ البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمئة وبضع وثلاثون رجلًا إلى آخر ما ذكره الشارح في الرُّجحان من حيث العدالة والضبط.
قوله: (وَشَرْطُهُ فِيْهَا أَقْوَى … ) إلى آخره؛ أي: لما سبق عن الحازمي من أنَّه لا يخرج إلَّا عن الضابط المتقن الملازم لمن أخذَ عنه الملازمة الطويلة الممارس لحديثه.
وقوله: (وَأَسَدُّ) أفعل تفضيل من السداد بالفتح، وهو الصواب من القول والفعل، قال في «المصباح»:
стр. 243
أمَّا رجحانه من حيث الاتِّصال؛ فلاشتراطه أنْ يكون الرَّاوي قد ثبت له لقاء مَنْ روى عنه ولو مرَّةً، واكتفى مسلمٌ بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريَّ بأنَّه يحتاج ألَّا يقبل المُعنعن أصلًا، وما ألزمه به فليس بلازمٍ؛ لأنَّ الراوي إذا ثبت له اللِّقاء مرَّةً لا يجري في روايته احتمال ألَّا يكون سمع؛ لأنَّه يلزم من جريانه أن يكون مدلِّسًا، والمسألة مفروضةٌ في غير المدلِّس، وأمَّا رجحانه من حيث العدالة والضَّبط فلأنَّ الرِّجال الذين تُكلِّم فيهم من رجال مسلمٍ أكثر عددًا
أسدَّ الرجل بالألف جاء بالسداد، وسَدَّ يَسد -من باب ضرب- سدودًا، أصاب في قوله وفعله، فهو سديد. انتهى.
قوله: (فَلِاشْتِرَاطِهِ)؛ أي: في الحديثِ المُعنعن، فلا يحكمُ للمُعَنْعَن بالاتصال إلَّا إذا ثبتَ اجتماع المُعَنْعِن والمُعَنْعَن عنه ولو مرةً، وهو وإنْ لم يصرحْ بذلكَ الشرط في الصحيح إلَّا أنَّه التزمه فيه وأظهره في «تاريخه» كما قاله ابن حجر، قال: وهذا ما يرجَّحُ به كتابه؛ لأنَّا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال؛ -أي: بمجرد المعاصرة- فلا يخفى أنَّ شرط البخاري أوضح في الاتصال. انتهى.
قوله: (بِمُطْلَقِ المُعَاصَرَةِ)؛ أي: فيُحكم للإسناد المُعنعن بالاتصال إذا تعاصرا وإن لم يثبت اجتماعهما إلَّا إن كانَ المعنعن مدلسًا.
قوله: (أَنْ لَاْ يَقْبَلَ المُعَنْعِنَ أَصْلًا)؛ أي: لأَنَّهُ في كلِّ حالٍ محتمل لأن لا يكونَ سمع منه فيكون مدلِّسًا؛ أي: مع أنَّه قَبِلَه وذَكَرَه في صحيحه.
قوله: (لَأَنَّهُ لَاْ يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِهِ)؛ أي: جريانِ احتمالِ عدم السماع.
وقوله: (أَنْ يَكُوْنَ) اسمُ يكون عائدٌ على الراوي و (مُدَلِّسًا) بالنصبِ خبرها؛ أي: أن يكون هذا الراوي مُدلسًا لهذا الحديث بأن يكونَ أسقطَ من سنده مَن سمع هو منه، وهذا خلافُ فرض المسألة إذ هي مفروضةٌ في غير المدلس، وإذا كان كذلك وهو عدلٌ محققُ اللقاءِ له ولم يعهدْ عليه التدليس لم يبقَ لاحتماله وجه.
قوله: (أَكْثَرُ عَدَدًا … ) إلى آخره، وذلك أنَّ الذي انفردَ البخاري بالإخراجِ لهم دون مسلم أربعمئة وبضع وثمانون رجلًا، المُتَكَلَّمُ فيه بالضعفِ منهم ثمانون رجلًا، والذي انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمئة وعشرون رجلًا، المُتكلمُ فيه بالضعف منهم مئة وستون رجلًا، ولا شكَّ أنَّ التخريج عَمَّنْ لم يتكلمْ فيه أصلًا أولى من التخريج عمَّن تُكُلم فيه، وإن لم يكن الكلام قادحًا.
