← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30013

نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني - ط عطاءات العلم

عبد الهادي نجا الأبياري

Полный текст (348 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والمرفوع: ما أُضيف إلى النَّبيِّ ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، متَّصِلًا كان أو منقطعًا، ويدخل فيه المُرسَل، ويشمل الضَّعيف. وجزمَ به شيخ الإسلام، ثم قال: والقائل به لَحَظَ الفرق بينه وبين المتصل والمرفوع من حيث إنَّ المرفوع يُنْظَرُ فيه إلى حال المتن وهو إضافته؛ -أي: نسبته- إلى النَّبيِّ ﷺ دون الإسناد من أنَّه متصل أو لا، والمُتَّصِلُ يُنْظَرُ فيه إلى حال الإسناد وهو سماعُ كل راوٍ ممَّن يروي عنه دون المتن من أنَّه مرفوع أو لا، والمسند ينظر فيه إلى الحالين معًا فيجمع بين شرطي الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كلٍّ من المرفوع والمتصل عموم وخصوص مطلق، وكلُّ مسند مرفوع متصل ولا عكس، وحاصل ما ذكر أنَّ الحاكم جعل المُسند مركبًا من صفاتهما معًا، وابن عبد البر جعله من صفات المتن، فإذا قيل: هذا حديثٌ مسندٌ، علمنا أنَّه مضاف للنَّبيِّ ﷺ ، ثم قد يكون مرسلًا أو مُعضلًا إلى غير ذلك، والخطيب الذي تبعه الشارح جعله من صفات المتن أيضًا، لكن لحظَ فيه صفة السند فجعلها المقصودة بالذات وألغى النظر عن اعتبار المتن، فإذا قيل: هذا حديث مسند، علمنا أنَّه متصلٌ، ثم قد يكون مرفوعًا وموقوفًا إلى غير ذلك، قال السيوطي: وقول الحاكم هو الأصح. انتهى. قال الحاكم: وشرط المسند أن لا يكون في إسناده (أُخبرت عن فلان) ولا (حُدثت) ولا (بلغني عن فلان) ولا (أظنُّه مرفوعًا) ولا (رفعه فلان). قوله: (والمَرْفُوْعُ) سُمِّيَ بذلك لارتفاع رتبته بإضافته إلى النَّبيِّ ﷺ . قوله: (مَا أُضِيْفَ إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: سواءٌ أضافه صحابي أو غيره ولو منا الآن، فيدخل فيه المسند والمتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، دون الموقوف والمقطوع، هذا هو المشهور. وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعله ﷺ فأخرج بذلك المُرسل، لكن قال ابن الصلاح: مَنْ جعل المرفوع في مقابلة المرسل؛ أي: حيث يقولون مثلًا (رفعه فلان وأرسله فلان) فقد عُني بالمرفوع المتصل لا مُطلق مرفوع، فهو مرفوع مخصوص لما مرَّ من أنَّ المرفوع أعمُّ من المتصل والمرسل، والإضافة إلى النَّبيِّ ﷺ أعمُّ من أن تكون صريحًا أو حكمًا قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو صفةً. مثال المرفوع صريحًا من القول قول الراوي مطلقًا قال النبي ﷺ كذا. ومثاله حكمًا قول الصحابي في المتعلق بالأمور الماضية كبدء الخلق، أو المستقبلة كأشراط الساعة لما يأتي من أنَّ مثل هذا لا يقوله الصحابي إلَّا عن توقيف.

стр. 72

و الموقوف: ما قُصِرَ على الصَّحابيِّ قولًا أو فعلًا ولو منقطعًا، ومثال المرفوع صريحًا من الفعل قول الصحابي: فَعَلَ النَّبيُّ كذا ورأيته يفعل كذا. ومثاله حكمًا أن يفعل الصحابي ما لا مجال للرأي فيه، فَيُنَزَّل على أن ذلك عنده عن النَّبيِّ ﷺ كالقَصْر والفِطر الواقعين من ابن عمر وابن عباس في أربعة بُرُدٍ. ومثال المرفوع صريحًا من التقرير أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ، أو: فُعِلَ بحضرة النَّبيِّ ﷺ كذا، ويذكر عدم إنكاره لذلك. ومثاله حكمًا حديث المغيرة بن شعبة: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَقْرَعُوْنَ بابه بِالأَظَافِيْرِ» فإنَّه مستلزم لاطِّلاعه ﷺ على ذلك وإقرارهم عليه. ومثال المرفوع صريحًا من الصفة أن يقال: «كَانَ النبي ﷺ أَبْيَضَ اللَّوْنِ رَبْعَةً» مثلًا. ومثالها حكمًا قول الصحابي: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِيْنا عن كذا، أو من السُنَّة كذا؛ لظهور أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَعلَ ما ذُكر، والفعلُ صفةٌ لفاعله. قوله: (عَلَى الصَّحابي) سيأتي تعريفه وما تثبت به الصحبة، والتقييد بالصحابي إنَّما هو بالنظر للإطلاق، وإلَّا فيستعمل في غيره مقيدًا، فيُقال: موقوف على عطاء أو على الزهري، أو وقفه فلان على مجاهد أو الثوري أو غيرهما من التابعين. قوله: (قَوْلًا أَوْ فِعْلًا)؛ أي: له كما في بعض النسخ، وكان الأولى التعبير بالواو بدل (أو) في قوله: (أو فعلًا) فيه وفيما قبله؛ لأنَّها تُفيد الجمع، ولا شكَّ أنَّ كلًّا من القول والفعل مجتمع فيما أُضيف لمن ذكر، وكلمةُ (أو) تقتضي خلاف ذلك؛ لأنَّها لأحد الشيئين أو الأشياء، وهذا مُطَّرِدٌ في كلِّ ما كان من تقسيم الكلي إلى جزئياته كالكلمة اسم وفعل وحرف، أما ما كان من تقسيم الكل إلى أجزائه نحو: (الحصير: خَيْطٌ وسَمُرٌ) فتتعين الواو، فاحفظه. ومحل كون ما قُصر على الصحابي موقوفًا إذا خلا عن قرينة الرفع، أما لو وجدت فيه قرينة الرفع بأن لم يكن للرأي فيه مجالٌ فهو في حكم المرفوع، وإن احتمل أخذ الصحابيِّ له عن أهل الكتاب تحسينًا للظن به، كما سبق من الإخبار بالأمور الماضية والآتية، وكما في قول البخاري: «كان ابن عمر وابن عباس يُفطران ويقصران في أربعة بُرُدٍ»؛ لأنَّ مثل ذلك لا يُفعل من قبل الرأي، ثم مثل القول والفعل التقريرُ كما أفادهُ الحافظ ابن حجر.

стр. 73

وهل يُسمَّى أثرًا؟ نعم؛ ومنه قول الصّحابيِّ: «كنا نفعل» ما لم يُضفه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فإن أضافه إليه نحو قول جابرٍ: «كنَّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ » فمن قَبِيلِ المرفوع، وإن كان لفظه موقوفًا؛ لأنَّ غرضَ الرَّاوي بيانُ الشَّرع قوله: (نَعَم)؛ أي: عند فقهاء خراسان، فيسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر لما سبق، وفي «شرح النخبة»: يُقال للموقوف والمقطوع: الأثر، قال النووي: وعند المحدثين كل هذا يُسمى أثرًا؛ لأنَّه مأخوذ من أَثَرْتُ الحديثَ؛ أي: رويته. قوله: (وَمِنْهُ قوْلُ الصَّحَابِيِّ … ) إلى آخره؛ أي: سواءٌ قاله في حياته ﷺ أو بعدها. وقوله: (كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا)؛ أي: أو نقول، أو نرى كذا. وقوله: (ما لم يضفه إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: إلى زمنه، كأنْ يقول: كنا نفعل كذا في زمن النَّبيِّ ﷺ ، وما ذهب إليه الشارح مِن أنَّ ما لم يُضف له ﷺ من الموقوف، هو ما حكاه النووي في «شرح مسلم» عن الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وأطلق الحاكم والرازي والآمدي أنَّه مرفوع، وقال ابن الصبَّاغ: إنَّه الظاهر، ومثَّله بقول عائشة «كَانَتْ اليَدُ لَا تُقْطَعُ فِيْ شَيءٍ مِنَ التَّافِهِ»، وحكاه النووي في «شرح المهذب» أيضًا عن كثير من الفقهاء، ثم قال: وهو قوي من حيث المعنى. وصحَّحه العراقي وشيخ الإسلام. قوله: (لِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي … ) إلى آخره؛ أي: ولأنَّ ظاهرَ ذلك مُشْعِرٌ بأنَّ رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأَقَرَّهُم عليه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمور دينهم، وتقريرهُ ﷺ أحد وجوه السنن المرفوعة. قوله: (بَيَانُ الشَّرْعِ)؛ أي: لا اللغة ولا العادة، والشرعُ يُتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمراد جابر بقوله: (كنا نعزل … ) إلى آخره، أنَّ العزل جائز شرعًا لفعلهم إياه في زمنه ﷺ مع إقراره إياهم عليه، وإقْرَارُه ﷺ حكمٌ شرعيٌّ، وكذا قول الصحابي: أُمِرْنَا بكذا، إذ لا يصحُّ أن يُريد بقوله: (أُمرنا)؛ أي: أمرنا الكتابُ؛ لكون ما في الكتاب مشهورًا يعرفه الناس، ولا الإجماع؛ لأنَّ المتكلم بذلك من أهل الإجماع ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس؛ إذ لا أمر فيه، فتعيَّن كون المراد أَمْرُ الرسول ﷺ ؛ ولأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَن له الأمر والنهي، ويجب اتباع أمره، وذلك هو الرسول ﷺ .

стр. 74

وقِيلَ: لا يكون مرفوعًا. وقول الصَّحابيِّ: «من السُّنّة كذا» أو «أُمِرْنا»؛ بضمِّ الهمزة، أو «كنَّا نُؤمَر» أو «نُهِينا» أو «أُبِيحَ» فحكمه الرَّفع أيضًا، قوله: (وَقِيْلَ لَاْ يَكُوْنُ مَرْفُوْعًا)؛ أي: بل موقوفٌ، وهو قول الإسماعيلي، وهو بعيدٌ جدًا، والأول هو الصحيح الذي قطع به الجمهور من أهل الحديث والأصول، وفَصَّلَ بعضهم فقال: إنْ كان هذا الفعل ممَّا لا يخفى غالبًا كان مرفوعًا، وإلَّا كان موقوفًا. قال في «شرح التقريب»: ومحل ذلك الخلاف ما لم يكن في القصة تصريحٌ باطِّلاعه ﷺ ، وإلَّا فمرفوع إجماعًا، كقول ابن عمر: «كُنَّا نَقُوْلُ وَرَسْوْلُ الله ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُوْلُ الله ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ»، رواه الطبراني. قوله: (مِنَ السُّنَّةِ كَذَا)؛ أي: كقول علي ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الكَفِّ عَلَى الكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» رواه أبو داود. وقوله: (أَوْ أُمِرْنَا)؛ أي: بكذا، كقول أم عطية: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ في الْعِيدِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَأُمِرَ الْحُيَّضُ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ»، أخرجه الشيخان. وقوله: (أَوْ نُهِيْنَا)؛ أي: كقولها: «نُهِيْنَا عن اتِّبَاعَ الجَّنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا»، أخرجه الشيخان أيضًا. فكلُّ ذلك حكمه الرفع على الصحيح؛ لأنَّهم إذا أطلقوا السنة فمرادهم سنة النبي ﷺ ، ولا نظر لما قيل: يحتمل أن يكون المراد سنة غيره فإنَّه بعيد، والأصل الأول. وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعًا فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ، فمدفوعٌ بأنَّهم تركوا ذلك تورعًا واحتياطًا، وكذا يُقال في احتمال أن يكون الآمر في أمرنا غيره ﷺ كالقرآن، ثم مثل قوله: (من السنة كذا) قوله: سنة أبي القاسم، أو سنة نبينا ﷺ ، أو أصبت السُنَّة، وقيل: كلُّ ذلك موقوف لما سبقَ مما علمت رَدَّهُ، ومحلُّ الخلاف إذا لم يصرِّح الصحابي بالآمر في نحو: أُمِرْنَا فإنْ صرَّح كقوله: «أَمَرَنَا رسول الله ﷺ » فلا خلاف في رفعه، إلَّا ما حُكي عن أبي داود وبعض المتكلمين أنَّه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه، وهو ضعيف، بل باطلٌ؛ فإنَّ الصحابي عَدْل عارف باللسان فلا يطلق ذلك إلَّا بعد التحقيق، وخصَّ بعضهم الخلاف أيضًا بغير الصديق، أما هو فإنْ قال ذلك فمرفوع بلا خلاف، كما ذكره الحافظ السيوطي، قال: وكذا ما كان عن أبي هريرة، قال ابن سيرين: كلُّ شيءٍ حدثتُ عن أبي هريرة فهو مرفوع. انتهى. أقول: الظاهر أنَّ هذا خاص بما جاء من طريق ابن سيرين بقرينة إسناد ذلك لنفسه.

