بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أحسنُ ما تسهلُ به طوالعُ مقدِّمات الحديث حمدُ الله القديم الَّذي نزَّل أحسن الحديث، كما أنَّ أبلجَ ما تستضيء به مشارق الصَّلاح بوارق شوارق الوآم وصوادق ضوابط الاصطلاح، فله الحمدُ على تسلسل نَعْمائه الحسنة، ولهُ الشكرُ على تواترِ لآلئ آلائه بتواتر الأزمنة، والصَّلاة والسَّلام على فاتح أبواب العلا ومانح أسباب السّعود، وشارح صحيح صريح الشَّريعة بقوله الفصل وفعله المحمود؛ سيِّدنا محمَّد القائل في ظلِّ روضِ القربِ اليانعِ، القائل ﷺ : «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه، المتَّصلُ سندُ عزِّهم إليه ما تَرَاسَلَتِ الأخبارُ وتَرَنَّمَت في حدائق الأزهارِ سواجعُ الأطيارِ.
أما بعدُ:
فيقولُ الموقوفُ الرَّجاءِ على فيض فضل جَنَابِ الخالقِ الباري عبد الهادي بن رضوان المشهور بِنَجَا الأَبْيَاري:
لمَّا شرعتُ في قراءة صحيح البخاري بالأزهر لا زال معمورًا بالعلم الأنور، مغمورًا بالفضل الأزهر، ألزمني أجلُّ أحبابي وأخصُّ أصحابي؛ الفاضل الهُمام الشيخ محمد الأَنْبَابِي أن أكتبَ على مقدمة شرح القسطلاني على البخاري حاشيةً، قال: فإنَّها لصُعوبتها صارت العناية بها مع الحاجة إليها واهيةً فحاولت قصورًا فلم تُجْدِّ المحاولة، فامتثلتُ مستعينًا بالله الَّذي لا يخيب مؤمِّله، وكتبتُ عليها ما اقتضاه المقام من توضيح ما أَشْكلهُ الشَّارح وإبداء ما أخفاه، وما تنشرح له من المطالب نفس الطَّالب وتقرُّ بهِ عيناه، فجاءت بحمد الله حاشية كحاشية بَرَد الخودِ كافلةً بحلِّ كلِّ معقودٍ، وافيةً بجلِّ ما هو مقصود، جمعتُ من المصطلح أصلحه وأنفعه، ومنعتُ الأذهانَ أن تُشَتَّتْ في طلب فنون الحديث الضَّائع أوجهًا في أرجاء الأسفار المتَّسعة، لاسيَّما في هذه الأزمان القاصرةِ الهمم المتكاثرةِ الغُمم القليلةِ الالتفات إلى هذه العلوم العظيمة النَّفعِ الجليلة الوقعِ، إذ أضحت فيها غريبة ليس لها مأوًى منقطعةَ الصُّحبة لا تجدُ لها مَن يهوى، على أنَّها جديرةٌ بالوصل والضمِّ حقيقةٌ بأن يدأبَ في إيوائها إليه وإدراجها لديه الجمُّ، ولخوفي من التَّطويل مع حرصي على الجمع والتَّحقيق أدمجت فيها تارةً وفصَّلتُ أخرى، ولم ألتفت إلى التَّنميق والتَّدقيق بل إلى التَّوفيق إذ ذلك أحرى، هذا مع جمودِ قريحتي وخمود فكرتي، وتبلبلِ بالي وتشتت أحوالي.
فإليك أيها الأخ الرَّفيق المعذرة ما وجدتَ زلَّةَ قدمٍ أو زلَّة فهمٍ أو سبقَ قلمٍ أو فلتةَ وهمٍ،
стр. 2
الفصل الأوّل
في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث
أقول مستمدًّا من الله تعالى الإعانة على التَّوفيق للإيضاح والإبانة: رُوِّينا عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي، فحفظها
فجائزٌ على أبناء جنسك ما تعهده أنت من نفسك، والإنسان محلُّ الخطأ والنِّسيان، وسمَّيتُ هذه الحاشية:
«نيل الأماني في توضيح مقدِّمة القسطلاني»
وعلى الله الاعتماد وإليه الاستناد
قال ﵀: (الفصل الأول): يُطلق الفصلُ في اللُّغة على معانٍ منها الحاجز بين الشَّيئين كما في القاموس، والمصنِّفون يترجمون به أثناء الكتب؛ إمَّا لأنَّه نوعٌ من المسائل مفصولٌ عن غيره، أو لأنَّه ترجمةٌ فاصلةٌ بينه وبين غيره فهو بمعنى مفعول أو فاعل.
قوله: (أهل الحديث) سيأتي أنَّه في الاصطلاح: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وبينه وبين الحديث التَّالي الجناس التَّام، ووقع منه في القرآن كثير، وإن قال بعضهم لم يقع منه فيه إلَّا موضعان: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الرُّوم: ٥٥]، ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [النُّور: ٤٣ - ٤٤] إذ الأوَّلُ جمعُ «بصرٍ» والثَّاني جمعُ «بصيرةٍ»، فقد بُنيت سورة النَّاس عليه كما بيَّنه المفسرون، ووقع في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ﴾ الآية [آل عمران: ٧٨]، على ما ذكره بعض المفسِّرين من أنَّ المراد بالأوَّل المكتوب في التَّوراة وبالثَّاني نفس التَّوراة وبالثَّالث جنس الكتب الإلهيَّة وغير ذلك كما فصَّلناه في غير ما هنا.
قوله: (في القَدِيْمِ والْحَدِيْثِ)؛ أي: الزَّمن السَّابق واللَّاحق (والإِبَانَةُ) مصدرُ أَبَنْتُهُ، بمعنى أوضحته فهو بمعنى ما قبله. وفي «القاموس»: بَيَّنْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ واسْتَبَنْتُهُ: أوضحْتُهُ وعَرِفْتُهُ فبَانَ، وبَيَّنَ وتَبَيَّنَ وأَبَانَ واسْتَبَانَ كُلُّهَا لازمةٌ ومتعدِّيةٌ، والتِّبْيَانُ، ويفتح: مصدرٌ شاذٌ. انتهى.
فقوله: (لازِمَةٌ ومُتَعَدِّيَةٌ)؛ يعني: أنَّ هذه الأوزان الخمسة تُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتعدِّيةً؛ فيُقال: بَانَ الشَّيءُ وبِنْتُهُ، وأَبَانَ الشَّيءَ وأَبَنْتُهُ، وتَبَيَّنَ وتَبَيَّنْتُهُ، وبَيَّنَ الشَّيءَ وبَيَّنْتُهُ، واسْتَبَانَ الشيءَ واسْتَبَنْتُهُ.
وقوله: (والتِّبْيَان، ويفتحٍ مصدرٌ شاذٌ)؛ أي: مصدر لبَيَّنَ وهو بالكسر وفيه الفتحُ، ومجيءُ المصدرِ منهُ على هذا الوزنِ؛ -أي: التِّفعال- بالكسر شاذٌّ؛ فإنَّ المصادر إنَّما تجيء على التَّفْعَال بالفتح، قال في «الصّحاح»: ولم يجئ بالكسر إلَّا التِّبيان والتِّلقاء. انتهى.
وانْحصار تِفعال بالكسر في هذين اللَّفظين به جزم الجماهير من أئمَّة اللُّغة والصَّرف.
قوله: (نَضَّرَ اللهُ امْرءًا) امرؤ مُنَكَّرُ المرءِ؛ فإنَّه إذا دخل عليه الألف واللَّام سقطت الهمزة الَّتي كانت في أوله قبل دخولهما، قال ابن الطَّيّب: لأنَّ ألف الوصل إنَّما تدخل في (مرء) و (مرأة) إذا كانتا نَكِرَتين، وسُكِّن أوَّلهما من أجل حركة الإتْباع عند اجتماع السَّاكنين، وإذا عُرِّفَا بالألف واللَّام رُدَّا إلى الأصل فحُرِّك أوَّلُهُمَا واستُغني عن ألف الوصل فيهما وسقطت حركة الإتْباع من وَسَطِهِما؛ لذهابِ السَّاكنين كما يُفعل بالبنين والبنات، قال ابن دَرَسْتُوَيه: هكذا الاستعمال في المرء والمرأة؛ لأنَّهما اسمان صحيحان، فأمَّا سائر الأسماء الَّتي في أوَّلها ألف الوصل كابن وابنة فإنَّ التَّعريف يدخل عليها مع تسكين أوَّلها؛ لأنَّها معتلَّةٌ محذوفة الأواخر. انتهى.
قال القزَّاز: ومن العرب من يقول هذا الامرء الصَّالح، وهذه الامرأة. انتهى.
ثمَّ هو لا يُطلق على الأنثى إلَّا مجازًا، وما نقله ابن الأعرابيِّ أنَّه يُقال للأنثى «امرؤ» صريح بغرابته ونُدرته في «المُحكم» وغيره، ولا يجمع من لفظه لا جمعَ سلامة ولا جمع تكسير، وإنَّما يُثَنَّى فيقال: «مرآن» بإسقاط الألف أوَّله كما نبَّه عليه الجوهريُّ، وقال في «الفصيح»: وتقول: هو امرؤ وامرآن وقوم وامرأة ونسوة، قال شرَّاحه: يعني: أنَّ امرأً وامرأةً لا يُجمعان بلفظهما ولكن يستغنى عن ذلك بقوم ونسوةٍ، وهكذا استعمال العرب وهو خلاف القياس؛ لأنَّ امرأً وامرأةً اسمان بمنزلة ابن وابنة أولهما مسكن وألف الوصل داخل عليهما ومع ذلك جمعوهما على لفظهما فقالوا: أبناء وبنون ولكن تُرِك القياس فيهما. انتهى.
وقيل: سُمع جمع «المرء» على «مرؤون»؛ إلحاقًا له بجمع المذكَّر السَّالم، كأنَّهم اعتبروا فيه معنى الوصفيَّة بالمروءة من قال ذلك قال في المرأة أيضًا: «مَرَات» بحذف ألف الوصل وفتح الميم على الأصل، وقيل: في «المرأة» أيضًا «مَرَة» بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الرَّاء، والامرأة بدخول (ال) على امرأة المقرون بهمزة الوصل لكنَّها لغة ضعيفة، ومَرْأَةٌ كفتاةٌ كما في «إصلاح المنطق» وامراةٌ بألف بعد الرَّاء غير مهموز كما في «شرح الفصيح».
وإذا صُغِّرَ المرء والمرأة سقطت منهما ألف الوصل فقيل مُرَيْء ومريئة، قال الشَّاعر:
تَعَرَّضَتْ مُرَيْئَةُ الحَيَّاكِ … لناشئٍ دَمَكْمَكٍ نَيَّاكِ
والنسبة إليه «مَرَئي» بفتح الراء -كما قاله الجوهريّ- وكذا النِّسبة إلى امرئ القيس ممن لُقِّبَ بذلك من الصَّحابة والشُّعراء جميعًا إلَّا ابن حُجْر الملك الضَّليل الشَّاعر الشَّهير فالنسبة إليه مرقسيّ كما نصَّ عليه في «القاموس» في باب
стр. 3
ووعاها وأدَّاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ إلى مَنْ هو أفقه منه» رواه الشَّافعيُّ والبيهقيُّ، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ بلفظ: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع منَّا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى من سامعٍ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في حجَّة الوداع: «نضَّر اللهُ امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فَرُبَّ حامل فقهٍ ليس بفقيهٍ … » الحديثَ، رواه البزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وابن حبَّان في «صحيحه» من حديث زيد بن ثابتٍ ﵁، وكذا رُوِي من حديث معاذ بن جبلٍ والنُّعمان بن بشيرٍ وجُبير بن مُطعمٍ وأبي الدَّرداء وأبي قِرصافة، وغيرهم من الصَّحابة ﵃، وبعض أسانيدهم صحيحٌ، كما قاله المنذريُّ، وقوله: «نضَّر الله» بتشديد الضَّاد المُعجمَة وتُخفَّف، والنُّضْرة: الحُسْن والرَّونق.
والمعنى: خصَّه الله تعالى بالبهجة والسُّرور؛ لأنَّه سعى في نَضارة العلم وتجديد السُّنَّة، فجازاه في دعائه له بما يُناسب حالَه في المُعامَلة. وأيضًا: فإنَّ مَنْ حفظ ما سمعه وأدَّاه كما سمعه من غير تغييرٍ كأنَّه جعل المعنى غضًّا طريًّا، وخُصَّ الفقه بالذِّكر دون العلم؛ إيذانًا بأنَّ الحامل غيرُ عارٍ عن العلم، إذ الفقه علمٌ بدقائق العلوم المُستنبَطة من الأقيسة، ولو قال: غير عالم لَزِم جهله،
السِّين، فاغتنم هذه الفوائد فإنَّها من ذخائر الفرائد.
قوله: (وَوَعَاهَا) في «القاموس»: وَعَى الشَّيءَ: حفظه وجمعه. انتهى.
فيُحتمل أن يكون ما هنا من الأوّل ويكون المراد بأحد الحفظين الاستحضار عن ظهر قلب وبالآخر عدم التَّفريط فيه، وأن يكون من الثَّاني ويكون المراد جمعُ ما تفرَّقَ منها أو جمعُ معانيها.
وقوله: (وَأَدَّاهَا)؛ أي: ألقاها إلى غيره وبلَّغها إياه.
قوله: (كَمَا سَمِعَهَا)؛ أي: من غيرِ تغييرٍ ولا زيادة ولا نقص لا في اللَّفظ ولا في المعنى، وهذا ممَّا اسْتُدِلَّ به على عدم جواز الرِّواية بالمعنى، وسيأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (فَرُبَّ مُبَلَّغٍ) بفتح اللَّام: اسم مفعول.
وقوله: (أوعى)؛ أي: أحفظْ؛ أي: رُبَّ شخصٍ بلَّغه غيرُه الحديثَ يكون أحفظ ممَّن بلَّغه فينتفع هو ويُبلِّغ غيره وهكذا.
قوله: (والنُّضْرَة الحُسَن)؛ أي: ونَضَّرَ: مشتقٌ منه، فمعناه حسَّن الله … إلى آخره، والفعل منه كنَصَر
وكَرُمَ وفَرِحَ، ويُقال: نَضَّرهُ الله، ونَضَرَهُ، مُخفَّفًا ومشَّددًا، كما في «القاموس».
قوله: (والمعنى: خَصَّهُ اللهُ بِالْبَهْجَةِ … ) إلى آخره، أقولُ: لا بهجةَ في وجه التَّخصيص بل لا وجه له إلَّا لو قال: وخصَّ النَّبيُّ ﷺ هذا المرء بالدُّعاء، وبخصوص الدُّعاء بالنَّضرة … إلى آخره، والبهجةُ هي: الحسنُ والفرحُ، والفعل منه بمعنى الأول بَهُجَ -كَكَرُمَ- بهاجةً فهو بهيجٌ، وبمعنى الثَّاني -كفعله- فهو بهيج وبهج، وأما بَهَجَ -كمَنَعَ- فمعناه: أَفْرَحَ وسرَّ، والابتهاج: السُّرور، كما في «القاموس».
قوله: (فَجَازَاهُ في دِعَائِهِ … ) إلى آخره، وقد أجاب الله دعاء نبيِّه ﷺ ، قال سفيان بن عيينة: ليس من أهل الحديث أحدٌ إلَّا وفي وجههِ نضرة؛ لهذا الحديث. انتهى.
وإذا كان هذا في الدُّنيا فما بالك في الآخرة، وقد رُوي أنَّه: «يُوْضَعُ لَهُم مَنَابِرُ مِنْ نُوْرٍ يُحَدِّثُوْنَ عَلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ»، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]: ليس لأهل الحديث مَنْقَبَةٌ أشرفُ من ذلك؛ لأنَّه لا إمام لهم غيره ﷺ ، وناهيك بأنَّه العِلْمُ الموصل إلى الله تعالى والباحث عن تصحيح أقواله ﷺ وأفعاله والذَّابُّ عنه أن يُنْسَبَ إليه ما لم يقله، وسائر العلوم محتاجةٌ إليه، أمَّا الفقه فواضحٌ، وأمَّا التَّفسير فلأنَّ أولى ما فُسِّرَ به كلام الله تعالى ما ثبتَ عن نبيِّه ﷺ وأصحابه ﵃.
قوله: (غَضًّا) بفتح الغين وتشديد الضَّاد المعجمتين بمعنى طريًّا، قال في «القاموس»: والغضيض: الطَّري، والطَّلع النَّاعم كالغضِّ فيهما. انتهى.
قوله: (إذ الفِقْهُ عِلْمٌ بِدَقَائِقِ الأُمُوْرِ)؛ أي: بالأمور الدَّقيقة؛ -أي: الخفيَّة- لا بمطلق الأشياء، فلا يُقال مثلًا: فَقِهْتُ السَّماءَ والأرض، بخلاف العلم فأعمُّ، وهذا ما جرى عليه جماعة من اللُّغويِّين، إلَّا أنَّ التَّقييد بكون تلك الدَّقائق مستنبطة من الأقيسة كما ذكره الشَّارح لم أره لأحد منهم وكأنَّه سرى له من معناه الشَّرعيِّ، وقيل: الفقه هو العلم بالشيء مع الفهم له بخلاف العلم فأعمُّ، وقيل: هو شدَّة الفهم بخلاف العلم فمطلق الفهم، وعلى كلٍّ من هذه الأقوال فليس الفقه مرادفًا للعلم بلْ أخصُّ منه، فكلُّ فقيهٍ عالمٌ ولا عَكْسَ.
والظَّاهرُ أنَّ الفقه في الحديث مصدرٌ بمعنى اسم المفعول؛ أي: علمٌ مَفْقُوهٌ ومفهومٌ، وحينئذٍ فيكون معنى الرِّواية الأولى: رُبَّ حَامِلِ عِلْمٍ قَد فهمه فهمًا ما، يؤدِّيه إلى من هو أفقه وأفهم منه، فيفهم بذهنه الرَّائق وفكره الفائق من ذلك العلم معاني وأحكامًا قَصُرَ عنها مَن بَلَّغَهُ فيَعلمها هو وغيره، فتكثرُ الفائدة وتحصل الثَّمرة المقصودة من الحديث الشريف، وحينئذٍ فوجه التَّعبير بالفقه دون العلم ما قاله الشَّارح من الإيذان بأنَّ الحامل غير عارٍ عن العلم؛ أي: أنَّ حقَّه أن يكون كذلك، فهو حثٌّ له على التَّفقُّه فيما حمل ولا يكون كمثل الحمار يحمل أسفارًا، ولو قال: رُبَّ حامل علم إلى مَن هو أعلم منه، لم يكن مؤذنًا بذلك كما لا يخفى، وأما الرِّواية الثَّانية فالمعنى فيها: ربَّ حامل علم عظيم قد اشتمل على معان كثيرة يفقه ويفهم منه نوعًا ما من الفهم إلَّا أنَّه قاصر الفهم ليس بكثير الفقه بحيث لا يتوصل إلى فهم جميع ما اشتمل عليه ما حمله، وإذا اقتصر على نفسه ضاع ذلك الفقه فليبلِّغه فرُبَّمَا بلَّغَهُ إلى مَن هو أفقه منه فآثر التَّعبير بالفقه أيضًا؛ إيذانًا بما ذكر، ولو عَبَّر بالعلم بأن قال: ربَّ حامل علم ليس بعالم، لفات ذلك المعنى بل تبادر التَّناقض من هذا المبنى إذ يصير الكلام رُبَّ عالمٍ ليس بعالم، هذا توضيح ما أشار إليه الشارح، وربما عَنَّ لك أن تقول: كان يتأدَّى ذلك لو قال في الرِّواية: الأولى: رُبَّ حامل علم إلى من هو أفقه منه، وفي الثَّانية: رُبَّ حامل علم ليس بفقيه؛ فإنَّ التَّفضيل في الأولى والمبالغة في الثَّانية يؤذنان بأنَّ الحامل له نوعٌ من الفقه والفهم لِمَا علمه فيظهر في الجواب أنَّه عبَّر بذلك ليُفيد تلك النُّكتة المقصودة، أعني: حثُّ حاملِ العلمِ على فهم ما حمل من أول وَهْلَةٍ؛ اهتمامًا بها مع ما فيه من حُسن
стр. 4
وقوله: «رُبَّ» وُضِعَت للتَّقليل، فاستُعيرَت في الحديث للتَّكثير، وقوله: «إلى من هو أفقه منه» صفةٌ لمدخول «رُبَّ» استُغنِي بها عن جوابها، أي: رُبَّ حامل فقهٍ أدَّاه إلى مَنْ هو أفقه منه لا يفقه ما يفقهه المحمول إليه، وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهمَّ ارحم خلفائي»، قلنا: يا رسول الله، ومَنْ خلفاؤك؟ قال: «الذين يروون أحاديثي ويعلِّمونها النَّاس»، رواه الطَّبرانيُّ في «الأوسط»، ولا ريبَ أنَّ أداء السُّنن إلى المسلمين نصيحةً لهم مِن وظائف الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فمَنْ قام بذلك كان خليفةً لمن يبلِّغ عنه، وكما لا يليق بالأنبياء ﵈ أن يهملوا أعاديهم ولا ينصحوهم، كذلك لا يحسن بطالب الحديث وناقل السُّنن أن يمنحها صديقه ويمنعها عدوَّه، فعلى العالم بالسُّنَّة أن يجعل أكبرَ همِّه نشرَ الحديث، فقد أمر النَّبيُّ ﷺ بالتَّبليغ عنه، حيث قال: «بلِّغوا عنِّي ولو آيةً» الحديثَ، رواه البخاريُّ ﵀، قال المُظْهِريُّ: أي: بلِّغوا عنِّي أحاديثي ولو كانت قليلةً. قال البيضاويُّ ﵀: قال: «ولو آيةً» ولم يقل: ولو حديثًا؛ لأنَّ الأمر بتبليغِ الحديثِ يُفهَم منه بطريق الأولويَّة، فإنَّ الآياتِ مع انتشارها وكثرةِ حَمَلَتِها، تكفَّل الله تعالى بحفظها وصونها عن الضَّياع والتَّحريف. انتهىَ.
وقال إمام الأئمَّة مالكٌ رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ العلماء يُسأَلون يوم القيامة عن تبليغهم العلم كما يُسألُ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقال سفيان الثَّوريُّ: لا أعلم عملًا أفضل من علم الحديث لمن أراد به وجه الله تعالى، إنَّ النَّاس يحتاجون إليه حتَّى في طعامهم وشرابهم، فهو أفضل من التَّطوُّع بالصَّلاة والصِّيام؛ لأنَّه فرض كفايةٍ، وفي حديث أسامة بن زيدٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَحملُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» وهذا الحديث رواه من الصَّحابة عليٌّ وابن عمر وابن عمرٍو وابن مسعودٍ وابن عبَّاسٍ وجابر بن سَمُرة ومعاذٌ وأبو أُمامة وأبو هريرة ﵃، وأورده ابن عديٍّ من طرقٍ كثيرةٍ كلُّها ضعيفةٌ، كما صرَّح به الدَّارقطنيُّ وأبو نُعيمٍ وابن عبد البرِّ، لكن يمكن أن يتقوَّى بتعدُّد طرقه، ويكون حسنًا كما جزم به ابن كيكلدي العلائيُّ، وفيه تخصيص حملة السُّنَّة بهذه المَنْقَبَة العليَّة، وتعظيمٌ لهذه الأمَّة المحمَّديَّة، وبيانٌ لجلالة قدر المحدِّثين، وعلوِّ مرتبتهم في العالَمين؛ لأنَّهم يحمون مشارع الشَّريعة ومتون الرِّوايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين؛ بنقل النُّصوص المُحكَمة لردِّ المتشابه إليها.
وقال النَّوويُّ في أوَّل «تهذيبه»: هذا إخبارٌ منه ﷺ بصيانة هذا العلم وحفظه وعدالة ناقليه، وأنَّ الله تعالى يوفِّق له في كلِّ عصرٍ خَلَفًا من العُدُول يحملونه، وينفون عنه التَّحريف فلا يضيع، وهذا تصريحٌ بعدالة حامليه في كلِّ عصرٍ. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النُّبوَّة، ولا يضرُّ كون بعض الفسَّاق يعرف شيئًا من علم الحديث؛ فإنَّ الحديث إنَّما هو إخبارٌ بأنَّ العدول يحملونه، لا أنَّ غيرهم لا يعرف شيئًا منه. انتهىَ.
التَّجانس دون ذاك.
هذا وذهب بعض اللُّغويين إلى أنَّ الفقه أَنْزَلُ من العلم كما نقله ابن الطَّيِّب في حواشي القاموس، وعليه فيظهر أنَّ وجه إيثاره على العلم حينئذٍ الإيذان بطلب نشر مُطلَق العلم النَّافع لا بقيد كونه على وجه مخصوص، فليُتأمَّل.
قوله: (وُضِعَت لِلتَّقْلِيلِ) هو أحد قولين، والمشهور أنَّها للتَّكثير، وقال الشَّارح نفسه في «كتاب العلم» ما نَصُّهُ: ورُبَّ حرفُ جرٍ يُفيد التَّقليل لكنَّه كَثُرَ في الاستعمال للتكثير بحيث غلب حتَّى صار كأنَّه حقيقة فيه. انتهى.
ولذا قيل:
خَلِيْلِي لِلْتَّكْثِيْرِ رُبَّ كَثِيْرَةٌ … وَجَاءَتْ لَتَقْلِيْلٍ وَلَكِنَّهُ يَقِلْ
وكذا ذكر الأشمونيُّ إذ قال: هي للتَّكثير كثيرًا وللتَّقليل قليلًا، فالأوَّل كقوله ﷺ : «يا رُبَّ كَاسِيَةٍ في الدُّنْيَا عَارِيَةٌ في الْآخِرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ أي: لأنَّ الحديث مسوق للتَّخويف، والتَّقليل لا يُناسبه، والثَّاني كقوله:
أَلَا رُبَّ مَوْلُوْدٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ … ... … ... …
وعلى هذا لا استعارة في الحديث، وقيل: موضوعةٌ لهما سواء، وقيل: للتَّقليل مجازًا والتَّكثير حقيقة، وقيل: للتَّكثير في موضع المباهاة والتَّقليل فيما عداه، وقال في «القاموس»: لم تُوضع لتقليلٍ ولا لتكثيرٍ بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى.
قوله: (عَنْ جَوَابِهَا) المرادُ به: خبر المبتدأ الَّذي دخلت عليه رُبَّ، وكأنَّه سمَّاه جوابًا؛ تشبيهًا لرُبَّ وخبر مدخولها بالشَّرط وجوابه لتوقف معناها عليه تَوَقُّفَ المبتدأ على الخبر، وتقدير الشَّارح المحذوف (أدَّاه) لا يضره كونه خاصًّا والعامل الخاصُّ لا يُحذف؛ إذ محله ما لم تدلَّ عليه قرينةٌ، إلَّا أنَّ كون ذلك صفة مستغنى بها عن الجواب الظَّاهر أنَّه غير متعيَّن بل يصحُّ أن يكون هو الجواب.
قوله: (خُلَفَائِي)؛ أي: الَّذين يخلفوني في الدِّين: جمع خليفة.
قوله: (الَّذِيْنَ يَرْوونَ أَحَادِيْثِي)؛ أي: فَهُم الخلفاء حقيقةً، ولذا كان المحدِّث في العصر الأولي يُلقَّب بأمير المؤمنين؛ أخذًا من هذا الحديث، وممَّن لُقِّبَ بذلك سفيان وابن رَاهُوْيَه والبخاريُّ وغيرهم.
قوله: (فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوعِ بِالصَّلاةِ) بل قال أبو سعيد الخُدريُّ: مذاكرةُ الحديث أفضل من قراءة القرآن. ورُوي عن ابن عباس ﵄ قال: مذاكرةُ الحديث ساعةٌ خيرٌ من إحياءِ ليلةٍ.
قوله: (مِنْ كُلِّ خَلَفٍ) بفتح اللَّام فيما يُخلَف في الخير، وسكونها فيما يخلف في الشَّرِّ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [مريم: ٥٩].
وقوله: (عُدُوْلُهُ) بالرَّفع فاعل يحمل.
قوله: (الغَالِيْنَ) بالغين المعجمة؛ أي: الَّذين يغلون في الدِّين؛ أي: يتجاوزون الحدَّ.
قوله: (وانْتِحَالَ … ) إلى آخره، بالحاء المهملة، يُقَالُ: انْتَحَلَ الشَّيء وتَنَحَّلَهُ ادَّعاهُ لنفسه وهو لغيره؛ وأُريدَ به هنا الدَّعوى الكاذبة، والانتحال والتَّأويل والغلوُّ ترجعُ كلُّها لمعنى واحد، وهو تغيير لفظ الحديث أو معناه؛ لغرض من الأغراض الفاسدة.
قوله: (وَيَكُوْنُ حَسَنًا)؛ أي: ولذا استدلَّ به ابن عبد البرِّ، ووافقه ابن الموَّاق من المتأخِّرين على أنَّ حامل كل علمٍ معروفُ العناية به فهو عدلٌ محمول في أمره أبدًا على العدالة حتَّى يتبيَّن جرحه.
قوله: (إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ) رَدَّهُ العراقيُّ فقال: لا يصحُّ حمله على الخبر؛ لوجود من يحمل
стр. 5
على أنَّه قد يُقال: ما يعرفه الفسَّاق من العلم ليس بعلمٍ حقيقةً؛ لعدم عملهم، كما أشار إليه المولى سعد الدِّين التَّفتازانيُّ في تقرير قول «التَّلخيص»: وقد يُنزَّل العالم منزلة الجاهل، وصرَّح به الإمام الشَّافعيُّ في قوله: ولا العلم إلَّا مع التُّقى، ولا العقل إلَّا مع الأدب.
ولَعَمْري إنَّ هذا الشَّأن من أقوى أركان الدِّين، وأوثق عُرى اليقين، لا يَرْغَبُ في نشره إلَّا صادقٌ تقيٌّ، ولا يَزْهَدُه إلَّا كلُّ منافقٍ شقيٍّ، قال ابن القطَّان: ليس في الدُّنيا مبتدعٌ إلَّا وهو يُبغض أهل الحديث، وقال الحاكم: لولا كثرة طائفة المحدِّثين على حفظ الأسانيد لَدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث وقلب الأسانيد.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «العلم ثلاثةٌ: آيةٌ مُحكمَةٌ أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فريضةٌ عادلةٌ، وما سوى ذلك فهو فضلٌ» رواه أبو داود وابن ماجه، قال في «شرح المشكاة»: والتَّعريف في «العلم» للعهد، وهو ما عُلِمَ من الشَّارع، وهو العلم النَّافع في الدِّين، وحينئذٍ العلم مطلقٌ، فينبغي تقييده بما يُفهَم منه المقصود، فيُقال: علم الشَّريعة معرفة ثلاثة أشياء، والتَّقسيم حاصرٌ، وبيانه: أن قوله: «آيةٌ محكمةٌ» يشتمل على معرفة كتاب الله تعالى وما يتوقَّف عليه معرفته؛ لأنَّ المُحكَمة هي التي أُحكِمت عبارتُها، بأن حُفِظت من الاحتمال والاشتباه، فكانت أمَّ الكتاب، فتُحمَل المتشابهات عليها وتُردُّ إليها، ولا يتمُّ ذلك إلَّا للماهر الحاذق في علم التَّفسير والتَّأويل، الحاوي لمقدِّماتٍ يُفتقَر إليها من الأصلين وأقسام العربيَّة، وقوله: «سُنَّةٌ قائمةٌ» معنى قيامها: ثَباتُها ودوامُها بالمُحافَظَة عليها، مِنْ «قامت السُّوق» إذا نَفَقَت؛ لأنَّها إذا حُوفِظ عليها كانت كالشَّيء النَّافق الذي تتوجَّه إليه الرَّغبات، ويتنافس فيه المحصِّلون بالطَّلِبات، ودوامُها: إمَّا أن يكون بحفظ أسانيدها من معرفة أسماء الرِّجال والجرح والتعديل، ومعرفة الأقسام مِنَ الصَّحيح والحسن والضَّعيف المتشعِّب منه أنواعٌ كثيرةٌ، وما يتَّصل بها من المتمِّمات ممَّا يُسمَّى علمَ الاصطلاح، ممَّا يأتي في الفصل الثَّالث إن شاء الله تعالى، وإما أن يكون بحفظ متونها من التَّغيير والتَّبديل؛ بالإتقان وتفهُّم معانيها واستنباط العلوم منها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في هذا الشَّرح بعون الله سبحانه؛ لأنَّ جُلَّها بل كلَّها من جوامع كَلِمِهِ التي اختُصَّ بها، لا سيَّما هذه الكلمة الفاذَّة الجامعة -مع قِصَر متنها وقُرْب طرقها- علومَ الأوَّلين والآخرين، وقوله: «أو فريضةٌ عادلةٌ» أي: مستقيمةٌ مُستَنبَطَةٌ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع، وقوله: «وما سوى ذلك فهو فضلٌ» أي: لا مدخل له في أصل علوم الدِّين، بل ربَّما يُستعاذ منه حينًا، كقوله: «أعوذ بك من علمٍ لا ينفع»، ولله دَرُّ أبي بكرٍ حميدٍ القرطبيِّ، فلقد أحسن وأجاد حيث قال ﵀:
نور الحديث مُبينٌ فَادْنُ واقتبسِ … واحْدُ الرِّكابَ له نحو الرِّضى النَّدِسِ
العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبقَ له محمل إلَّا على الأمر، ومعناه: أنَّه أمر للثقات بحمل العلم؛ لأنَّ العلم إنَّما يُقبل عنهم، والدَّليل على ذلك أنَّ في بعض طرقه عند ابن أبي حَاتِم: «ليَحملْ هذا العلم» بلام الأمر. انتهى.
وهذا يَرُدُّ ما ذهب إليه ابنُ عبد البَرِّ.
قوله: (لَيْسَ بِعِلْمٍ حَقِيْقَةً) ليس المراد بالحقيقة الحقيقة اللَّفظيَّة بل المعنويَّة، فإنَّ الحقيقة والمجاز كما يأتيان في الألفاظ كذلك يَرِدَانِ في المعاني كما نقلته في «الفواكه الجنوية»، كما يقالُ في الحياة الحقيقية هي الأخروية لا الدنيوية ونحو ذلك.
وذكر ابن الصَّلاح في «فوائد رحلته» أنَّ بعضهم ضبط الحديث بضمِّ الياء وفتح الميم مبنيًّا للمفعول ورفع «العلم»، وفتح العين واللام من «عَدُولَة» وآخره تاء فوقية -فعلة بمعنى فاعل-؛ أي: كامل في عدالته؛ والمعنى أنَّ هذا العلم يُحمل؛ -أي: يُؤخذ- عن كلِّ خلفٍ عدلٍ فهو أمر بأخذ العلم عن العدول، قال: والمعروف في ضبطه فتح ياء «يَحْمِلُ» مبنيًا للفاعل ونصب «العلمَ» مفعوله والفاعل «عدوله» جمع عدل. انتهى.
قوله: (وَلَعَمْرِي) اللام قسمية، و (العمر) في «القاموس»: بالفتح وبالضَّمِّ، وبضمتين: الحياة وجمعه أعمار. انتهى.
وفي «كليَّات أبي البقاء»: الفتح غالب في القسم ولا يجوز فيه الضَّمُّ. انتهى.
لكن في «شرح أدب الكاتب»: أنَّه سُمع نادرًا (لعُمرك) بضم العين.
وفي «نسيم الرِّياض»: العَمر بالفتح مصدر (عَمَّر) المشدَّد، وأصلُهُ (التَّعمير) فحُذفت زوائده؛ وله معنيان: تعمير الله إياك أو قلبك، وهو على هذا صفة من صفاته تعالى فيصحُّ القَسَم به حقيقة، وهذا ما جنح له الحنفيَّة والنُّحاة.
و (العُمر) بضمِّ العين؛ مخصوص بالإنسان وهو مدَّة وجوده في الدُّنيا فلا يصحُّ القَسم به شرعًا، لكنَّ الله أَقسم به في قوله: ﴿لَعُمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] على قراءة ضمِّ العين، ولله أن يُقسم بما شاء، فأصله الضمُّ؛ لاختصاصه به في غير القسم فإذا أريد بالمفتوح هذا لا بأس أن يُقال إنَّه من قبيل معناه أو معدول به عنه، وإن لم يَرد هذا المعنى في قَسَمِ النَّاس صحَّ أن يقال إنَّه كناية؛ لتوقفه على النِّيَّة كالمشترك. انتهى.
وفي «القاموس»: في الحديث النَّهي عن قول لعمر الله.
قوله: (إنَّ هَذَا لشَأْن)؛ أي: علمَ الحديث.
قوله: (عُرَى) بضم العين المهملة جمع عروة.
قوله: (إِلَّا وَهُوَ يُبْغِضُ أَهْلَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لمعارضة حديثه لما ينتحله في ترويج بدعته.
قوله: (مِنْ وَضْعِ الأَحَادِيثِ)؛ أي: مع اشتباهها بالصَّحيح وإضلال النَّاس بالعمل بها، وإلَّا فقد وضع كثيرون منهم كثيرًا منها، أو المراد أكثر ممَّا وضعوا.
قوله: (فَهُوَ فَضْلٌ)؛ أي: زائدٌ غير محتاج إليه.
قوله: (وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ)؛ أي: من العلوم كالنَّحو واللُّغة والبيان.
قوله: (من الأَصْلَيْن)؛ أي: التَّوحيدَ وأصولَ الفقهِ.
