← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30014

نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني - ط الميمنية

عبد الهادي نجا الأبياري

Полный текст (120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ليبحث عن الرُّواة. و المُدرَج: كلامٌ يُذكَر عقب الحديث متَّصلًا يوهم أنَّه منه، أو يكون عنده متنان بإسنادَين، فيرويهما بأحدهما، كرواية سعيد ابن أبي مريم: «لا تَباغضوا ولا تَحاسدوا ولا تَدَابروا ولا تَنافسوا»، أَدرج ابن أبي مريم: «ولا تنافسوا» من متنٍ آخر، أو يسمع حديثًا وإن كان فيه كراهةٌ فخفيفة جدًا، سيَّما من مثل الحسن ممَّن لا يَروي إلَّا حسنًا ولا يفعل إلَّا حسنًا. فائدتان: الأولى: يثبتُ التدليس بمرةٍ واحدة كما جزمَ به الشافعي إذ قال: من عُرِفَ بالتدليسِ مرةً لا يقبل منه ما يُقبل من أهل النصيحة في الصدق حتَّى يقول: حدَّثني أو سمعت. الثانية: استدلَّ على أنَّ التدليسَ غير حرامٍ بما أخرجه ابن عديٍّ عن البراء قال: لم يكن فينا فارسٌ يوم بدر إلَّا المقداد، قال ابن عساكر: قوله: (فينا)؛ يعني: المسلمين؛ لأنَّ البراء لم يشهد بدرًا أفاده في «شرح التقريب». أقول: ويستدل له أيضًا بقول أبي بكر لمن سأله عن النَّبيِّ ﷺ في طريق هجرتهما إلى المدينة وهو راكب معه: (هَذَا رَجُلٌ يَهْدِيْنِي الطَّرِيْقَ)، ويُستأنس له بقول إبراهيم ﵇ في سارة: هذه أختي، وغير ذلك. قوله: (وَالْمُدْرَجُ) من الإدراج وهو الإدخال، سُمِّيَ بذلك لما فيه من إدخال كلام آخر فيه، والإدراج قسمان؛ لأنَّه إمَّا أن يكون في السند أو في المتن، والمُدرج في المتن ثلاثة أنواع، والمُدرج في السند أربعة، فالجملة سبعة كما ستعرفه. قوله: (كَلَاْمٌ يُذْكَرُ)؛ أي: يذكرُهُ الرَّاوي للحديث سواء كان صحابيًا أو غيره وسواء كان ذلك الكلام لنفسه أو غيره لأجل تفسيرِ غريبٍ في الحديث كخبر الزهري عن عائشة: «كَانَ ﷺ يَتَحَنَّثُ فِيْ غَارِ حِرَاءٍ -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد»، فقوله: وهو التعبد … إلى آخره، مدرجٌ؛ تفسيرٌ للتحنث، أو لاستنباط ما فهمه بعض رواته كما في حديث بُسرة الآتي فإنَّ عروة فهم منه أنَّ سببَ النقض مظنَّة الشهوة فجعل حكم ما قَرُب من الذَكَر كذلك؛ لأنَّ ما قرب من الشيء يُعْطَى حكمه فقال: (أو أنثييه أو رُفْغَيْه). قوله: (عَقِبَ الْحَدِيْثِ) كان الأولى أن يقول: يُذكر مع الحديث؛ ليعمَّ ما يُذكر في أوله أو وسطه أو آخره، كما سيذكر ذلك بقوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ المَتْنِ تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ … ) إلى آخره، ولعله أراد الأغلب. وقوله: (مُتَّصِلًا)؛ أي: بالحديث من غير فصلٍ بين الحديث وذلك الكلام بذكر قائله مثلًا. وقوله: (يُوْهِمُ أَنَّهُ مِنْهُ)؛ أي: يُوهم مَن لم يعرفْ حقيقةَ الحال أنَّه من الحديث وأنَّ الجميع مرفوعٌ. وهذا تعريف للإدراج في المتن وهو ثلاثةُ أنواع كما أشرنا إليه، وأشار إلى الإدراج في السند بقوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ … ) إلى آخره، وتقدم أنَّه أربعة أنواع: الأول: أن يكون متنان مُختلفي الإسناد عند راوٍ فيرويهما عنه راوٍ فيجعلهما جميعًا متنًا واحدًا، مقتصرًا على أحد السندين. الثاني: أن يروي جماعةٌ الحديثَ بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم راو ويجعل الكلَّ إسنادًا واحدًا. الثالث: أن يسوقَ المحدِّث الإسناد إلى منتهاه فيقطعه قاطعٌ عن ذكر متنه ويذكر كلامًا أجنبيًّا، فيظنُّ بعضُ من سمعه أن ذلك الكلامَ متنُ ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك. الرابع: أن يكون متن عند راوٍ بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فإنَّه عنده بإسناد آخر فيرويه عنه راوٍ تامًّا بالإسناد الأول ولا يذكر إسناد طرفه الثاني الذي فيه الزيادة. وقد ذكر الشارح الأول بقوله: (أو يكون عنده متنان … ) إلى آخره، والثاني بقوله: (أو يسمع حديثًا من جماعة … ) إلى آخره، والثالث بقوله: (أو يسوق الإسناد … ) إلى آخره، وترك الرابع وكأنَّه لدخوله في الأول لما سنذكره من أنَّه يصدقُ على ذلك الطرف أنَّه متن آخر كما يصدق على جميع الأول أنَّه متن كذلك. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ عِنْدَهُ مَتْنَانِ)؛ أي: مختلفين بإسنادين مختلفين كما هو ظاهرٌ. وقوله: (فَيَرْوِيْهِمَا)؛ أي: جميعهما أو جميع أحدهما وبعض الآخر، فيدخل الرابع حينئذ في كلامه أيضًا. قوله: (بِأَحَدِهِمَا)؛ أي: أحد السندين. وقوله: (كَرِوَايَةِ سَعِيْد بن أَبِي مَرْيَم)؛ أي: عن مالك، عن الزهري، عن أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَاْ تَبَاغَضُوْا … » إلى آخره، فأدرجَ ابن أبي مريم، قوله: «وَلَاْ تَنَافَسُوْا» من متنٍ آخر، وهو ما رواه مالك أيضًا، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ولفظه: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فإن الظَّنَّ أَكْذَبُ الحديث، ولَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَاْ تَحَاسَدُوْا» وكلا الحديثين متفقٌ عليه من طريق مالك، وليس في الأول «ولا تنافسوا» فهي مدرجةٌ من ابن أبي مريم. وهذا المثالُ صالح للنوع الذي ذكره الشارح والرابع الذي زدناه؛ إذ كل من الحديثين متنٌ له إسناد خاص روى أحدهما كاملًا مع بعض الآخر ابنُ أبي مريم وصَيَّرَهُمَا بإسنادٍ واحدٍ وَهَمًا كما جزم به الخطيب، ويَصدق على تلك الزيادة أنَّها متن كما يصدق على جميع الحديث الأول أنَّه متن كذلك كما أفاده في «شرح التقريب». قلت: يؤخذُ منه أنهم اعتبروا في الإدراج أن يكون ذلك الكلام المُدرج ليسَ من كلام النبوة وإلَّا فالمُتبادر أن يكون هذا من الإدراج في المتن مع أنهم عَدُّوْهُ من إدراجِ السند؛ نظرًا إلى ما فعله الراوي من عنده في الإسناد لا لما

стр. 37

من جماعةٍ مختلِفين في إسناده أو متنه، فيرويه عنهم على الاتِّفاق، أو يسوق الإسناد، فيعرض له عارضٌ، فيقول كلامًا من قِبَل نفسه، فيظنُّ بعضُ مَن سمعه أنَّ ذلك الكلام من متن الحديث، فيرويه عنه كذلك. ويكون في المتن؛ تارةً في أوَّله كحديث أبي هريرة: «أسبِغوا الوضوء، فإنَّ أبا القاسم ﷺ قال: ويلٌ للأعقاب من النَّار» [خ¦١٦٥]، فـ «أسبغوا» من قول أبي هريرة، والباقي مرفوعٌ، ويكون أيضًا في أثنائه، وفي آخره، وهو الأكثر؛ إلى آخره كحديث ابن مسعودٍ: «أنَّه ﷺ علَّمه التَّشهُّدَ في الصَّلاة، فقال: التَّحيَّات لله … » [خ¦٨٣١] زادَ من كلام النبوَّة بذكره الحديث الثاني كلًّا أو بعضًا عقب الأول الذي هذا السند سندٌ له خاصة، كان كأنَّه أدرج سند الثاني في سند الأول فيكون إدراجًا ضمنيًا كذا ظهر، فتأمل. قوله: (فِيْ إِسْنَادِهِ)؛ أي: كحديث عبد الله بن مسعود: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا … » الحديثَ. فإنَّ الأعمش ومنصور بن المعتمر روياه عن شقيق، عن عمرو بن شُرحبيل، عن ابن مسعود، ورواه واصل الأسدي، عن شقيق، عن ابن مسعود وأسقط عَمْرًا فجاء الثوري، ورواه عن واصل ومنصور والأعمش، عن شقيق، عن عمرو، عن ابن مسعود، فأدرج رواية واصل في رواية منصور والأعمش؛ لأنَّ واصلًا لم يذكر فيه عَمْرًا بل يجعله عن شقيق، عن ابن مسعود. قوله: (أَوْ مَتْنِهِ) لفظُ المتن مُستدرك هنا وكأنَّه أشار به إلى القسم الرابع الذي ذكرنا أنَّه تركه إن لم يكن اعتمد على دخوله في الأول كما أومأنا إليه؛ وهو أن يكون المتن عنده بإسنادٍ إلَّا طرفًا منه فبآخر إلى آخر ما سبق، وقد تقدَّم ما يصلح مثالًا له. وقوله: (بِاتِّفَاقٍ)؛ أي: في المتن أو السند ولا يبينُ ما اختلف فيه. قوله: (مِنْ مَتْنِ الْحَدِيْثِ) الظاهرُ أن (من) زائدة وإلَّا كان من الإدراج في المتن الآتي. قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ الْمَتْنِ) الضمير راجعٌ للأصل الذي هو الإدراج، وتقدم أنَّ أنواع إدراج المتن ثلاثةٌ وقد ذكرها الشارح بقوله (تَارَةً فِيْ أَوَّلِهِ … ) إلى آخره. قوله: (كَحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَسْبِغُوْا … ) إلى آخره، الأولى بل الصواب التمثيل بما رواه شَبَابةُ وغيره، عن شُعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ من النَّارِ»، فإنَّ هذه الرواية فيها رفعُ الجملتين مع أنَّ الأولى من كلام أبي هريرة كما بيَّنه جمهور الرواة عن شعبة، كما في رواية البخاري، عن آدم، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة قال: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ؛ فإن أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ قال … ) إلى آخره، ما ذكره الشارح، فرواية الشارح مبيِّنَةٌ للرواية التي ذكرناها، وهي التي فيها الإدراج، وهذه لا إدراج فيها؛ لتصريح محمد بأنَّ الجملة الأولى من كلام أبي هريرة، بل أفادَ أبو هريرة نفسه أنَّها من كلامه إذ علَّلَها بقوله: (فإنَّ أبا القاسم … ) إلى آخره، وشرط المدرج الإيهام، ولا إيهام مع التصريح، على أنَّ قول أبي هريرة: (أَسْبِغُوا … ) إلى آخره، قد ثبت في الصحيحين مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعليه فلا يكون من الإدراج في شيء، ولذا مثَّلَ في «شرح التقريب» لذلك بما رواه الدَّارقطني في «السنن» من رواية هشام، عن عروة، عن بُسرة بنت صفوان قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ مَسَّ رفْغَيْهِ أو أُنْثَيَيْهِ أو ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والرّفغان بفتح الراء وضمها: تثنية رفغ بالغين المعجمة أصل الفخذة، قال: قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد، عن هشام، وَوَهَمَ في ذِكر الأنثيين والرفغ، وإدراجه لذلك في حديث بُسرة، والمحفوظ أنَّ ذلك قول عروة، وكذا رواه الثقات عن هشام كحماد ابن زيد بلفظ «من مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، قال: وكان عروة يقول: «إذا مسَّ رفْغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ»، فعُروة فَهِم من لفظ الخبر أن سبب نقض الوضوء مظنَّةُ الشهوةِ فجعل حُكم ما قرب من الذَكَر كذلك فقال ذلك، فظنَّ بعضُ الرواة أنَّه مِن وَصْلِ الخبر فنقله مُدرجًا فيه، وفَهِم الآخرون حقيقة الحال ففَصَلوه. انتهى. قوله: (وَيَكُوْنُ أَيْضًا فِيْ أَثْنَائِهِ) تركَ التمثيل له، ومن أمثلته حديث عائشة في بدء الوحي وهو قول الزهري فيه: (وهو التعبد الليالي … ) إلى آخره، وقد قدمناه لك آنفًا. قوله: (وَهُوَ الْأَكْثَرُ)؛ أي: من وقوعه أوله أو أثناءه، وفي الأثناء قليلٌ بالنسبة للمدرج في الآخر، كثيرٌ بالنسبة للمدرج في الأول، فإنَّه في الأول نادر جدًا حتى قال الحافظ ابن حجر: لم يوجد منه غير خبر «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ … » إلى آخره إلَّا ما وقع في بعضِ طُرقِ خبر بُسرة المارِّ عندَ الطبراني بلفظ «مَنْ مَسَّ رُفْغَيْهِ … » إلى آخره. تنبيهان: الأول: يُعرف الإدراجُ بورودهِ مُفَصَّلًا في رواية أخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي وبعض الأئمة المطَّلعين كما يُعلم مما سبق، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك كما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ، وَالَّذِي نَفْسيْ بِيَدِهِ لَوْلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وأنا مَمْلُوكٌ»، فقوله: (والذي نفسي بيده … ) إلى آخره، مُدْرَجٌ من كلام أبي هريرة؛ لأنَّه يمتنع منه ﷺ أن يتمنى الرِّقَّ، ولأنَّ أمه لم تكن إذ ذاك موجودةً حتى يَبَرَّهَا. الثاني: لا يجوزُ تعمد الإدراج في متن أو سند لتضمنه عزو القول لغير قائله إلَّا ما كان لتفسير غريبٍ كما فعله الزهري وغيره من الأئمة، كذا ذكره أئمة الحديث، قلت: استثناء تفسير الغريب يقتضي أنَّه إذا كان الإدراج لفائدةٍ لا يضرُّ وحينئذ فيظهرُ قياس

стр. 38

إلخ … أدرج فيه أبو خَيْثَمَة زهير بن معاوية أحدُ رواته عن الحسن بن الحرِّ هنا كلامًا لابن مسعود، وهو: «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». والعالي خمسةٌ: المطلق؛ وهو القرب من رسول الله ﷺ بعددٍ قليلٍ، بالنِّسبة إلى سندٍ آخرَ يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعددٍ كثيرٍ، أو بالنِّسبة لمطلق الأسانيد. والقرب من إمامٍ من أئمَّة الحديث ذي صفةٍ عاليةٍ؛ كالحفظ والضَّبط، كمالكٍ والشَّافعيِّ، والقرب بالنِّسبة لرواية الشَّيخين وأصحاب السنن. والعلوُّ بتقدُّم وفاة الرَّاوي، سواء كان سماعه مع متأخِّر الوفاة في آنٍ واحدٍ أو قبله. والعلوُّ بتقدُّم السَّماع، فَمَنْ تقدَّم سماعه من شيخٍ أعلى ممَّن سمع من ذلك الشَّيخ نفسه بعده. والنَّازل؛ كالعالي ما يُدرجه الراوي المجتهد قياسًا على المذكور؛ كما تقدَّم في حديث: «مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ … » إلى آخره، فإنَّه وإن لم يصادف الحق ففضلًا عن كونه لا يُعاقب به، له فيه أجرٌ، فلينظر. قوله: (أَبُوْ خَيْثَمَةَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وفتح المثلثة، وقوله: (زُهَيْر) بدلٌ منه. قوله: (ابْنُ الحُرِّ) بضم الحاء المهملة آخره راء مشددة. قوله: (وَالْعَالِي)؛ أي: الحديث العالي، وعُلو الحديث بعلو سنده، وطلب العلو في السند؛ قال الإمام أحمد: سُنَّةٌ عَمَّن سلف؛ لأنَّ أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه، قال الطوسي: قُرب الإسناد قربةٌ إلى الله تعالى، فأصلُ الإسناد سنة مؤكدة والعلو فيه سنةٌ أخرى، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء، كما قال ابن المبارك، وهو سلاحُ المؤمن، كما قاله الثوري. فائدة: قال ابن حزم: نقلُ الثقة عن الثقة يبلغُ به النَّبيَّ ﷺ مع الاتصال فضيلة خصَّ الله بها هذه الأمة دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون من موسى قُربنا من محمد ﷺ ، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلَّا تحريم الطلاق فقط، أما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، قال: وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلًا ولا تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص. وقال أبو علي الجبائي: خصَّ الله هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يُعطها مَنْ قَبْلها: الإسناد والانتساب والإعراب، ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إِسْنَادُ الْحَدِيْثِ. انتهى. قوله: (المُطْلَق)؛ أي: الذي لم يُقيدْ بإمامٍ أو كتابٍ، وهو أجلُّ الأنواعِ. قوله: (بِعَدَدٍ قَلِيْلٍ)؛ أي: مع كونه نظيفًا صحيحًا، أما إذا كان مع ضعفٍ فلا التفات إلى عُلوه سيما إن كان فيه بعض الكذابين المتأخرين ممَّن ادعى سماعًا من الصحابة، مثل خِراش ونُعيم بن سالم. قلت: وقد وقع لي من هذا النوع الحديث المسلسل بالمُصافحة، فكان بيني وبين الرسول ﷺ فيه أربعة فقط، فحدَّثني به الشيخ الأجل السيد عمر بن سودة المهدي التاودي المغربي وهو مصافحٌ لي بملاصقة إبهام يده اليمنى لإبهام يدي وجعل السبابة والوسطى من يده بجانب إبهام يدي والخنصر والبنصر منه عند خنصري وبنصري والمعصم بين ذلك، قال: حدثني سيدي محمد السنوسي وهو مصافحٌ لي كذلك: حدَّثني سيدي محمد بن إدريس وهو مصافحٌ لي: حدَّثني الإمام الأكبر محيي الدين بن العربي وهو مصافح لي: حدثني رسول الله ﷺ وهو مصافح لي قال: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيْ وَلِأَخِيْ هَذَا وَأَدْخِلْنَا فِيْ رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ». قال شيخنا المذكور: وكلا روايتي ابن إدريس عن ابن العربي وابن العربي عنه ﷺ بلا واسطة بطريق خَرْقِ العَادَةِ إذ لم يلتق ابن إدريس مع ابن العربي، ولا ابن العربي مع رسول الله ﷺ ، قال: ولا ضير في مثل ما يُؤخذ من ذلك بهذه الطرق للتَّبرك سيما من مقام الصديقية، وبهذا تجوز رواية الحديث عند أهل الصديقية من باب قوله ﷺ لَمَّا أَخْبَرَ بِتَكَلُّم البَقَرَةِ وَالذِّئْبِ وحديثهما في الصحيح، «وقال الناس: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ وذِئْبٌ يَتَكَلَّمَانِ، قال: آمَنْتُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ». انتهى. قوله: (يَرِدُ)؛ أي: يُرْوَى. وقوله: (بِذَلِكَ الْحَدِيْثِ)؛ أي: لهُ. قوله: (كَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ)؛ أي: ونحوهما من الصفات المقتضيات للترجيح. قوله: (كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ)؛ أي: والبخاري ومسلم ونحوهم مع الصحة أيضًا، وإن كَثُرَ العددُ إلى رسول الله ﷺ فهو علوٌّ نسبي مُقيَّد بإمامٍ ممَّن ذكر. قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ)؛ أي: ونحوهما، والمرادُ رواية كتب أولئك المعتمدة وهي الكتب الستة، وهو علوٌّ نسبي أيضًا، إذ الراوي لو روى حديثًا من غير طريق كتاب منها كـ «جزء ابن عرفة» وقعَ أنزل ممَّا رواه من طريقِ كتابٍ منها كالترمذي. قوله: (بِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الرَّاوِي)؛ أي: وإن تساويا في العدد فما يُروى عن ثلاثة، عن البيهقي مثلًا، عن الحاكم أعلى مما يُروى عن ثلاثة، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم لتقدم وفاة البيهقي على ابن خلف، قال النووي: وأما عُلوه بتقدم وفاة شيخك لا مع التفاتٍ لشيخٍ آخر أو أمرٍ آخرَ فحدَّهُ ابن عُمير بِمُضي خمسينَ سنة تمضي من وفاة الشيخ وحدَّهُ ابنُ منده بمضيِّ ثلاثينَ. قوله: (بِتَقَدُّمِ السَّمَاعِ) يدخلُ من هذا القسم كثيرٌ فيما قبله وبمنازعته بأن يسمعَ شخصان من شيخٍ وسماعُ أحدهما من ستينَ سنةً

стр. 39

بالنِّسبة إلى ضدِّ الأقسام العالية. و المُسلسَل: ما ورد بحالةٍ واحدةٍ في الرُّواة أو الرِّواية، وأصحُّها مثلًا والآخر من أربعين، وتساوى العدد إليهما، فالأول أعلى من الثاني، ويتأكد ذلك في حقِّ من اختلط شيخه أو خَرِفَ وربما كان المتأخر أرجح بأن يكون تحديثه للأول قبل أن يبلغ درجة الإتقان والضبط ثم حصلَ له ذلك بعد. قوله: (بِالْنِّسْبَةِ إِلَى ضِدِّ الْأَقْسَامِ … ) إلى آخره؛ أي: فهو خمسة أقسام أيضًا فإنَّ كل قسمٍ من أقسام العلو يُقابله قسمٌ من أقسام النزول كما قاله ابن الصلاح. وهو بأقسامه مفضولٌ مرغوب عنه عند الجمهور وهو الصواب. قال ابن المديني: النزولُ شُؤمٌ. وقال ابن معين: الإسناد النازل قرحة في الوجه. انتهى. وما حُكي من تفضيله احتجاجًا بأنَّ الإسناد كلما زاد عدده زاد الاجتهاد في متن الحديث وناقله وتعديله فيزداد الثواب فيه، مذهبٌ ضعيفٌ. قال ابن دقيق العيد: لأنَّ كثرةَ المشقة ليست مطلوبة لنفسها ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى. انتهى. ولا نظرَ لتأييد العراقي له بأنَّه بمثابةِ مَن يقصد المسجد لصلاة الجماعة فيسلك طريقًا بعيدًا لتكثير الخُطا وإن أدَّاهُ سُلوكها إلى فواتِ الجماعة التي هي المقصود، وذلك؛ لأنَّ المقصود من الحديث التوصل إلى صحته وبُعْدُ الوهم فيه، وكُلَّما كثُرت رجال الإسناد تطرَّقَ إليه الخطأُ والخللُ وكُلَّما قَصُرَ السَّندُ كان أسلم، اللهم إلَّا أن يكونَ الإسنادُ النازل مشتملًا على فائدة كزيادة الثقة في رجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه، أو كونه متصلًا بالسماع وفي العالي إجازة أو مناولة أو تساهل بعض رواته في الحمل ونحو ذلك، فإنَّه حينئذ ليس بمذمومٍ ولا مفضول بل محمود فاضل كما صرَّح به السِّلفي، وغيره قال: لأنَّ الأصلَ الأخذُ عن العلماء فنزولهم أولى من العلو عن الجهلة على مذهب المحققين من النقلة، وقال ابن المبارك: ليس جودةُ الحديث قُرب الإسناد بل جودةُ الحديثِ صحةُ الإسناد. انتهى. والنَّازِلُ حينئذٍ هو العالي في المعنى، قال ابن الصلاح: ليس هذا من قبيل العلو المتعارف إطلاقُهُ بين أهل الحديث، وإنَّما هو العلو من حيث المعنى، وقال شيخ الإسلام: لابن حبان تفصيل حسن وهو أن النظر إن كان للسند فالشيوخ أولى وإن كان للمتن فالفقهاء أولى. قوله: (وَالْمُسَلْسَلُ) هو نوعٌ مهمٌ، قال ابن الصلاح: من فضيلته اشتماله على مزيدِ الضَّبط من الرواة. وخيرُ المُسلسلات ما كانَ فيه دلالةٌ على اتصال السماع وعدم التدليس كحدثني أو سمعت، ثم قال: ولكن قَلَّمَا يسلمُ المسلسلُ من ضعفٍ يحصلُ في وصف المتسلسل لا في أصل الحديث. وهو سبعة أقسام، ثلاثة متعلقة بالرواة، وأربعة بالرواية كما ستعرفه. قوله: (مَا وَرَدَ بِحَالٍ وَاحِدَةٍ)؛ أي: ما تواردت فيه الرواية والرواةُ على وصفٍ واحدٍ لهم، مأخوذ من التسلسل، وهو التتابع، فهو عبارةٌ عن تتابع رواية الحديث أو رِجَالِهِ على حالةٍ واحدةٍ ووصفٍ واحدٍ، وتتابع الرواة على وصفٍ أعمُّ مِن أن يكون قوليًّا فقط أو فعليًّا فقط أو هما معًا؛ فأصناف هذا النوع ثلاثة: مثال الأول: الحديث المسلسل بقوله ﷺ لمعاذ ﵁: «يا مُعَاذُ إنِّي أُحِبُّكَ، فَقُلْ في دُبُرِ كل صَلَاةٍ: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» فإنَّهُ مسلسلٌ بقولِ كُلٍّ من الرواة لمن يرويه عنه: وأَنَا أُحِبُّكَ فقل … إلى آخره. ومثال الثاني: في الحديث المُسلسل بالمصافحة، وقد أسلفناهُ لكَ بروايتنا إيَّاهُ عن شيخنا المهدي الفاسي، ومثالهما معًا الحديث المسلسل بِقَبْضِ الْلِّحْيَةِ وَقَوْلِ «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وهو قوله ﷺ لأنس ﵁: «لَاْ يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاْوَةَ الْإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ» فإنَّهُ ﷺ بعد أن قَالَهُ لأنس قبضَ على لحيته الشريفة وقال: «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ … » إلى آخره، وكذلك أنس يفعل هكذا بعد روايته للغير، ومن روى عنه كذلك، وهَلُمَّ جَرًّا. ومن المسلسل بالصفة الفعلية المُسلسل بالقُرَّاءِ والحُفاظ والفقهاء والمحدثين وحدَّثني قائمًا أو متبسمًا، أو نحو ذلك. قوله: (أَوْ الْرِوَايَة)؛ أي: أو وردَ بحالٍ واحدٍ في الرواية بأنْ تواردت فيه الرواية على وصفٍ واحد وذلك الوصف إما صيغة من صيغ الأداء أو أمر متعلق بزمنِ الرواية أو مكانها أو تاريخها، فأصنافُ هذا النوع أربعة: مثال الأول: أن يروي جميع الرواة الحديث بصيغة: أنبأني أو حدَّثني أو نحو ذلك من طرق الرواية، فلمَّا اتَّحد ما وقعَ للرواةِ من السَّماع ونحوه صار الحديث مسلسلًا باعتبار هذا الاتحاد فكلُّ راوٍ يرويه بصيغةٍ ترجعُ إلى صفة التحمل. ومثال الثاني: المسلسل بقصِّ الأظفار يوم الخميس، وهو أنَّه ﷺ قال: « … وَقَصُّ الأَظْفَارِ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيْسِ، وَالْغُسْلُ وَالْطِّيْبُ وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ»، فقصُّ الأظفارِ وما بعده وإن كان وصفًا فعليًّا للراوي إلَّا أنَّه لما أضيف إلى زمن الرِّواية عُدَّ من الأوصاف