стр. 75

كقول الصَّحابيِّ: «أنا أشبهكم صلاةً به ﷺ »، وكتفسيرٍ تعلَّق بسبب النُّزول، وحديث المغيرة: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون قوله: (كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنَا أُشْبَهُكُم … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه في قوَّةِ قوله: كان رسول الله ﷺ يصلي هكذا. قوله: (تَعَلَّقَ بِسَبَبِ النُّزُوْلِ)؛ أي: نزول الآيات القرآنية، كقول جابر: «كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ من دُبُرِهَا في قُبُلِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣]»، رواه مسلم. قال الحاكم في المستدرك: ليعلم طالب الحديث أنَّ تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مُسند. انتهى. وخَرَجَ بِما تعلَّقَ بسبب النزول ما لم يتعلق به من التفسير فهو موقوفٌ، كما روي عن أبي هريرة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، قال: (تَلْقَاهُم جَهَنَّمُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَلْفَحُهُم لَفْحَةً فَلَا تُبْقي لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ)، قال الحاكم: فهذا وأمثاله يعدُّ في تفسير الصحابة من الموقوفات. انتهى. وينبغي تقييده بغير ما يتعلق بأحوال الآخرة وغيرها مما لا يُقال من قبل الرأي، فقد ذكر في «شرح التقريب» أنَّ أحوال الآخرة والإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الرسل وكذا الآتية كالملاحم والفتن، وما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص؛ إذا جاء شيء منها عن صحابي لم يأخذْ عن أهل الكتاب فإنَّه يُنَزَّل على أنَّه سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ ، فيكون مرفوعًا، بل صَرَّحَ الرازي بأنَّ كلَّ ما جاء عن الصحابي ممَّا لا يقال من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه يُحمل على السماع كما سيأتي للشارح. قال الزركشي: ومن المرفوع حكمه؛ -أي: الصحابي- على فعلٍ من الأفعال بأنَّه طاعة لله أو لرسوله أو معصية كقوله: «من صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». انتهى. وما قاله البُلْقَيني من أَنَّهُ ليسَ بمرفوع لجواز إحالة الإثم على ما ظهرَ من القواعد، لا يظهر له رواجٌ عند التأمل، لِمَا أَقْرَّينَا به عينك من النقول وأنعمناك به من التحقيق المقبول. قوله: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُوْلُ الله ﷺ ؛ أي: فهو كقوله: كنا نفعل كذا … إلى آخره. قوله: (وَحَدِيْثُ الْمُغِيْرَةِ)؛ أي ابن شعبة، قال شيخ الإسلام: تَعِب الناس في التفتيش عليه من

стр. 76

بابه بالأظافير»، صوَّب ابن الصَّلاح رفعه، وقال الحاكم: موقوفٌ، وقول التَّابعيِّ فمن دونه: يرفعه أو رفعه أو مرفوعًا أو يَبْلُغ به أو يرويه أو يَنْمِيه -بفتح أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- أو يسنده أو يأثره؛ حديث المغيرة فلم يظفروا به. انتهى. أقول: هو مذكور في البخاري في الأدب من حديث أنس، لكن أخرجه البيهقي في المدخل عن المغيرة ثم أشارَ بعده إلى حديث أنس. قوله: (صَوَّبَ ابْنُ الصَّلَاحِ رَفْعَهُ) قال: بل هو أحرى باطِّلاعه ﷺ عليه. انتهى. والضمير في رفعه لحديث المغيرة المذكور لا كلَّ ما سبق من قوله كقول الصحابي أنا أشبهكم … إلى آخره، كما قد يُتوهم، وإلا فالحاكم قائلٌ بالرفع لا الوقف فيما تعلَّقَ بسببِ النزول كما علمت. قوله: (وَقَالَ الحاكمُ مَوْقُوْفٌ)؛ أي: حيثُ قال ليس بمسند، قال الخطيب: تأولناه على أنَّه ليس بمسند لفظًا، وإنَّما جعلناه مرفوعًا من حيث المعنى. انتهى. قوله: (يَرْفَعُهُ) هو مقولُ القول وذلك أنَّه بعد أن يذكر السند منتهيًا إلى الصحابي فمن دونه يقول ما ذكر، فالضمير في يرفعه للصحابي فمن دونه، كقول البخاري: عن ابن عباس يرفعه: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ». قوله: (أو يرويه) ومثله: رواه، بلفظ الماضي، ورواية بلفظ المصدر، كحديث الأعرج، عن أبي هريرة رواية: «تُقَاتِلُونَ قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ»، خرَّجه البخاري. قوله: (أَوْ يَنْمِيْهِ) من نَمَيْتُ الولدَ إلى أبيه نميًا: نسبته إليه، وذلك كما في «الموطأ» عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجْلُ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ

стр. 77

مرفوعٌ بلا خلافٍ، والحامل له على ذلك الشَّكُّ في الصِّيغة التي سمع بها، أَهِيَ: قال رسول الله ﷺ ، أو النَّبيُّ، أو نحو ذلك، كسمعت أو حدَّثني؟ وهو ممَّن لا يرى الإبدال، أو طلبًا للتَّخفيف وإيثارًا للاختصار، أو للشَّكِّ في ثبوته أو ورعًا، حيث علم أنَّ المرويَّ بالمعنى فيه خلافٌ، وفي بعض الأحاديث قول الصَّحابيِّ عن النَّبيِّ ﷺ : يرفعه، وهو في حكم قوله عن الله تعالى، ولو قال تابعيٌّ: «كنَّا نفعل» فليس بمرفوعٍ ولا بموقوفٍ إن لم يضفه لزمن الصَّحابة، بل مقطوعٌ. فإن أضافه لِزَمنهم احتمل الوقف؛ اليُسْرَى فِيْ الصَّلَاةِ»، قال أبو حازم: لا أعلمُ إلَّا أنَّه يَنْمِي ذلك أو يأثُره، بضم المثلثة من أثرت الحديث؛ نقلته. قوله: (مَرْفُوْع)؛ أي: مع كونه مرسلًا، فيقال: مرفوع مرسل، وإذا كان ما ذكر من التابعي مرفوعًا فمن الصحابي أولى، لكن لا يُقال له مرسل. قوله: (عَلَى ذَلِكَ)؛ أي: التعبير بالألفاظ المذكورة، دون أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، هذا جواب لما ذكره بعضهم من أنَّه إن كان مرفوعًا فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ كما سبق. قوله: (مِمَّنْ لَاْ يَرَى الإِبْدَالَ)؛ أي: إبدال لفظ النبي بالرسول أو نحوه، وإبدال لفظ سمعت بحدثني أو نحوه، فإنَّ في جواز ذلك خلافًا. قوله: (أَوْ لِلْشَكِّ فِيْ ثُبُوْتِهِ)؛ أي: عند القائل ذلك، فإنَّه لو قال: قال رسول الله ﷺ … إلى آخره، كان جازمًا برفعه فلما كان شاكًّا في ذلك نسب الرفع إلى غيره، فقال: يرفعه أو نحوه. قوله: (عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: قول الصحابي ذلك حكايةً عن النَّبيِّ ﷺ . وقوله: (وهو في الحكم … ) إلى آخره؛ أي: فهو من الأحاديث القدسية، وكذا قوله عنه ﷺ : يرويه؛ أي: عن ربه . قوله: (فَلَيْسَ بِمَرْفُوْعٍ)؛ أي: مُطلقًا، أضافه لِزَمن الصحابة أم لا. وقوله: (وَلَاْ بِمَوْقُوْفٍ إِنْ لَمْ … ) إلى آخره؛ أي: قطعًا، فقوله: (إن لم) راجعٌ لقوله: (ولا بموقوف). قوله: (فَإِنْ أَضَافَهُ … ) إلى آخره، ولو قال: كانوا يفعلون، فقال النووي في «شرح مسلم»: لا يدلُّ على فعلِ جميع الأمة بل البعض فلا حجةَ فيه إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلًا له، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف.

стр. 78

لأنَّ الظَّاهر اطِّلاعهم عليه وتقريرهم، واحتمل عدمه؛ لأنَّ تقرير الصَّحابيِّ قد لا يُنسَب إليه، بخلاف تقريره ﷺ ، وإذا أتى شيءٌ عن صحابيٍّ موقوفًا عليه ممَّا لا مجال للاجتهاد فيه؛ كقول ابن مسعودٍ: «من أتى ساحرًا أو عرَّافًا فقد كفر بما أُنزِل على محمَّدٍ ﷺ » فحكمُه الرَّفعُ؛ تحسينًا للظَّنِّ بالصَّحابة، قاله الحاكم. و الموصول -ويسمَّى المتَّصل-: ما اتَّصل سنده رفعًا ووقفًا، لا ما اتَّصل للتَّابعيِّ. نعم؛ يسوغ أن يُقال: متَّصلٌ إلى سعيد بن المسيَّب، أو إلى الزُّهريِّ مثلًا. قوله: (وَيُسَمَّى المُتَّصِل)؛ أي: والمؤتصل أيضًا، بالفك والهمز. وقوله: (مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ) قال ابن الصلاح: أي: بسماعِ كل واحد من رواته ممن فوقه إلى منتهاه، سواء كان انتهاؤه له ﷺ أو الصحابي، فخرج بقيد الاتصال المرسل والمُعْضَل والمُنْقَطع والمُعَلَّق ومُعَنْعَن المُدَلِّس -بكسر اللام- قبل تبين سماعه. وبقيد السماع الاتصال بغير السماع كاتصاله بالإجازة كأن يقول: أجازني فلان، قال: أجازني فلان، وهكذا إلى آخر السند فلا يُسمى الحديث المروي كذلك متصلًا. ودخل بالتعميم السابق المرفوعُ والموقوفُ كما ذكره الشارح بقوله (رَفْعًا وَوَقْفًا). قوله: (لَاْ مَاْ اتَّصَلَ لِلتَّابِعِيّ)؛ أي: فلا يُسمى متصلًا على الإطلاق، أما مع التقييد فجائز، واقع في كلامهم، كما قال الشارح: (نعم يَسُوْغُ أَنْ يُقَالَ: مُتَّصِلٌ إِلَى سَعِيْد … ) إلى آخره؛ أي: بالتقييد، قال

стр. 79

و المُرسَل: ما رفعه تابعيٌّ مطلقًا، أو تابعيٌّ كبيرٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، العراقي: والنكتة في ذلك؛ -أي: عدم التسمية بالاتصال مع الإطلاق- أنَّها تُسمى مقاطيع، فإطلاق المتصل عليها كالوصف لشيء واحد بمتضادين لغة. انتهى. قوله: (وَالمُرْسَل) من الإرسال، وهو الإطلاق، سُمِّي بذلك لكون التابعي أطلقه ولم يُقيد بجميع رواته، حيث لم يسمِّ مَن أرسله عنه. قوله: (مَا رَفَعَهُ)؛ أي: متنٌ رفعه التابعي إلى النَّبيِّ ﷺ ، بأن قال فيه نحو سعيد: قال رسول الله ﷺ ، وأسقط الصحابي الذي رواه عنه، أعمُّ من أن يكون المرفوع قولًا أو غيره على قياس ما مرَّ في المرفوع، وسواء كان الرفع صريحًا أم كناية؛ -أي: حكمًا كأن يكون مما ليس للرأي فيه مجالٌ- فإن سقط قبل الصحابي واحد فهو منقطع لا مرسل، أو أكثر فمعضل ومنقطع أيضًا وهذا عند المحدثين، أما الأصوليون والفقهاء فالكلُّ مرسل عندهم، وهو اختلاف في الاصطلاح لا في المعنى؛ إذ الكل لا يحتجُّ به عند الكلِّ. وقوله: (تَابِعِيٌّ مُطْلَقًا)؛ أي: سواءٌ كان التابعي كبيرًا؛ وهو: من لَقِيَ جمعًا من الصحابة وكان جلُّ روايته عنهم كسعيد بن المسيَّب وعبيد الله بن عَدي بن الخيار، أم صغيرًا، وهو من لقي واحدًا منهم كالزهري. هذا هو المشهور في تعريفه عند المحدثين. وقوله: (أَوْ تَابِعِيٌّ كَبِيْرٌ)؛ أي: وقيل: هو ما رفعه التابعي الكبير فقط، فلا يكون ما رفعه التابعي الصغير مُرسلًا بل منقطعًا؛ لأنَّ أكثر رواية مثله عن التابعين الكبار. وقيل في المرسل أيضًا: هو رواية الرجل عمَّن لم يسمع منه، وقيل: ما سقط من رواته راوٍ أو أكثر من أوله أو آخره أو بينهما كما تقدمت الإشارة إليه، فجملة الأقوال فيه أربعة. والمراد بالتَّابعي: التَّابعي ولو حُكمًا، ليشمل الصحابي الذي لم يروِ إلَّا عن التابعين بأن أسلم قبل موته ﷺ بقليل؛ بحيث رآه ولم يرو عنه، أو رآه غيرَ مميزٍ، كمحمد بن أبي بكر الصديق، فإنَّ مُرسله في حكم مراسيل التابعي؛ لأنَّ رواية هذا عن التابعين، بخلاف الصحابي الذي أدركَ وسمع، فإنَّ احتمال روايته عن التابعين بعيدٌ جدًا. ثُمَّ محلُّ كون قول التابعي مرسلًا؛ ما لم يسمع من النَّبيِّ ﷺ وهو كافرٌ ثم أسلم بعد موته أو قبله ولم يرهُ، ثم حدَّث عنه بما سمعه؛ كالتنوخي رسول هرقل، فإنَّه مع كونه تابعيًا اتفاقًا محكوم لما سمعهُ بالاتصال لا بالإرسال.

стр. 80

وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به كما عند الشَّافعيِّ ولا خلافَ في الاحتجاج به، قال الزركشي: وعليه فيلغز، ويُقال: تابعي يقول: قال النَّبيُّ ﷺ كذا وحديثه مُسند لا مرسل. انتهى. أي: ويحتجُّ به من غير خلاف لأنا إنَّما نَردُّ المُرسل لجهالة الواسطة وهي هنا مفقودة. تنبيهات: الأول: التابعي: هو مسلم لاقى صحابيًّا ومات مسلمًا ولو تخللت منه ردة، ولا يشترط فيه طول مدة كالصحابي على المعتمد فيهما. واخْتُلف في أفضل التابعين هل هو سعيد بن المسيَّب -كما عليه أهل المدينة- أو الحسن البصري -كما عليه أهل البصرة- أو أويس القرني، كما عليه أهل الكوفة؟. قال العراقي: وهو الصحيح بل الصواب؛ لحديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ له: أُوَيْسٌ». الثاني: الإِرسال نوعان: ظاهرٌ كرواية الرجل عَمَّن لم يعاصره، وخفيٌّ وهو أن يروي عمَّن عاصره ولم يعرف له منه سماع مطلقًا أو لذلك الخبر بعينه مع سماع غيره، ويعرف ذلك إما بنص بعض الأئمة عليه، أو بوجه صحيح كإخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث، ونحو ذلك كأحاديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود، فقد روى الترمذي أنَّه قيل لأبي عبيدة: هل تذكر عن عبد الله شيئًا، قال: لا، وكذلك مجيئه من وجه آخر بزيادة شخص بينهما. الثالث: إذا قال الراوي في الإسناد: فلان عن رجل أو شيخ عن فلان، فقال إمام الحرمين: هو مرسل، وجعل منه كتب النَّبيِّ ﷺ التي لم يُسَمَّ حامِلُها، وقال الحاكم: منقطع، والجمهور: أنَّه متصل في سنده مجهول. وقد روى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة إن لم يُسَمَّ ذلك الرجل. انتهى. وقال أحمد: هو حديث صحيح، وفَرَّقَ الصَّيرفي بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعنًا أو مصرِّحًا بالسماع، قال: وهو حسن متجه، وكلام مَن أطلق قبوله محمول على هذا التفصيل. قوله: (عِنْدَ الشَّافِعِيِّ)؛ أي: وأحمد ومالك في أحد قوليهما.