قوله: (الفَاذَّة) بالفاء والذَّال المعجمة المشدَّدة؛ أي: المنفردة.
قوله: (فَادْنُ) أمرٌ من الدُّنوِّ وهو القُرب.
وقوله: (واقْتَبِسْ) أمرٌ من الاقتباس، وهو من النَّار الأخذ، ومن العلم الاستفادة.
قوله: (وَاحْدُ الرِّكَابِ) أُحْدُ أمرٌ من الحدو، يقال: حدا الإبل يحدوها وبها حدوًا: زجرها وساقها، فدال (احدُ) مضمومة، و (الرِّكاب) -ككتاب- الإبل كما في «القاموس»، قال: واحدتها راحلة. انتهى.
أي: لا واحد له من لفظه، وقيل واحده: ركوبة، وهي كالرَّكوب بالفتح: النَّاقة المعدَّة للحمل والرَّكوب كما في «العناية»، يقال: ما له ركوبة ولا حمولة ولا حلوبة؛ أي: ما يركبه ويحمل عليه ويحلبه.
وقوله: (نَحْوَ الرِّضى)؛ أي: جهة
стр. 6
واطلُبْهُ بالصِّين فهْو العلم إن رُفِعَتْ … أعلامُه بِرُباها يا بن أندلسِ
فلا تُضِعْ في سوى تقييد شارِدِه … عُمْرًا يفوتك بين اللَّحْظ والنَّفَسِ
وَخَلِّ سمْعَك عن بلوى أخي جَدِلٍ … شُغْلُ اللَّبيبِ بها ضَرْبٌ من الهَوَسِ
ما إنْ سَمَتْ بأبي بكرٍ ولا عمرٍ … ولا أتتْ عن أبي هِرٍّ ولا أَنَسِ
إلَّا هوًى وخصوماتٍ ملفَّقةٍ … ليست برطْبٍ إذا عُدَّتْ ولا يَبَسِ
فلا يغرَّك من أربابها هَذَرٌ … أجْدى وجدِّك منها نَغْمة الجَرَسِ
أَعِرْهُمُ أُذُنًا صُمًّا إذا نطقوا … وكُنْ إذا سألوا تُعزَى إلى خَرَسِ
ما العلم إلَّا كتاب الله أو أَثَرٌ … يَجْلُو بنور هُدَاه كلَّ ملتبِسِ
نورٌ لُمقتبِسٍ، خيرٌ لُملتمِسٍ … حِمًى لمُحترِسٍ، نُعْمَى لمُبْتَئِسِ
فاعكُف ببابِهما على طِلابِهما … تَمْحُ العَمَى بهما عن كلِّ ملتمِسِ
وَرِدْ بقلبك عَذْبًا من حياضه … ماتَغْسِل بماء الهدى ما فيه من دنَسِ
واقْفُ النَّبيَّ وأتباع النَّبيِّ وكُنْ … من هديهم أبدًا تدنو إلى قَبَسِ
والزم مَجالسَهم واحفظ محاسنهم … واندُب مدارسَهم بالأربُع الدُّرُسِ
الرجل الرَّضيِّ؛ أي: المرضيِّ الأخلاق والأطوار.
وقوله: (النَّدس) بضم الدال المهملة وكسرها، وفيه السُّكون أيضًا بعد النُّون المفتوحة: وهو الرَّجل السَّريع الفهم، وفعله كفرح، كما في «القاموس»؛ وهو كناية عن التَّعب في تحصيله وأخذه عن الثِّقات ولو بتحمُّل المشاقِّ العديدة بالأسفار البعيدة وقد نوَّره بما بعده.
قوله: (وَاطْلُبْهُ) المأمور (ابن الأندلس) في قوله: يا ابن أندلس (بالصِّين) ولو بَعُدَت الشِّقة وعظمت المشقَّة (فهو العلم)؛ أي: النَّافع الَّذي لا ينبغي الجدُّ والاجتهاد في غيره (إن رفعت أعلامه) كنايةً عن العمل به وإظهاره ونشره للنَّاس، و (الرُّبى) بضم الراء جمع رَبْوة، مثَّلث الرَّاء كالرُّباوة: ما ارتفع من الأرض والضمير في (رُبَاها) للأَعْلَامِ جمع عَلَمَ بالتَّحريك وهو الرَّاية.
قوله: (فَلَا تُضِعْ) بضمِّ الفوقيَّة من الإضاعةِ، ومفعوله قوله: (عمر … ) إلى آخره، وقوله: (شَارِدَةٌ) بإضافةِ شاردٍ إلى الضَّمير العائد على علم الحديث؛ أي: ما شَرَدَ وتَفَرَّقَ منه.
قوله: (وخَلِّ سَمْعَكَ … ) إلى آخره؛ أي: أفرغ سمعك، والمراد عدم السَّماع رأسًا.
وقوله: (عَنْ بَلْوَى أَخِي جَدَلٌ) هو بالجيم والدَّال محرَّكًا: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها، كما في «القاموس»؛ أي: عمَّا ابتُلي به صاحب الشِّدَّة في الخصومة والمجادلة.
وقوله: (شُغْلُ اللَّبِيْبِ) مبتدأٌ و (بها) متعلق به، والضمير للبلوى، و (ضربٌ)؛ أي: نوع (من الهوس) خبره، والجملة صفة لبلوى، والهوس بالتَّحريك: طرفٌ من الجنون واسم المفعول منه مُهْوَس، كمعظم، كما في «القاموس».
قوله: (مَا إِنْ سَمَتْ … ) إلى آخره، ما نافية، وإن زائدة، وسمت بمعنى علت، وضميره للبلوى المذكورة، فالجملة صفةٌ لها أيضًا، ويصحُّ أن يكون استئنافًا بيانيًّا؛ علَّة لعدم سماعها والاشتغال بها كأنَّه قال: لأنَّها لم تَسْمُ من السُّمو (بأبي بكر … ) إلى آخره، و (أبو هر) بكسر الهاء هو أبو هريرة ﵁؛ أي: لم تُسند إليهما أصلًا؛ لعدم وقوعها منهما ولو كان فيها خير لسبقانا إليها، فهي مجرد بدعة مذمومة ولو فرض أنَّهما تلبَّسا بهما إذ لا يتلبسان إلَّا بحَسن.
قوله: (لَيْسَت بِرَطْبٍ) بفتح الراء؛ أي: بشيء رطب. وقوله: (إذا عُدَّتَ) بضمِّ العين وتشديد الدَّال المهملتين، مبني للمجهول من العدِّ معترض بين المتعاطفين، و (اليبس) بالفتح والكسر الَّذي كان رطبًا فجفَّ، والمعنى: ليست شيئًا من الأشياء رطبها أو يابسها، فنزَّلها منزلةَ العدم.
قوله: (هَذَرٌ) بتحريك المعجمة؛ وهو سقط الكلام، أو الكثير الرَّديء، يٌقال: هَذِرَ كلامه كَفَرِحَ يهذر، ويهذر بالكسر والضم هذرًا كَثُر في الخطأ والباطل.
وقوله: (أَجْدَى) بالجيم السَّاكنة أفعل تفضيل من الجِدَّةِ؛ أي: أنفع منها، وهو مبتدأ خبره (نغمة الجرس) بفتح النُّون وسكون الغين المعجمة، والجَرَس بالجيم والرَّاء المفتوحتين الَّذي يُعلَّق في عنق البعير ويضرب به أيضًا، وما بينهما قسمٌ بحياة الجدِّ معترض بينهما؛ يعني: أنَّ سماع صوت هذا الجرس أنفع من سماع الجدليَّات المذكورة.
قوله: (أَعِرْهُم) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة أمرٌ من العارية، والضَّمير في (هم) لأهل الجدل؛ أي: إذا أفضى بك الحال إلى سماعهم فسدَّ أذنك وأعطها إيَّاهم عارية، وهو كناية عن عدم الإصغاء إليهم بالكلِّيَّة.
وقوله: (وَكُنْ إِذَا سَأَلَوا تُعزى إلى خَرَسٍ)؛ أي: تُنسب إلى عدم النُّطق؛ أي: إذا سألوك وأرادوا خطابك فأَرِهم أنَّك أخرس لا تطيق الكلام، والمعنى لا تَسمع لقولهم ولا تخاطبهم أصلًا.
قوله: (أو أَثَرٍ)؛ أي: حديثٍ، وقوله: (يَجْلُو) بالجيم؛ أي: يُزيل، والمُلْتَبِس بكسر الموحدة: المُشتبه.
قوله: (نورٌ لمُقْتَبَسٍ) خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي هما؛ أي: كتاب الله والأثر نورٌ … إلى آخره، والمُلْتَمس: الطَّالب للشَّيء، والحِمَى: ما يُحمى عن الغير، والمُحْتَرِس: المتحفِّظ.
وقوله: (نُعْمَى) بضم النون وسكون العين المهملة؛ أي: نعيم.
وقوله: (لِمُبْتَئِسِ) بسكون الموحَّدة وفتح الفوقيَّة بعدها همزة مكسورة آخره مهملة؛ أي: فقير.
قوله: (فاعْكُف) بضمِّ الكاف؛ أي: أَقِم.
وقوله: (بِبَابِهِمَا)؛ أي: باب أربابهما.
وقوله: (عَلَى طِلَابِهِمَا) متعلقٌ بـ (اعكف) والطِّلاب كالمطالبة: طلب الإنسان حقّه.
وقوله: (تَمْحُ الْعَمَى) مجازٌ عن الضَّلالة والجهل. وقوله: (عَنْ كُلِ مُلْتَمِسٍ)؛ أي: طالب محو عماه.
قوله: (وَرِدْ) بكسر الرَّاء أمر من الورود، والدَّنس محرَّكًا: الوسخ، يُقال: دنس الثَّوب والعِرض والخُلِق كفرح، دَنَسًا ودَنَاسة فهو دَنِسٌ: اتَّسخ ودَنِسَ ثوبه وعرضه تدنيسًا: فُعِلَ به ما يشينه.
قوله: (واقْفُ النَّبيَّ) بضمِّ الفاء أمرٌ من القفو وهو التَّتبُّع، يقال: قَفَوْتَهُ قَفْوًا وقُفُوًّا بفتحٍ فسكون، وبضمَّتين وشدِّ الواو: تبعته كتقفَّيته واقتفيته.
قوله: (إِلَى قَبَسٍ) مجازٌ عن النُّور، وهو بفتح القاف والموحَّدة.
قوله: (والْزَمْ مَجَالِسَهُم) بفتح الميم جمع مجلس، والثَّاني بضمِّها بمعنى: الَّذي يُجالسهم.
قوله: (وانْدُبْ مَدَارِسَهُم) أمرٌ من النُّدْبَةِ بالضَّمِّ، وهي بكاء الميت وعدُّ محاسنه،
стр. 7
واسلك طريقهمُ واتْبعْ فريقهمُ … تكن رفيقهمُ في حَضْرةِ القُدُسِ
تِلكَ السَّعادةُ إن تُلْمِم بساحتها … فَحُطَّ رَحْلكَ قد عُوفِيت من تَعَسِ
ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أولى النَّاس بي يوم القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً»، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ، وفي سنده موسى بن يعقوب الزَّمعيُّ، قال الدَّارقطنيُّ: إنَّه تفرَّد به، وقال ابن حِبَّان في «صحيحه»: في هذا الحديث بيانٌ صحيحٌ على أنَّ أولى النَّاس برسول الله ﷺ في القيامة أصحابُ الحديث؛ إذ ليس من هذه الأمَّة قومٌ أكثر صلاةً عليه منهم. وقال غيره: المخصوص بهذا الحديث نَقَلَة الأخبار الذين يكتبون الأحاديث، ويذبُّون عنها الكذب آناء اللَّيل وأطراف النَّهار، وقال الخطيب في كتابه «شرف أصحاب الحديث»: قال لنا أبو نُعيمٍ: هذه مَنقَبةٌ شريفةٌ يختصّ بها رواة الآثار ونَقَلتُها؛ لأنَّه لا يُعرَف لِعصابةٍ من العلماء من الصَّلاة على رسول الله ﷺ أكثر ما يُعرَف لهذه العِصابة نسخًا وذكرًا، وقال أبو اليُمْن بن عساكرَ: لِيُهْنَ أهل الحديث كثَّرهم الله تعالى هذه البشرى، فقد أتمَّ الله تعالى نِعَمَه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى، فإنَّهم أولى النَّاس بنبيِّهم ﷺ ، وأقربهم -إن شاء الله تعالى- وسيلةً يوم القيامة إلى رسول الله ﷺ ، فإنَّهم يخلِّدون ذكره في طروسهم، ويجدِّدون الصَّلاة والتَّسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم، فهم إن شاء الله تعالى الفِرقةُ النَّاجية، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، آمين.
الفصل الثَّاني
في ذكر أوَّل مَن دوَّن الحديث والسُّنن
والمدارس جمع مدرسة، وهي محل دراسة العلوم.
وقوله: (بالأربُع)؛ أي: مع الأربع بضمِّ الموحَّدة، جمع رَبْع -بفتح الرَّاء وسكون الموحَّدة-: الدَّار حيث كانت، وجمعه أَرْبُع ورِبَاع ورُبُوع، والدُّرس بضمِّ الدَّال والرَّاء؛ أي: الدِّراسة الذَّاهبة من قولهم: دَرَسَ الرَّسمُ، كذهب وزنًا ومعنىً كنايةً عن التَّأسُّف على مَن فاتك منهم.
قوله: (فِيْ حَضْرَةِ القُدُسِ) بضمَّتين من إضافة الموصوف لصفته؛ أي: في الحضرة المقدَّسة؛ أي: المُطهَّرة من النَّقائص، وهي حضرة ذي الجلال والإكرام.
قوله: (تِلْكَ السَّعَادَة)؛ أي: هذه الخصال المذكورة من العكوف على بابهما … إلى آخره، هي السَّعادة؛ أي: أسباب السَّعادة، أو: هي مبالغة على حدِّ: زيدٌ عدلٌ.
وقوله: (إِنْ تُلْمَم) بضمِّ الفوقيَّة مِن ألمَّ بالمكان نزل به؛ أي: متى جئت إلى تلك السَّاحة (فحطَّ رحلك) يُكنَى به عن الإقامة، والمراد قد أوتيت سؤلك وصادفت حاجتك وسعادتك الحقيقية فالزمها، فإذا ألزمتها فـ (قد عوفيت من تَعْسٍ) بالفوقيَّة والعين المهملة محرَّكًا؛ أي: خيبة.
قوله: (الزَّمْعِي) بفتح الزَّاي وسكون الميم وبالعين المهملة، نسبة لجده وهب بن زمعة القرشيِّ، كما في «اللُّباب».
قوله: (نَسْخًا)؛ أي: كتابة، وقد ورد: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَل الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ»، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهو ممَّا يَحسن إيراده في ذلك المعنى، قال الحافظ السُّيوطيُّ: ولا يلتَفَتُ إلى ذكر ابن الجوزي له في «الموضوعات» فإنَّ له طُرقًا تُخرجه عن الوضع وتقتضي أنَّ له أصلًا في الجملة، فأخرجه الطَّبرانيُّ من حديث أبي هريرة وأبو الشَّيخ والدَّيلميُّ من طريق أخرى عنه، وابن عديٍّ من حديث أبي بكر الصِّدِّيق، الأصبهانيُّ في «ترغيبه» من حديث ابن عبَّاس، وأبو نُعيم من حديث عائشة ﵂، وقد روي من طريق صحيح (١) عن أنس يرفعه: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ أَصْحَابُ الْحَدِيْثِ وَبِأَيْدِيْهِم الْمَحَابِرُ فَيُرْسِلُ الله إِلَيْهِمْ جِبْرِيْلَ فَيَسْأَلُهُمْ مَنْ أَنْتُم؟ وَهُوَ أَعْلَمُ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَصْحَابَ الْحَدِيْثِ. فَيَقُوْلُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ طَالَمَا كنْتُم تُصَلُّوْنَ عَلَى نَبِيِّي فِي دَارِ الدُّنْيَا».
تنبيه: ينبغي أن يَجمعَ عند ذكره ﷺ بين الصَّلاة عليه ببنانه ولسانه ولو لم تكن مكتوبة في الأصل كما سبق فيكتبها ويتلفَّظ بها مطلقًا، قال ابن عبَّاس العنبريُّ وابن المدينيُّ: ما تركنا الصَّلاة على النَّبيِّ ﷺ في كلِّ حديث سمعناه وربَّما عَجَّلنا فَنُبَيِّضُ الكتاب في كل حديث حتَّى نرجعَ إليه.
قوله: (لِيَُهَن أهلَ الْحَدِيْثَ … ) إلى آخره، يهن بضم الياء، وأهل الحديث بالنَّصب مفعول مقدَّم، و (هذه البُشْرَى) بالرَّفع فاعل مؤخَّر، و (كَثَّرَهُم الله) جملة دعائية؛ أي: لتكن هذه البشرى مهنئة لهم؛ والمراد: ليكونوا مهنئين بها.
(الفصل الثاني)
قوله: (مَنْ دَوَّنَ الأَحَادِيْثَ) بفتح الدَّال والواو المشدَّدة؛ أي: ذكرها في الدَّواوين، أو: جعلها دواوين جمع ديوان؛ وهو الكتاب، وأصله: ما تعلَّق بحقوق السَّلطنة في الأعمال والأموال ومَن يقوم بها من الجيوش والعمَّال كما في الباب الثَّاني عشر من «الأحكام السُّلطانيَّة» للماورديِّ، ثمَّ أُطلق على الدفتر ثم قيل لكل كتابٍ، وقد يخص بشعرِ شاعرٍ معين مجازًا، وشاع حتى صار حقيقة فيه، فمعانيه خمسة كما في «الشِّفاء»: الكَتَبَة، ومحلهم، والدَّفتر، وكلُّ كتاب، ومجموع الشِّعر.
وهل هو عربيٌّ أو معرَّب من الفارسيِّ؟ خلافٌ مشهور.
والأحاديث جمع حَدِيث، وهو لغة ضدُّ القديم، واصطلاحًا: ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا؛ -أي: عدم إنكار لما فُعِل بحضرته ﵊ أو في غيبته وبَلَغه- أو هَمًّا؛ -أي: عزمًا كقوله ﷺ : «وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ» - أو وَصْفًا خَلقيًّا -بفتح الخاء ككونه ﵊ ليس بالطَّويل ولا بالقصير- أو خُلُقيًّا -بضمَّتين؛ أي: متعلِّقًا بخُلُقه وطبعه الشَّريف ككونه أحسن النَّاس خُلقًا وكونه كان لا يُواجه أحدًا بمكروه وغير ذلك-.
قوله: (وَالسُّنَن) جمع سُنَّة وهي لغةً: الطَّريق، وأمَّا اصطلاحًا فقيل: إنَّها مرادفة للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، وقيل: الحديث
стр. 8
ومَن تلاه في ذلك سالكًا أَحْسَنَ السُّنن
اعلم أنَّه لم يَزَلِ الحديث النَّبويُّ -والإسلامُ غضٌّ طريٌّ، والدِّين مُحكَمُ الأساسِ قويٌّ- أشرفَ العلوم وأجلَّها لدى الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم خلفًا بعد سلفٍ، لا يشرُف بينهم أحدٌ بعد حفظ التَّنزيل إلَّا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النُّفوس إلَّا بحسب ما سُمِعَ من الحديث عنه، فتوفَّرت الرَّغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلُّمه، حتَّى رحلوا المراحل ذوات العدد، وأفنَوا الأموال والعُدَد، وقطعوا الفيافي في طلبه، وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه، وكان اعتمادُهم أوَّلًا على الحفظ والضَّبط في القلوب والخواطر، غير مُلْتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معوِّلين على ما يَسْطُرونه، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم، فلمَّا انتشر الإسلام واتَّسعت الأمصار، وتفرَّقت الصَّحابة في الأقطار، وكثُرت الفتوحات، ومات معظم الصَّحابة، وتفرّق أصحابهم وأتباعهم، وقلَّ الضَّبط واتَّسع الخَرْق، وكاد الباطل أن يلتبس
خاصٌّ بفعله وقوله ﵊، والسنَّة أعمُّ منهما.
قوله: (وَمَنْ تَلَاهُ)؛ أي: تَبِعَهُ؛ أي: من دَوَّنَ.
وقوله: (فِيْ ذَلِكَ)؛ أي: التَّدوين.
وقوله: (أَحْسَنَ السُّنَنِ) بالضَّمِّ جمع سُنَّة بمعنى الطَّريقة، فالمراد بها هنا المعنى اللُّغويُّ وفي الأوَّل المعنى الاصطلاحيُّ، وهو أحسنُ من قراءته بفتحتين بمعنى الطريق.
قوله: (والْإِسْلَامُ غَضٌّ … ) إلى آخره، جملة حالية معترضة بين اسم (زال) وخبرها وهو أشرف العلوم.
قوله: (لا يَشْرُفُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه؛ أي: لا يصير شريفًا.
قوله: (بَعْدَ حِفْظِ التَّنْزِيْلِ)؛ أي: القرآن.
قوله: (إِلَّا بِحَسَبِ مَا سُمِعُ مِنَ الحَدِيْثِ عَنْهُ)؛ أي: إلَّا بحسب ما يُروى عنه من الأحاديث كَثْرَةً وقلَّة وصحَّةً وضعفًا؛ فكلَّما أكثر من الحديث تحمُّلًا وأداءً وعُني بمعرفة رجاله ومتنه كان أجلَّ عندهم وأشرفَ وبالعكس.
قوله: (وانْقَطَعَت الهِمَمُ … ) إلى آخره، لعلَّه ضمَّنَهُ معنى قصرت فعَدَّاهُ بعَلَى، وإلَّا فكان حقُّهُ التَّعدية باللَّام.
قوله: (ذَوَاتِ العَدَدِ) بفتح العين؛ أي: المعدودة؛ والمراد الكثيرة وإن كان ذلك كناية عن القلَّة بإشارة قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، وقوله: (والعُدد) بضمِّ العين جمع عُدَّة بضمِّها وفتح الدَّال مشدَّدة، وهي ما يعِدُّه الإنسان للأمر من مال وغيره.
قوله: (وَقَطَعُوا الفَيَافِي) بفاءين جمع فيفاء بالمد ويُقصر، كما في «القاموس» وهي: المفازةُ لا ماءَ فيها كالفيفاة، ويُجمع أيضًا على أفياف وفيوف.
قوله: (وَجَابُوا)؛ أي: قطعوا بمسيرهم.
والأصل في الرِّحلة ما رواه البيهقيُّ والخطيب عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل عن جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رسول الله ﷺ لم أسمعه فابتعت بعيرًا فشددت عليه رحلي وسرت شهرًا حتَّى قَدِمتُ الشَّام، فأتيت عبد الله بن أُنَيس فقلت للبوَّاب: قل له: جابر على الباب، فأتاه فقال: جابر بن عبد الله؟! فأتاني فقال لي فقلت: نعم، فرجع فأخبره، فقام يطأُ ثوبه حتَّى لقيني، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص لم أسمعه فخشيتُ أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَحْشُرُ اللهُ الْعِبَادَ، أو قال: النَّاس عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا، قُلْنَا: ما بُهْمًا؟ قال: ليس مَعَهُمْ شيء، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ رَبُّهُم بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ من قَرُبَ: أنا الْمَلِكُ أنا الدَّيَّانُ لَا ينبغي لأَحَدٍ من أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَلأَحَدٍ من أَهْلِ النَّارِ عِندَهُ مَظْلَمَةٌ حتى أَقُصَّها مِنْهُ حَتَّى اللَّطْمَةُ، قُلْنَا: كَيْفَ وإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قال: بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ».
واستدلَّ البيهقيُّ أيضًا برِحلة موسى إلى الخَضِر.
وروي أيضًا من طريق عيَّاش عن واهب بن عبد الله المعافريِّ قال: قَدِم رجل من أصحاب النَّبيِّ ﷺ من الأنصار على مَسْلمة بن مَخْلد فألفاه نائمًا، فقال: أيقظوه. فأيقظوه، فرحَّب به وقال: انزل، قال: لا حتَّى تُرسل إلى عقبة بن عامر لحاجة لي، فأرسل إلى عقبةَ فأتاه فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وَجَدَ مُسْلِمًا على عَوْرَةٍ فَسَتَرَه فَكَأَنَّمَا أَحْيَا مَوْؤُودَةً من قَبْرِهَا»، فقال عُقبة: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.
وسأل عبد الله بن أحمد أباه عمَّن طلب العلم: ترى له أن يلزم رجلًا عنده علمٌ فيكتب عنه؟ أو ترى له أن يرحل إلى المواضع الَّتي فيها العلم فيسمع منهم؟ قال: يرحل يكتب عن الكوفيِّين والبصريِّين وأهل المدينة ومكَّة.
قال إبراهيم بن أدهم: إنَّ الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.
قال الخطيب: والمقصود بالرِّحلة أمران:
أحدهما: تحصيل علوِّ الإسناد وقِدَم السَّماع.
والثَّاني: لقاء الحفَّاظ والمذاكرة لهم والاستفادة منهم، فإذا كان الأمران موجودين في بلدةٍ ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرِّحلة أو موجودين في كلٍّ منهما فليُحَصِّل حديثَ بلده ثمَّ يرحلُ.
قوله: (وَكَانَ اعتِمَادَهُم)؛ أي: السَّلف والخلف.
وقوله: (أوَّلًا)؛ أي: في أوَّلِّ الأمر قبل انتشار الإسلام وتَفَرُّقُ الصَّحابةِ في الأمصار فكانت كتابة الحديث إذ ذاك قليلة؛ لما ذكره الشَّارح من سرعة حفظهم، ولأنَّ أكثرهم كان لا يحسن الكتابة، ولوقوع الخلاف بين السَّلف في كتابة الحديث؛ فقد كَرِهَهَا طائفةٌ منهم؛ لما رواه مسلم عن أبي سعيد الخُدريِّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تَكْتُبُوا عنِّي شَيْئًا إِلَّا الْقُرْآنَ، فَمَنْ كَتَبَ عنِّي شَيْئًا غير الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ»، وأباحها آخرون؛ لحديث ابن عمرو قال: قلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيءَ أَفَأَكْتُبُهُ؟ قال: «نعم». قلت: في الْغَضَبِ وَالرِّضَى؟ قال: «نعم؛ فإنِّي لَا أَقُولُ فِيهِمَا إلَّا حَقًّا».
وحديث رافع بن خَدِيج قال: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْمَعُ مِنْكَ أَشْيَاءَ أَفَنَكْتُبُهَا؟ فقال: «اكْتُبُوا وَلا حَرَجَ».
وأسند الدَّيلميُّ عن عليٍّ مرفوعًا: «إِذَا كَتَبْتُم الْحَدِيْثَ فَاكْتُبُوْهُ بِسَنَدِهِ».
ثمَّ أجمعوا بعد ذلك على جوازها وزال الخلاف وجمعوا بين هذه
стр. 9
بالحقِّ؛ احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، فمارسوا الدَّفاتر، وسامروا المحابر، وأجالوا في نظم قلائده أفكارَهم، وأنفقوا في تحصيله أعمارَهم، واستغرقوا لتقييده ليلَهم ونهارَهم، فأبرزوا تصانيفَ كَثُرَت صنوفُها، ودوَّنوا دواوين ظهرت شفوفها، فاتَّخذها العالَمُون قدوةً، ونصبها العاملون قبلةً، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسن ما جزى به علماءَ أمَّةٍ وأحبارَ ملَّةٍ.
وكان أوَّل من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة عمر بن عبد العزيز رحمة الله تعالى عليه خوفَ اندراسه، كما في «الموطَّأ» رواية محمَّد بن الحسن: أخبرنا يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمَّد بن عَمرو بن حزمٍ: أنِ انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ أو سننه فاكتبه؛ فإنِّي خِفتُ دُروسَ العلم وذهابَ العلماء، وأخرج أبو نُعيم في «تاريخ أصبهان» عن عمر بن عبد العزيز: أنَّه كتب إلى أهل الآفاق: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه. وعلَّقه البخاريُّ في «صحيحه» [خ¦٣/ ٣٤ - ١٧٩]. فيُستفاد منه كما قال الحافظ ابن حجرٍ ابتداءَ تدوين الحديث النَّبويِّ. وقال الهرويُّ في «ذمِّ الكلام»: ولم تكن الصَّحابة ولا التَّابعون يكتبون الأحاديث، إنَّما كانوا يؤدُّونها حفظًا ويأخذونها لفظًا، إلَّا «كتاب الصَّدقات»، والشَّيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء، حتَّى إذا خِيف عليه الدُّروس، وأسرع في العلماء الموتُ؛ أَمَرَ عمرُ بنُ عبد العزيز أبا بكر بن محمَّدٍ فيما كتب إليه: أن انظر ما كان من سنَّةٍ أو حديثٍ فاكتبه. وقال في «مقدَّمة الفتح»: وأوَّل من جمع في ذلك الرَّبيع بن صَبيح وسعيد بن أبي عَروبة وغيرهما، وكانوا يصنِّفون كلَّ بابٍ على حِدَةٍ، إلى أن انتهى الأمر إلى كبار الطَّبقة الثَّالثة، وصنَّف الإمام مالك بن أنس «الموطَّأ» بالمدينة، وعبد الملك بن جريجٍ بمكَّة، وعبد الرَّحمن الأوزاعيُّ بالشَّام، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، وحمَّاد بن سلمة بن دينارٍ
الأحاديث؛ بأنَّ الإذن لمن خافَ نسيانه، والنَّهي لِمَن أمن ووَثِقَ بحفظه، أو النَّهي خاصٌّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه، والإذن في غيره.
قوله: (فَمَارَسُوا الدَّفَاتِرَ) جمعُ دفتر -بفتح الدَّال وقد تُكسر، كما في «القاموس» - وهو جماعة الصُّحف المضمومة.
وفي «المصباح»: الدَّفتر: جريدة الحساب، وكَسْرُ الدَّال لغةٌ حكاها الفرَّاء وهو عربيٌّ، قال ابن دُريد: ولا يُعرف له اشتقاق، وبعض العرب يقول تفتر. انتهى.
وفي «شفاء الغليل»: الدَّفتر: عربيٌّ صحيح وإن لم يُعْرف اشتقاقه، وجعله الجوهريُّ واحد الدَّفاتر، وهي الكراريس. انتهى.
قوله: (وسَامَرُوا المَحَابِرَ) من المُسَامرة، وهي الحديث ليلًا، كُنِّيَ به عن الملازمة، والمحابر: بالمهملة -جمع محبَرة بفتح الباء- موضع الحبر، قال في «القاموس»: وحُكي فيها مَحْبَرَة كمقبرة، وتُشدَّد الراء.
وفي نسخةٍ: (وسابر) بالموحدة بدل الميم من المسابرة؛ وهي اختبار الشَّيء، كُنِّي به عن الملازمة والمصاحبة.
قوله: (ظَهَرَت شُفُوفُهَا) الشُّفُوف بضمِّ الشِّين المعجمة والفاء جمع شفّ بالفتح وبكسر؛ الثَّوب الرَّقيق، فَتَجَوَّزَ بِهِ عن الثَّوب الَّذي يُتزيَّن به، فيكون المعنى ظهرت زينتها وبهجتها، أو عن الأوراق أو الجلود ثمَّ تجوَّز بها عمَّا تضمَّنته من الأحاديث والأحكام، فيكون المعنى: ظهر وانتشر في الأقطار ما فيها.
قوله: (العَالَمُونَ) بفتح اللَّام جمع عَالَم بالفتح أيضًا، وما بعده بالكسر جمع عالم ولا مانع من العكس، و (القُدْوَةُ) بضمِّ القاف: الاقتداء.
قوله: (قِبْلَة)؛ أي: كالقِبلة يتوجَّهون إليها ويفزعون لها في أحوالهم وأحكامهم كما يتوجَّه المصلُّون إلى قبلتهم.
قوله: (وأَحْبَار مِلَّةٍ) جمع حبر -بفتح الحاء وكسرها- العالم.
قوله: (عُمَر بن عبد العزيز) على رأس المئة الأولى، كما في «شرح التَّقريب» ولولاه لضاع الحديث، ولذا دخل فيه الضَّعيف والشَّاذُّ ونحوهما ولو كتب في حياته ﷺ لكان مضبوطًا كالقرآن.
قوله: (إِلَى أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: الأنصاريِّ المدنيِّ المتوفَّى سنة اثنتين ومئة في خلافة هشام بن عبد الملك، وكان أبو بكر نائب عمر بن عبد العزيز في الإمارة والقضاء على المدينة الشَّريفة.
قوله: (انْظُرْ مَا كَانَ) زاد الكُشميهَني: «عندك»؛ أي: في بلدك، فـ «كان» على الرِّواية الأولى تامَّة وعلى الثَّانية ناقصة و «عندَك» الخبر.
قوله: (دُرُوْس) بضمِّ الدَّال مصدر دَرَسَ، كفَتَرَ؛ أي: ذَهَبَ.
وقوله: (وَذَهَابَ العُلَمَاءِ)؛ أي: موتهم، وقد كان الاعتماد إنَّما هو على الحفظ فخاف أن يموت العلماء الحافظون له فيذهب ويفنى فأَمر بكتابته.
قوله: (وَعَلَّقَهُ البُخَارِيُّ)؛ أي: أتى به محذوف السَّند، وسيأتي تعريف المعلَّق وذلك أنَّه قال: باب كيف يقبض العلم، وكتب عمر بن عبد العزيز … إلى آخره، ما هنا بلفظه.
قوله: (ابْتِدَاءُ تَدْوِيْنِ الحَدِيْثِ النَّبَوِي) قال ابن حجر أيضًا: وأوَّلُ مَن دوَّنه بأمر عمر بن عبد العزيز ابنُ شهاب الزهري. انتهى.
قوله: (إِلَّا كِتَابَ الصَّدَقَاتِ) هو ما كتبه النَّبيُّ ﷺ لمعاذ بن جبل لمَّا وجَّهه إلى اليمن؛ لجلب صدقاته، وبيَّن له فيه ما يأخذه من أنواع النَّعم، وهو مبسوط في كتبنا الفقهيَّة، وسيأتي للمصنِّف تخريجه.
قوله: (وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ فِي ذلك الرَّبيع … ) إلى آخره، قال في «شرح التَّقريب»: فأَوَّلُ مَن جمعَ ذلك ابن جُريج بمكة، وابن إسحاق أو مالك بالمدينة، والرَّبيع بن صَبيح أو سعيد بن أبي عَروبة أو حمَّاد بن سلمة بالبصرة، وسفيان الثَّوريُّ بالكوفة، والأوزاعيُّ بالشَّام، وهُشيم بواسط، ومَعْمَر باليمن، وجرير بن عبد الحميد بالرّيِّ، وابن المبارك بخراسان. قال العراقيُّ وابن حجر: وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يُدرى أيُّهُم سبق. ثمَّ تلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمَّة أن تُفرد أحاديث النَّبيِّ ﷺ خاصَّة وذلك على رأس المئتين؛ فصنَّف عُبيد الله بن موسى الكوفيُّ مسندًا، وصنَّف مُسَدَّد البصريُّ مسندًا، وأسد بن موسى مسندًا، ونُعيم بن حمَّاد الخزاعيُّ المصريُّ مسندًا، ثمَّ اقتفى الأئمَّة آثارهم، فقلَّ إمام إلَّا وصنَّف حديثه على المسانيد كأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وابن أبي شيبة وغيرهم.
قال: قلت: وهؤلاء المذكورون في أوَّل مَن جَمَعَ كُلُّهُم في أثناء المئة الثَّانية، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنَّه وقعَ على رأس المئة في خلافة عُمر بأمره. انتهى ملخصًا.
стр. 10
بالبصرة، ثمَّ تلاهم كثيرٌ من الأئمَّة في التَّصنيف، كلٌّ على حسب ما سَنَحَ له، وانتهى إليه علمه، فمنهم من رتَّب على المسانيد، كالإمام أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وأحمد بن منيعٍ، وأبي خيثمة، والحسن بن سفيان، وأبي بكرٍ البزَّار وغيرهم، ومنهم من رتَّب على العلل؛ بأن يجمع في كلِّ متنٍ طرقَه واختلافَ الرُّواة فيه، بحيث يتَّضح إرسال ما يكون متَّصلًا، أو وقف ما يكون مرفوعًا أو غير ذلك، ومنهم من رتَّب على الأبواب الفقهيَّة وغيرها، ونوَّعه أنواعًا، وجمع ما ورد في كلِّ نوعٍ وفي كلِّ حكمٍ إثباتًا ونفيًا في بابٍ فبابٍ، بحيث يتميَّز ما يدخل في الصَّوم مثلًا عمَّا يتعلَّق بالصَّلاة، وأهل هذه الطَّريقة منهم من تقيَّد بالصَّحيح كالشَّيخين وغيرهما، ومنهم من لم يتقيَّد بذلك كباقي الكتب السِّتَّة، وكان أوَّلَ من صنَّف في الصَّحيح: محمَّدُ بن إسماعيلَ البخاريُّ، أسكننا الله تعالى معه في بحبوحة جِنانه بفضله السَّاري، ومنهم المقتصر على الأحاديث المتضمِّنة للتَّرغيب والتَّرهيب، ومنهم من حذف الإسناد واقتصر على المتن فقط؛ كالبغويِّ في «مصابيحه»، واللُّؤلؤيِّ في «مشكاته».
وبالجملة: فقد كَثُرت في هذا الشَّأن التَّصانيف، وانتشرت في أنواعه وفنونه التَّآليف، واتَّسعت دائرة الرِّواية في المشارق والمغارب، واستنارت مناهج السُّنَّة لكلِّ طالب.