стр. 244
من الذين تُكلِّم فيهم من رجال البخاريِّ، مع أنَّ البخاريَّ لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، وميَّز جيِّدها من موهومها، بخلاف مسلمٍ، فإنَّ أكثر من تفرَّد بتخريج حديثه ممَّن تكلِّم فيه ممَّن تقدَّم عصره من التَّابعين ومن بعدهم، ولا ريب أنَّ المحدِّث أعرف بحديث شيوخه ممَّن تقدَّم عنهم. وأمَّا رجحانه من حيث عدم الشُّذوذ والإعلال فلأنَّ ما انتُقِد على البخاريِّ من الأحاديث أقلُّ عددًا ممَّا انتُقِد على مسلمٍ.
وأمَّا الجواب عمَّا انتُقِد عليه؛ فاعلم أنَّه لا يقدح في الشَّيخين كونهما أخرجا لمن طُعِنَ فيه؛ لأنَّ تخريج صاحب الصَّحيح لأيِّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحَّة ضبطه وعدم غفلته، لا سيَّما وقد انضاف
قوله: (بَلْ غَالِبُهُم … ) إلى آخره، لو أضربَ عن هذا الإضراب وقال: (وغالبهم … ) إلى آخره، لكانَ أظهرَ، كما فعل في «مقدمة الفتح» و «شرح التقريب».
والمعنى أنَّه مع كونه لم يكثرْ من تخريج أحاديث من تُكُلِّمَ فيه، فأكثرُ مَن خرَّج عنه منهم شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم فكان أدرى بهم من غيره، بخلاف مسلم فإنَّ أكثرَ مَن تفرَّدَ بالتخريج عنه ممَّن تُكُلِّم فيه ليس ممَّن اجتمع به، بل ممَّن تقدم عصره.
قوله: (مِنَ الأَحَادِيْثِ)؛ أي: التي خرَّجها، وفيها شذوذ وإعلال.
وقوله: (أَقَلُّ عَدَدًا … ) إلى آخره، وذلك أنَّ ما أخرجه الشيخان من ذلك نحو مئتي حديث وعشرة أحاديث، اختصَّ البخاريُّ منها بأقلَّ من ثمانين، ولا شكَّ أنَّ ما قلَّ الانتقاد فيه أرجحُ مما كَثُرَ.
قوله: (عَمَّا انْتُقِدَ عَلَيْهِ)؛ أي: عن الأحاديث التي انتقدها عليه نقادُ الحفاظِ كالدَّارَقُطْنِي وغيره، قال النووي في مقدمة «شرح مسلم»:
فصل: قد استدركَ جماعةٌ على البخاري ومسلم أحاديث أَخَلَّا فيها بشرطهما، ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد أَلَّفَ الدَّارَقُطْنِي في ذلك وأبو مسعود الدمشقي وأبو علي الغَسَّاني، وقد أجيبُ عن ذلك أو أكثره. انتهى.