стр. 81

والجمهور، واحتجَّ به أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد في المشهور عنه، فإن اعتُضِدَ بمجيئه من وجهٍ آخر مسندًا، وقوله: (وَالجُمْهُوْر)؛ أي: جمهور المحدثين وكذا عند كثير من الفقهاء والأصوليين، وذلك للجهلِ بحال الساقطِ فيحتمل أن يكون غير صحابي؛ لأن أكثر رواية التابعين بعضهم عن بعض، وحينئذ احتمل أن يكون ضعيفًا، ولو اتفق أن الذي أرسله كان لا يروي إلَّا عن ثقة فإنَّ التوثيق في المُبْهَمِ غيرُ كافٍ، وإذا كان المجهول المُسمى غير مقبولٍ فالمجهول عينًا وحالًا أولى، قال السيوطي: ولهذا لم يُصَوَّبْ قولُ من قال: المرسل ما سقط منه الصحابي؛ إذ لو عُرِفَ أنَّ الساقطَ صحابيٌّ لم يُرَدَّ؛ لأنَّهم كلهم عدول. انتهى. وحينئذ فقول متن البيقوني: ومرسلٌ منهُ الصحابيُّ سقطَ … ... … ... ليسَ على ما ينبغي، وعبارة شارحنا خالية عن ذلك إذ لم يتعرض فيها للساقط. قوله: (فِيْ المَشْهُوْرِ عَنْهُ)؛ أي: عن أحمد، وقد علمت أنَّ له قولًا آخر بعدم الاحتجاج به كالشافعي، وكذا الإمام مالك، فلو قال الشارح في المشهور عنهما لكان أحسن. قال البقاعي: واحتجاج مالك وغيره بالمرسل مقيَّدٌ بأن يكون التابعي لا يروي إلَّا عن الثقات فقط، فإن كان ممَّن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات فلا خلاف في رَدِّهِ. انتهى. وهو منقول عن ابن عبد البر. وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية إذا كان مرسِلُه من أهل القرون الثلاثة الفاضلة؛ لحديث: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ»، ورُدَّ بأنَّ الحديث محمول على الغالب، وإلَّا فقدْ وُجِدَ في القرنين من هو متصفٌ بالصفات المذمومة. قوله: (مُسْنَدًا) صوَّر الرازي وغيره من أهل الأصول المسنَد العاضد بأن لا يكون مُنْتَهِضَ الإسناد ليكون الاحتجاج بالمجموع، وإلَّا فالاحتجاج حينئذ بالمسنَد فقط ولا حاجة للمرسَل.

стр. 82

أو مرسلًا أخذ مُرسِله العلم عن غير رجال المُرسَل الأوَّل؛ احتُجَّ به، ومن ثمَّ احتجَّ الشَّافعيُّ بمراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأنَّها وُجدت مسانيدَ من وجوهٍ أُخر. قوله: (العِلمَ)؛ أي: هذا الحديث أو ما أُخذ منه. وقوله: (عَنْ غَيْر رِجَالِ المُرْسَلِ الأَوَّلِ)؛ أي: كما ذكره الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيَّب: «أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ». فهذا مثال المرسل، ومثال المُعضِّد له ما رواه البيهقي من حديث الحسن، عن سَمُرَة بن جُنْدُب، عن النَّبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ». فاختلفوا في سماع الحسن من سَمُرَة، فمنهم مَن أثبته وحينئذ فيكون مثالًا لما له شاهدٌ مسند، ومنهم من لم يُثبته وحينئذ فيكون مثالًا للمرسل الآخر الذي أخذ مُرْسِلُهُ العلمَ عن غير رجال المرسِل الأوَّل. قوله: (احْتُجَّ بِهِ)؛ أي: عند أولئك الذين منعوا الاحتجاج به؛ أي: أَنَّهم لم يمنعوا الاحتجاج به مطلقًا، بل ما لم يعتضد بما ذكر، فإن تعضَّد احتجَّ به عندهم، وتبين بذلك صحة المرسل، وأنَّهما؛ أي: المرسل وما عضده صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق واحدة رجحناهما عليه إذا تعذر الجمع بينهما، وبهذا مع ما قبله يندفعُ ما يُقال: إذا اعتضد المرسل بمسند فالعمدة على المسند في الحجة ولا حاجة للمرسل. وحاصلُ الجواب: أنَّ ذلك المسند إما أن لا يكون بمفرده حجة بأن كان لا ينتهض إسناده فيكون الاحتجاج حينئذ بالمجموع إذ المُسند وحده حينئذ غير صالحٍ للاحتجاج، وإما أن يكون حجةً بانفراده فيكون دليلًا برأسه، والمُرسل حينئذ يعتضد به فيصير دليلًا آخر فيرجح بهما عند معارضة حديث صحيح واحد. قوله: (لأَنَّهَا وُجِدَتْ مَسَانِيْدَ)؛ أي: ولجمعها بقية الشروط المُعتبرة عنده، وهي كما قاله النووي كون المرسِل من كبار التابعين، وكونه إذا سَمَّى مَن أرسل عنه سمَّى ثقةً، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وأن يوافق قول صحابي، أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه، أو يكون منتشرًا عند الكافة، أو يوافقه فعل أهل العصر، فما اشتهر عن الشافعي أنَّه لا يحتج بالمرسل إلَّا مراسيل سعيد بن المسيب هو على إطلاقه غلطٌ، بل يحتج بالمرسل بالشروط المذكورة مطلقًا، ولا يحتج بمرسل سعيد إلَّا بها.

стр. 83

قال النَّوويُّ: إنَّما اختلف أصحابنا المتقدِّمون في معنى قول الشَّافعيِّ: إرسال سعيد بن المسيَّب عندنا حسنٌ على قولين؛ أحدهما: أنها حجَّةٌ عنده، بخلاف غيرها من المراسيل؛ لأنَّها وُجِدت مُسنَدةً، ثانيهما: أنَّها ليست بحجَّةٍ عنده بل كغيرها، وإنَّما رَجَّحَ الشَّافعيُّ بمُرسَله، والتَّرجيح بالمُرسَل جائزٌ. قال الخطيب: والصَّواب الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فليس بشيءٍ؛ لأنَّ في مراسيل سعيدٍ ما لم يوجد بحالٍ من وجهٍ يصحُّ، قوله: (بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا)؛ أي: في عدمِ الاحتجاج بها إن خَلَت من تلك الشروط لما سَلَفَ من أنَّها ضعيفةٌ؛ للجهل بحال المحذوف، وغايته أنَّه إذا تعارض حديثان موصولان ووجد لأحدهما من مراسيل سعيد موافق رجحه به، فيكون مرسل سعيد كغيره في أنَّه لا يحتجُّ به، وإنَّما يرجح به مقدمًا له عن غيره، قال البيهقي: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنَّه أصح التابعين إرسالًا فيما زعم الحفاظ. انتهى. أي: ولما سلف من استجماعه لتلك الشروط. قوله: (مَا لَمْ يُوْجَدْ بِحَالٍ) أصلُ عبارة الخطيب: لأنَّ في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحالٍ من وجهٍ يصح، وبذلك علَّل البيهقي أيضًا، قال النووي: فهذان الإمامان؛ -أي: الخطيب والبيهقي- حافظان فقيهان شافعيان من أرباب الخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه. انتهى. أي: فلا عبرة بقول غيرهما: إنَّ معنى كلام الشافعي في قوله: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن، أنَّه حجة عنده، بل معناه أنَّه يُقدَّم الترجيح به، قال النووي أيضًا: ولا يصحُّ تعلق مَن قال إنَّه حجة بقوله: إرساله حسن؛ لأنَّ الشافعي لم يعتمد عليه وحده، بل لِمَا انضم إليه من قول أبي بكر ومَنْ حَضَره من الصحابة وقول أئمة التابعين. انتهى. أي: في قضية منع بيع اللحم بالحيوان التي ساقها مرسلة لسعيد، وذكر بعدها أنَّ أبا بكر منع ذلك ووافقه من الصحابة والتابعين جمعٌ، فلو سلَّمنا أنَّه احتج به فيما ذكر فإنَّه ليس به وحده بل به وبغيره، فالاحتجاج بالمجموع لا به وحده. قوله: (مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ) هو من تمامِ كلام الخطيب كما علمت، وقد عرفت أنَّ أصل عبارته: لأنَّ في مراسيل سعيد ما لم يوجد مُسندًا بحالٍ من وجه يصحُّ. والمعنى في مراسيل سعيد ما لم يصح إسناده في وجهٍ من الوجوه، أي: طريق من الطرق. واعترض بأنَّه لا يُشترط في المسند الذي يُرجَّح به المرسل أن يكون صحيحًا، وبعد ذلك فالتعليل في ذاته غير مُسَلَّم، لما ذكره في «شرح التقريب» مما نصه: تأمل الأئمة المتقدمون مراسيل

стр. 84

وأمَّا مُرسَل الصَّحابيِّ كابن عبَّاسٍ وغيره من صغار الصَّحابة عنه ﷺ ممَّا لم يسمعوه منه فهو حُجَّةٌ، وإذا تعارض الوصل والإرسال بأن تختلف الثِّقات في حديثٍ، فيرويه بعضهم سعيد فوجدوها بأسانيد صحيحة، وقال الماوردي في «الحاوي»: كان الشافعي يحتجُّ في القديم بمراسيل سعيد بانفرادها؛ لأنَّه لا يرسلُ حديثًا إلَّا يوجد مسندًا؛ ولأنَّه لا يروي إلَّا ما سمع من جماعة أو من أكابر الصحابة أو عضده قولهم أو رآه منتشرًا عند الكافة أو وافقه فعل أهل العصر، ثم قال: ومذهبه في الجديد أنَّه كغيره. انتهى. فائدتان: الأولى: في الاحتجاج بالمراسيل أقوال أُخَرُ غير ما تقدم، حاصلها أنَّه حجةٌ مُطلقًا، غير حُجَّةٍ مطلقًا، حُجَّةٌ إن أرسله سعيد فقط مطلقًا، حُجَّةٌ إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، حُجَّةٌ إن أرسله صحابي، وقيل: يُحتج به ندبًا، فالجملة ثمانية أقوال. الثانية: قال الحاكم في «علوم الحديث»: أكثر ما تُروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيَّب، ومن أهل مكة عن عطاء بن رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم النَّخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مَكْحُول. قال: وأصحُّها مراسيل ابن المسيب؛ لأنَّه من أولاد الصحابة، وأدرك العَشرة، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يحتج مالك بإجماعهم، كإجماع كافة الناس، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره. انتهى. ومنه يُعلم وجه ترجيح الشافعي لمراسيله دون غيره أيضًا زيادة عما سبق. قوله: (وأَمَّا مُرسَلُ الصَّحَابِي … ) إلى آخره، ظاهره أنَّ المعنى أنَّ هذا الخلاف إنَّما هو في مرسل التابعي، أما مرسل الصحابي … إلى آخره، فلا خلاف في الاحتجاج به مطلقًا، وليس كذلك، بل الاحتجاج به أرجح القولين، إذ قيل: إنَّه كغيره لا يحتجُّ به إلَّا إذا تبين أنَّه عن صحابي، ثمَّ المراد الصحابي حقيقة وحكمًا لا من في حكم التابعين السابق؛ فإنَّ مرسله كمراسيلهم. قوله: (مَا لَمْ يَسْمَعُوْهُ مِنْهُ)؛ أي: كإخبارهم عن شيءٍ فَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ أو نحوه ممَّا عُلِمَ أنهم لم يحضروه؛ لصِغَرِ سِنِّهم وقته، أو تَأَخُّرِ إسلامهم عنه. وقوله: (فَهُوَ حُجَّةٌ)؛ أي: لصحته عند الجمهور، وفي «البخاري»: منه كثيرٌ؛ وذلك؛ لأنَّ أكثر رواية

стр. 85

متَّصلًا وآخر مرسلًا؛ كحديث: «لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ» رواه إسرائيلُ وجماعةٌ عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن أبي بُردةَ عن أبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ ، ورواه الثَّوريُّ وشعبةُ عن أبي إسحاق عن أبي بردةَ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ فقيل: الحكم للمُسنِد إذا كان عدلًا ضابطًا، قال الخطيب: وهو الصَّحيح، وسُئِلَ عنه البخاريُّ فحَكَمَ لمن وصل، وقال: الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، هذا مع أنَّ المرسِل شعبة وسفيان، ودرجتهما في (١) الحفظ والإتقان معلومةٌ، وقِيلَ: الحكم للأكثر، وقِيلَ: للأحفظ، وإذا قلنا به وكان المرسِلُ الأحفظَ فلا يُقدَح في عدالة الواصل وأهليَّته على الصَّحيح، وإذا تعارض الرَّفع والوقف بأن يرفع ثقةٌ حديثًا وقَفَهُ ثقةٌ غيرُه فالحكمُ للرَّافع؛ لأنَّه مُثبِتٌ وغيرُه ساكتٌ، ولو كان نافيًا فالمثبِت مقدَّمٌ، وتُقبَل زيادة الثِّقات مطلقًا على الصَّحيح، سواءً كانت من شخصٍ واحدٍ، بأن رواه مرَّةً ناقصًا، ومرَّةً أخرى وفيه تلك الزِّيادة، أو كانت الزيادة مِن غير مَن رواه ناقصًا، وقِيلَ: بل مردودةٌ مطلقًا، وقِيلَ: مردودةٌ منه، مثل هذا عن الصحابة، وكلهم عدولٌ، وروايتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بيَّنوها، بل قيل: أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس من الأحاديث المرفوعة، بل إما إسرائيليات، أو حكايات، أو موقوفات. قوله: (السَّبِيْعِي) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبعد التحتية عين مهملة، وسيأتي له ذكرٌ. قوله: (مُثْبِتٌ)؛ أي: للرفع. وقوله: (وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ)؛ أي: عليه؛ أي: فالساكت أولى. قوله: (الثِّقَات) الجمع ليس مرادًا، والمراد بزيادة الثقة أن يزيد في روايته عمَّا رواه الجماعة في الحديث كرواية الستة «وِكَاءُ الْعَيْنِ» زاد فيه إبراهيم بن موسى: «فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ». قوله: (سَوَاء كَانَتْ … ) إلى آخره؛ أي: وسواء تعلَّق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وكذا الإعراب، كأنْ يروى: «فِيْ أَرْبَعِيْنَ شَاةٌ» ثم يروى «فِي أَرْبَعِيْنَ نِصْفُ شَاةٍ». قوله: (وَقِيْلَ مَرْدُوْدَةٌ مِنْهُ)؛ أي: ممَّن روى بدونها ثم روى بها.