الفصل الثَّالث
في نَُبذةٍ لطيفةٍ جامعةٍ لفرائد فوائد مصطلح الحديث عند أهله، وتقسيم أنواعه، وكيفيَّة تحمُّله وأدائه ونقله، ممَّا لا بدَّ للخائض
ثم قال بعد ذلك بأسطر: قال في فتح الباري: يُستفاد من ذلك ابتداء تدوين الحديث النَّبويِّ، ثمَّ أفاد أنَّ أوَّل من دوَّنه بأمر عمر ابن عبد العزيز ابنُ شهاب الزُّهريُّ. انتهى.
أقول: فلعلَّ ابن شهاب أوَّلُ مَن جمع على الإطلاق، ثمَّ تبعه هؤلاء أو أنَّه جَمع جمعًا مطلقًا من غير ترتيب على أبواب، وهؤلاء جمعوا مع التَّبويب فيكون هو أوَّلُ من جمع مطلقًا وأولئك أوَّل من جمع مبوَّبًا.
قوله: (مَا سَنَحَ لَهُ) بمهملتين؛ أي: عَرَضَ.
قوله: (على المسانيد) جمع مُسند، وهو لغةً اسم مفعول من السَّند، واصطلاحًا: ما اتَّصل إسناده من راويه إليه ﷺ . يُطلق على الكتاب الَّذي جمع فيه ما أسنده الصَّحابيُّ؛ -أي: رواه- والمعنى أنَّ منهم من جَعل كتابه مرتَّبًا بحسب ما يذكره من أسانيد الصحابة كـ «مسند الإمام أحمد» فإنَّه كتاب ذَكر فيه مسانيد الصحابة كذلك فيقول فيه: مسند أبي بكر؛ أي: ما رواه أبو بكر عن النَّبيِّ ﷺ ، ويذكر أحاديثه في محلٍّ واحد، فإذا فرغ منها يقول: مسند عمر، وهكذا فيذكر جميع الأحاديث المسندة إلى مثل الصِّدِّيق ولا يفصل بينها بحديث مسند إلى صحابيٍّ آخر.
قوله: (بِحَيْثُ يَتَّضِحُ إِرْسَالُ مَا يَكُوْنُ مُتَّصِلًا)؛ أي: بحسب الظَّاهر، وكذا يُقال فيما بعده وذلك كأن يقول: حدَّثنا فلان عن فلان عن فلان التَّابعيِّ عن النَّبيِّ ﷺ بكذا، ويُسقط الصَّحابيَّ ويسوق طرقًا لهذا الحديث كلَّها مُسقطةٌ للصَّحابيِّ، ثمَّ يسوق طريقًا واحدًا فيه الوصل فيُعلَم بذلك وبقرائن أخر تقوم عندهم أنَّ وصله غلطٌ وأنَّه مرسل، وكذا يُقال في وقف المرفوع ونحو ذلك.
قوله: (وغيرها)؛ أي: كـ «الموطأ» و «صحيح سعيد بن السَّكن» و «المنتقى» لابن الجارود.
وقوله: (وَمِنْهُم مَنْ لَمْ يَتَقيّدْ بِذَلِكَ)؛ أي: بالصَّحيح، بل ذكر معه الحسن.
وقوله: (كَبَاقِي الكُتُب السِّتَّةِ) هي «سنن: أبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه» وهم على هذا التَّرتيب في الصِّحة. و (ماجه) ونحوه كسَنْدَه ومَنْدَه ومَرْدَوَيْه وابن رَاهُوْيَه أعلامٌ أعجميةٌ وُضعت على السكون وصلًا ووقفًا، وتُعرب بحركات مقدَّرة على آخرها مَنَعَ من ظهورها اشتغال المحل؛ لسكون الحكاية، لكن حركة الجرِّ فتحة نائبة عن الكسرة؛ لمنعها من الصَّرف للعلمية والعُجمة، والمراد بالحكاية حكاية حال وضعها.
واعلم أنَّ المراد بـ «سنن النَّسائيِّ» (١) المعدودة في الكتب السِّتَّة الصَّحيحة هي الصُّغرى؛ فإنَّ له اثنتين كما صرَّح بذلك التَّاج ابن السُّبكيُّ: ولمَّا صنَّف الكبرى أهداها لأمير الرَّملة فقال له: كلُّ ما فيها صحيح؟ فقال: لا، فقال: ميِّز لي الصَّحيح من غيره، فصنَّف له الصُّغرى.
تنبيه: المراد بكون نحو «الموطَّأ» مُتقيِّدًا بالصَّحيح على ما قرَّرنا به كلام الشَّارح أنَّه لا يُخرج إلَّا الصَّحيح عنده وعند من يُقلِّده على ما يقتضيه نظره من الاحتجاج بالمُرسل والمنقطع وغيرهما لا على الشَّرط الَّذي ذكره في تعريف الصَّحيح، كما قاله شيخ الإسلام فلا ينافي ما قاله العراقيُّ مِن أنَّ مالكًا لم يُفْرِد الصَّحيح بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات، ومن بلاغاته أحاديث لا تُعرف كما ذكره ابن عبد البرِّ. انتهى.
والبخاريّ: وإن وجد مثل ذلك في كتابه في مواضع إلَّا أنَّها مُتَّصلة في مواضع أخر منه.
قوله: (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيْحِ … ) إلى آخره، اعترضَ بأنَّ مالكًا أوَّل من صنَّف الصَّحيح، وتلاه أحمد ابن حنبل، وتلاه الدَّارميُّ، وأُجيب بأنَّ المراد الصَّحيح المجرَّد؛ أي: الَّذي لم يُذكر معه غيره، أو الصَّحيح المُجمع على صحَّته.
والسَّبب في تصنيف البخاريِّ صحيحَه ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النَّسفيُّ قال: كنَّا عند إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّة النَّبيِّ ﷺ ، قال: فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصَّحيح. وعنه أيضًا قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ وكأنَّني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحة أذبُّ عنه، فسألت بعض المعبِّرين فقال لي: أنت تذُبُّ عنه الكذبَ، فهو الَّذي حملني على إخراج الجامع الصَّحيح، قال: وألَّفته في بضعَ عشرة سنة.
قوله: (بَحْبُوحَةِ جِنَانِه) في «القاموس» وبحبوحة المكان: وسطه. انتهى.
قوله: (لِلتَّرْغِيب)؛ أي: الحمل على الرَّغبة فيما عند الله تعالى بذكر فضائل الأعمال، وما يتضمَّن سعة رحمته تعالى وعفوه ونحو ذلك (والتَّرهيب) التَّخويف من عِقَابِهِ بذكر ما هو بضدِّ ذلك من موجبات نقمته وغضبه.
قوله: (مَنَاهِج) جمع منهاج، وهو كالمنهج: الطَّريق الواضح.
(الفصل الثَّالث)
قوله: (فِي نَُبْذَةٍ) هي بفتح النُّون وضَمِّهَا: النَّاحية والشَّيء اليسير، والمراد هنا الثَّاني.
قوله: (لِفَرَائِدِ فَوَائِدِ) من إضافةِ المشبَّه به للمشبَّه كما لا يخفى، والفرائد جمع فريدة وهي اللُّؤلؤة العظيمة الَّتي تنفرد لعظمها وظرافتها في ظرف على حدة، فعيلة بمعنى مفعولة.
قوله: (مُصْطَلَح الحَدِيْث) بفتح اللَّام؛ أي: ما اصطلح
стр. 11
في هذا الشرح منه؛ لما عُلِمَ أنَّ لكلِّ أهلِ فنٍّ اصطلاحًا يجب استحضاره عند الخوض فيه.
عليه أهل الحديث، وصار عِلمًا مستقلًّا، وهو قسمان أحدهما يسمَّى علم الحديث درايةً، وثانيهما يسمَّى علم الحديث روايةً.
فأمَّا الأوَّل فحَدُّهُ: علمٌ بقوانين يُعرف بها أحوال السَّند والمتن؛ من صحة وحُسن وضعف، وعلوٍّ ونزول، وكيفية التَّحمل والأداء، وصفات الرِّجال، وغير ذلك.
ولنتكلم على مفردات هذا الحدِّ فنقول:
قولهم: (علم بقوانين)؛ أي: بقواعد وضوابط، كقولك: الصَّحيح ما احتوى على اتّصال السَّند والعدالة والضَّبط وخلا من الشُّذوذ والعلَّة القادحة، والحَسَن كذلك على ما يأتي، والضَّعيف ما خلا عنها أو عن بعضها.
وقوله: (وأحوال السَّند والمتن)؛ أي: سواء العامَّة لهما والخاصَّة بأحدهما، فقوله: (من صحة وحسن … ) إلى آخره، عامَّة لهما.
قوله: (وعلوٍّ ونزول) خاصَّةٌ بالسَّند كما سيأتي، ولم يذكروا الخاصَّ بالمتن كأن يقال: ورفع وقطع مثلًا إلَّا أن يقال إِنَّه داخل في قولهم: (وغير ذلك).
وقوله: (وكيفيةُ التحمل) بالرَّفع عطفًا على أحوال؛ أي: تحمُّل الحديث وروايته عن الشَّيخ، وهي أقسام:
منها القراءة على الشَّيخ والسَّماع منه والإجازة وغير ذلك ممَّا سيأتي، وأمَّا كيفية الأداء فهي تابعة لكيفية التَّحمُّل من قوله فيه: (حدَّثنا) إذا كان سمع من لفظ الشَّيخ و (أخبرنا) إذا كان قرأ عليه وغير ذلك ممَّا ستعرفه.
وقوله: (وصفات الرِّجال)؛ أي: من عدالة وفسقٍ وتعبير عنهما -بما يسمَّى بالجرح والتَّعديل- كعدل وكذَّاب وغير ذلك، وقولهم: (وغير ذلك)؛ أي: كالرِّواية بالمعنى، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وغير ذلك ممَّا ستقف على تفصيله.
وهذا الحدُّ للشَّيخ عزِّ الدِّين ابن جماعة.
وأخصرُ منه: علمٌ يُعرف به أحوال الرَّاوي والمرويِّ من حيث القبول والرَّدُّ.
وعرَّفه بعضهم بأنَّه: علمٌ يُعرف به حقيقة الرِّواية وشروطها وأنواعها وأحكامها وحال الرُّواة وشروطهم وأصناف المرويَّات وما يتعلَّق بها.
فـ (حقيقة الرِّواية) نقل السُّنَّة ونحوها كأقوال الصَّحابة، وإسناد ذلك إلى من عُزِيَ إليه بتحديثٍ وإخبارٍ وغيرهما.
و (شروطها) تحمُّل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التَّحمُّل من سماعٍ أو قراءة أو غيرهما.
و (أنواعها) الاتِّصال والانقطاع ونحوهما.
و (أحكامها) القبول والردُّ.
و (حال الرواة): العدالة والجرح.
و (شرطهم) في التَّحمُّل والأداء ما يأتي من الإسلام والبلوغ والعدالة … إلى آخره.
(وأصناف المرويات) المصنَّفات من المسانيد ونحوها أحاديث أو آثار أو غيرهما.
(وما يتعلَّق بها) هو معرفة اصطلاح أهلها.
وموضوعه: الرَّاوي والمرويُّ من حيث ذلك، على القاعدة مِن أنَّ موضوع كلِّ علمٍ ما يبحث فيه عن عوارضه الذَّاتيَّة.
وفائدته: معرفة ما يُقبل وما يُردُّ من ذلك.
وواضعه: الرَّامهرمزيُّ على ما ذكره الشَّارح والسُّيوطيُّ في «شرح النُّخبة» لا ابن شهاب الزُّهريِّ كما ذكره في «حواشي البيقونيَّة»، بل هو واضع علم الحديث رواية كما سنذكر.
واستمداده: من أقواله ﷺ وأفعاله وتقريراته.
وفضله: أنَّ فيه فضلًا جزيلًا؛ لأنَّ به يُعرف كيفية الاقتداء برسول الله ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه.
وحكمه: الوجوب العينيُّ على مَن انفرد به، والكفائيُّ على مَن لم ينفرد.
واسمه: علم الحديث دراية؛ أي: الحاصل بالدِّراية، وهي التَّفكُّر؛ أي: العلم الحاصل بالتَّفكر.
ونسبته: أنَّه بعض العلوم الشَّرعيَّة: وهي الفقه والتَّفسير والحديث.
ومسائله: قضاياه الَّتي يطلب فيها إثبات محمولاتها لموضوعاتها، كقولك: كلُّ حديث صحيح يُقبل أو يستدلُّ به، وكلُّ ضعيف يقبل في فضائل الأعمال ولا يستدلُّ به؛ أي: على الأحكام. فهذه مبادئه العشرة.
وأما علم الحديث رواية فحدُّهُ: علمٌ يشتمل على ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ قولًا أو فعلًا أو تقريرًا.
أي: يَشتمل على رواية ذلك؛ -أي: نقله- وضبطه وتحرير ألفاظه.
وموضوعه: ذات النَّبيِّ ﷺ من حيث أقواله وأفعاله … إلى آخره.
وواضعه: ابن شهاب الزهري شيخ البخاري (١)؛ أي: أنَّه أوَّل مَن دوَّنه وجمعه بأمر عمر بن عبد العزيز بعد موته ﷺ بمئة سنة، وقد مات أغلب مَن كان يحفظه، فلولا أمره ﵁ بجمعه لضاع، وقد دخله الضَّعيف والشَّاذُّ ونحو ذلك، ولو جمع في حياته ﷺ لكان مضبوطًا كالقرآن.
وفائدته: الاحتراز عن الخطأ في نقل ذلك.
وغايته: الفوز بسعادة الدَّارين.
واسمه: علم الحديث رواية؛ أي: العلم الحاصل بالرِّواية؛ أي: النَّقل والإخبار.
ومسائله: قضاياه الَّتي تُطلب فيه … إلى آخره، كقولك: قال ﵊: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّه متضمِّنٌ لقضيَّة قائلة: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات» من أقواله ﷺ ، فالمراد: القضايا ولو ضمنًا، وباقي مبادئه يَشترك فيها مع الأوَّل
стр. 12
وأوَّل من صنَّف في ذلك: القاضي أبو محمَّدٍ الرَّامَهُرمُزيُّ في كتابه «المُحدِّث الفاصل»، والحاكم أبو عبد الله النَّيسابوريُّ، ثمَّ أبو نُعيمٍ الأصبهانيُّ، ثمَّ الحافظ أبو بكرٍ الخطيبُ البغداديُّ في كتابه: «الكفاية في قوانين الرِّواية»، وكتاب «الجامع لآداب الشَّيخ والسَّامع» ثمَّ القاضي عياض في «الإلماع»، والحافظ القطب أبو بكر بن أحمد القسطلانيُّ في «المنهج المبهج عند الاستماع لمن رغب في علوم الحديث على الاطِّلاع»، وأبو جعفرٍ الميانجيُّ في جزءٍ سمَّاه: «ما لا يَسَعُ المحدِّث جَهْله»، ثمَّ الحافظ أبو عمرو بن الصَّلاح، فعكف النَّاس عليه وساروا بسيره، فمنهم النَّاظم له والمختصر، والمستدرك عليه والمقتصر، والمعارض له والمنتصر، فجزاهم الله تعالى خيرًا.
وإذا عُلِمَ هذا؛ فليُعلَم أنَّهم قسموا السُّنن المضافة له ﷺ -قولًا وفعلًا وَتقريرًا، وكذا وصفًا وخَلْقًا؛ ككونه ليس بالطَّويل ولا بالقصير، وأيَّامًا؛ كاستشهاد حمزة وقَتْلِ أبي جهل- إلى متواترٍ ومشهورٍ، وصحيحٍ، وحسنٍ، وصالحٍ، ومُضعَّفٍ، وضعيفٍ، ومُسنَدٍ، ومرفوعٍ، وموقوفٍ، وموصولٍ، ومُرسَلٍ، ومقطوعٍ، ومنقطعٍ، ومُعضَلٍ، ومُعَنعنٍ، ومؤنَّنٍ، ومعلَّقٍ، ومدلَّسٍ، ومُدْرَجٍ، وعالٍ، ونازلٍ، ومُسلسَلٍ، وغريبٍ، وعزيزٍ، ومعلَّلٍ، وفَرْدٍ، وشاذٍّ، ومُنكَرٍ، ومضطربٍ، وموضوعٍ، ومقلوبٍ، ومُركَّبٍ، ومنقلبٍ، ومدبَّجٍ، ومُصحَّفٍ، وناسخٍ، ومنسوخٍ، ومختلفٍ.
فلا يختلفان فيه.
(تنبيه): ينبغي مع معرفة هذا معرفة ألفاظ تدور بين المحدِّثين: وهي الخبر والأثر والسَّند والإسناد والمُسند والمتن والطَّالب والمحدِّث والحافظ والحُجَّة والحاكم.
فأمَّا الخبر فهو لغةً: ضد الإنشاء، واصطلاحًا: قيل: مرادف للحديث بمعناه الاصطلاحيِّ، فيطلقان على المرفوع والموقوف والمقطوع، وقيل: الحديث ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ ، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثمَّ قيل لمن يشتغلُ بالحديث محدِّثٌ، وبالتَّواريخ ونحوها أخباري، وقيل: كلُّ حديثٍ خبر ولا عكس.
والأثر في اللغة: بقيَّة الدَّار ونحوها، واصطلاحًا: قيل مرادف للحديث أيضًا، كما قال النَّوويُّ: إنَّ المحدثين يسمّون المرفوع والموقوف بالأثر، ولذا يُسمَّى المحدِّث أثريًّا.
وقال فقهاء خراسان: الخبر هو المرفوع، والأثر الموقوف.
ولعلَّ وجهه أنَّ الأثر هو بقيَّة الشَّيء، والخبر ما يخبر به؛ فلمَّا كان قول الصَّحابيِّ بقيَّة من قول المصطفى ﷺ وكان أصل الأخبار إنَّما هو عنه ﵊ ناسب أن يُسمَّى قول الصَّحابيِّ أثرًا، وقول المصطفى خبرًا.
والسَّند في اللُّغة: المُعتمد من قولهم: فلان سند؛ أي: معتمد، واصطلاحًا: الطَّريق الموصلة إلى المتن؛ أي: الرُّواة الَّذين يتوصَّل بهم إلى الحديث، سمُّوا بذلك؛ لاعتماد الحفَّاظ في صحة الحديث وضعفه عليهم.
والإسناد لغة: مطلق الإخبار، واصطلاحًا: الإخبار عن طريق المتن، فهو مشترك مع السَّند في اعتماد الحفَّاظ في صحَّة الحديث وضعفه عليه، ولذا قال ابن جماعة: المحدِّثون يستعملون السَّند والإسناد لشيء واحد. انتهى.
والمُسْنَد -بفتح النُّون- لغة: اسم مفعول من أسند، واصطلاحًا: ما اتَّصل سنده من راويه إلى النَّبيِّ ﷺ ، ويطلق على الكتاب الَّذي جُمِع فيه ما أسنده الصَّحابيُّ؛ -أي: رواه- كمسند أحمد كما سبق، وقد يُطلق ويُراد به الإسناد، فيكون مصدرًا كمُسند الفردوس، فإنَّ الفردوس اسم كتاب للدَّيلميِّ ذكر فيه أحاديث غير مسندة وسمَّاه «الفردوس»، فجاء ولده وألَّف كتابًا جمع فيه أسانيد تلك الأحاديث وسماه: «مسند الفردوس».
والمتن لغة: ما صَلُبَ وارتفع من كلِّ شيء، واصطلاحًا: ما ينتهي إليه السَّند من الكلام، فهو نفس الحديث الَّذي ذُكر الإسناد له، سُمِّي بذلك؛ لأنَّ الشَّخص المُسند يقوِّيه بالسَّند ويرفعه إلى قائله.
والطَّالب: هو مُريد فنِّ الحديث الشَّارع فيه.
والمحدِّث: من عَرف رجال الرِّواية والمرويَّ في الَّذي حدَّث به.
والحافظ: مَنْ حفظ مئة ألف حديث مسندةً وضَبَطها.
والحجَّة: من حفظ ثلاثمئة ألف حديث بأسانيدها.
والحاكم: من أحاط بالسنة.
قوله: (الرَّامَهُرْمُزِي) بتشديد الراء وفتح الميم الأولى وضمِّ الثَّانية مع الهاء وإسكان الرَّاء وكسر الزَّاي، أصلُهُ مركب من رامَ وهُرمز، قال ياقوت في «المعجم»: «الرَّام» بالفارسية معناه المراد والمقصود، «هرمز» أحد الأكاسرة، فمعنى هذه اللفظة مقصود هرمز. انتهى.
والمراد هنا: المنسوب لرامهرمز.
قوله: (المُحَدِّث) بكسر الدَّال المشدَّدة، كما قاله الهرويُّ و (الفاصل) بالصَّاد المهملة وهذا اسم لكتابه؛ لفصله بين الحقِّ والباطل.
قوله: (المَنْهَج المُبْهِج) الأوَّل: بالنُّون السَّاكنة بعد الميم المفتوحة بمعنى الطَّريق، والثَّاني: بالميم المضمومة والموحَّدة السَّاكنة والهاء المكسورة وصفٌ له من البهجة وهي الحُسن؛ أي: المُكْسب قارئه البهجة.
قوله: (المَيَانَجِي) بميم فتحتيَّة فنُون مفتوحات، قال ابن أبي شريف: وجيمه بين الجيم والشِّين، نسبة إلى ميانه بلد بقرب أذربيجان، وأبو جعفر هذا هو عمر بن عبد المجيد، وما ذكره الشَّارح من أنَّ كنيته أبو جعفر هو ما ارتضاه السَّيِّد المرتضى كما رأيته منقولًا عنه، وفي «التَّدريب» أنَّ كنيته أبو حفص، والصَّحيح أنَّ هذا غير ذاك، وأنَّ أبا حفص هذا ليس بالجيم بل بالشِّين.
قوله: (فَعَكَفَ النَّاسُ عَلَيْهِ)؛ أي: لزموه؛ أي: ما صنَّفه في ذلك وهو كتابه المشهور بـ «علوم الحديث»، جَمَعَ ما تفرَّق في غيره فعكف الناس عليه.
قوله: (أَوْ أَيَّامًا) لم نرَ زيادة ذلك لغيره، ولعل مراده به ما أضيف لزمنه ﷺ صراحةً، فيكون بمعنى قولهم: قول الصَّحابيِّ: كنا نفعل كذا في عهد النَّبيِّ ﷺ في حكم المرفوع، أو لزومًا كقوله: صار كذا يوم استشهد حمزة أو في غزوة بدر ونحو ذلك، لكن لا يخفى أنَّه يغني عنه قوله أو تقريرًا؛ فلينظر.
قوله: (إِلَى مُتَوَاتِرٍ … ) إلى آخره، جملةُ ما سرده الشَّارح تسعة وثلاثون، وفاته كثير ممَّا هو مستعمل مشهور عند أهل الحديث، كالقويِّ والجيِّد والمعروف والمحفوظ والمجوَّد والثَّابت، كما فاته في صفات الرُّواة ما سنبديه إليك في كلٍّ إن شاء الله تعالى
стр. 13
فالمتواتر: الذي يرويه عددٌ تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه، وينضاف لذلك أن يصحَب خبرهم إفادة العلم لسامعه، كحديث: «مَنْ كذب عليَّ متعمِّدًا … » [خ¦١٠٦]، فنقل النَّوويُّ
في مواضعه، وذكر النَّوويُّ في «التَّقريب» والسُّيوطيُّ في «شرحه» خمسة وستين وقال: ليس ذلك بآخر الممكن في ذلك؛ فإنَّه قابلٌ للتَّنويع إلى ما لا يحصى، إذ لا تُحصى أحوال رواة الحديث وصفاتهم ولا أحوال متون الحديث وصفاتها.
وقال الحازميُّ في «كتاب العجالة»: علمُ الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مئةً كلُّ نوع منها علم مستقلٌّ، لو أنفق الطَّالب فيه عمره ما أدرك نهايته.
ثُمَّ المراد بالتَّقسيم في قوله: (قَسَّمُوا السُّنَن … ) إلى آخره، التَّنويع إلى الأنواع المذكورة، وإلَّا فأقسام الحديث لا تخرج عن ثلاثة كما قال الأكثرون: صحيح وحسن وضعيف؛ لأنَّها إنْ اشتملت من أوصاف القبول على أعلاها فالصَّحيح، أو على أدناها فالحسن، أو لم تشتمل على شيءٍ منها فالضَّعيف، بل منهم من لم يَزِد نوع الحسن وجعله مندرجًا في الصَّحيح، وحصر الأقسام في اثنين صحيح وضعيف.
قوله: (فَالْمُتَوَاتِر … ) إلى آخره، أقول: الظَّاهر أنَّه إنَّما بدأ به دون الصَّحيح كما فعله الأكثر؛ لأنَّه مقطوع بصحته في نفس الأمر، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ قاله إجماعًا كما سيأتي، بخلاف الصَّحيح فإنَّه لا يلزم من كونه صحيحًا باعتبار سنده أن يكون صحيحًا في نفس الأمر كما سيأتي للشَّارح، ولعله ثَنَّى بالمشهور وذكره قبل الصَّحيح؛ لأنَّه قريبٌ منه في ذلك.
والمتواتر في اللُّغة: الشَّيءُ الآتي مرَّة بعد أخرى، من تواتر الرِّجال إذا جاؤوا واحدًا بعد واحد.
وفي الاصطلاح ما ذكره الشَّارح بقوله: الَّذي يرويه … ، أي: الحديث الَّذي يرويه … إلى آخره.
قال بعضهم: ومن حقِّ هذا الخبر أن يُقال له: المتواصل؛ لأنَّ المتواتر من الوِتر، وهو أن يأتي واحد بعد واحد مع نوع انقطاع بينهما، حتَّى قال بعض أهل اللُّغة: من لحن العوام تواترت كتبك، يريدون: تواصلت، بل لا يقال إلَّا عند عدم التَّواصل كذا في حواشي «اللُّقطة الياسينيَّة»، والظَّاهر: أنْ لا وجه لذلك؛ إذ لا مشاحَّة في الاصطلاح ولا يلزم على الرَّاجح وجود مناسبة بين المعنى اللُّغويِّ والاصطلاحيِّ.
قوله: (عَدَد)؛ أي: بلا حصر في قدرٍ مخصوصٍ على ما عليه الجمهور؛ لأنَّ الاعتقاد يتقوَّى عند الإخبار بتدريج خفيٍّ إلى أن يحصل اليقين، والقوَّة البشريَّة قاصرة عن ضبط عدد يحصلُ عنده ذلك وأقلُّه خمسة فلا يكفي أربعة.
قال في «جمع الجوامع» و «شرحه»: ولا يكفي الأربعة وفاقًا للقاضي الباقلاني والشَّافعيَّة؛ لاحتياجهم إلى التَّزكية فيما لو شهدوا بالزِّنا، وما زاد عليها صالح من غير ضبط بعدد معين، وقال الإصطخريُّ: أقلُّه عشرة؛ لأنَّ ما دونها آحاد، وقيل: اثنا عشر، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: سبعون. انتهى.
وتوقُّفهم في عدم كفاية الأربعة مطلقًا؛ لاقتضائه عدم صلاحية الأئمَّة الأربعة بل الخلفاء الأربعة، ثمَّ قال: إلَّا أن يراد عدم الكفاية من حيث مجرد الكثرة، فلا ينافي أنَّ نحو الخلفاء الأربعة يكفي باعتبار نحو أحوالهم. انتهى.
ولا شكَّ أنَّ العدد الَّذي يُؤْمن تواطؤه على الكذب يختلف باختلاف الناس.
وقوله: (تُحِيْلُ العَادَةُ) التَّعويل على العادة في ذلك هو ما صَرَّحَ به جمع من المحقِّقين، فالقول بالتَّعويل على العقل وهمٌ أو مؤوَّلٌ، قاله شيخ الإسلام؛ أي: بأنَّ العقل يحكم بالاستحالة بالنَّظر إلى العادة لا بالنَّظر إلى التَّجويز العقليِّ مجرَّدًا عنها، فإنَّه لا يرتفع وإن بلغ العدد ما بلغ لكنَّ ذلك التَّجويز لا يمنعُ حصول العلم العاديِّ.
قوله: (مِن ابْتِدَائِهِ) متعلقٌ بعددٍ؛ أي: كائن ذلك العدد من ابتدائه؛ -أي: الخبر- إلى انتهائه إن تعددت طبقاته، فيُشترط كونُ كلِّ طبقة جمعًا يؤمن تواطؤهم على الكذب؛ ليفيد خبرهم العلم بخلاف ما إذا لم يكونوا كذلك في غير الطَّبقة الأولى فلا يفيد خبرهم العلم، قال المحليُّ: ومن هنا تبيَّن أنَّ المتواتر في الطَّبقة الأولى قد يكون آحادًا فيما بعدها وهذا مجمل القراءة الشَّاذَّة. انتهى.
قوله: (وَيَنْضَافُ لِذَلِكَ … ) إلى آخره، أقول: الظَّاهر أنَّ المراد يَنْتسب لما تقدم من الشُّروط في المتواتر -أعني: كون رواته جمعًا يُؤمَن تواطؤهم على الكذب- ويلابسه أن يصحب خبرهم المذكور إفادته العلم لسامعه، فالمعنى أنَّه متى كان المتواتر كذلك صَحِبه العلم اليقينيُّ بأنَّه مِن كلام مَن أُسند إليه أو بثبوت مدلوله في الواقع، ويدلُّ لذلك عبارة شرح «التَّقريب» وهي: والمتواتر ما نقله مَن يَحْصل العلم بصدقهم ضرورةً بأن يكون جمعًا لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم من أوَّله … إلى آخره، ولذا كان مفيدًا للعلم الضَّروريِّ وهو الَّذي يضطَّر إليه الإنسان بحيث لا يمكنه دفعه، ثمَّ قال: ولذا يجب العمل به من غير بحثٍ عن رجاله. انتهى.
أي: عدالة وفسقًا بخلاف غيره فلا يُقبل ويعمل به إلَّا بعد تحقُّق عدالة راويه، قال الأصوليُّون: ولا يشترط فيه؛ -أي: المتواتر- الإسلام، بل يُقبل ولو من كفَّار إذا كان إخبارًا عن محسوس؛
стр. 14
أنَّه جاء عن مئتين من الصَّحابة ﵃.
- أي: أمر يُدرك بالحسِّ كسمع أو بَصر- كالإخبار بوجود مكة أو قتل الملك الفلانيِّ لا عن معقول كإخبار الفلاسفة بقدم العالم أو عدم البعث فلا يُسمى متواترًا ولو أخبر به العدد المذكور. انتهى.
فانظر هل ذلك عامٌّ حتَّى في الأحاديث النَّبويَّة فتُقبل ويُحتجُّ بها برواية الكفَّار تواترًا ظاهرًا؟ إطلاقهم أنَّه كذلك ولو كان السَّند كلُّه كذلك إلى الرَّسول ﷺ ، لكن الَّذي يظهر لي خلافه إذ كلام المحدِّثين وأهل الاصطلاح على أنَّه لا يُقبل ويحتجُّ به من الأحاديث إلَّا الحديث الصَّحيح، وهو ما رواه عدل … إلى آخره، حتَّى رَدُّوا رواية المجهول عينًا أو صفة ورواية الدَّاعية لبدعته وإن لم يَكفر بها على الصَّحيح كالرَّوافض كما سيأتي، وقد قال النوويُّ في «التَّقريب»: أجمع الجماهير من أئمَّة الحديث والفقه أنَّه يُشترط فيمن يُحتجُّ بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا بأن يكون مسلمًا بالغًا … إلى آخره. انتهى.
ولا يخفى أنَّ مبنى تقسيم الأحاديث إلى صحيح وغيره من الأقسام الكثيرة الآتية إنَّما هو على اعتبار أحوال الرُّواة عدالة وفسقًا، واضطربت أقوالهم في رواية أشخاص كثيرين؛ لاضطرابهم فيهم جرحًا وتعديلًا مع شِدَّةِ تحرِّيهم في الرِّواية والرُّواة، أَفَتَرَاهُم مع ذلك يَقبلون من كافر ولو بلغَ من الكثرة ما بلغ سيَّما وقد قال ﷺ فيما رواه ابن عباس مرفوعًا، كما في المدخل: «لَا تَأْخُذُوْا الْعِلْمَ إِلَّا مِمَّنْ تَقْبَلُوْنَ شَهَادَتَهُ»، وحديث الشَّمائل: «انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُوْنَ دِيْنَكُم»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]، فأخبر تعالى أنَّهم يكذبون ويروِّجون كذبهم بالحلف مع ما ينضمُّ لذلك من عداوتهم للدِّين وأهله الموجبة لعدم أَمْنِ تَواطُئِهِم على الكذب بما ينابذه أو ينافيه وتقييد حصر القبول فيما رواه عَدْل بالآحاد لا التَّواتر بعيد جدًا، بل الظَّاهر أنَّ التَّعميم بما ذكر في المتواتر اصطلاح للأصوليِّين، وأنَّ اصطلاح المحدِّثين فيه غير ذلك بل هو: ما يرويه عددٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب من المسلمين، فيُقبل من غير بحث عن رجاله حينئذ عدالة وفسقًا، على أنَّه لم يوجد حديث نبويٌّ تواتر بكفَّارٍ قطُّ حتَّى يكون للمحدِّثين نظرٌ إليه، وربما يُؤيِّد ما قُلناه أنَّ صاحب «جمع الجوامع» قال بعد أن ذكر في المتواتر ما سبق من قبوله من الكفَّار ما نصُّه: ولا تقبل رواية كافر، قال شارحه المحلِّي: وإن عُرِفَ بالصِّدق لعلوِّ منصب الرِّواية عن الكفَّار. انتهى. فهذا التَّعليل يأبى إلَّا التَّعميم في الآحاد وغيرها، وحينئذ فيكون اصطلاح المحدِّثين في المتواتر غير اصطلاح الأصوليِّين إذ كلامهم في الحديث المتواتر، وكلام الأصوليِّين في الخبر المتواتر من النَّاس غير السُّنَّة الشَّريفة، فتصطلح الاصطلاحات على أنَّ عبارة «جمع الجوامع» نصُّها الأصحُّ أنَّه لا يشترط فيه الإسلام. انتهى.
وهي تفيد أنَّ في ذلك خلافًا وأنَّ القول باشتراط الإسلام في ذلك الخبر الأعمِّ قول صحيح لا ضعيف؛ فليتأمَّل وليحرَّر.
ثمَّ رأيت بعد ذلك ما يؤيد ذلك في «شرح التقريب» للسُّيوطيِّ ونصُّه: ومنه أي من المشهور المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدِّثون باسمه الخاصِّ المُشعر بمعناه الخاصِّ، وإن وقع في كلام الخطيب ففي كلامه ما يُشعر بأنَّه اتَّبع فيه غير أهل الحديث، قاله ابن الصلاح. انتهى.
بل ذلك نصٌّ في أنَّ أهل الحديث ليس لهم نظرٌ إليه بالذَّات وأنَّ الكلام فيه خاصٌّ بأهل الفقه والأصول.
هذا وقد اختُلِف في العلم الحاصل بالتَّواتر، فالجمهور أنَّه ضروريٌّ، وليس مرادهم أنَّه يعلم بغير دليل بل المعنى كما في «ياسين على لقطة العجلان» أنَّه يلزم التَّصديق به ضرورة إذا وُجدت شروطه، كما يلزم التَّصديق بالنَّتيجة الحاصلة عن المقدِّمات ضرورة وإن لم تكن في نفسها ضروريَّة، وقال الكعبيُّ والإمامان (١): نظريٌّ؛ أي: يتوقَّف على مقدِّمات حاصلة لا بمعنى أنَّه يحتاج إلى النَّظر عقبه، وقيل: بالوقف، وهذا بالنَّظر إلى العلم بتلك الألفاظ وكونها من كلام من أسند إليه، وكذا العلم بثبوت مدلوله في الواقع، فالجمهور: أنَّه ضروريٌّ كذلك، وقيل نظريٌّ وأطال في ردِّه في «شرح النُّخبة» وعلى كلٍّ فهو يفيد العلم بخلاف الآحاد فإنَّه يفيد الظَّنَّ.
قوله: (أَنَّه جَاءَ عَنْ مَئتَيْن مِنَ الصَّحَابَةِ)؛ أي: وبحسب العادة إذا ورد الحديث عن مثل هذا العدد من الصَّحابة ينقله عنهم كثيرون وهكذا إلى انتهائه، إذ لا يخفى أنَّه إذا جاء من الطَّبقة الأولى الَّتي يتوهَّم فيها التَّفرُّد عن هذا العدد برمَّته فلأن يجيء عن مثله أو أكثر فيما عداها من الطَّبقات من باب أولى، فلا يُقال مقتضاه أنَّ كثرة العدد إنَّما هي في الطَّبقة الأولى خاصَّةً فيُنافي ما أسلَفه من اشتراط ذلك العدد من ابتدائه إلى انتهائه، ثمَّ كون هذا الحديث جاء عن مئتين من الصَّحابة، قال العراقيُّ: ليس في هذا المتن بعينه
стр. 15
و المشهور: وهو أوَّل أقسام الآحاد: ما له طرقٌ محصورةٌ بأكثرَ من اثنين، كحديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّة» [خ¦١]، لكنَّه إنَّما طرأتْ له الشُّهرة من عند يحيى بن سعيدٍ،
ولكنه في مطلق الكذب، والخاصُّ بهذا المتن رواية بضعة وسبعين صحابيًّا، منهم العشرة المشهود لهم بالجنَّة. انتهى.