стр. 40

قراءة سورة الصَّفِّ. و الغريب: ما انفرد راوٍ بروايته، أو برواية زيادةٍ المتعلقة بها فيجب على كل راوٍ أن يُضيفه إلى زمانها. ومثال الثالث: الحديثُ المسلسلُ بإجابةِ الدُّعاءِ في المُلتَزَم، فإجابة الدعاء وإن كانت وصفًا له تعالى إلَّا أنَّها متعلقة بمكان الرواية من حيث إنَّ الُمراد إجابة دعاءٍ واقعٍ في المُلتَزَم لا مطلقًا، فيلزم كل راوٍ أن يقيد بما ذكر. ومثال الرابع: الحديث المسلسل بالآخرية ككون الراوي آخرَ من روى عن شيخه فيقول: (أخبرنا فلان وأنا آخر من روى عنه)، فقوله: (وأنا آخر … ) إلى آخره، وإن كان وصفًا مُتعلقًا بالراوي إلَّا أنَّه لَمَّا تعلَّقَ بتاريخِ الروايةِ عُدَّ من الأوصاف المتعلقة بها وكأنه يقول: روايتي وقعت في آخر أزمنة الرواية عنه، ولا يذهب عنك أن المراد بالوصف المتعلق بالتاريخ وصفٌ مخصوصٌ كالآخرية، فلا يقال إنَّ هذا متعلقٌ بزمنِ الرواية فهو تكرارٌ، ومن هذا القسم الحديث المسلسل بالأَوَّلية بمعنى أن كل راوٍ إنَّما يرويه عَمَّنْ لمْ يسمعْ منه شيئًا قبله من الأحاديث كحديث: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأرض يَرْحَمْكُمْ من في السَّمَاءِ»، فيقول الراوي: سمعته من شيخي فلان وهو أول حديث سمعته منه ويقول شيخه كذلك وهكذا إلى تمام السلسلة، لكن التسلسل فيه ينتهي إلى سفيان بن عيينة، وانقطعت فيمن فوقه، فانقطعت في سماع ابن عيينة من عمرو بن دينار، وفي سماع عمرو من أبي قابوس وفي سماع أبي قابوس من عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي سماع عبد الله من النَّبيِّ ﷺ . قلت: وقد رويتُهُ عن عِدَّةِ أشياخ أجلُّهُم سيدي الشيخ عمر بن سودة الفاسي، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثنا به الشريف سيدي عبد السلام الآزمي الفاسي، عن ابن الطالب التاودي المري: حدثنا أحمد بن مبارك صاحب الإبريز: حدثنا سيدي حسن اليوسي: حدثنا العلامة الزرقاني صاحب التآليف الشهيرة، عن العلامة الأجهوري بسنده المتصل إلى [عبد الله بن] عمرو بن العاص، وذكره ثم قال فيه: «يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ﵎»، وقال: رويناه بالرفع والجزم، ويشهدُ لرواية الجزم أحاديث كقوله: «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ الله من عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»، وحديث: «مِنْ لَاْ يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». انتهى. قوله: (قِرَاءَةُ سُوْرَةِ الصَّفِ)؛ أي: مُسلسل قراءةِ سورة الصَّفِ؛ وهو ما رواه عبد الله بن سلام قال: «قَعَدْنَا نَفَرًا من أَصْحَابِ رسول اللهِ ﷺ فَتَذَاكَرْنَا، فَقُلْنَا: لو نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعَالَى لَعَمِلْنَاهُ؟ فَأَنْزَلَ الله : ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ١ - ٢]، قال عبد الله بن سلام: قَرَأَهَا عَلَيْنَا رسول اللَّهِ ﷺ هكذا، قَالَ أَبُوْ سَلَمَةَ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا عَبْدُ اللهِ بن سَلَامٍ ﵁ هكذا، قال يحيى: وقَرَأَهَا عَلَيْنَا أبو سَلَمَةَ، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: وَقَرَأَهَا عَلَيْنَا يَحْيَى». انتهى. قوله: (وَالْغَرِيْب … ) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لانفراد راويهِ عن غيره، كالغريب الذي شأنه الانفراد عن وطنه. قوله: (مَا انْفَرَدَ رَاوٍ بِرِوَايَتِهِ)؛ أي: بأنْ رواهُ هُوَ وحده كُلًّا أو بعضًا، كما سيذكره الشارح، وقد قَسَمَ ابن سيد الناس الغريب إلى خمسة أقسام: غريبٌ سندًا ومتنًا، وسندًا لا متنًا، ومتنًا لا سندًا، وغريب بعض السند، وغريب بعض المتن. فالأول: كحديث النهي عن «بَيْعِ الْوَلَاْءِ وَهِبَتِهِ» فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. الثاني: حديث رواه عبد المجيد [بن أبي] رواد، عن مالك ﵁، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الْأَعْمَالُ بِالْنِّيَّةَ»، قال في «الإرشاد»: فقد أخطأ فيه عبد المجيد؛ لأنَّه غير محفوظ عن زيد بن أسلم، قال أبو الفتح اليعمري: هو إسنادٌ غريبٌ كله والمتن صحيح، وفي مثل ذلك يقول الترمذي: غريب من هذا الوجه. والثالث: وفيه قال ابن الصلاح: لا يوجد أبدًا ما هو غريب متنًا لا سندًا إلَّا إذا اشتهر الحديث الفردُ عمن انفرد به؛ -أي: شهرة مطلقةً- بأن رواه عنه عدد كثير فإنَّه يصير غريبًا مشهورًا؛ -أي: غريبًا متنًا لا سندًا- لكن بالنظر إلى أحد طرفي السند فإن سنده غريب في طرفه الأول، مشهور في طرفه الأخير، كحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فإنَّ الشُّهرة إنَّما طرأت له من عند يحيى بن سعيد، فقول ابن الصلاح: لا يوجد؛ أي: خارجًا وإن اقتضته القسمة العقلية، كما مرَّ عن ابن سيد الناس. الرابع: حديث: «أم زَرْعٍ» المشهور، فإنَّ المحفوظ فيه ما رواه ابن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن أبيهما عن عائشة، ورواه الطبراني من حديث الدراوردي، عن هشام، عن أبيه بدون توسط أخيه. قال أبو الفتح: فهذه غرابةٌ تخص موضعًا من السند، والحديث صحيح. الخامس: كحديث زكاة الفطر، وهو: «فرض رسول الله ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ من رَمَضَانَ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ، على الْعَبْدِ والْحُرِّ والذَكَرِ

стр. 41

فيه عمَّن يُجمَع حديثُه، كالزُّهريِّ أحدِ الحفَّاظ في المتن أو السَّند، وينقسم إلى: غريبٍ صحيحٍ؛ كالأفراد المخرَّجة في «الصَّحيحين»، وإلى غريبٍ ضعيفٍ، وهو الغالب على الغرائب، وإلى غريبٍ حسنٍ، وفي «جامع التِّرمذيِّ» منه كثيرٌ. و العزيز: ما انفرد بروايته اثنان أو ثلاثةٌ دون سائر رواة الحافظ المرويِّ عنه. و المعلَّل: ولا يُقال المعلول: وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ من الْمُسْلِمِينَ» حيثُ قيل فيه: إن مالكًا تفرَّدَ عن سائرِ رواته بقوله: «مِنَ الْمُسْلِمِينَ». قوله: (عَمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيْثُهُ)؛ أي: من الأئمة؛ -أي: شأنه ذلك؛ لجلالته كالزهري وقتادة ونحوهما- والجار والمجرور متعلق بقوله: (بِرِوَايَتِهِ أَوْ بِرِوَايَةِ زِيَادَةٍ) لا بقوله (انْفَرَدَ) كما تُوُهِّمَ؛ لاقتضائه أن الشرط الانفراد، وعَدَمُ موافقةِ أحدٍ من الأئمةِ المذكورينَ أعمُّ من أن يوافقه غيرهم أم لا، وذلك لا يصح؛ لأنَّه في صورة موافقة غيرهم لا يكون غريبًا كذلك. ثم التقييد بكون الرواية عمَّن ذكر من الأئمة ليس بقيد إلَّا عند ابن منده وهو ضعيف، والجمهور لا يشترطون ذلك بل يدخل فيه ما انفرد به راوٍ مطلقًا ولو لم يكن عن إمام شأنه ذلك، كما في «شرح التقريب». قوله: (فِي الْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ) متعلقٌ بـ (زيادةٍ)؛ أيْ: أو انفردَ برواية زيادة في متنه أو سنده أحد الحفاظ فلم يذكرها غيره كما عرفت. قوله: (وَهُوَ الغَالِبُ … ) إلى آخره، ولذا قال الإمام أحمد: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرايب؛ فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء. قال مالك: شرُّ العلم الغريب، وخيرُ العلم الظاهر الذي رواه الناس. ورُوي عن الزهري قال: حَدَّثتُ علي بن الحسين بحديثٍ فلما فرغتُ قال: أحسنت بارك الله فيك هكذا حُدِّثنا، قلت: ما أراني إلَّا حدثتك بحديث أنت أعلمُ به مني، قال: لا تقلْ ذلك فليس من العلم ما لا يُعرف، إنَّما العلم ما عُرف وتواطأت عليه الألسن. وعن أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومَن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس. قوله: (وَالعَزِيْزُ … ) إلى آخره، سُمِّيَ بذلكَ لقلةِ وجوده، من عزَّ يعِزُّ بكسر عين المضارع، أو لكونه قوي بمجيئه من طريق آخر، من عَزَّ يَعَزُّ بفتحها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]. قوله: (اثْنَان أَوْ ثَلَاْثَة)؛ أي: من طبقةٍ واحدةٍ من طبقاته، وخرج بالتقييد بالاثنين الغريب، والثلاثة المشهور، وهذا على ما ذهب إليه ابن منده إذ قال: إذا انفرد عن الزهري وشبهه من الأئمة ممَّن يسمع حديثه رجل بحديثٍ يُسمى غريبًا، وإن انفردَ عنهم اثنان أو ثلاثة يُسمى عزيزًا وإن رواه عنهم جماعة يُسمى مشهورًا. انتهى. وهو مردودٌ، فالأولى بل الصواب إسقاط قوله: (أو ثلاثة) والمعوَّلُ عليهِ ما في «النخبة» من تخصيص الثلاثة فما فوقها بالمشهور، والاثنين بالعزيز، فالغريب ما رواه عن الإمام واحد فقط، والعزيز ما رواه عنه اثنان فقط، والمشهور ما رواه عنه ثلاثة فأكثر، ثُمَّ مَا رواهُ الواحدُ كذلك غريب ولو رواه بعد ذلك مئة عن هذا الواحد. وكذا يُقال في العزيز غايتهُ أن يُحْدَثَ للحديث اسمٌ آخر باعتبار الرواة قلة وكثرة بعد ذلك؛ فقد يكون الحديث الواحد غريبًا عزيزًا مشهورًا، بأن يرويه عن الإمام أولًا واحد، ثم يرويه عن هذا الواحد الواحد اثنان، ثم يرويه عنهما ثلاثة فأكثر فيُسمى بالأسماء الثلاثة بهذه الاعتبارات الثلاثة، والإمام يصدق به ﷺ اصطلاحًا. تنبيه: ليس العزيز من حيثُ تعددُ رواته شرطًا للصحيحِ، بلْ يكون الغريب المروي من طريق واحد صحيحًا خلافًا للجبائي المعتزلي وللقاضي ابن عربي في شرح البخاري؛ فإنَّه صَرَّحَ أنَّه شرطٌ للبخاري. قال ابن رُشَيد -بالتصغير- كان يكفي القاضي في بطلان دعواه أول حديث مذكور في صحيح البخاري؛ -يعني: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» - فإنَّه تفردَ به عن عمر بن الخطاب علقمة. تكلُّفُ القاضي الجواب عن هذا بأن عمر بن الخطاب قد خطبَ به على المنبر بحضرةِ الصحابة، ولولا أنهم يعرفونه بسماعهم له من غير عمر لأنكروه مردودٌ بأنَّه عندهم ثقةٌ، لو حدَّثهم بما لم يسمعوه قط لم ينكروه عليه، والحاصلُ أنَّ الحديث الصحيح لا يُشترط فيه تعدد الرواة بخلاف العزيز. قوله: (وَالْمُعَلَّل) قال في «شرح التقريب»: هذا النوع من أجلِّ أنواعِ علومِ الحديثِ وأَشْرَفِهَا وأدقها، وإنَّما يتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب. قال ابن مهدي: لأنْ أعرفَ علَّة حديث واحدٍ أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثًا ليست عندي. انتهى. قال الحاكم: وإنَّما يُعلَّل الحديث عندنا من أوجهٍ ليس للجرح فيها مدخلٌ، والحجة في التعليل بالحفظ والفهم والمعرفة لا غير. انتهى. وسيأتي بقول الشارح (وهذا من أغمض … ) إلى آخره؛ أي: هذا النوع من أغمض … إلى آخره، وكان الأحسن تقديمه؛ أي: هذا الكلام هنا؛ أي: في أول ترجمة هذا النوع. قوله: (وَلَاْ يُقَالُ: المَعْلُوْلُ)؛ أي: لأنَّ معلولًا مفعول من عَلَّهُ بالشراب إذا سقاهُ مرةً بعد أخرى، وهو ثلاثي وليس مما نحن فيه إذ هو من أَعَلَّهُ الله أصابه بعلة، وهو رباعي وقياس اسم المفعول منه مُعَلٌّ وأصله مُعلَّل كمُكرَّم ومُرسل، ولذا كان التعبير بمعلول لَحْنًا، وإن عَبَّرَ بهِ كثيرٌ من الفقهاء والمحدثين، قال ابن الصلاح: إنه مردود عربيةً ولغة. انتهى. والمُعلل

стр. 42

خبرٌ ظاهره السَّلامة؛ لجمعه شروط الصِّحَّة، لكن فيه علَّةٌ خفيَّةٌ فيها غموضٌ، تظهر للنُّقَّاد أطبَّاءِ السُّنَّةِ الحاذقين بعللها عند جمع طرق الحديث والفحص عنها؛ كمخالفة راوي ذلك الحديث لغيره ممَّن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددًا، وتفرُّده وعدم المتابعة عليه، مع قرائنَ تنبِّه على وهمه في وصل مُرسَلٍ، أو رفع موقوفٍ، أو إدراج حديثٍ في حديثٍ، أو لفظةٍ أو جملةٍ ليست من الحديث أدرجها فيه، أو وهمٍ بإبدال راوٍ ضعيفٍ بثقةٍ، ويقع في الإسناد والمتن: فالأوَّل: كحديث يعلى بن عبيدٍ عن الثَّوريِّ عن عمرو بن دينارٍ: «البيِّعان بالخيار» صرَّح النُّقَّاد بأنَّ «يعلى» غَلِطَ، إنَّما هو عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينارٍ، وشذّ بذلك عن سائر أصحاب الثَّوريِّ، وسبب الاشتباه: اتِّفاقهما في اسم الأب، وفي غير واحدٍ من الشُّيوخ، من عَلَّلَهُ يُعَلِّلُهُ تَعْلِيْلًا: شَغَلَهُ، وألهاهُ فهوَ مُعلل، ومنه تعليل الصبي بالطعام ونحوه، ولا يخفى أنَّه ليس مما نحن فيه أيضًا، إذ هو من باب التعليل بمعنى ذِكْر العلة المؤثرة، ولذا قال القرافي: الأجودُ بل الصواب فيما هنا المُعَلُّ كما هو قياس اسم المفعول من أَعَلَّ. انتهى. إنْ قُلت: هذا أيضًا ليس مما نحن فيه؟ أُجيب: بأنَّه وإن لم يكن منه حقيقةً هو منه مجازًا، وصحَّح بعضهم التعبير بالمُعلَّل بطريق التجوز أيضًا لكن بمعنى مطلق التسامح لا بمعنى المصطلح عليه كما فيما قبله. هذا، وما ذكره الشارح من أنَّه لا يَقال: معلول، وقول ابن الصلاح: إنَّه مردود لغة وعربيةً، رَدَّهُ ابن هشام في «شرح بانت سعاد»، ونُقل عن الجوهري وغيره أنَّه يقال: أَعَلَّهُ فهو مَعْلُوْلٌ. إلَّا أنَّه قليلٌ، وقال ابن حجر: إِنَّهُ الأولى لوقوعه في عبارات أهل الفن مع ثُبوته لغةً، ومن حَفِظَ حُجَّةٌ. وقال في «نسيم الرياض»: إنَّهم استغنوا بمفعول عن مُفعل كما قالوا: «أحمد الله» فهو محمود، قال: وقد صرَّحَ به سِيْبَوْيه ونقله ابن سِيْدَه في «المحكم». انتهى. وأوضح ذلك ابن الطيب في «شرح نظم الفصيح» وغيره فتلخصَّ أنَّه يصح أن يقال فيما هنا: مُعَل ومُعَلَّل ومَعْلُول خلافًا لمن منعَ في الأخيرين. قوله: (ظَاهِرُهُ السَّلَاْمَة)؛ أي: من العِلَلِ القادحة في قبوله. وقوله: (لِجَمْعِهِ) في نسخ (بجمعه) بالموحدة، فالباء للسببية. وقوله: (شُرُوْطَ الصِّحَّةِ) تقدم أنَّها اتصالُ سندهِ بعدولٍ ضابطين إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة قادحة. قوله: (لَكِنْ فِيْهِ عِلَّةً)؛ أي: طرأت عليه فأثرت فيه، بأن اطُّلع فيه بعد البحث والتفتيش في طرقه على عِلَّةٍ قادحةٍ كما أوضحه الشارح. وقوله: (فِيْهَا غُمُوْضٌ) بيانٌ وتفسيرٌ لقوله (خفية)، وقد مَثَّلَ الشارح للخفية بقوله: (كَمُخَالَفَةِ رَاوٍ … ) إلى آخره، فخرجَ بالخفيةِ الظاهرة؛ كإرسالِ الموصول ووقف المرفوع إذا كان راوي الإرسال والوقف أضبط أو أكثر عددًا من راوي الوصل أو الرفع فلا يُسمى الحديث بذلك معللًا اصطلاحًا، كإعلاله بكلِّ قدحٍ ظاهرٍ من فِسق في راويه أو غَفلة منه أو سوء حفظ أو نحو ذلك من أسباب ضعف الحديث، إذ الإرسال الجلي والوقف الجلي وكذا القطع الجلي والإدراج وغيرها لا يُطلق عليها في الاصطلاح المشهور اسم العلة، وإنَّما يُطلق على ما كان منها خفيًّا إذ لا يكون الحديث معلولًا عند الجمهور إلَّا إذا كانت العلة قادحة فيه وهي الخفية؛ كإبدال راوٍ بآخر، أو زيادة كلمة فيه لم يذكرها الجمهور، أو إعلال الموصول بالإرسال أو الوقف إذا كان راويهما أضبط أو أكثر عددًا، وأعلَّ الخليلي بغيرِ القادحةِ توسعًا كما إذا كان رواة الوقف أو الإرسال غير أضبط أو أكثر عددًا، أو كانت العِلَّة في السَّند لا في المتن على ما يأتي حتى قال: من أقسام الصحيح صحيح معلول ممثِّلًا له بحديث مالك في الموطأ أنَّه بلغه أن أبا هريرة قال: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ» حيثُ وَصَلَهُ مالك في غير الموطأ فرواهُ عن محمد بن عَجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: فقد صار الحديث بتبين الإسناد صحيحًا يعتمد عليه، ونقل عنه أنَّه شدَّد فردَّ بكل علة ولو غير قادحة. قوله: (كَمُخَالَفَةِ رَاوِي ذَلِكَ الحَدِيْثِ … ) إلى آخره؛ أي: كما في حديث يَعلى بن عبيد الآتي، فإنَّه رواه عن عمرو بن دينار، وغيره إنَّما رواه عن أخيه عبد الله بن دينار. وقوله: (وتفرده … ) إلى آخره؛ أي: كما في حديث مسلم الذي ساقه الشارح أيضًا من جهة الأوزاعي المشتمل على التصريح بنفي الافتتاح بالبسملة؛ فإنَّ هذه الزيادة انفرد بها الراوي ولم يتابعه أحدٌ عليها. قوله: (علَى وَهَمِه) بفتح الهاء؛ أي: غَلَطِهُ في تلك المخالفة، من وصلِ المرسل أو غير ذلك مما ذكره الشارح. وعبارة «التقريب وشرحه»: وتُدرك العلةُ بتفردِ الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك تُنَبِّهُ العارفَ بهذا الشأنِ على وهمٍ وقع؛ بإرسالٍ في الموصول أو وقفٍ في المرفوع أو دخولِ حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب ذلك على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيتوقف فيه. انتهى. ثمَّ قال: والطريق إلى معرفته جمع طرق الحديث، والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم، قال ابن المديني: البابُ إذا لم تُجمع طُرقه لم يتبين خطؤه، وكَثُرَ التعليلُ بالإرسال للموصول بأن تكون رواته أقوى ممن وصل. انتهى. قوله: (وَيَقَعُ فِي الْإِسْنَادِ … ) إلى آخره؛ أي: تقعُ العلة في الإسناد والمتن، قال الجلال: ووقوعها في الإسناد أكثر. انتهى. وذلك بأن يختلف السند عن راوٍ واحدٍ فيرويه كلٌّ من الجماعة على وجهٍ مخالفٍ للآخر في وصله وإرساله أو في إثبات راوٍ وحذفه أو غير ذلك، وإذا وقعت في الإسناد فقد تقدح فيه وفي المتن أيضًا، كإرسال سند متصل، أو وقف مرفوع، أو إدراج أو غير ذلك ولم يقوَ الاتصال أو الرفع على الإرسال أو الوقف، وقد لا تقدحُ فيه بأن يتعدد السند أو يقوى الاتصال ونحوه، أو يكون الذي وقع

стр. 43

وتقاربهما في الوفاة. وأمَّا علَّة المتن فكحديث مسلمٍ من جهة الأوزاعيِّ عن قتادة: أنَّه كتب إليه يخبره عن أنسٍ أنَّه حدَّثه أنَّه قال: «صلَّيت خلفَ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ، فكانوا يستفتحون بـ: الحمد لله ربِّ العالمين، لا يذكرون ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ في أوَّل قراءةٍ ولا في آخرها»، فقد أعلَّ الشَّافعيُّ ﵁ وغيره هذه الزِّيادة التي فيها عدم البسملة، بأنَّ سبعةً أو ثمانيةً خالفوا في ذلك، واتَّفقوا على الاستفتاح بـ «الحمد لله رب العالمين»، ولم يذكروا البسملة والمعنى: أنَّهم يبدؤون بقراءة أمِّ القرآن قبل ما يُقرَأ بعدها، ولا يعني أنَّهم يتركون البسملة. وحينئذٍ فكأنَّ بعض رواته فَهِمَ من الاستفتاح نفيَ البسملة، فصرَّح بما فهمه، وهو مخطئٌ في ذلك، ويتأيَّد بما صحَّ عن أنسٍ أنَّه سُئِل: «أكان النبي ﷺ يستفتح بـ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أو بـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾؟ فقال للسَّائل: إنَّك لتسألني عن شيءٍ ما أحفظُه، وما سألني عنه أحدٌ قبلَك»، على أنَّ قتادة وُلِدَ أكمه، وكاتبه لم يعرف، وهذا أهمُّ في التَّعليل، وهذا من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقِّها، ولا يقوم به إلَّا ذو فهمٍ ثاقبٍ، وحفظٍ واسعٍ، ومعرفةٍ تامَّةٍ بمراتب الرُّواة، ومَلَكَةٍ قويَّةٍ بالأسانيد والمتون، وقد تقصرُ عبارةُ المعلِّل عن إقامة الحجَّة على دعواه؛ كالصَّيرفيِّ في نقد الدِّينار والدِّرهم. و الفرد: يكون مطلقًا؛ بأن فيه الاختلاف تعيينُ واحدٍ من ثقتين كما مثَّل به الشارح من حديث «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»، حيث رواه يَعلى بن عُبيد، عن الثَّوري، عن عَمرو بن دينار، عن ابن عمر، فقد صَرَّحَ النُّقاد بِوَهْمِهِ على الثوري، والمعروف من حديثه عن عبد الله بن دينار لا عمرو بن دينار، لكن هذه العلة لا تقدح في المتن؛ لأنَّ عبد الله وعمرًا كلاهما ثقةٌ. قوله: (وَأَمَّا عِلَّةُ المَتْنِ)؛ أي: القادحة فيه. قوله: (بِأَنَّ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً)؛ أي: مِمَّنْ رَوى هذا الحديث عن أنس منهم سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي، والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحدٍ. قوله: (وَلَمْ يَذْكُرُوا البَسْمَلَةَ)؛ أي: فلم يقولوا كما قال هذا الراوي: (لا يذكرون: بسم الله الرحمن الرحيم) بل اقتصروا على قوله (فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢])، قال الدَّارقطني: وهذا هو المحفوظ عن قَتَادة وغيره، عن أنس، قال البيهقي: وكذلك رواهُ عن قتادة أكثرُ أصحابه كأيوب وشُعبة والدَّسْتُوَائي وشيبان وسعيد بن [أبي] عروبة وأبي عَوانة وغيرهم، قال ابن عبد البر: فهؤلاء حُفَّاظُ أصحابِ قَتادة، وليس في روايتهم لهذا الحديث ما يُوجب سقوط البسملة، وهذا هو اللفظ المتفق عليه في الصحيحين وهو رواية الأكثرين. قوله: (وَالْمَعْنَى … ) إلى آخره؛ أي: معنى رواية أولئك الجمهور من قولهم: (فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) وهذا ما أَوَّلَ بِهِ الشَّافعي ﵁، وقد ورد التَّصريحُ بهِ في رواية الدَّارقُطني بسندٍ صحيحٍ بلفظ: (فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِأُمِّ القُرْآنِ). قوله: (وَيَتَأَيَّدُ)؛ أي: ما ذُكر من أنَّ أنسًا لم يروِ نفيَ البسملة، وأنَّ الذي زاد ذلك في آخر الحديث رَوى بالمعنى بحسبِ ما فَهِمَ فأخطأَ. وقوله: (بِمَا صَحَّ عَنْ أَنَسٍ)؛ أي: فيما أخرجهُ أحمد وابن خُزيمة بسنده على شرط الشيخين وأورد عليه أن من حفظه عنه حجةٌ على من سأله في حالِ نسيانه، وأجاب: أبو شامة بأنهما مسألتان فسؤال أبي سلمة عن البسملة وتَرْكِهَا، وسؤال قَتادة عن الاستفتاح بأي سورةٍ. قوله: (عَلَى أَنَّ قَتَادَةَ … ) إلى آخره، هذه علاوةٌ مُبْدِيَة لعلةٍ أخرى قادحة أيضًا؛ وذلك أنَّه حيثُ كان أَكْمَهَ فلا بُدَّ أن يكون أملى مَنْ كَتَبَ إلى الأوزاعي، وهذا الكاتبُ لم يُسَمَّ فيُحتمل أن يكونَ مجروحًا أو غير ضابطٍ فلا تقومُ به الحُجَّةُ مع ما في أصلِ الرِّوايةِ بالكتابة من الخلاف، وأن بعضهم يرى انقطاعها كما سيأتي، فالحديثُ معلَّلٌ أيضًا بعِلَلٍ أُخْرَى غير المخالفة، وهي الكتابة وجهل الكاتب كما هو معلَّل بالإدراج والمُخالفة من الحفاظ والأكثرين. قال العراقي: وقول ابن الجوزي: إنَّ الأئمة اتفقوا على صحته، فيه نظرٌ، فهذا الشافعي والدارقطني والبيهقي لا يقولون بصحته. انتهى. فلم يثبت نفي البسملة بطريقٍ صحيحٍ، وقد ورد ثبوت قراءتها في الصلاة عنه ﷺ من حديث أبي هريرة من طرقٍ عند الحاكم وابن خُزيمة والنَّسائي والدَّارقُطني والبَيهقي والخطيب، ومن حديث ابن عباس عند الترمذي والحاكم والبيهقي، وعن عثمان وعلي وعمار بن ياسر وجابر ابن عبد الله والنُّعمان بن بشير وابن عمر وعائشة عند الدَّارقُطني، وأم سَلمة عند الحاكم وجماعة من المهاجرين والأنصار عند الشافعي، فبلغَ ذلكَ مبلغ التواتر، وقد بيَّنَ طُرُقَ هذهِ الأحاديث الحافظ السيوطي في «الأزهار المتناثرة» فلم يبقَ مع ذلك ريبةٌ في ثبوتها. قوله: (وَهَذَا أَهُمُّ فِيْ التَّعْلِيْلِ) المتبادرُ أنَّ اسمَ الإشارةِ راجعٌ إلى الجهل بحال الكاتبِ، وأنَّ المراد أن تعليلَ الحديث بالكتابةِ وجهلِ الكاتب أهم من تعليله بغير ذلك من مخالفة الأكثر مثلًا، ولينظر وجهُ الأهميةِ، ولعلَّه لأنَّ فيه عِلَّتين، وللاتفاق على الردِّ بالجهل وتضعيف رواية المجهول. قوله: (وَهَذَا مِنْ أَغْمَضِ أَنْوَاعِ الحَدِيْثِ) الإشارةُ إلى التعليل من حيث هو، وإنَّما كان مِن أغمضها وأدَقِّها لأنَّه لا يُعرف إلَّا بجمع طرق الحديث والبحث عنها والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم. قوله: (إِلَّا ذُوْ فَهْمٍ ثَاقِبٍ) قال في «شرح التقريب»: ولهذا لم يتكلم فيه إلَّا القليل كابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب بن شَيبة وأبي حَاتِم وأبي زُرعة والدَّارقطني. قوله: (كَالْصَيْرَفِيِّ … ) إلى آخره، روي عن ابن مهدي أنَّه قيل له: إنك تقول للشيء: هذا صحيح، وهذا لم يثبت عَمَّنْ تقول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيتَ الناقد فأريته دراهمك، فقال: خذ هذا جيد وهذا رديء، أكنت تسأله عَمَّنْ ذلك أو تُسلِّم له؟ قال: بل أُسلِّم له، قال: فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخبرة. وقد قسم الحاكم العلل إلى عشرة أقسام ولخَّصَها الجلال في «شرح التقريب»، فانظره. قوله: (الفَرْد … ) إلى آخره، وجهُ التسمية فيه ظاهرٌ. قوله: (يَكُوْنُ مُطْلَقًا … ) إلى آخره؛ أي: إنَّه ينقسم إلى قسمين: فردٌ مُطلقٌ؛ بأن ينفردَ بهِ راوٍ واحد عن كلِّ أحدٍ، وفردٌ نسبي؛ أي: بالنسبة إلى جهة خاصة وهو أقسام ثلاثة:

стр. 44

ينفرد الرَّاوي الواحد عَنْ كلِّ واحدٍ من الثِّقات وغيرهم، ويكون بالنِّسبة إلى صفةٍ خاصَّةٍ، وهو أنواعٌ: ما قُيِّد بثقةٍ؛ كقول القائل في حديث قراءته ﷺ في الأضحى والفطر بـ «ق» و «اقتربت»، لم يروِه ثقةٌ إلَّا ضَمرة بن سعيدٍ، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقدٍ الليثيِّ صحابِيِّهِ. أو ببلدٍ معيَّنٍ؛ كمكَّة والبصرة والكوفة؛ كقول القائل في حديث أبي سعيد الخدريِّ المرويِّ عند أبي داود في كتابَيْه «السُّنن»، و «التَّفرُّد»، عن أبي الوليد الطَّيالسيِّ عن هَمَّام عن قتادة عن أبي نضرة عنه، قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر». لم يروِ هذا الحديث غير أهل البصرة. قال الحاكم: إنَّهم تفرَّدوا بذكر الأمر فيه من صفة وضوء النَّبيِّ ﷺ : إنَّ قولَه: «ومسح رأسه بماءٍ غير فضلِ يده»، سنَّةٌ غريبةٌ تفرَّد بها أوَّل الإسناد إلى آخره، ولم يَشْرَكْهم في لفظه سواهم. وكذا قال في حديث عبد الله بن زيدٍ في أهل مصر لم يَشرَكْهم أحدٌ، ولا يقتضي شيءٌ من ذلك ضعفَه، إلَّا أن يراد تفرُّدُ واحدٍ من أهل البصرة، فيكون من الفرد المطلق. والثَّالث: ما قُيِّد براوٍ مخصوصٍ حيث لم يروه عن فلانٍ إلَّا فلانٌ، كقول أبي الفضل بن طاهرٍ عقب الحديث المرويِّ في «السُّنن الأربعة» من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن الزُّهريِّ عن أنسٍ: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَوْلَمَ على صفيَّة بسويقٍ وتمرٍ)، لم يروِه عن بكرٍ إلَّا وائلٌ، ولم يروِه عن وائلٍ غيرُ ابن عُيينة، فهو غريبٌ؛ ولذا قال التِّرمذيُّ: إنَّه حسنٌ غريبٌ، قال: الأول: المُقيَّد بالثقة، وإليه الإشارة بقوله (مَا قُيِّدَ بِثِقَةً). الثاني: المُقَيَّدُ بأهلِ بلدٍ مخصوصٍ كمكة، وإليه الإشارة بقوله (أَوْ بِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ). الثالث: ما يُقيد براوٍ مخصوص … إلى آخره. وعلى كلٍّ فلا يُعتبر فيه المُخالفة لما رواه الغير بل المدار فيه على التفرد؛ بأن يروي ما لم يروه غيره سواءٌ خالفَ غيره؛ -أي: في الحكم- أو لا، بخلاف الشاذ فيعتبر فيه مع التَّفرد المخالفة، ثم الظاهر تقسيمه -كالغريب والشاذ- إلى مُفرد في السند وإلى مفرد في المتن. مثاله في السند: ما رواه التِّرمذي والنَّسائي من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عَوْسَجَة، عن ابن عباس: «أَنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ على عَهْدِ رسول اللهِ ﷺ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّاْ مَوْلًى هُوَ أَعْتَقَهُ»، فإنَّ حمَّاد بن زيد رواه عن عمرو، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس، لكن تابع ابن عيينة على وَصْلِهِ [ابن] جُرَيج وغيره. ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» فإنَّه من جميع طرقه بدونها، وإنَّما جاء بها موسى بن عُلي -بالتصغير- بن رباح، عن أبيه، عن عُقبة بن عامر، وصحَّحَهُ ابن حبَّان والحاكم وقال: على شرط مسلم. قوله: (عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ)؛ أي: من رُواة هذا الحديث، وحُكْمُ هذا القسم على ما ذكره ابن الصلاح أنَّ الرَّاوي المنفرد المذكور إذا لم يخالف غيره وكان ذا ضبطٍ تامٍّ ففردهُ صحيحٌ مقبولٌ، كحديثِ النَّهي عن بيع الولاء وهِبَتِهِ؛ فإنَّه لم يصحَّ إلَّا من رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وإذا كان قريبًا من الضبط التام ففردُهُ حسنٌ مقبولٌ، كحديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا خَرَجَ من الْخَلَاءِ قَالَ: غُفْرَانَكَ» فقدْ قال فيه الترمذي: (حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث إسرائيل، عن يوسف بن أبي بردة)، وإذا كان بعيدًا عن الضبط فشاذٌّ مردودٌ كحديث أبي زُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: «كُلُوا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ؛ فَإِنَّ ابْنَ آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانَ»، قال النَّسائي: هذا حديثٌ تفرَّدَ به أبو زُكير وهو لم يبلغ مبلغ مَن يُحتمل تفرُّدُهُ، بل ضعَّفه القوم، وقال العُقيلي: (لا يُتابع على حديثه)، فَتَحَصَّلَ أنَّ الفردَ المخالف والفرد الذي ليس في روايته من الضبط والتوثق ما يَجبر تفرده من النَّكارة والضعف؛ مردودان، والثالث مقبول. فائدة: قال ابن دقيق العيد: إذا قيلَ حديثٌ تفرَّدَ به فلان عن فلان احتمل أن يكون تفرُّدًا مُطلقًا، وأن يكون تَفَرَّدَ بِهِ عن هذا المُعين خاصةً، ويكون مرويًا عن غير ذلك المعين فتنبَّه لَهُ. قوله: (وَهُوَ أَنْوَاعٌ) الضمير لهذا القسم الذي هو (الفرد النسبي) أقول: الظاهر أنَّ الفردَ يُغاير الغريب بالنظر لهذا القسم بأنواعه فهو أعمُّ منه. وقوله: (أنواع)؛ أي: ثلاثة كما علمت وحكمه بأنواعه قريب من حكم الفرد المطلق؛ فينظر فيه هل بلغ رتبة الضبط التام أو قاربَ منه أو لا؟. قوله: (مَا قُيِّدَ بِثِقَةٍ)؛ أي: بروايته إياه عن غيره، كقولهم: لم يروه ثقة إلَّا فلان. قوله: (كَقَوْلِ القَائِلِ)؛ أي: الذي اطَّلَعَ على طُرُقِ الحَدِيْثِ فرأى ذلك التفرد. قوله: (لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ … ) إلى آخره؛ أي: وأمَّا من غيرِ الثِّقات فرواهُ ابنُ لَهِيْعَةَ وهو ضعيفٌ عند الجمهور، عن خالد بن زيد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن أَبي واقد، بالقاف بعد الألف. وقوله: (صَحَابِيِّهِ) بدل منه، ولعل ضميره للحديث؛ أي: صحابي ذلك الحديث الذي رواه عن النَّبيِّ ﷺ ، ولينظر ما فائدة هذا الإبدال، سيما وهو مرويٌّ عن عائشة أيضًا -كما تقدم- فليس له صحابي واحد. قوله: (السُّنَنِ) بالجر بدلٌ من (كتابَيْه)، و (التفرد) عطفٌ على السنن، وهو اسم كتاب له أيضًا. قوله: (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: وهو المنذر بن مالك العبدي، تابعي. قوله: (عَنْهُ)؛ أي: عن أبي سعيد المُتقدِّم في قوله في حديث أبي سعيد. قوله: (وَلَاْ يَقْتَضِي شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: من أنواع القسم الثاني، أعني: التَّفرد النسبي. وقوله: (ضَعْفَهُ)؛ أي: الحديث المتفرد به من ذُكِرَ؛ أي: من حيث كونه فردًا. وقوله: (إِلَّا أَنْ يُرَادَ)؛ أي: بقوله: (تفرَّد به أهل البصرة مثلًا)، وقوله: (تفرد واحد)؛ أي: تجوزًا، ومثل ما ذكر قولهم: (لم يروه ثقة إلَّا فلان)، كما في «شرح التقريب» ثمَّ يصحُّ أن يُقرأَ (واحد) بالجر على الإضافة، وبالرفع على الفاعلية. قوله: (فَيَكُوْنُ مِنَ الفَرْدِ المُطْلَقِ)؛ أي: فحُكْمُهُ كحُكْمِهِ؛ لأنَّ روايةَ غيرِ الثِّقة كَلَا رواية، فيُنظر في المنفرد به: هل بلغ رتبة مَن يُحتجُّ بتفرده أو لا؟ وفي غير الثقة: هل بلغ رتبة مَن يُعتبر بحديثه أو لا؟ قوله: (مَا قُيِّدَ بِرَاوٍ مَخْصُوْصٍ)؛ أي: بكونه عن راوٍ مخصوصٍ؛ أي: تقيَّدَ بكونِ المُنفرد به

стр. 45

وقد رواه غير واحدٍ عن ابن عُيينة عن الزُّهريِّ؛ يعني: بدون وائلٍ وولده، قال: وكان ابن عُيينة ربَّما دلَّسهما، والحكمُ بالتفرُّد يكون بعد تتبُّع طرق الحديث الذي يُظَنُّ أنَّه فردٌ، هل شارك راويه آخر أم لا؟ فإن وُجِدَ بعد كونه فردًا أنَّ راويًا آخر ممَّن يَصلُح أن يُخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به وافقه؛ فإن كان التَّوافق باللَّفظ سُمِّي متابعًا، وإن كان بالمعنى سُمِّي شاهدًا، وإن لم يوجد من وجهٍ بلفظه أو بمعناه؛ فإنَّه يتحقَّق فيه التفرُّد المطلق حينئذٍ. ومظنَّة معرفة الطُّرق التي تحصل بها المتابعات والشَّواهد، وتنتفي بها الفرديَّة الكتب المصنَّفة في «الأطراف»، وقد مثَّل ابن حبَّان لكيفيَّة الاعتبار؛ بأن يروي حمَّاد بن سلمة حديثًا لم يُتابَع عليه عن أيُّوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، فينظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيُّوب عن ابن سيرين؟، فإن وُجِد عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإن لم يُوجَد ذلك فثقةٌ غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلَّا فصحابيٌّ غير أبي هريرة رواه عن النَّبيِّ ﷺ ، فأيُّ ذلك وُجِدَ عُلِمَ به أنَّ للحديث أصلًا يُرجَع إليه، وإلا فلا. وكما أنَّه لا انحصار للمتابعات في الثِّقة كذلك الشَّواهد، فيدخل فيهما رواية من لا يُحتَجُّ بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضُّعفاء، وفي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» جماعةٌ من الضُّعفاء ذَكَرَاهم في المتابعات والشَّواهد، وليس كلُّ ضعيفٍ يصلح لذلك. ولذا قال الدَّارقطنيُّ: فلانٌ يعتبر به وفلانٌ لا يُعتبَر به. وقال النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ»: وإنَّما يُدخِلون الضُّعفاء لكون التَّابع لا اعتماد عليه، وإنَّما الاعتماد على من قبله. انتهى. قال شيخنا: ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كلٌّ من المتابَع والمتابِع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوَّة، ومثال المتابع والشَّاهد: ما رواه الشَّافعيُّ في «الأمِّ» عن مالكٍ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «الشَّهر تسعٌ وعشرون، فلا تصوموا حتَّى تَرَوُا الهلال، ولا تفطروا حتَّى تَرَوْهُ، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدَّةَ ثلاثين»، فإنَّه في جميع «الموطَّآت» عن مالكٍ بهذا السَّند بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له». وأشار البيهقيُّ إلى أنَّ الشَّافعيَّ تفرَّد بهذا اللَّفظ عن مالكٍ، فنظرنا، فإذا البخاريُّ روى الحديث في «صحيحه»، فقال: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبيُّ، حدَّثنا إنَّما تفردَ بهِ من حيثيةِ روايته إياهُ عن فلان، وإن كان مرويًا من وجوه أُخَرَ عنْ غيره. قوله: (غَيْرُ وَاحِدٍ) كمحمد بن الصَّلت التَّوَّزِي -بتشديد الواو المفتوحة بالزاي المعجمة- عنه، عن زياد بن سعد عن الزهري. قوله: (دَلَّسَهُمَا)؛ أي: أسقطهما؛ أي: وائلًا وأباه، تدليسًا لإيهام أنَّه رَوى عن الزهري بلا واسطة. قوله: (بَعْدَ كَوْنِهِ فَرْدًا)؛ أي: بحسب الظاهر قبل النظر والبحث. قوله: (مِمَّنْ يَصْلُحُ أَنْ يُخْرَجَ حَدِيْثُهُ للاعْتِبَارِ)؛ أي: بأنْ لمْ يكنْ ضعيفًا، أو كان لكنه غيرُ شديدِ الضعفِ؛ فإنَّه لا انحصارَ للمتابعات والشواهد في الثقة بل يدخلُ فيها الضعفاء، لكن ليس كل ضعيف يصلح لذلك، كما سيُنَبه عليه الشارح، بل ضعيف الضعف فقط. والاعتبار هو: أن تَعْمَدَ إلى الحديثِ الذي تراهُ فردًا فتعتبره وتعتني به وتبحث وتفتش في طرقه فتنظر هل رواه راو آخر بلفظه أو معناه أو لا؟ فإن وُجِدَ عُلِمَ أنَّ له أصلًا يُرجع إليه، ثم إنْ كان بمعناه فهو الشاهد: فهو متنٌ بمعنى الحديث الفرد عن رواية صحابي آخر، أو بلفظه فهي المتابعة: فهي وجدانُ راوٍ مشاركٍ لما روى منفردًا فيما رواه بلفظه؛ وهي إمَّا أن تكون لنفس الراوي بأن روى هذا الحديث عن الشيخ الراوي الأول نفسه، أو لشيخه، أو لشيخ شيخه وهكذا إلى آخر الإسناد. فالأولى متابعة تامة وما عداها متابعة قاصرة، وهي بأقسامها تُكسب قوةً في الفرد، وإن كانت الأولى أعلى، ويليها ما بعدها وهكذا إلى الآخر، وسيأتي التمثيل لكلٍّ من الاعتبار والمتابعة والاستشهاد في كلام الشارح. قوله: (وَافَقَهُ)؛ أي: وافق ذلك الراوي الذي روى الفرد. قوله: (سُمِّيَ مُتَابِعًا)؛ أي: فتختصُّ المتابعةُ بما كان باللفظِ سواءً كان من رواية ذلك الصحابي أم لا؟ والشاهد أعمُّ، وقيل: هو مخصوصٌ بما كان بالمعنى، وقال شيخ الإسلام: يُسمى الشاهد متابعة أيضًا. قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدُ مِنْ وَجْهٍ)؛ أي: كالحديث الذي رواه الترمذي من طريق حمَّاد، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه: «أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا … » الحديث، قال الترمذي: غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلَّا من هذا الوجه. قوله: (فِيْ الأَطْرَافِ)؛ أي: أطراف الأحاديث وطُرُقِهَا، أو أطراف الدنيا. قوله: (لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ)؛ أي: في بادئ الرأي قبل النظر فيه كما تقدمت الإشارة إليه، لا قطعًا. قوله: (فَيُنْظَر … ) إلى آخره، هذه هي كيفية الاعتبار؛ لأنَّك تعتبر هذا الفرد برواياتِ غيره من الرواة، وسَبْرِ طُرُقِ الحديث. قوله: (غَيْرُ أَيُّوْب عَنْ ابْنِ سِيْرِيْن) وهذه متابعة تامة، وهي الموافقة لنفس الراوي في الرواية عن شيخ. وقوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ ذَلِكَ)؛ أي: رواية أحد غير أيوب، عن ابن سيرين. وقوله: (فَثِقَةٌ غَيْرُ ابنِ سِيْرِين) وهذه متابعة قاصرة. قوله: (فَأَيُّ ذَلِكَ وُجِدَ … ) إلى آخره؛ أي: كما سيأتي للشارح في رواية الشافعي، عن مالك، عن عبد الله ابن دينار في حديث: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُوْنَ». قوله: (فَيَدْخُلُ فِيْهَا)؛ أي: في الشواهد كما يدخل في المتابعات. قوله: (وَلَيْسَ كُلُّ ضَعِيْفٍ يَصْلُحُ لِذَلِكَ)؛ أي: للمتابعة والاستشهاد بحديثهِ، بل ذلك خاصٌ بمن لم يشتدَّ ضعفه، ولذا قال الدَّارَقُطني: لا تُعتبرُ متابعة ولا استشهاد كل ضعيف. قوله: (قَالَ شَيْخُنَا) هو أبو الخير السَّخَاوي شارح «ألفية العراقي». قوله: (مِنَ المُتَابَع والمُتَابِع) بفتح الموحدة في أحدهما وكسرها في الآخر. (وَمِثَالُ المُتَابِعِ وَالشَّاهِدِ)؛ أي: فقد اجتمعا في هذا الحديث. قوله: (فِيْ جَمِيْعِ المُوَطَّآتِ)؛ أي: روايات مالك في الموطأ. قوله: (تَفَرَّدَ بِهَذَا اللَّفْظِ)؛ أي: قوله: («فَأَكْمِلُوْا العِدَّةَ … » إلى آخره)، ولذا عُدَّ من غرائب الشافعي؛ لأنَّ أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ» لكن وجدنا للشافعي متابِعًا، وهو عبد الله بن مسلمة القَعنبي، فإنَّه رواه عن مالك بلفظ الشافعي، وهذه متابعة تامة كما قال الشارح لمتابعة القَعْنَبِي للشَّافعي في شيخه مالك واللفظُ

стр. 46

مالكٌ به بلفظ الشَّافعيِّ سواءٌ، فهذه متابعةٌ تامَّةٌ في غاية الصِّحَّة لرواية الشَّافعيِّ، ودلَّ هذا على أنَّ مالكًا رواه عن عبد الله بن دينارٍ باللَّفظين معًا، وقد تُوبِع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر؛ أحدهما: أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافعٍ، فذكر الحديث، وفي آخره: «فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين». والثَّاني: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عاصم بن محمَّد بن زيد عن أبيه عن جدِّه ابن عمر بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فكمِّلوا ثلاثين». فهذه متابعةٌ، لكنَّها ناقصةٌ، وله شاهدان؛ أحدهما: من حديث أبي هريرة رواه البخاريُّ [خ¦١٩٠٩] عن آدم عن شعبةَ عن محمَّد بن زيادٍ عن أبي هريرة بلفظ: «فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدَّة شعبان ثلاثين». وثانيهما: من حديث ابن عبَّاسٍ، أخرجه النَّسائيُّ من رواية عمرو بن دينارٍ عن محمَّد بن حُنينٍ عن ابن عبَّاسٍ بلفظ: حديث ابن دينار عن ابن عمر سواءٌ، وإنَّما أَطَلْتُ الكلام في هذا لكثرة ما في «البخاريِّ» منه، والله سبحانه الموفِّق والمعين. و الشَّاذُّ: ما خالف الرَّاوي الثِّقةُ فيه جماعةَ الثِّقات بزيادةٍ أو نقصٍ، فيُظَنُّ أنَّه وَهِمَ فيه، قال ابن الصَّلاح: الصَّحيحُ التَّفصيلُ، فما خالف فيه المنفرد مَنْ هو أحفظ وأضبط فشاذٌّ مردودٌ، وإن لم يخالف، بل روى شيئًا لم يروِه غيره، وهو عدلٌ ضابطٌ فصحيحٌ، أو غير ضابطٍ، ولا يبعد عن درجة الضَّابط فحسنٌ، وإن بَعُدَ فشاذٌّ منكرٌ، ويكون الشُّذوذ في السَّند؛ كرواية التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ وابن ماجه من طريق ابن عُيينة: عن عمرو بن دينارٍ عن عوسجة عن ابن عبَّاس ﵄: «أنَّ رجلًا تُوفِّي على عهد رسول الله ﷺ ، ولم يَدَع وارثًا إلَّا مولًى هو أعتقه فدفع النَّبيُّ ﷺ ميراثه إليه … » الحديثَ، فإنَّ حمَّاد بن زيدٍ رواه عن عمرٍو مُرسلًا بدون ابن عبَّاسٍ، لكن قد تابع ابن عُيينة على وصله ابن جريجٍ وغيره. ويكون في المتن؛ كزيادة «يوم عرفة» في حديث: «أيَّام التَّشريق أيَّام أكلٍ وشربٍ» فإنَّ الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنَّما جاء بها موسى بن عُليٍّ -بالتَّصغير- بن رباحٍ عن أبيه عن عقبة بن عامرٍ، كما أشار إليه ابن عبد البرِّ. على أنَّه قد صحَّح حديثَ موسى هذا ابنا خزيمة وحبَّان والحاكم، وقال: على شرط مسلمٍ، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. وكأنَّ ذلك لأنَّها واحدٌ. قوله: (لِرِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ) متعلقٌ بمتابعةٍ. قوله: (وَقَدْ تُوْبِعَ فِيْهِ عَبْدُ اللهِ بنُ دِيْنَارٍ)؛ أي: فتكونُ متابعةً قاصرةً للشافعي، لكن كون الوجه الأول؛ -أعني: ما أخرجه مسلم- متابعةً لا يتجهُ على ما قدَّمه الشارح من أنَّ المتابعة هي الموافقة في اللفظ، إذ اللفظ في الروايتين متغايرٌ فيكون شاهدًا لا متابعًا، نعم يتجه على ما قدمناه عن شيخ الإسلام مِن أنَّ الشَّاهد يُسمى متابعة، وكذا الوجه الثاني؛ -أعني: ما رواه ابن خزيمة- فإن لفظ «العدة» ساقط منه، فقوله فيه: (فهذه متابعةٌ) ممنوع على ما قدمَّه، صحيحٌ على ما ذكره شيخ الإسلام، ويكون حينئذ متابعة ناقصة. قوله: (وَلَهُ شَاهِدَانِ)؛ أي: أحدهما موافق باللفظ، وهو ما أخرجه النسائي إذا كان بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر الذي رواه الشافعي من قوله: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ»، والثاني وهو ما أخرجه البخاري موافق بالمعنى إذ فيه: «فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ»، ولفظُ الشافعي: «فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، لكن هذا إنَّما يتمشى على رأي الجمهور أنَّ الشاهدَ شاملٌ لكلا الموافقتين، أمَّا على ما جرى عليه الشارح من أنَّ الشاهد هو الموافق في المعنى فقط فلا يظهر إلَّا في الأول لا في الثاني، فتأمل. قوله: (بِلَفْظِ حَدِيْثِ ابْنِ دِيْنَار)؛ أي: فاقدروا له. قوله: (فِيْ هَذَا)؛ أي: ما تقدم من الاعتبار والمتابعة والاستشهاد. قوله: (وَالشَّاذُّ) هو لغةً: المنفرد عن الجماعة. واصطلاحًا ما ذكره الشارح. قوله: (مَا خَالَفَ … فِيْهِ) خرجَ ما لم يُخالف فيهِ غيرَهُ، وإنَّما أتى بشيءٍ انفرد به، وهو الفرد المطلق كما سبق. وقوله: (الثِّقَةُ) خرجَ الضَّعيف فحديثهُ يُقال له: (منكر)؛ فيفارقُ الشاذُّ المنكرَ بأنَّ المُخالف في الشاذ ثقةٌ، وهذا هو المعتمد في حدِّ الشاذ، وقال الحاكم: هو ما انفرد به الثِّقَةُ وليس له أصلٌ متابعٌ لذلك الثقة، فقيَّدَ بالثقةِ دون المخالفة، وقال الخليلي: هو ما ليس له إلَّا إسناد واحدٌ ثقةٌ أو غير ثقةٍ خالف أو لا، فما انفردَ به الثقةُ لا يُحتج به، لكنَّهُ يصلحُ أن يكون شاهدًا وما انفرد به غير الثقة متروك، وردَّ ما قالاه بأفراد الثقات الصحيحة كحديث: «النهي عن بيع الولاء»، ومن ذلك في الصحيحين كثير. قوله: (جَمَاعَةَ الثِّقَاتِ) لعلَّ التعبيرَ بالجماعةِ نظرًا للغالب، وإلَّا فلو خالف واحدًا هو أحفظ منه فهو شاذٌّ أيضًا، صرَّحَ به شيخ الإسلام أخذًا من تعليل الشاذ بأنَّ العدد أولى بالحفظ من الواحد، قال: لأنَّ المدار على الحفظ، فمَن خالف مَن هو أحفظ منه يعدُّ شاذًّا. قوله: (الصَّحِيْحُ التَّفْصِيْلُ) ظاهرهُ أنَّ هذا التفصيل في مُسمَّى الشاذ، وليس كذلك، بل هو فيما يُقبل من أنواعه وما يُردُّ، ثمَّ هذا التفصيل جريًا على ما ذهب إليه ابن الصلاح من ترادف الشاذِّ والمنكر وأنَّه لا يُشترط في الشاذ المخالفة من الثقة، وقد عَلِمْتَ أنَّ الراجحَ خلافه. قوله: (أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ)؛ أي: أو أكثرُ عددًا. قوله: (وَهُوَ عَدْلٌ ضَابِطٌ)؛ أي: تامُّ العدالةِ والضَّبْطِ. قوله: (فَشَاذٌّ)؛ أي: ضعيفٌ مردودٌ، وهو على هذا يُجامع المنكر، وعليه فيتحصل من ذلك أنَّ الشَّاذَّ أربعة أقسام؛ اثنان مقبولان وهما ما لم يخالف فيه الثقة مَن هو أحفظ وأضبط منه، ومع ذلك هو تام العدالة والضبط، وما لم يخالف فيه وهو غير تامِّهِمَا لكنَّهُ قريبٌ منهما، واثنان مردودان وهُما الفردُ المخالف، والفرد الذي ليس في روايته من الثقة والضبط ما يَجبر ما يُوجبه تفرده وشذوذه من النَّكَارَةِ والضَّعف. قوله: (كَرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ) الشذوذُ في سندها من حيث النقص، وما سيأتي في المتن من حيث الزيادة. قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ المَتْنِ)؛ أي: بزيادةٍ فيه، كما ذكره الشارح، أو بجميعه كما رواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ على يَمِينِهِ»، قال البيهقي: خالفَ عبدُ الواحد العدد الكثيرَ في هذا؛ فإنَّ الناس إنَّما رووه من فعل النَّبيِّ ﷺ لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات الأعمش بهذا اللفظ. انتهى. قوله: (بنُ عُلَيٍّ) بضم العين