стр. 86

مقبولةٌ من غيره. وقال الأصوليُّون: إن اتَّحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزِّيادة غالبًا رُدَّتْ، وإن احتمل قُبِلت عند الجمهور، وإن جُهِلَ تعدُّدُ المجلس فأَوْلى بالقَبول من صورة اتِّحاده، وإن تعدَّدت يقينًا قُبِلَت اتِّفاقًا. و المقطوع: ما جاء عن تابعيٍّ من قوله أو فعله موقوفًا عليه، وليس بحجَّةٍ. قوله: (إِن اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ … ) إلى آخره، فإن اختلف فقال ابن الصباغ: إذا ذكر أنَّه سمع كل واحد من الخبر في مجلسٍ قُبلت وكانا خبرين يُعمل بهما. قوله: (وَلَمْ يُحْتَمَلْ غَفْلَتُهُ … ) إلى آخره؛ أي: بل عُلِمَ أنَّه متذكرٌ لها غير ذاهلٍ عنها. وقوله: (رُدَّت) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيْهَا، ولعله للتعارض بين الزيادة والنقص. وقوله: (وَإِنْ احْتُمِلَ)؛ أي: غفلته عنها، وبالأولى ما لو صرَّح بأنَّه نسيها، وترك الشارح أقوالًا أخرى فيها: منها أنَّها لا تُقبل إن غَيَّرت الإعراب، وقيل: إلَّا إنْ أفادت حُكمًا، وقيل: إن زادها واحد وكان من رواه ناقصًا جماعة لا يغفل مثلهم عن مثلها عادةً لم تُقبل وإلَّا قُبلت، واستشكل شيخ الإسلام قبولها مطلقًا؛ بأنهم شرطوا في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذًا مع تفسيرهم الشذوذ بمخالفة الثقة مَن هو أوثق منه، قال: والمنقول عن أئمة المحدِّثين كالبخاري والحاكم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية بحيث يلزم من قبولها ردُّ الرواية الأخرى. قوله: (الْمَقْطُوْع) جمعه مقاطع ومقاطيع، وسُمِّيَ الحديث المذكور بذلك لقطعه عن الوصول للصحابي أو النَّبيِّ ﷺ ، والفرق بينه وبين المنقطع أنَّه من أوصاف المتن، والمنقطع من أوصاف السند. قال الزركشي في «النُّكت»: إدخال المقطوع في أنواع الحديث فيه تسامحٌ كبير فإنَّ أقوال التابعين ومذاهبهم لا مدخل لها في الحديث فكيف تُعدُّ نوعًا منه، قال: نعم، يَجيءُ هنا ما في الموقوف من أنَّه إذا كان ذلك لا مجال للاجتهاد فيه يكون في حكم المرفوع، وبه صرَّح ابن العربي وادَّعى أنَّه مذهب مالك. قوله: (مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ)؛ أي: أو تقريره سواء كان إسناده متصلًا أم لا، حيث خلا عن قرينة الرفع والوقف بأن لم يكن للرأي فيه مجالٌ وإلَّا سُمِّي مرفوعًا أو موقوفًا لا مقطوعًا، وكالتابعي مَنْ دونه، وقد استعمل الشافعيُّ والطبرانيُّ المقطوعَ في المنقطع الذي لم يتَّصل إسناده لكن قبل استقرار الاصطلاح.

стр. 87

و المنقطع: ما سقط من رواته واحدٌ قبل الصَّحابيِّ، وكذا من مكانين أو أكثر، بحيث لا يزيد كلُّ ما سقط منها على راوٍ واحدٍ. و المُعضَل: ما سقط من رواته قوله: (مَا سَقَطَ … ) إلى آخره؛ أي: ما لم يتصل إسناده بل سقط منه واحد قبل الصحابي في الموضع الواحد أيِّ موضعٍ كان، وإن تعددت المواضع بحيث لا يزيد الساقط في كلٍّ منها على واحد فيكون منقطعًا من مواضع، فخرج بالواحد المعضل الآتي وبما قبل الصحابي المرسل، ولم يُقيدوه بكون الساقط في غير أول السند فمقتضاه دخول المعلَّق فيه، ولا يبعد التقييد لتخصيص ذلك باسم يَخُصُّهُ. وما ذهب إليه الشارح من التقييد بالواحد هو المشهور، وذهب غيره إلى أنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيِّ وجهٍ كان انقطاعه؛ أي: سواء كان الساقط منه واحدًا أو أكثر، صحابيًا أو غيره، وهو الذي صححه النووي، وهو أقرب من جهة المعنى اللغوي؛ فإنَّ الانقطاع ضدُّ الاتصال فيصدق بالواحد والأكثر. قال ابن الصلاح: إلَّا أنَّ أكثر ما يُوصف بالانقطاع من حيث الاستعمالُ ما رواه مَن دون التابعي عن الصحابي كمالك عن ابن عمر، وأكثر ما يوصف بالإعضال ما سقط منه اثنان، وأكثر ما يُوصف بالتعليق ما حذف أول سنده ولو إلى آخره، فالأكثر استعمالًا هو القول المشهور. انتهى. والانقطاع قد يكون ظاهرًا وقد يخفى فلا يدركه إلَّا أهل المعرفة، ويُعرف بمجيئه من وجهٍ آخر بزيادة رجلٍ أو أكثر. قوله: (وَالمُعْضَل) وبفتح الضاد المعجمة، اسم مفعول بمعنى المُعيا، بصيغة اسم المفعول، والعين مهملة ساكنة، مِن أعضله فلانٌ؛ أي: أعياه. فكأنَّ المحدِّث الذي حدَّثَ به أعضله وأعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه، قال ابن الصلاح: أهلُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل، وهو اصطلاحٌ مُشكلُ المأخذِ من حيث اللغةُ؛ لأن مُفْعَلًا بفتح العين لا يكون إلَّا من ثلاثي لازم عُدِّيَ بالهمزة، وهذا لازم معها، قال: وقد بحثتُ فوجدتُ لهم أمر عضل؛ أي: مُستغلق شديد، وفعيل بمعنى فاعل يدلُّ على الثلاثي، فعلى هذا يكون لنا عضل قاصرًا وأعضل متعديًا. انتهى.

стр. 88

قبل الصَّحابيِّ اثنان فأكثر، مع التَّوالي، كقول مالكٍ: قال رسول الله ﷺ ، ولعدم التَّقييد باثنين قال ابن الصَّلاح: إنَّ قول المصنِّفين: «قال رسول الله ﷺ » من قبيل المُعضَل، ومنه أيضًا حذف لفظ النَّبيِّ والصَّحابيِّ معًا، ووَقْف المتن على التَّابعيِّ؛ قوله: (قَبْلَ الصَّحَابِي)؛ أي: سواءٌ سقط الصحابي أيضًا أو لا، والظاهر أنَّ المقصود الصحابي الراوي عنه ﷺ ، فلو كان ثمَّ صحابي روى عن صحابيٍّ فسقط أيضًا فهو كالتَّابعي. وقوله: (اثْنَان)؛ أي: من غير أول الإسناد كما قَيَّدَ به الشُّمنِّيُّ والتَّبريزي، أما ما كان في أوله فمُعَلَّق، وسواءٌ كان سقوط الاثنين المذكورين في موضع واحد أو مواضع، فيكون معضلًا من مواضع، وسواء كان الساقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما. قوله: (كَقَوْلِ مَالِكٍ … ) إلى آخره؛ أي: فإنَّه يَروي عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فقد أسقطَ قبل عمر اثنين، ومثله في الموطأ: بلغني عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «للمملوك طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ»، فإنَّ مالكًا وصله خارج الموطأ عن محمد بن عَجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه، ومنه: الشافعي، عن مالك، عن أبي هريرة بإسقاط أبي الزناد والأعرج. قوله: (قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّ قَوْلَ المُصَنِّفِيْن … ) إلى آخره؛ أي: على غير الأشهر ليلائم ما سبق عنه من تسمية هذا بالمعلَّق. قوله: (وَوَقْفُ الْمَتْنِ عَلَى التَّابِعِيِّ)؛ أي: إن كان عند ذلك التابعي مرفوعًا متصلًا كما سيأتي فهو مُعضل؛ لأنَّه اشتمل على الانقطاع بالرسول الذي هو الأصل؛ لأنَّه منشأ الأحكام والصحابي المتلقي عنه تلك الأحكام فقد سقط منه اثنان.

стр. 89

كقول الأعمش عن الشَّعبيِّ: «يُقال للرَّجل يوم القيامة: عملتَ كذا وكذا، فيقول: ما عملتُه، فتنطق جوارحُه … » الحديث. و المُعنعَن: قال ابن الصلاح: فهو باسم الإعضال أولى من الذي سقط منه اثنان غير الصحابي والرسول؛ لأنَّه أدرك من الإعياء ما لا يدركه ما سقط منه اثنان غيرهما. انتهى. أقول: وعلى هذا فلا يظهر للتقييد بَقَبْلِ الصحابي وجهٌ. تنبيه: ذكر شيخُ الإسلام لذلك شرطين: أحدهما: أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النَّبيِّ ﷺ ، وإلَّا فهو مرسل لاسيما فيما لا يقال مثله من قبل الرأي. الثاني: أن يكون مُسندًا من طريق ذلك الذي وقف عليه، وإلَّا فموقوف لا معضل؛ لاحتمال أنَّه قاله من عنده، فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين. انتهى. فائدة: قال ابن الجوزي في مقدمة كتاب «الموضوعات»: المُعضل أسوأ حالًا من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالًا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حُجَّةٌ وإنَّما يكون المُعضل أسوأ حالًا من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضعٍ واحد، أما إذا كان في موضعين أو أكثر فإنَّه يساوي المعضل في سوء الحال. قوله: (كَقَوْلِ الْأَعْمَش … ) إلى آخره؛ أي: فقد قال عَقِبَهُ: أعضله الأعمش، وهو عند الشعبي متصل مسند. انتهى. وقد وصله فُضيل بن عَمرو، عن الشعبي قال: كنا عند النَّبيِّ ﷺ ، فذكره. قوله: (الْحَدِيْثَ) بقيته: «فيختم على فِيْهِ فتنطق جوارحه فيقول لجوارحه: أَبْعَدَكُنَّ الله مَا خَاصَمْتُ إِلَّا فِيْكُنَّ»، رواه الحاكم. قوله: (وَالْمُعَنْعَنُ … ) إلى آخره، الظاهر من صنيع الشارح أنَّ المعنعن مبتدأ خبره قوله: (مَوْصُوْلٌ … ) إلى آخره، ولا يَخفاكَ أنَّه بصدد ذكر نفس الأنواع وحدودها وأحكامها لا خصوص

стр. 90

الذي قِيلَ فيه: فلانٌ عن فلانٍ، من غير لفظٍ صريحٍ بالسَّماع أو التَّحديث أو الإخبار، أتى عن رواةٍ مُسمَّين معروفين؛ موصولٌ عند الجمهور، بشرط ثبوت لقاء المُعَنعِنين بعضهم بعضًا ولو مرَّةً، وعدم التَّدليس من المُعنعِن، لكن في شرطيَّةِ ثبوتِ اللِّقاء بينهما وكذا طول الصُّحبة أحكامها، فالأحسن أن يجعل الخبر قوله: (الَّذِي قِيْلَ فِيْهِ … ) إلى آخره، ويكون قوله (موصول) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو موصول، ليكون كلامه في الأنواع منتظمًا في سلك واحد. قوله: (مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ صَرِيْحٍ … ) إلى آخره؛ أي: كحدَّثنا فلان أو أخبرنا أو سمعت من فلان؛ أي: أو نحو ذلك، كقال لنا أو ذكر لنا. قوله: (أَتَى عَنْ رُوَاةٍ) جملة حالية؛ أي: حال كونه أتى … إلى آخره. وقوله: (مَعْرُوْفِيْنَ)؛ أي: مشهورين بالعدالة والضبط. قوله: (مَوْصُوْلٌ) ولذلك أودعهُ المشترطون للصحيح في تصانيفهم، وادَّعى أبو عمرو الداني وابن عبد البر إجماع أهل النقل عليه، ومحل كونه موصولًا إن لم يتبين خلافه. قوله: (عِنْدَ الْجُمْهُوْرِ)؛ أي: من أصحاب الحديث والفقه والأصول كما ذكره النووي، قال: وهو الصحيح الذي عليه العمل، مقابله ما ذهب إليه بعضهم من أنَّه مرسلٌ حتى يتبينَ اتصاله بمجيئه من طريق آخر أنَّه سمعه منه وإن لم يكن مدلسًا؛ لأنَّ (عن) لا تُشعر بشيء من أنواع التحمل، قال النووي: وهذا مردودٌ بإجماع السلفِ. قوله: (المُعَنْعِنِيْنَ) بكسر العين الثانية اسم فاعل، وسيأتي للشارح أنَّ هذا الشرط مما اختُلف فيه. قوله: (وَعَدَمُ التَّدْلِيْسِ مِنَ المُعَنْعِنِ)؛ أي: بأن يكون من عادته أن لا يقول: عن فُلان، إلَّا إذا كان قد سمعَ منه، والمُعَنْعِنُ مكسور العين كسابقه؛ أي: الراوي بلفظِ عن. قوله: (فِيْ شَرْطِيَّةِ ثُبُوْتِ اللِّقَاءِ)؛ أي: وعدم الاكتفاء بإمكانه، كما شرطه البخاري وشيخه. وقوله: (وَكَذَا طُوْلُ الصُّحْبَةِ)؛ أي: كما اشترطه بعضهم، وهو السمعاني.