وقد قسم العلماء المتواتر إلى لفظيٍّ وهو ما اتَّفق رواته المذكورون في لفظه ولو حكمًا وفي معناه، ومعنويٍّ وهو ما اختلفوا في لفظه ومعناه مع رجوعه لمعنىً كليٍّ كما إذا نقل رجل عن حاتم مثلًا أنَّه أعطى جملًا وآخر أنَّه أعطى فرسًا وآخر أنَّه أعطى دينارًا وهلمَّ جرًّا، فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء؛ لأنَّ وجوده مشترك بين جميع هذه القضايا.
فمثال ما تواتر لفظه ومعناه في الحديث: ما ذكره الشَّارح من حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا … » إلى آخره، ومثله حديث: «رَفْعُ اليَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ»، إذ رواه نحو خمسين صحابيًّا بلفظ واحد، وحديث «نَضَّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي» إذ رواه نحو ثلاثين صحابيًا، كذلك وحديث «مَنْ بَنَى لله مَسْجِدًا»، وحديث «بَشِّر المَشَّائِيْنَ إِلَى المَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِالنُّوْرِ التَّامِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، وغير ذلك.
وهو كثيرٌ خلافًا لابن الصلاح إذ قال: المتواتر من الحديث قليلٌ لا يكاد يوجد في رواياتهم، ومثال ما تواتر معناه كحديث رفع اليدين في الدعاء، إذ روي فيه مئة حديث في قضايا مختلفة كلُّ قضيَّة منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرَّفع عند الدُّعاء تواتر باعتبار المجموع.
(تنبيه) توهَّمَ بعضُ أفاضل العصر من قولهم في تعريف المتواتر: جمعٌ يؤمن تواطؤهم على الكذب أنَّه لا يكون إلَّا صحيحًا، وليس كذلك في الاصطلاح بل منهُ ما يكون صحيحًا اصطلاحًا بأن يرويه عدول عن مثلهم وهكذا من ابتدائه إلى انتهائه، ومنه ما يكون ضعيفًا كما إذا كان في بعض طبقاته غير عدلٍ ضابط فهذا ليس بصحيح اصطلاحًا، وإن كان صحيحًا بمعنى أنَّه مطابق للواقع باعتبار أمن تواطئ نقلته على الكذب وعبارة «التقريب» فيه صريحة فيما ذكرناه إذ جعله قسمًا من المشهور وقسمه إلى صحيح وغيره؛ أي: حسن وضعيف؛ فَتَبَصَّرْ.
قوله: (وَالْمَشْهُوْرِ … ) إلى آخره، سُمِّي بذلك؛ لشهرته ووضوحه، وسمَّاهُ جماعة من الفقهاء: المستفيض؛ لانتشاره من فاضَ الماءُ يفيض فيضًا، ومنهم من فَرَّقَ بينهما بأنَّ المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعمُّ من ذلك، ومنهم من عكس، وقد يراد به ما اشتهر على الألسنة وهذا يُطلق على ما له إسنادٌ واحد فصاعدًا، بل على ما لا يوجد له إسناد أصلًا.
وينقسم المشهور إلى صحيح بالمعنى الشَّامل للحسن كحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ»، وحديث «ذِي اليَدَين في السَّهو»، وضعيفٍ كحديث: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ على كل مُسْلِمٍ»، وحديث: «إِحْيَاءُ أَبَوي النَّبيِّ ﷺ حتى آمَنَا بِهِ» -فهو ضعيفٌ على الصَّواب لا موضوعٌ خلافًا لقوم، ولا صحيح خلافًا لآخرين- وموضوعٌ كما روي عن أحمد ابن حنبل أنَّه قال: أربعة أحاديث تدور في الأسواق عن رسول الله ﷺ ليس لها أصل: «مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوْجِ آذار بَشَّرْتُهُ بِالجَنَّةِ» و «مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» و «يَوْمَ صَوْمِكُم يَوْمَ نَحْرِكُم» و «لِلْسَّائِلِ حَقٌ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ».
وينقسم من وجه آخر إلى مشهور عند أهل الحديث، ومشهور شهرة مطلقة؛ أي: عندهم وعند غيرهم، ومشهور عند العامَّة.
فالمشهور عند أهل الحديث خاصَّة كحديث أنس: «أَنَّ رسول اللَّهِ ﷺ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو على رِعْلٍ وَذَكْوَانَ»، أخرجه الشَّيخان من رواية سليمان التَّيميِّ عن أبي مجلز عن أنس، ورواه عن أنس غير أبي مجلز، وعن أبي مجلز غير سليمان، وعن سليمان جماعة، وهو مشهور بين أهل الحديث، وقد يستغربه غيرهم؛ لأنَّ الغالب على رواية التَّيميِّ عن أنس كونها بلا واسطة.
والمشهور عندهم وعند غيرهم من العلماء والعامَّة «الْمُسْلِمُ من سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ من لِسَانِهِ وَيَدِهِ».
والمشهور بين العامَّة فقط: «مَنْ دَلَّ على خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»، أخرجه مسلم، «مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ» صحَّحه ابن حبَّان والحاكم، «مَنْ بُوْرِكَ لَهُ فِي شَيءٍ فَلْيَلْزَمْهُ»، «أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُوْلِهِم» وهما ضعيفان، «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» «كُنْتُ كَنْزًا لَا أُعْرَفُ» وهما باطلان لا أصل لهما.
قوله: (هُوَ أَوَّلُ أَقْسَامِ الآحَادِ) المرادُ بها ما يُقابل المتواتر، وإن رواه اثنان أو ثلاثة، وظاهر عبارته هذه أنَّ جميع أفراد المشهور أُحاديَّة وليس شاملًا للمتواتر، وتعريفه الآتي يقتضي شموله له وهو الواقع، فلعلَّ مراده بما هنا أنَّه أوَّل الأقسام الَّتي يتحقَّق فيها الآحاد وذلك لا ينافي أنَّه يتحقَّق فيها غيرها.
قوله: (بَأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ) هذا هو المعروف كما قاله ابن الصَّلاح.
فما جرى عليه صاحب «البيقونيَّة» من أنَّه أكثر من ثلاثة إذ قال:
مشهور مرويٌّ فوق ما ثلاثة
مردودٌ، والأكثر من اثنين صادق بما بلغَ حدَّ التَّواتر وما لا، فينقسم المشهور إلى متواتر
стр. 16
وأوَّل إسناده فَرْدٌ، وهو مُلْحَقٌ بالمتواتر عندهم؛ لأنَّه يفيد العلمَ النَّظريَّ.
و الصَّحيح: ما اتَّصل سندُه بعدولٍ
وغيره وكل متواتر مشهور ولا عكس.
قوله: (أَوَّلُ إِسْنَادِهِ فَرْدٌ)؛ أي: لأنَّه تفرَّدَ به عمر ﵁ إذ لم يَرْوِهِ عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا هو، ثمَّ تَفَرَّدَ بروايته عن عُمر علقمة، ثم محمَّد بن إبراهيم عن علقمة، ثم عنه يحيى بن سعيد، ثم رواه عنه جماعة وعن كل جماعة وهكذا، فطرأت له الشُّهرة من عند يحيى بن سعيد وأوَّل إسناده فردٌ وهو عمر، واعترض بأنَّه لم ينفرد به بل رواه عن النَّبيِّ ﷺ كما ذكره أبو القاسم بن منده سبعة عشر من الصَّحابة، بل ذكر غيره أكثر منهم، كأبي سعيد الخدريِّ وعليِّ بن أبي طالب وسعد بن أبي وقَّاص وابن مسعود وابن عمر وابن عبَّاس وأنس وأبي هريرة وأبي ذرٍّ.
وذكر ابن منده أنَّه رواه عن عمر غير علقمة، وعن علقمة غير محمَّد، وعن محمَّد غير يحيى.
وأُجيب: بأنَّه لم يصحَّ له طريقٌ غير حديث عمر ولم يروَ بلفظ حديث عمر إلَّا من حديث ابن سعيد وسائر أحاديث الصَّحابة المذكورين إنَّما هي في مطلق النِّيَّة كحديث: «يُبْعَثُوْنَ عَلَى نِيَّاتِهِم»، وحديث: «لَيْسَ لَهُ مِنْ غَزَاتِهِ إِلَّا مَا نَوَى» ونحو ذلك.
والتِّرمذيُّ في جامعه يقول بعد سوق الحديث: (وفي الباب عن فلان وفلان) فلا يريد ذلك الحديث المعيَّن، بل أحاديث أُخر يصحُّ أن تكتب في الباب.
قال القرافي: وهو عملٌ صحيح إلَّا أنَّ كثيرًا من النَّاس يفهمون من ذلك أنَّ مَن ذُكر من الصَّحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك بل قد يكون كذلك وقد يكون آخر يصحُّ إيراده في ذلك. انتهى.
ولم يصح من طريق عمر إلَّا الطَّريق المتقدِّمة.
قال البزَّار في «مسنده»: (لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ إلَّا من حديث عمر، ولا عن عمر إلَّا من حديث علقمة، ولا عن علقمة إلَّا من حديث محمَّد، ولا عن محمَّد إلَّا من حديث يحيى).
قوله: (وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالمُتَوَاتِرِ)؛ أي: في إفادة العلم ووجوب العمل به.
وقوله: (لأنَّه يفيد العلم النظري)؛ أي: لا الضَّروريَّ كالمتواتر، إذ هو مقطوع بصحَّته وصدقه من غير نظرٍ فيه، وأمَّا هذا فلا يُقطع بصحَّته حتَّى ينظر فيه؛ فإن كان رواته رواة الصَّحيح أو الحسن أُعطي حكمهما، وإلَّا فلا على ما سيأتي تفصيله.
قوله: (والصَّحيح) فعيل بمعنى فاعل من الصِّحة وهي حقيقة في الأجسام واستعمالها في مثل ما هنا مجازًا واستعارة تبعيَّة وهذا بحسب الأصل، أمَّا الآن فقد صار حقيقة عرفيَّة فيما عرَّفه الشَّارح.
قوله: (مَا اتَّصَلَ)؛ أي: متنٌ اتَّصلَ سنده بحيث يكون كلٌّ من رجاله سمعه من شيخه من أوَّل السَّند إلى آخره بأن ينتهي إلى النَّبيِّ ﷺ أو الصَّحابيِّ أو من دونه فيشمل الموقوف، ويخرج المنقطع والمُعضَل والمعلَّق والمُرسَل على رأي من لا يَقْبله.
فالمراد بالصَّحيح الصَّحيح لذاته المُجمع عند المحدِّثين على صحَّة نسبته للنَّبيِّ ﷺ ، فلذلك خرج المرسل فإنَّه صحيح عند مالك دون الشَّافعيِّ؛ لعدم اتَّصال سنده، ويخرج أيضًا الصَّحيح لغيره فإنَّه الحسن لذاته كما سيأتي.
قوله: (بِعُدُوْلٍ) جمع عدل، من العدالة وهي لغة: الاستقامة، وأمَّا اصطلاحًا فقد عرَّفها ابن السُّبكيِّ في «جمع الجوامع» بقوله: ملكةٌ تحمِلُ على اجتناب الكبائر وصغائر الخسة والرَّذائل المباحة. انتهى. والكبائر: كلُّ ما فيه وعيدٌ شديد كالزِّنا ونحوه فلا حصر لها على الرَّاجح، وصغائر الخسَّة: كلُّ ما يدلُّ على خسَّة النَّفس كسرقة لقمة والتَّطفيف في الوزن بحبَّة، والرَّذائل جمع رذيلة: وهي ما تُورث الاحتقار كالأكل في السُّوق والمشي حافيًا أو مكشوف الرَّأس لكن هذا جائز دون ما قبله، وعرَّفها الحَمُّويي بقوله: العدالة: المحافظة على التَّقوى والمروءة، والتَّقوى: الاحتراز عما يُذَمُّ شرعًا.
والمُروءة بالضَّمِّ على الأفصح، وقد تُبدل همزته واوًا وتُدغم بمعنى الإنسانية؛ لأنَّها مأخوذة من المرء: وهي تعاطي المرء ما يُستحسن وتجنُّب ما يُسترذل كالحِرَف الدَّنيئة والملابس الخسيسة
والجلوس في الأسواق، أو صيانة النَّفس عن الأدناس أو ما يُشين عند النَّاس، أو آداب نفسانيَّة تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، يقال: مرؤ الإنسان فهو مرئ كقُرُب فهو قريب كما في «المصباح» وكلُّها قريبة المعنى لكنَّها بعيدة المرمى ولله درُّ من قال:
مَرَرْتُ عَلَى المُرُوءةِ وَهِيَ تَبْكِي … فَقُلْتُ عَلَامَ تَنْتَحِبُ الفَتَاةُ
فَقَالَتْ كَيْفَ لَا أَبْكِي وَأَهْلِي … جَمِيْعًا دُوْنَ خَلْقِ الله مَاتُوْا
وقد كان قيل:
ولا بدَّ منْ شكوى إلى ذيْ مروءةٍ … يُوَاسِيْكَ أَوْ يُسليكَ أو يتوجعُ
стр. 17
ضابطين بلا شذوذٍ، بأن لا يكون الثِّقة خالف أرجح منه حفظًا أو عددًا مخالفةً لا يمكن الجمع، ولا علَّةٍ
فقلت:
ولا تشكُ منْ خبٍّ ألمَّ إلى فتىً … وكنْ صابرًا فالصَّبرُ للحرِّ أنفعُ
فمَا منْ فتىً تَلقى بهِ مِنْ مروءةٍ … يواسيكَ أو يُسليكَ أو يتوجَّعُ
ثُمَّ المرادُ بالعدل هنا عدل الرِّواية: وهو المسلم البالغ العاقل السَّالم من الفسق بارتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة، لا عدلُ الشهادة فلا يختصُّ بالذَّكَر الحرِّ بل يعمُّ الأنثى ومن فيه رقٌّ، فخرج الفاسق بما ذكر، والمجهول عينًا كحدَّثنا رجل؛ لأنَّه لا يقال عدل إلَّا لمعيَّن إذ هو حكم، والحكم على الشَّيء فرعٌ عن تصوُّره، ما لم يصفه نحو الشَّافعيّ من أئمَّة الحديث الرَّاوي عنه بقوله: الثِّقة، كقول الشَّافعيِّ كثيرًا: أخبرني الثِّقة، وكذا مالك قليلًا أو يقول فيه: مَن لا أتهم، كقوله: أخبرني من لا أتَّهمه، فيُقبل فيهما خلافًا للصَّيرفيِّ، وخَرَجَ أيضًا المجهول حالًا؛ كحدَّثنا زيد، ولا يُعرف منه إلَّا أنَّه ابن عمرو ولم ينصَّ أحدٌ من أهل الحديث على توثيقه أو تجريحه.
تنبيه: ظاهر تعبير الشَّارح بـ «عدول» جمعًا أنَّه لا بدَّ فيه من أن يرويه جماعة ضابطون عن جماعة ضابطين إلى منتهاه، وليس كذلك على الصَّحيح بل الشَّرط أن يرويه عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه، كما عبَّرَ به ابن الصَّلاح، والشَّارح نظر إلى مجموع سلسلة السَّند فجَمَعَ.
قوله: (ضَابطِيْن) من الضَّبط وهو قِسمان: ضبطُ صدرٍ: وهو أن يحفظ ما سمعه بحيث يتمكَّن من استحضاره متى شاء، وضبط كتاب: وهو صيانته عنده منذ سمع فيه وصحَّحه إلى أن يؤدي منه ولا يدفعه إلى مَن يمكن أن يغيِّرَ فيه، ومحلُّ هذا في كتاب لم يشتهر ولم يضبط، أمَّا ما كان كذلك كالبخاريِّ ومسلم فلا يشترط صيانة ما سمع فيه عنده حتَّى يُؤدِّي منه بل الشَّرط أنْ يروي من أصل شيخه أو فرع مقابَلٍ عليه أو فرع مقابلٍ على الفرع كما أفاده بعض حواشي شيخ الإسلام، أقول: والظَّاهر أنَّ التَّقييد بشيخه في مثل ما ذكر ليس بلازم لضبط تلك الكتب في ذاتها فالمدار على كون النُّسخة مصحَّحة على أيِّ شيخ أو مقابلةً بأيِّ فرع صحيح.
وأطلق الشَّارحُ الضَّبط ولم يقيِّد بالتَّام مع أنَّه مراتب ثلاثة: عليا ووسطى ودنيا؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق فإنَّ اللَّفظ إذا أُطلق انصرف للفرد الكامل وهو التَّامُّ خصوصًا والمقام يقتضيه.
والضَّبط التَّامُّ هو ما لا يختلُّ، فلا يُقال في صاحبه إنَّه يضبط تارة ولا يضبط أخرى، فيخرج الحسن لذاته المُشترط فيه سَمِيُّ الضَّبط فقط، وما نقله مغفَّلٌ كثيرُ الخطأ.
قال في «التَّقريب»: ويُعرف ضبط الرَّاوي بموافقته الثِّقات المتقنين الضَّابطين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابط، ولا تضرُّ المخالفة النَّادرة فإنْ كثرت اختلَّ ضبطه ولم يُحتجَّ به في حديث.
قوله: (وَلَا شُذُوْذ) زاد بعضهم: ولا إنكار، ولا حاجة إليه لأنَّ المُنكر أسوأ حالًا من الشَّاذِّ فاشتراط نفي الشُّذوذ يقتضي اشتراط نفيه بالأولى.
قوله: (بِأَنْ يَكُوْنَ الثِّقَةُ … ) إلى آخره، تصوير لعدم الشُّذوذ، فيكون الشُّذوذ هو مخالفة الثِّقة لأرجح منه حفظًا أو عددًا، وهو أحد أقوال في تفسيره.
ثانيها: تفرُّدُ الثِّقة مطلقًا سواء خالف غيره أو لا.
ثالثها: تفرُّدُ الرَّاوي مطلقًا ثقة أو لا، والرَّاجح الأوَّل، وعليه قال شيخ الإسلام: إنَّ انتفاء صحة الحديث بمجرد مخالفةِ أحدِ رواته لمن هو أوثقُ منه مُشكل؛ لأنَّ الإسناد إذا كان متصلًا ورواته كلّهم عدول ضابطون فقد انتفت عنه العلل الظَّاهرة وإذا انتفى كونه معلولًا فما المانع من الحُكم بصحته، فمجرد مخالفة أحد رواته لمن هو أرجح منه لا تستلزمُ الضَّعف بل يكون من باب صحيح وأصح.
قال: ولم أرَ مع ذلك عن أحد من أئمَّة الحديث اشتراط نفي الشُّذوذ المعبَّر عنه بالمخالفة، وإنَّما الموجود من تصرفاتهم تقديم بعض ذلك على بعض في الصحة، وأمثلة ذلك موجودة في الصَّحيحين وغيرهما.
فمن ذلك أنَّ مسلمًا أخرج حديث مالك عن الزُّهريِّ عن عروة عن عائشة في «الاضْطِّجَاع قَبْلَ رَكْعَتَي الفَجْرِ» وقد خالفَ مالكًا عامَّةُ أصحاب الزُّهريِّ، كمَعْمَر ويونس والأوزاعيِّ وغيرهم عن الزُّهريِّ فذكروا الاضطِّجاع بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصُّبح، ورَجَّحَ جمعٌ من الحفَّاظ روايتهم على رواية مالك، ومع ذلك فلم يتأخَّر أصحاب الصَّحيح عن إخراج حديث مالك في كتبهم، قال: فإن قيل: يلزم أن يسمَّى الحديث صحيحًا ولا يُعمل به، قلت: لا مانع من ذلك إذ ليس كل صحيحٍ يُعمل به بدليل المنسوخ.
قوله: (ولا عِلَّةَ) عطفٌ على شذوذ، والعلَّة: عبارة عن أمر قادح في الحديث؛ -أي: مؤثر في ردِّه- تظهر للنُّقَّاد عند جَمْع طُرق الحديث والبحث والتفتيش فيها؛ وذلك كإرسال الحديث الموصول إمَّا إرسالًا خفيًّا بأنْ يرويه عمَّن عاصره بلفظ (عن) ولم يسمع منه شيئًا، أو ظاهرًا بأن ينقل عن شيخ عُرف عند النَّاس عدم اجتماعه به والحال أنَّه لم يسمع عنه شيئًا أيضًا، فالإرسال
стр. 18
خفيَّةٍ قادحةٍ
هنا غير ما يأتي في تعريف المرسل من الأنواع فإنَّ صُورته أنَّه لم يوصل سنده، ولذلك قيَّدنا هنا بقولنا الموصول، وأيضًا فإنَّه لا فرقَ في كون الإرسال بهذا المعنى علَّةً قادحةً بين أن يكون ظاهرًا أو خفيًّا، ويسمَّى الأوَّل علَّة ظاهرة والثَّاني علَّة خفية، وكلٌّ منهما قادحٌ في صحَّة الحديث؛ لأنَّ الخفيَّة إذا أثَّرت مع خفائها فالظَّاهرة أولى، بخلاف الإرسال بالمعنى الآتي فلا يقدح منه إلَّا الخفيّ فقط، وذلك كإرسال سند متَّصل أو وقف سند مرفوع حيثُ لم يتعدَّد السَّند ولم يقوَ الاتِّصال أو الرَّفع على مقابله من الإرسال في الأوَّل والوقف في الثَّاني بكون راويه أضبط أو أكثر عددًا.
أما الظَّاهرة فهي كإرسال ووقف إذا قويا على مقابلهما بما ذكر وكان يقع اختلاف في تعيين ثقة من ثقتين كحديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا»، فإنَّ بعضهم رواه عن عمرو بن دينار، وبعضهم عن عبد الله بن دينار، وكلٌّ منهما ثقة، وإن كان الصَّواب أنَّه مرويٌّ عن عبد الله بن دينار فليست هذه قادحةٌ، ولا يُسمَّى الحديث المشتمل عليها معلَّلًا اصطلاحًا، كما لا يُعلُّ الحديث بكل قادحٍ ظاهر من فسق راويه أو غفلته أو سوء حفظه وإن أعلَّ بعضهم الحديث بذلك.
والحاصلُ: أنَّ الإرسال بالمعنى الأوَّل بقسميه في مرتبة الخفيِّ منه بالمعنى الثَّاني، وأنَّ المعلَّل الآتي الَّذي هو نوع من أنواع الضَّعيف هو ما احترز عنه هنا في تعريف الصِّحة بقوله ولا علة … إلى آخره.
قوله: (قَادِحَةٍ)؛ أي: في صحَّةِ الحديث مع أن الظَّاهر سلامته منها، وهذا القيد؛ لبيان الواقع إذ لا يكون علَّة إلَّا القادحة عند الجمهور، وأطلق بعضهم العلَّة على كلِّ مخالف ولو لم يقدح في صحَّة الحديث كإرسال ما وَصَلهُ الثِّقةُ الضَّابط ممَّن لم يرجح عنه حتَّى قيل في الصَّحيح: صحيح معلَّل، وعليه فيكون هذا القيد للاحتراز عن غير القادحة فلا تضرُّ في كونه صحيحًا كما في المثال المذكور، وكأنْ يروي العدل الضَّابط عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ حديثًا فيرويه ثقة آخر عن هذا التَّابعيِّ بعينه عن صحابيٍّ آخر غير الأوَّل، فهذه علَّة غير قادحة أيضًا في صحَّة الحديث؛ لجواز أن يكون ذلك التَّابعيُّ سمعه من كلا الصَّحابيَّين، وفي الصَّحيحين من ذلك كثير.
وتُدرك العلة بقرائن تُنبِّه العارف على وهمٍ وقع بإرسال في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديثٍ في آخر أو نحو ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحَّة الحديث أو يتردَّد فيتوقَّف.
وتقع في الإسناد كالإرسال والوقف وتغيير راوٍ بآخر كما سَلَفَ، وفي المتن كحديث الوليد بن مسلم عن أنس في «نفي البسملة من الفاتحة» الآتي فإنَّه معلولٌ بمخالفة العدد الكثير إذ رووه ولم يذكروا الزيادة الَّتي فيها نفي البسملة.
تنبيهان:
الأوَّل: أورد على التَّعريف المذكور أنَّ الحسن إذا رُوي من غير وجهٍ ارتقى من درجة الحسن إلى منزلة الصَّحيح وهو غير داخل في هذا الحدِّ، وكذا ما اعتضد بتلقِّي العلماء له بالقبول فإنَّه يحكم له بالصِّحة وإن لم يكن إسناد صحيح؟
وأجيب: إنَّ هذا تعريف للصَّحيح لذاته لا لغيره، وما أورد من قبيل الثَّاني.
الثَّاني: ما ذكره الشَّارح من شروط الصَّحيح في هذا الحدِّ هو المُجْمع عليه وبقي شروط أُخر مختلف فيها: منها ما ذكره الحاكم أن يكون راويه مشهورًا بالطَّلب، قال عبد الرَّحمن بن عوف: لا يؤخذ العلم إلَّا عمَّن شُهد له بالطَّلب، وعن أبي الزِّناد: أَدركنا بالمدينة مئةً كُلُّهم مأمون لا يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله.
قال شيخ الإسلام: ويمكن أن يُقال: اشتراط الضَّبط يغني عن ذلك إذ المقصود بالشُّهرة بالطَّلب أن يكون له مزيد اعتناء بالرِّواية؛ لتركن النَّفس إلى كونه ضبط ما روى.
ومنها اشتراط علم الراوي بمعاني الحديث حيث يروي بالمعنى، وهو شرط لا بدَّ منه لكنَّه داخل في الضَّبط.
ومنها اشتراط البخاريِّ ثبوت السَّماع لكلِّ راوٍ من شيخه ولم يكتف بإمكان اللِّقاء والمعاصرة.
ومنها أنَّ بعضهم اشترط العدد في الرِّواية كالشَّهادة، وبه جزم ابن الأثير، وقال الجبَّائيُّ: لا يقبل الخبر إذا رواه العدل الواحد إلَّا إذا انضمَّ إليه خبر عدل آخر أو عضده موافقة الكتاب أو يكون منتشرًا بين الصَّحابة أو عمل به بعضهم. واشترط بعضهم أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة إلى منتهاه وبعضهم أربعة عن أربعة وبعضهم خمسة عن خمسة وبعضهم سبعة عن سبعة، وللمعتزلة في ردِّ خبر الواحد حجج منها «قصَّة ذي اليدين» وكونه ﷺ توقَّف في خبره حتَّى تابعه عليه غيره، وأجيب: بأنَّه إنَّما حصل التَّوقُّف في خبره؛ لأنَّه أخبره عن فعله ﷺ في الصَّلاة، وأَمْر الصَّلاة لا يرجع المصلِّي فيه إلى خبر غيره بل ولو بلغ حدَّ التَّواتر، وإنَّما تذكَّر ﷺ عند إخبار غيره، وقد بَعث ﷺ واحدًا واحدًا إلى الملوك ووفد عليه الآحاد من القبائل
стр. 19
مُجمَعٍ عليها، أي: إسناده ضعيف (١)، لا أنَّه مقطوعٌ به في نفس الأمر؛ لجواز خطأ الضَّابط الثِّقة ونسيانه، نعم؛ يُقطَع به إذا تواتر، فإن لم يتَّصل بأن حُذِف من أوَّل سنده أو جميعه لا وسطه؛ فمعلَّقٌ، وهو في «صحيح البخاريِّ» يكون مرفوعًا وموقوفًا، يأتي البحث فيه -إن شاء الله تعالى- في الفصل التَّالي، والمختار: لا يُجزم في سندٍ بأنَّه أصحُّ الأسانيد مطلقًا غير مقيَّدٍ بصحابيِّ تلك التَّرجمة لعسر الإطلاق؛ إذ يتوقَّف على وجود درجات القبول في كلِّ فردٍ فردٍ من رواة السَّند المحكوم له، فإن قُيِّد بصاحبها ساغ فيُقال مثلًا: أصحُّ
فصار يُرسل كلَّ واحد إلى قبيلته، وكانت الحجَّة قائمة بإخباره عنه، وقد استدلَّ البيهقيُّ على ثبوت الخبر بالواحد بحديث «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي» الحديثَ، وبحديث «بَيْنَمَا النَّاس في صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ أَتَاهُمْ آتٍ فقال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قد أُنْزِلَ عليه اللَّيْلَةَ قُرْآن وقد أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلى الشَّأم فَاسْتَدَارُوا إلى الْقِبْلَةِ الكعبة» [خ¦٤٤٩٤]، قال الشَّافعيُّ: فقد تركوا قبلة كانوا عليها بخبر واحد ولم يُنكر عليهم ﷺ وغير ذلك.
قوله: (مُجْمَعٍ عَلَيْهَا) خرجَ ما اخْتُلف فيه كإرسال ما وَصَلَهُ الثِّقة الضَّابط فإنَّ ذلك لا يقدح في صحَّة الحديث، لكنَّ بعضهم سمَّى ذلك علَّةً وإن كانت غير قادحة كما سلفَ بل شدَّدَ بعضهم فردَّ بكلِّ علَّةٍ ولو غير قادحة.
قوله: (أَيْ: إِسْنَادُهُ ضَعِيْفٌ) (١) كذا في النُّسخ وهو بيان للمراد من الصَّحيح وفيه سقطٌ لا بدَّ منه
وهو لفظ ليس، والأصل؛ أي: ليس إسناده ضعيفًا؛ أي: أنَّ معنى كون الحديث صحيحًا أنَّ إسناده ليس بضعيف بقانون الصِّناعة الحديثيَّة، وإن كان قد يكون غير صحيح في نفس الأمر كما قال الشَّارح: لا أنَّه مقطوع به … إلى آخره.
قوله: (لا أَنَّهُ مَقْطُوْعٌ بِهِ)؛ أي: خلافًا لمن قال: إنَّ خبر الواحد يوجب القطع. كما حُكي عن أحمد ومالك وداود، وحُكي عن بعض الشَّافعية بشرطِ أن يكون في إسناده إمام كمالك وأحمد وسفيان وإلَّا فلا يوجبه.
قوله: (إِذَا تَوَاتَرَ)؛ أي: أو احتَفَّت به قرائن، قال في «شرح النُّخبة»: الخبر المُحتفُّ بالقرائن يفيد العلم خلافًا لمن أبى ذلك، قال: وهو أنواع منها ما أخرجه الشَّيخان ممَّا لم يبلغ عدد التَّواتر فإنَّه احتفَّ به قرائن منها جلالتهما وتقدُّمهما في تمييز الصَّحيح على غيرهما وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، ومنها المشهور إذا كان له طرق متباينة سالمة من ضعف الرُّواة والعلل وممَّن صرَّح بإفادته العلم أبو منصور البغداديُّ، ومنها المسلسل بالأئمَّة الحفَّاظ حيث لا يكون غريبًا كحديث يرويه أحمد مثلًا ويشاركه فيه غيره عن الشَّافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك فإنَّه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، قال: وهذه الأنواع الَّتي ذكرناها لا يحصل العلم فيها إلَّا للمُتَبَحِّر في الحديث العارف بأحوال الرُّواة والعلل.
قوله: (فمُعَلَّق)؛ أي: لكونه بحذف أوَّل سنده صار كالجدار المعلَّق، ويُطلق عليه أنَّه غير صحيح بمعنى أنَّه لم يصحَّ إسناده بالشُّروط المذكورة لا أنّه كذب في نفس الأمر؛ لجواز صدق الكاذب وإصابة من هو كثير الخطأ.
وقوله: (وَهُوَ فِي صَحِيْحِ البُخَاريِّ) سيأتي أنَّه إنَّما يفعل ذلك؛ اعتمادًا على شهرة الحديث وسنده أو في المتابعات والشَّواهد لا في الأصول.
قوله: (يَكُوْنُ مَرْفُوْعًا) هو كما سيأتي ما أضيف إلى النَّبيِّ ﷺ من قول أو فعل … إلى آخره.
وقوله: (أَوْ مَوْقُوْفًا) هو المقصور على الصَّحابيِّ كما ستعرفه.
قوله: (والمُخْتَار … ) إلى آخره، مقابله أنَّه لا يجزم بذلك مطلقًا، وأنَّه يجزم به مطلقًا تَقيَّد بمخصوص أو لا، والقائلون بذلك اختلفوا، فقال بعضهم:
أصحُّها: مطلقًا ما رواه أبو بكر محمَّد بن مسلم عن عبيد الله بن عبد الله الزُّهريِّ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وهو مذهب الإمام أحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه.
وقيل: أصحُّها محمَّد بن سيرين عن عَبيدة عن عليٍّ، وهو مذهب ابن المدينيِّ وقيل غير ذلك.
ما جرى عليه الشَّارح هو ما اختاره الحاكم، قال: ينبغي تخصيص القول في أصحِّ الأسانيد بصحابيٍّ، أو بلد مخصوص بأن يقال: أصحُّ إسناد فلان أو فلانيين كذا؛ -أي: كالبصريِّين- ولا يُعَمِّم، ثمَّ قال: (فأصحُّ أَسَانِيْدِ الصِّدِيْق … ) إلى آخره، ما ذكرهُ الشَّارح.
قال الخطيب: وأصحُّ طرق السُّنن ما يرويه أهل الحرمين مكَّة والمدينة فإنَّ التَّدليس عنهم قليل والكذب والوضعُ عندهم عزيز، ولأهل البصرة من السُّنن الثَّابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم، والكوفيون لا تخلو روايتهم من دَغلٍ وغلل، وحديث الشَّاميين أكثرهُ مراسيل ومقاطيع وما اتَّصل منه فإنَّه صالحٌ، وأما العراقيُّون فقال هشام: إذا حدَّثك عراقيٌّ بألف حديثٍ فاطرح تسعمئة وتسعين وكنْ من الباقي في شكٍّ. انتهى.
قوله: (فِي سَنَدٍ)؛ أي: أو حديثٍ، قال العلائيُّ: أمَّا الإسناد فقد صرَّح جماعة بذلك، وأمَّا الحديث فلا يُحفظ عن أحد من أئمَّته أنَّه قال: حديث كذا أصحُّ الأحاديث على الإطلاق؛ لأنَّه لا يلزم من كون الإسناد أصحَّ من غيره أن يكون المتن كذلك، فلذلك لم يخصَّ الأئمَّة إلَّا في الحكم على الإسناد. انتهى.
стр. 20
أسانيد أهل البيت: جعفر بن محمَّدٍ عن أبيه عن جدِّه عن عليٍّ ﵃، إذا كان الرَّاوي عن جعفرٍ ثقةً، وأصحُّ أسانيد الصِّدِّيق ﵁: إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازمٍ عن أبي بكرٍ، وأصحُّ أسانيد عمر ﵁: الزُّهريُّ عن سالمٍ عن أبيه عن جدِّه، وأصحُّ أسانيد أبي هريرة ﵁: الزُّهريُّ عن سعيدِ بن المسيَّب عن أبي هريرة، وأصحُّ أسانيد ابن عمر: مالكٌ عن نافعٍ عن ابن عمر، وأصحُّ أسانيد عائشة: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ﵂ وعنهم أجمعين.
ويُحكَم بتصحيح نحو جزءٍ نَصَّ على صحَّته مَنْ يُعتَمد عليه من الحفَّاظ النُّقَّاد، فإن لم ينصَّ على صحَّته معتَمدٌ فالظَّاهرُ جوازُ تصحيحه لمن تمكَّنت معرفتُه وقويَ إدراكُه، كما ذهب إليه ابن القطَّان والمنذريُّ والدِّمياطيُّ والسُّبكيُّ وغيرهم؛ خلافًا لابن الصَّلاح، حيث مَنَعَ لضعف
لكنَّ شيخ الإسلام سيأتي إنَّ من لازم ما قاله بعضهم من أنَّ أصحَّ الأسانيد ما رواه أحمد عن الشَّافعي عن مالك عن نافع … إلى آخره أن يكون أصحُّ الأحاديث الحديث الَّذي رواه أحمد بهذا الإسناد. انتهى.
قال الحافظ السُّيوطيُّ: وقد جزمَ بذلك العلائيُّ نفسه في عوالي مالك فقال في الحديث المذكور: إنَّه أصحُّ حديثٍ في الدنيا.
قوله: (بِصَحَابِي تِلْكَ التَّرْجَمَةِ)؛ أي: أو بجهة محصورة كأهل البيت الآتية في الشَّارح أو البصريِّين أو المدنيِّين.
قوله: (على وُجُوْدِ دَرَجَاتِ القَبُوْلِ)؛ أي: المرتفعةُ عن سائر الأسانيد؛ فإنَّ الإطلاع على سائر الأسانيد ومعرفة أنَّ هذا أصحُّها متعسّرٌ بل متعذّر.
تنبيه: يُستفاد من كلام الشَّارح أنَّ الصَّحيح يتفاوت، وهو كذلك فله مراتب مختلفة متنًا وسندًا بحسب تفاوت الأوصاف المقتضية لهما، وإن كان الجميع مشتملًا على الشُّروط المذكورة.
فمن المرتبة العليا سندًا ما ذكره الشَّارح، ومن المرتبة العليا متنًا ما اتَّفق على إخراجه البخاريُّ ومسلم، ثمَّ ما انفرد به البخاريُّ، ثمَّ مسلم، ثمَّ ما كان على شرطهما ولم يخرِّجاه بل خرَّجه غيرهما، ثمَّ ما كان على شرط البخاريِّ، ثمَّ ما كان على شرط مسلم، ثمَّ ما كان على شرط غيرهما كباقي الكتب السِّتَّة.