стр. 47

زيادة ثقةٍ غير منافيةٍ؛ لإمكان حملها على حاضري عرفة. و المُنكَر: الذي لا يُعرَف متنه من غير جهة راويه، فلا متابع له ولا شاهد، قاله البَرْديجيُّ، والصَّواب: التَّفصيل الذي ذكره ابن الصَّلاح في الشَّاذِّ، فمثال ما انفرد به ثقةٌ يُحمَل تفرُّده: حديث مالكٍ عن الزُّهريِّ عن عليِّ بن حسينٍ عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيدٍ ﵄ رفعه: «لا يرثُ المسلمُ الكافرَ» فإنَّ مالكًا خالف في تسمية راويه عُمر -بضمِّ العين- غيرَه، حيث هو عندهم عَمرٌو -بفتحها- وقطع مسلمٌ وغيره على مالك بالوهم فيه. ومثال ما انفرد به ثقة لا يحمل تفرده: حديث أبي زكير يحيى بن محمَّد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ مرفوعًا: «كُلوا البَلح بالتَّمر … » الحديث، تفرَّد به أبو زُكيرٍ، وهو شيخٌ صالحٌ، أخرج له مسلمٌ في «صحيحه»، غير أنَّه لم يَبلغ مَبلَغ من يُحمَل تفرده، وقد ضعَّفه ابن معينٍ وابن حبَّان، وقال ابن عديٍّ: أحاديثه مستقيمةٌ سوى أربعةٍ عَدَّ منها هذا. و المضطرب: ما رُوِيَ على أوجهٍ مختلفةٍ متدافعةٍ على التَّساوي في الاختلاف المهملة وفتح اللام مصغرًا و (رَبَاح) بفتح الراء والموحدة. قوله: (زِيَادَةُ ثِقَةٍ … ) إلى آخره؛ أي: والزيادة من الثقة عندهم مقبولةٌ. قوله: (الذِي لَا يُعْرَفُ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّ الحديث المُنكر هو الذي انفرد بروايته راوٍ من الرواة بحيث لا يُعرف من غير روايته لا من الوجهِ الذي رواه ولا من غيره، قلت: ظاهر إطلاقه أنَّ رواية المذكور أعمُّ من أن يكون ثقةً أم لا، ضدَّ ما تقدمَ عن الخليلي، فيكون المنكر حينئذ أعمَّ من الشاذ، وهو قولٌ أشار إليه في حواشي «شرح البيقونية». وقيل: إنَّهما بمعنى واحد، وهو ما يُفهم من كلام ابن الصلاح الذي أوردهُ الشارح هنا وهناك، وقيل: إنهما متباينان، فالشاذ رواية ثقة والمنكر رواية ضعيف، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام قال: وقد غَفل من سوَّى بينهما، وإلى نحو ذلك ذهب ابن حجر حيث قال ما حاصله: إنَّه إن خُولف الراوي المقبول بأرجح منه لمزيدِ ضبطٍ أو عددٍ أو غير ذلك من الصفات المُرجحة، فالراجح يُقال له: المحفوظ، والمرجوح يقال له: الشاذ، وإن وقعت المخالفة مع الضعف فالراجحُ يقال له: المعروف، ومقابله: المنكر، فالنسبة بين الشاذ والمنكر التباين الكلي، لا التساوي ولا التباين الجزئي؛ أي: عموم وخصوص مطلق أو وجهي، إذْ لا يَصدُق الشاذ على شيءٍ من أفراد المنكر، كما أن المنكر لا يصدق على شيء من أفراد الشاذ؛ لأنَّه ما خالفَ فيه الثقة مَن هو أحفظ منه أو تفرَّدَ به قليلُ الضبط كما مرَّ، والمُنكر ما خالف فيه المستور أو تفرد به الضعيف الذي لا ينجبر بالمتابعة. انتهى. وبما ذكر تَعرف تفسيرَ المحفوظ والمعروف وهما ممَّا أهمله الشارح. قوله: (قال البَرْدِيْجِي) كذا في نسختنا بدون ضمير، والصواب: (قاله البرديجي) كما في بعض النسخ الضَّمير لما تَقدَّم من تعريف المنكر؛ فهو للحافظ البَرديجي، وأما حكاية التفصيل عن ابن الصلاح فمن قِبَلِ الشارح، والبَرْدِيْجِي بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر الدال المهملة بعدها تحتية وجيم، نسبة إلى بَرْدِيج، قرية بأذربيجان، ويقال: البردعي أيضًا، نسبة إلى بردعة، بإهمال الدال، قرية قرب برديج. قوله: (التَّفْصِيْلُ الذِيْ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِيْ الشَّاذِّ) هو أنَّه إن كان الثقة بتفرُّدِهِ مُخالفًا أحفظَ منه وأضبطَ كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم يخالفْ؛ فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا به كان تفرده صحيحًا، وإن لم يوثق بحفظه، ولكن لم يبعد عن درجة الضابط، كان ما انفرد به حسنًا، وإن بَعُدَ كان شاذًا مُنكرًا مردودًا، قال السيوطي: وهذا التفصيل مبني على ترادف الشاذ والمنكر، وقد علمت أن الراجح خلافه. انتهى. قوله: (غَيْرَهُ)؛ أي: مِمَّن رواهُ من أصحاب الزهري، فإنَّ كلَّ مَن رواه منهم قال بفتحها، وفي التمثيل بهذا الحديث نظرٌ؛ لأنَّه ليس بِمُنْكَرٍ ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة كما ذكره العراقي، وغايته أن يكون سنده مُنكرًا أو شاذًّا، ولا يلزمُ من شذوذ السند ونكارته وجود ذلك الوصف في المتن، كما أنَّ العلة الواقعة في السند قد لا تقدح في المتن، فالمثال الصحيح لهذا القِسم ما رواه همام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاْءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ»، قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنَّما يُعرف عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ»، قال: والوَهَمُ فيه من همام، ولم يروه إلَّا هو، قال النسائي: وهو ثقة احتجَّ بهِ أهلُ الصحيح، ولكنه خالف الناس فروى عن ابن جُريج هذا المتن، وإنَّما روى الناس عن ابن جُريج ما سبق. انتهى. وتركَ الشارحُ المتروكَ: وهو ما انفرد بروايته واحدٌ مجمعٌ على ضعفهِ لكونه متهمًا بالفسق أو الكذب في كلامه وإن لم يظهر وقوع ذلك منه في الحديث، وبهذا يُفارق المُنكر وهو كالموضوع لكنهُ أخفُّ منهُ. قوله: (أَبِي زُكَيْرٍ) بضم الذال مصغرًا، آخره راء، واسمه يحيى. قوله: (الْحَدِيْث) تتمته: «فَإِنَّ [ابن] آدَمَ إِذَا أَكَلَهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ وقال: عاشَ ابن آدم حتى [أكل] الجَدِيْدَ بِالْخَلَقِ»، و (الخَلَق) بفتحتين: القديم. قوله: (غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ … ) إلى آخره؛ أي: لم يبلغ بتخريج مسلم له المستلزم لتعديله رتبةَ مَن يُحتمل تفرُّدُهُ، قلت: وكذلك معنى الحديث رقيق لا ينطبق على محاسن الشريعة؛ لأنَّ الشيطان لا يغضب من مجردِ حياةِ ابن آدم، بل من حياته مُسْلِمًا مُطيعًا لله. قوله: (وَالْمُضْطَرِبُ) من الاضطراب وهو الاختلاف، وهو نوع من المُعلَّل. قوله: (مَا رُوِيَ … ) إلى آخره؛ أي: الحديث الذي رواه راوٍ واحدٍ أو جماعة … إلى آخره. قوله: (مُتَدَافِعَةٍ)؛ أي: متخالفةٍ يَدفع بعضُهَا بعضًا في المعنى. قوله: (عَلَى التَّسَاوِي فِي الاخْتِلَاْفِ) متعلقٌ برُويَ، قيدٌ في تسميته مضطربًا، فلا يكونُ مضطربًا إلَّا إذا تساوت الروايات المختلفة فيه في الصِّحة بحيثُ لم تترجح إحداهما

стр. 48

من راوٍ واحدٍ، بأن رواه مرَّةً على وجهٍ، وأخرى على آخرَ مخالفٍ له، أو رواه أكثر بأن يضطرب فيه راويان فأكثرُ، ويكون في سند رواته ثقاتٌ؛ كحديث: «شيَّبتني هودٌ وأخواتها» فإنَّه اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فقِيلَ: عنه عن عكرمة عن أبي بكرٍ، ومنهم من زاد بينهما ابن عبَّاس، وقِيلَ: عنه عن أبي جُحيفة عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن البراء عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن أبي ميسرةَ عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن مسروقٍ عن عائشة عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن علقمةَ عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن عامر بن سعدٍ البُجليِّ عن أبي بكرٍ، وقيل: عنه عن عامر بن سعدٍ عن أبيه عن أبي بكرٍ، وقيِلَ: عنه عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه عن أبي بكرٍ، وقِيلَ: عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعودٍ. وقد يكون الاضطراب في المتن، وقلَّ أن يوجد مثالٌ سالمٌ له؛ كحديث نفي البسملة، حيث زال الاضطراب عنه بحمل نفي القراءة على نفي السَّماع، ونفي السَّماع على نفي الجهر، كما قُرِّرَ في موضعه من المطوَّلات، ثمَّ إنَّ الاضطراب سواءٌ كان في السَّند أو في المتن على الأخرى، ولم يُمْكن الجمع بينهما، أمَّا إن ترجحت بكونِ راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيح الآتية فلا يكون الحديث مضطربًا، والحكم للوجه الراجح واجب إذ لا أثر للمرجوح، ولا اضطراب أيضًا إذا أمكنَ الجمعُ بحيثُ يمكن أنَّ المتكلم عبَّر بألفاظٍ عن معنى واحد وإن لم يترجح منها شيء. قوله: (مِنْ رَاوٍ … ) إلى آخره، متعلقٌ بما رُوِيَ وسيأتي مقابله بقوله: (أو رواه أكثر). قوله: (وَيَكُوْنُ فِيْ سَنَدٍ … ) إلى آخره؛ أي: إنَّه نوعان: مضطرب في السند، ومضطرب في المتن، وسيأتي ذكره بقوله: (وَقَدْ يَكُوْنُ الاضْطِرَابُ فِيْ الْمَتْنِ … ) إلى آخره، وترك ثالثًا وهو الاضطراب في السند والمتن معًا، ذكره الجلال في «شرح التقريب» وسنذكرهُ بعد الكلام على الأوَّلَين، والاضطراب في السند يكون بالوصل والإرسال بإثباتِ راوٍ وحذفه وغير ذلك من موانعِ القبول، والاضطراب في المتن يكون في لفظه أو معناه أو فيهما. قوله: (رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ)؛ أي: وإلَّا فلا اضطراب بالضعيفِ إذ لا اعتبارَ بِهِ. قوله: («شَيَّبَتْنِي هُوْدُ») قال الطِّيبي: صحَّ (هود) في الحديث غير منصرف؛ لأنَّه اسم للسورة لا النَّبيَّ ففيه العلمية والتأنيث. انتهى. قلت: وَرُوي بالصَّرف على تقديرِ إضافةِ سورةٍ إليه، فإنَّه يُصرف إذا أضيفت إليه لفظًا أو تقديرًا كما في «الهمع»، ولعله لكون مجموع المضاف الملفوظ أو المقدر والمضاف إليه علمًا لا المضاف إليه فقط، ثم المُراد بهود ما ذكر فيها من قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وبأخواتها نظائرها في ذلك، وسببُ الحديث أن أبا بكر ﵁ قال: «يَا رَسُوْلَ اللهِ أَرَاكَ شِبْتَ» فذَكره. قوله: (فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِيْهِ عَلَى أَبِي إِسْحَاقٍ)؛ أي: فإنَّه لم يُروَ إِلَّا من طريقه، واخْتُلِفَ عليهِ فيهِ على أحدَ عشرَ وجهًا كما فَصَّلَهُ الشَّارح، ورواته ثِقاتٌ لا يُمكن ترجيحُ بعضهم على بعض والجمعُ متعذرٌ. قوله: (وَمنْهُم)؛ أي: من الرواة. وقوله: (مَنْ زَادَ بَيْنَهُمَا)؛ أي: بين عِكرمة وأبي بكر. قوله: (جُحَيْفَةَ) بتقديم الجيم المضمومة على المهملة المفتوحة مُصغرًا، واسمه وَهب بن عبد الله. قوله: (سَالِمٌ لَهُ)؛ أي: بأنْ يكونَ جامعًا للشروط المتقدمة، بل الغالب أن يكون في أحد طرقه ضعفٌ، أو يمكن الجمع بينهما كما في الحديث الذي أشار له الشارح وتقدَّم في المعلول، وكما قيل في حديث فاطمة بنت قيس قالت: سئل النَّبيُّ ﷺ عن الزكاة فقال: «إِنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ» رواه الترمذي هكذا من رواية شَريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة، ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ «لَيْسَ فِيْ الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» قال: فهذا اضطرابٌ لا يحتملُ التأويلَ، ورُدَّ بأنَّ شيخ شَريك ضعيف فهو مردودٌ من قبل ضعف راويه، وأيضًا فيمكن تأويله بأنَّها رَوت كلًّا من اللفظين عنه ﷺ وأنَّ المراد بالحق المثبت المُستحب، وبالمنفي الواجب. قيل: والمثال الصحيح ما وقع من حديث الواهبة نفسها له ﷺ من الاختلاف في اللفظة الواقعة منه ﷺ ، ففي رواية: «زَوَّجْتُكَهَا»، وأخرى: «زَوَّجْنَاكَهَا»، وأُخرى: «أَمْكَنَّاكَهَا»، وأخرى «مَلَّكْتُكَهَا»، فهذهِ ألفاظٌ لا يُمكن الاحتجاج بواحد منها حتى لو احتج حنفي مثلًا على أنَّ التمليك من ألفاظ النكاح لم يسغْ لهُ ذلك. انتهى. وَرَدَّهُ الجلالُ بأنَّ الحديثَ صحيحٌ ثابتٌ، وتأويل هذه الألفاظ سهل فإنَّها راجعة إلى معنى واحد بخلاف الحديث السابق. انتهى. قلتُ: لعلَّ المعنى الواحد هو إباحة النكاح، ويمكن تأويل (ملَّكْتُكَهَا) بمعنى (ملَّكْتُكَ بضْعَها)؛ أي: الانتفاع به، ويظهر أنَّ ذلك غيرُ ظاهرٍ؛ إذ النظر إلى اللفظ الذي وقع منه ﷺ وتقع به تلك الإباحة، ولا شكَّ أنَّه مضطرب إذ يبعدُ أن تكونَ جميعُ هذه الألفاظ وقعت منه ﷺ حالَ النِّكاح، ولم يردْ أنَّ الواقعة تعددتْ فتعين أن يكون الصادر منه ﷺ أحد هذه الألفاظ، وإذا عَوَّلنا على أحدها بما هو بلفظ التمليك دلَّ على أنَّه بهِ صحيحٌ أو بما هو بغيره كان ما هو به غير صحيحٍ، وهذا هو الاضطرابُ. قوله: (كَحَدِيْثِ نَفْيِّ البَسْمَلَةِ)؛ أي: المرويِّ عن أنس السابق إذ قال فيه: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وأبي بَكْرٍ وَعُمَرُ فَكَانُوْا يَسْتَفْتِحُونَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] لَاْ يَذْكُرُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]» فإنَّه اخْتُلِفَ في مَتنه اختلافًا كثيرًا، فمنهم من قال: «فَكَانُوْا لَا يَقْرؤُوْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ … ﴾ إلى آخره»، ومنهم من قال: «فَكَانُوْا لَاْ يَجْهَرُوْنَ بِهَا»، ومنهم من قال: «فَكَانُوْا يَفْتَتِحُونَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدِ للهِ﴾»، ومنهم من قال: «فَكَانُوْا يَقْرؤُوْنَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ﴾» وهذا اضطرابٌ بَيِّنٌ. وأما الاضطرابُ في السند والمتن فكحديث البسملة أيضًا، أما اضطرابه في المتن فقد عرفته، وأمَّا اضطرابه في السند فإنَّ مالكًا رواه في الموطأ عن حُميد، عن أنس، ورواه مسلم عن قتادة أنَّه كتب إليه يخبره عن

стр. 49

موجبٌ للضَّعف؛ لإشعاره بعدم ضبط الرَّاوي. و الموضوع: هو الكذب على رسول الله ﷺ ، ويُسمَّى المُختلَق الموضوع، وتحرم روايتُه مع العلم به أنس … إلى آخره، قال ابن عبد البر: أكثر رواية حُميد عن أنس إنَّما سمعها من قَتادة. ويُؤيدُ ذلك أنَّ ابن عَدي صَرَّحَ بذكر قتادة بينهما في هذا الحديث فتبينَ انقطاعها، ورواه الوليد عن الأَوْزَاعي أيضًا، والوليد كان يُدلسُ تدليس التسوية وإن كان قد صرحَّ بسماعه من شيخه وإن ثبتَ أنَّه لم يُسقط بين الأَوْزَاعي وقَتادة أحدًا، فقَتادة وُلِدَ أَكْمَه فلا بدَّ أن يكون أملى على مَن كتب إلى الأوزاعي ولم يُسَمَّ هذا الكاتب كما سلف. قوله: (مُوْجِبٌ لِلضَّعْفِ) قال شيخ الإسلام: وقد يُجَامِعُ الصِّحة وذلك بأنْ يقع الاختلاف في اسم رجل واحد وأبيه ونسبته ونحو ذلك، ويكون ثقةً فيُحكم للحديث بالصحة ولا يضرُّ الاختلاف فيما ذكرَ مع تسميتهِ مُضطربًا، قال: وفي الصحيحين أحاديث كثيرة بهذه المثابة، وكذا جزم الزركشي بذلك في مختصره فقال: وقد يَدخل القلب والشذوذ والاضطراب في قسم الصحيح والحسن. قوله: (لإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ ضَبْطِ الرَّاوِي)؛ أي: الذي هو شرطٌ في الصحة والحُسن. قوله: (وَالمَوْضُوع … ) إلى آخره، مشتقٌ من الوضع وهو الحطُّ، سُمِي الحديثُ المذكور بذلك لانحطاط رتبته دائمًا بحيث لا ينجبر أصلًا، وإنَّما أوردوه في علم الحديث مع أنَّه ليس منه نظرًا إلى زعم واضعه، وهو شرُّ أنواع الضعيف لكونه كذبًا عليه ﷺ ، وقد ورد: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ»، ويليهِ المتروك ثم المنكر ثم المُعلَّل ثم المُدرج ثم المَقلوب ثم المُضطرب كذا رتَّبَهُ شيخ الإسلام. وقال الزركشي: ما ضَعْفُهُ لا لعدمِ اتصاله سبعة أصناف شرُّهَا الموضوع، ثم المدرج، ثم المقلوب، ثم المنكر، ثم الشاذ، ثم المعلل، ثم المضطرب، قال الجلال: وهذا ترتيبٌ حسن، وينبغي جعل المتروك قبل المدرج، وأن يقال فيما ضعفه لعدم اتصال سنده: شرُّهُ المُعضل، ثم المُنقطع، ثم المدلَّس، ثم المرسل، أقول: وقد ضبطتُ ذلك على ما استحسنه الجلال مع جعل المتروك كما قال، فقلت: شرُ الأحاديثِ ممَّا جاءَ متصلًا … وضعٌ فتركٌ فإدراجٌ فما قُلِبَا نُكْرٌ شُذوذٌ فمعلولٌ فمضطربٌ … وغيرُ ذلكَ مَا للعضلِ قدْ نُسبا كذاكَ منقطعٌ ثمَّ المدلَّسُ فالذِي … أتى مُرسلًا فاحفظْ تَحز رتَبَا قوله: (هُوَ الكَذِبُ)؛ أي: المكذوب -مصدر بمعنى اسم المفعول- وقوله: (على رسول الله ﷺ ؛ أي: من قول أو فعل أو تقرير أو نحو ذلك، وقضية التقييد برسول الله ﷺ أنَّ المكذوبَ على الصَّحابي والتابعي لا يُسمى موضوعًا. قوله: (وَيُسَمَّى المُخْتَلَقُ) بفتح اللام بعدها قاف؛ أي: المبتكر الذي ابتكرهُ الواضع من قِبَلِ نَفْسِهِ وليس له نسبةٌ بالنبي ﷺ . وقوله: (المَصْنُوْعُ)؛ أي: الذي صنعه قائله، وفي نُسخ: (الموضوع) وحينئذٍ فيكون الموضوع في الأول بالمعنى الاصطلاحي، وفي الثاني بالمعنى اللغوي أو العكس (وتحرمُ روايته)؛ أي: على مَن عَلِم أو ظنَّ أنَّه موضوع، سواء كان في الأحكام أو في غيرها، كالمواعظ والقصص والترغيب إلَّا مع بيانِ وضعه، لقوله ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بحديثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذبَينَ» رواه مسلم، ومعنى (يرى أنَّه كذب): يعلم ذلك، بمعنى أنَّه عامدٌ ليس بناسٍ ولا بغالطٍ، فهو بمعنى: «وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا»، فقيَّدَ ﷺ بذلكَ ليُفيد أنَّه لا إثمَ على الناسي والغالط، فتُحمل الروايات المطلقة على هذا، و (الكذَّابين) قال شيخ الإسلام: بالتثنية والجمع، فعلى التثنية: الكذابان واضعه وناقله، وعلى الجمع يكون المعنى أحدُ الكذابِين المشهورين بالكذب. وهو من الكبائر، حتى قال الجويني من أئمة أصحابنا: يَكفر متعمده ويُراقُ دمه، والجمهور أنَّه لا يكفر إلَّا إن استحلَّه وإنَّما يفسقُ وتُرَدُّ رواياته كُلها ويَبطل الاحتجاج بجميعها، فلو تاب؛ الجمهور أنَّه لا تؤثر توبته ولا تُقبل روايته أبدًا بل يتحتم جرحه أبدًا، قال النووي في «شرح مسلم»: ولم أرَ دليلًا لمذهب هؤلاء، ويجوز أن يُوجَّه بأنَّ ذلك تغليظًا وزجرًا لِعظم مفسدةِ هذا، فإنَّه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره، وبخلاف الشهادة، فإنَّ مفسدتها قاصرة، ومع ذلك فالمختار القطعُ بصحة توبته وقبول روايته بعدها، وقد أجمعوا على صحة رواية مَن كان كافرًا وأسلم، وأكثر الصحابة كانوا كذلك وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا. انتهى. وسيأتي عن السيوطي ما يُصادمه. وكما تحرم روايته يحرمُ وضعه مطلقًا بإجماعِ مَن يُعتد بإجماعه خلافًا للكرَّامية -قومٌ من المبتدعة فنسبوا لمحمد بن كِرَام بتخفيف الراء على التحقيق

стр. 50

إلَّا مبيَّنًا، والعملُ به مُطلقًا، وسببه: نسيانٌ أو افتراءٌ أو نحوهما، السِّجِسْتَاني- فإنَّهم جوزوه في الترغيب والترهيب دون ما يتعلق به حكم من الثواب والعقاب، ترغيبًا للناس في الطاعة، وترهيبًا لهم عن المعصية، واستدلوا بما رُوي في بعض طرق الحديث: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ» وهي زيادةٌ اتفقَ الحفاظُ على بُطلانها، وبفرض صحتها فهي للتأكيد كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٤]، أو أنَّ اللام للعاقبة وحملَ بعضهم حديث «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ»؛ أي: قال: إنَّه شاعر أو مجنون، وقال بعضهم: إنَّما نكذب له لا عليه، وقال بعض أهل الرأي فيما حكاه القرطبي: ما وافق القياس الجليَّ جازَ أن يُعزى إليه ﷺ . قوله: (مُطْلَقًا)؛ أي: بيْنَ وضعهِ أولًا في الأحكام والعقائد أو غيرهما من الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك، بخلاف الضعيف فيُعمل به فيما عدا الأحكام والعقائد على ما سبقَ من الخلاف فيه مفصلًا. قوله: (وَسَبَبَهُ)؛ أي: سببُ وضعِ الموضوعِ. وقوله: (نِسْيَانٌ) انظر ما معنى النسيان هنا، ويمكن أن يُصَوَّرَ بأن يروي حديثًا نَبَّهَهُ شيخهُ على وَضْعِهِ فينسى ذلك التنبيه ويرويه، لكن أنت خبيرٌ بأنَّ هذا ليس وضعًا لا حقيقة ولا حُكمًا، نعم كان يظهر ذلك لو قيل: وسبب روايته كذا، وإذا قلنا المرادُ ذلك لم يتجه ذلك في المعطوف أعني قوله: (أو افتراء) ويُمكن أن يكون مُراده بالنسيان الغلط فالمراد أنَّه بغير قصدٍ، وعبارة «التقريب» وشرحه: ورُبَّما وقعَ الراوي في شبه الوضع غلطًا منه بغير قصدٍ فليس بموضوع حقيقة، بل هو بقسم المدرج أولى، كما ذكره شيخ الإسلام في «شرح النخبة» قال: بأن يسوقَ الإسنادَ فيعرضُ له عارض فيقول كلامًا من عند نفسه فيظن بعض مَن سمعه أنَّ ذلك متن هذا الإسناد فيرويه عنه كذلك، كحديث رواه ابن ماجه، عن إسماعيل بن محمد، عن ثابت بن موسى الزاهد، عن شَريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ»، قال الحاكم: دخلَ ثابت على شريكٍ وهو يُملي ويقول: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ ، وسكت ليَكتب المُستملي، فلما نظرَ إلى ثابت قال: «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ … » إلى آخره، وقصد بذلك ثابتًا لزهده وورعه، فظنَّ ثابتٌ أنَّه متن ذلك الإسناد وكان يحدث به. انتهى. قوله: (أَو افْتِرَاءٌ)؛ أي: اختلاقٌ، وأنت خبيرٌ بأنَّ الافتراء هو الكذب ولا معنى لكون سبب الوضع؛ -أي: الكذب- الكذب، ولا نحو لنحوه الداخل تحت قوله: (ونحوهما)، ويمكن أن يكون كناية عن عدم وجودِ سبب له أصلًا، وهو بعيدٌ لا معنى له؛ إذ لا بدَّ لفعل ذلك من داعٍ إلَّا أن تنزل دواعيه منزلة العدمِ. من أسبابه: إفساد الدِّين كما فعلت الزنادقة إذ وضعوا أربعة عشرة ألف حديث كما رواه العُقيلي، منهم عبد الكريم بن أبي العرجا الذي قُتل وصُلب في زمن المهدي، قال ابن عَدي: لمَّا أُخِذَ ليُضرب عنقه قال: وضعتُ فيكم أربعة آلاف حديث أُحرم فيها الحلال وأحللُ الحرامَ، ومحمد بن سعيد الشَّامي روى عن حُميد، عن أنس مرفوعًا: «أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، إِلا أن يشاء الله»، وضعَ هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التَّنَبِي. ومنها: التعصب والانتصار للمذهب كالخطَّابية والرافضة؛ كما روي أنَّ رجلًا من أهل البدع رجعَ عن بدعته فجعلَ يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه؛ فإنَّا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا. ومنها: اتباعُ هوى الرؤساء والأمراء تقرُّبًا إليهم بوضعِ ما يوافقُ فعلهم؛ كما فعل غياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي فوجده يلعب بالحَمَام فساقَ في الحال إسنادًا إلى النَّبيِّ ﷺ وقال: «لَا سَبَقَ إلَّا في نَصْلٍ أو خُفٍّ أو حَافِرٍ أو جناحٍ»، فأمرَ لهُ المهدي بعشرة آلاف درهم، فلما خرج قال: أشهدُ أن قفاكَ قفا كذاب على رسول الله ﷺ ، ما قال رسول الله ﷺ : «أو جناح»، وأمر بذبح الحمام وترك ما كان عليه، وقال: أنا الذي حَمَلته على ذلك. ومنها: قصدُ الأجر والثواب في زعمِ الواضعِ؛ كما فعلهُ قوم يُنسبون إلى الزهد والصلاح جهلًا منهم بما يجوز لهم وما يمتنع، كما قيل: أن أبا داود النَّخعي كان أطول الناس قيامًا بليل وأكثرهم صيامًا بنهار وكان يضع، وأنَّ وَهب بن حفص مكثَ عشرين سنة لا يُكلم أحدًا لاشتغاله بالعبادة وكان يكذب كذبًا فاحشًا، ولكن هؤلاء وإن خَفِيَ حَالُهُم على كثيرٍ فلم يخفَ على جهابذةِ الحديث ونُقَّادِهِ، قيل لابن المبارك في هذه الأحاديث المصنوعة فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن هؤلاء من وضعَ أحاديثَ فضل السُّور سورةً سورة، قيل لأبي عاصم نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس

стр. 51

ويُعرَف بإقرار واضعه، في فضل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيتُ الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة. وروي عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدَّثني شيخ بما روي عن أُبيِّ بن كعب مرفوعًا في فضل القرآن سورة سورة، قال: حدَّثني به شيخ، فقلت للشيخ: مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني به رجل بالمدائن، وهو حي فصِرْت إليه، فقلت: مَن حدَّثك؟ قال: حدَّثني شيخ بواسط وهو حي فصِرْت إليه. فقال: حدَّثني شيخ بالبصرة فصِرْت إليه، فقال: حدَّثني شيخ بعبادان فصرتُ إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدَّثني. فقلت: يا شيخ مَن حدَّثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنَّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إليه. قال النووي: وقد أخطأ من ذكره من المفسرين؛ أي: كالزمخشري والبيضاوي. ومنهم مَن يقلب سندَ الحديث ليُستغرب فيُرغَب في سماعه منهم، كحمَّاد النصيبي والبهلول بن عُبيد. ومنهم من كان يرتزق بذلك ويتكسب به في القصص كأبي سعيد المدايني إلى غير ذلك. فوائد: الأولى: قال النَّسائي: الكَذَّابُون المعروفون بوضعِ الأحاديث أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بخُراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام. الثانية: قال السيوطي: وردَ في فضائل السور مفرَّقة أحاديث بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف ليس بموضوع، ولولا خوف الإطالة لأوردت ذلك لئلا يتوهم أنَّه لم يصح في فضل السور شيء خصوصًا مع قول الدَّارقطني: أصح ما ورد في فضائل القرآن فضل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وتفسير الحافظ عماد الدين ابن كثير أجلُّ ما يعتمد عليه في ذلك؛ فإنَّه أوردَ غالب ما جاء في ذلك مما ليس بموضوع وإن فاته أشياء، وقد جمعتُ في ذلك كتابًا لطيفًا سميته «حمائل الزهر في فضائل السور». ثم قال: واعلمْ أنَّ السور التي صحَّت الأحاديث في فضلها: الفاتحة، والزهراوان، والأنعام، والسبع الطوال مجملًا، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان، وما عداها لم يصح منه شيء. انتهى. والزهراوان البقرة وآل عمران، والسبع الطوال البقرة إلى آخر براءة بجعلها مع الأنفال سورةً واحدة. (أقول): وما تقدم أنَّ حديثَ سورة الصف أصح مُسلسل رُوي كما ذكره شيخ الإسلام، فليس في فضل قراءتها فلا يُضم لما ذُكر وقد نظمتُ الجميع بقولي: وكلُّ حديثٍ جاءَ فيْ فضلِ سورةٍ … فمَا صحَّ إِلَّا في المثانِي المفضَّلَه وسبعٌ طوالٌ ثم الانفالُ كهفهُمُ … ويس والدُّخَانُ مُلْكٌ وزلزله كذا الكافرونَ النصرُ الاخلاصُ عُوْذَتَا … ن أيضًا وزهراوان خُذها مكمَّلَه الثالثة: قال الحافظ السيوطي: من الأحاديث الموضوعة أحاديث الأرز والعدس والباذنجان والهريسة، وفضائل من اسمه محمد وأحمد، ووصايا علي ﵁. الرابعة: رُبما أسندَ الواضعُ كلامًا لبعض الحُكماء أو الزهاد أو الإسرائيليين؛ كحديث: «المعدة بيت الداء والحميةُ رأس الدواء» ولا أصل له من كلام النَّبيِّ ﷺ ، بل هو من كلام بعض أطباء العرب، وكحديث: «حبُّ الدنيا رأس كل خطيئة»، قال العراقي: هو إما من كلام مالك بن دينار كما رواه ابن أبي الدنيا بإسناده إليه، أو من كلام عيسى بن مريم كما رواه البيهقي في «الزهد»، ولا أصل له من حديث النَّبيِّ ﷺ إلَّا من مراسيل الحسن البصري، وهي عند المحدثين شبه الريح، وردَّهُ شيخ الإسلام بأن مراسيله أثنى عليها أبو زُرعة وابن المديني فلا دليلَ على وضعه. انتهى. قال الحافظ السيوطي: والأمر كما قال. انتهى. قوله: (وَيُعْرَفُ بِإِقْرَارِ وَاضِعِهِ)؛ أي: أنَّه وضعه، كحديث فضائل القرآن المتقدم، واستشكل ابن دَقِيق العيد الحُكم بالوضع بإقرارِ من ادعاه؛ لأنَّ فيه عملًا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع، قال: وهذا كافٍ في رده لكن ليس بقاطع في كونه موضوعًا؛ لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه؛ أي: إنَّ الحُكم بالوضع بالإقرار ليس بأمرٍ قطعي موافقٍ لما في نفس الأمر لجواز كذبه في الإقرار على حدِّ ما تقدم أن المراد بالصحيح والضعيف ما هو الظاهر لا ما في نفس الأمر، ومثلُ الإقرار بالوضع ما ينزل منزلته كأن يُحدِّث بحديث عن شيخٍ لا يعرف ذلك الحديث إلَّا عنده، ولا يُعرف إلَّا برواية هذا عنه، وقد علمت وفاة ذلك الشيخ قبل

стр. 52

أو قرينةٍ في الرَّاوي والمرويِّ، فقد وُضِعَت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها، ورُوِينا عن الرَّبيع بن خُثَيْم التَّابعيِّ الجليل أنَّه قال: إنَّ للحديث ضوءًا كضوء النَّهار يُعرَف، وظلمةً كظلمة اللَّيل تُنكَر. و المقلوب: كحديثٍ متنُه زمن هذا الراوي، وهل يثبت الوضع بالبينة؟. قال الزركشي: يُشبه أن يكون فيه التردد في أنَّ شهادة الزور هل تثبت بالبينة مع القطع بأنَّه لا يُعمل به. انتهى. قوله: (أَوْ قَرِيْنَةٍ فِي الرَّاوِي)؛ أي: كروايته عمَّن إذا سئل عن مولده ذكر تاريخًا يعلم به وفاة ذلك الشيخ قبله، وهو ممَّا سبق، وكذا كون الراوي رافضيًا والحديث في فضائل آل البيت، كما رُوي عن الزهري؛ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: نظر النَّبيُّ ﷺ إلى عليٍّ فقال: «أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة، ومن أحبك فقد أحبني، وحبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوُّك عدوي، وعدوِّي عدوُّ الله، والويل لمن أبغضك بعدي»، وأصله أنَّه كان لمعمَر ابن أخ رافضي، فدسَّ في كتب مَعْمَر هذا الحديث، فحدَّثَ بهِ عبد الرزاق عن معمر عن الزُّهري … إلى آخره، وهو باطل موضوع كما قاله ابن معين، وكذلك إذا رَوَىَ ما يفيد ذمًّا لمن يكرهه أو مدحًا لمن يحبه؛ كما قيل لمأمون بن أحمد الهَرَوي: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه بخُراسان؟ فقال: حدَّثنا أحمد بن عبد البر: حدَّثنا عبد الله بن مِعدان الأزدي، عن أنس مرفوعًا: «يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريس، أضرُّ على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له: أبو حنيفة هو سراج أمتي، هو سراج أمتي». قوله: (والمَرْوِي) مَثَّلَ لهُ في «التقريب» بالأحاديث الركيكة اللفظ والمعنى، وقال شيخ الإسلام: والمدار في الرِّكَّةِ على رِكَّةِ المعنى فحيثما وُجدت دَلَّ على الوضع وإن لم ينضم إليها ركة اللفظ؛ لأنَّ هذا الدين كله محاسن، والركة ترجع إلى الرداءة، قال: أمَّا ركة اللفظ فقط فلا تدلُّ على ذلك لاحتمال أن يكون رواه بالمعنى فغيَّرَ ألفاظه بغير فصيحٍ، نعم إن صرَّح بأنَّه من لفظ النَّبيِّ ﷺ فكاذب. انتهى. ومن قرائنِ حال المروي: أن يكون مُخالفًا للعقل بحيث لا يقبلُ التأويل، كما رواه ابن الجوزي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا وصلت عند المقام ركعتين». ومن قرائن ذلك أيضًا: تضمنه لما تتوفر الدواعي على نقله، أو كونه أصلًا في الدين ولم يتواتر كالنص الذي تَزْعم الرافضة أنَّه دلَّ على إمامة علي. وأن لا يوجد ذلك الحديث في صدور الرواة ولا بطون الكتب بعد استيعابها بحيث لا يبقى ديوان ولا راو إلَّا وقد كشف منه في جميع الأقطار، وهذا متعسر أو متعذر. ويلحق بذلك ما يدفعهُ الحسُّ والمشاهدة، أو يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي، أما المعارضة مع إمكان الجمع فلا. ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير كقوله: «من أكل الثوم ليلة الجمعة فليهو في النار سبعين خريفًا»، وكذا الوعد العظيم على فعل الشيء الحقير، كقوله: «لقمة في بطن جائع أفضل من بناء ألف جامع» وهذا كثير في أحاديث القصاص. تنبيه: ما ذكرهُ ابن الجوزي في كتابه في «الموضوعات» أدخل فيه كثيرًا ممَّا لا دليلَ على وضعه، بل بمجردِ كلام بعض الناس في أحدِ رُواتها، كقوله: فلانٌ ضعيف أو ليس بالقوي أو لين، وقد يكون ذلك في حديث لا يشهد العقل ببطلانه ولا فيه مخالفةٌ لكتابٍ ولا سنة ولا إجماع ولا حجة بأنَّه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في راويه، وفيه الحَسن بل والصحيح. قال الذهبي: ربما ذكر ابن الجوزي في «الموضوعات» أحاديث حسانًا قوية. وقال شيخ الإسلام: غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي يُنْتَقَدُ عليه بالنسبة إلى ما لا يُنْتَقَدُ قليل، ومن الضرر أنْ يُظنَّ ما ليس بموضوع موضوعًا كما يظنُّ ما ليس بصحيح صحيحًا. انتهى. ومن العجب منه أنَّه ذكر فيه حديثًا أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَوْشَكَ أَنْ تَرَى قَوْمًا يَغْدُونَ في سَخَطِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ في لَعْنَتِهِ، في أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ». قال شيخ الإسلام: لم أقفْ في كتاب «الموضوعات» على شيءٍٍ حكم عليه بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث وإنها لغفلة شديدة، ثم تكلم عليه وعلى شواهده. قوله: (وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ) قال ابن الجوزي: الحديث المُنكر يقشعر له جلدُ الطالب للعلم، ويَنفُر قلبه منه في الغالب. انتهى. ومرادهُ بالمنكر الموضوع. قوله: (وَالمَقْلُوْب)؛ أي: الحديث المقلوب، والقلب: هو تبديل شيء بآخر على الوجه الآتي، ثم هو إما أن يكون عمدًا أو سهوًا، والعمد قسمان وكل منهما في السند وهما اللذان ذكرهما الشارح، والسَّهو قسمان أيضًا لكن أحدهما في السند والآخر في المتن، فالأقسام أربعة كما ستعرفه، وتعريفه العام للأقسام كلِّها هو ما سلف، وأما الخاص ببعض

стр. 53

مشهورٌ براوٍ كـ «سالمٍ»، أُبدِل بواحدٍ من الرُّواة نظيره في الطَّبقة كـ «نافع»؛ ليُرغَب فيه؛ لغرابته، أو قلب سندٍ لمتنٍ آخر مرويّ بسند آخر؛ بقصد امتحان حفظ المحدِّث، كقلب أهل بغداد على البخاريِّ رحمه الله تعالى مئة حديثٍ امتحانًا، فردَّها على وجوهها، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في ترجمته. الأقسام، وهو ما عدا قلب المتن سهوًا فهو تبديل مَن يعرف برواية الحديث بغيره، ثم المقلوب من أقسام الضعيف، والقلب من حيث هو حرام إلَّا بقصدِ الاختبار. قال العراقي: وفي جوازه نظرٌ. انتهى. قوله: (مَشْهُوْرٌ بِرَاوٍ)؛ أي: أَي راوٍ كانَ من الرواة يُبَدَّل بنظيره في الطبقة من الرواة. وقوله: (كَسَالِمٍ)؛ أي: وكعُبيد الله بن عمر أُبْدِلَ بمالكٍ، وممَّن كان يفعل ذلك من الوضاعين: حمَّاد بن عمرو النصيبي، وبهلول بن عبيد الكندي؛ لقصد الإغراب، كما قاله الشارح للرغبة في حديثه. قال ابن دقيق العيد: وهذا الذي يُطلق على راويه أنَّه يسرق الحديث. انتهى. وهذا هو القسم الأول من قسمي القلب عمدًا في السند. قال العراقي: مثاله ما رُوي عن حماد بن عمرو، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إِذَا لَقِيتُمُ الْمُشْرِكِينَ في طَرِيقٍ فَلَا تبدؤوهم بِالسَّلَامِ وَاضْطَرُّوهُمْ إلى أَضْيَقِهَا»، فهذا حديثٌ مقلوبٌ قلبه حماد أحد المتروكين، فجعله عن الأعمش ليُغرب به وإنَّما هو معروفٌ بسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة كما في مسلم، ولا يُعرف عن الأعمش، ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب فإنَّه قلَّمَا يصحُّ منها. قوله: (أَوْ قَلْبُ سَنَدٍ لِمَتْن … ) إلى آخره، هذا هو الثاني من قِسمي القلب عمدًا في السند؛ وذلك أن يُجْعَلَ سندُ متن لمتن آخر مروي بسند آخر، ويُجْعَلَ هذا المتن لسند آخر لقصد امتحان حفظِ المُحدث واختباره هل اختلطَ أو لا؟ وهل يقبلُ التلقين أو لا؟ (قلت): جعلوا ذلك من قبيل القلب في السند، ولم يجعلوه من قبيل قلب المتن، مع أن فيه قلب سند لمتنٍ، ومتنٍ لسند، ولا يظهر له غير الاصطلاح وجه إلَّا أن يكون المقصود بالقلب هو الإسناد، لكنه يقتضي أنَّه لو كان الغرض المتن سُمي قلب متن؛ فَلْيُنْظَر. والقسم الثالث: وهو القلب سهوًا في السند ما رواه جرير بن حازم، عن ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فلا تَقُومُوا حتى تَرَوْنِي» فهذا حديثٌ انقلبَ سندُهُ سهوًا على جرير بن حازم، وإنَّما هو مشهور بيحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قَتادة، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ كما عند مسلم والنسائي، لكنَّ جريرًا لمَّا سمعه من أبي عثمان الصَّواف يُحدث به في مجلسِ ثابت البَنَّاني ظنَّه عن ثابت عن أنس فرواه كذلك. وقد بَيَّنَ ذلكَ حمادُ بن زيد فيما رواه أبو داود في «المراسيل» عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عنه قال: كنت أنا وجرير عند ثابت فحدَّث أبو عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله ابن أبي قتادة، عن أبيه، فظنَّ جرير أنَّه إنَّما حدث به عن ثابت عن أنس. والقسم الرابع: وهو القلب سهوًا في المتن ويُعرف بأنَّه إعطاء أحد الشيئين ما اشتهر للآخر، مثاله حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، ففيه: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تَعْلَم يمينه ما تنفق شماله»، فهذا مما انقلب على أحد الرواة سهوًا وإنَّما هو: «حَتَّىَ لَاْ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ»، كما في الصحيحين. قال البُلقيني: ويمكن أن يُسمى هذا بالمعكوس فيفردُ بنوع، ولم أَرَ من تعرضَّ لذلك. انتهى. أقول: لينظر حينئذ وجه تسمية هذا بالمعكوس وذلك بالمقلوب، ولعله للفرق بين ما في السند وما في المتن على ما فيه. ومثَّلَ شيخ الإسلام في «شرح النخبة» القلب في الإسناد بنحو كعب بن مرة ومرة بن كعب، قلت: وهو ظاهر، فلو خصَّ مثل ذلك باسم القلب مطلقًا، وما بُدل فيه راو بآخر أو جُعل فيه سند متن لآخر والعكس باسم العكس لكان أروح للقلب، ولكن القوم أدرى باصطلاحهم ولا مشاحَّةَ. قوله: (كَمَا سَيَأْتِي) حاصله أنَّه لما قَدِم بغداد وسمعَ به أصحاب الحديث اجتمعوا، وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، كل رجل عشرة، وأمروهم إذا حضروا المجلس يُلقون ذلك على البخاري، وحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث البغداديين والغُرباء من أهل خراسان وغيرهم، فلما اطمَأَنَّ المجلسُ بأهله انْتُدِبَ إليه رجلٌ من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فما زال يُلقي عليه واحدًا واحدًا حتى فرغَ من عشرته والبُخَاري يقول: لا أعرفه، فكان بعض الفهماء ممَّن حضرَ المجلس يلتفتُ بعضهم لبعض، ويقول: فهم الرجل، ومَن كان منهم غير ذلك يحكم عليه بالعجز عن ردِّ الجواب لتقصيرهِ في العلم ثم انْتُدِبَ إليه الثاني، وهكذا واحدًا بعد واحد حتى فرغوا من المئة المقلوبة، والبُخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، ثم التفت إلى الأول منهم وقال له: أما حديثك الأول

стр. 54

و المُركَّب: كإبدال نحو «سالمٍ» بـ «نافعٍ» -كما مرَّ -، أو الذي رُكِّب إسناده لمتنٍ آخر، ومتنه لإسناد متنٍ آخر. و المنقلب: الذي ينقلب بعض لفظه على الرَّاوي فيتغيَّر معناه؛ كحديث البخاريِّ في باب: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ رفعه: «اختصمت الجنَّة والنَّار إلى ربِّهما … » الحديث [خ¦٧٤٤٩]. وفيه: «أنَّه ينشئ للنَّار خَلقًا»، صوابه كما رواه في موضعٍ آخر من طريق عبد الرَّزَّاق عن هَمَّامٍ عن أبي هريرة بلفظ: «فأمَّا الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا»، فسبق لفظ الرَّاوي من «الجنَّة» إلى «النَّار»، وصار منقلبًا. ولذا جزم ابن القيِّم بأنَّه غلطٌ، ومال إليه البُلقينيُّ حيث أنكر هذه الرِّواية، واحتجَّ بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. و المُدَبَّج -بالموحدة والجيم-: رواية القرينين المتقاربين في السِّنِّ والإسناد، أحدهما عن الآخر، كرواية كلٍّ من أبي هريرة وعائشة عن الآخر، وكرواية التَّابعيِّ عن تابعيٍّ مثله؛ كالزُّهريِّ وعمر بن عبد العزيز، وكذا مَنْ دونهما. فصوابُ سنده كذا … إلى آخره، وحديثه كذا (و) كذا، وأما حديثُكَ الثاني فهو كذا، والثالث كذا، على الولاء حتى أتم العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى سنده، وكلَّ سند إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك فردَّ متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقرَّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. قوله: (والمُرَكَّبُ … ) إلى آخره، الظاهر أنَّه لا وجهَ لإفراده باسم مخصوص إذ هو عينُ المقلوب في السند، ومع ذلك فلو جعلوه ما تركبَ من حديثين كما تقدَّم في أنواع التدليس لكان له نصيب ظاهرٌ من مسماه، وقليلًا ما ترى من ذَكره وأظنه لذلك. قوله: (وَالمُنْقَلِبُ) يظهرُ على تمثيل الشارح أنَّه لا فرق بينه وبين المقلوب في المتن، وقَلَّ من ذكره أيضًا. قوله: («اخْتَصَمَتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ إلى رَبِّهِمَا») إمَّا مجازٌ عن حالهما المُشابه للمخاصمةِ، أو حقيقةٌ بأن يخلق الله فيهما الحياة والنُّطق، أو يخلق القول في جزء منهما؛ لأنَّه لا يُشترط عقلًا في الأصوات أن يكون محلها حَيًّا على الراجح، أو أنَّ ذلك بلسانِ الحال، واختصامهما هو افتخار إحداهما على الأخرى بمن يَسكنها فيظن كل منهما أنها آثرُ عند الله بمن يسكنها. قوله: (الحَدِيْثَ) بقيته: «فقالت الْجَنَّةُ: يا رَبِّ ما لها لَا يَدْخُلُهَا إلَّا ضُعَفَاءُ الناس وَسَقَطُهُمْ، وَقَالَتْ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، فقال الله تَعَالَى لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وقال لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ من أَشَاءُ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، قال: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فإن اللَّهَ لَا يَظْلِمُ من خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ من يَشَاءُ فَيُلْقَوْنَ فيها، فَتَقُوْلُ: هل من مَزِيدٍ ثَلَاثًا، حتى يَضَعَ فيها قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا إلى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ». قال الشارح هناك في القَدَم: هو ما يقدمه لها من أهل العذاب أو ثمَّةَ مخلوقٌ اسمه القدم، أو هو عبارة عن زجرها وتسكينها كما يقال وضعته تحت قدمي. انتهى. قوله: (فِيْ مَوْضِعٍ آخَرَ)؛ أي: في تفسير سورة ﴿ق﴾ وكذا في صحيح مسلم. قوله: (بِأَنَّهُ غَلَطٌ) احتجَّ على ذلك بأنَّ الله أخبرَ بأنَّ النار تمتلئ من إبليس وأتباعه في قوله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ﴾ الآية [ص: ٨٥]. قوله: (﴿وَلَاْ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩])، فيه: أنَّ له أن يعذب مَن لم يكلفه بعبادته في الدنيا؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ ملكه، فلو عذَّبهم لكان غير ظالم لهم، قال البُلقيني: وحَمْلُه على أحجار تُلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يُعذب بغير ذنب. انتهى. قال في «الفتح»: ويُمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح لكن لا يُعذبون كما في الجزية، ويُحتمل أن يُراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، فعَبَّرَ عن ابتداءِ الإدخال بالإنشاء فهو إنشاء إدخال لا إنشاءٌ بمعنى ابتداء خلق بدليل قوله: «فَيُلْقَوْنَ فيها: ﴿وَتَقُوُلُ هل من مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]»، وفي «الكواكب»: الإنشاء للِجَنَّة لا ينافي الإنشاء للنار والله يفعل ما يشاء، فلا حاجة إلى الحمل على الوهم، ثم حاصلُ الجواب منه تعالى أنَّه لا فضل لأحدكما على الأخرى من طريق مَن يسكنهما. قوله: (وَالمُدَبَّجُ بالمُوَحَّدَةِ)؛ أي: المفتوحة المُشَدَّدة بعد الميم المضمومة والمُهملة المفتوحة، وأوَّلُ من سماهُ بذلك الدَّارقُطني كما قاله العراقي، قيل: سُمي بذلك لحُسنه؛ لأنَّ المدبج لغةً المُزَيَّن، والرواية كذلك لنكتة يعدل فيها عن العلو إلى المساواة أو النزول، فيحصل للإسناد بذلك تزيين، وقيل لنزول الإسناد فيكون ذَمًّا من قولهم: رجل مُدبَّج قبيح الوجه، والذي جزم به في «شرح النخبة» أنَّه مأخوذٌ من ديباجتي الوجه، وهما الخَدَّان لتساويهما وتقابلهما. قلت: وهذا هو الظاهر على ما ذهب إليه الجمهور، وجرى عليه الشارح من أنَّه رواية القرينين … إلى آخره، أما على ما جرى عليه الدَّارقطني من أنَّهُ لا يتقيدُ بالقرينين بل كلُّ اثنين روى كل منهما عن الآخر، فيُحتمل أنَّه من قبيل الأول وهو الظاهر، أو الثاني؛ لأنَّ العدول عن العُلو قبحٌ ما. قوله: (رِوَايَةُ القَرِيْنَيْنِ)؛ أي: مرويُّ المتقارنين من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم أو أتباع أتباعهم وهكذا. قوله: (وَالإِسْنَادِ)؛ أي: الأخذُ عن الشيوخ، والجمعُ في المساواة بين السنِّ والسند أغلبي، وقد يُكتفى بالتساوي في السند وإن تفاوتوا في السنِّ، ولا فرقَ بينَ أن تكون الرواية عن القرين بواسطة أو بدونها. مثالها بدون واسطة في الصحابة: رواية عائشة عن أبي هريرة وبالعكس، وفي التابعين: رواية الزهري عن ابن الزبير وبالعكس، وفي أتباع التابعين رواية مالك عن الأوْزَاعِي وبالعكس، وفي أتباع أتباعهم رواية أحمد ابن حنبل، عن علي بن المَديني وبالعكس، ومثالها بها: أن يروي الليث عن يزيد بن الهاد، عن مالك، ويروي مالك عن يزيد عن الليث. تنبيه: قد تكون رواية الأقران من غير تدبيجٍ وهي انفرادُ أحدِ القرينين بالرواية عن الآخر، كرواية الأعمش عن التيمي، فالمُدَبَّج أخصُّ من الأقران، فكلُّ مُدبج