стр. 91

ومعرفة الرِّواية للمعنعِن عن المَعنعَن عنه خُلْفٌ، صرَّح باشتراط اللِّقاء عليُّ بن المدينيِّ، وعليه البخاريُّ، وجعلاه شرطًا في أصل الصِّحَّة، وعَزَاه النَّوويُّ للمحقِّقين، وهو مُقتضَى كلام الشَّافعيِّ، ولم يشترطه مسلمٌ، بل أنكر اشتراطه في مقدِّمة «صحيحه»، وادَّعى أنَّه قولٌ مُختَرعٌ لم يُسبق قائله إليه. وقوله: (وَمَعْرِفَةُ الرِّوَايَةِ … ) إلى آخره؛ أي: ومعرفةُ المُعَنْعِنِ بالرِّواية عن المُعنعن عنه كما اشترطه بعضهم، وهو أبو عمرو الدَّامغاني. قوله: (بِاشْتِرَاطِ اللِّقَاءِ … ) إلى آخره؛ أي: فقط ولم يشترط ما بعده. قوله: (وَجَعَلَاهُ)؛ أي: ابن المديني والبخاري، واشتراط البخاري ذلك هو المشهور عنه، وقيل: لم يشترطه في أصل الصحة وإنَّما التزمه في «جامعه». قوله: (وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ لِلْمُحَقِّقِيْنَ)؛ أي: فقول مسلم إنَّه قول (مخترع) قول مختلق. قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ)؛ أي: اللقاء بالفعل الذي اشترطه البخاري وشيخه، بل اكتفى بإمكانه، وعبَّرَ عنه بالمعاصرة. وقوله: (بَلْ أَنْكَرَ اشْتِرَاطَهُ)؛ أي: فقال: إن اشتراط ثبوت اللقاء قولٌ مخترع لم يسبق قائله إليه، وإنَّ القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا أنَّه يكفي أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإنْ لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها. انتهى. قال ابن الصلاح: وفيما قاله مسلم نظر؛ فليس له حكم الاتصال ما لم يكن له من شيخه إجازة. انتهى. قال شيخ الإسلام: مَن حكم في المُعَنْعَنِ بالانقطاع مُطلقًا شَدَّدَ، ويليه من شَرَطَ طولَ الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهَّل، والوسط الذي ليس بعده إلَّا التعنت مذهب البخاري ومن تبعه. فائدتان: الأولى: قال ابن حجر: قد ترد (عن) ولا يُراد بها بيانُ حكم اتصال أو انقطاع بل ذكره قصة سواء أدركها أم لا، بتقدير محذوف؛ أي: عن قصة فلان أو شأنه أو غير ذلك، كما رواه أبو إسحاق السَّبيعي عن عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ الحَرُوْرِيَّةُ فَقَتَلُوْهُ حَتَّى جَرَى دَمُهُ فِيْ النَّهْرِ. فهذا لا يُمكن أن يكونَ أبو إسحاق سمعه من ابن خباب كما هو ظاهر العبارة؛ لأنَّه هو المقتول، قال السيوطي: السماع إنَّما يعتبر في القول، أما الفعل فالمُعتبر فيه المشاهدة وهذا واضح.

стр. 92

و المؤنَّن: قول الرَّاوي: حدَّثنا فلانٌ أنَّ فلانًا قال، وهو كـ «عن» في اللِّقاء والمجالسة والسَّماع، مع السَّلامة من التَّدليس. الثانية: قال في «التقريب»: وكَثُرَ في هذه الأعصار استعمال (عن) في الإجازة، فإذا قال أحدهم مثلًا: قرأت على فلان عن فلان، فَمُرَادهُ أنَّه رواه عنه بالإجازة. انتهى. قال في «التدريب»: وذلك لا يخرجه عن الاتصال. انتهى. قوله: (وَالمُؤَنَّنُ) بميم مضمومة فهمزة مفتوحة فنونان أولهما مفتوحة مشدَّدة. قوله: (قَوْلُ الرَّاوِي … ) إلى آخره؛ أي: كقول مالك مثلًا: حدَّثنا الزهري أنَّ ابن المسيب حدَّثه بكذا، ومثل ذلك ما لو قال الزُّهري: قال ابن المسيب كذا أو فعل كذا أو كان ابن المسيب يفعل كذا ونحوه. قوله: (وَهُوَ كَـ «عَنْ» … ) إلى آخره؛ أي: إنَّ لفظَ (أن) المُستفاد من المؤنن كَـ «عَنْ» في إفادة الاتصال أو المعنى، وهو؛ -أي: المؤنن- كـ «عَنْ»؛ -أي: كالمروي بعن- فيما ذُكر. فالرواية بـ (عن) و (أنَّ) سواء، ولا اعتبار بالحروف والألفاظ، بل باللقاء والمجالسة والسماع مع السلامة من التدليس، وهذا مذهب مالك والجمهور، فالمؤنن عندهم متصل كالمعنعن، وقال البَرْدَعِيُّ: المروي بلفظ أن محمول على الانقطاع حتى يتبينَ وصلُ سندهِ بالسماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وهو مذهب الإمام أحمد، قال ابن عبد البر: ولا معنى لهذا؛ لإجماعهم على أنَّ الإسناد هو المتصل بالصحابي سواءٌ قيل فيه (قال) أو (سمعت) أو (أنَّ) أو (عن). انتهى. قوله: (فِيْ اللِّقَاءِ)؛ أي: في اشتراطه. وقوله: (والمجالسة)؛ أي: عند مَن شرطها، وهو خلافُ المعتمد الذي مشى هو عليه، قال العراقي: والقاعدة أنَّ الراوي إذا روى حديثًا في قصةٍ أو واقعة فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النَّبيِّ ﷺ وبين بعض الصحابة، والرَّاوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة، فإنَّه يُحكم لروايته بالاتصال وإنْ لم يُعلم أنَّه شاهدها، سواء روى بـ (قال) أو (عن) أو (أنَّ) أو (فعل) أو نحوها، ومن لم يُدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصلٌ، وكذا إن لم يدرك لكن أسندها لمن رواها عنه سواء روى بعن أو غيرها، قال: وهذا متفق عليه بين أهل التمييز من أهل الحديث. انتهى.

стр. 93

و المعلَّق: ما حُذِف من أوَّل إسناده لا وسطه، مأخوذٌ من تعليق الجدار؛ لقطع اتِّصاله، قوله: (مَا حُذِفَ مِنْ أَوَّلِ إِسْنَادِهِ) كذا في نسختنا فإن لم يكنْ تحريفًا من النساخ فالأصل: ما حذف منه … إلى آخره، بالضمير المجرور بمن، وإلَّا فـ (من) زائدة، والمراد بأول الإسناد طرفه الذي ليس فيه الصحابي سواء كان ذلك المحذوف واحدًا أو أكثر أو جميع الرواة ولو مع الصحابي، وعُزِيَ الحديثُ لمن فوق المحذوف. مثال ما حُذف من أوله واحدٌ قول البخاري: وقال مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : «لَاْ تُفَاضِلُوْا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ»، فإن البخاري بينه وبين مالك واحد. ومثال ما حُذف منه غير الصحابي قول البخاري: وقالت عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ». ومثال ما حُذف منه جميع الرواة قول البخاري: «وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ للنَّبيِّ ﷺ : مُرْنَا بِجُمَلٍ من الْأَمْرِ إن عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ … » الحديثَ. ومنه قول الواحد منا: قال رسول الله ﷺ ، أو: قال ابن عباس أو عطاء أو غيره. قوله: (لا وَسَطِهِ … ) إلى آخره؛ أي: لا ما حذف وسط إسناده فلم يستعملوه في ذلك؛ لأنَّ له اسمًا يخصُّه من الانقطاع والإرسال والإعضال، فبَين المُعَلَّقِ وكلٍّ من المعضل والمنقطع والمرسل وكذا الموقوف عمومٌ وخصوص وجهي كذا قال بعضهم، وتَقدَّم أن شرط المُعْضل أن يكون المحذوف منه من الوسط لا الأول فلا وجه له إلَّا الإطلاق. قوله: (مَأْخُوْذٌ مِنْ تَعْلِيْقِ الْجِدَارِ) وقيل: من تعليق الطلاق بجامعِ قطع الاتصال.

стр. 94

وسبق، ويأتي حكمه -إن شاء الله تعالى- في الفصل التَّالي بعون الله . و المدلَّس -بفتح اللَّام المشدَّدة- ثلاثةٌ: أحدها: أن يُسقط اسمَ شيخِه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو مَنْ فوقه، فيسند (١) عنه ذلك بلفظٍ قوله: (وَسَبَقَ وَيَأْتِي حُكْمُهُ) ما سبق هو قوله عند الكلام على الصحيح: (وهو في صحيح البخاري، ويكون مرفوعًا، أو موقوفًا، يأتي البحث فيه إن شاء الله في الفصل التالي). وحُكمه حكم الصحيح إذا وقع في كتاب التزمتْ صحتُه، ورُوي: بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر ونهى وذكر وحُكيَ بصيغة اسم الفاعل، لا بصيغة التمريض كرُوِيَ أو يُقْالُ أو يُحْكَى أو نحو ذلك بصيغة المبني للمفعول. قوله: (وَالمُدَلَّس) بفتح اللام المشددة مشتقٌ من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، ويُطلق أيضًا على الظلمة، سُمي الحديث المذكور بذلك لاشتراكهما في الخفاء؛ لأنَّ الظُلمة تغطي الأشياء عن البصر وتخفيها عنه، ومن أسقط من السند شيئًا فقد غطى ذلك الذي أسقطه؛ أي: أخفاه وستره، وكذا تدليس الشيوخ على ما سيأتي، فإنَّ الراوي يُغطي الوصف الذي يُعرف به الشيخ ويغطي الشيخ بوصفه بغير ما اشتهر به. قوله: (ثَلَاْثَة) فيه نظرٌ، بل إن نظرنا إلى الأنواع فخمسة: تدليس شيوخ، وتدليس إسناد، وتدليس قطع، وتدليس عطف، وتدليس تسوية، وإن نظرنا إلى الأقسام فقسمان فقط، تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وكلها من تدليس الإسناد إلَّا الثالث في كلام الشارح فهو تدليس الشيوخ. قوله: (أَحَدُهَا: أَنْ يُسْقِطَ اسْمَ شَيْخِهِ)؛ أي: لِصغره أو ضَعْفِهِ ولو عند غيره فقط، ويسمى هذا تدليس الإسناد وكان الأنسب أن يقول: أحدها تدليس الإسناد وهو أن يُسقط … إلى آخره؛ لتَحْسُن مقابلته بقوله فيما يأتي: وثانيها تدليس التسوية، وثالثها تدليس الشيوخ: ثم تسميته النوع المذكور تدليس إسناد هو المذكور في كلامهم، ولم يميزوه من بقية أنواع تدليس الإسناد باسم يخصه كما فعلوا بالبقية ولو سموه تدليس الإسقاط لكان له وجه، قال النووي: من تدليس الإسناد أن يسقط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم الشيخ فيقول: فلان، كما رُوِيَ عن علي بن خشرم

стр. 95

لا يقتضي الاتِّصال، بل بلفظٍ موهمٍ له، فلا يقول: أخبرنا، وما في معناها، بل يقول: عن فلانٍ، أو قال فلانٌ، أو أنَّ فلانًا، موهمًا بذلك أنَّه سمعه ممَّن رواه عنه، وإنَّما يكون تدليسًا إذا كان المدلِّس قد عاصر الذي روى عنه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع ذلك الذي دلَّسه عنه، قال: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدَّثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمِعْتَه من الزهريُّ؟ فقال: لا، ولا ممَّن سمِعَه من الزهريُّ، حدَّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وسماه شيخ الإسلام: تدليس القطع. قُلْتُ: الظاهرُ أن تدليسَ القطع هو ما مثَّل له ابن حجر بما كان يفعله عُمَر (١) بن عبيد فكان يقول: حدَّثنا، ثم يسكت وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن عائشة، وهذا هو الرابع، ومن تدليس الإسناد أيضًا تدليس العطف، وهو الخامس، وهو أن يُصَرِّحَ بالحديث عن شيخٍ له ويعطف عليه شيخًا آخر لم يسمع ذلك المروي عنه. كما ذكره الحاكم في «علوم الحديث»، قال: اجتمع أصحاب هُشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يُدَلِّسُهُ. ففطنَ لذلك، فلما جلسَ قال: حدَّثنا حُصين ومُغيرة، عن إبراهيم، وساق عدة أحاديث، فلما فَرَغ منها قال: هل دَلَّسْتُ لكم شيئًا، قالوا: لا، فقال: بل كلَّما حدَّثتكم عن حُصين فهو سماعي ولم أسمع من غيره من ذلك شيئًا، فهو محمول على أنَّه نوى العطف، فقوله: (وفلان)؛ أي: وحدَّث فلان. قوله: (لَاْ يَقْتَضِي الْاتِّصَالَ)؛ أي: لئلا يكون كذبًا محضًا. قوله: (قَدْ عَاصَرَ الْذِي رَوَى عَنْهُ) جعلَ هذا شيخُ الإسلامِ إرسالًا خفيًّا وخصّ التدليسَ بقسم اللُّقي وخرج بالمعاصرة على ما ذكره الشارح وما بعدها ما إذا روى عمَّن لم يدركه رأسًا بلفظٍ مُوهم فليس بتدليسٍ على المشهور وهو الصحيح، وقال قوم: إنه تدليس، فحدُّوْهُ بأنْ يحدِّث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماع، قال ابن عبد البر: وعليه فما سَلِم من التدليس أحد!. وتركَ الشارح شرطًا ثانيًا لهذا النوع: وهو أن لا يكون الراوي صحابيًّا فإن كان صحابيًّا وروى حديثًا