وسيأتي في الشَّارح الكلام على شرط الشَّيخين، وحاصله أنَّه ليس لهما شرط موجود في كتابيهما فاختلف النَّاس فيه، قيل: والأسلم ما قاله النَّوويُّ: أنَّ المراد بالشَّرط الرِّجال الرَّاوون للحديث، فإذا قيل هذا الحديث على شرط البخاريِّ أو شرط مسلم فمعناه أنَّ الرَّاوين له كرواة البخاريِّ أو مسلم أو منهما، واعلم أنَّ ما أخرجه المؤلِّفون بعد الشَّيخين كالسُّنن لأبي داود إذا قالوا فيها: أخرجه البخاريُّ أو مسلم فلا يَعْنون بذلك أكثر من أنَّ البخاريَّ أو مسلمًا أخرج أصل ذلك الحديث، فعلى هذا ليس لك أن تنقل حديثًا منها وتقول هو على هذا الوجه من كتاب البخاريِّ أو مسلم إلَّا أن تقابل لفظه، أو يقول الَّذي خرَّجه: أخرجه البخاري بهذا اللَّفظ، كذا في «الملخّص»، ومثل ذلك يقال فيما يخرجه الحافظ السُّيوطيُّ في «الجامع الصَّغير» عن الشَّيخين أو أحدهما؛ فتَفَطَّن.
قوله: (جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّد)؛ أي: ابن عليِّ بن الحسين بن عليِّ ﵃.
وقوله: (عن أَبِيْهِ عَنْ جَدِّهِ) هذه عبارةُ الحاكم ونُظر فيها بأنَّ الضَّمير في جدِّه إن عاد لجعفر فجدُّه عليٌّ لم يسمع من عليِّ بن أبي طالب أو إلى محمَّد فهو لم يسمع من الحسين.
قوله: (مَالِك عَن نَافِع) مالك هو ابن أنس الإمام، ونافع هو مولى ابن عمر، قال البخاريُّ: وهذا أصحُّ الأسانيد، قال السُّيوطيُّ: وهو أمر تميلُ إليه النُّفوس وتنجذب له القلوب، قال النَّوويُّ: وعلى هذا فأجلُّ الأسانيد الشَّافعيُّ عن مالك عن نافع عن ابن عمر؛ أي: لإجماع أهل الحديث على أنَّه لم يكن في الرُّواة عن مالك أجلُّ من الشَّافعيِّ، وبَنى بعض المتأخِّرين على ذلك أن أجلَّها رواية أحمد ابن حنبل عن الشَّافعيِّ عن مالك؛ لاتفاق أهل الحديث على أنَّه لم يرو عن الشَّافعي أجلُّ من أحمد، وتسمَّى هذه التَّرجمة سلسلة الذَّهب.
قوله: (نَحْوَ جُزْءٍ)؛ أي: ككتاب من المصنَّفات المشهورة.
قوله: (أَوْ لَمْ يَنُصَّ) كان الأظهر: فإن لم ينصَّ … إلى آخره.
قوله: (جَوَازُ تَصْحِيْحِهِ) قال العراقيُّ: وهو الَّذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحَّح جماعة من المتأخِّرين أحاديث لم نجد لمن تقدَّمهم فيها تصحيحًا.
وقوله: (كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ القَّطَانِ) بالقاف وهو أبو الحسن عليُّ بن محمد بن عبد الملك بن القطَّان صاحب كتاب «الوهم والإيهام»، فصحَّحَ في كتابه المذكور حديث ابن عمر: «أنَّه كان يتوضَّأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول: كذلك كَانَ رسول الله ﷺ يَفْعَلُ».
وقوله: (والمُنْذِرِيُّ) هو الحافظ زكيُّ الدِّين، فصَحَّحَ حديثَ بحر بن نصر عن ابن وهب عن مالك ويونس عن الزُّهريِّ عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في «غُفْرَان مَا تقدَّمَ منْ ذنبهِ وما تأخَّرَ».
وقوله: (وَالدِّمْيَاطِيُّ) هو الحافظ شرف الدِّين من الطَّبقة الَّتي تلي طبقة ابن القطَّان والمنذريِّ،
فصحَّحَ حديث جابر «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ».
وقوله: (والسُّبْكِيُّ) هو تقيُّ الدِّين من الطَّبقة الَّتي بعد طبقة الدّمياطيِّ فصَحَّحَ حديث ابن عمر في «الزِّيارة».
قوله: (حَيْثُ مَنَعَ … ) إلى آخره، قال: لا يُحكم بصحَّته؛ لضعف أهل هذه الأزمان وما من إسناد من ذلك إلَّا ونجدُ في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عَرِيًّا عما يُشترط في التَّصحيح من الحفظ والضَّبط والإتقان، قال في «المنهل»: مع غلبة الظَّنِّ أنَّه لو صحَّ لما أهمله أئمَّة الأعصار المتقدِّمة؛ لشدَّة فحصهم واجتهادهم. انتهى.
قال الحافظ السُّيوطيُّ: والأحوط في مثل ذلك أن يعبَّر عنه بصحيح الإسناد، ولا يطلق التَّصحيح؛ لاحتمال علَّة للحديث خفيت عليه، وقد رأيت من يعبِّر؛ خشية من ذلك بقوله: صحيح إن شاء الله.
تنبيه: حيثُ جاز التَّصحيح للمتأخرين فالتَّحسينُ أولى، وقد حَسَّنَ المِزيُّ حديث «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ» مع تصريحِ الحُفَّاظِ بتضعيفه، وكذلك التَّضعيف، وأمَّا الحكم بالوضع فيمتنعُ إلَّا حيث لا يخفى كالأحاديث الطِّوال الرَّكيكة الَّتي وضعها القُصَّاصُ أو ما فيه مخالفةٌ للعقل أو الإجماع كما ذكره في «شرح التَّقريب»، قال: وأمَّا الحكم للحديث بالتَّواتر أو الشُّهرة فلا يمتنع إذا وجدت الطُّرق المعتبرة في ذلك
стр. 21
أهل هذه الأزمان.
و الحسن: ما عُرِفَ مَخْرَجُه مِن كونه حجازيًّا شاميًّا عراقيًّا مكيًّا كوفيًّا؛ كأن يكون الحديث عن راوٍ قد اشتُهِر برواية أهل بلده، كقَتادة في البصريِّين، فإنَّ حديث البصريِّين إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مَخْرَجُه معروفًا، بخلافه عن غيره. والمراد به الاتِّصال، فالمنقطع والمُرسَل والمُعضَل لغيبة بعض رجالها لا يُعلَم مَخْرَجُ الحديث منها، فلا يسوغ الحكم بمَخْرَجه، فالمعتبر الاتِّصال ولو لم يعرف المَخْرَج، إذ كلُّ معروفِ المَخْرَج متَّصلٌ ولا عكسَ، وشهرةُ رجاله بالعدالة والضَّبط المنحطِّ عن الصَّحيح، ولو قِيلَ: هذا
وينبغي التَّوقُّف عن الحكم بالفرديَّة والغرابة والعزَّة أكثر.
قوله: (مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ) بفتح الميم والرَّاء؛ أي: محلَّ خروجه، وهو رجاله الرَّاوون له؛ لأنَّه خرج منهم والمراد ولو نساء.
وأما المخرِّج بالتَّشديد أو بالتَّخفيف اسم فاعل فهو ذاكرُ الرِّواية، كالبخاريِّ، والمعنى أنَّ الحَسن هو ما اشتهرت رجاله وذلك كناية عن الاتِّصال كما سيأتي بقول الشَّارح، والمرادُ به؛ -أي: بمعرفة المخرَج- الاتِّصال وأنَّ المدار عليه ولو لم يعرف المخرج إذ المرسل والمنقطع والمُعْضَل والمُدَلَّس -بفتح اللام- قبل أن يتبيَّن تدليسه لا يُعرف مخرج الحديث فيها فلا يكون متَّصلًا إذ لا يُدرى من سقط.
قوله: (بِسِبَبِ رِوَايَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ)؛ أي: عنه، وقوله: (كان مخرجه معروفًا)؛ أي: لمعرفة سلسلة قتادة وشهرتها بين المحدثين.
قوله: (فالمُنْقَطِعُ … ) إلى آخره، تفريعٌ على أنَّ المرادَ الاتِّصال والمدار عليه، وسيأتي أنَّ المنقطع ما سقط من رواته واحدٌ قبل الصَّحابيِّ من مكان أو أكثر، والمُعْضَل السَّاقط منه اثنان فأكثر مع التَّوالي، والمُرْسل ما سقط منه الصَّحابيُّ ورفعه التَّابعي.
وقوله: (لغيبة … ) إلى آخره، علَّةٌ مقدَّمةٌ على المعلول.
وقوله: (لا يعلم … ) إلى آخره، خبر المنقطع.
وأمَّا قوله: (لا يُسوغ) فالظَّاهر أنَّ له فاء سقطت ولا يسوغ سقوطها، إذ المعنى أنَّه يترتَّب على عدم معرفة السَّاقط منها عدم جواز الحكم على مَخْرجها بالحُسن؛ لتوقفه على الاتِّصال المتوقِّف على معرفة جميع الرِّجال، أو الباء في (بمخرجه) سببيَّة والكلام على تقدير مضاف؛ أي: بسبب جهل مَخْرَجِهِ لا يسوغ الحكم عليه … إلى آخره.
ثمَّ ما ذكره الشَّارح من التَّعريف أصله للخطَّابيِّ، واعترضه ابن دقيق العيد بصدقه على الصَّحيح، وأُجيب: بأنَّ الصَّحيح أخصُّ من الحسن، ودخول الخاصِّ في حدِّ العامِّ ضروريٌّ، والتَّقييد بما يخرجه عنه مخلٌّ بالحدِّ له، وهذا مبنيٌّ على طريق المتقدمين من جواز التَّعريف بالأعمِّ، لكنَّ الشَّارح سيأتي بقوله (وَشُهْرَةُ رِجَالِهِ بِالْعَدَالَةِ … ) إلى آخره، عاطفًا له على قوله (فَالْمُعْتَبَرُ الاتِّصَالُ) فسَلِمَ كلامه من ذلك، إلَّا أنَّه قاصرٌ على أحد شِقَّي الحسن وهو الحسن لذاته غير شاملٍ للحسن لغيره، ولذا لم يرتضِ ذلك ابن الصَّلاح، وقال ما حاصله: قد أمعنتُ النَّظر في ذلك جامعًا بين أطراف كلامهم ملاحظًا مواقع استعمالهم فاتَّضح لي أنَّ الحسن قسمان؛ أحدهما وهو المسمَّى بالحسن لغيره ما في إسناده مستورٌ لم تتحقَّق أهليَّته غير أنَّه ليس مغفَّلًا ولا كثير الخطأ فيما يرويه ولا متَّهمًا بالكذب فيه ولا يُنسب إلى مفسِّق آخر واعتضد بمتابع أو شاهد، وثانيهما وهو المسمَّى بالحسن لذاته ما اشتهر رواته بالصِّدق والأمانة ولم يصلْ في الحفظ والإتقان مرتبة رجال الصَّحيح، قال: وعليه ينزل حدُّ الخطَّابيِّ ويزاد في كلٍّ منهما سلامته من التَّعليل والشُّذوذ. انتهى.
أي: لتتمَّ الشُّروط الخمسة الَّتي للصَّحيح، وهي الاتِّصال، وكون راويه عدلًا، وكونه ضابطًا، وعدم الشُّذوذ والتَّعليل.
قال ابن جماعة: ويرد على الأوَّل من القسمين الضَّعيف والمنقطع والمرسل الَّذي في رجاله مستور، وروي مثله أو نحوه من وجه آخر، وعلى الثَّاني المرسل الَّذي اشتهر راويه بما ذكر فإنَّه كذلك وليس بحسنٍ في الاصطلاح، قال: ولو قيل: الحسن كلُّ حديث خالٍ عن العلل وفي سنده المتَّصل مستور له به شاهد أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان لكان أجمع وأخصر. انتهى.
وحدَّ شيخ الإسلام الصَّحيح لذاته بما نقله عدل تامُّ الضَّبط متَّصل السَّند غير معلَّل ولا شاذٍّ، ثمَّ قال: فإنْ خفَّ الضَّبط فهو الحسن لذاته. فشَرَّك بينه وبين الصَّحيح في الشُّروط إلَّا تمام الضَّبط، ثمَّ ذكر الحسن لغيره بالاعتضاد.
وبالجملة فقد كثُرت تعاريف الحسن ولم يصفُ منها تعريفٌ حسن، قال البلقينيُّ: الحسن لَمَّا توسَّطَ بين الصَّحيح والضَّعيف عند النَّاظر كأنَّ شيئًا ينقدح في نفس الحافظ وقد تقصُر عبارته عنه فلذا صعُب تعريفه. انتهى.
قوله: (ولَمْ يُعْرَف المَخْرَج)؛ أي: لم يشتهر، وأمَّا أصل معرفته وضبطه فلا بدَّ منه.
قوله: (مُتَّصِلٌ)؛ أي: لِمَا عرفت من أنَّ ما سقط من رجاله شيء لم يعرف مخرجه.
وقوله: (ولا عَكْسَ)؛ أي: لأنَّه قد يتَّصل مع عدم الاشتهار بل ومع الضَّعف.
قوله: (وشُهْرَةُ) بالرَّفع عطف على الاتِّصال، والمراد بالشُّهرة: سلامة الرِّجال من وصمة الكذب فهو بمعنى قول التِّرمذيِّ: ولا يكون في إسناده متَّهم بالكذب، كما في «شرح التَّقريب»، ويحتمل أن يكون (وشهرة) مبتدأ و (بالعدالة) خبره؛ والمعنى: وشهرة رجاله الَّتي هي مُرادة لمعرفة المَخْرج تكون بالعدالة … إلى آخره؛ أي: فمعنى قولنا: ما عُرف مخرجه؛ أي: ما اشتهرت رجاله بأنَّهم عدول ضابطون … إلى آخره، وبالجملة فهذا التَّعريف فيه من الطُّول والقلاقة والصُّعوبة ما لا يخفى.
قوله: (المُنْحَطِّ عَنْ الصَّحِيْحِ)؛ أي: الَّذي للصَّحيح وهو تمام الضَّبط
стр. 22
حديثٌ حسن الإسناد أو صحيحه؛ فهو دون قولهم: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أو حديثٌ حسنٌ؛ لأنَّه قد يصحُّ أو يحسُنُ الإسناد؛ لاتِّصاله وثِقَةِ رواته وضبطِهم دون المتن؛ لشذوذٍ أو علَّةٍ، وما قِيلَ فيه: حسنٌ صحيحٌ،
إذ المعتبر فيه الضَّبط التَّامُّ، وفي الحسن أصل الضَّبط، واعلم أنَّ الحسن بقسميه يشارك الصَّحيح في الاحتجاج والعمل به عند جميع الفقهاء وأكثر المحدثين وإن كان دونه في القوَّة ولهذا أدرجه جماعة في نوع الصَّحيح كالحاكم وابن حبَّان، لكن مَن سمَّاه صحيحًا لا يُنكر أنَّه دونه بدليل تقديم الصَّحيح عليه عند التَّعارض فحينئذ يكون الخلاف لفظيًّا، فمن جعله من الصَّحيح أراد في الاحتجاج والعمل، ومن أخرجه منه أراد أنَّ رتبته أقلُّ من رتبته.
ويُشارك الصَّحيح أيضًا في تفاوت رتبه، فمن الرُّتبة العُليا سندًا ما قاله الحافظ الذَّهبيُّ: إنَّ أعلى مراتب الحسن محمَّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، فإنَّ عدَّةً من الحُفَّاظ يصفون هذه الطَّريق بأنَّها من أدنى مراتب الصَّحيح، ورويَ منها قوله ﷺ : «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كل صَلَاةٍ» رواه التِّرمذيُّ.
تنبيهان:
الأوَّل: إذا كانَ راوي الحديث متأخِّرًا عن درجة الحافظ الضَّابط مع كونه مشهورًا بالصِّدق والسَّتر حتَّى يكون حديثه حسنًا فرُويَ حديثه من وجه آخر ولو واحدًا قَوِيَ بالمتابعة وانجبر ذلك النَّقص اليسير، وارتفع من درجة الحسن إلى درجة الصَّحيح وهو الصَّحيح لغيره، وذلك كحديث محمَّد بن عمرو المتقدِّم؛ فإنَّ محمَّد بن عمرو من المشهورين بالصِّدق لكنَّه لم يكن من أهل الإتقان حتَّى ضعَّفه بعضهم؛ من جهة سوء حفظه، ووثَّقه بعضهم؛ لصدقه وجلالته فحديثه من ذلك الوجه حسن، وانضمَّ إلى ذلك كونه رُوي من وجه آخر عن أبي هريرة فرواه الشَّيخان من طريق الأعرج عن أبي هريرة فحكمنا بصحَّته فهو صحيحٌ لذاته من طريق الشَّيخين صحيح لغيره من طريق محمَّد؛ نظرًا لجبره بوروده من طريق غيره، وحسنٌ لذاته من طريقه بقطع النَّظر عن جبره بغيره.
الثَّاني: اشتُهر أنَّ الأحاديث الضعيفة يقوِّي بعضها بعضًا، وأنَّه يتحصَّل من مجموعها أنَّ الحديث
يصير حسنًا. وليس على إطلاقه؛ بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصَّدوق الأمين زال لمجيئه من وجه آخر موافق له، وعرفنا أنَّه لم يختلَّ فيه ضبطه وصار الحديث حسنًا بذلك وهو الحسن لغيره، وكذا ما كان ضعفه لإرسالٍ أو تدليسٍ أو جهالةِ رجالٍ زال بمجيئه من وجه آخر وكان دون الحسن لذاته، وأمَّا الضَّعيف لفسق الرَّاوي أو كذبه فلا يؤثِّر فيه موافقة غيره له إذا كان الآخر مثله؛ لقوة الضَّعف وتَقَاعُد هذا الجابر، نعم؛ يرتقي بمجموع طرقه عن كونه منكرًا أو لا أصل له.
قال شيخ الإسلام: بل ربَّما كَثُرَت الطُّرق حتَّى أوصلته إلى درجة المستور والسَّيِّئ الحفظ، بحيث إذا وُجد له طريق آخر فيه ضعفٌ قريب محتمل ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن.
قوله: (حَسَنُ الإِسْنَادِ أَوْ صَحِيْحِهِ)؛ أي: بإضافة الحُسن أو الصِّحة إلى الإسناد.
وقوله: (فَهُوَ دُوْنَ قَوْلِهِم: حَدِيْثٌ حَسَنٌ … ) إلى آخره؛ أي: كلٌّ منهما أدنى من كلٍّ منهما، وكذا لو قيل صحيح حسن الإسناد، بأنَّ وصف الإسناد بكلٍّ من الصِّحة والحُسن على ما جرى عليه شيخ الإسلام فيما يأتي في الحديث الصَّحيح الحسن إذا كان له طريق واحد وعُلم أنَّ كلًّا ممَّا ذكر أدنى من قولهم: صحيح الإسناد، فالحاصل أنَّه قد يُضاف إلى الإسناد الصِّحة وحدها أو الحسن وحده أو كلاهما، وكذلك إلى الحديث، فما أضيف إلى السَّند بأقسامه الثَّلاثة أدنى من كلٍّ ممَّا أضيف إلى الحديث.
قوله: (دُوْنَ المَتْنِ) قال ابن الصَّلاح: لكن إذا اقتصر الحاكم المعتمد على قوله: (صحيح الإسناد) ولم يذكر له؛ -أي: للمتن- علَّة، فالظَّاهر منه الحُكم بأنَّه صحيح في ذاته؛ لأنَّ عدم العلَّة هو الأصل، قال شيخ الإسلام: والَّذي لا أشكُّ فيه أنَّ الإمام منهم لا يَعدل عن قوله: (صحيح) إلى قوله: (صحيح الإسناد) إلَّا لأمرٍ ما. انتهى.
قال العراقيُّ: ومثل ذلك يُقال فيما لو اقتصر على قوله: (حسن الإسناد) ولم يعقبه بضعيف، فهو أيضًا محكوم له بالحسن.
قوله: (دُوْنَ المَتْنِ)؛ أي: لشذوذٍ أو علَّةٍ فيه، وكذلك قد يصحُّ المتن دون السَّند بأن يجيء المتن من طريق آخر سالم ممَّا في هذا الطَّريق، كما في «شرح المشكاة»، ولا يختصُّ ذلك بالصَّحيح ولا بالحسن بل يجري في الضَّعيف أيضًا كما قاله الزركشيُّ في «نُكته»، فلا تلازم بين السَّند والمتن في الصِّحة وغيرها، فإذا قالوا: هذا إسناد صحيح أو حسن أو ضعيف. فلا يلزم منه صحَّة المتن ولا ضعفه وبالعكس، وكذا يقال في سائر الأنواع؛ وذلك؛ لأنَّها إمَّا أن تكون صفة للسَّند كالمُعضل والمنقطع والمعلَّق والمتَّصل والمسلسل، وإمَّا أن تكون من أوصاف المتن كالمرفوع والمقطوع والمسند والموقوف والمرسل والمتواتر والمشهور، وإمَّا أن
стр. 23
أي: صَحَّ بإسنادٍ وحَسُنَ بآخرَ.
والصَّالح: دون الحسن، قال أبو داود: ما كان في كتابي «السُّنن» من حديثٍ فيه وهنٌ شديدٌ؛ فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالحٌ، وبعضها أصلح من بعضٍ. انتهىَ. قال الحافظ ابن حجرٍ: لفظ «صالحٍ» في كلامه أعمُّ من أن يكون للاحتجاج أو للاعتبار، فما ارتقى إلى الصِّحَّة، ثمَّ إلى الحُسْنِ فهو بالمعنى الأوَّل، وما عداهما فهو بالمعنى الثَّاني، وما قَصُرَ عن ذلك فهو الذي فيه وَهَنٌ شديدٌ.
و المُضعَّف: ما لم يُجمَع على ضعفه، بل في متنه أو سنده تضعيفٌ لبعضهم وتقويةٌ للبعض الآخر، وهو أعلى من الضَّعيف، وفي «البخاريِّ» منه.
تكون من الأوصاف الشَّاملة للسَّند والمتن وهي الصِّحة والحسن والضَّعف، فإذا وصفنا السَّند بصفة تخصُّهُ كأن يقال: مُعْضل مثلًا لم يُنظر إلى متن الحديث أصلًا، بل تارة يكون صحيحًا أو حسنًا أو ضعيفًا وتارة يكون مرفوعًا أو موقوفًا أو مقطوعًا، وإذا وصفنا الحديث بصفة تخصه كأنْ يقال: مرفوع لم ينظر إلى السَّند أصلًا سواء كان صحيحًا أم حسنًا أم ضعيفًا أم منقطعًا أم معضلًا أم غير ذلك، وإذا وصفنا أحدهما بما هو مشترك بينهما لم يلزم منه كون الآخر كذلك، فاعرف ذلك واغتنمه.
قوله: (وَمَا قِيْلَ فِيهِ … ) إلى آخره؛ أي: كما فعله التِّرمذيُّ في جامعه في كثير من الأحاديث، وكذلك ابن أبي شيبة وغيره.
قوله: (أَيْ: صَحِيْحٌ بِإِسْنَادٍ … ) إلى آخره، قال ابن دقيق العيد: يرد على ذلك الأحاديث الَّتي قيل فيها ذلك وليس لها إلَّا مخرج واحد كحديث «إِذَا بَقِيَ نِصْفٌ من شَعْبَانَ فلا تَصُومُوا»، أخرجه التِّرمذيُّ، وقال فيه: حسن صحيح لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه على هذا اللفظ، وأجاب ابن الصَّلاح: بأنَّ المراد بقولهم: «حسن صحيح» الحسن اللُّغويُّ وهو حُسن الَّلفظ دون الاصطلاحيِّ.
ولذا قيل في بعض الأحاديث: حسن ولكن في رواته من هو كذَّاب، وردَّه ابن دقيق العيد بأنَّه يلزم أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان حسن الَّلفظ أنَّه حسن، وذلك لا يقوله من المحدِّثين أحد، وأجاب ابن كثير: بأنَّ الجمع بين الصِّحة والحسن درجة متوسِّطة بين الصَّحيح والحسن، قال: فما يقال فيه حسن صحيح أعلى رتبةً من الحسن، ودون الصَّحيح، قال العراقيُّ: وهذا تَحَكُّمٌ لا دليل عليه. انتهى.
قلت: لعلَّ وجه التَّحكُّم أنَّه كان المتبادر أنَّه إمَّا أن يكون جانب الصِّحة فيه أرجح أو جانب الحسن أو يستويان، فإن كان أحدهما أرجح كان الحكم له وإلَّا فللحسن أيضًا إذ لا يُصار إلى الأعلى إلَّا بيقين، فالحكم بدرجة متوسطة حينئذ تحكُّم ولا دليلَ عليه في اصطلاحهم، ثمَّ إنَّا نجدهم تارة يقدِّمون لفظ (حسن) على (صحيح) وتارة يؤخِّرونه فيقولون تارة: (حسن صحيح) وأخرى: (صحيح حسن) والظَّاهر أنهم لا يفعلون ذلك عبثًا بل لا بدَّ من نُكتة، ولا مانع مِن أن يقال: إنَّها في تقديم لفظ الصِّحة يكون الحديث من قبيل الصَّحيح لغيره الحسن لذاته، فيكون أعلى من قولهم: حديث حسن فقط؛ لاحتمال أن يكون حسنًا لغيره، وفي تقديم لفظ الحسن يكون الحديث حسنًا لغيره بقرينة ضمِّ (صحيحٍ) إليه، ويكون المراد من قولهم (صحيح) أنَّه ليس بضعيف بل تَرَقَّى من هذه الرُّتبة فيكون ذلك أدنى من قولهم (صحيح حسن) كذا ظهر، وأحسن الأجوبة ما قاله شيخ الإسلام: وهو أنَّ الحديث إن تعدَّد إسناده فالوصف راجعٌ إليه باعتبار الإسنادين أو الأسانيد، قال: وعلى هذا فما قيل فيه ذلك فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردًا؛ لأنَّ كثرة الطُّرق تُقوِّي، وإلَّا فبحسب اختلاف النُّقاد في راويه فيَرى المجتهدُ منهم بعضهم يقول فيه: (صدوق) وآخر يقول فيه: (ثقة)، ولا يترجَّح عنده قول واحد منهما أو يترجَّح ولكنَّه يريد أن يُشير إلى كلام النَّاس فيه، فيقول ذلك وكأنَّه قال: حسن عند قوم صحيح عند قوم، قال: وغايةُ ما فيه أنَّه حَذَفَ منه حرف التَّرَدُّدِ؛ لأنَّ حقَّه أن يقول: حسن أو صحيح، قال: وعلى هذا ما قيل فيه ذلك دون ما قيل فيه: صحيح؛ لأنَّ الجزم أقوى من التَّردُّد. انتهى.
(فائدتان) الأولى: من الألفاظِ المستعملة عند أهل الحديث في المقبول: الجيِّد، والقويُّ، والمعروف، والمحفوظ، والمجوَّد، والثَّابت.
فالجيِّد هو الصَّحيح، قال البُلقينيُّ: الجَودةُ يُعبَّر بها عن الصِّحة، وكذا قال غيره. لا مغايرة بين «جيِّد» و «صحيح» عندهم إلَّا أنَّ الجَهْبَذَ منهم لا يعدل عن صحيح إلى جيِّد إلَّا لنكتةٍ كأنْ يرتقي الحديث عن الحسن لذاته ويتردَّد في بلوغه الصَّحيح، فالوصف به أنزل رتبةً من الوصف بصحيح، وكذا القويُّ، وأما المُجوَّد والثَّابت فيشملان الصَّحيح والحسن، والمعروف مقابل المنكر، والمحفوظ مقابل الشَّاذ، وسيأتيان.
الثانية: زيادةُ راوي الصَّحيح والحسن مقبولةٌ إذ هي في حكم الحديث المستقلِّ ما لم تُنافِ رواية من لم يزد، فإنْ نافت بأن يلزم من قَبولها ردُّ الأخرى احتيج للترجيح، فإن كان لأحدهما مُرجِّحٌ فالآخر شاذٌ.
قوله: (وَالصَّالِحُ دُوْنَ الحَسَنِ) مقتضاهُ أنَّه لا يشمل الحسن والصَّحيح وليس كذلك بل يَعمُّهما وغيرهما ممَّا يصلح للاعتبار كما تفيده عبارة ابن حجر الآتية، فهو ما ليس فيه وهنٌ شديد أعمُّ من أن يكون لا وهن فيه أصلًا، أو فيه وهن غير شديد.
وعبارة «شرح التَّقريب»: وأما الصَّالح فهو شاملٌ للصَّحيح والحسن، لصلاحيَّتهما للاحتجاج بهما، ويُستعمل أيضًا في ضعيفٍ يصلح للاعتبار. انتهى.
وهو بمعنى ما ذكره ابن حجر في تفسير كلام أبي داود.
قوله: (وَهُوَ أَعْلَى مِنَ الضَّعِيْفِ)؛ أي: قوَّةً لا ضعفًا كما قد يُتوهَّم.
قوله: (وَفِي البُخَارِيِّ مِنْهُ)؛ أي: على وجه التَّقويةِ لحديثٍ آخر
стр. 24
و الضَّعيف: ما قَصُر عن درجة الحسن، وتتفاوت درجاته. في الضَّعف بحسب بُعده من شروط الصِّحَّة.
و المُسنَد: ما اتَّصل سنده من راويه إلى منتهاه رفعًا ووقفًا.
تابعًا أو شاهدًا له لا على أنَّه أصلٌ مقصودٌ بذاته.
قوله: (مَا قَصُرَ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ) وأَوْلَى عن درجة الصَّحيح.
قوله: (وَتَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ … ) إلى آخره، وذلك؛ لأنَّ شروط القبول الشَّامل للصَّحيح والحسن وهي: الاتِّصال، والعدالة، والضَّبط، وعدم الشُّذوذ، وعدم العلَّة، والمتابعة في المستور بالنَّظر إلى انتفائها انفرادًا واجتماعًا، يتفرَّع منها أقسام أوصلها العراقيُّ إلى اثنين وأربعين، والبستيُّ إلى تسعة وأربعين، وزاد على ذلك شيخ الإسلام حتَّى أوصلها إلى ثلاثمئة وأحد وثمانين، ونوَّع ما فَقَد الاتِّصال إلى المرسل، والمنقطع، والمعضل، بالنَّظر لكون السَّاقط صحابيًّا أو غيره وكونه واحدًا أو أكثر، وما فقد العدالة إلى ما في سنده ضعيف، أو مجهول عينًا أو حالًا، أو كذَّاب، أو فاسق، أو متَّهم، أو مبتدع، قال ابن حجر: وحصرُ ذلك مع كثرة التَّعب فيه قليل الفائدة لكن اشتهر تلقيب تسعة منها، وهي: المرسل، والمُعضل، والمنقطع، والمُعَلَّل، والمقلوب، والشَّاذُّ، والمضطرب، والموضوع، والمُنْكر.
وعُلِمَ ممَّا تقرَّر: أنَّ الضَّعيف تتفاوت مراتب ضعفه بحسب خفَّة ضعف رواته وشدَّتهم وبحسب ما اجتمع فيه فَقْدُ شرطٍ أو أكثر، فمنه أوهى، كما أنَّ في الصَّحيح أصحُّ.
قال الحاكم: فأوهى أسانيد الصِّدِّيق: صدقة عن فرقد عن مُرَّة عنه.
وأوهى أسانيد أهل البيت: عمرو بن شمَّر عن جابر الجعفيِّ عن الحارث الأعور عن عليٍّ.
وأوهى أسانيد العمريِّين: محمد بن عبد الله بن القاسم (١) عن أبيه عن جدِّه.
وأوهى أسانيد أبي هريرة: السَّري بن إسماعيل عن داود بن يزيد عن أبيه عنه.
وأوهى أسانيد عائشة: الحارث بن شبل عن أم النعمان عنها.
وأوهى أسانيد المكيِّين: عبد الله بن ميمون عن شهاب بن خِراش عن إبراهيم بن يزيد عن عكرمة عن ابن عبَّاس.
وأوهى منها: السُّدِّيُّ الصَّغير عن الكلبيِّ عن أبي صالح عنه، قال شيخ الإسلام: وهذه سلسلة الكذب لا سلسلة الذَّهب. انتهى.
إذا أردتَ رواية الضَّعيف بغير إسنادٍ فلا تقل: قال رسول الله ﷺ كذا وما أشبهه من صيغ الجزم، بل رُوي عنه كذا أو بَلغنا عنه أو وَرد عنه أو جاء أو نُقل عنه أو نحو ذلك من صيغ التمريض، وكذا ما شكَّ في صحَّته وضعفه، بخلاف الصَّحيح فيُذكر بصيغة الجزم ويَقبح فيه صيغة التَّمريض عكس ذلك.
تنبيه: ويجوزُ رواية ما سوى الموضوع من الضَّعيف والعمل به من غير بيان ضعفهِ في غير صفاته تعالى وفي غير الأحكام كالحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالقَصَصِ والمواعظِ وفضائل الأعمال وغيرها ممَّا لا تَعَلُّقَ لهُ بالعقائد والأحكام، كذا ذكر ابن الصَّلاح وزاد شيخ الإسلام ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الضَّعفُ غير شديدٍ فيخرجُ من انفردَ من الكذَّابين ومن فَحُش غلطه.
الثَّاني: أن يندرج تحت أصلٍ معمول به.
الثَّالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط، وهذا هو المعتمد، وقيل: لا يجوز العمل به مطلقًا، وقيل: يُعمل به مطلقًا، وعُزي إلى أبي داود وأحمد؛ رَأَيَا ذلك أقوى من رأي الرجال، أما الموضوع فلا يجوزُ العمل به مطلقًا إجماعًا.
قوله: (ما اتَّصَلَ سَنَدُهُ)؛ أي: ولو ظاهرًا فيدخلُ ما فيه انقطاع ظاهر، كسقوط صحابي أو غيره منه، أو خفيٍّ كعنعنة المُدَلِّس والمُعاصر الذي لم يثبتْ لُقِيُّهُ.
قوله: (إِلَى مُنْتَهَاهُ)؛ أي: سواءٌ انتهى إلى النَّبيِّ ﷺ أو الصحابي أو من دونه، وهذا قول الخطيب.
وقوله: (رَفْعًا وَوَقْفًا)؛ أي فيدخل فيه الموقوف وهو قول الصحابي، وكذا يدخل فيه المقطوع
وهو قول التابعي مثلًا، قال العراقي: وكلامُ أهل الحديث يأباه؛ أي: فيكون هذا التعريف غير مانع، ولم يمنعه ابن الصلاح كليًا، بل قال: أكثر ما يستعمل فيما جاء عن النَّبيِّ ﷺ دون غيره، فإنَّ الأكثر فيما جاء عن الصحابة استعمال الموقوف، وفيما جاء عن التابعين فمن بعدهم استعمال المقطوع، ويقلُّ فيهما استعمال المسند.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: هو ما جاء عن النَّبيِّ ﷺ خاصةً متصلًا كان؛ كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ ، أو منقطعًا؛ كمالك، عن الزهري، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ، قال: فهذا مُسْنَدٌ؛ لأنَّه أُسند إلى رسول الله ﷺ ، وهو منقطع؛ لأنَّ الزهري لم يسمع من ابن عباس، وعلى هذا يستوي المسند والمرفوع، قال شيخ الإسلام: يلزم عليه أن يَصْدق على المرسل والمعضل والمنقطع إذا كان مرفوعًا ولا قائل به. انتهى.
وقال الحاكم وغيره: لا يستعمل إلَّا في المرفوع المتصل بخلاف الموقوف والمرسل والمُعْضَل والمدلَّس. انتهى.
وجزمَ به شيخ الإسلام، ثم قال: والقائل به لَحَظَ الفرق بينه وبين المتصل والمرفوع من حيث إنَّ المرفوع يُنْظَرُ فيه إلى حال
стр. 25
و المرفوع: ما أُضيف إلى النَّبيِّ ﷺ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، متَّصِلًا كان أو منقطعًا، ويدخل فيه المُرسَل، ويشمل الضَّعيف.
و الموقوف: ما قُصِرَ على الصَّحابيِّ قولًا أو فعلًا ولو منقطعًا، وهل يُسمَّى أثرًا؟ نعم؛
المتن وهو إضافته؛ -أي: نسبته- إلى النَّبيِّ ﷺ دون الإسناد من أنَّه متصل أو لا، والمُتَّصِلُ يُنْظَرُ فيه إلى حال الإسناد وهو سماعُ كل راوٍ ممَّن يروي عنه دون المتن من أنَّه مرفوع أو لا، والمسند ينظر فيه إلى الحالين معًا فيجمع بين شرطي الاتصال والرفع، فيكون بينه وبين كلٍّ من المرفوع والمتصل عموم وخصوص مطلق، وكلُّ مسند مرفوع متصل ولا عكس، وحاصل ما ذكر أنَّ الحاكم جعل المُسند مركبًا من صفاتهما معًا، وابن عبد البر جعله من صفات المتن، فإذا قيل: هذا حديثٌ مسندٌ، علمنا أنَّه مضاف للنَّبيِّ ﷺ ، ثم قد يكون مرسلًا أو مُعضلًا إلى غير ذلك، والخطيب الذي تبعه الشارح جعله من صفات المتن أيضًا، لكن لحظَ فيه صفة السند فجعلها المقصودة بالذات وألغى النظر عن اعتبار المتن، فإذا قيل: هذا حديث مسند، علمنا أنَّه متصلٌ، ثم قد يكون مرفوعًا وموقوفًا إلى غير ذلك، قال السيوطي: وقول الحاكم هو الأصح. انتهى.