стр. 55

و المُصحَّف: الذي تغيَّر بنقط الحروف أقران ولا عكس، وخرج بالقرين ما إذا روى عَمَّنْ دونَهُ سنًا أو رُتبةً فذلك روايةُ أكابر عن أصاغر، كرواية الآباء عن الأبناء، كرواية الزهري عن مالك، والدليل عليها رواية النبي ﷺ عن تميم الدَّاري خبر الجسَّاسة -وهي دابة كثيرة الشعر لا يُعلم قُبُلها من دُبُرها- وذلك: «أَنَّ تَمِيْمًا كَانَ سَافَرَ إِلَى الغَرْبِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَطَلَعُوْا عَلَى جَزِيْرَةٍ هُنَاكَ، فَرَأَوْا هَذِهِ الدَّابَةَ فَفَزِعُوْا مِنْهَا، فَقَالَتْ: لَاْ تَفْزَعُوْا أَنَا الجَّسَّاسَةُ أَتَجَسَّسُ الأَخْبَارَ لِلمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وقيل: هِيَ الَّتِي تَخْرُجُ وَتَسِمُ النَّاسَ فِيْ وُجُوْهِهِم، وَكَانَ تَمِيْمٌ إِذْ ذَاكَ نَصْرَانِيًّا فَلَمَّا رَجَعَ أَسَلَمَ ﵁، وأخبر النَّبيَّ ﷺ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ الصَّحَابَةَ وَخَطَبَ لَهُمْ خَبَرَ تَمِيْمٍ عَنْ الْجَسَّاسَةِ». قلت: هذا مُشعرٌ بأنَّ الدجال موجودٌ حيٌّ من وقتها، ولعله يعرف بقرينة من أحوال العالم وقت خروجِه، وقيضَ له الله هذه الدابة تُخبرهُ عما تجده، حتى إذا رأت هذه الأحوال وأخبرته بها عَلِمَ أنَّه آن أوانه فيظهرُ، وإلَّا فأيُّ فائدة لتسخيرِ هذه الدابة وتَعَرُّفِه منها الأخبارَ، ويؤيدهُ ظنُّ الصحابة في ابنِ صَيَّادٍ أنَّه الدجال حتى همَّ بعضهم بقتله، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ … » الحديث، وإن كانَ يحتمل أنَّ هذه الدابة أوجدها الله تعالى قبله بمدةٍ لحكمةٍ يعلمها. ومن ذلك رواية الصحابة عن التابعين كرواية العباس عن ابنه الفضل، ووائل عن ابنه بكر، وكرواية العبادلة وأبي هريرة وأنس عن كعب الأحبار، والعبادلة أربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، نظمها بعضهم في قوله: أبناءُ عباسٍ وعمرٍ وعُمَرْ … ثمَّ الزبيرِ هُمُ العبادلةُ الغررْ فمتى أُطْلِقَ عبد الله انصرف إلى أحدهم. قال في «شرح التقريب»: وليس ابن مسعود منهم؛ لأنَّه تقدَّم موته وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اجتمعوا على شيءٍ قيل هذا قول العبادلة، وقيل: هم ثلاثةٌ بإسقاط ابن الزبير وعليه اقتصر الجوهري في «الصحاح»، وقول الرافعي في الديات، والزمخشري في «المفصل» أنَّ العبادلة ابن مسعود وابن عمر وابن عباس قد غلطا فيه من حيث الاصطلاح. أما رواية الأبناء عن الآباء فكثيرٌ، وأخصُّ منه مَنْ روى عن أبيه، عن جده، فإنْ تقدَّم موت أحد قرينين اشتركا في الأخذ عن شيخٍ فلذلك هو السابق واللاحق، وسيأتي، وفائدة معرفة هذه الأنواع التمييزُ بين الراويين وتنزيل الناس منازلهم، فربما ظن برواية رجل عن آخر أن الراوي أنزل من المروي عنه كما هو الغالب، ويكون في الحقيقة أعلى أو قرينًا، وكذا عدم توهم واسطة محذوف. قوله: (وَالمُصَحَّفُ) قال في «التقريب» وشرحه: هو فنٌّ جليل مهمٌ وإنَّما يُحَقِّقُهُ الحُذاق من الحفاظ. قوله: (الَّذِيْ تَغَيَّرَ … ) إلى آخره؛ أي: تغيرَ لفظهُ أو معناهُ في الإسناد أو المتن بواسطة السمع أو البصر فهو أنواع ثمانية. مثالُ التصحيفِ في الإسنادِ لفظًا وبصرًا: العوَّام بن مراجم -بالراء والجيم- صحَّفَهُ ابن معين: مُزَاحم بالزاي والحاء. وسمعًا أن يكون الاسم واللقب أو الاسم واسم الأب على وزنِ اسمٍ آخر ولقبه أو اسمه واسم أبيه، والحروف مختلفة شكلًا ونقطًا فيختلف ذلك على السمع: كعاصم الأحول، قال فيه بعضهم: وَاصَل الأَحْدَب. ومثال التصحيف في المتن لفظًا وسمعًا: حديث زيد بن ثابت «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَرَ فِيْ الْمَسْجِدِ» وهو بالرَّاء؛ أي: اتخذَّ حُجرةً من حصير أو نحوه يصلي عليها، صحَّفَهُ ابن لَهِيعة -بفتح اللام وكسر الهاء- فقال: احتجم، بالميم. ومثاله لفظًا وبصرًا: حديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ» صَحَّفَهُ الصُّولي فقال: «شيئًا» بالمعجمة والتحتية، وحديث: «زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا» صحَّفَهُ بعضهم فقال: «زرعنا تردد حنا»، جعل: زرعنا: مبتدأ اسم من الزراعة، وجملةُ تردد … إلى آخره، خبره، وفسَّرَهُ بأن قومًا كانوا لا يؤدون زكاة زروعهم فصارت كلها حناء. ومثال التصحيف في المتن معنىً فقط: قول محمد بن المثنى أحد شيوخ الأئمة الستة: نحن قوم لنا شرف، نحن من عَنَزَة صلى إلينا رسول الله ﷺ ، يُريد «أَنَّ النَّبِيَ ﷺ صلى إِلَى عَنَزَةَ» فتوهَّمَ أنَّه صلى إلى قبيلتهم، وإنَّما العَنَزَةُ هنا الحَرْبَةُ تُنصب بين يديه (١). ومثاله فيه معنىً وسمعًا: ما ذكره الشارح وكذا ما ذكره الحاكم عن أعرابي أنَّه زعمَ أنَّه ﷺ صلى إلى شاةٍ. صَحَّفَ (عَنَزَةَ) مُحَرَّكَةَ بِـ (عَنْزَةٍ) ساكنةً، ثم رواهُ بالمعنى على وَجههِ فأخطأ من وجهين. ومن قبيح تصحيف المعنى أنَّ بعضهم سمعَ حَدِيْثُ النَّهْيِّ عَنْ التَّحْلِيْقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاْةِ فقال:

стр. 56

أو حركاتها أو سكناتها؛ كحديث جابرٍ: «رُمِيَ أُبيٌّ يوم الأحزاب على أكحله». صحَّفه غُنْدَر، فقال: «أَبِي» بالإضافة، وإنَّما هو: أُبيُّ بن كعبٍ، وأبو جابرٍ استُشهِد قبل ذلك في أُحُد. و النَّاسخ والمنسوخ: ويُعرَف النَّسخ بتنصيص الشَّارع عليه؛ كحديث بُرَيدة: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، أو بجزم الصَّحابيِّ بالتَّأخُّر، كقول جابرٍ في «السُّنن» «كان آخِرَ الأمرين من النَّبيِّ ﷺ تَرْكُ الوضوء ممَّا مسَّت النَّار» أو بالتَّاريخ، فإن لم يُعرَف؛ فإن أمكن ترجيح أحدهما بوجهٍ مَا حلقتُ رأسي قبل الصلاة منذ أربعين سنة، فَهِمَ منهُ تحليقَ الرأس، وإنَّما المراد تحليقُ الناسِ حِلقًا. انتهى. ملخصًا. قوله: (أَوْ حَرَكَاتِهَا … ) إلى آخره، هذا ما يقتضيه إطلاقهم، فالمُصحَّف شامل لذلك كلِّهِ، وخصَّهُ شيخ الإسلام بما تغيرَ فيه النَّقْطُ فقط كشيئًا وستًا، وسمى ما تغير فيه الشكل مُحرفًا كَعَنَزَةَ محركًا وساكنًا. قال ابن الصلاح: وكثيرٌ من التصحيف المنقولِ عن الأكابر الجلة لهم فيه أعذارٌ لم ينقلها ناقلوه. فائدة: أورد الدَّارقطني في كتاب «التصحيف» كل تصحيفٍ وقع للعلماء حتى في القرآن، من ذلك ما رواه عثمان ابن أبي شيبة قرأ على أصحابه في التفسير: جعلَ السفينةَ في رحلِ أخيه، فقيل له: إنَّما هو ﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ [يوسف: ٧٠] فقال: أنا وأخي وأبو بكر لا نقرأُ لعاصمٍ، قال: وقرأ عليهم في التفسير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]، قالها: أ ل م؛ يعني: كأول البقرة. قلت: لو سمعتُ ذلك من أمثال هذا لقلت لابن الصلاح يقول لهم: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه﴾ [التوبة: ٩٢]. قوله: (وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوْخُ)؛ أي: ناسخُ الحديثِ ومنسوخُهُ، قال الإمام النووي: وكانَ للشافعي فيه يدٌ طُولى وسابقةٌ أُوْلَى، فقد نُقِلَ عن الإمام أحمد أنَّه قال لأحمد بن وارة، وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي؟ قال: لا، قال: فَرَّطتَ، ما علمنا المُجمل من المُفسر ولا ناسخَ الحديث من منسوخه حتى جالسنا الشافعي. انتهى. قوله: (ويُعْرَفُ … ) إلى آخره، ذكر ما يُعْرف به وترك ما يُعرَّف به، وهو: رفع الشارع حُكمًا منه متقدمًا بحكمٍ منه متأخر. والمرادُ برفع الحُكم: قطعُ تعلُّقِهِ عن المُكلفين، واحترزَ به عن المُجمل، وبإضافته للشارع عن أخبار بعض من شاهد النَّسْخَ من الصحابة، فإنَّه لا يكون ناسخًا على ما ذهب إليه بعضهم وإن لم يحصل التكليف به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلَّا بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية فإنَّه لا يسمى نسخًا، وبـ (المُتقدم) عن التخصيص المتصل بالتكليف كالاستثناء ونحوه. وبقولنا: (بحكم منه متأخر) عن رفع الحكم بموت المُكلف، أو زوالِ تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت كقوله ﷺ : «إِنَّكُم مُلَاْقُوْا العَدُوِّ غَدًا، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوْا»، فالصومُ بعد ذلك اليومِ ليسَ نسخًا. قوله: (كَحَدِيْثِ بُرَيْدَةَ)؛ أي: وكحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا ما بَدَا لَكُمْ … » الحديث. قوله: (فِيْ السُّنَنِ)؛ أي: سُنن أبي داود والنسائي. وقوله: (كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ) بنصبِ (آخرَ) خبر كان مقدَّمًا و (تركُ) بالرفع اسمها مؤخر، ومُقتضى كلام الشارح أنَّ الصَّحابي إذا لم يُخبِر بالتَّأخر بل قال: هذا ناسخ لكذا لم يثبت به النسخ، وهو اصطلاح أهل الأصول لا أهل الحديث، قالوا: لجواز أن يقوله عن اجتهاد. قال العراقي: وإطلاق أهل الحديث أوضحُ وأشهر؛ لأنَّ النَّسخ لا يصار إليه بالاجتهاد والرأي إنَّما يُصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابة أورعُ من أنْ يحكم أحد منهم على حكمٍ شرعيٍّ بنسخٍ من غيرِ أن يعرفَ تأخرَ الناسخِ عنه، وقد أطلق الشافعي ذلك أيضًا. انتهى. قوله: (أَوْ بِالتَّارِيْخِ)؛ أي: كحديثِ شَدَّادِ بنُ أوس مرفوعًا: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رواه أبو داود والنسائي، ذكر الشافعي: أنَّه منسوخٌ بحديث ابن عباس ﵁ «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ»، أخرجه مسلم، فإنَّ ابن عباس إنَّما صَحِبه مُحْرمًا في حجة الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شدَّاد أنَّ ذلك كان زمن الفتح سنة ثمان، ومما يعرف به النسخ أيضًا دلالة الإجماع كحديث: قَتْلُ شارِبِ الْخَمْرِ فِيْ الرَّابِعَةِ، وهو ما رواه أبو داود والترمذي من حديث معاوية: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِيْ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ». قال النووي في «شرح مسلم»: دلَّ الإجماع على نسخهِ وإن كان ابن حزم خالفَ في ذلك، فخلافُ الظاهرية لا يقدحُ في الإجماع، نعم ورد نَسخُه في السُّنَّةِ أيضًا كما روي عن جابر أن النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ شَرِبَ فِيْ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ»، قال: ثمَّ أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ برجلٍ قد شربَ في الرابعة فضربهُ ولم يقتله، قال: فرُفع القتلُ وكانت رخصةً، ثمَّ الحديثُ لا يحكم عليه بالنسخ بالإجماع على تركِ العمل به إلَّا إذا عُرف صحته، وإلَّا فيحتمل أنَّه غلطٌ كما صرَّح به الصَّيْرفي، والإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ، ولكن يدلُّ على وجودِ ناسخٍ غيره. انتهى «شرح التقريب» مختصرًا. قوله: (فإِنْ لَمْ يُعْرَفْ)؛ أي: التَّاريخ (فَإِنْ أَمْكَنَ … ) إلى آخره، إنَّما يُصَارُ إلى ذلك إذا لم يمكن الجمعُ بينهما بوجهٍ صحيحٍ، وإلَّا تعيَّنَ الجمعُ ولا يصار إلى النسخ، ويجب العمل بهما كحديث: «إَذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِل الخَبَث (١)»، وحديث: «خَلَقَ اللهُ الْمَاءَ طَهُوْرًا لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا ما غَيَّرَ لَوْنَهُ أو طَعْمَهُ أو رِيحَهُ»، فإن الأوَّلَ ظاهرهُ طهارةُ القُلتين تغيرَ أم لا، والثاني ظاهرهُ طهارة غيرِ المتغير سواءٌ كان قُلتين أم لا

стр. 57

من وجوه التَّرجيح متنًا أو إسنادًا لكثرة الرُّواة وصفاتهم تعيَّن المصير إليه، وإلَّا فيُجمَع بينهما، فإن لم يمكن فخُصَّ عُمومُ كلٍّ مِنْهُمَا بالآخر، وكحديث: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ» مع حديث «لَاْ عَدْوَى» وسيأتي في نوعِ المختلفِ الكلامُ على هذين الحديثَين. قوله: (مِنْ وُجُوْهِ التَّرْجِيْحِ)؛ أي: كالتَّرجيحِ بصفاتِ الرواةِ ككون رواة أحدهما أتقن وأحفظ، ووجوه الترجيح أوصلها العراقي في «نُكته» إلى أكثر من مئةٍ، وهي راجعةٌ إلى سبعة أقسام: الأول: الترجيحُ بحال الراوي: ككثرةِ الرُّواة؛ لأنَّ احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعدُ من احتماله على الأقل، وكقلة الوسائط؛ -أي: علو الإسناد- حيث الرجال ثقات؛ لأنَّ احتمال الوهم فيه أقلُّ، وفقهِ الراوي؛ لأنَّ الفقيه إذا سمع ما يمتنعُ حمله على ظاهره بحثَ عنه حتى يطلعَ على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي، وعِلمِه باللغةِ والنحو؛ لأنَّ العالِمَ بهما يتمكن من التحفظ عن مواقع الزلل ما لا يتمكن منه غيره، وكحفظه بخلاف مَن يَعْتَمِدُ على كتابه، وأفضليته في أحد الثلاثة بأن يكونا فقيهين أو نحويين أو حافظين، وأحدهما في ذلك أفضل من الآخر، وكزيادة ضبطه؛ -أي: اعتنائه واهتمامه بالحديث- وشُهرته؛ لأنَّها تمنع الشخص من الكذب كما تمنعه التقوى، وورعه وحسن اعتقاده بأن يكون غير مبتدعٍ، ومجالسته لأهل الحديث أو غيرهم من العلماء أو كونه أكثر مجالسة لهم، وذكورته، وحريته، وشهرة نسبه، وعدم اللَّبس في اسمه بحيث لا يُشاركه فيه ضعيفٌ ويصعب التمييز بينهما، أو لهُ اسمٌ واحد ولذاك أكثر، وعدم اختلاطه، وثبوت عدالته بالاختبار بخلاف مَن تثبت بالتزكية، أو العمل بروايته إن قلنا بها، وعمل من يزكيه بخبرِه مع كون الثاني لم يعمل بخبرهِ مُزكيه، والاتفاق على عدالته وذكر سببها، وكون المزكيّن له أكثرَ عددًا وعِلمًا أو كثيري الفحص عن أحوال الناس، وكونه صاحب القصة كتقديم خبر أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِي ﷺ فِيْ الصَّوْمِ لِمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا على خبر الفضل بن العباس في منعه؛ لأنَّها أعلمُ منه، ومباشرته لما رواه إذا كان الثاني لم يُباشر، وتأخرَ إسلامه على الراجح، وقيل: عكسه؛ لقوة أصالةِ المتقدم وكونِهِ أحسن سياقًا واستقصاءً لحديثه، أو سمعَ من مشايخ بلده مع مساواتهم لغيرهم وكونه مشافِهًا مُشاهدًا لشيخه حال الأخذ عنه، أو لا يجيز الرواية بالمعنى، أو من أكابر الصحابة ﵃، وكونه عليًّا ﵁ في الأقضية ومعاذًا في الحلال والحرام، وزيدًا في الفرائض، وكونِ الإسناد حجازيًا أو رواته من بلدٍ لا يرضونَ التدليس. القسم الثاني: الترجيحُ بالتَّحَمُّل وذلك بوجوهٍ: منها الوقت؛ فيرجحُ مَن لم يتحمل الحديث إلَّا بعد البلوغ على مَن تحمَّلَ من قبل ومن بعد، لاحتمال أن يكون هذا الذي رواه مما قبل والذي بعده أقوى لتأهله للضبط. ومنها أن يتحمل تحديثًا والآخر عرضًا، أو عرضًا والآخر كتابة أو مناولة أو وجادة. القسم الثالث: الترجيحُ بكيفيةِ الروايةِ كتقديمِ المَحكي بلفظه على المحكي بمعناه، والمشكوك فيه على ما عُرف أنَّه مَرويٌّ بالمعنى، وما ذكر فيه سبب وروده على ما لم يذكر، لدلالته على اهتمام الراوي به حيث عرف سببه، وأن تكون ألفاظه دالةً على الاتصال كحدثنا وسمعت، أو اتفق على رفعه أو وصله، أو لم يختلف في إسناده، أو لم يضطرب لفظه، وأن لا ينكره راويهِ ولا يتردد فيه. القسم الرابع: الترجيحُ بوقت الورود؛ كتقديم المدني على المكي، والدالِّ على علو شأن المصطفى ﷺ على الدال على الضعف؛ لبدء الإسلام غريبًا ثم شهرته فيكون الدال على العلو متأخرًا، والمتضمنِ للتغليظ على المتضمنِ للتخفيف على المعتمد؛ لأنَّه ﷺ جاءَ بالإسلام أولًا ثم شُرعت العبادات شيئًا فشيئًا، وترجيح ما تَحَمَّل بعد الإسلام على ما تحمل قبله أو شكَّ؛ لأنَّه أظهرَ تأخرًا، والمُؤَرَّخِ بقربِ وفاته ﷺ على غير المؤرخِ، أو المؤرخ بتاريخٍ مُتقدم، قال الرازي: الترجيحُ بما ذكر أي: في هذا القسم كله غير قوي. قلت: ومع ذلك فهو من التقديم بالتاريخ على ما يظهر. القسم الخامس: الترجيحُ بلفظِ الخبرِ؛ كترجيح الخاص على العام، أو العام الذي لم يخصصْ على المُخصص لضعف دلالته بعد التخصيص على باقي أفراده، والمطلق على ما ورد على سبب، والحقيقة على المجاز، والشرعية على غيرها، والعرفية على اللغوية، والمُسْتَغْنِي عن الإضمار والمنطوق على المفهوم، ومفهوم الموافقة على المخالفة، والمنصوص على حكمه على المشبه بمحل آخر، والمستفاد عمومه من الشرط والجزاء على النكرة المنفية أو من الجمع المُعَرَّفِ على (منْ)، وما خطابه تكليفي على الوضعي، وما حكمه معقولُ المعنى، وما قُدِّم فيه ذكر العلة، والمقارن للتهديد،

стр. 58

يُوقَف عن العمل بأحدهما. و المختلف: أن يوجد حديثان متضادَّان في المعنى بحسب الظَّاهر، فيجمع بما ينفي التَّضادّ؛ كحديث: «لا عدوى ولا طِيَرَة» مع حديث: «فِرَّ من المجذوم» وقد جُمِعَ بينهما بأنَّ هذه الأمراض لا تُعدِي بطبعها، ولكن جعل الله تعالى مخالطة المريض للصَّحيح سببًا لإعدائه، وقد يتخلَّف. ومن الأنواع: رواية الآباء عن الأبناء، وهو كرواية الأكابر عن الأصاغر، وما تهديده أشد، والمؤكَّدُ بالتكرار، والفصيح، وما بِلُغَةِ قريش، وما دلَّ على المعنى المُراد بوجهين فأكثر، أو بغير واسطة، وما ذُكِرَ معه مُعَارِضُه كـ «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»، والنص والقول، وقولٌ قارنه الفعل أو تفسير الراوي، وما فيه زيادة على ما خلا منها. القسم السادس: الترجيحُ بالحكم؛ وذلك بوجوهٍ: منها تقديم الدال على التحريم على الدال على الإباحة والوجوب، وتقديم الأحوط والدال على نفي الحد. القسم السابع: الترجيحُ بأمرٍ خارجي كتقديم ما وافق ظاهر القرآن، أو سنة أخرى، أو ما وافق الشرع، أو القياس، أو عمل الأمة، أو الخلفاء الراشدين، أو معه مرسل آخر، أو منقطع، أو لم يشعر بنوع قدح في الصحابة، أو له نظير متفقٌ على حكمه، أو اتفق على إخراجه الشيخان، إلى غير ذلك ممَّا لا ينحصر، ومثاره غلبة الظن. انتهى. ملخصًا من «شرح التقريب». أقول: ونظمت هذه الأقسام السبعة مجملة فقلت: أقسامُ ترجيحهمْ عندَ التعارضِ … في الأخبارِ سبعٌ أتتْ كالدرِّ منتظما حالُ الرواةِ كذا حالُ الروايةِ فِي … تَحَمُّلٍ وأداءٍ والوقتُ إذْ عُلما اللفظُ والحكمُ أمرٌ خارجٌ كذا … كانَ البخاريُّ روى فاحفظْ وكُنْ فَهِما فائدتان: الأولى: منعَ بعضهم الترجيح في الأدلة قياسًا على البينات وقال: إذا تعارضا لزم التخيير أو الوقف، وأُجيب: بأنَّ مالكًا يرى ترجيح البينة على البينة، ومن لم يرَ ذلك يقول: البينة مستندة إلى توقيفات تَعَبُّدِيَة، ولهذا لا تقبلُ إلَّا بلفظ الشهادة. الثانية: ما سَلِمَ مِنَ المُعارضة فهو محكمٌ، وقد عقد له الحاكم في «علوم الحديث» بابًا وعَدَّهُ من الأنواع، قال: ومن أمثلته حديث: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يوم الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ»، وحديث: «لَا يَقْبَلُ الله صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً من غُلُولٍ»، وحديث: «إِذَا وُضِعَ العَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ». قوله: (يُوْقَفُ عَنْ العَمَلِ بَأَحَدِهِمَا)؛ أي: حتَّى يظهرَ مرجحٌ. قوله: (وَالْمُخْتَلِف) قال في «التقريب»: هُوَ منْ أهمِّ الأنواعِ، ويضطر إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف، وإنَّما يكملُ له الأئمةُ الجامعون بين الحديث والفقه، والأصوليون الغواصون على المعاني الدقيقة، وأول مَن تكلَّم فيه الإمام الشافعي، وكان ابن خزيمة من أحسن الناس كلامًا فيه حتى قال: لا أعرف حديثين متضادَّين، فمن كان عنده فليأتني بهما لأؤلف بينهما. قوله: (فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا)؛ أي: إن أمكن الجمعُ بينهما بوجهٍ صحيح ولا يصارُ إلى التعارض، ويجبُ العمل بهما، فإن لم يمكن؛ فإن علمنا أحدهما ناسخًا بطريقٍ مما سبق قدَّمناه، وإلَّا رجحنا أحدهما بوجهٍ مما سبق. قوله: (وَلَاْ طِيَرَة) بكسر الطاء وفتح الياء وقد تُسكن، مصدر تطيَّر بالشيء إذا تشاءم به، قال تعالى: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] يقال: تَطَيَّرَ طِيْرَةً، كتَحَيَّرَ حِيْرَةً. قوله: (بِأَنَّ هَذِهِ الأَمْرَاضَ … ) إلى آخره، هذا ما اختاره ابن الصلاح، واختار شيخ الإسلام أن نفي العدوى باقٍ على عمومه، والأمر بالفِرار من باب سد الذرائع؛ لئلا يتفق للذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى، فيظن أنَّ ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحَّةَ العدوى فيقع في الحرج، فأمرَ بتجنبه حسمًا للمادة، وقال الباقِلاني: إثباتُ العدوى في الجُذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله: «لا عدوى»؛ أي: إلَّا من الجذام ونحوه، فكأنَّه قال: لا يُعدي شيءٌ شيئًا إلَّا ما تقدم تبييني له أنَّه يُعدي، وقيل: الأمرُ بالفرار رعاية لخاطر المجذوم؛ لأنَّه إذا رأى الصحيح تعظمُ مُصيبته وتزدادُ حسرَتُهُ، ويُؤيده حديث: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلى الْمَجْذُومِينَ» فإنَّهُ محمول على هذا المعنى. قوله: (رِوَايَةُ الآبَاءِ عَنْ الأَبْنَاءِ)؛ أي: كرواية العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل: «أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ جَمَعَ بين الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ» وما رُوي عن مُعتمر بن سليمان التَّيمي قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثتني أنت عني عن أيوب؛ -أي: السَّخْتِيَانِي- عن الحسن قال: (وَيْحَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ). قال النووي: وهذا مثالٌ ظريف يجمعُ أنواعًا. انتهى. أي: كرواية الأب عن ابنه، ورواية الأكبر عن الأصغر، ورواية التابعي عن تابعيه، وأنَّه حدَّث غير واحد عن نفسه، وهذا في غاية من الحسن والغَرابة ويبعدُ أن يوجد مجموع هذا في حديثٍ، وقد أورد هذا الحديث الخطيب في كتبه، وقال: هكذا روى الحديث يحيى بن معين، عن معتمر، عن منقذ، عن نفسه، ثم رجع عن ذلك فرواه عن معتمر، عن أبيه، عن نفسه. ومن ذلك رواية أبي داود صاحب «السنن»، عن ابنه أبي بكر حديثين، ومنه حديث أبي بكر، عن عائشة ﵂

стр. 59

ورواية الأبناء عن الآباء، ويدخل فيه رواية الابن عن أبيه عن جدّه، وأكثر ما انتهت الآباء فيه إلى أربعة عشر أبًا. و السَّابق واللَّاحق: وهو من اشترك في الرِّواية عنه راويان متقدِّمٌ ومتأخِّرٌ، تَبايَن وقت وفاتيهما تباينًا شديدًا، فحصل بينهما أمدٌ بعيدٌ، وإن كان المتأخِّر غير معدودٍ من معاصري الأوَّل ومن طبقته. ومن أمثلة ذلك: أنَّ البخاريَّ حدَّث عن تلميذه أبي العبَّاس السَّرَّاج بأشياء في التَّاريخ وغيره، ومات سنة ستٍّ وخمسين ومئتين، وآخِرُ مَن حدَّث عن السَّرَّاج بالسَّماع ، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ من كل دَاءٍ»، لكن قيل: إنَّ ذلكَ غلطٌ ممَّنْ رواه إنَّما هو عن أبي بكر بن عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر عن عائشة كما رواه البخاري في صحيحه، قال الحافظ السيوطي: ومن ألطفِ هذا النوعِ روايةُ أبي طالب، عن النَّبيِّ ﷺ . انتهى. أي: «فَإِنَّ الْعَمَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ». قال ابن الصَّلاح: وأكثر ما رويناه لأبٍ عن ابنه عن حفص الدُّوْرِي المُقري، عن ابنه أبي جعفر ستةَ عشر حديثًا. قوله: (روَايَةِ الأَبْنَاءِ عَنْ الآبَاءِ) هو كثيرٌ كروايةِ الدَّارمي، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ وهو في السنن الأربعة. قوله: (كَ رِوَايَةُ الأَكَابِرِ عَنْ الأَصَاغِرِ) هو نوعٌ جليلٌ من فوائده أن لا يتوهم أنَّ المرويَّ عنه أفضلُ وأكبر من الراوي لكونه الأغلب، ومنها أن لا يظن أنَّ في السند انقلابًا، وهو أقسام كما في «التدريب»: أحدها: أن يكون الراوي أكبرَ سِنًّا وأقدمَ طبقةً من المرويِّ عنه؛ كالزهري عن مالك. والثاني: أن يكون الراوي أكبرَ قدرًا لا سِنًّا؛ كحافظٍ عالمٍ روى عن شيخٍ ممن لا علمَ عنده، كمالك عن عبد الله بن دينار، وأحمد ابن حنبل عن عبيد الله بن موسى العبسي. الثالث: أن يكون الراوي أكبر من الوجهين معًا، كعبد الغني بن سعيد عن تلميذه محمد بن علي الصوري، ومن هذا رواية الصحابة عن التابعين، كالعبادلة وأبي هريرة وأنس عن كعب الأحبار، وكذا رواية التابعين عن تابعيهم، كالزهري عن مالك. قوله: (عن أبيه عن جده)؛ أي: كعَمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه، عن جده، احتجَّ بهِ أكثرُ المحدثين حملًا لجده على عبد الله الصحابي دون محمد التابعي؛ لما ظهر لهم من إطلاقه ذلك، ولا عبرة بمن أنكر ذلك كأبي داود محتجًّا بأنَّ روايته عن أبيه عن جَدِّهِ كتابة، وقولُ ابن حبان: إن أراد جده عبد الله فشُعيبٌ لم يلقه فيكونُ مُنقطعًا، وإن أراد محمدًا فلا صحبة له فيكون مرسلًا، فقد قال الذهبي: هذا القولُ لا شيء؛ لأنَّ شُعيبًا ثبتَ سماعه من عبد الله. انتهى. وقد احتج بها مالك في الموطأ، وروي عن إسحاق بن رَاهُوْيَه قال: عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. قال النووي: وهذا التشبيهُ نهايةُ الجلالة من مثل إسحاق هذا. وقال السيد أبو القاسم بن محمد العلوي: الإسناد بعضه عَوالٍ وبعضه مَعالٍ، وقول الرجل حدَّثني أبي عن جدي من المعالي. وروى الحاكم عن مالك بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] قال قول الرجل: حدَّثني أبي عن جدي. انتهى. ثم تارةً يريدُ الجدَّ أبا الأب، وتارةً يريد الأعلى فيكون جدًا للأبِ. قوله: (إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَبًا) قال العِراقي: أكثرُ ما وقع لنا التَّسلسل بأربعةَ عشر أبًا من رواية أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب والحسن بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن الحسين بن جعفر بن عبيد الله بن الحسن الأصغر بن علي زين العابدين بن الحسن بن علي عن آبائه مرفوعًا بأربعين حديثًا منها: «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ». انتهى. ومن ألطف ما جاء بأقل من ذلك رواية الخطيب في «تاريخه» عن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أُكَيْنة -بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية ونون- قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي علي بن أبي طالب ﵁ يقول: أي: -وقد سُئِلَ عَنْ الحَنَّانِ المَنَّانِ- الحَنَّانُ الذِيْ يُقْبِلُ عَلَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَالمَنَّانُ الَّذِي يعطي، يَبْدَأُ بِالنّوَالِ قَبْلَ السُّؤالِ. قال الخطيب: بين عبد الوهاب وبين علي ﵁ في هذا الإسناد تسعة آباء، آخرهم أُكَيْنَةَ بن عبد الله وهو السامعُ عليًا. فائدة: يلتحقُ برواية الرجل عن أبيه عن جده، رواية المرأة عن أمها عن جدتها، وهو عزيز جدًا، ومن ذلك ما رواه أبو داود في «سننه» عن بُندار، عن أم جَنوب بنت نُميلة، عن أمها سُوَيْدَةَ بنت جابر، عن أمها عُقَيْلَة بنت أَسْمَرَ بن مُضَرِّسٍ، عن أبيها أسمر قال: أَتَيْتُ النَّبِي ﷺ فبايعته، فقال: «مَنْ سَبَقَ إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ»، ذكره الجلال السيوطي. قوله: (السَّابِقُ واللَّاحِقُ) من فوائده حلاوةُ علو الإسناد في القلوب كما قال الشارح، وأن لا يظن سقوط شيء من الإسناد. قوله: (أَمَدٌ)؛ أي: زمنٌ بعيد. قوله: (أَبِي العَبَّاسِ) هو محمد بن إسحاق، و (السَّرَّاج) بفتح السين المهملة وتشديد الراء آخره جيم، نسبة إلى عمل السُّروج، كان من أجداده من يعملها، كما في «اللباب».