стр. 96

فلا يُقبَل ممَّن عُرِف بذلك إلَّا ما صَرَّح فيه بالاتِّصال، كـ «سمعت»، وفي «الصَّحيحين» من حديث أهل هذا القِسم المصرَّح فيه بالسَّماع كثيرٌ؛ كالأعمش وقَتادة والثَّوريِّ، وما فيهما من حديثهم بالعنعنة ونحوها محمولٌ على ثبوت السَّماع عند المخرِّج من وجهٍ آخر، ولو لم نطَّلع عليه؛ تحسينًا للظَّنِّ بصاحبي الصَّحيح. لم يسمعه من النَّبيِّ ﷺ بل من صحابي آخر فيسمى مرسل صحابي، ولا يسمى تدليسًا؛ تأدُّبًا في حق الصحابة، فجُملة شروط هذا النوع أعني تدليس الإسناد شرطان: المعاصرة على غير مذهبِ شيخ الإسلام أو اللُّقي مع عدم السماع رأسًا أو سماع غير هذا الحديث، وكونه غير صحابي كما ذكره شيخ الإسلام، قلت: ومقتضاه أنَّه لو كان تابعيًا يسمى تدليسًا، وعليه فيكون المرسِلُ مُدَلِّسًا؛ فليُنظر. قوله: (مِمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ)؛ أي: التَّدْليس؛ لأنَّه قادحٌ في حقِّ من فعله، قال شيخ الإسلام: لا شكَّ أنَّه جرحٌ وإن وُصِفَ به الثوريُّ والأعمشُ فإنهما إنَّما كانا يفعلانه في حقِّ من يكون ثقة عندهما ضعيفًا عند غيرهما، وهو مكروه جدًا، لا حرام؛ لأنَّه ليس كذبًا، وإنَّما هو تحسين لظاهر الإسناد، وضرب من الإبهام بلفظٍ محتمل. قوله: (إِلَّاْ مَا صَرَّحَ فِيْهِ بِالاتِّصَالِ)؛ أي: بأن قال راويه: حدَّثني فلان أو سمعت أو نحو ذلك فهو مقبولٌ يُحتج به، وإن كان راويه مشهورًا بالتدليس؛ لأنَّه صرح بالسماع في هذا المروي بخصوصه فعلم أنَّه لم يدلس فيه، والغرض أنَّه ثقة، وإذا قيل ذلك ممن اشتهر بالتدليس فممَّن لم يشتهر به أولى، كما رَوَى مالكٌ، عن ثور، عن ابن عباس. فإنَّ مالكًا لم يَلْق ثورًا وإنَّما روى عن عكرمة، فإذا روى عنه بالسماع قُبِلَ وكان محتجًا به وحُمل على سماعه منه وإن لم نطَّلِعْ عليه، وإذا روى بالعنعنة ونحوها لم يُقبل إلَّا ممَّن التزم تخريج الصحيح كالبخاري ونحوه، وحُمل أيضًا على ثبوت السماع من طريق أخرى عند ذلك المخرِّج، ولذا وقع في الصحيحين من ذلك كثير كما ذكره الشارح، وإنَّما آثرا هذه الطريق على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطهما دون تلك، والتفصيل الذي جرى عليه الشارح هو مذهب أكثر الفقهاء والمحدثين والأصوليين، وهو قول الشافعي ويحيى بن معين وابن المديني، وصححه الخطيب وابن الصلاح. وقيل: مردودٌ مطلقًا بَيَّنَ الاتصالَ أم لا، كان التدليس عن ثقة أو عن غيره، ندر أم لا، حكاه ابن الصلاح عن فريق من الفقهاء والمحدِّثين؛ إذ التدليس في ذاته جَرْحٌ لما فيه من التُّهمةِ والغشِّ، وقيل: مقبول مُطلقًا كالمرسل عند مَن يحتج به.

стр. 97

ثانيها: تدليس التَّسوية؛ بأن يُسقط ضعيفًا بين شيخيهما الثقتين، فيستوي الإسناد كلُّه ثقاتٌ، وهو شرُّ التَّدليس، وكان بقيَّةُ بن الوليد أفعلَ النَّاس له. ثالثها: تدليس الشُّيوخ؛ بأن يسمِّيَ شيخَه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو ينسبه أو ونَقْلُ النوويِّ في «شرح المهذب» الاتفاقَ على ردِّ المعنعن منه محمول على اتفاق مَن لا يَحتجُّ بالمرسل، وقيل: إن لم يُدلس إلَّا عن الثقات كسفيان بن عيينة، وقيل: إن نَدَرَ تدليسه. قوله: (ثَانِيْهَا: تَدْلِيْسُ التَّسْوِيَةِ) تَبِعَ الشَّارح في جعله قسمًا مستقلًا العراقي، وجعله ابن حجر من تدليس الإسناد، وسُمِّي تدليس تسوية؛ لأنَّه يُسوىَ فيه بين الثقة وغيره، وسمَّاهُ ابن القطان تسويةً بدون لفظ تدليس، فيقول سوَّاه فلان وهذه تسويةٌ. قال العراقي: والقدماء يسمونه تجويدًا، فيقولون: جوَّدَهُ فلان؛ أي: ذكر مَن فيه من الأجواد وحذف غيرهم، والتحقيقُ أن يُقال: متى قيل تدليس تسوية فلا بدَّ أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمعَ الشخصُ منهم بشيخِ شيخهِ في ذلك الحديث، وإن قيلَ تسوية بدون تدليس لم نحتجْ إلى اجتماع أحدٍ منهم بمن فوقه كما فعل مالك؛ فإنَّه لم يقع في التدليس أصلًا ووقع في هذا إذ روى عن ثور عن ابن عباس كما سلفَ، وعلى هذا فيفارق المُنقطع بأنَّ شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا بخلاف المنقطع فأعمُّ، فهذا منقطع خاص. قوله: (بَيْنَ شَيْخَيْهِ) هكذا فيما بأيدينا من النسخ، تثنية لفظ الشيخ وضمير التثنية، ولعله بَيَّنَ شيخيه بتثنية لفظِ شيخ فقط والضمير عائد على الراوي، كما يؤخذ مما قررناه قبلُ، ويكونُ المراد شيخًا مباشرة وبالواسطة، ويُحتمل أن المراد شيخه وشيخ ذلك الضعيف الذي أسقطه، وعلى كلٍّ فهو مع كونه تكلفًا قاصرٌ على بعض الصور، إذ لا يتقيد هذا النوع بذلك. قوله: (وَهُوَ شَرُّ الْتَدْلِيْسِ)؛ أي: لأنَّ الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس ويجده الواقف على الحديث قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفيه غَرَرٌ شديد.

стр. 98

يصفه بما لم يشتهر به تعميةً؛ كي لا يُعرَف، وهو جائزٌ؛ لقصد تيقُّظ الطَّالب واختبارِه؛ ليبحث عن الرُّواة. قوله: (بِمَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ)؛ أي: من كُنية أو لقب أو نسبة إلى قبيلة أو بلد أو صنعة أو نحو ذلك، كقول أبي بكر بن مجاهد المقري: حدَّثنا عبد الله بن أبي عبد الله -يريد به عبد الله بن أبي داود السِّجستاني- قال ابن الصلاح: وفيه تضييع للمروي عنه، قال العراقي: وللمروي أيضًا؛ لأنَّه قد لا يفطن له فيحكم عليه بالجهالة. وكراهةُ هذا القسم أخفُّ مما قبله ويختلف الحال في كراهته باختلاف الغرض الحامل عليه؛ فإن كان لضعفِ المروي عنه فيُدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء حَرُمَ. واختلفوا في قبول المدلِّس وعدمه وأن التدليس جرحٌ أو لا، فالأصحُّ أنَّه ليس بجرحٍ مطلقًا فيُقبل، وقيل: جرحٌ وإن كان يعتقد هو أنَّه ثقةٌ لجواز أن يَعرِفَ غيرُه من جَرْحِهُ ما لا يعرفه هو، وقيل: إن فعله لضعفه عنده فجرحٌ، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا، وإن كان لصغر سنه عن المدلَّس أو كبره عنه يسيرًا أو كثيرًا وتأخر موته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه فالأمر سَهْلٌ، وكذا إن كان لغرض إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الشيخ الواحد في موضعٍ بصفة وفي آخر بأخرى يُوهم أنَّه غيره. ومن التدليس ما هو عكس هذا وهو إعطاء شخص اسم آخر تشبيهًا ذكره ابن السبكي في «جمع الجوامع» قال: كقولنا: أخبرنا [أبو] (١) عبد الله الحافظ؛ -يعني: الذهبي- تشبيهًا بالبيهقي حيث يقول ذلك يعني به الحاكم، وكذا إيهام اللُّقي والرحلة: كحدثنا مَن وراء النهر، يُوهم أنَّه جيحون ويريد نهر بغداد أو نهر الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرحٍ قطعًا؛ لأنَّ ذلك من المعاريض، قاله الآمدي وابن دقيق العيد، وما عدا ذلك من أنواع التدليس فمكروهٌ وذَمَّ التدليسَ بأنواعه أكثرُ العلماء حتى بالغ شُعبة في ذمِّه فقال: التدليس أخو الكذب، ولأَنْ أزني أحبُّ إلي من أن أُدلِّس. قال ابن الصلاح: وهذا منه محمول على المبالغة في الزجر عنه. انتهى. (قلت): ولا مانع من أن يكون أراد أن ضررَ الزنا قاصرٌ على نفسه، والتدليس يتعدى ضرره للأمة؛ لما فيه من الغش وإيهام الحق باطلًا وعكسه، وربما ترتب على ذلك رفض سُنة وترويج بدعةٍ.

стр. 99

و المُدرَج: كلامٌ يُذكَر (١) وأقول: قد وقع التدليس أيضًا للمداراة والخوف كما رُوِيَ عن يونس بن عبيد قال: سألت الحسن البصري قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله ﷺ وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحَجَّاج- كل شيء سمعتني أقوله قال رسول الله ﷺ فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًا، والظاهر أن هذا لا حُرمة فيه وإن كان فيه كراهةٌ فخفيفة جدًا، سيَّما من مثل الحسن ممَّن لا يَروي إلَّا حسنًا ولا يفعل إلَّا حسنًا. فائدتان: الأولى: يثبتُ التدليس بمرةٍ واحدة كما جزمَ به الشافعي إذ قال: من عُرِفَ بالتدليسِ مرةً لا يقبل منه ما يُقبل من أهل النصيحة في الصدق حتَّى يقول: حدَّثني أو سمعت. الثانية: استدلَّ على أنَّ التدليسَ غير حرامٍ بما أخرجه ابن عديٍّ عن البراء قال: لم يكن فينا فارسٌ يوم بدر إلَّا المقداد، قال ابن عساكر: قوله: (فينا)؛ يعني: المسلمين؛ لأنَّ البراء لم يشهد بدرًا أفاده في «شرح التقريب». أقول: ويستدل له أيضًا بقول أبي بكر لمن سأله عن النَّبيِّ ﷺ في طريق هجرتهما إلى المدينة وهو راكب معه: (هَذَا رَجُلٌ يَهْدِيْنِي الطَّرِيْقَ)، ويُستأنس له بقول إبراهيم ﵇ في سارة: هذه أختي، وغير ذلك. قوله: (وَالْمُدْرَجُ) من الإدراج وهو الإدخال، سُمِّيَ بذلك لما فيه من إدخال كلام آخر فيه، والإدراج قسمان؛ لأنَّه إمَّا أن يكون في السند أو في المتن، والمُدرج في المتن ثلاثة أنواع، والمُدرج في السند أربعة، فالجملة سبعة كما ستعرفه. قوله: (كَلَاْمٌ يُذْكَرُ)؛ أي: يذكرُهُ الرَّاوي للحديث سواء كان صحابيًا أو غيره وسواء كان ذلك الكلام لنفسه أو غيره لأجل تفسيرِ غريبٍ في الحديث كخبر الزهري عن عائشة: «كَانَ ﷺ يَتَحَنَّثُ فِيْ غَارِ حِرَاءٍ -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد»، فقوله: وهو التعبد … إلى آخره، مدرجٌ؛ تفسيرٌ للتحنث، أو لاستنباط ما فهمه بعض رواته كما في حديث بُسرة الآتي فإنَّ عروة فهم منه أنَّ

стр. 100

عقب الحديث متَّصلًا يوهم أنَّه منه، أو يكون عنده متنان بإسنادَين، فيرويهما بأحدهما، سببَ النقض مظنَّة الشهوة فجعل حكم ما قَرُب من الذَكَر كذلك؛ لأنَّ ما قرب من الشيء يُعْطَى حكمه فقال: (أو أنثييه أو رُفْغَيْه). قوله: (عَقِبَ الْحَدِيْثِ) كان الأولى أن يقول: يُذكر مع الحديث؛ ليعمَّ ما يُذكر في أوله أو وسطه أو آخره، كما سيذكر ذلك بقوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ المَتْنِ تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ … ) إلى آخره، ولعله أراد الأغلب. وقوله: (مُتَّصِلًا)؛ أي: بالحديث من غير فصلٍ بين الحديث وذلك الكلام بذكر قائله مثلًا. وقوله: (يُوْهِمُ أَنَّهُ مِنْهُ)؛ أي: يُوهم مَن لم يعرفْ حقيقةَ الحال أنَّه من الحديث وأنَّ الجميع مرفوعٌ. وهذا تعريف للإدراج في المتن وهو ثلاثةُ أنواع كما أشرنا إليه، وأشار إلى الإدراج في السند بقوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ … ) إلى آخره، وتقدم أنَّه أربعة أنواع: الأول: أن يكون متنان مُختلفي الإسناد عند راوٍ فيرويهما عنه راوٍ فيجعلهما جميعًا متنًا واحدًا، مقتصرًا على أحد السندين. الثاني: أن يروي جماعةٌ الحديثَ بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو ويجعل الكلَّ إسنادًا واحدًا. الثالث: أن يسوقَ المحدِّث الإسناد إلى منتهاه فيقطعه قاطعٌ عن ذكر متنه ويذكر كلامًا أجنبيًّا، فيظنُّ بعضُ من سمعه أن ذلك الكلامَ متنُ ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك. الرابع: أن يكون متن عند راوٍ بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسناد آخر فيرويه عنه راوٍ تامًّا بالإسناد الأول ولا يذكر إسناد طرفه الثاني الذي فيه الزيادة. وقد ذكر الشارح الأول بقوله: (أو يكون عنده متنان … ) إلى آخره، والثاني بقوله: (أو يسمع حديثًا من جماعة … ) إلى آخره، والثالث بقوله: (أو يسوق الإسناد … ) إلى آخره، وترك الرابع وكأنَّه لدخوله في الأول لما سنذكره من أنَّه يصدقُ على ذلك الطرف أنَّه متن آخر كما يصدق على جميع الأول أنَّه متن كذلك. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ)؛ أي: مختلفين بإسنادين مختلفين كما هو ظاهرٌ. وقوله: (فَيَرْوِيْهِمَا)؛ أي: جميعهما أو جميع أحدهما وبعض الآخر، فيدخل الرابع حينئذ في كلامه أيضًا. قوله: (بِأَحَدِهِمَا)؛ أي: أحد السندين.