قال الحاكم: وشرط المسند أن لا يكون في إسناده (أُخبرت عن فلان) ولا (حُدثت) ولا (بلغني عن فلان) ولا (أظنُّه مرفوعًا) ولا (رفعه فلان).
قوله: (والمَرْفُوْعُ) سُمِّيَ بذلك لارتفاع رتبته بإضافته إلى النَّبيِّ ﷺ .
قوله: (مَا أُضِيْفَ إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: سواءٌ أضافه صحابي أو غيره ولو منا الآن، فيدخل فيه المسند والمتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، دون الموقوف والمقطوع، هذا هو المشهور.
وقال الخطيب: هو ما أخبر به الصحابي عن فعله ﷺ فأخرج بذلك المُرسل، لكن قال ابن الصلاح: مَنْ جعل المرفوع في مقابلة المرسل؛ أي: حيث يقولون مثلًا (رفعه فلان وأرسله فلان) فقد عُني بالمرفوع المتصل لا مُطلق مرفوع، فهو مرفوع مخصوص لما مرَّ من أنَّ المرفوع أعمُّ من المتصل والمرسل، والإضافة إلى النَّبيِّ ﷺ أعمُّ من أن تكون صريحًا أو حكمًا قولًا أو فعلًا أو تقريرًا أو صفةً.
مثال المرفوع صريحًا من القول قول الراوي مطلقًا قال النبي ﷺ كذا.
ومثاله حكمًا قول الصحابي في المتعلق بالأمور الماضية كبدء الخلق، أو المستقبلة كأشراط الساعة لما يأتي من أنَّ مثل هذا لا يقوله الصحابي إلَّا عن توقيف.
ومثال المرفوع صريحًا من الفعل قول الصحابي: فَعَلَ النَّبيُّ كذا ورأيته يفعل كذا.
ومثاله حكمًا أن يفعل الصحابي ما لا مجال للرأي فيه، فَيُنَزَّل على أن ذلك عنده عن النَّبيِّ ﷺ كالقَصْر والفِطر الواقعين من ابن عمر وابن عباس في أربعة بُرُدٍ.
ومثال المرفوع صريحًا من التقرير أن يقول الصحابي: فَعَلْتُ، أو: فُعِلَ بحضرة النَّبيِّ ﷺ كذا، ويذكر عدم إنكاره لذلك.
ومثاله حكمًا حديث المغيرة بن شعبة: «كَانَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَقْرَعُوْنَ بابه بِالأَظَافِيْرِ» فإنَّه مستلزم لاطِّلاعه ﷺ على ذلك وإقرارهم عليه.
ومثال المرفوع صريحًا من الصفة أن يقال: «كَانَ النبي ﷺ أَبْيَضَ اللَّوْنِ رَبْعَةً» مثلًا.
ومثالها حكمًا قول الصحابي: أُمِرْنا بكذا، أو نُهِيْنا عن كذا، أو من السُنَّة كذا؛ لظهور أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَعلَ ما ذُكر، والفعلُ صفةٌ لفاعله.
قوله: (عَلَى الصَّحابي) سيأتي تعريفه وما تثبت به الصحبة، والتقييد بالصحابي إنَّما هو بالنظر للإطلاق، وإلَّا فيستعمل في غيره مقيدًا، فيُقال: موقوف على عطاء أو على الزهري، أو وقفه فلان على مجاهد أو الثوري أو غيرهما من التابعين.
قوله: (قَوْلًا أَوْ فِعْلًا)؛ أي: له كما في بعض النسخ، وكان الأولى التعبير بالواو بدل (أو) في قوله: (أو فعلًا) فيه وفيما قبله؛ لأنَّها تُفيد الجمع، ولا شكَّ أنَّ كلًّا من القول والفعل مجتمع فيما أُضيف لمن ذكر، وكلمةُ (أو) تقتضي خلاف ذلك؛ لأنَّها لأحد الشيئين أو الأشياء، وهذا مُطَّرِدٌ في كلِّ ما كان من تقسيم الكلي إلى جزئياته كالكلمة اسم وفعل وحرف، أما ما كان من تقسيم الكل إلى أجزائه نحو: (الحصير: خَيْطٌ وسَمُرٌ) فتتعين الواو، فاحفظه.
ومحل كون ما قُصر على الصحابي موقوفًا إذا خلا عن قرينة الرفع، أما لو وجدت فيه قرينة الرفع بأن لم يكن للرأي فيه مجالٌ فهو في حكم المرفوع، وإن احتمل أخذ الصحابيِّ له عن أهل الكتاب تحسينًا للظن به، كما سبق من الإخبار بالأمور الماضية والآتية، وكما في قول البخاري: «كان ابن عمر وابن عباس يُفطران ويقصران في أربعة بُرُدٍ»؛ لأنَّ مثل ذلك لا يُفعل من قبل الرأي، ثم مثل القول والفعل التقريرُ كما أفادهُ الحافظ ابن حجر.
قوله: (نَعَم)؛ أي: عند فقهاء خراسان، فيسمُّون الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر لما سبق، وفي «شرح النخبة»: يُقال للموقوف والمقطوع: الأثر، قال النووي: وعند المحدثين كل هذا يُسمى أثرًا؛ لأنَّه مأخوذ من أَثَرْتُ الحديثَ؛ أي: رويته.
стр. 26
ومنه قول الصّحابيِّ: «كنا نفعل» ما لم يُضفه إلى النَّبيِّ ﷺ ، فإن أضافه إليه نحو قول جابرٍ: «كنَّا نعزل على عهد رسول الله ﷺ » فمن قَبِيلِ المرفوع، وإن كان لفظه موقوفًا؛ لأنَّ غرضَ الرَّاوي بيانُ الشَّرع وقِيلَ: لا يكون مرفوعًا.
وقول الصَّحابيِّ: «من السُّنّة كذا» أو «أُمِرْنا»؛ بضمِّ الهمزة، أو «كنَّا نُؤمَر» أو «نُهِينا» أو «أُبِيحَ» فحكمه الرَّفع أيضًا، كقول الصَّحابيِّ: «أنا أشبهكم صلاةً به ﷺ »، وكتفسيرٍ تعلَّق بسبب النُّزول،
قوله: (وَمِنْهُ قوْلُ الصَّحَابِيِّ … ) إلى آخره؛ أي: سواءٌ قاله في حياته ﷺ أو بعدها.
وقوله: (كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا)؛ أي: أو نقول، أو نرى كذا.
وقوله: (ما لم يضفه إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: إلى زمنه، كأنْ يقول: كنا نفعل كذا في زمن النَّبيِّ ﷺ ، وما ذهب إليه الشارح مِن أنَّ ما لم يُضف له ﷺ من الموقوف، هو ما حكاه النووي في «شرح مسلم» عن الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وأطلق الحاكم والرازي والآمدي أنَّه مرفوع، وقال ابن الصبَّاغ: إنَّه الظاهر، ومثَّله بقول عائشة «كَانَتْ اليَدُ لَا تُقْطَعُ فِيْ شَيءٍ مِنَ التَّافِهِ»، وحكاه النووي في «شرح المهذب» أيضًا عن كثير من الفقهاء، ثم قال: وهو قوي من حيث المعنى. وصحَّحه العراقي وشيخ الإسلام.
قوله: (لِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي … ) إلى آخره؛ أي: ولأنَّ ظاهرَ ذلك مُشْعِرٌ بأنَّ رسول الله ﷺ اطلع على ذلك وأَقَرَّهُم عليه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم عن أمور دينهم، وتقريرهُ ﷺ أحد وجوه السنن المرفوعة.
قوله: (بَيَانُ الشَّرْعِ)؛ أي: لا اللغة ولا العادة، والشرعُ يُتلقى من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، فمراد جابر بقوله: (كنا نعزل … ) إلى آخره، أنَّ العزل جائز شرعًا لفعلهم إياه في زمنه ﷺ مع إقراره إياهم عليه، وإقْرَارُه ﷺ حكمٌ شرعيٌّ، وكذا قول الصحابي: أُمِرْنَا بكذا، إذ لا يصحُّ أن يُريد بقوله: (أُمرنا)؛ أي: أمرنا الكتابُ؛ لكون ما في الكتاب مشهورًا يعرفه الناس، ولا الإجماع؛ لأنَّ المتكلم بذلك من أهل الإجماع ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس؛ إذ لا أمر فيه، فتعيَّن كون المراد أَمْرُ الرسول ﷺ ؛ ولأنَّ مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى مَن له الأمر والنهي، ويجب اتباع أمره، وذلك هو الرسول ﷺ .
قوله: (وَقِيْلَ لَاْ يَكُوْنُ مَرْفُوْعًا)؛ أي: بل موقوفٌ، وهو قول الإسماعيلي، وهو بعيدٌ جدًا، والأول هو الصحيح الذي قطع به الجمهور من أهل الحديث والأصول، وفَصَّلَ بعضهم فقال: إنْ كان هذا الفعل ممَّا لا يخفى غالبًا كان مرفوعًا، وإلَّا كان موقوفًا.
قال في «شرح التقريب»: ومحل ذلك الخلاف ما لم يكن في القصة تصريحٌ باطِّلاعه ﷺ ، وإلَّا فمرفوع إجماعًا، كقول ابن عمر: «كُنَّا نَقُوْلُ وَرَسْوْلُ الله ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُوْلُ الله ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ»، رواه الطبراني.
قوله: (مِنَ السُّنَّةِ كَذَا)؛ أي: كقول علي ﵁: «مِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الكَفِّ عَلَى الكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» رواه أبو داود.
وقوله: (أَوْ أُمِرْنَا)؛ أي: بكذا، كقول أم عطية: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ في الْعِيدِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ وَأُمِرَ الْحُيَّضُ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ»، أخرجه الشيخان.
وقوله: (أَوْ نُهِيْنَا)؛ أي: كقولها: «نُهِيْنَا عن اتِّبَاعَ الجَّنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا»، أخرجه الشيخان أيضًا. فكلُّ ذلك حكمه الرفع على الصحيح؛ لأنَّهم إذا أطلقوا السنة فمرادهم سنة النبي ﷺ ، ولا نظر لما قيل: يحتمل أن يكون المراد سنة غيره فإنَّه بعيد، والأصل الأول.
وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعًا فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ ، فمدفوعٌ بأنَّهم تركوا ذلك تورعًا واحتياطًا، وكذا يُقال في احتمال أن يكون الآمر في أمرنا غيره ﷺ كالقرآن، ثم مثل قوله: (من السنة كذا) قوله: سنة أبي القاسم، أو سنة نبينا ﷺ ، أو أصبت السُنَّة، وقيل: كلُّ ذلك موقوف لما سبقَ مما علمت رَدَّهُ، ومحلُّ الخلاف إذا لم يصرِّح الصحابي بالآمر في نحو: أُمِرْنَا فإنْ صرَّح كقوله: «أَمَرَنَا رسول الله ﷺ » فلا خلاف في رفعه، إلَّا ما حُكي عن أبي داود وبعض المتكلمين أنَّه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه، وهو ضعيف، بل باطلٌ؛ فإنَّ الصحابي عَدْل عارف باللسان فلا يطلق ذلك إلَّا بعد التحقيق، وخصَّ بعضهم الخلاف أيضًا بغير الصديق، أما هو فإنْ قال ذلك فمرفوع بلا خلاف، كما ذكره الحافظ السيوطي، قال: وكذا ما كان عن أبي هريرة، قال ابن سيرين: كلُّ شيءٍ حدثتُ عن أبي هريرة فهو مرفوع. انتهى. أقول: الظاهر أنَّ هذا خاص بما جاء من طريق ابن سيرين بقرينة إسناد ذلك لنفسه.
قوله: (كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَنَا أُشْبَهُكُم … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه في قوَّةِ قوله: كان رسول الله ﷺ يصلي هكذا.
قوله: (تَعَلَّقَ بِسَبَبِ النُّزُوْلِ)؛ أي: نزول الآيات القرآنية، كقول جابر: «كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إذا أتى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ من دُبُرِهَا في قُبُلِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣]»، رواه مسلم.
قال الحاكم في المستدرك: ليعلم طالب الحديث أنَّ تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مُسند. انتهى.
стр. 27
وحديث المغيرة: «كان أصحاب رسول الله ﷺ يقرعون بابه بالأظافير»، صوَّب ابن الصَّلاح رفعه، وقال الحاكم: موقوفٌ، وقول التَّابعيِّ فمن دونه: يرفعه أو رفعه أو مرفوعًا أو يَبْلُغ به أو يرويه أو يَنْمِيه -بفتح أوَّله وسكون ثانيه وكسر ثالثه- أو يسنده أو يأثره؛ مرفوعٌ بلا خلافٍ، والحامل له على ذلك الشَّكُّ في الصِّيغة التي سمع بها، أَهِيَ: قال رسول الله ﷺ ، أو النَّبيُّ، أو نحو ذلك، كسمعت أو حدَّثني؟ وهو ممَّن لا يرى الإبدال، أو طلبًا للتَّخفيف وإيثارًا للاختصار، أو للشَّكِّ في ثبوته أو ورعًا، حيث علم أنَّ المرويَّ بالمعنى فيه خلافٌ، وفي بعض الأحاديث قول الصَّحابيِّ عن النَّبيِّ ﷺ : يرفعه، وهو في حكم قوله عن الله تعالى، ولو قال تابعيٌّ: «كنَّا نفعل» فليس بمرفوعٍ ولا بموقوفٍ إن لم يضفه لزمن الصَّحابة، بل مقطوعٌ. فإن أضافه لِزَمنهم احتمل الوقف؛ لأنَّ الظَّاهر اطِّلاعهم عليه وتقريرهم، واحتمل عدمه؛ لأنَّ تقرير الصَّحابيِّ قد لا يُنسَب إليه، بخلاف تقريره ﷺ ، وإذا أتى شيءٌ عن صحابيٍّ موقوفًا عليه ممَّا لا مجال للاجتهاد فيه؛ كقول ابن مسعودٍ: «من أتى ساحرًا أو عرَّافًا فقد كفر بما أُنزِل على محمَّدٍ ﷺ » فحكمُه الرَّفعُ؛ تحسينًا للظَّنِّ بالصَّحابة، قاله الحاكم.
و الموصول -ويسمَّى المتَّصل-:
وخَرَجَ بِما تعلَّقَ بسبب النزول ما لم يتعلق به من التفسير فهو موقوفٌ، كما روي عن أبي هريرة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]، قال: (تَلْقَاهُم جَهَنَّمُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَتَلْفَحُهُم لَفْحَةً فَلَا تُبْقي لَحْمًا عَلَى عَظْمٍ)، قال الحاكم: فهذا وأمثاله يعدُّ في تفسير الصحابة من الموقوفات. انتهى.
وينبغي تقييده بغير ما يتعلق بأحوال الآخرة وغيرها مما لا يُقال من قبل الرأي، فقد ذكر في «شرح التقريب» أنَّ أحوال الآخرة والإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وأخبار الرسل وكذا الآتية كالملاحم والفتن، وما يحصل بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص؛ إذا جاء شيء منها عن صحابي لم يأخذْ عن أهل الكتاب فإنَّه يُنَزَّل على أنَّه سمع ذلك من النَّبيِّ ﷺ ، فيكون مرفوعًا، بل صَرَّحَ الرازي بأنَّ كلَّ ما جاء عن الصحابي ممَّا لا يقال من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه يُحمل على السماع كما سيأتي للشارح. قال الزركشي: ومن المرفوع حكمه؛ -أي: الصحابي- على فعلٍ من الأفعال بأنَّه طاعة لله أو لرسوله أو معصية كقوله: «من صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ ». انتهى.
وما قاله البُلْقَيني من أَنَّهُ ليسَ بمرفوع لجواز إحالة الإثم على ما ظهرَ من القواعد، لا يظهر له رواجٌ عند التأمل، لِمَا أَقْرَّينَا به عينك من النقول وأنعمناك به من التحقيق المقبول.
قوله: (كَانَ أَصْحَابُ رَسُوْلُ الله ﷺ ؛ أي: فهو كقوله: كنا نفعل كذا … إلى آخره.
قوله: (وَحَدِيْثُ الْمُغِيْرَةِ)؛ أي ابن شعبة، قال شيخ الإسلام: تَعِب الناس في التفتيش عليه من حديث المغيرة فلم يظفروا به. انتهى.
أقول: هو مذكور في البخاري في الأدب من حديث أنس، لكن أخرجه البيهقي في المدخل عن المغيرة ثم أشارَ بعده إلى حديث أنس.
قوله: (صَوَّبَ ابْنُ الصَّلَاحِ رَفْعَهُ) قال: بل هو أحرى باطِّلاعه ﷺ عليه. انتهى. والضمير في رفعه لحديث المغيرة المذكور لا كلَّ ما سبق من قوله كقول الصحابي أنا أشبهكم … إلى آخره، كما قد يُتوهم، وإلا فالحاكم قائلٌ بالرفع لا الوقف فيما تعلَّقَ بسببِ النزول كما علمت.
قوله: (وَقَالَ الحاكمُ مَوْقُوْفٌ)؛ أي: حيثُ قال ليس بمسند، قال الخطيب: تأولناه على أنَّه ليس بمسند لفظًا، وإنَّما جعلناه مرفوعًا من حيث المعنى. انتهى.
قوله: (يَرْفَعُهُ) هو مقولُ القول وذلك أنَّه بعد أن يذكر السند منتهيًا إلى الصحابي فمن دونه يقول ما ذكر، فالضمير في يرفعه للصحابي فمن دونه، كقول البخاري: عن ابن عباس يرفعه: «الشِّفَاءُ في ثَلَاثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ».
قوله: (أو يرويه) ومثله: رواه، بلفظ الماضي، ورواية بلفظ المصدر، كحديث الأعرج، عن أبي هريرة رواية: «تُقَاتِلُونَ قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ»، خرَّجه البخاري.
قوله: (أَوْ يَنْمِيْهِ) من نَمَيْتُ الولدَ إلى أبيه نميًا: نسبته إليه، وذلك كما في «الموطأ» عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: «كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُوْنَ أَنْ يَضَعَ الرَّجْلُ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ اليُسْرَى فِيْ الصَّلَاةِ»، قال أبو حازم: لا أعلمُ إلَّا أنَّه يَنْمِي ذلك أو يأثُره، بضم المثلثة من أثرت الحديث؛ نقلته.
قوله: (مَرْفُوْع)؛ أي: مع كونه مرسلًا، فيقال: مرفوع مرسل، وإذا كان ما ذكر من التابعي مرفوعًا فمن الصحابي أولى، لكن لا يُقال له مرسل.
قوله: (عَلَى ذَلِكَ)؛ أي: التعبير بالألفاظ المذكورة، دون أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، هذا جواب لما ذكره بعضهم من أنَّه إن كان مرفوعًا فلم لا يقولون فيه: قال رسول الله ﷺ كما سبق.
قوله: (مِمَّنْ لَاْ يَرَى الإِبْدَالَ)؛ أي: إبدال لفظ النبي بالرسول أو نحوه، وإبدال لفظ سمعت بحدثني أو نحوه، فإنَّ في جواز ذلك خلافًا.
قوله: (أَوْ لِلْشَكِّ فِيْ ثُبُوْتِهِ)؛ أي: عند القائل ذلك، فإنَّه لو قال: قال رسول الله ﷺ … إلى آخره، كان جازمًا برفعه فلما كان شاكًّا في ذلك نسب الرفع إلى غيره، فقال: يرفعه أو نحوه.
قوله: (عن النَّبيِّ ﷺ ؛ أي: قول الصحابي ذلك حكايةً عن النَّبيِّ ﷺ .
وقوله: (وهو في الحكم … ) إلى آخره؛ أي: فهو من الأحاديث القدسية، وكذا قوله عنه ﷺ : يرويه؛ أي: عن ربه .
قوله: (فَلَيْسَ بِمَرْفُوْعٍ)؛ أي: مُطلقًا، أضافه لِزَمن الصحابة أم لا.
وقوله: (وَلَاْ بِمَوْقُوْفٍ إِنْ لَمْ … ) إلى آخره؛ أي: قطعًا، فقوله: (إن لم) راجعٌ لقوله: (ولا بموقوف).
قوله: (فَإِنْ أَضَافَهُ … ) إلى آخره، ولو قال: كانوا يفعلون، فقال النووي في «شرح مسلم»: لا يدلُّ على فعلِ جميع الأمة بل البعض فلا حجةَ فيه إلَّا أنْ يُصَرِّحَ بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلًا له، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف.
قوله: (وَيُسَمَّى المُتَّصِل)؛ أي: والمؤتصل أيضًا، بالفك والهمز.
وقوله: (مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ) قال ابن الصلاح: أي: بسماعِ كل واحد من رواته ممن فوقه إلى منتهاه، سواء كان انتهاؤه له ﷺ
стр. 28
ما اتَّصل سنده رفعًا ووقفًا، لا ما اتَّصل للتَّابعيِّ. نعم؛ يسوغ أن يُقال: متَّصلٌ إلى سعيد بن المسيَّب، أو إلى الزُّهريِّ مثلًا.
و المُرسَل: ما رفعه تابعيٌّ مطلقًا، أو تابعيٌّ كبيرٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهو ضعيفٌ لا يُحتَجُّ به كما
أو الصحابي، فخرج بقيد الاتصال المرسل والمُعْضَل والمُنْقَطع والمُعَلَّق ومُعَنْعَن المُدَلِّس -بكسر اللام- قبل تبين سماعه.
وبقيد السماع الاتصال بغير السماع كاتصاله بالإجازة كأن يقول: أجازني فلان، قال: أجازني فلان، وهكذا إلى آخر السند فلا يُسمى الحديث المروي كذلك متصلًا.
ودخل بالتعميم السابق المرفوعُ والموقوفُ كما ذكره الشارح بقوله (رَفْعًا وَوَقْفًا).
قوله: (لَاْ مَاْ اتَّصَلَ لِلتَّابِعِيّ)؛ أي: فلا يُسمى متصلًا على الإطلاق، أما مع التقييد فجائز، واقع في كلامهم، كما قال الشارح: (نعم يَسُوْغُ أَنْ يُقَالَ: مُتَّصِلٌ إِلَى سَعِيْد … ) إلى آخره؛ أي: بالتقييد، قال العراقي: والنكتة في ذلك؛ -أي: عدم التسمية بالاتصال مع الإطلاق- أنَّها تُسمى مقاطيع، فإطلاق المتصل عليها كالوصف لشيء واحد بمتضادين لغة. انتهى.
قوله: (وَالمُرْسَل) من الإرسال، وهو الإطلاق، سُمِّي بذلك لكون التابعي أطلقه ولم يُقيد بجميع رواته، حيث لم يسمِّ مَن أرسله عنه.
قوله: (مَا رَفَعَهُ)؛ أي: متنٌ رفعه التابعي إلى النَّبيِّ ﷺ ، بأن قال فيه نحو سعيد: قال رسول الله ﷺ ، وأسقط الصحابي الذي رواه عنه، أعمُّ من أن يكون المرفوع قولًا أو غيره على قياس ما مرَّ في المرفوع، وسواء كان الرفع صريحًا أم كناية؛ -أي: حكمًا كأن يكون مما ليس للرأي فيه مجالٌ- فإن سقط قبل الصحابي واحد فهو منقطع لا مرسل، أو أكثر فمعضل ومنقطع أيضًا وهذا عند المحدثين، أما الأصوليون والفقهاء فالكلُّ مرسل عندهم، وهو اختلاف في الاصطلاح لا في المعنى؛ إذ الكل لا يحتجُّ به عند الكلِّ.
وقوله: (تَابِعِيٌّ مُطْلَقًا)؛ أي: سواءٌ كان التابعي كبيرًا؛ وهو: من لَقِيَ جمعًا من الصحابة وكان جلُّ روايته عنهم كسعيد بن المسيَّب وعبيد الله بن عَدي بن الخيار، أم صغيرًا، وهو من لقي واحدًا منهم كالزهري. هذا هو المشهور في تعريفه عند المحدثين.
وقوله: (أَوْ تَابِعِيٌّ كَبِيْرٌ)؛ أي: وقيل: هو ما رفعه التابعي الكبير فقط، فلا يكون ما رفعه التابعي الصغير مُرسلًا بل منقطعًا؛ لأنَّ أكثر رواية مثله عن التابعين الكبار.
وقيل في المرسل أيضًا: هو رواية الرجل عمَّن لم يسمع منه، وقيل: ما سقط من رواته راوٍ أو أكثر من أوله أو آخره أو بينهما كما تقدمت الإشارة إليه، فجملة الأقوال فيه أربعة.
والمراد بالتَّابعي: التَّابعي ولو حُكمًا، ليشمل الصحابي الذي لم يروِ إلَّا عن التابعين بأن أسلم قبل موته ﷺ بقليل؛ بحيث رآه ولم يرو عنه، أو رآه غيرَ مميزٍ، كمحمد بن أبي بكر الصديق، فإنَّ مُرسله في حكم مراسيل التابعي؛ لأنَّ رواية هذا عن التابعين، بخلاف الصحابي الذي أدركَ وسمع، فإنَّ احتمال روايته عن التابعين بعيدٌ جدًا.
ثُمَّ محلُّ كون قول التابعي مرسلًا؛ ما لم يسمع من النَّبيِّ ﷺ وهو كافرٌ ثم أسلم بعد موته أو قبله ولم يرهُ، ثم حدَّث عنه بما سمعه؛ كالتنوخي رسول هرقل، فإنَّه مع كونه تابعيًا اتفاقًا محكوم لما سمعهُ بالاتصال لا بالإرسال.
ولا خلافَ في الاحتجاج به، قال الزركشي: وعليه فيلغز، ويُقال: تابعي يقول: قال النَّبيُّ ﷺ كذا وحديثه مُسند لا مرسل. انتهى.
أي: ويحتجُّ به من غير خلاف لأنا إنَّما نَردُّ المُرسل لجهالة الواسطة وهي هنا مفقودة.
تنبيهات:
الأول: التابعي: هو مسلم لاقى صحابيًّا ومات مسلمًا ولو تخللت منه ردة، ولا يشترط فيه طول مدة كالصحابي على المعتمد فيهما.
واخْتُلف في أفضل التابعين هل هو سعيد بن المسيَّب -كما عليه أهل المدينة- أو الحسن البصري -كما عليه أهل البصرة- أو أويس القرني، كما عليه أهل الكوفة؟.
قال العراقي: وهو الصحيح بل الصواب؛ لحديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ له: أُوَيْسٌ».
الثاني: الإِرسال نوعان: ظاهرٌ كرواية الرجل عَمَّن لم يعاصره، وخفيٌّ وهو أن يروي عمَّن عاصره ولم يعرف له منه سماع مطلقًا أو لذلك الخبر بعينه مع سماع غيره، ويعرف ذلك إما بنص بعض الأئمة عليه، أو بوجه صحيح كإخباره عن نفسه بذلك في بعض طرق الحديث، ونحو ذلك كأحاديث أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود، فقد روى الترمذي أنَّه قيل لأبي عبيدة: هل تذكر عن عبد الله شيئًا، قال: لا، وكذلك مجيئه من وجه آخر بزيادة شخص بينهما.
الثالث: إذا قال الراوي في الإسناد: فلان عن رجل أو شيخ عن فلان، فقال إمام الحرمين: هو مرسل، وجعل منه كتب النَّبيِّ ﷺ التي لم يُسَمَّ حامِلُها، وقال الحاكم: منقطع، والجمهور: أنَّه متصل في سنده مجهول.
وقد روى البخاري عن الحميدي قال: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة إن لم يُسَمَّ ذلك الرجل. انتهى.
وقال أحمد: هو حديث صحيح، وفَرَّقَ الصَّيرفي بين أن يرويه التابعي عن الصحابي معنعنًا
стр. 29
عند الشَّافعيِّ والجمهور، واحتجَّ به أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد في المشهور عنه، فإن اعتُضِدَ بمجيئه من وجهٍ آخر مسندًا، أو مرسلًا أخذ مُرسِله العلم عن غير رجال المُرسَل الأوَّل؛ احتُجَّ به، ومن ثمَّ احتجَّ الشَّافعيُّ بمراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأنَّها وُجدت مسانيدَ من وجوهٍ أُخر.
قال النَّوويُّ: إنَّما اختلف أصحابنا المتقدِّمون في معنى قول الشَّافعيِّ: إرسال سعيد بن المسيَّب عندنا حسنٌ على قولين؛ أحدهما: أنها حجَّةٌ عنده، بخلاف غيرها من المراسيل؛ لأنَّها وُجِدت مُسنَدةً، ثانيهما: أنَّها ليست بحجَّةٍ عنده بل كغيرها، وإنَّما رَجَّحَ الشَّافعيُّ بمُرسَله، والتَّرجيح بالمُرسَل جائزٌ.
قال الخطيب: والصَّواب الثَّاني، وأمَّا الأوَّل فليس بشيءٍ؛ لأنَّ في مراسيل سعيدٍ ما لم يوجد بحالٍ
أو مصرِّحًا بالسماع، قال: وهو حسن متجه، وكلام مَن أطلق قبوله محمول على هذا التفصيل.
قوله: (عِنْدَ الشَّافِعِيِّ)؛ أي: وأحمد ومالك في أحد قوليهما.
وقوله: (وَالجُمْهُوْر)؛ أي: جمهور المحدثين وكذا عند كثير من الفقهاء والأصوليين، وذلك للجهلِ بحال الساقطِ فيحتمل أن يكون غير صحابي؛ لأن أكثر رواية التابعين بعضهم عن بعض، وحينئذ احتمل أن يكون ضعيفًا، ولو اتفق أن الذي أرسله كان لا يروي إلَّا عن ثقة فإنَّ التوثيق في المُبْهَمِ غيرُ كافٍ، وإذا كان المجهول المُسمى غير مقبولٍ فالمجهول عينًا وحالًا أولى، قال السيوطي: ولهذا لم يُصَوَّبْ قولُ من قال: المرسل ما سقط منه الصحابي؛ إذ لو عُرِفَ أنَّ الساقطَ صحابيٌّ لم يُرَدَّ؛ لأنَّهم كلهم عدول. انتهى.
وحينئذ فقول متن البيقوني:
ومرسلٌ منهُ الصحابيُّ سقطَ … ... … ...
ليسَ على ما ينبغي، وعبارة شارحنا خالية عن ذلك إذ لم يتعرض فيها للساقط.
قوله: (فِيْ المَشْهُوْرِ عَنْهُ)؛ أي: عن أحمد، وقد علمت أنَّ له قولًا آخر بعدم الاحتجاج به كالشافعي، وكذا الإمام مالك، فلو قال الشارح في المشهور عنهما لكان أحسن.
قال البقاعي: واحتجاج مالك وغيره بالمرسل مقيَّدٌ بأن يكون التابعي لا يروي إلَّا عن الثقات فقط، فإن كان ممَّن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات فلا خلاف في رَدِّهِ. انتهى.
وهو منقول عن ابن عبد البر.
وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية إذا كان مرسِلُه من أهل القرون الثلاثة الفاضلة؛ لحديث: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ»، ورُدَّ بأنَّ الحديث محمول على الغالب، وإلَّا فقدْ وُجِدَ في القرنين من هو متصفٌ بالصفات المذمومة.
قوله: (مُسْنَدًا) صوَّر الرازي وغيره من أهل الأصول المسنَد العاضد بأن لا يكون مُنْتَهِضَ الإسناد ليكون الاحتجاج بالمجموع، وإلَّا فالاحتجاج حينئذ بالمسنَد فقط ولا حاجة للمرسَل.
قوله: (العِلمَ)؛ أي: هذا الحديث أو ما أُخذ منه.
وقوله: (عَنْ غَيْر رِجَالِ المُرْسَلِ الأَوَّلِ)؛ أي: كما ذكره الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيَّب: «أنَّ رسول الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ».
فهذا مثال المرسل، ومثال المُعضِّد له ما رواه البيهقي من حديث الحسن، عن سَمُرَة بن جُنْدُب، عن النَّبيِّ ﷺ : «أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ».
فاختلفوا في سماع الحسن من سَمُرَة، فمنهم مَن أثبته وحينئذ فيكون مثالًا لما له شاهدٌ مسند، ومنهم من لم يُثبته وحينئذ فيكون مثالًا للمرسل الآخر الذي أخذ مُرْسِلُهُ العلمَ عن غير رجال المرسِل الأوَّل.
قوله: (احْتُجَّ بِهِ)؛ أي: عند أولئك الذين منعوا الاحتجاج به؛ أي: أَنَّهم لم يمنعوا الاحتجاج به مطلقًا، بل ما لم يعتضد بما ذكر، فإن تعضَّد احتجَّ به عندهم، وتبين بذلك صحة المرسل، وأنَّهما؛ أي: المرسل وما عضده صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق واحدة رجحناهما عليه إذا تعذر الجمع بينهما، وبهذا مع ما قبله يندفعُ ما يُقال: إذا اعتضد المرسل بمسند فالعمدة على المسند في الحجة ولا حاجة للمرسل. وحاصلُ الجواب: أنَّ ذلك المسند إما أن لا يكون بمفرده حجة بأن كان لا ينتهض إسناده فيكون الاحتجاج حينئذ بالمجموع إذ المُسند وحده حينئذ غير صالحٍ للاحتجاج، وإما أن يكون حجةً بانفراده فيكون دليلًا برأسه، والمُرسل حينئذ يعتضد به فيصير دليلًا آخر فيرجح بهما عند معارضة حديث صحيح واحد.
قوله: (لأَنَّهَا وُجِدَتْ مَسَانِيْدَ)؛ أي: ولجمعها بقية الشروط المُعتبرة عنده، وهي كما قاله النووي كون المرسِل من كبار التابعين، وكونه إذا سَمَّى مَن أرسل عنه سمَّى ثقةً، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، وأن يوافق قول صحابي، أو يفتي أكثر العلماء بمقتضاه، أو يكون منتشرًا عند الكافة، أو يوافقه فعل أهل العصر، فما اشتهر عن الشافعي أنَّه لا يحتج بالمرسل إلَّا مراسيل سعيد بن المسيب هو على إطلاقه غلطٌ، بل يحتج بالمرسل بالشروط المذكورة مطلقًا، ولا يحتج بمرسل سعيد إلَّا بها.
قوله: (بَلْ هِيَ كَغَيْرِهَا)؛ أي: في عدمِ الاحتجاج بها إن خَلَت من تلك الشروط لما سَلَفَ من أنَّها ضعيفةٌ؛ للجهل بحال المحذوف، وغايته أنَّه إذا تعارض حديثان موصولان ووجد لأحدهما من مراسيل سعيد موافق رجحه به، فيكون مرسل سعيد كغيره في أنَّه لا يحتجُّ به، وإنَّما يرجح به مقدمًا له عن غيره، قال البيهقي: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنَّه أصح التابعين إرسالًا فيما زعم الحفاظ. انتهى.
أي: ولما سلف من استجماعه لتلك الشروط.
قوله: (مَا لَمْ يُوْجَدْ بِحَالٍ) أصلُ عبارة الخطيب: لأنَّ في مراسيل سعيد ما لم يوجد مسندًا بحالٍ من وجهٍ يصح، وبذلك علَّل البيهقي أيضًا، قال النووي: فهذان الإمامان؛ -أي: الخطيب والبيهقي- حافظان فقيهان
стр. 30
من وجهٍ يصحُّ، وأمَّا مُرسَل الصَّحابيِّ كابن عبَّاسٍ وغيره من صغار الصَّحابة عنه ﷺ ممَّا لم يسمعوه منه فهو حُجَّةٌ، وإذا تعارض الوصل والإرسال بأن تختلف الثِّقات في حديثٍ، فيرويه بعضهم متَّصلًا وآخر مرسلًا؛ كحديث: «لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ» رواه إسرائيلُ وجماعةٌ عن أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن أبي بُردةَ عن أبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ ، ورواه الثَّوريُّ وشعبةُ عن أبي إسحاق عن أبي بردةَ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ فقيل: الحكم للمُسنِد إذا كان عدلًا ضابطًا، قال الخطيب: وهو الصَّحيح، وسُئِلَ عنه البخاريُّ فحَكَمَ لمن وصل، وقال: الزِّيادة من الثِّقة مقبولةٌ، هذا مع أنَّ المرسِل شعبة وسفيان، ودرجتهما في الحفظ والإتقان معلومةٌ، وقِيلَ: الحكم للأكثر، وقِيلَ: للأحفظ، وإذا قلنا به وكان المرسِلُ الأحفظَ فلا يُقدَح في عدالة الواصل وأهليَّته على الصَّحيح، وإذا تعارض الرَّفع والوقف بأن يرفع ثقةٌ حديثًا وقَفَهُ ثقةٌ غيرُه فالحكمُ للرَّافع؛ لأنَّه مُثبِتٌ وغيرُه ساكتٌ، ولو كان نافيًا فالمثبِت مقدَّمٌ، وتُقبَل زيادة الثِّقات مطلقًا على الصَّحيح، سواءً كانت من شخصٍ واحدٍ، بأن رواه مرَّةً ناقصًا، ومرَّةً أخرى وفيه تلك الزِّيادة، أو كانت الزيادة مِن غير مَن رواه ناقصًا، وقِيلَ: بل مردودةٌ مطلقًا، وقِيلَ: مردودةٌ منه، مقبولةٌ من غيره. وقال الأصوليُّون: إن اتَّحد المجلس ولم يحتمل غفلته عن تلك الزِّيادة غالبًا رُدَّتْ، وإن احتمل قُبِلت عند الجمهور، وإن جُهِلَ تعدُّدُ المجلس
شافعيان من أرباب الخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه. انتهى.