стр. 60

أبو الحسين الخفَّاف، ومات سنة ثلاثٍ وتسعين وثلاث مئةٍ، ومنه أنَّ الحافظ السِّلفيَّ سمع منه أبو عليٍّ البردانيُّ أحد مشايخه حديثًا رواه عنه، ومات على رأس الخمس مئة، ثمَّ كان آخر أصحابه بالسَّماع سبطه أبو القاسم عبد الرَّحمن بن مكِّيٍّ، وكانت وفاته سنة خمسين وستِّ مئة، ومن فوائده: تقرير حلاوة الإسناد في القلوب. و الإخوة والأخوات: فمن أمثلة الاثنين: هشامٌ وعمرو ابنا العاص، وزيدٌ ويزيد ابنا ثابتٍ، ومن الثَّلاثة: سهلٌ وعبَّادٌ وعثمان بنو حُنَيفٍ -بالتَّصغير-، ومن الأربعة: سهيلٌ وعبد الله الذي يُقال له: عبَّادٌ ومحمَّدٌ وصالحٌ بنو أبي صالحٍ ذكوان السَّمَّان، وفي الصَّحابة: عائشة وأسماء وعبد الرَّحمن ومحمَّد بنو أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵃، وأربعةٌ وُلِدُوا في بطنٍ وكانوا علماء؛ وهم محمَّدٌ وعمرُ وإسماعيلُ ومَنْ لم يُسمَّ بنو أبي إسماعيل السُّلَميِّ، ومن الخمسة: الرُّواة سفيان وآدم وعمران ومحمَّدٌ وإبراهيم بنو عُيَيْنَة، ومن السِّتَّة: محمَّدٌ وأنسٌ ويحيى ومعبدٌ وحفصة وكريمة أولاد سيرينَ، وكلُّهم من التَّابعين. ومن لم يرو عنه إلَّا واحدٌ، كرواية الحسن البصريِّ عن عمرو بن تَغْلِب في «صحيح البخاريِّ» [خ¦٩٢٣]، فإنَّ عَمْرًا لم يرو عنه غيرُ الحسن، قاله مسلمٌ والحاكم. قوله: (أَبُوْ الحُسَيْنِ) هو أحمد بن محمد الخَفَّاف النَّيسابوري. قوله: (وَمَاتَ سَنَةَ ثَلَاْثٍ وَتِسْعِيْنَ … ) إلى آخره، وقيل: أربع، وقيل: خمس وتسعين؛ أي: فبين وفاته ووفاة البخاري مئة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر. قوله: (السِّلَفِي) بكسر السين المهملة وفتح اللام وبالفاء نسبة إلى سِلْفَة، جده، كذا في «اللباب». قوله: (البَرَدَانِي) بفتح الموحدة والراء والدال المهملة وبالنون، نسبة إلى بَرَدَان قرية ببغداد. قوله: (وَالإِخْوَةُ وَالأَخَوَاتُ)؛ أي: ومن الأنواع روايةُ الإخوة والأخوات، قال في «شرح التقريب»: ومن فوائده أنَّ لا يُظن مَن ليس بأخ أخًا عند الاشتراك في اسم الأب. قوله: (فَمِنْ أَمْثِلَةِ الاثنَيْنِ … ) إلى آخره؛ أي: في الصحابة ومنها عمر وزيد ابنا الخطاب، وعبد الله وعتبة ابنا مسعود، ولم يذكر الشارح في هذه من التابعين أحدًا، ومنها عمرو وأرقم ابنا شُرَحْبِيْل كلاهما من أفاضل أصحاب ابن مسعود قاله ابن الصلاح، والجمهور على تبديل عمرو لهذيل وهو الذي اقتصر عليه البخاري. قوله: (وَمِنَ الثَّلَاْثَةِ)؛ أي: من الصحابة أيضًا، و (عَبَّاد) بالفتح والتشديد، ومنها أيضًا منهم (علي وجعفر وعقيل) بنو أبي طالب، ومن غير الصحابة في التابعين (عمرو) بالفتح و (عمر) بالضم و (شُعيب) بنو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص. ومن اللطائف ثلاثة إخوةٍ روى بعضهم عن بعض، وهم: محمد بن سيرين، عن أخيه يحيى، عن أخيه أنس، عن مولاه أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا»، أخرجه الدَّارقطني في «العلل». قوله: (عَبَّادٌ وَمُحَمَّدٌ) هذا هو الصحيحُ، وأما قول ابن عَدِي ليس في أولاد أبي صالح محمد إنَّما هو سهيل ويحيى وعباد أو عبد الله وصالح، فَوَهَمَ كما قاله العراقي حيثُ أبدلَ محمدًا بيحيى، وجعلَ عبادًا وعبد الله اثنين، وإنَّما هو لَقَبُهُ. قوله: (وَمِنَ الْخَمْسَةِ)؛ أي: من أتباعِ التَّابعين، ومثاله من التابعين: موسى وعيسى ويحيى وعمران وعائشة أولاد طلحة بن عبيد الله، وأما من الصحابة فقال الجلال في «شرح التقريب»: لم أقفْ عليه. قوله: (بَنُو عُيَيْنَةَ)؛ أي: وحدَّثوا كُلهم. قوله: (وَمِنَ السِّتَّةِ)؛ أي: من التَّابعين، وأما من الصحابة فلم يوجدْ. قوله: (وَكَرِيْمَةُ) هذا ما ذكرهُ ابن معين والنَّسائي والحاكم، وذكر أبو علي الحافظ خالدًا بَدَلَ كريمة، وزادَ ابنُ سعيد فيهم عَمرة وسَودة، قال العراقي: ولا رواية لهما فلا يَردان، وفي «المعارف» لابن قتيبة: ولد لسيرين ثلاثة وعشرون ولدًا من أمهات أولاد. قوله: (سِيْرِيْنَ) ممنوعٌ من الصَّرْفِ للعلميةِ والعُجمة، وذكر بعضهم أنَّها مصروفةٌ كغِسلين، واقتصر الشارح على ما ذكر من العدد. وقد اجتمع من الصحابة عشرة أخوة أولاد العباس: عبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، والفضل، وقُثم، ومعبد، وعون، والحارث، وكثير، وتمام، وهو أصغرهم، بل أربعة عشر وهم هؤلاء وأخواتهم أربع إناثٍ: أم كلثوم، وأم حبيب، وأميمة، وأم تميم. قال ابن عبد البر: لكلِّ ولد العباس رؤية، والصحبةُ للفضل. انتهى. ولعله ممَّن يرى أن الصُّحْبَةَ لا تتحققُ إلَّا لمن طالتْ صُحبته له ﷺ وروى عنه لا كل من رآه. قوله: (وَمَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّاْ وَاحِدٌ) من فوائده معرفة المجهول إذا لم يكن صحابيًا فلا يقبل. قوله: (ابْنِ تَغْلِبَ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام ثم موحدة كما في «التقريب» وهو ممنوعٌ من الصَّرف للعَلمية ووزن الفعل، كما في «شرح التسهيل». قوله: (فِيْ صَحِيْحِ البُخَارِي)، فيهِ: ردٌّ على الحاكم إذ قال في «المدخل»: لم يُخرِّجا؛ -أي: الشيخان- في الصحيحين عن أحد من هذا القبيل من الصحابة، وتَبِعه البيهقي فقال: إنهما لم يخرجاه على عادتهما في أنَّ الصحابي أو التابعي إذا لم يكن له إلَّا راو واحد لم يخرجا حديثه في الصحيحين. انتهى. فهذا منقوض بما ذكره الشارح من رواية الحسن البصري عن عمرو بن تغلب مرفوعًا: «وَإِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ»، وبإخراج الشيخين حديثَ سعيد بن المُسَيَّب في وفاةِ أبي طالب مع أنَّه لا راويَ له غير ابنه، وإخراجِ مسلم حديث عبد الله بن الصامت، عن رافع بن عمرو الغفاري ولا راوي له غيره، قال النووي: ونظائرُ ذلك في الصحيحين كثيرة. قوله: (قَالَهُ مُسْلِمٌ وَالحَاكِم) هوَ الصَّحِيْحُ، وما قاله ابنُ عبد البر وابن أبي حاتم أَنَّهُ روى عنه أيضًا الحكم ابن الأعرج (١) رَدَّهُ العراقي، وقال: لم أقفْ لهُ على روايةٍ عنهُ في شيءٍ من طُرِقِ الحديث، ولم يذكر الشارح من التابعين وأتباعهم أحدًا، وقد تفرَّدَ الزُّهري عن نيفٍ وعشرينَ من التَّابعين لم يروِ عنهم غيرهُ، منهم محمد بن أبي سفيان وعمرو بن أبي سفيان، وتفرَّدَ عمرو بن دينار عن جماعةٍ وكذا أبو إسحاق السَّبيعي وهِشَام بن عُروة ومالك وغيرهم، قال الحاكم: والذي تَفَرَّدَ عنهم مالك نحو عشرةٍ من شيوخ

стр. 61

مَنْ له أسماءُ مختلفةٌ ونعوتٌ متعدِّدةٌ، وفائدته: الأمن من جعل الواحد اثنين، وتوثيق الضَّعيف، وتضعيف الثِّقة، والاطِّلاع على صنيع المرسِلين، ومن أمثلته: محمَّد بن السائب الكلبيُّ المفسِّر، هو أبو النَّضر الذي روى عنه ابن إسحاق، وهو حمَّاد بن السَّائب الذي روى عنه أبو أسامة، وهو أبو سعيدٍ الذي يروي عنه عطيَّة العوفيُّ موهمًا أنَّه الخدريُّ، وهو أبو هشام الذي روى عنه القاسم بن الوليد. والمفردات من الأسماء: فمن الصَّحابة: سَنْدَر؛ بفتح السِّين والدَّال المهملتين بينهما نونٌ ساكنةٌ آخره راء، وكَلَدَة -بالدَّال المُهملَة وفتحاتٍ- ابن الحَنْبل؛ بمهملةٍ مفتوحةٍ بعدها نونٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ فلامٌ، ووابِصة -بموحَّدةٍ مكسورةٍ فمهملةٍ- ابن معبدٍ. ومن غير الصَّحابة: تَدوم -بفوقيّةٍ مفتوحةٍ ودالٍ مُهمَلةٍ مضمومةٍ- ابن صُبْحٍ، أو -بالتَّصغير- الحميريُّ، وسُعَيرٌ -بالمُهملَتين مُصَغَّرًا- ابن الخِمْس؛ بكسر الخاء المُعجَمة وسكون الميم بعدها مهملةٌ. المدينةِ منهم المِسْوَرُ بن رِفَاعَةَ القُرَظِي، وتفرَّدَ سُفيان عن بضعةَ عشرَ شيخًا، وشُعبة عن نحو ثلاثين، قاله في «شرح التقريب». قوله: (مَنْ لَهُ أَسْمَاءٌ مُخْتَلِفَةٌ … ) إلى آخره، هو فنٌّ عويصٌ تمسُّ الحاجةُ إليه صُنفت فيه كتب مخصوصة. قوله: (وَنُعُوْتٌ مُتَعَدِّدَةٌ)؛ أي: صفاتٌ مختلفة من كُنى أو ألقاب أو أنساب؛ إِمَّا من جماعةٍ من الرواة عنه يعرفهُ كلُّ واحد منهم بغيرِ ما عرفهُ الآخر، أو من راوٍ واحدٍ عنه يعرفه مرة بهذا ومرة بهذا فيلتبسُ الأمر على مَن لا معرفةَ عنده، بل على كثيرٍ من أهل المعرفةِ والحفظِ. قوله: (المُرْسِلِيْن) بكسر السين؛ أي: حيثُ يروى عن أبي سعيد الآتي عن النَّبيِّ ﷺ فيتوهم أنَّه أبو سعيد الخدري، وأنَّ الحديثَ متصلٌ وليس كذلكَ فبمعرفته يتضح ذلك. قوله: (مُحْمَد بنُ السَّائِب) هو العلَّامَةُ في الأنساب وأحدُ الضعفاء. قوله: (الذِي رَوَى عَنْهُ ابنُ إِسْحَاقَ)؛ أي: مُكنِّيًا له بما ذكر من أبي النَّضرِ وهي كُنيته، والذي رواه عنه ابن إسحاق حديث تَمِيْم الدَّاري وعدي بن بدَّاء (١) في قصتهما النازل فيها: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]، رواها عنه، عن بَاذَان، عن ابن عباس. (عنه أبو أسامة)؛ -أي: مُعَنْوِنًا عنه بحَمَّاد بن السَّائب- وسماه حمَّادًا أخذًا من محمد، وقد غلطَ فيه النَّسائي والحافظ الكتاني والذي رواه عنه هو حديث «ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ»، والمَسك بفتح الميم الجلد، رواه عنه عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس. قوله: (الَّذِي يَروَي عَنْهُ عَطِيَّة)؛ أي: في التفسير، و (العَوْفِي) بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالفاء، نسبة إلى عوف بن سعد بطن معروف. قوله: (الَّذِي رَوَى عَنْهُ القَاسِمُ بنُ الوَلِيْدِ)؛ أي: الهمْداني، عن أبي صالح، عن ابن عباس حديث: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿قُلْ هُوَ القَادِرُ﴾ [الأنعام: ٦٥] … » الحديث، كَنَّاهُ بابنه هشام، ومن هذا القبيل أيضًا سالم الراوي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخُدْري وعائشة، فهو سالم أبو عبد الله المدني، وهو سالم مولى مالك بن أوس بن الحَدَثَان، وهو سالم مولى شدَّاد بن الهَاد الذي روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو سالم مولى النصريين بالمهملة والنون، وهو سالم أبو عبد الله الدَّوسي الذي روى عنه يحيى بن كثير، وهو سالم مولى دَوْسٍ الذي روى عنه محمد بن عبد الرحمن وكذلك محمد بن قيس الشامي، قال عبد الله بن أحمد بن سَوَادة: قلبوا اسمه على مئة اسم وزيادة. انتهى. أي: فقيل فيه: محمد بن سعيد، وقيل: محمد بن أبي قيس، وقيل: محمد بن حبان، وقيل: محمد الشامي، وقيل: أبو قيس الدمشقي، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عبد الكريم على معنى التعبد لله، وقيل وقيل، قال النووي: واستعمل الخطيب كثيرًا من هذا في شيوخه، وتبعه في ذلك المتأخرون من المحدثين وآخرهم ابن حجر. [الوحدان] قوله: (وَالمُفْرَدَات)؛ أي: ومن الأنواع: المُفْرَدَات؛ أي: من الأسماء والكنى والألقاب في الصحابة والرواة؛ أي: من لم يشاركه غيره فيما ذكر من الأسماء … إلى آخره، أفرده بالتصنيف جماعة. قوله: (فَمِنَ الصَّحَابَةِ … ) إلى آخره، ومنهم: أجمد بن عُجْيَان بالجيم الساكنة فيه وفي أبيه وضم العين المهملة وتحتية كسُفْيان، وَوَهم أبو بكر ابنُ العربي إذ ضبطه (أحمد) بالمهملة. وجُبَيْبُ بن الحارث بضم الجيم وموحدتين، وغلطَ ابن شاهين فجعله بالخاء المعجمة، وغيره فجعله بالراء آخره. وشَكَل -بفتحتين- ابن حُميد من رهط حذيفة، روى حديثه أصحاب السنن. وصُدَيُّ بنُ عجلان بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء. وصُنَابِح بضم الصاد وكسر الموحدة آخره مهملة. وشَمْغُوْن بن يزيد القرطبي وهو بالشين والغين المعجمتين، وقيل: بالمهملتين، وقيل: بمعجمة فمهملة. وهُبَيْب -بموحدةٍ مكرَّرَةً مُصغرًا- ابن مَغْفِل بإسكان المعجمة وكسر الفاء الغفاري. ولُبَي باللام أوله مصغرًا كأُبي وغلط من جعله أبيًا. قوله: (سَنْدَر) هو الخَصي مولى زِنباع الجُذَامي نزلَ مصرَ ويُكَنَّى أبا الأسود وأبا عبد الله باسم أبيه، وظنَّ بعضهم أنهما اثنان فاعترضَ على ذكره في الأفراد وليس كذلك، كما قاله العراقي وهو بمهملتين مفتوحتين بينهما نون ساكنة. قوله: (وَفَتَحَاتٍ) بصيغة الجمع. وقوله: (ابْنُ الحَنْبَل)؛ أي: بلفظ جدِّ الإمام أحمد. قوله: (بِفَوْقِيَّةٍ مَفتُوْحَةٍ) وقيلَ: بتحتية، كما في «التدريب». قوله: (ابنُ صُبْحٍ)؛ أي: بضمِّ الصَّاد مُكبرًا. قوله: (وَسُعَيْرُ) قال ابن الصلاح: انفرد في اسمه واسم أبيه، وقال العراقي: لم ينفردْ في اسمه، ففي الصحابة سُعير بن عداء، وسُعير بن سوادة، قال الحافظ السيوطي: بعد أن ذكر ما ذكر: وسُعير بن خفاف التميمي، كان عاملًا له ﷺ على بطون تميم، وأقره أبو بكر ﵁. ومنهم أيضًا جِيْلَانُ بنُ فَرْوَة بكسر الجيم وسكون التحتية. والدُّجَين -بالجيم مصغرًا- ابن ثابت أبو الغصن.

стр. 62

والمفردات من الألقاب: سفينة مولى رسول الله ﷺ . ومن غير الصَّحابة: مَنْدل بن عليٍّ العَنَزِيُّ، واسمه -فيما قِيل عمروٌ-، ومُشكُدانة؛ بضمِّ أوَّله وثالثه وبعد الميم شينٌ مُعجَمةٌ، وهي وعاء المِسْك. ومن الكنى: أبو العُبَيدَيْن -بضمِّ المهملة ثمَّ مُوحَّدةٍ مفتوحةٍ- تثنية عبدٍ، وأبو العُشَراء -بضمِّ العين المُهمَلة وفتح الشِّين المُعجمَة- الدَّارميُّ. ومن الأنساب: اللَّبَقِيُّ -بفتح اللَّام والموحَّدة وكسر القاف- عليُّ بن سلمة. والكنى تسعة أقسامٍ: كنيةٌ لصاحب كنيةٍ أخرى غيرها، ولا اسم له غيرها، أبو بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السَّبعة، كنيته أبو عبد الرَّحمن، أو تكون الكنية اسمه ولا كنية له؛ كأبي بلالٍ الأشعريِّ عن شريكٍ، أو تكون الكنية لقبًا، وله اسمٌ وكنيةٌ غيرها؛ كأبي ترابٍ لعليِّ بن أبي طالبٍ أبي الحسن، وأبي الزِّناد لعبد الله بن ذكوان أبي عبد الرحمن، أو يكون له كنيةٌ أخرى غيرها أو أكثر، من غير سببٍ لذلك؛ فمن أمثلة ذلك: ذو الكنيتين عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريجٍ، يُكْنَى أبا خالدٍ وأبا الوليد، ومن الثَّلاثة: منصورٌ الفَرَاويُّ يُكْنَى أبا بكرٍ وأبا الفتح وأبا القاسم، وكان يُقال له: ذو الكنى، أو تكون كنيته لا خلاف فيها وفي اسمه اختلافٌ، كأبي بَصْرَة الغفاريِّ، قِيلَ في اسمه: جميلٌ -بفتح الجيم-، وقِيلَ: بالحاء المُهملَة قال ابن الصلاح: قيل: إنَّه جُحى المعروف، ومشى عليه الشيرازي في الألقاب، والأصحُّ أنَّه غيره، فقد روى عنه ابن المبارك ووكيع ومسلم بن إبراهيم وهؤلاء أعلمُ بالله من أن يرووا عن جحى. انتهى. قلت: قال الشعراني في «المنهج المطهر للقلب»: والفؤاد عبد الله جحى تابعي كما رأيته بخط الجلال السيوطي، قال: وكانت أمه خادمة لأنس ﵁، وكان الغالب عليه السذاجة وصفاء السريرة، فلا ينبغي لأحد أن يسخر به إذا سمع ما يضاف إليه من الحكايات المضحكة بل يسأل الله أن ينفعه ببركاته. قال الجلال: وغالبُ ما يُذكر عنه من الحكايات المضحكة لا أصلَ له. انتهى. وقد ذكره غيرُ واحدٍ، ونسبوا له كرامات وعلومًا جَمَّةً، وهو غير منصرفٍ كزُفر كما قاله الأخفش. (قلت): ولا مانعَ من أنهما اثنان كلٌّ منهما يقال له «جحى» ذاك تابعي، وهذا مجوني. ومنهم أيضًا زِرُّ بنُ حُبَيْش التَّابعي الكبير، ولا يرد ما ذكره العراقي من زِر بن عبد الله الغنيمي وزِر بن قيس وزِر بن محمد الثعلبي فإن الأول صحابي والآخران شاعران، والغرضُ ذكر الصحابة والرواية، ونَوْف بن فَضالة -بفتح النون وسكون الواو آخره فاء- البِكَالِي بكسر الموحدة وتخفيف الكاف على الصواب، والفتح والتشديد غلطٌ. وضُريب بن نُقير بن شُهير بالتصغير في الجميع وبالقاف في نُقَير أو الفاء، قيل: نُفَيل بالفاء واللام. قوله: (مِنَ الْأَلْقَابِ)؛ أي: من الصحابة، وسيأتي قوله: (ومن غير الصحابة … ) إلى آخره. قوله: (سَفِيْنَةُ … ) إلى آخره، بفتح السين وكسر الفاء لُقِّبَ بذلكَ؛ لأنَّهُ حملَ متاعًا كثيرًا لرفقته في الغزو، فقال له ﷺ : «أَنْتَ سَفِيْنَةٌ»، واسمه مِهران بكسر الميم. قوله: (مَنْدَلُ) بفتح الميم على الصواب كما نقله العراقي في «نكته» واسمه عمرو بن علي. وقوله: (الْعَنَزِي) بفتح العين المهملة والنون. قوله: (وَثَالِثُهُ)؛ أي: الكاف والذي في «شرح التقريب» أنَّه بفتحها والمُهملة وبعد الألف نون. وقوله: (وَهِيَ وِعَاءُ الْمِسْكِ) الضمير للمُشْكُدَانة وهي كلمة فارسية معناها ما ذكر، وقيل: معناها حبة المسك لُقِّبَ بها عبد الله المذكور؛ لأنَّه كان إذا جاء عند الفضل بن دُكَين لَبِسَ وتَطَيَّبَ فَلَقَّبَهُ بذلك. قوله: (أَبُوْ الْعُبَيْد) صوابُهُ أبو العُبَيْدَين كما قال فيه: تصغير عبد، إلَّا أنَّه كان الصواب فيه أيضًا تثنية عُبيد مُصغرًا كما في «التقريب» اسمه معاوية بن سَبرة من أصحاب ابن مسعود. قوله: (وَأَبُوْ العُشَرَاء) اسمهُ أسامةُ بن مالك كما ذكره ابن الصلاح وهو الأشهر، وقيل: عطارد بن بكر. ومن الكُنَى أيضًا أبو مَزْرَد واسمهُ عبد الرحمن بن يسار، وأبو مُرَايَة بضم الميم وتخفيف الراء والمثناة التحتية واسمه عبد الله بن عمرو، روى عنه قَتَادة، وأبو مُعَيْد مُصَغَّرًا مُخَفَّفَ الياءِ، واسمه حفصُ بن غَيْلان روى عن مَكْحُوْلٍ وغيره. قوله: (وَالْكُنَى تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) هذا أيضًا من الأنواع المهمة، والمراد منه بيانُ أسماء ذوي الكُنى، وسيأتي للشارح أنَّ فائدة ذلك دفعُ وهمِ التَّعَدُّدِ إذا ذُكر الراوي مرةً باسمه وأخرى بكنيته. قوله: (تِسْعَةُ أَقْسَامٍ) قال الجلال السيوطي: ابتكرها ابن الصلاح. قوله: (كُنْيَةٌ لِصَاحِبِ كُنْيَةٍ … ) إلى آخره، هذا أولُّ الأقسامِ وهو ضَربان هذا وما بعده. قوله: (أَبُوْ بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) قال العراقي: هذا قولٌ ضعيفٌ رواه البخاري في «التاريخ»: عن سُمي مولى أبي بكر، والصحيحُ أن اسمَهُ كُنيتُه، كما جزم به ابن أبي حاتم وابن حِبَّان، ومثله أبو بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري كنيته أبو محمد، قال الخطيب: لا نظيرَ لهما في ذلك. قوله: (أَوْ تَكُوْنُ الكُنْيَةُ اسْمَهُ) هذا هو الضربُ الثاني من القسم الأول، لا قسمٌ آخر كما يوهمه صنيع الشارح. وقوله: (وَلَاْ كُنْيَةَ لَهُ)؛ أي: غيرَ الكنيةِ التي هي اسمهُ. قوله: (عَنْ شَرِيْكٍ)؛ أي: الرَّاوي عن شريك، ومثلُ أبي بلال أبو (١) حَصِين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملة؛ الراوي عن أبي حاتم الرازي، قال كل منهما: اسمي وكنيتي واحد. قوله: (أَوْ تَكُوْنُ الْكُنْيَةُ لَقَبًا … ) إلى آخره، هذا هو القسم الثاني. قوله: (كَأَبِي تُرَابٍ) لقبَّهُ بذلك رسول الله ﷺ وكان نائمًا عليه، وكنيته الأخرى أبو الحسن. قوله: (وَأَبِي الزِّنَادِ) وكذلك أبو الرِّجَال محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن لُقِّبَ بأبي الرِّجال؛ لأنَّه كان له عشرةُ أولادٍ رجال. وأبو تُمَيْلَة بضم المثناة الفوقية مُصغرًا؛ يحيى بن واضح أبو محمد، وأبو الشَّيخ الحافظ عبد الله ابن محمد أبو محمد وأبو حازم. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ لَهُ كُنْيَةٌ أُخْرَى … ) إلى آخره، هذا هو القسم الثالث. قوله: (الفَرَاوِي) بفتح الفاء أشهرُ من ضمها نسبة إلى فَراوة، بلدةٌ من ثغر خُرَاسان، كما ذكره النووي وهو شيخُ ابن الصلاح، ويقال: للفراوي ألف راوي. قوله: (أَوْ تَكُوْنُ كُنْيَتُهُ … ) إلى آخره، هذا هو القسم الرابع. قوله: (كَأَبِي بَصْرَة) بفتح الموحدة بلفظ البلد المعروف، وفي نسخ (أبو حرة)