وقال في «مقدمة الفتح»: قد استدركَ الدَّارَقُطْنِي على البخاري أحاديثَ طعنَ في بعضها، وذلك
стр. 245
إلى ذلك إطلاق (١) الأمَّة على تسميتهما بالصَّحيحين، وهذا إذا خرَّج (٢) له في الأصول، فإن خرَّج له في المتابعات والشَّواهد والتَّعاليق فتتفاوت درجات من أخرج له في الضَّبط وغيره، مع حصول اسم الصِّدق لهم، فإذا وجدنا مطعونًا فيه فذلك الطَّعن مقابلٌ لتعديل هذا الإمام، فلا يُقبَل التَّجريح إلَّا مفسَّرًا بقادحٍ يقدح فيه،
الطعن مبني على قواعدَ لبعض المحدثين ضعيفة جدًا، مخالفةٍ لما عليه جمهور أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا يغترُّ بذلك. وقوله فِيْ «شَرْحِ مُسْلِمٍ»: وقد أجيبَ عن ذلك أو أكثره. هو الصواب، فإنَّ منها ما الجواب فيه غير منتهض، ولو لم يكن في ذلك إلَّا الأحاديث المُعلَّقَةُ التي لم تتصل من وجهٍ آخر، لا سيما إن كان في بعض رجالها المذكورين مَن فيه مقالٌ، إلَّا أنَّ الجواب عن ذلك سهلٌ؛ لأنَّ موضوع الكتابين إنَّما هو المُسندات، والمُعلق ليس بمسندٍ، وإنَّما يُذكر استئناسًا واستشهادًا، وحينئذ فيبقى الكلام فيما عُلِّلَ من الأحاديث المسندة، وعِدَّةُ ما اجتمع من ذلك في البخاري وإن شاركه مسلم في بعضه مئة (٣) وعشرة أحاديث، وسيأتي الجواب عنها، وافقه مسلم في اثنين وثلاثين منها.
قوله: (إِطْلَاقُ الأُمَّةِ) كذا في نُسختنا، فإن لم تكن محرَّفة عن (إطباق)، أو مضمنة معناها، وإلَّا فـ (على) مِنْ قَوْلِهِ: (عَلَى تَسْمِيَتِهَا) زائدةٌ.
قوله: (وَهَذَا … ) إلى آخره؛ أي: كونُ تخريجهِ لأيِّ راوٍ مُقْتَضٍ لعدالتهِ عندهُ.
قوله: (مَنْ أَخْرَجَ لَهُ)؛ أي: من الرواةِ، فقد تقدَّمَ أنَّه يدخلُ في المتابعاتِ والشواهد الضعفاء؛ لأنَّها ليست من موضوع الكتاب، وإنَّما لا يكون ضعفهم شديدًا، وهو معنى قوله (مَعَ حُصُوْلِ اسْمِ الصِّدْقِ لَهُم).
قوله: (مَطْعُوْنًا فِيْهِ)؛ أي: ممنْ خرَّجَ له في الأصول.
وقوله: (مُقَابِلٌ لِتَعْدِيْلِ هَذَا الإِمَامِ)؛ أي: اللازمُ لتخريجهِ لهُ، والتعديلُ مقدَّمٌ على الجرح المبهم الغير المفسر، ومحل قولهم: (الجرح مقدَّم على التعديل) إن كان مُفسرًا بما ذكره الشارح، فيكون تخريجُ مثل المصنفِ له إيذانًا بعدم الالتفات إلى جَرْحِهِ هذا، وأنه ثقةٌ مقبولٌ.
قوله: (يَقْدَحُ فِيْهِ)؛ أي: في عَدَالَتِهِ مثلًا.
стр. 246
أو في ضبطه مُطلَقًا، أو في ضبطه لخبرٍ بعينه؛ لأنَّ الأسباب الحاملة للأئمَّة على الجرح متفاوتةٌ، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
وقد كان أبو الحسن المقدسيُّ يقول في الرَّجل الذي يُخرَّجُ عنه في «الصَّحيح»: هذا جاز القنطرة؛ يعني: أنَّه لا يُلتَفت إلى ما قِيلَ فيه. وأمَّا الأحاديث التي انتُقِدت عليهما فأكثرها لا يقدح في أصل موضوع الصَّحيح، فإنَّ جميعها واردةٌ من جهةٍ أخرى، وقد عُلِمَ أنَّ الإجماع واقعٌ على تلقِّي كتابيهما بالقبول والتَّسليم، إلَّا ما انتُقِد عليهما فيه. والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال.
أنَّه لا ريب في تقديم الشَّيخين على أئمَّة عصرهما ومن بعده في معرفة الصَّحيح والمُعلَّل (١)،
قوله: (مُطْلَقًا)؛ أي: في جميع رواياته.