стр. 101

كرواية سعيد ابن أبي مريم: «لا تَباغضوا ولا تَحاسدوا ولا تَدَابروا ولا تَنافسوا»، أَدرج ابن أبي مريم: «ولا تنافسوا» من متنٍ آخر، أو يسمع حديثًا من جماعةٍ مختلِفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم على الاتِّفاق، وقوله: (كَرِوَايَةِ سَعِيْد بن أَبِي مَرْيَم)؛ أي: عن مالك، عن الزهري، عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَاْ تَبَاغَضُوْا … » إلى آخره، فأدرجَ ابن أبي مريم، قوله: «وَلَاْ تَنَافَسُوْا» من متنٍ آخر، وهو ما رواه مالك أيضًا، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ولفظه: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث، ولَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَاْ تَحَاسَدُوْا» وكلا الحديثين متفقٌ عليه من طريق مالك، وليس في الأول «ولا تنافسوا» فهي مدرجةٌ من ابن أبي مريم. وهذا المثالُ صالح للنوع الذي ذكره الشارح والرابع الذي زدناه؛ إذ كل من الحديثين متنٌ له إسناد خاص روى أحدهما كاملًا مع بعض الآخر ابنُ أبي مريم وصَيَّرَهُمَا بإسنادٍ واحدٍ وَهَمًا كما جزم به الخطيب، ويَصدق على تلك الزيادة أنَّها متن كما يصدق على جميع الحديث الأول أنَّه متن كذلك كما أفاده في «شرح التقريب». قلت: يؤخذُ منه أنهم اعتبروا في الإدراج أن يكون ذلك الكلام المُدرج ليسَ من كلام النبوة وإلَّا فالمُتبادر أن يكون هذا من الإدراج في المتن مع أنهم عَدُّوْهُ من إدراجِ السند؛ نظرًا إلى ما فعله الراوي من عنده في الإسناد لا لما زادَ من كلام النبوَّة بذكره الحديث الثاني كلًّا أو بعضًا عقب الأول الذي هذا السند سندٌ له خاصة، كان كأنَّه أدرج سند الثاني في سند الأول فيكون إدراجًا ضمنيًا كذا ظهر، فتأمل. قوله: (فِيْ إِسْنَادِهِ)؛ أي: كحديث عبد الله بن مسعود: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا … » الحديثَ. فإنَّ الأعمش ومنصور بن المعتمر روياه عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، عن ابن مسعود، ورواه واصل الأسدي، عن شقيق، عن ابن مسعود وأسقط عَمْرًا فجاء الثوري، ورواه عن واصل ومنصور والأعمش، عن شقيق، عن عمرو، عن ابن مسعود، فأدرج رواية واصل في رواية منصور والأعمش؛ لأنَّ واصلًا لم يذكر فيه عَمْرًا بل يجعله عن شقيق، عن ابن مسعود. قوله: (أَوْ مَتْنِهِ) لفظُ المتن مُستدرك هنا وكأنَّه أشار به إلى القسم الرابع الذي ذكرنا أنَّه تركه إن لم يكن اعتمد على دخوله في الأول كما أومأنا إليه؛ وهو أن يكون المتن عنده بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فبآخر إلى آخر ما سبق، وقد تقدَّم ما يصلح مثالًا له. وقوله: (بِاتِّفَاقٍ)؛ أي: في المتن أو السند ولا يبينُ ما اختلف فيه.

стр. 102

أو يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقول كلامًا من قِبَل نفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سمعه أنَّ ذلك الكلام من متن الحديث، فيرويه عنه كذلك. ويكون في المتن؛ تارةً في أوَّله كحديث أبي هريرة: «أسبِغوا الوضوء، فإنَّ أبا القاسم ﷺ قال: ويلٌ للأعقاب من النَّار» [خ¦١٦٥]، فـ «أسبغوا» من قول أبي هريرة، والباقي قوله: (مِنْ مَتْنِ الْحَدِيْثِ) الظاهرُ أن (من) زائدة وإلَّا كان من الإدراج في المتن الآتي. قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ الْمَتْنِ) الضمير راجعٌ للأصل الذي هو الإدراج، وتقدم أنَّ أنواع إدراج المتن ثلاثةٌ وقد ذكرها الشارح بقوله (تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ … ) إلى آخره. قوله: (كَحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَسْبِغُوْا … ) إلى آخره، الأولى بل الصواب التمثيل بما رواه شَبَابةُ وغيره، عن شُعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ»، فإنَّ هذه الرواية فيها رفعُ الجملتين مع أنَّ الأولى من كلام أبي هريرة كما بيَّنه جمهور الرواة عن شعبة، كما في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ فإن أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قال … ) إلى آخره، ما ذكره الشارح، فرواية الشارح مبيِّنَةٌ للرواية التي ذكرناها، وهي التي فيها الإدراج، وهذه لا إدراج فيها؛ لتصريح محمد بأنَّ الجملة الأولى من كلام أبي هريرة، بل أفادَ أبو هريرة نفسه أنَّها من كلامه إذ علَّلَها بقوله: (فإنَّ أبا القاسم … ) إلى آخره، وشرط المدرج الإيهام، ولا إيهام مع التصريح، على أنَّ قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا … ) إلى آخره، قد ثبت في الصحيحين مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعليه فلا يكون من الإدراج في شيء، ولذا مثَّلَ في «شرح التقريب» لذلك بما رواه الدَّارقطني في «السنن» من رواية هشام، عن عروة، عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ رفْغَيْهِ أو أُنْثَيَيْهِ أو ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والرّفغان بفتح الراء وضمها: تثنية رفغ بالغين المعجمة أصل الفخذة، قال: قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد، عن هشام، وَوَهَمَ في ذِكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه لذلك في حديث بُسرة، والمحفوظ أنَّ ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام كحماد

стр. 103

مرفوعٌ، ويكون أيضًا في أثنائه، وفي آخره، وهو الأكثر؛ إلى آخره كحديث ابن مسعودٍ: «أنَّه ﷺ علَّمه التَّشهُّدَ في الصَّلاة، فقال: التَّحيَّات لله … » [خ¦٨٣١] أدرج فيه ابن زيد بلفظ «من مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال: وكان عروة يقول: «إذا مسَّ رفْغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ»، فعُروة فَهِم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنَّةُ الشهوةِ فجعل حُكم ما قرب من الذَكَر كذلك فقال ذلك، فظنَّ بعضُ الرواة أنَّه مِن وَصْلِ الخبر فنقله مُدرجًا فيه، وفَهِم الآخرون حقيقة الحال ففَصَلوه. انتهى. قوله: (وَيَكُوْنُ أَيْضًا فِيْ أَثْنَائِهِ) تركَ التمثيل له، ومن أمثلته حديث عائشة في بدء الوحي وهو قول الزهري فيه: (وهو التعبد الليالي … ) إلى آخره، وقد قدمناه لك آنفًا. قوله: (وَهُوَ الْأَكْثَرُ)؛ أي: من وقوعه أوله أو أثناءه، وفي الأثناء قليلٌ بالنسبة للمدرج في الآخر، كثيرٌ بالنسبة للمدرج في الأول، فإنَّه في الأول نادر جدًا حتى قال الحافظ ابن حجر: لم يوجد منه غير خبر «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ … » إلى آخره إلَّا ما وقع في بعضِ طُرقِ خبر بُسرة المارِّ عندَ الطبراني بلفظ «مَنْ مَسَّ رُفْغَيْهِ … » إلى آخره. تنبيهان: الأول: يُعرف الإدراجُ بورودهِ مُفَصَّلًا في رواية أخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي وبعض الأئمة المطَّلعين كما يُعلم مما سبق، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسيْ بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وأنا مَمْلُوكٌ»، فقوله: (والذي نفسي بيده … ) إلى آخره، مُدْرَجٌ من كلام أبي هريرة؛ لأنَّه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرِّقَّ، ولأنَّ أمه لم تكن إذ ذاك موجودةً حتى يَبَرَّهَا. الثاني: لا يجوزُ تعمد الإدراج في متن أو سند لتضمنه عزو القول لغير قائله إلَّا ما كان لتفسير غريبٍ كما فعله الزهري وغيره من الأئمة، كذا ذكره أئمة الحديث، قلت: استثناء تفسير الغريب يقتضي أنَّه إذا كان الإدراج لفائدةٍ لا يضرُّ وحينئذ فيظهرُ قياس ما يُدرجه الراوي المجتهد قياسًا على المذكور؛ كما تقدَّم في حديث: «مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ … » إلى آخره، فإنَّه وإن لم يصادف الحق ففضلًا عن كونه لا يُعاقب به، له فيه أجرٌ، فلينظر.

стр. 104

أبو خَيْثَمَة زهير بن معاوية أحدُ رواته عن الحسن بن الحرِّ هنا كلامًا لابن مسعود، وهو: «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». والعالي خمسةٌ: قوله: (أَبُوْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وفتح المثلثة، وقوله: (زُهَيْر) بدلٌ منه. قوله: (ابْنُ الحُرِّ) بضم الحاء المهملة آخره راء مشددة. قوله: (وَالْعَالِي)؛ أي: الحديث العالي، وعُلو الحديث بعلو سنده، وطلب العلو في السند؛ قال الإمام أحمد: سُنَّةٌ عَمَّن سلف؛ لأنَّ أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه، قال الطوسي: قُرب الإسناد قربةٌ إلى الله تعالى، فأصلُ الإسناد سنة مؤكدة والعلو فيه سنةٌ أخرى، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء، كما قال ابن المبارك، وهو سلاحُ المؤمن، كما قاله الثوري. فائدة: قال ابن حزم: نقلُ الثقة عن الثقة يبلغُ به النَّبيَّ ﷺ مع الاتصال فضيلة خصَّ الله بها هذه الأمة دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون من موسى قُربنا من محمد ﷺ ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلَّا تحريم الطلاق فقط، أما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص. وقال أبو علي الجبائي: خصَّ الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها مَنْ قَبْلها: الإسناد والانتساب والإعراب، ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إِسْنَادُ الْحَدِيْثِ. انتهى.

стр. 105

المطلق؛ وهو القرب من رسول الله ﷺ بعددٍ قليلٍ، بالنِّسبة إلى سندٍ آخرَ يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعددٍ كثيرٍ، أو بالنِّسبة لمطلق الأسانيد. والقرب من إمامٍ من أئمَّة الحديث ذي صفةٍ عاليةٍ؛ كالحفظ والضَّبط، كمالكٍ والشَّافعيِّ، قوله: (المُطْلَق)؛ أي: الذي لم يُقيدْ بإمامٍ أو كتابٍ، وهو أجلُّ الأنواعِ. قوله: (بِعَدَدٍ قَلِيْلٍ)؛ أي: مع كونه نظيفًا صحيحًا، أما إذا كان مع ضعفٍ فلا التفات إلى عُلوه سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممَّن ادعى سماعًا من الصحابة، مثل خِراش ونُعيم بن سالم. قلت: وقد وقع لي من هذا النوع الحديث المسلسل بالمُصافحة، فكان بيني وبين الرسول ﷺ فيه أربعة فقط، فحدَّثني به الشيخ الأجل السيد عمر بن سودة المهدي التاودي المغربي وهو مصافحٌ لي بملاصقة إبهام يده اليمنى لإبهام يدي وجعل السبابة والوسطى من يده بجانب إبهام يدي والخنصر والبنصر منه عند خنصري وبنصري والمعصم بين ذلك، قال: حدثني سيدي محمد السنوسي وهو مصافحٌ لي كذلك: حدَّثني سيدي محمد بن إدريس وهو مصافحٌ لي: حدَّثني الإمام الأكبر محيي الدين بن العربي وهو مصافح لي: حدثني رسول الله ﷺ وهو مصافح لي قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ وَلِأَخِيْ هَذَا وَأَدْخِلْنَا فِيْ رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ». قال شيخنا المذكور: وكلا روايتي ابن إدريس عن ابن العربي وابن العربي عنه ﷺ بلا واسطة بطريق خَرْقِ العَادَةِ إذ لم يلتق ابن إدريس مع ابن العربي، ولا ابن العربي مع رسول الله ﷺ ، قال: ولا ضير في مثل ما يُؤخذ من ذلك بهذه الطرق للتَّبرك سيما من مقام الصديقية، وبهذا تجوز رواية الحديث عند أهل الصديقية من باب قوله ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ بِتَكَلُّم البَقَرَةِ وَالذِّئْبِ وحديثهما في الصحيح، «وقال الناس: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ وذِئْبٌ يَتَكَلَّمَانِ، قال: آمَنْتُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ». انتهى (١). قوله: (يَرِدُ)؛ أي: يُرْوَى. وقوله: (بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لهُ. قوله: (كَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ)؛ أي: ونحوهما من الصفات المقتضيات للترجيح. قوله: (كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ)؛ أي: والبخاري ومسلم ونحوهم مع الصحة أيضًا، وإن كَثُرَ العددُ إلى