أي: فلا عبرة بقول غيرهما: إنَّ معنى كلام الشافعي في قوله: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن، أنَّه حجة عنده، بل معناه أنَّه يُقدَّم الترجيح به، قال النووي أيضًا: ولا يصحُّ تعلق مَن قال إنَّه حجة بقوله: إرساله حسن؛ لأنَّ الشافعي لم يعتمد عليه وحده، بل لِمَا انضم إليه من قول أبي بكر ومَنْ حَضَره من الصحابة وقول أئمة التابعين. انتهى.
أي: في قضية منع بيع اللحم بالحيوان التي ساقها مرسلة لسعيد، وذكر بعدها أنَّ أبا بكر منع ذلك ووافقه من الصحابة والتابعين جمعٌ، فلو سلَّمنا أنَّه احتج به فيما ذكر فإنَّه ليس به وحده بل به وبغيره، فالاحتجاج بالمجموع لا به وحده.
قوله: (مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ) هو من تمامِ كلام الخطيب كما علمت، وقد عرفت أنَّ أصل عبارته: لأنَّ في مراسيل سعيد ما لم يوجد مُسندًا بحالٍ من وجه يصحُّ. والمعنى في مراسيل سعيد ما لم يصح إسناده في وجهٍ من الوجوه، أي: طريق من الطرق.
واعترض بأنَّه لا يُشترط في المسند الذي يُرجَّح به المرسل أن يكون صحيحًا، وبعد ذلك فالتعليل في ذاته غير مُسَلَّم، لما ذكره في «شرح التقريب» مما نصه: تأمل الأئمة المتقدمون مراسيل سعيد فوجدوها بأسانيد صحيحة، وقال الماوردي في «الحاوي»: كان الشافعي يحتجُّ في القديم بمراسيل سعيد بانفرادها؛ لأنَّه لا يرسلُ حديثًا إلَّا يوجد مسندًا؛ ولأنَّه لا يروي إلَّا ما سمع من جماعة أو من أكابر الصحابة أو عضده قولهم أو رآه منتشرًا عند الكافة أو وافقه فعل أهل العصر، ثم قال: ومذهبه في الجديد أنَّه كغيره. انتهى.
فائدتان:
الأولى: في الاحتجاج بالمراسيل أقوال أُخَرُ غير ما تقدم، حاصلها أنَّه حجةٌ مُطلقًا، غير حُجَّةٍ مطلقًا، حُجَّةٌ إن أرسله سعيد فقط مطلقًا، حُجَّةٌ إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند، حُجَّةٌ إن أرسله صحابي، وقيل: يُحتج به ندبًا، فالجملة ثمانية أقوال.
الثانية: قال الحاكم في «علوم الحديث»: أكثر ما تُروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن المسيَّب، ومن أهل مكة عن عطاء بن رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن البصري، ومن أهل الكوفة عن إبراهيم النَّخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام عن مَكْحُول.
قال: وأصحُّها مراسيل ابن المسيب؛ لأنَّه من أولاد الصحابة، وأدرك العَشرة، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يحتج مالك بإجماعهم، كإجماع كافة الناس، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره. انتهى.
ومنه يُعلم وجه ترجيح الشافعي لمراسيله دون غيره أيضًا زيادة عما سبق.
قوله: (وأَمَّا مُرسَلُ الصَّحَابِي … ) إلى آخره، ظاهره أنَّ المعنى أنَّ هذا الخلاف إنَّما هو في مرسل التابعي، أما مرسل الصحابي … إلى آخره، فلا خلاف في الاحتجاج به مطلقًا، وليس كذلك، بل الاحتجاج به أرجح القولين، إذ قيل: إنَّه كغيره لا يحتجُّ به إلَّا إذا تبين أنَّه عن صحابي، ثمَّ المراد الصحابي حقيقة وحكمًا لا من في حكم التابعين السابق؛ فإنَّ مرسله كمراسيلهم.
قوله: (مَا لَمْ يَسْمَعُوْهُ مِنْهُ)؛ أي: كإخبارهم عن شيءٍ فَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ أو نحوه ممَّا عُلِمَ أنهم لم يحضروه؛ لصِغَرِ سِنِّهم وقته، أو تَأَخُّرِ إسلامهم عنه.
وقوله: (فَهُوَ حُجَّةٌ)؛ أي: لصحته عند الجمهور، وفي «البخاري»: منه كثيرٌ؛ وذلك؛ لأنَّ أكثر رواية مثل هذا عن الصحابة، وكلهم عدولٌ، وروايتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بيَّنوها، بل قيل: أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس من الأحاديث المرفوعة، بل إما إسرائيليات، أو حكايات، أو موقوفات.
قوله: (السَّبِيْعِي) بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبعد التحتية عين مهملة، وسيأتي له ذكرٌ.
قوله: (مُثْبِتٌ)؛ أي: للرفع.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ)؛ أي: عليه؛ أي: فالساكت أولى.
قوله: (الثِّقَات) الجمع ليس مرادًا، والمراد ب زيادة الثقة أن يزيد في روايته عمَّا رواه الجماعة في الحديث كرواية الستة «وِكَاءُ الْعَيْنِ» زاد فيه إبراهيم بن موسى: «فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ».
قوله: (سَوَاء كَانَتْ … ) إلى آخره؛ أي: وسواء تعلَّق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا، وكذا الإعراب، كأنْ يروى: «فِيْ أَرْبَعِيْنَ شَاةٌ» ثم يروى «فِي أَرْبَعِيْنَ نِصْفُ شَاةٍ».
قوله: (وَقِيْلَ مَرْدُوْدَةٌ مِنْهُ)؛ أي: ممَّن روى بدونها ثم روى بها.
قوله: (إِن اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ … ) إلى آخره، فإن اختلف فقال ابن الصباغ: إذا ذكر أنَّه سمع كل واحد من الخبر في مجلسٍ قُبلت وكانا خبرين يُعمل بهما.
قوله: (وَلَمْ يُحْتَمَلْ غَفْلَتُهُ … ) إلى آخره؛ أي: بل عُلِمَ أنَّه متذكرٌ لها غير ذاهلٍ عنها.
وقوله: (رُدَّت) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَجَبَ التَّوَقُّفُ فِيْهَا، ولعله للتعارض بين الزيادة والنقص.
وقوله: (وَإِنْ احْتُمِلَ)؛ أي: غفلته عنها، وبالأولى ما لو صرَّح بأنَّه نسيها، وترك الشارح
стр. 31
فأَوْلى بالقَبول من صورة اتِّحاده، وإن تعدَّدت يقينًا قُبِلَت اتِّفاقًا.
و المقطوع: ما جاء عن تابعيٍّ من قوله أو فعله موقوفًا عليه، وليس بحجَّةٍ.
و المنقطع: ما سقط من رواته واحدٌ قبل الصَّحابيِّ، وكذا من مكانين أو أكثر، بحيث لا يزيد كلُّ ما سقط منها على راوٍ واحدٍ.
و المُعضَل: ما سقط من رواته قبل الصَّحابيِّ اثنان فأكثر، مع التَّوالي، كقول مالكٍ: قال رسول الله ﷺ ، ولعدم التَّقييد باثنين قال ابن الصَّلاح: إنَّ قول المصنِّفين: «قال رسول الله ﷺ » من قبيل المُعضَل، ومنه أيضًا حذف لفظ النَّبيِّ والصَّحابيِّ معًا، ووَقْف المتن على التَّابعيِّ؛
أقوالًا أخرى فيها: منها أنَّها لا تُقبل إن غَيَّرت الإعراب، وقيل: إلَّا إنْ أفادت حُكمًا، وقيل: إن زادها واحد وكان من رواه ناقصًا جماعة لا يغفل مثلهم عن مثلها عادةً لم تُقبل وإلَّا قُبلت، واستشكل شيخ الإسلام قبولها مطلقًا؛ بأنهم شرطوا في الصحيح والحسن أن لا يكون شاذًا مع تفسيرهم الشذوذ بمخالفة الثقة مَن هو أوثق منه، قال: والمنقول عن أئمة المحدِّثين كالبخاري والحاكم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة المنافية بحيث يلزم من قبولها ردُّ الرواية الأخرى.
قوله: (الْمَقْطُوْع) جمعه مقاطع ومقاطيع، وسُمِّيَ الحديث المذكور بذلك لقطعه عن الوصول للصحابي أو النَّبيِّ ﷺ ، والفرق بينه وبين المنقطع أنَّه من أوصاف المتن، والمنقطع من أوصاف السند.
قال الزركشي في «النُّكت»: إدخال المقطوع في أنواع الحديث فيه تسامحٌ كبير فإنَّ أقوال التابعين ومذاهبهم لا مدخل لها في الحديث فكيف تُعدُّ نوعًا منه، قال: نعم، يَجيءُ هنا ما في الموقوف من أنَّه إذا كان ذلك لا مجال للاجتهاد فيه يكون في حكم المرفوع، وبه صرَّح ابن العربي وادَّعى أنَّه مذهب مالك.
قوله: (مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ)؛ أي: أو تقريره سواء كان إسناده متصلًا أم لا، حيث خلا عن قرينة الرفع والوقف بأن لم يكن للرأي فيه مجالٌ وإلَّا سُمِّي مرفوعًا أو موقوفًا لا مقطوعًا، وكالتابعي مَنْ دونه، وقد استعمل الشافعيُّ والطبرانيُّ المقطوعَ في المنقطع الذي لم يتَّصل إسناده لكن قبل استقرار الاصطلاح.
قوله: (مَا سَقَطَ … ) إلى آخره؛ أي: ما لم يتصل إسناده بل سقط منه واحد قبل الصحابي في الموضع الواحد أيِّ موضعٍ كان، وإن تعددت المواضع بحيث لا يزيد الساقط في كلٍّ منها على واحد فيكون منقطعًا من مواضع، فخرج بالواحد المعضل الآتي وبما قبل الصحابي المرسل، ولم يُقيدوه بكون الساقط في غير أول السند فمقتضاه دخول المعلَّق فيه، ولا يبعد التقييد لتخصيص ذلك باسم يَخُصُّهُ.
وما ذهب إليه الشارح من التقييد بالواحد هو المشهور، وذهب غيره إلى أنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أيِّ وجهٍ كان انقطاعه؛ أي: سواء كان الساقط منه واحدًا أو أكثر، صحابيًا أو غيره، وهو الذي صححه النووي، وهو أقرب من جهة المعنى اللغوي؛ فإنَّ الانقطاع ضدُّ الاتصال فيصدق بالواحد والأكثر.
قال ابن الصلاح: إلَّا أنَّ أكثر ما يُوصف بالانقطاع من حيث الاستعمالُ ما رواه مَن دون التابعي عن الصحابي كمالك عن ابن عمر، وأكثر ما يوصف بالإعضال ما سقط منه اثنان، وأكثر ما يُوصف بالتعليق ما حذف أول سنده ولو إلى آخره، فالأكثر استعمالًا هو القول المشهور. انتهى.
والانقطاع قد يكون ظاهرًا وقد يخفى فلا يدركه إلَّا أهل المعرفة، ويُعرف بمجيئه من وجهٍ آخر بزيادة رجلٍ أو أكثر.
قوله: (وَالمُعْضَل) وبفتح الضاد المعجمة، اسم مفعول بمعنى المُعيا، بصيغة اسم المفعول، والعين مهملة ساكنة، مِن أعضله فلانٌ؛ أي: أعياه. فكأنَّ المحدِّث الذي حدَّثَ به أعضله وأعياه فلم ينتفع به من يرويه عنه، قال ابن الصلاح: أهلُ الحديث يقولون: أعضله فهو معضَل، وهو اصطلاحٌ مُشكلُ المأخذِ من حيث اللغةُ؛ لأن مُفْعَلًا بفتح العين لا يكون إلَّا من ثلاثي لازم عُدِّيَ بالهمزة، وهذا لازم معها، قال: وقد بحثتُ فوجدتُ لهم أمر عضل؛ أي: مُستغلق شديد، وفعيل بمعنى فاعل يدلُّ على الثلاثي، فعلى هذا يكون لنا عضل قاصرًا وأعضل متعديًا. انتهى.
قوله: (قَبْلَ الصَّحَابِي)؛ أي: سواءٌ سقط الصحابي أيضًا أو لا، والظاهر أنَّ المقصود الصحابي الراوي عنه ﷺ ، فلو كان ثمَّ صحابي روى عن صحابيٍّ فسقط أيضًا فهو كالتَّابعي.
وقوله: (اثْنَان)؛ أي: من غير أول الإسناد كما قَيَّدَ به الشُّمنِّيُّ والتَّبريزي، أما ما كان في أوله فمُعَلَّق، وسواءٌ كان سقوط الاثنين المذكورين في موضع واحد أو مواضع، فيكون معضلًا من مواضع، وسواء كان الساقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما.
قوله: (كَقَوْلِ مَالِكٍ … ) إلى آخره؛ أي: فإنَّه يَروي عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فقد أسقطَ قبل عمر اثنين، ومثله في الموطأ: بلغني عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: «للمملوك طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوْفِ»، فإنَّ مالكًا وصله خارج الموطأ عن محمد بن عَجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، فعرفنا بذلك سقوط اثنين منه، ومنه: الشافعي، عن مالك، عن أبي هريرة بإسقاط أبي الزناد والأعرج.
قوله: (قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّ قَوْلَ المُصَنِّفِيْن … ) إلى آخره؛ أي: على غير الأشهر ليلائم ما سبق عنه من تسمية هذا بالمعلَّق.
قوله: (وَوَقْفُ الْمَتْنِ عَلَى التَّابِعِيِّ)؛ أي: إن كان عند ذلك التابعي مرفوعًا متصلًا كما سيأتي فهو مُعضل؛ لأنَّه اشتمل على الانقطاع بالرسول الذي هو الأصل؛ لأنَّه منشأ الأحكام والصحابي المتلقي عنه تلك
стр. 32
كقول الأعمش عن الشَّعبيِّ: «يُقال للرَّجل يوم القيامة: عملتَ كذا وكذا، فيقول: ما عملتُه، فتنطق جوارحُه … » الحديث.
و المُعنعَن: الذي قِيلَ فيه: فلانٌ عن فلانٍ، من غير لفظٍ صريحٍ بالسَّماع أو التَّحديث أو الإخبار، أتى عن رواةٍ مُسمَّين معروفين؛ موصولٌ عند الجمهور، بشرط ثبوت لقاء المُعَنعِنين بعضهم بعضًا ولو مرَّةً، وعدم التَّدليس من المُعنعِن، لكن في شرطيَّةِ ثبوتِ اللِّقاء بينهما وكذا طول الصُّحبة ومعرفة الرِّواية للمعنعِن عن المَعنعَن عنه خُلْفٌ، صرَّح باشتراط اللِّقاء عليُّ بن المدينيِّ، وعليه البخاريُّ، وجعلاه شرطًا في أصل الصِّحَّة، وعَزَاه النَّوويُّ للمحقِّقين، وهو مُقتضَى كلام الشَّافعيِّ، ولم يشترطه مسلمٌ، بل أنكر اشتراطه في مقدِّمة «صحيحه»، وادَّعى أنَّه قولٌ مُختَرعٌ لم يُسبق قائله
الأحكام فقد سقط منه اثنان.
قال ابن الصلاح: فهو باسم الإعضال أولى من الذي سقط منه اثنان غير الصحابي والرسول؛ لأنَّه أدرك من الإعياء ما لا يدركه ما سقط منه اثنان غيرهما. انتهى.
أقول: وعلى هذا فلا يظهر للتقييد بَقَبْلِ الصحابي وجهٌ.
تنبيه: ذكر شيخُ الإسلام لذلك شرطين:
أحدهما: أن يكون مما يجوز نسبته إلى غير النَّبيِّ ﷺ ، وإلَّا فهو مرسل لاسيما فيما لا يقال مثله من قبل الرأي.
الثاني: أن يكون مُسندًا من طريق ذلك الذي وقف عليه، وإلَّا فموقوف لا معضل؛ لاحتمال أنَّه قاله من عنده، فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين. انتهى.
فائدة: قال ابن الجوزي في مقدمة كتاب «الموضوعات»: المُعضل أسوأ حالًا من المنقطع، والمنقطع أسوأ حالًا من المرسل، والمرسل لا تقوم به حُجَّةٌ وإنَّما يكون المُعضل أسوأ حالًا من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضعٍ واحد، أما إذا كان في موضعين أو أكثر فإنَّه يساوي المعضل في سوء الحال.
قوله: (كَقَوْلِ الْأَعْمَش … ) إلى آخره؛ أي: فقد قال عَقِبَهُ: أعضله الأعمش، وهو عند الشعبي متصل مسند. انتهى.
وقد وصله فُضيل بن عَمرو، عن الشعبي قال: كنا عند النَّبيِّ ﷺ ، فذكره.
قوله: (الْحَدِيْثَ) بقيته: «فيختم على فِيْهِ فتنطق جوارحه فيقول لجوارحه: أَبْعَدَكُنَّ الله مَا خَاصَمْتُ إِلَّا فِيْكُنَّ»، رواه الحاكم.
قوله: (وَالْمُعَنْعَنُ … ) إلى آخره، الظاهر من صنيع الشارح أنَّ المعنعن مبتدأ خبره قوله: (مَوْصُوْلٌ … ) إلى آخره، ولا يَخفاكَ أنَّه بصدد ذكر نفس الأنواع وحدودها وأحكامها لا خصوص أحكامها، فالأحسن أن يجعل الخبر قوله: (الَّذِي قِيْلَ فِيْهِ … ) إلى آخره، ويكون قوله (موصول) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهو موصول، ليكون كلامه في الأنواع منتظمًا في سلك واحد.
قوله: (مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ صَرِيْحٍ … ) إلى آخره؛ أي: كحدَّثنا فلان أو أخبرنا أو سمعت من فلان؛ أي: أو نحو ذلك، كقال لنا أو ذكر لنا.
قوله: (أَتَى عَنْ رُوَاةٍ) جملة حالية؛ أي: حال كونه أتى … إلى آخره.
وقوله: (مَعْرُوْفِيْنَ)؛ أي: مشهورين بالعدالة والضبط.
قوله: (مَوْصُوْلٌ) ولذلك أودعهُ المشترطون للصحيح في تصانيفهم، وادَّعى أبو عمرو الداني وابن عبد البر إجماع أهل النقل عليه، ومحل كونه موصولًا إن لم يتبين خلافه.
قوله: (عِنْدَ الْجُمْهُوْرِ)؛ أي: من أصحاب الحديث والفقه والأصول كما ذكره النووي، قال: وهو الصحيح الذي عليه العمل، مقابله ما ذهب إليه بعضهم من أنَّه مرسلٌ حتى يتبينَ اتصاله بمجيئه من طريق آخر أنَّه سمعه منه وإن لم يكن مدلسًا؛ لأنَّ (عن) لا تُشعر بشيء من أنواع التحمل، قال النووي: وهذا مردودٌ بإجماع السلفِ.
قوله: (المُعَنْعِنِيْنَ) بكسر العين الثانية اسم فاعل، وسيأتي للشارح أنَّ هذا الشرط مما اختُلف فيه.
قوله: (وَعَدَمُ التَّدْلِيْسِ مِنَ المُعَنْعِنِ)؛ أي: بأن يكون من عادته أن لا يقول: عن فُلان، إلَّا إذا كان قد سمعَ منه، والمُعَنْعِنُ مكسور العين كسابقه؛ أي: الراوي بلفظِ عن.
قوله: (فِيْ شَرْطِيَّةِ ثُبُوْتِ اللِّقَاءِ)؛ أي: وعدم الاكتفاء بإمكانه، كما شرطه البخاري وشيخه.
وقوله: (وَكَذَا طُوْلُ الصُّحْبَةِ)؛ أي: كما اشترطه بعضهم، وهو السمعاني.
وقوله: (وَمَعْرِفَةُ الرِّوَايَةِ … ) إلى آخره؛ أي: ومعرفةُ المُعَنْعِنِ بالرِّواية عن المُعنعن عنه كما اشترطه بعضهم، وهو أبو عمرو الدَّامغاني.
قوله: (بِاشْتِرَاطِ اللِّقَاءِ … ) إلى آخره؛ أي: فقط ولم يشترط ما بعده.
قوله: (وَجَعَلَاهُ)؛ أي: ابن المديني والبخاري، واشتراط البخاري ذلك هو المشهور عنه، وقيل: لم يشترطه في أصل الصحة وإنَّما التزمه في «جامعه».
قوله: (وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ لِلْمُحَقِّقِيْنَ)؛ أي: فقول مسلم إنَّه قول (مخترع) قول مختلق.
قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ)؛ أي: اللقاء بالفعل الذي اشترطه البخاري وشيخه، بل اكتفى بإمكانه، وعبَّرَ عنه بالمعاصرة.
وقوله: (بَلْ أَنْكَرَ اشْتِرَاطَهُ)؛ أي: فقال: إن اشتراط ثبوت اللقاء قولٌ مخترع لم يسبق قائله إليه، وإنَّ القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا أنَّه يكفي أن يثبت كونهما في عصر واحد، وإنْ لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها. انتهى.
قال ابن الصلاح: وفيما قاله مسلم نظر؛ فليس له حكم الاتصال ما لم يكن له من شيخه إجازة. انتهى.
قال شيخ الإسلام: مَن حكم في المُعَنْعَنِ بالانقطاع مُطلقًا شَدَّدَ، ويليه من شَرَطَ طولَ الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهَّل، والوسط الذي ليس بعده إلَّا التعنت مذهب البخاري ومن تبعه.
فائدتان:
الأولى: قال ابن حجر: قد ترد (عن) ولا يُراد بها بيانُ حكم اتصال أو انقطاع بل ذكره قصة سواء أدركها أم لا، بتقدير محذوف؛ أي: عن قصة فلان أو شأنه أو غير ذلك، كما رواه أبو إسحاق السَّبيعي عن عبد الله بن خَبَّاب بن الأرتّ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ الحَرُوْرِيَّةُ فَقَتَلُوْهُ حَتَّى جَرَى دَمُهُ فِيْ النَّهْرِ.
стр. 33
إليه.
و المؤنَّن: قول الرَّاوي: حدَّثنا فلانٌ أنَّ فلانًا قال، وهو كـ «عن» في اللِّقاء والمجالسة والسَّماع، مع السَّلامة من التَّدليس.
و المعلَّق: ما حُذِف من أوَّل إسناده لا وسطه، مأخوذٌ من تعليق الجدار؛ لقطع اتِّصاله،
وسبق، ويأتي حكمه -إن شاء الله تعالى- في الفصل التَّالي بعون الله .
و المدلَّس -بفتح اللَّام
فهذا لا يُمكن أن يكونَ أبو إسحاق سمعه من ابن خباب كما هو ظاهر العبارة؛ لأنَّه هو المقتول، قال السيوطي: السماع إنَّما يعتبر في القول، أما الفعل فالمُعتبر فيه المشاهدة وهذا واضح.
الثانية: قال في «التقريب»: وكَثُرَ في هذه الأعصار استعمال (عن) في الإجازة، فإذا قال أحدهم مثلًا: قرأت على فلان عن فلان، فَمُرَادهُ أنَّه رواه عنه بالإجازة. انتهى.
قال في «التدريب»: وذلك لا يخرجه عن الاتصال. انتهى.
قوله: (وَالمُؤَنَّنُ) بميم مضمومة فهمزة مفتوحة فنونان أولهما مفتوحة مشدَّدة.
قوله: (قَوْلُ الرَّاوِي … ) إلى آخره؛ أي: كقول مالك مثلًا: حدَّثنا الزهري أنَّ ابن المسيب حدَّثه بكذا، ومثل ذلك ما لو قال الزُّهري: قال ابن المسيب كذا أو فعل كذا أو كان ابن المسيب يفعل كذا ونحوه.
قوله: (وَهُوَ كَـ «عَنْ» … ) إلى آخره؛ أي: إنَّ لفظَ (أن) المُستفاد من المؤنن كَـ «عَنْ» في إفادة الاتصال أو المعنى، وهو؛ -أي: المؤنن- كـ «عَنْ»؛ -أي: كالمروي بعن- فيما ذُكر.
فالرواية بـ (عن) و (أنَّ) سواء، ولا اعتبار بالحروف والألفاظ، بل باللقاء والمجالسة والسماع مع السلامة من التدليس، وهذا مذهب مالك والجمهور، فالمؤنن عندهم متصل كالمعنعن، وقال البَرْدَعِيُّ: المروي بلفظ أن محمول على الانقطاع حتى يتبينَ وصلُ سندهِ بالسماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، وهو مذهب الإمام أحمد، قال ابن عبد البر: ولا معنى لهذا؛ لإجماعهم على أنَّ الإسناد هو المتصل بالصحابي سواءٌ قيل فيه (قال) أو (سمعت) أو (أنَّ) أو (عن). انتهى.
قوله: (فِيْ اللِّقَاءِ)؛ أي: في اشتراطه.
وقوله: (والمجالسة)؛ أي: عند مَن شرطها، وهو خلافُ المعتمد الذي مشى هو عليه، قال العراقي: والقاعدة أنَّ الراوي إذا روى حديثًا في قصةٍ أو واقعة فإن كان أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النَّبيِّ ﷺ وبين بعض الصحابة، والرَّاوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة، فإنَّه يُحكم لروايته بالاتصال وإنْ لم يُعلم أنَّه شاهدها، سواء روى بـ (قال) أو (عن) أو (أنَّ) أو (فعل) أو نحوها، ومن لم يُدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها فمتصلٌ، وكذا إن لم يدرك لكن أسندها لمن رواها عنه سواء روى بعن أو غيرها، قال: وهذا متفق عليه بين أهل التمييز من أهل الحديث. انتهى.
قوله: (مَا حُذِفَ مِنْ أَوَّلِ إِسْنَادِهِ) كذا في نسختنا فإن لم يكنْ تحريفًا من النساخ فالأصل: ما حذف منه … إلى آخره، بالضمير المجرور بمن، وإلَّا فـ (من) زائدة، والمراد بأول الإسناد طرفه الذي ليس فيه الصحابي سواء كان ذلك المحذوف واحدًا أو أكثر أو جميع الرواة ولو مع الصحابي، وعُزِيَ الحديثُ لمن فوق المحذوف.
مثال ما حُذف من أوله واحدٌ قول البخاري: وقال مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : «لَاْ تُفَاضِلُوْا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ»، فإن البخاري بينه وبين مالك واحد.
ومثال ما حُذف منه غير الصحابي قول البخاري: وقالت عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ».
ومثال ما حُذف منه جميع الرواة قول البخاري: «وَقَالَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ للنَّبيِّ ﷺ : مُرْنَا بِجُمَلٍ من الْأَمْرِ إن عَمِلْنَا بِهَا دَخَلْنَا الْجَنَّةَ … » الحديثَ.
ومنه قول الواحد منا: قال رسول الله ﷺ ، أو: قال ابن عباس أو عطاء أو غيره.
قوله: (لا وَسَطِهِ … ) إلى آخره؛ أي: لا ما حذف وسط إسناده فلم يستعملوه في ذلك؛ لأنَّ له اسمًا يخصُّه من الانقطاع والإرسال والإعضال، فبَين المُعَلَّقِ وكلٍّ من المعضل والمنقطع والمرسل وكذا الموقوف عمومٌ وخصوص وجهي كذا قال بعضهم، وتَقدَّم أن شرط المُعْضل أن يكون المحذوف منه من الوسط لا الأول فلا وجه له إلَّا الإطلاق.
قوله: (مَأْخُوْذٌ مِنْ تَعْلِيْقِ الْجِدَارِ) وقيل: من تعليق الطلاق بجامعِ قطع الاتصال.
قوله: (وَسَبَقَ وَيَأْتِي حُكْمُهُ) ما سبق هو قوله عند الكلام على الصحيح: (وهو في صحيح البخاري، ويكون مرفوعًا، أو موقوفًا، يأتي البحث فيه إن شاء الله في الفصل التالي).
وحُكمه حكم الصحيح إذا وقع في كتاب التزمتْ صحتُه، ورُوي: بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر ونهى وذكر وحُكيَ بصيغة اسم الفاعل، لا بصيغة التمريض كرُوِيَ أو يُقْالُ أو يُحْكَى أو نحو ذلك بصيغة المبني للمفعول.
قوله: (وَالمُدَلَّس) بفتح اللام المشددة مشتقٌ من الدَّلَس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، ويُطلق أيضًا على الظلمة، سُمي الحديث المذكور بذلك لاشتراكهما في الخفاء؛ لأنَّ الظُلمة تغطي الأشياء عن البصر وتخفيها عنه، ومن أسقط من السند شيئًا فقد غطى ذلك الذي أسقطه؛ أي: أخفاه وستره، وكذا تدليس الشيوخ على ما سيأتي، فإنَّ الراوي يُغطي الوصف الذي يُعرف به الشيخ ويغطي الشيخ بوصفه بغير ما اشتهر به.
стр. 34
المشدَّدة- ثلاثةٌ:
أحدها: أن يُسقط اسمَ شيخِه ويرتقي إلى شيخ شيخه أو مَنْ فوقه، فيسند عنه ذلك بلفظٍ لا يقتضي الاتِّصال، بل بلفظٍ موهمٍ له، فلا يقول: أخبرنا، وما في معناها، بل يقول: عن فلانٍ، أو قال فلانٌ، أو أنَّ فلانًا، موهمًا بذلك أنَّه سمعه ممَّن رواه عنه، وإنَّما يكون تدليسًا إذا كان المدلِّس قد عاصر الذي روى عنه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه ولم يسمع ذلك الذي دلَّسه عنه، فلا يُقبَل ممَّن عُرِف بذلك إلَّا ما صَرَّح فيه بالاتِّصال، كـ «سمعت»، وفي «الصَّحيحين» من حديث أهل هذا القِسم المصرَّح فيه بالسَّماع كثيرٌ؛ كالأعمش وقَتادة والثَّوريِّ، وما فيهما من حديثهم بالعنعنة ونحوها محمولٌ على ثبوت السَّماع عند المخرِّج من وجهٍ آخر، ولو لم نطَّلع عليه؛ تحسينًا للظَّنِّ
قوله: (ثَلَاْثَة) فيه نظرٌ، بل إن نظرنا إلى الأنواع فخمسة: تدليس شيوخ، وتدليس إسناد، وتدليس قطع، وتدليس عطف، وتدليس تسوية، وإن نظرنا إلى الأقسام فقسمان فقط، تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وكلها من تدليس الإسناد إلَّا الثالث في كلام الشارح فهو تدليس الشيوخ.
قوله: (أَحَدُهَا: أَنْ يُسْقِطَ اسْمَ شَيْخِهِ)؛ أي: لِصغره أو ضَعْفِهِ ولو عند غيره فقط، ويسمى هذا تدليس الإسناد وكان الأنسب أن يقول: أحدها تدليس الإسناد وهو أن يُسقط … إلى آخره؛ لتَحْسُن مقابلته بقوله فيما يأتي: وثانيها تدليس التسوية، وثالثها تدليس الشيوخ: ثم تسميته النوع المذكور تدليس إسناد هو المذكور في كلامهم، ولم يميزوه من بقية أنواع تدليس الإسناد باسم يخصه كما فعلوا بالبقية ولو سموه تدليس الإسقاط لكان له وجه، قال النووي: من تدليس الإسناد أن يسقط الراوي أداة الرواية مقتصرًا على اسم الشيخ فيقول: فلان، كما رُوِيَ عن علي بن خشرم قال: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدَّثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: سمِعْتَه من الزهريُّ؟ فقال: لا، ولا ممَّن سمِعَه من الزهريُّ، حدَّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وسماه شيخ الإسلام: تدليس القطع.
قُلْتُ: الظاهرُ أن تدليسَ القطع هو ما مثَّل له ابن حجر بما كان يفعله عُمَر (١) بن عبيد فكان يقول: حدَّثنا، ثم يسكت وينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة، عن عائشة، وهذا هو الرابع، ومن تدليس الإسناد أيضًا تدليس العطف، وهو الخامس، وهو أن يُصَرِّحَ بالحديث عن شيخٍ له ويعطف عليه شيخًا آخر لم يسمع ذلك المروي عنه.
كما ذكره الحاكم في «علوم الحديث»، قال: اجتمع أصحاب هُشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئًا مما يُدَلِّسُهُ. ففطنَ لذلك، فلما جلسَ قال: حدَّثنا حُصين ومُغيرة، عن إبراهيم، وساق عدة أحاديث، فلما فَرَغ منها قال: هل دَلَّسْتُ لكم شيئًا، قالوا: لا، فقال: بل كلَّما حدَّثتكم عن حُصين فهو سماعي ولم أسمع من غيره من ذلك شيئًا، فهو محمول على أنَّه نوى العطف، فقوله: (وفلان)؛ أي: وحدَّث فلان.
قوله: (لَاْ يَقْتَضِي الْاتِّصَالَ)؛ أي: لئلا يكون كذبًا محضًا.
قوله: (قَدْ عَاصَرَ الْذِي رَوَى عَنْهُ) جعلَ هذا شيخُ الإسلامِ إرسالًا خفيًّا وخصّ التدليسَ بقسم اللُّقي وخرج بالمعاصرة على ما ذكره الشارح وما بعدها ما إذا روى عمَّن لم يدركه رأسًا بلفظٍ مُوهم فليس بتدليسٍ على المشهور وهو الصحيح، وقال قوم: إنه تدليس، فحدُّوْهُ بأنْ يحدِّث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظٍ لا يقتضي تصريحًا بالسماع، قال ابن عبد البر: وعليه فما سَلِم من التدليس أحد!.
وتركَ الشارح شرطًا ثانيًا لهذا النوع: وهو أن لا يكون الراوي صحابيًّا فإن كان صحابيًّا وروى حديثًا لم يسمعه من النَّبيِّ ﷺ بل من صحابي آخر فيسمى مرسل صحابي، ولا يسمى تدليسًا؛ تأدُّبًا في حق الصحابة، فجُملة شروط هذا النوع أعني تدليس الإسناد شرطان: المعاصرة على غير مذهبِ شيخ الإسلام أو اللُّقي مع عدم السماع رأسًا أو سماع غير هذا الحديث، وكونه غير صحابي كما ذكره شيخ الإسلام، قلت: ومقتضاه أنَّه لو كان تابعيًا يسمى تدليسًا، وعليه فيكون المرسِلُ مُدَلِّسًا؛ فليُنظر.
قوله: (مِمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ)؛ أي: التَّدْليس؛ لأنَّه قادحٌ في حقِّ من فعله، قال شيخ الإسلام: لا شكَّ أنَّه جرحٌ وإن وُصِفَ به الثوريُّ والأعمشُ فإنهما إنَّما كانا يفعلانه في حقِّ من يكون ثقة عندهما ضعيفًا عند غيرهما، وهو مكروه جدًا، لا حرام؛ لأنَّه ليس كذبًا، وإنَّما هو تحسين لظاهر الإسناد، وضرب من الإبهام بلفظٍ محتمل.
قوله: (إِلَّاْ مَا صَرَّحَ فِيْهِ بِالاتِّصَالِ)؛ أي: بأن قال راويه: حدَّثني فلان أو سمعت أو نحو ذلك فهو
مقبولٌ يُحتج به، وإن كان راويه مشهورًا بالتدليس؛ لأنَّه صرح بالسماع في هذا المروي بخصوصه فعلم أنَّه لم يدلس فيه، والغرض أنَّه ثقة، وإذا قيل ذلك ممن اشتهر بالتدليس فممَّن لم يشتهر به أولى، كما رَوَى مالكٌ، عن ثور، عن ابن عباس. فإنَّ مالكًا لم يَلْق ثورًا وإنَّما روى عن عكرمة، فإذا روى عنه بالسماع قُبِلَ وكان محتجًا به وحُمل على سماعه منه وإن لم نطَّلِعْ عليه، وإذا روى بالعنعنة ونحوها لم يُقبل إلَّا ممَّن التزم تخريج الصحيح كالبخاري ونحوه، وحُمل أيضًا على ثبوت السماع من طريق أخرى عند ذلك المخرِّج، ولذا وقع في الصحيحين من ذلك كثير كما ذكره الشارح، وإنَّما آثرا هذه الطريق على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطهما دون تلك، والتفصيل الذي جرى عليه الشارح هو مذهب أكثر الفقهاء والمحدثين والأصوليين، وهو قول الشافعي ويحيى بن معين وابن المديني، وصححه الخطيب وابن الصلاح.
وقيل: مردودٌ مطلقًا بَيَّنَ الاتصالَ أم لا، كان التدليس عن ثقة أو عن غيره، ندر أم لا، حكاه ابن الصلاح عن فريق من الفقهاء والمحدِّثين؛
стр. 35
بصاحبي الصَّحيح.
ثانيها: تدليس التَّسوية؛ بأن يُسقط ضعيفًا بين شيخيهما الثقتين، فيستوي الإسناد كلُّه ثقاتٌ، وهو شرُّ التَّدليس، وكان بقيَّةُ بن الوليد أفعلَ النَّاس له.
ثالثها: تدليس الشُّيوخ؛ بأن يسمِّيَ شيخَه الذي سمع منه بغير اسمه المعروف، أو ينسبه أو يصفه بما لم يشتهر به تعميةً؛ كي لا يُعرَف، وهو جائزٌ؛ لقصد تيقُّظ الطَّالب واختبارِه؛
إذ التدليس في ذاته جَرْحٌ لما فيه من التُّهمةِ والغشِّ، وقيل: مقبول مُطلقًا كالمرسل عند مَن يحتج به.