قوله: (وَمِنْهَا مَا لَاْ يَقْدَحُ)؛ أي: فيُظنُّ قادحًا وليس كذلك كما تقدمَ تفصيله، فلذا كان الجرح غير مقبولٍ إلَّا مفسرًا.
قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيْثُ … ) إلى آخره، هذه عبارةٌ غير ظاهرةٍ من وجوه:
الأول: أن مُرَادَهُ (وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ الأَحَادِيْثِ … ) إلى آخره، كما هو الظاهرُ فيتكرر مع سابقه.
والثاني: أن قَوْلَهُ (فَإِنَّ جَمِيْعَهَا … ) إلى آخره، الظاهرُ أنَّه تعليلٌ لقوله: (فَأَكْثَرُهَا لَاْ يَقْدَحُ … ) إلى آخره، الذي جعلهُ جوابَ الشرطِ فيكونُ هو الجواب عن الانتقاد له، وهو مع ما فيه ممَّا يتضح لك من عبارة «الفتح» غير مُلائمٍ له إذ المعلَّل الأكثر، وعلى ظاهر عبارته فلا يجري إلَّا لو كان النقدُ من حيث عدمُ الورودِ من جهة أخرى في الجميع، وما ذلك إلَّا في البعض فضلًا عن الأكثر.
والثالث: قوله: (إِلَّا مَا انْتُقِدَ عَلَيْهِمَا فِيْهِ) فإنَّ الظاهر من عبارته أنَّ قوله قبل (وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الإِجْمَاعَ … ) إلى آخره، تتمةٌ للجوابِ عمَّا انتقد فما معنى استثناء (ما انتُقِدَ) في الجواب عما انتُقِدَ.
والرابع: أنَّ قوله بعد: (وَالجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ) بعد قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيْثُ … ) إلى آخره، على ما سمعتَ من أنَّ المراد (وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ الأَحَادِيْثِ … ) إلى آخره، وعبارةُ «الفتح» سليمةٌ من ذلك كلِّهِ، ونَصُّهَا.
الفصل الثامن: في سياقِ الأحاديثِ التي انتقدها عليه حافظُ عصره أبو الحسن الدَّارَقُطني وغيره
стр. 247
وقد روى الفَِرَبْريُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: ما أدخلت في الصَّحيح حديثًا إلَّا بعد أن استخرتُ الله تعالى وتثبَّتُّ (١) صحَّته، وقال مكِّيُّ بن عبدان: كان مسلمٌ يقول: عرضتُ كتابي على أبي زُرعة، فكلُّ ما أشار إليَّ أنَّ له علَّةً تركته.
فإذا عُلِمَ هذا، وتقرَّرَ أنَّهما لا يخرِّجان من الحديث إلَّا ما لا علَّة له، أو له علَّةٌ إلَّا أنَّها غير مؤثِّرةٍ، وعلى تقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون كلامه معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.
وأمَّا من حيث التَّفصيل؛ فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما تنقسم إلى ستَّة أقسامٍ:
من النقاد، وسياقُ ما حضر من الجواب عنه، وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أنَّ هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يَقدح في أصل موضوع الكتاب، فإنَّ جميعها واردٌ من جهة أخرى وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإنَّ هذه المواضع متنازعٌ في صحتها فلم يحصل لها مِن التلقي ما حصل لمُعظم الكتاب. انتهى.
فها أنت ترى العبارة في منزعٍ آخر، وهو أنَّ الجواب عن هذه الأحاديث وإن كان مُسَلَّمًا من حيثيةٍ فهو غير مُسَلَّمٍ من أخرى، وترى قوله فيها: (فَإِنَّ جَمِيْعَهَا … ) إلى آخره، عِلَّةً لقوله: (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا) وجوابُ الشَّرط قوله: (فَإِنَّ هَذِهِ المَوَاضِعَ … ) إلى آخره، فتأملْ.
قوله: (الفرَبْرِيُّ) بفاء مكسورة أو مفتوحة على ما في «القاري على الشفاء»، فراء مفتوحة فموحدة ساكنة فراء مكسورة، تلميذُ المُصَنِّفِ.