стр. 106

والقرب بالنِّسبة لرواية الشَّيخين وأصحاب السنن. والعلوُّ بتقدُّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مع (١) متأخِّر (٢) الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله. والعلوُّ بتقدُّم السَّماع، فَمَنْ تقدَّم سماعه من شيخٍ أعلى ممَّن سمع من ذلك الشَّيخ نفسه بعده. والنَّازل؛ كالعالي بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية. رسول الله ﷺ فهو علوٌّ نسبي مُقيَّد بإمامٍ ممَّن ذكر. قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ)؛ أي: ونحوهما، والمرادُ رواية كتب أولئك المعتمدة وهي الكتب الستة، وهو علوٌّ نسبي أيضًا، إذ الراوي لو روى حديثًا من غير طريق كتاب منها كـ «جزء ابن عرفة» وقعَ أنزل ممَّا رواه من طريقِ كتابٍ منها كالترمذي. قوله: (بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي)؛ أي: وإن تساويا في العدد فما يُروى عن ثلاثة، عن البيهقي مثلًا، عن الحاكم أعلى مما يُروى عن ثلاثة، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف، قال النووي: وأما عُلوه بتقدم وفاة شيخك لا مع التفاتٍ لشيخٍ آخر أو أمرٍ آخرَ فحدَّهُ ابن عُمير بِمُضي خمسينَ سنة تمضي من وفاة الشيخ وحدَّهُ ابنُ منده بمضيِّ ثلاثينَ. قوله: (بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ) يدخلُ من هذا القسم كثيرٌ فيما قبله ومثاله أن (٣) يسمعَ شخصان من شيخٍ وسماعُ أحدهما من ستينَ سنةً مثلًا والآخر من أربعين، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حقِّ من اختلط شيخه أو خَرِفَ وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه للأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصلَ له ذلك بعد. قوله: (بِالْنِّسْبَةِ إِلَى ضِدِّ الْأَقْسَامِ … ) إلى آخره؛ أي: فهو خمسة أقسام أيضًا فإنَّ كل قسمٍ من أقسام العلو يُقابله قسمٌ من أقسام النزول كما قاله ابن الصلاح. وهو بأقسامه مفضولٌ (٤) مرغوب عنه عند الجمهور وهو الصواب. قال ابن المديني: النزولُ شُؤمٌ.

стр. 107

و المُسلسَل: ما ورد بحالةٍ واحدةٍ وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. انتهى. وما حُكي من تفضيله (١) احتجاجًا بأنَّ الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في متن الحديث وناقله وتعديله فيزداد الثواب فيه، مذهبٌ ضعيفٌ. قال ابن دقيق العيد: لأنَّ كثرةَ المشقة ليست مطلوبة لنفسها ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى. انتهى. ولا نظرَ لتأييد العراقي له بأنَّه بمثابةِ مَن يقصد المسجد لصلاة الجماعة فيسلك طريقًا بعيدًا لتكثير الخُطا وإن أدَّاهُ سُلوكها إلى فواتِ الجماعة التي هي المقصود، وذلك؛ لأنَّ المقصود من الحديث التوصل إلى صحته وبُعْدُ الوهم فيه، وكُلَّما كثُرت رجال الإسناد تطرَّقَ إليه الخطأُ والخللُ وكُلَّما قَصُرَ السَّندُ كان أسلم، اللهم إلَّا أن يكونَ الإسنادُ النازل مشتملًا على فائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلًا بالسماع وفي العالي إجازة أو مناولة أو تساهل بعض رواته في الحمل ونحو ذلك، فإنَّه حينئذ ليس بمذمومٍ ولا مفضول بل محمود فاضل كما صرَّح به السِّلفي، وغيره قال: لأنَّ الأصلَ الأخذُ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، وقال ابن المبارك: ليس جودةُ الحديث قُرب الإسناد بل جودةُ الحديثِ صحةُ الإسناد. انتهى. والنَّازِلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى، قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقُهُ بين أهل الحديث، وإنَّما هو العلو من حيث المعنى، وقال شيخ الإسلام: لابن حبان تفصيل حسن وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى وإن كان للمتن فالفقهاء أولى. قوله: (وَالْمُسَلْسَلُ) هو نوعٌ مهمٌ، قال ابن الصلاح: من فضيلته اشتماله على مزيدِ الضَّبط من الرواة. وخيرُ المُسلسلات ما كانَ فيه دلالةٌ على اتصال السماع وعدم التدليس كحدثني أو سمعت، ثم قال: ولكن قَلَّمَا يسلمُ المسلسلُ من ضعفٍ يحصلُ في وصف المتسلسل لا في أصل الحديث. وهو سبعة أقسام، ثلاثة متعلقة بالرواة، وأربعة بالرواية كما ستعرفه. قوله: (مَا وَرَدَ بِحَالٍ وَاحِدَةٍ)؛ أي: ما تواردت فيه الرواية والرواةُ على وصفٍ واحدٍ لهم، مأخوذ

стр. 108

في الرُّواة أو الرِّواية، من التسلسل، وهو التتابع، فهو عبارةٌ عن تتابع رواية الحديث أو رِجَالِهِ على حالةٍ واحدةٍ ووصفٍ واحدٍ، وتتابع الرواة على وصفٍ أعمُّ مِن أن يكون قوليًّا فقط أو فعليًّا فقط أو هما معًا؛ فأصناف هذا النوع ثلاثة: مثال الأول: الحديث المسلسل بقوله ﷺ لمعاذ ﵁: «يا مُعَاذُ إنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ في دُبُرِ كل صَلَاةٍ: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» فإنَّهُ مسلسلٌ بقولِ كُلٍّ من الرواة لمن يرويه عنه: وأَنَا أُحِبُّكَ فقل … إلى آخره. ومثال الثاني: في الحديث المُسلسل بالمصافحة، وقد أسلفناهُ لكَ بروايتنا إيَّاهُ عن شيخنا المهدي الفاسي، ومثالهما معًا الحديث المسلسل بِقَبْضِ الْلِّحْيَةِ وَقَوْلِ «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وهو قوله ﷺ لأنس ﵁: «لَاْ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاْوَةَ الْإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ» فإنَّهُ ﷺ بعد أن قَالَهُ لأنس قبضَ على لحيته الشريفة وقال: «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وكذلك أنس يفعل هكذا بعد روايته للغير، ومن روى عنه كذلك، وهَلُمَّ جَرًّا. ومن المسلسل بالصفة الفعلية المُسلسل بالقُرَّاءِ والحُفاظ والفقهاء والمحدثين وحدَّثني قائمًا أو متبسمًا، أو نحو ذلك. قوله: (أَوْ الْرِوَايَة)؛ أي: أو وردَ بحالٍ واحدٍ في الرواية بأنْ تواردت فيه الرواية على وصفٍ واحد وذلك الوصف إما صيغة من صيغ الأداء أو أمر متعلق بزمنِ الرواية أو مكانها أو تاريخها، فأصنافُ هذا النوع أربعة: مثال الأول: أن يروي جميع الرواة الحديث بصيغة: أنبأني أو حدَّثني أو نحو ذلك من طرق الرواية، فلمَّا اتَّحد ما وقعَ للرواةِ من السَّماع ونحوه صار الحديث مسلسلًا باعتبار هذا الاتحاد فكلُّ راوٍ يرويه بصيغةٍ ترجعُ إلى صفة التحمل. ومثال الثاني: المسلسل بقصِّ الأظفار يوم الخميس، وهو أنَّه ﷺ قال: « … وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيْسِ، وَالْغُسْلُ وَالْطِّيْبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ»، فقصُّ الأظفارِ وما بعده وإن كان وصفًا فعليًّا للراوي إلَّا أنَّه لما أضيف إلى زمن الرِّواية عُدَّ من الأوصاف المتعلقة بها فيجب على كل راوٍ أن يُضيفه إلى زمانها. ومثال الثالث: الحديثُ المسلسلُ بإجابةِ الدُّعاءِ في المُلتَزَم، فإجابة الدعاء وإن كانت وصفًا له

стр. 109

وأصحُّها قراءة سورة الصَّفِّ. تعالى إلَّا أنَّها متعلقة بمكان الرواية من حيث إنَّ الُمراد إجابة دعاءٍ واقعٍ في المُلتَزَم لا مطلقًا، فيلزم كل راوٍ أن يقيد بما ذكر. ومثال الرابع: الحديث المسلسل بالآخرية ككون الراوي آخرَ من روى عن شيخه فيقول: (أخبرنا فلان وأنا آخر من روى عنه)، فقوله: (وأنا آخر … ) إلى آخره، وإن كان وصفًا مُتعلقًا بالراوي إلَّا أنَّه لَمَّا تعلَّقَ بتاريخِ الروايةِ عُدَّ من الأوصاف المتعلقة بها وكأنه يقول: روايتي وقعت في آخر أزمنة الرواية عنه، ولا يذهب عنك أن المراد بالوصف المتعلق بالتاريخ وصفٌ مخصوصٌ كالآخرية، فلا يقال إنَّ هذا متعلقٌ بزمنِ الرواية فهو تكرارٌ، ومن هذا القسم الحديث المسلسل بالأَوَّلية بمعنى أن كل راوٍ إنَّما يرويه عَمَّنْ لمْ يسمعْ منه شيئًا قبله من الأحاديث كحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرض يَرْحَمْكُمْ من في السَّمَاءِ»، فيقول الراوي: سمعته من شيخي فلان وهو أول حديث سمعته منه ويقول شيخه كذلك وهكذا إلى تمام السلسلة، لكن التسلسل فيه ينتهي إلى سفيان بن عيينة، وانقطعت فيمن فوقه، فانقطعت في سماع ابن عيينة من عمرو بن دينار، وفي سماع عمرو من أبي قابوس وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سماع عبد الله من النَّبيِّ ﷺ . قلت: وقد رويتُهُ عن عِدَّةِ أشياخ أجلُّهُم سيدي الشيخ عمر بن سودة الفاسي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا به الشريف سيدي عبد السلام الآزمي الفاسي، عن ابن الطالب التاودي المري: حدثنا أحمد بن مبارك صاحب الإبريز: حدثنا سيدي حسن اليوسي: حدثنا العلامة الزرقاني صاحب التآليف الشهيرة، عن العلامة الأجهوري بسنده المتصل إلى [عبد الله بن] عمرو بن العاص، وذكره ثم قال فيه: «يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ﵎»، وقال: رويناه بالرفع والجزم، ويشهدُ لرواية الجزم أحاديث كقوله: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله من عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»، وحديث: «مِنْ لَاْ يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». انتهى. قوله: (قِرَاءَةُ سُوْرَةِ الصَّفِ)؛ أي: مُسلسل قراءةِ سورة الصَّفِ؛ وهو ما رواه عبد الله بن سلام قال: «قَعَدْنَا نَفَرًا من أَصْحَابِ رسول اللهِ ﷺ فَتَذَاكَرْنَا، فَقُلْنَا: لو نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعَالَى لَعَمِلْنَاهُ؟ فَأَنْزَلَ الله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١ - ٢]، قال عبد الله بن سلام: قَرَأَهَا عَلَيْنَا رسول اللَّهِ ﷺ هكذا، قَالَ أَبُوْ سَلَمَةَ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بن سَلَامٍ ﵁ هكذا، قال يحيى: وقَرَأَهَا عَلَيْنَا أبو سَلَمَةَ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى». انتهى.

стр. 110

و الغريب: ما انفرد راوٍ بروايته، أو برواية زيادةٍ فيه عمَّن قوله: (وَالْغَرِيْب … ) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لانفراد راويهِ عن غيره، كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه. قوله: (مَا انْفَرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ)؛ أي: بأنْ رواهُ هُوَ وحده كُلًّا أو بعضًا، كما سيذكره الشارح، وقد قَسَمَ ابن سيد الناس الغريب إلى خمسة أقسام: غريبٌ سندًا ومتنًا، وسندًا لا متنًا، ومتنًا لا سندًا، وغريب بعض السند، وغريب بعض المتن. فالأول: كحديث النهي عن «بَيْعِ الْوَلَاْءِ وَهِبَتِهِ» فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. الثاني: حديث رواه عبد المجيد [بن أبي] رواد، عن مالك ﵁، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الْأَعْمَالُ بِالْنِّيَّةَ»، قال في «الإرشاد»: فقد أخطأ فيه عبد المجيد؛ لأنَّه غير محفوظ عن زيد بن أسلم، قال أبو الفتح اليعمري: هو إسنادٌ غريبٌ كله والمتن صحيح، وفي مثل ذلك يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه. والثالث: وفيه قال ابن الصلاح: لا يوجد أبدًا ما هو غريب متنًا لا سندًا إلَّا إذا اشتهر الحديث الفردُ عمن انفرد به؛ -أي: شهرة مطلقةً- بأن رواه عنه عدد كثير فإنَّه يصير غريبًا مشهورًا؛ -أي: غريبًا متنًا لا سندًا- لكن بالنظر إلى أحد طرفي السند فإن سنده غريب في طرفه الأول، مشهور في طرفه الأخير، كحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّ الشُّهرة إنَّما طرأت له من عند يحيى بن سعيد، فقول ابن الصلاح: لا يوجد؛ أي: خارجًا وإن اقتضته القسمة العقلية، كما مرَّ عن ابن سيد الناس. الرابع: حديث: «أم زَرْعٍ» المشهور، فإنَّ المحفوظ فيه ما رواه ابن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن أبيهما عن عائشة، ورواه الطبراني من حديث الدراوردي، عن هشام، عن أبيه بدون توسط أخيه. قال أبو الفتح: فهذه غرابةٌ تخص موضعًا من السند، والحديث صحيح. الخامس: كحديث زكاة الفطر، وهو: «فرض رسول الله ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ من رَمَضَانَ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ، على الْعَبْدِ والْحُرِّ والذَكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ من الْمُسْلِمِينَ» حيثُ
следующие страницы →