ونَقْلُ النوويِّ في «شرح المهذب» الاتفاقَ على ردِّ المعنعن منه محمول على اتفاق مَن لا يَحتجُّ بالمرسل، وقيل: إن لم يُدلس إلَّا عن الثقات كسفيان بن عيينة، وقيل: إن نَدَرَ تدليسه.
قوله: (ثَانِيْهَا: تَدْلِيْسُ التَّسْوِيَةِ) تَبِعَ الشَّارح في جعله قسمًا مستقلًا العراقي، وجعله ابن حجر من تدليس الإسناد، وسُمِّي تدليس تسوية؛ لأنَّه يُسوىَ فيه بين الثقة وغيره، وسمَّاهُ ابن القطان تسويةً بدون لفظ تدليس، فيقول سوَّاه فلان وهذه تسويةٌ.
قال العراقي: والقدماء يسمونه تجويدًا، فيقولون: جوَّدَهُ فلان؛ أي: ذكر مَن فيه من الأجواد وحذف غيرهم، والتحقيقُ أن يُقال: متى قيل تدليس تسوية فلا بدَّ أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإسناد قد اجتمعَ الشخصُ منهم بشيخِ شيخهِ في ذلك الحديث، وإن قيلَ تسوية بدون تدليس لم نحتجْ إلى اجتماع أحدٍ منهم بمن فوقه كما فعل مالك؛ فإنَّه لم يقع في التدليس أصلًا ووقع في هذا إذ روى عن ثور عن ابن عباس كما سلفَ، وعلى هذا فيفارق المُنقطع بأنَّ شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا بخلاف المنقطع فأعمُّ، فهذا منقطع خاص.
قوله: (بَيْنَ شَيْخَيْهِ) هكذا فيما بأيدينا من النسخ، تثنية لفظ الشيخ وضمير التثنية، ولعله بَيَّنَ شيخيه بتثنية لفظِ شيخ فقط والضمير عائد على الراوي، كما يؤخذ مما قررناه قبلُ، ويكونُ المراد شيخًا مباشرة وبالواسطة، ويُحتمل أن المراد شيخه وشيخ ذلك الضعيف الذي أسقطه، وعلى كلٍّ فهو مع كونه تكلفًا قاصرٌ على بعض الصور، إذ لا يتقيد هذا النوع بذلك.
قوله: (وَهُوَ شَرُّ الْتَدْلِيْسِ)؛ أي: لأنَّ الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس ويجده الواقف على الحديث قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفيه غَرَرٌ شديد.
قوله: (بِمَا لَمْ يَشْتَهِرْ بِهِ)؛ أي: من كُنية أو لقب أو نسبة إلى قبيلة أو بلد أو صنعة أو نحو ذلك، كقول أبي بكر بن مجاهد المقري: حدَّثنا عبد الله بن أبي عبد الله -يريد به عبد الله بن أبي داود السِّجستاني- قال ابن الصلاح: وفيه تضييع للمروي عنه، قال العراقي: وللمروي أيضًا؛ لأنَّه قد لا يفطن له فيحكم عليه بالجهالة.
وكراهةُ هذا القسم أخفُّ مما قبله ويختلف الحال في كراهته باختلاف الغرض الحامل عليه؛ فإن كان لضعفِ المروي عنه فيُدلسه حتى لا تظهر روايته عن الضعفاء حَرُمَ.
واختلفوا في قبول المدلِّس وعدمه وأن التدليس جرحٌ أو لا، فالأصحُّ أنَّه ليس بجرحٍ مطلقًا فيُقبل، وقيل: جرحٌ وإن كان يعتقد هو أنَّه ثقةٌ لجواز أن يَعرِفَ غيرُه من جَرْحِهُ ما لا يعرفه هو، وقيل: إن فعله لضعفه عنده فجرحٌ، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا، وإن كان لصغر سنه عن المدلَّس أو كبره عنه يسيرًا أو كثيرًا وتأخر موته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه فالأمر سَهْلٌ، وكذا إن كان لغرض إيهام كثرة الشيوخ بأن يروي عن الشيخ الواحد في موضعٍ بصفة وفي آخر بأخرى يُوهم أنَّه غيره.
ومن التدليس ما هو عكس هذا وهو إعطاء شخص اسم آخر تشبيهًا ذكره ابن السبكي في «جمع الجوامع» قال: كقولنا: أخبرنا [أبو] عبد الله الحافظ؛ -يعني: الذهبي- تشبيهًا بالبيهقي حيث يقول ذلك يعني به الحاكم، وكذا إيهام اللُّقي والرحلة: كحدثنا مَن وراء النهر، يُوهم أنَّه جيحون ويريد نهر بغداد أو نهر الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرحٍ قطعًا؛ لأنَّ ذلك من المعاريض، قاله الآمدي وابن دقيق العيد، وما عدا ذلك من أنواع التدليس فمكروهٌ وذَمَّ التدليسَ بأنواعه أكثرُ العلماء حتى بالغ شُعبة في ذمِّه فقال: التدليس أخو الكذب، ولأَنْ أزني أحبُّ إلي من أن أُدلِّس.
قال ابن الصلاح: وهذا منه محمول على المبالغة في الزجر عنه. انتهى.
(قلت): ولا مانع من أن يكون أراد أن ضررَ الزنا قاصرٌ على نفسه، والتدليس يتعدى ضرره للأمة؛ لما فيه من الغش وإيهام الحق باطلًا وعكسه، وربما ترتب على ذلك رفض سُنة وترويج بدعةٍ.
وأقول: قد وقع التدليس أيضًا للمداراة والخوف كما رُوِيَ عن يونس بن عبيد قال: سألت الحسن البصري قلت: يا أبا سعيد إنك تقول: قال رسول الله ﷺ وإنك لم تدركه، فقال: يا ابن أخي سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، إني في زمان كما ترى -وكان في زمن الحَجَّاج- كل شيء سمعتني أقوله قال رسول الله ﷺ فهو عن علي بن أبي طالب غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر عليًا، والظاهر أن هذا لا حُرمة فيه
стр. 36
ليبحث عن الرُّواة.
و المُدرَج: كلامٌ يُذكَر عقب الحديث متَّصلًا يوهم أنَّه منه، أو يكون عنده متنان بإسنادَين، فيرويهما بأحدهما، كرواية سعيد ابن أبي مريم: «لا تَباغضوا ولا تَحاسدوا ولا تَدَابروا ولا تَنافسوا»، أَدرج ابن أبي مريم: «ولا تنافسوا» من متنٍ آخر، أو يسمع حديثًا
وإن كان فيه كراهةٌ فخفيفة جدًا، سيَّما من مثل الحسن ممَّن لا يَروي إلَّا حسنًا ولا يفعل إلَّا حسنًا.
فائدتان:
الأولى: يثبتُ التدليس بمرةٍ واحدة كما جزمَ به الشافعي إذ قال: من عُرِفَ بالتدليسِ مرةً لا يقبل منه ما يُقبل من أهل النصيحة في الصدق حتَّى يقول: حدَّثني أو سمعت.
الثانية: استدلَّ على أنَّ التدليسَ غير حرامٍ بما أخرجه ابن عديٍّ عن البراء قال: لم يكن فينا فارسٌ يوم بدر إلَّا المقداد، قال ابن عساكر: قوله: (فينا)؛ يعني: المسلمين؛ لأنَّ البراء لم يشهد بدرًا أفاده في «شرح التقريب».
أقول: ويستدل له أيضًا بقول أبي بكر لمن سأله عن النَّبيِّ ﷺ في طريق هجرتهما إلى المدينة وهو راكب معه: (هَذَا رَجُلٌ يَهْدِيْنِي الطَّرِيْقَ)، ويُستأنس له بقول إبراهيم ﵇ في سارة: هذه أختي، وغير ذلك.
قوله: (وَالْمُدْرَجُ) من الإدراج وهو الإدخال، سُمِّيَ بذلك لما فيه من إدخال كلام آخر فيه، والإدراج قسمان؛ لأنَّه إمَّا أن يكون في السند أو في المتن، والمُدرج في المتن ثلاثة أنواع، والمُدرج في السند أربعة، فالجملة سبعة كما ستعرفه.
قوله: (كَلَاْمٌ يُذْكَرُ)؛ أي: يذكرُهُ الرَّاوي للحديث سواء كان صحابيًا أو غيره وسواء كان ذلك الكلام لنفسه أو غيره لأجل تفسيرِ غريبٍ في الحديث كخبر الزهري عن عائشة: «كَانَ ﷺ يَتَحَنَّثُ فِيْ غَارِ حِرَاءٍ -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد»، فقوله: وهو التعبد … إلى آخره، مدرجٌ؛ تفسيرٌ للتحنث، أو لاستنباط ما فهمه بعض رواته كما في حديث بُسرة الآتي فإنَّ عروة فهم منه أنَّ سببَ النقض مظنَّة الشهوة فجعل حكم ما قَرُب من الذَكَر كذلك؛ لأنَّ ما قرب من الشيء يُعْطَى حكمه فقال: (أو أنثييه أو رُفْغَيْه).
قوله: (عَقِبَ الْحَدِيْثِ) كان الأولى أن يقول: يُذكر مع الحديث؛ ليعمَّ ما يُذكر في أوله أو وسطه أو آخره، كما سيذكر ذلك بقوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ المَتْنِ تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ … ) إلى آخره، ولعله أراد الأغلب.
وقوله: (مُتَّصِلًا)؛ أي: بالحديث من غير فصلٍ بين الحديث وذلك الكلام بذكر قائله مثلًا.
وقوله: (يُوْهِمُ أَنَّهُ مِنْهُ)؛ أي: يُوهم مَن لم يعرفْ حقيقةَ الحال أنَّه من الحديث وأنَّ الجميع مرفوعٌ.
وهذا تعريف للإدراج في المتن وهو ثلاثةُ أنواع كما أشرنا إليه، وأشار إلى الإدراج في السند بقوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ … ) إلى آخره، وتقدم أنَّه أربعة أنواع:
الأول: أن يكون متنان مُختلفي الإسناد عند راوٍ فيرويهما عنه راوٍ فيجعلهما جميعًا متنًا واحدًا، مقتصرًا على أحد السندين.
الثاني: أن يروي جماعةٌ الحديثَ بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو ويجعل الكلَّ إسنادًا واحدًا.
الثالث: أن يسوقَ المحدِّث الإسناد إلى منتهاه فيقطعه قاطعٌ عن ذكر متنه ويذكر كلامًا أجنبيًّا، فيظنُّ بعضُ من سمعه أن ذلك الكلامَ متنُ ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك.
الرابع: أن يكون متن عند راوٍ بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسناد آخر فيرويه عنه راوٍ تامًّا بالإسناد الأول ولا يذكر إسناد طرفه الثاني الذي فيه الزيادة.
وقد ذكر الشارح الأول بقوله: (أو يكون عنده متنان … ) إلى آخره، والثاني بقوله: (أو يسمع حديثًا من جماعة … ) إلى آخره، والثالث بقوله: (أو يسوق الإسناد … ) إلى آخره، وترك الرابع وكأنَّه لدخوله في الأول لما سنذكره من أنَّه يصدقُ على ذلك الطرف أنَّه متن آخر كما يصدق على جميع الأول أنَّه متن كذلك.
قوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ)؛ أي: مختلفين بإسنادين مختلفين كما هو ظاهرٌ.
وقوله: (فَيَرْوِيْهِمَا)؛ أي: جميعهما أو جميع أحدهما وبعض الآخر، فيدخل الرابع حينئذ في كلامه أيضًا.
قوله: (بِأَحَدِهِمَا)؛ أي: أحد السندين.
وقوله: (كَرِوَايَةِ سَعِيْد بن أَبِي مَرْيَم)؛ أي: عن مالك، عن الزهري، عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَاْ تَبَاغَضُوْا … » إلى آخره، فأدرجَ ابن أبي مريم، قوله: «وَلَاْ تَنَافَسُوْا» من متنٍ آخر، وهو ما رواه مالك أيضًا، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ولفظه: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث، ولَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَاْ تَحَاسَدُوْا» وكلا الحديثين متفقٌ عليه من طريق مالك، وليس في الأول «ولا تنافسوا» فهي مدرجةٌ من ابن أبي مريم.
وهذا المثالُ صالح للنوع الذي ذكره الشارح والرابع الذي زدناه؛ إذ كل من الحديثين متنٌ له إسناد خاص روى أحدهما كاملًا مع بعض الآخر ابنُ أبي مريم وصَيَّرَهُمَا بإسنادٍ واحدٍ وَهَمًا كما جزم به الخطيب، ويَصدق على تلك الزيادة أنَّها متن كما يصدق على جميع الحديث الأول أنَّه متن كذلك كما أفاده في «شرح التقريب».
قلت: يؤخذُ منه أنهم اعتبروا في الإدراج أن يكون ذلك الكلام المُدرج ليسَ من كلام النبوة وإلَّا فالمُتبادر أن يكون هذا من الإدراج في المتن مع أنهم عَدُّوْهُ من إدراجِ السند؛ نظرًا إلى ما فعله الراوي من عنده في الإسناد لا لما
стр. 37
من جماعةٍ مختلِفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم على الاتِّفاق، أو يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقول كلامًا من قِبَل نفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سمعه أنَّ ذلك الكلام من متن الحديث، فيرويه عنه كذلك.
ويكون في المتن؛ تارةً في أوَّله كحديث أبي هريرة: «أسبِغوا الوضوء، فإنَّ أبا القاسم ﷺ قال: ويلٌ للأعقاب من النَّار» [خ¦١٦٥]، فـ «أسبغوا» من قول أبي هريرة، والباقي مرفوعٌ، ويكون أيضًا في أثنائه، وفي آخره، وهو الأكثر؛ إلى آخره كحديث ابن مسعودٍ: «أنَّه ﷺ علَّمه التَّشهُّدَ في الصَّلاة، فقال: التَّحيَّات لله … » [خ¦٨٣١]
زادَ من كلام النبوَّة بذكره الحديث الثاني كلًّا أو بعضًا عقب الأول الذي هذا السند سندٌ له خاصة، كان كأنَّه أدرج سند الثاني في سند الأول فيكون إدراجًا ضمنيًا كذا ظهر، فتأمل.
قوله: (فِيْ إِسْنَادِهِ)؛ أي: كحديث عبد الله بن مسعود: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا … » الحديثَ. فإنَّ الأعمش ومنصور بن المعتمر روياه عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، عن ابن مسعود، ورواه واصل الأسدي، عن شقيق، عن ابن مسعود وأسقط عَمْرًا فجاء الثوري، ورواه عن واصل ومنصور والأعمش، عن شقيق، عن عمرو، عن ابن مسعود، فأدرج رواية واصل في رواية منصور والأعمش؛ لأنَّ واصلًا لم يذكر فيه عَمْرًا بل يجعله عن شقيق، عن ابن مسعود.
قوله: (أَوْ مَتْنِهِ) لفظُ المتن مُستدرك هنا وكأنَّه أشار به إلى القسم الرابع الذي ذكرنا أنَّه تركه إن لم يكن اعتمد على دخوله في الأول كما أومأنا إليه؛ وهو أن يكون المتن عنده بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فبآخر إلى آخر ما سبق، وقد تقدَّم ما يصلح مثالًا له.
وقوله: (بِاتِّفَاقٍ)؛ أي: في المتن أو السند ولا يبينُ ما اختلف فيه.
قوله: (مِنْ مَتْنِ الْحَدِيْثِ) الظاهرُ أن (من) زائدة وإلَّا كان من الإدراج في المتن الآتي.
قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ الْمَتْنِ) الضمير راجعٌ للأصل الذي هو الإدراج، وتقدم أنَّ أنواع إدراج المتن ثلاثةٌ وقد ذكرها الشارح بقوله (تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ … ) إلى آخره.
قوله: (كَحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَسْبِغُوْا … ) إلى آخره، الأولى بل الصواب التمثيل بما رواه شَبَابةُ وغيره، عن شُعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ»، فإنَّ هذه الرواية فيها رفعُ الجملتين مع أنَّ الأولى من كلام أبي هريرة كما بيَّنه جمهور الرواة عن شعبة، كما في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ فإن أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قال … ) إلى آخره، ما ذكره الشارح، فرواية الشارح مبيِّنَةٌ للرواية التي ذكرناها، وهي التي فيها الإدراج، وهذه لا إدراج فيها؛ لتصريح محمد بأنَّ الجملة الأولى من كلام أبي هريرة، بل أفادَ أبو هريرة نفسه أنَّها من كلامه إذ علَّلَها بقوله: (فإنَّ أبا القاسم … ) إلى آخره، وشرط المدرج الإيهام، ولا إيهام مع التصريح، على أنَّ قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا … ) إلى آخره، قد ثبت في الصحيحين مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعليه فلا يكون من الإدراج في شيء، ولذا مثَّلَ في «شرح التقريب» لذلك بما رواه الدَّارقطني في «السنن» من رواية هشام، عن عروة، عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ رفْغَيْهِ أو أُنْثَيَيْهِ أو ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والرّفغان بفتح الراء وضمها: تثنية رفغ بالغين المعجمة أصل الفخذة، قال: قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد، عن هشام، وَوَهَمَ في ذِكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه لذلك في حديث بُسرة، والمحفوظ أنَّ ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام كحماد ابن زيد بلفظ «من مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال: وكان عروة يقول: «إذا مسَّ رفْغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ»، فعُروة فَهِم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنَّةُ الشهوةِ فجعل حُكم ما قرب من الذَكَر كذلك فقال ذلك، فظنَّ بعضُ الرواة أنَّه مِن وَصْلِ الخبر فنقله مُدرجًا فيه، وفَهِم الآخرون حقيقة الحال ففَصَلوه. انتهى.
قوله: (وَيَكُوْنُ أَيْضًا فِيْ أَثْنَائِهِ) تركَ التمثيل له، ومن أمثلته حديث عائشة في بدء الوحي وهو قول الزهري فيه: (وهو التعبد الليالي … ) إلى آخره، وقد قدمناه لك آنفًا.
قوله: (وَهُوَ الْأَكْثَرُ)؛ أي: من وقوعه أوله أو أثناءه، وفي الأثناء قليلٌ بالنسبة للمدرج في الآخر، كثيرٌ بالنسبة للمدرج في الأول، فإنَّه في الأول نادر جدًا حتى قال الحافظ ابن حجر: لم يوجد منه غير خبر «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ … » إلى آخره إلَّا ما وقع في بعضِ طُرقِ خبر بُسرة المارِّ عندَ الطبراني بلفظ «مَنْ مَسَّ رُفْغَيْهِ … » إلى آخره.
تنبيهان:
الأول: يُعرف الإدراجُ بورودهِ مُفَصَّلًا في رواية أخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي وبعض الأئمة المطَّلعين كما يُعلم مما سبق، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسيْ بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وأنا مَمْلُوكٌ»، فقوله: (والذي نفسي بيده … ) إلى آخره، مُدْرَجٌ من كلام أبي هريرة؛ لأنَّه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرِّقَّ، ولأنَّ أمه لم تكن إذ ذاك موجودةً حتى يَبَرَّهَا.
الثاني: لا يجوزُ تعمد الإدراج في متن أو سند لتضمنه عزو القول لغير قائله إلَّا ما كان لتفسير غريبٍ كما فعله الزهري وغيره من الأئمة، كذا ذكره أئمة الحديث، قلت: استثناء تفسير الغريب يقتضي أنَّه إذا كان الإدراج لفائدةٍ لا يضرُّ وحينئذ فيظهرُ قياس
стр. 38
إلخ … أدرج فيه أبو خَيْثَمَة زهير بن معاوية أحدُ رواته عن الحسن بن الحرِّ هنا كلامًا لابن مسعود، وهو: «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد».
والعالي خمسةٌ: المطلق؛ وهو القرب من رسول الله ﷺ بعددٍ قليلٍ، بالنِّسبة إلى سندٍ آخرَ يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعددٍ كثيرٍ، أو بالنِّسبة لمطلق الأسانيد.
والقرب من إمامٍ من أئمَّة الحديث ذي صفةٍ عاليةٍ؛ كالحفظ والضَّبط، كمالكٍ والشَّافعيِّ،
والقرب بالنِّسبة لرواية الشَّيخين وأصحاب السنن.
والعلوُّ بتقدُّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مع متأخِّر الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله.
والعلوُّ بتقدُّم السَّماع، فَمَنْ تقدَّم سماعه من شيخٍ أعلى ممَّن سمع من ذلك الشَّيخ نفسه بعده.
والنَّازل؛ كالعالي
ما يُدرجه الراوي المجتهد قياسًا على المذكور؛ كما تقدَّم في حديث: «مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ … » إلى آخره، فإنَّه وإن لم يصادف الحق ففضلًا عن كونه لا يُعاقب به، له فيه أجرٌ، فلينظر.
قوله: (أَبُوْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وفتح المثلثة، وقوله: (زُهَيْر) بدلٌ منه.
قوله: (ابْنُ الحُرِّ) بضم الحاء المهملة آخره راء مشددة.
قوله: (وَالْعَالِي)؛ أي: الحديث العالي، وعُلو الحديث بعلو سنده، وطلب العلو في السند؛ قال الإمام أحمد: سُنَّةٌ عَمَّن سلف؛ لأنَّ أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون
من عمر ويسمعون منه، قال الطوسي: قُرب الإسناد قربةٌ إلى الله تعالى، فأصلُ الإسناد سنة مؤكدة والعلو فيه سنةٌ أخرى، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء، كما قال ابن المبارك، وهو سلاحُ المؤمن، كما قاله الثوري.
فائدة: قال ابن حزم: نقلُ الثقة عن الثقة يبلغُ به النَّبيَّ ﷺ مع الاتصال فضيلة خصَّ الله بها هذه الأمة دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون من موسى قُربنا من محمد ﷺ ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلَّا تحريم الطلاق فقط، أما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص.
وقال أبو علي الجبائي: خصَّ الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها مَنْ قَبْلها: الإسناد والانتساب والإعراب، ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إِسْنَادُ الْحَدِيْثِ. انتهى.
قوله: (المُطْلَق)؛ أي: الذي لم يُقيدْ بإمامٍ أو كتابٍ، وهو أجلُّ الأنواعِ.
قوله: (بِعَدَدٍ قَلِيْلٍ)؛ أي: مع كونه نظيفًا صحيحًا، أما إذا كان مع ضعفٍ فلا التفات إلى عُلوه سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممَّن ادعى سماعًا من الصحابة، مثل خِراش ونُعيم بن سالم.
قلت: وقد وقع لي من هذا النوع الحديث المسلسل بالمُصافحة، فكان بيني وبين الرسول ﷺ فيه أربعة فقط، فحدَّثني به الشيخ الأجل السيد عمر بن سودة المهدي التاودي المغربي وهو مصافحٌ لي بملاصقة إبهام يده اليمنى لإبهام يدي وجعل السبابة والوسطى من يده بجانب إبهام يدي والخنصر والبنصر منه عند خنصري وبنصري والمعصم بين ذلك، قال: حدثني سيدي محمد السنوسي وهو مصافحٌ لي كذلك: حدَّثني سيدي محمد بن إدريس وهو مصافحٌ لي: حدَّثني الإمام الأكبر محيي الدين بن العربي وهو مصافح لي: حدثني رسول الله ﷺ وهو مصافح لي قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ وَلِأَخِيْ هَذَا وَأَدْخِلْنَا فِيْ رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ».
قال شيخنا المذكور: وكلا روايتي ابن إدريس عن ابن العربي وابن العربي عنه ﷺ بلا واسطة بطريق خَرْقِ العَادَةِ إذ لم يلتق ابن إدريس مع ابن العربي، ولا ابن العربي مع رسول الله ﷺ ، قال: ولا ضير في مثل ما يُؤخذ من ذلك بهذه الطرق للتَّبرك سيما من مقام الصديقية، وبهذا تجوز رواية الحديث عند أهل الصديقية من باب قوله ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ بِتَكَلُّم البَقَرَةِ وَالذِّئْبِ وحديثهما في الصحيح، «وقال الناس: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ وذِئْبٌ يَتَكَلَّمَانِ، قال: آمَنْتُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ». انتهى.
قوله: (يَرِدُ)؛ أي: يُرْوَى.
وقوله: (بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لهُ.
قوله: (كَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ)؛ أي: ونحوهما من الصفات المقتضيات للترجيح.
قوله: (كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ)؛ أي: والبخاري ومسلم ونحوهم مع الصحة أيضًا، وإن كَثُرَ العددُ إلى رسول الله ﷺ فهو علوٌّ نسبي مُقيَّد بإمامٍ ممَّن ذكر.
قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ)؛ أي: ونحوهما، والمرادُ رواية كتب أولئك المعتمدة وهي الكتب الستة، وهو علوٌّ نسبي أيضًا، إذ الراوي لو روى حديثًا من غير طريق كتاب منها كـ «جزء ابن عرفة» وقعَ أنزل ممَّا رواه من طريقِ كتابٍ منها كالترمذي.
قوله: (بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي)؛ أي: وإن تساويا في العدد فما يُروى عن ثلاثة، عن البيهقي مثلًا، عن الحاكم أعلى مما يُروى عن ثلاثة، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف، قال النووي: وأما عُلوه بتقدم وفاة شيخك لا مع التفاتٍ لشيخٍ آخر أو أمرٍ آخرَ فحدَّهُ ابن عُمير بِمُضي خمسينَ سنة تمضي من وفاة الشيخ وحدَّهُ ابنُ منده بمضيِّ ثلاثينَ.
قوله: (بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ) يدخلُ من هذا القسم كثيرٌ فيما قبله وبمنازعته بأن يسمعَ شخصان من شيخٍ وسماعُ أحدهما من ستينَ سنةً
стр. 39
بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية.
و المُسلسَل: ما ورد بحالةٍ واحدةٍ في الرُّواة أو الرِّواية، وأصحُّها
مثلًا والآخر من أربعين، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حقِّ من اختلط شيخه أو خَرِفَ وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه للأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصلَ له ذلك بعد.
قوله: (بِالْنِّسْبَةِ إِلَى ضِدِّ الْأَقْسَامِ … ) إلى آخره؛ أي: فهو خمسة أقسام أيضًا فإنَّ كل قسمٍ من أقسام العلو يُقابله قسمٌ من أقسام النزول كما قاله ابن الصلاح.
وهو بأقسامه مفضولٌ مرغوب عنه عند الجمهور وهو الصواب.
قال ابن المديني: النزولُ شُؤمٌ.
وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. انتهى.
وما حُكي من تفضيله احتجاجًا بأنَّ الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في متن الحديث وناقله وتعديله فيزداد الثواب فيه، مذهبٌ ضعيفٌ.
قال ابن دقيق العيد: لأنَّ كثرةَ المشقة ليست مطلوبة لنفسها ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى. انتهى.
ولا نظرَ لتأييد العراقي له بأنَّه بمثابةِ مَن يقصد المسجد لصلاة الجماعة فيسلك طريقًا بعيدًا لتكثير الخُطا وإن أدَّاهُ سُلوكها إلى فواتِ الجماعة التي هي المقصود، وذلك؛ لأنَّ المقصود من الحديث التوصل إلى صحته وبُعْدُ الوهم فيه، وكُلَّما كثُرت رجال الإسناد تطرَّقَ إليه الخطأُ والخللُ وكُلَّما قَصُرَ السَّندُ كان أسلم، اللهم إلَّا أن يكونَ الإسنادُ النازل مشتملًا على فائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلًا بالسماع وفي العالي إجازة أو مناولة أو تساهل بعض رواته في الحمل ونحو ذلك، فإنَّه حينئذ ليس بمذمومٍ ولا مفضول بل محمود فاضل كما صرَّح به السِّلفي، وغيره قال: لأنَّ الأصلَ الأخذُ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، وقال ابن المبارك: ليس جودةُ الحديث قُرب الإسناد بل جودةُ الحديثِ صحةُ الإسناد. انتهى.
والنَّازِلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى، قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقُهُ بين أهل الحديث، وإنَّما هو العلو من حيث المعنى، وقال شيخ الإسلام: لابن حبان تفصيل حسن وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى وإن كان للمتن فالفقهاء أولى.
قوله: (وَالْمُسَلْسَلُ) هو نوعٌ مهمٌ، قال ابن الصلاح: من فضيلته اشتماله على مزيدِ الضَّبط من الرواة.
وخيرُ المُسلسلات ما كانَ فيه دلالةٌ على اتصال السماع وعدم التدليس كحدثني أو سمعت، ثم قال: ولكن قَلَّمَا يسلمُ المسلسلُ من ضعفٍ يحصلُ في وصف المتسلسل لا في أصل الحديث.
وهو سبعة أقسام، ثلاثة متعلقة بالرواة، وأربعة بالرواية كما ستعرفه.
قوله: (مَا وَرَدَ بِحَالٍ وَاحِدَةٍ)؛ أي: ما تواردت فيه الرواية والرواةُ على وصفٍ واحدٍ لهم، مأخوذ من التسلسل، وهو التتابع، فهو عبارةٌ عن تتابع رواية الحديث أو رِجَالِهِ على حالةٍ واحدةٍ ووصفٍ واحدٍ، وتتابع الرواة على وصفٍ أعمُّ مِن أن يكون قوليًّا فقط أو فعليًّا فقط أو هما معًا؛ فأصناف هذا النوع ثلاثة:
مثال الأول: الحديث المسلسل بقوله ﷺ لمعاذ ﵁: «يا مُعَاذُ إنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ في دُبُرِ كل صَلَاةٍ: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» فإنَّهُ مسلسلٌ بقولِ كُلٍّ من الرواة لمن يرويه عنه: وأَنَا أُحِبُّكَ فقل … إلى آخره.
ومثال الثاني: في الحديث المُسلسل بالمصافحة، وقد أسلفناهُ لكَ بروايتنا إيَّاهُ عن شيخنا المهدي الفاسي، ومثالهما معًا الحديث المسلسل بِقَبْضِ الْلِّحْيَةِ وَقَوْلِ «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وهو قوله ﷺ لأنس ﵁: «لَاْ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاْوَةَ الْإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ» فإنَّهُ ﷺ بعد أن قَالَهُ لأنس قبضَ على لحيته الشريفة وقال: «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وكذلك أنس يفعل هكذا بعد روايته للغير، ومن روى عنه كذلك، وهَلُمَّ جَرًّا.
ومن المسلسل بالصفة الفعلية المُسلسل بالقُرَّاءِ والحُفاظ والفقهاء والمحدثين وحدَّثني قائمًا أو متبسمًا، أو نحو ذلك.
قوله: (أَوْ الْرِوَايَة)؛ أي: أو وردَ بحالٍ واحدٍ في الرواية بأنْ تواردت فيه الرواية على وصفٍ واحد وذلك الوصف إما صيغة من صيغ الأداء أو أمر متعلق بزمنِ الرواية أو مكانها أو تاريخها، فأصنافُ هذا النوع أربعة:
مثال الأول: أن يروي جميع الرواة الحديث بصيغة: أنبأني أو حدَّثني أو نحو ذلك من طرق الرواية، فلمَّا اتَّحد ما وقعَ للرواةِ من السَّماع ونحوه صار الحديث مسلسلًا باعتبار هذا الاتحاد فكلُّ راوٍ يرويه بصيغةٍ ترجعُ إلى صفة التحمل.
ومثال الثاني: المسلسل بقصِّ الأظفار يوم الخميس، وهو أنَّه ﷺ قال: « … وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيْسِ، وَالْغُسْلُ وَالْطِّيْبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ»، فقصُّ الأظفارِ وما بعده وإن كان وصفًا فعليًّا للراوي إلَّا أنَّه لما أضيف إلى زمن الرِّواية عُدَّ من الأوصاف
стр. 40
قراءة سورة الصَّفِّ.
و الغريب: ما انفرد راوٍ بروايته، أو برواية زيادةٍ
المتعلقة بها فيجب على كل راوٍ أن يُضيفه إلى زمانها.
ومثال الثالث: الحديثُ المسلسلُ بإجابةِ الدُّعاءِ في المُلتَزَم، فإجابة الدعاء وإن كانت وصفًا له تعالى إلَّا أنَّها متعلقة بمكان الرواية من حيث إنَّ الُمراد إجابة دعاءٍ واقعٍ في المُلتَزَم لا مطلقًا، فيلزم كل راوٍ أن يقيد بما ذكر.
ومثال الرابع: الحديث المسلسل بالآخرية ككون الراوي آخرَ من روى عن شيخه فيقول: (أخبرنا فلان وأنا آخر من روى عنه)، فقوله: (وأنا آخر … ) إلى آخره، وإن كان وصفًا مُتعلقًا بالراوي إلَّا أنَّه لَمَّا تعلَّقَ بتاريخِ الروايةِ عُدَّ من الأوصاف المتعلقة بها وكأنه يقول: روايتي وقعت في آخر أزمنة الرواية عنه، ولا يذهب عنك أن المراد بالوصف المتعلق بالتاريخ وصفٌ مخصوصٌ كالآخرية، فلا يقال إنَّ هذا متعلقٌ بزمنِ الرواية فهو تكرارٌ، ومن هذا القسم الحديث المسلسل بالأَوَّلية بمعنى أن كل راوٍ إنَّما يرويه عَمَّنْ لمْ يسمعْ منه شيئًا قبله من الأحاديث كحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرض يَرْحَمْكُمْ من في السَّمَاءِ»، فيقول الراوي: سمعته من شيخي فلان وهو أول حديث سمعته منه ويقول شيخه كذلك وهكذا إلى تمام السلسلة، لكن التسلسل فيه ينتهي إلى سفيان بن عيينة، وانقطعت فيمن فوقه، فانقطعت في سماع ابن عيينة من عمرو بن دينار، وفي سماع عمرو من أبي قابوس وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سماع عبد الله من النَّبيِّ ﷺ .
قلت: وقد رويتُهُ عن عِدَّةِ أشياخ أجلُّهُم سيدي الشيخ عمر بن سودة الفاسي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا به الشريف سيدي عبد السلام الآزمي الفاسي، عن ابن الطالب التاودي المري: حدثنا أحمد بن مبارك صاحب الإبريز: حدثنا سيدي حسن اليوسي: حدثنا العلامة الزرقاني صاحب التآليف الشهيرة، عن العلامة الأجهوري بسنده المتصل إلى [عبد الله بن] عمرو بن العاص، وذكره ثم قال فيه: «يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ﵎»، وقال: رويناه بالرفع والجزم، ويشهدُ لرواية الجزم أحاديث كقوله: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله من عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»، وحديث: «مِنْ لَاْ يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». انتهى.
قوله: (قِرَاءَةُ سُوْرَةِ الصَّفِ)؛ أي: مُسلسل قراءةِ سورة الصَّفِ؛ وهو ما رواه عبد الله بن سلام قال: «قَعَدْنَا نَفَرًا من أَصْحَابِ رسول اللهِ ﷺ فَتَذَاكَرْنَا، فَقُلْنَا: لو نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعَالَى لَعَمِلْنَاهُ؟ فَأَنْزَلَ الله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١ - ٢]، قال عبد الله بن سلام: قَرَأَهَا عَلَيْنَا رسول اللَّهِ ﷺ هكذا، قَالَ أَبُوْ سَلَمَةَ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بن سَلَامٍ ﵁ هكذا، قال يحيى: وقَرَأَهَا عَلَيْنَا أبو سَلَمَةَ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى». انتهى.
قوله: (وَالْغَرِيْب … ) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لانفراد راويهِ عن غيره، كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه.
قوله: (مَا انْفَرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ)؛ أي: بأنْ رواهُ هُوَ وحده كُلًّا أو بعضًا، كما سيذكره الشارح، وقد قَسَمَ ابن سيد الناس الغريب إلى خمسة أقسام: غريبٌ سندًا ومتنًا، وسندًا لا متنًا، ومتنًا لا سندًا، وغريب بعض السند، وغريب بعض المتن.
فالأول: كحديث النهي عن «بَيْعِ الْوَلَاْءِ وَهِبَتِهِ» فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر.
الثاني: حديث رواه عبد المجيد [بن أبي] رواد، عن مالك ﵁، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الْأَعْمَالُ بِالْنِّيَّةَ»، قال في «الإرشاد»: فقد أخطأ فيه عبد المجيد؛ لأنَّه غير محفوظ عن زيد بن أسلم، قال أبو الفتح اليعمري: هو إسنادٌ غريبٌ كله والمتن صحيح، وفي مثل ذلك يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه.
والثالث: وفيه قال ابن الصلاح: لا يوجد أبدًا ما هو غريب متنًا لا سندًا إلَّا إذا اشتهر الحديث الفردُ عمن انفرد به؛ -أي: شهرة مطلقةً- بأن رواه عنه عدد كثير فإنَّه يصير غريبًا مشهورًا؛ -أي: غريبًا متنًا لا سندًا- لكن بالنظر إلى أحد طرفي السند فإن سنده غريب في طرفه الأول، مشهور في طرفه الأخير، كحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّ الشُّهرة إنَّما طرأت له من عند يحيى بن سعيد، فقول ابن الصلاح: لا يوجد؛ أي: خارجًا وإن اقتضته القسمة العقلية، كما مرَّ عن ابن سيد الناس.
الرابع: حديث: «أم زَرْعٍ» المشهور، فإنَّ المحفوظ فيه ما رواه ابن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن أبيهما عن عائشة، ورواه الطبراني من حديث الدراوردي، عن هشام، عن أبيه بدون توسط أخيه. قال أبو الفتح: فهذه غرابةٌ تخص موضعًا من السند، والحديث صحيح.
الخامس: كحديث زكاة الفطر، وهو: «فرض رسول الله ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ من رَمَضَانَ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ، على الْعَبْدِ والْحُرِّ والذَكَرِ