قوله: (إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ)؛ أي: عندهما، وقد كان الذُّهْلِي يقولُ: أعلم أهل عصره بعلل الحديث الزهري (٢)، وقد استفادَ منه ذلك الشيخان جميعًا.
قوله: (وَعَلَى تَقْدِيْرِ … ) إلى آخره، عبارة «الفتح»: فإذا عُرِف وتقرر أنَّهما لا يُخرجان من الحديث إلَّا ما لا علةَ له، أو له علة إلَّا أنها غيرُ مؤثرةٍ عندهما، فبتقدير توجيه كلام (مَنْ انْتَقَدَ عَلَيْهِمَا يَكُوْنُ مُعَارَضًا … ) إلى آخره.
стр. 248
أوَّلها: ما تختلف الرُّواة فيه بالزِّيادة والنَّقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الحديث الصَّحيح الطَّريق المزيدة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق النَّاقصة؛ فهو تعليلٌ مردودٌ؛ لأنَّ الرَّاوي إن كان سمعه من الطريق النَّاقصة؛ فهو منقطعٌ، والمنقطع من قسم الضَّعيف، والضَّعيف لا يُعِلُّ الصَّحيحَ، وإن أخرج صاحب الصَّحيح الطَّريق النَّاقصة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق المزيدة؛ تضمَّن اعتراضه دعوى انقطاعٍ فيما صحَّحه المصنِّف، فينظر إن كان مدلِّسًا من طريقٍ أخرى،
قوله: (مَا تَخْتَلِفُ فِيْهِ الرِّوَايَةُ) عبارةُ «مقدمة الفتح»: (الرواة) بدون ياء، وهي أظهرُ.
قوله: (صَاحِبُ الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ) الذي في المقدمة المذكورة: (صاحب الصحيح) بحذف لفظ (الحديث) وهو أولى، والمرادُ بصاحب الصحيح أحدُ الشيخين لدلالةِ السِّيَاقِ.
قوله: (وَعَلَّلَهُ النَّاقِض … ) إلى آخره؛ أي: كما في حديث ابن جريج، إذ أخرجاه عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه وعمهِ عُبيد الله بن كعب، عن كعب: «أَنَّ النَّبِي ﷺ كان إِذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ … » الحديث.
قال الدَّارقطني: خالفَ فيه ابنُ جُريج مَعْمَرًا، فقال: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال: ورواية ابن جُرَيْجٍ أصحُّ ولا يضرهُ من خالفه. انتهى.
قال ابن حجر: قول مَعْمَر وغيره: (عبد الرحمن بن كعب) يُحمل على أنَّه منسوب إلى جده فتكونُ روايتهم منقطعةً، وهذا الجوابُ صحيحٌ من الدَّارَقُطْني في أنَّ الاختلافَ في مثلِ هذا لا يضرُّ.
قوله: (إِنْ كَانَ سَمِعَهُ من الطَّرِيْقِ النَّاقِصَةِ … ) إلى آخره، في العبارةِ تصرفٌ بنقصٍ مُخِلٍّ، وأصلها: (لأنَّ الراوي إن كان سمعه) فالزيادةُ لا تضر؛ لأنَّه قد يكون سمعهُ بواسطةٍ عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كانَ لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطعٌ … إلى آخره، ثم مَثَّلَ لهذا؛ -أعني: لما لم يسمعه- بحديث الأعمش، عن مُجَاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرينِ عندهم.
قوله: (إِنْ كَانَ مُدَلِّسًا)؛ أي: هذا الراوي.
وقوله: (مِنْ طَرِيْقٍ أُخْرَى)؛ أي: غيرِ هذه، مع كونه صرَّحَ في هذه بالسماع، وقد اختصر الشارح
стр. 249
فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض به، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا؛ فمُحصَّل الجواب عن صاحب الصَّحيح أنَّه إنَّما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ وعاضدٌ، وما حفَّته قرينةٌ في الجملة تقوِّيه، ويكون التَّصحيح وقع من حيث المجموع، وفي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» من ذلك حديث الأعمش عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ في قصَّة القبرين: «وأنَّ أحدهما كان لا يستبرئ من بوله»، قال الدَّارقطنيُّ: خالف منصورٌ، فقال: عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ،
عبارة المقدمة فأوهم لولا ما قررناه، وأصلُ العبارة: فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك مَن روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح بالسماع إن كان مُدلسًا من طريق أخرى، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ … إلى آخره.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ)؛ أي: كونُ الراوي غيرَ مدلِّس أو مدلِّسًا صرح بالسماع بأن كان مدلِّسًا لم يصرحْ بالسماع فيكونُ الانقطاع حينئذٍ ظاهرًا كما قال، وقد مَثَّلَ لذلك الدَّارَقُطْنِي بحديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «إِذَا صَلَّيْتِ الصُّبْحَ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّوْنَ … » الحديث، فهذا منقطعٌ، وقد وصلهُ حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سَلَمَةَ، ووصله مالك، عن أبي الأسود، عن عروة كذلك في «الموطأ»، وهو عند المصنف في هذا المكان مقرونٌ بحديث أبي مروان، وقد وقع في بعض النُّسخ -وهي رواية الأَصيلي- في هذا عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولًا، لكن معظم الروايات على إسقاط زينب، وهو الصحيح المحفوظُ من حديث هشام، وإنَّما اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبتَ فيها ذكرَ زينب، ثم ساقَ معها رواية هشام التي سقطتْ منها حاكيًا للخلاف فيهِ على عروةَ كعادتِهِ، مع أنَّ سماعَ عُروة من أم سَلَمَةَ ليسَ بِمُسْتَبْعَدٍ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا اختلفت فيه الرواة بالزيادة والنقص.
قوله: (خَالَفَ مَنْصُوْرٌ … ) إلى آخره؛ أي: فأسقطَ طَاوِسًا.
стр. 250
وأخرج البخاريُّ حديث منصورٍ على إسقاطه «طاوسًا». انتهى. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في «الطَّهارة» [خ¦٢١٨] عن عثمان ابن أبي شيبة عن جريرٍ، وفي «الأدب» [خ¦٦٠٥٢] عن محمَّد بن سلَامٍ عن عَبِيْدة بن حميدٍ، كلاهما عن منصورٍ به، ورواه من طرقٍ أخرى من حديث الأعمش، وأخرجه باقي الأئمَّة السِّتَّة من حديث الأعمش أيضًا، وأخرجه أبو داود أيضًا والنَّسائيُّ وابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» من حديث منصورٍ أيضًا، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ؛ يعني: المتضمِّن للزِّيادة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا في التَّحقيق ليس بعلَّةٍ؛ لأنَّ مجاهدًا لم يُوصَف بالتَّدليس، وسماعه من ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقنُ من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث كيفما دار دارَ على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار كان متَّصلًا، فمثل هذا لا يقدح في صحَّة الحديث إذا لم يكن راويه مدلِّسًا، وقد أكثر الشَّيخان من تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدَّارقطنيُّ انتقاده.
ثانيها: ما تختلف الرُّواة فيه بتغيير بعض الإسناد، فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الرَّاوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنِّف ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون متعادلين في الحفظ والعدد، كما في «البخاريِّ» في «بدء الخلق» من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصورٍ جميعًا عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في غارٍ فنزلت ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾» [خ¦٣٣١٧]، قال الدَّارقطنيُّ: لم يتابع إسرائيل عن الأعمش عن علقمة، أمَّا عن منصورٍ فتابعه شيبان عنه، وكذا رواه مغيرة عن إبراهيم عنه.
قوله: (عَنْ عَبِيْدَةَ) بفتح المهملة وكسر الموحدة، فإنَّ عُبَيْدَةَ كُلُّهُ بالضم إلَّا أربعةٌ ذكرناهم في «رضاب المرتشف» منهم ابن حميد هذا.
قوله: (فَإِنْ أَمْكَنَ … ) إلى آخره، شرعَ في الجوابِ عن ذلكَ.