стр. 63

المضمومة وفتح الميم، وهو الأصحُّ، أو يكون مُختَلفًا في كنيته دون اسمه؛ كأُبيِّ بن كعبٍ، قِيلَ في كنيته: أبو المنذر، وقِيلَ: أبو الطُّفيل، أو يكون في كلٍّ من اسمه وكنيته خُلْفٌ؛ كسفينة مولى رسول الله ﷺ ، وهو لقبٌ، وقِيلَ في اسمه: صالحٌ، وقِيلَ: عُميٌر، وقِيلَ: مِهْرانُ، وكنيته قِيلَ: أبو عبد الرَّحمن، وقِيلَ: أبو البَخْتري، أو اتُّفِق عليهما معًا؛ كأبي عبد الله مالك بن أنسٍ، أو يكون بكنيته أشهر منه باسمه؛ كأبي إدريس الخولانيِّ، اسمه: عائذ الله. وفائدة هذا النَّوع: البيان، فربَّما ذُكِرَ الراوي مرَّةً بكنيته، ومرَّةً باسمه، فيتوهَّم التعدُّد مع كونهما واحدًا. و الألقاب نوعٌ مُهِمٌّ، قد تأتي في سياق الأسانيد مجرَّدةً عن الأسماء، فيُظَنُّ أنَّها أسماءُ، فيجعل ما ذُكِرَ باسمه في موضعٍ، وبلقبه في موضعٍ آخر شخصين، والذي بالحاء المهملة، هو غلطٌ والصوابُ: (بَصرة)، كما في «المقدمة الفتحية» و «شرح التقريب»، ومن هذا القسم أيضًا أبو جُحَيْفَةَ، قيل: اسمه وَهب، وقيل: وهب الله، وكذا أبو هُرَيْرة اخْتُلف في اسمه واسم أبيه على ثلاثين قولًا أصحها أنَّه عبد الرحمن بن صخر، كما روى الحاكم في «المستدرك» عنه، قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسُمِّيت في الإسلام عبد الرحمن، وقيل: عُمَير بن عامر، وصَحَّحَهُ الشرف الدِّمياطي، وقيل: عبد الله بن عامر، وقيل وقيل، وإنَّما كُنِّيَ بأبي هريرة؛ لأنَّه كان له هِرَّةٌ يلعبُ بها في صِغره فكَنَُّوه بها، قيل: وكان يُكنى قبل ذلك بأبي الأسود، ومثله أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قال الجمهور: اسمه عامر، وقال ابن معين: الحارث، وأبو بكر بن عيَّاش المقري فيه نحو أحد عشر قولًا، والأصح كما قاله ابن عبد البر أن اسمَه كُنيتُه. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ مُخْتَلَفًا فِيْ كُنْيَتِهِ دُوْنَ اسْمِهِ) هذا هو القسم الخامس. قوله: (كَأُبَي بنُ كَعْبٍ)؛ أي: وأسامة بن زيد، قيل: كُنيته أبو زيد، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله. قوله: (أَوْ يَكُوْنِ فِيْ كُلٍّ مِن اسْمِهِ … ) إلى آخره، هذا هو القسم السادس. قوله: (وَقَيْلَ: مِهْرَان) وكذا قيل: رُومان، وقيل: قيس، وقيل: طَهمان، وقيل: ذَكوان، وقيل: كَيْسَان، وقيل: سُلَيْمَان، وقيل: أيمن، وقيل: أحمد، وقيل غير ذلك إلى اثنين وعشرين قولًا حكاها شيخ الإسلام في الإصابة. قوله: (أَبُو البَخْتَرِي) بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح الفوقية وكسر الراء. قوله: (أَو اتُّفِقَ عَلَيْهِمَا مَعًا) هو القسم السابع؛ أي: اتُّفِقَ على اسمه وكنيته ولم يُخْتَلَفْ في واحد منهما. قوله: (مَالِك بن أَنَس)؛ أي: وبقية أصحاب المذاهب الثلاثة: محمد بن إدريس وأحمد ابن حنبل وسفيان الثوري، فكلٌّ منهم لم يُخْتَلَفْ في اسمه ولا في أنَّ كنيته أبو عبد الله، وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت والخلفاء الأربعة أبو بكر وأبو حفص عمر وأبو عمرو عثمان وأبو الحسن علي وخلائق لا يحصون. قوله: (أَوْ يَكُوْنُ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرَ مِنْهُ بِاسْمِهِ) هذا هو القسم الثامن، ومقتضى قوله: (أشهر منه باسمهِ) أنَّه معروفٌ باسمه أيضًا لكن شهرته بكنيته أكثر وهو كذلك. قوله: (الخَوْلَاني) بفتح المعجمة نسبة إلى خولان بسكون الواو قبيلةٌ معروفة. قوله: (عَائِذُ الله) بالمعجمة آخره، ومثله أبو إسحاق السبيعي عمرو، وأبو الضُّحى مسلم، وقد أسقطَ الشارح القسم التاسع: هو مَن عُرِفَ بكنيته ولم يعرفْ له اسم بأنْ كانَ له في الواقعِ اسمٌ غيرُ كُنْيَتِهِ لكنَّا لم نقف عليه، أو لا اسم له أصلًا كأبي أُناس وأبي مُوَيْهِبَة مولى رسول الله ﷺ ، وأبي شَيبة الخُدري، وأبي الأبيض التابعي الراوي عن أنس، وهذا غير ما ذكره الشارح موهمًا أنَّه قسم ثان إذ ذاك لا كنية له بل المذكور اسمهُ فهو داخلٌ في القسم الأول، أعني مَن سُمِّيَ بكُنيته ولا اسم له غيرها قطعًا وهذا له كُنية هي المذكورة، ثم قد يكون له اسم غيرها وقد لا، كما عدَّها كذلك في «التدريب». قوله: (فَيُتَوَهَّمُ التَّعَدُّدُ)؛ أي: يتوهمُ مَنْ لا معرفةَ له أنَّهما رجلان سِيَّمَا إن ذكرهما معًا، كالحديث الذي رواه الحاكم من رواية أبي يوسف، عن أبي حَنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن أبي الوليد، عن جابر مرفوعًا «مَنْ صَلَّى خَلْفَ الإِمَامِ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَهُ قِرَاءَةٌ»، قال الحاكم: عبد الله بن شداد هو أبو الوليد بَيَّنَهُ ابن المديني، قال الحاكم: ومَن تَهَاون بمعرفة الأسامي أورثه مثل هذا الوهم. قال العراقي: وربما وقع عكس ذلك كحديث أبي أسامة عن حماد بن السائب السابق وهو: «ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ»، أخرجه النَّسَائي، وقال: عن أبي أسامة حَمَّاد بن السائب، وإنَّما هو عن حماد فأسقط (عن). قوله: (وَالأَلْقَاب)؛ أي: ألقاب المحدثين ومَن يُذكر معهم. قوله: (وَبِلَقَبِه فِيْ مَوْضِعٍ آخَرَ شَخْصَيْن)؛ أي: كما وَقَعَ لجماعةٍ من أكابرِ الحُفَّاظِ منهم ابن المديني فَرَّقُوا بين عبد الله بن صالح أخي سهل، وبين عباد بن أبي صالح فجعلوهما اثنين، وإنَّما عباد لقبٌ لعبد الله لا أخٌ له باتفاق الأئمة، كما قاله النووي. واعلم أنَّه اخُتلف فيما كَرِهَهُ المُلَقَّبُ من الألقاب هل يجوز تلقيبه وتعريفه به؟ فجزمَ النووي في «التدريب» (١) تَبَعًا لابن الصلاح وتبعهما العراقي بأنَّه لا يجوز، وجزمَ في سائر كُتبه كالرَّوْضَة و «شرح مسلم» و «الأذكار» بجوازهِ للضرورة، وحمل ما في «التدريب» (١) على أصل التلقيب فيجوزُ بما لا يكره دون ما يكره. فائدة: أولُّ مَن لُقِّب في الإسلام أبو بكر ﵁، لُقب بعتيق لعتاقة وجهه؛ أي: حُسنه، أو لأنَّه عتيق الله من النار. والألقاب منها ما لا يُعرف له سببٌ ومنها ما يُعرف، وقد أُلفَ فيها تآليف عديدة أحسنها وأخصرها وأجمعها

стр. 64

في «البخاريِّ» منه: الأحول: عامر بن سليمان، الأزرق: إسحاق بن يوسف، الأعرج: عبد الرَّحمن بن هرمز، الأعمش: سليمان بن مِهْران، الأغرُّ: أبو عبد الله سلمان، الباقر: محمَّد بن عليِّ بن حسينٍ أبو جعفر، البحر: عبد الله بن عبَّاسٍ، البَطِين: مسلم بن عمران، بُنْدَار: محمَّد بن بشَّارٍ، البَهيُّ: عبد الله بن يسارٍ، الحذَّاء: خالد بن مهران، خَتَن المقري: بكر بن خلفٍ، دُحيمٌ: عبد الرَّحمن بن إبراهيم، ذو البطين: أسامة بن زيدٍ، ذو اليدين: الخِرْباق، الرِّشْك: يزيد الضُّبعيُّ، سعدان اللَّخميُّ: سعيد بن يحيى بن صالحٍ، سَلْمُويةَ: سليمان بن صالح المروزيُّ، سُنَيد -مُصغَّرًا- اسمه: الحسين، شاذان: الأسود بن عامرٍ، عارمٌ: محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ، عَبْدان: عبد الله بن عثمان، عبدة بن سليمان: اسمه عبد الرَّحمن، عُبيد بن إسماعيل هو عبيد الله، عُويمر: أبو الدَّرداء، اسمه عامرٌ، غُنْدَر: محمَّد بن جعفرٍ. فُليح بن سليمان، قِيلَ: اسمه عبد الملك. قتيبة بن سعيدٍ، قِيلَ: اسمه يحيى. كاتب المغيرة: اسمه ورَّادٌ، الماجشون: أبو سلمة، مُسدَّدٌ: اسمه عبد الملك، النَّبيل: أبو عاصمٍ الضَّحَّاك بن مخلدٍ، أبو الزِّناد لقبٌ، وكنيته أبو عبد الرَّحمن، ذات النِّطاقين: أسماء بنت أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵄. والأنساب للحافظ ابن حجر. قوله: (الأَغَر) بالغين المعجمة، آخره راء. قوله: (البَطِيْن) بالمثناة التحتية المفتوحة بوزن كريم، لُقِّبَ بذلك؛ لأنَّه كان وهو صغير يلعبُ مع الصِّبيان في الماء فيطينون ظهره (١). قوله: (بُنْدَار) بفتح الموحدة (٢) وهو شيخُ الشيخين، قال ابن الصَّلاح: لُقِّبَ بذلك؛ لأنَّه كان بُندار الحديث؛ أي: حافظه، وقد لُقب بهذا اللقب أيضًا جماعة منهم أبو بكر محمد بن إسماعيل شيخ الآجري، وأبو الحسين حامد بن حماد روى عن إسحاق بن بشار، والحسين بن يوسف بُندار روى عن الترمذي. قوله: (البَهِيُّ) بفتح الموحدة وكسر الهاء، لُقب بذلك لبهائه كما في «جامع الأصول» وليس نسبًا كما صَرَّحَ به ابن الأثير. قوله: (الحَذَّاء) بفتح الحاء المهملة وتشديد المعجمة ممدودًا، لم يكن حَذَّاءً وإنَّما كان يجلسُ فيهم فقيل له ذلك، وقيل: كان يقول: احذُ على هذا النحو، فَلُقِّبَ بذلك. قوله: (خَتَن) بمعجمة فمثناة فوقية مفتوحتين آخره نون. قوله: (دُحَيم) بالدال والحاء المهملتين. قوله: (ذُوْ البَطِيْن) بالموحدة، بوزن كريم. قوله: (الخِرْبَاق) بالخاء المعجمة المكسورة فالراء الساكنة بعدها موحدة آخره قاف. قوله: (الرِّشْك) بكسر الراء وسكون المعجمة. قوله: (سَعْدَان) بمهملات وسطها ساكن. قوله: (سَلْمُوْيَةَ) بمهملة مفتوحة آخره تاء تأنيث. قوله: (سُنَيْد) بمهملة فنون. قوله: (شَاذَان) بمعجمتين. قوله: (عَارِم) بمهملتين من العرامة وهي الفساد، كان عبدًا صالحًا لُقِّبَ بذلكَ من باب الأضداد، قال البُخَاري: تغيَّرَ في آخرِ عُمره. قوله: (عَبْدَان: عَبْدُ الله بنُ عُثْمَان)؛ أي: المَرْوَزِي صاحب ابن المبارك لُقِّبَ به فيما نقله ابن الصلاح؛ لأنَّ اسمه عبد الله، وكنيته أبو عبد الرحمن فاجتمع فيه العبدان، قال: وهذا لا يصحُّ، بل هذا من تغيير العامة للأسماء، كما قالوا في أحمد بن يوسف حمدان، وفي وَهب الواسطي وَهْبَان. انتهى. ولُقِّب بعبدان غير هذا جماعةُ منهم: عبد الله بن أحمد بن موسى العسكري، وعبد الله بن محمد ابن يزيد العسكري، وعبد الله بن يوسف السُّلَمِي، وعبد الله بن عبدان بن محمد بن عبدان أبو الفضل الهمداني وغيرهم. قوله: (غُنْدَر) بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة. وقوله: (مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَر) لُقِّبَ بهذا اللقب جماعةٌ كلٌّ منهم محمد بن جعفر، أولهم: أبو بكر البصري صاحب شُعبة، قال الجلال: قَدِمَ ابن جُريج البصرة فحدَّثَ بحديثٍ عن الحسن البَصري فأنكروهُ عليه، وأكثر محمد بن جعفر من الشغب عليه، فقال له: اسكت يا غُندر، قال ابن الصلاح: وأهل الحجاز يُسمون المُشغِّب غُندرًا، والثاني أبو الحسين الرازي يروي عن أبي حاتم الرازي، والثالث أبو بكر البغدادي الحافظ حَدَّثَ عنه أبو نُعيم والحاكم، والرابع أبو الطيب البغدادي روى عن أبي خليفة الجُمحي وعنه الدَّارقطني، ولُقِّبَ به أيضًا غيرُهم كأحمد بن آدم الجُرجاني روى عن ابن المَديني ومحمد بن يوسف الهروي، روى عنه الطبراني. قوله: (وَرَّاد) بفتح الواو وتشديد الراء آخره مهملة. قوله: (المَاجِشُوْن) بجيم مكسورةٍ فشينٍ معجمة مضمومة معناه بالفارسية: الأبيض الأحمر. قوله: (ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ) تثنيةُ نطاق، وهو ما تشدُّه المرأة في معقدِ إزارها، لُقبت بذلك؛ لأنَّه كان لها نطاقان. وقد تركَ الشارح من الألقاب كثيرًا ممَّا يُحتاج إليه منه: (الضَّال) واسمه معاوية بن عبد الكريم؛ ضَلَّ في طريقِ مكة فلُقب به، وكان رجلًا عظيمًا. و (الضعيف) عبد الله بن محمد، كان ضعيفًا في جسمه لا في حديثه، وقيل: لُقِّبَ به من باب الأضداد لشدَّةِ ضبطه وإتقانه، وعلى الأول قال ابن سعيد: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان؛ الضال والضعيف. انتهى. قال ابن الصلاح: وثالثٌ وهو عارمٌ المتقدم؛ كان بعيدًا من العرامة. انتهى. ونظير ذلك (القوي): أبو الحسن يونس بن يزيد، يروي عن التابعين وهو ضعيف. و (الصدوق) من صغار التابعين، واسمه يونس بن محمد، كذاب، ويونس (الكذوب) كان في عصر أحمد ابن حنبل ثقةٌ، قيل له: الكذوب لحفظه وإتقانه، قاله في «التدريب». ومن ذلك أيضًا (غُنْجارُ) اثنان بُخاريان عِيسى بن موسى عن مالك والثوري لُقِّبَ بذلكَ لحمرةِ وجنتيه، والثاني أبو عبد الله محمد بن أحمد الحافظ صاحب «تاريخ بخارى». و (صاعقةُ) محمد بن عبد الرحيم الحافظ؛ لُقِّبَ بهِ لشِدَّةِ حفظهِ، روى عنه البخاري. و (شَبَاب) بفتح المعجمة والموحدة المخففة لَقَبُ خليفة العصفري. و (زُنَيْج) (٣) بالزاي المضمومة والنون المفتوحة والمثناة الساكنة آخره جيم؛ شيخُ مسلمٍ، واسمه محمد بن عمرو. و (قيصر) هاشم بن القاسم شيخ أحمد ابن حنبل وغيره. و (جَزَرَة) بفتح الجيم والزاي والراء، صالح بن محمد البغدادي الحافظ. و (عبيدٌ العجلُ) بالتنوين ورفع

стр. 65

معرفتها مهمَّةٌ، فكثيرًا ما يكون نسبةً لقبيلةٍ أو بطن ٍأو جَدٍّ أو بلدٍ أو صناعةٍ أو مذهبٍ، أو غير ذلك ممَّا أكثرُه مجهولٌ عند العامَّة، معلومٌ عند الخاصَّة، فربَّما يقع في كثيرٍ منه التَّصحيف، ويكثر الغلط والتَّحريف، والذي في «البخاريِّ» منها: الأشجعيُّ: عبيد الله بن عبد الرَّحمن، الأُوَيْسِيُّ: عبد العزيز بن عبد الله، الأنصاريُّ شيخ البخاريِّ: محمَّد بن عبد الله بن المُثنَّى، البدريُّ: أبو مسعودٍ عقبة بن عمرٍو، البرَّاء: أبو العالية؛ نُسِبَ إلى بري السِّهام، التَّيميُّ: سليمان، الثَّقفيُّ: عبد الوهَّاب بن عبد المجيد، الزُّبيديُّ: محمَّد بن الوليد، الزُّبيريُّ: أبو أحمد محمَّد بن عبد الله الأسديُّ، الزُّهريُّ: محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ، السَّبيعيُّ: عمرو بن عبد الله أبو إسحاق، السَّعيديُّ: عمرو بن يحيى بن سعيدٍ، الشَّعبيُّ: عامر بن شَرَاحيل، الشَّيبانيُّ: أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان، الصُّنابحيُّ: عبد الرَّحمن بن عُسيلة، العدنيُّ: عبد الله بن الوليد، العقديُّ: عبد الملك بن عمرو أبو عامرٍ، العمريُّ: عبيد الله بن عمر بن حفصٍ، الفَرْويُّ: إسحاق بن محمَّدٍ، الفريابيُّ: محمَّد بن يوسف، الفزاريُّ: أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّدٍ الدِّمشقيُّ، القُمِّيُّ: هو يعقوب بن عبد الله، له موضعٌ واحدٌ في «الطِّبِّ» [خ¦٥٩٨]، المُجْمِر: -بضمِّ الميم- نُعيم بن عبد الله، المحاربيُّ: عبد الله بن محمَّدٍ، المسعوديُّ اسمه: عبد الرَّحمن بن عبد الله، المعمريُّ: أبو سفيان محمَّد بن حميدٍ، المقبريُّ: أبو سعيدٍ كيسان وابنه سعيدٌ، المقدَّميُّ: محمَّد بن أبي بكرٍ، المقرئ: أبو عبد الرَّحمن عبد الله بن يزيد، المُلائيُّ: أبو نُعيمٍ الفضل بن دُكَينٍ. ومن الرُّواة من نُسِبَ إلى غير أبيه؛ كيَعْلى ابن مُنْية، نُسِبَ إلى جدَّته، واسم أبيه: أميَّة، ومعاذ ومُعَوِّذٌ وعَوْذٌ بنو عفراء، هي أمُّهم، وأبوهم: الحارث بن رفاعة، وعبد الله ابن بُحينة، هي أمُّه، وأبوه مالكٌ، وعبد الله بن أُبيٍّ ابن سلول، هي أمُّ أُبيٍّ، ومنهم من نُسِبَ إلى زوج أمِّه، كالمقداد العجل لا بالإضافة: الحسين بن محمد البغدادي الحافظ. و (كِيْلَجَة) بالجيم، أبو طالب أحمد بن نصر البغدادي شيخ الدارقطني. و (ما غَمَّهُ) بلفظ النفي لفعل الغمِّ، وهو علان، وهو علي بن الحسين بن عبد الصمد الحافظ البغدادي، ويجمع فيه بين هذين اللقبين فيقال: حدَّثنا عَلَّان مَا غَمَّهُ، وغير ذلك. قوله: (وَيَكْثُرُ الغَلَطُ)؛ أي: لأنَّهُ قَدْ يُنْسَب الراوي إلى نسبةٍ من مكانٍ أو وقعة به أو قبيلة أو ضيعة، وليس الظاهرُ الذي يسبق إلى الفهم من تلك النسبة مُرادًا، بل العارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيلة ونحو ذلك. قوله: (البَدْرِي)، قيل: لم يشهدْ بَدْرًا، وهو قول الأكثرين منهم الزُّهري، وقال البخاري: شهدها وجزم به ابن الكلبي ومُسلم وآخرون، وسيأتي؛ يذكر ذلك الشارح أواخر النوع. قوله: (التَّيْمِي سُلَيْمَان) هو أبو المعتمر، وليس من تيم بل نزل فيهم. قوله: (الزُّبَيْرِي) هذا بالراء نسبة لجده الزبير بن عمر الكوفي، وما قبله بالدال المهملة مفتوح الزاي. قوله: (السَّبِيْعِي) بفتح المهملة وكسر الموحدة وسكون المثناة التحتية بعدها مهملة، وهو ممَّن اختلط في أواخر عمره، قال الخَلِيلي: وسماع سفيان بن عُيينة منه بعدَ اختلاطِهِ، ولذلك لم يخرجْ له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقال الذَّهبي: سمعَ منه وقد تغيرَ قليلًا. قوله: (الشَّعْبِي) بفتح المعجمة، و (شَرَاحِيْل) بفتح المعجمة والراء وبعد الألف مهملة مكسورة قبل تحتية ساكنة. قوله: (الصُّنَابَحِي) بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة. قوله: (العَقَدِي) بفتح العين المهملة والقاف، نسبة إلى العقد قومٌ من قيس، وهم بطنٌ من الأزد أو قبيلةٌ من اليمن. قوله: (الفَرْوِي) بفتح الفاء وسكون الراء، نسبة إلى فروة. قوله: (الفِرْيَابِي) بكسر الفاء وسكون الراء وبالموحدة، نسبةٌ إلى فرياب؛ بلدٌ بنواحي بَلَخ. قوله: (القُمِّي) بضم القاف وكسر الميم المشددة، نسبة إلى قُمٍّ؛ بلدٍ بينَ ساوى وأَصْبَهَان. قوله: (انْجَمَرَ) هكذا في النسخ المطبوعة بألفٍ ونون فجيم فميم، آخره راء، وما رأيت هذا الاسم ولا سمعته فهو تصحيفٌ، وفي بعضِ نسخِ الخط: (المُجَمِّر) بميمين بينهما جيم، وهو بصيغة اسم الفاعل من الصحابة كان يُجْمر المسجد؛ أي: يبخره، واسمه نُعيم، كما ذكره الشارح فلعله هو، لكن لا يخفى أنَّ هذا لقبٌ له لا نسبةٌ والكلام في عِداد المنسوبين، ومُجَمِّر ليسَ من صيغِ النَّسب ويمكن أنَّه أراد مطلقَ الانتساب لشيءٍ، وهذا منسوب للتجمير نسبةً ما، فليُحرر. قوله: (المَعْمَرِي) بميمين مفتوحتين، بينهما عين مهملة. قوله: (المُقَدَّمِي) بضم الميم وتشديد الدال نسبة إلى مُقَدَّمٍ جدِّه. قوله: (المُلَائِي) بضمِّ الميم نسبة إلى بيعِ المُلاءة التي يلتحفُ بها النساء. قوله: (وَمِنْ الرُّوَاةِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى غَيْرِ أَبِيْهِ) هو نوعٌ مستقلٌّ مهمٌّ، فائدته دفع توهم التَّعدد عند نسبة أولئك إلى غير آبائهم، وغير أبيه أعمُّ من أن يكون جدُّهُ أو جدته أو أجنبي. قوله: (ابْنُ مُنْيَة) بضم الميم وسكون النون وتخفيف التحتية كرُكْبَة، صحابي مشهور. وقوله: (هِيَ جَدَّتُهُ)؛ أي: أمُّ أبيه، على ما قاله ابن الزُّبير، أو أمُّ أمه، على ما عُزيَ للبُخاري والجمهور. وقوله: (وَاسْمُ أَبِيْهِ: أُمَيَّةَ)؛ أي: ابنُ أبي عبيد. قوله: (وَعَوْذَة) صوابهُ (عوذ) بإسقاط الهاء كما في «التقريب» ويقالُ له: عوف، بالفاء. وقوله: (أُمُّهُم عَفْرَاء) هي بنتُ عبيد بن ثعلبة من بني النَّجار، وكذا أبوهم المذكور، وشهد بنو عفراء بدرًا فقُتل بها مُعوذ وعَوف وبقي مُعاذ إلى زمن عُثمان فتوفي بصِفِّين، وقيل: جُرح ببدر أيضًا فرجعَ إلى المدينة فمات بها. قوله: (ابنُ بُحَيْنَة) بضم الموحدة وفتح المهملة وسكون التحتية بعدها نون. وقوله: (وَأَبُوْهُ مَالِك)؛ أي: ابن القَشيب الأزْدي الأسدي. وبنو عفراء ويَعلى وابن بُحينة المذكورون صحابة، ومثلهم من هذا القبيل: بلال ابن حمامة الحبشي المؤذن أبوه رباح، وبنو بيضاء: سهل وسهيل وصفوان أبوهم وهب بن ربيعة القرشي، قال سفيان: أكبر أصحاب النَّبيِّ ﷺ في السن أبو بكر وسُهيل بن بيضاء، ومات هو وأخوه سهل في حياته ﷺ وصلى عليهما في المسجد، وكذا شُرحبيل ابن حسنة أبوه عبد الله بن المُطاع، ومن التابعين محمد ابن الحنفية أبوه علي بن أبي طالب وأمه خولة من بني حنيفة، وإسماعيل ابن عُلية أبوه إبراهيم، وعُليةُ أمه أو

стр. 66

ابن الأسود. وقد ينسب الرَّاوي إلى نسبةٍ يكون الصَّواب خلاف ظاهرها؛ كأبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو البدريِّ؛ إذ إنَّه لم يُنسَب لشهوده بدرًا في قول الجمهور، وإن عدَّه البخاريُّ فيمن شهدها، بل كان ساكنًا بها، وكسليمان بن طَرْخان التَّيميِّ، ليس من تيمٍ، بل نزل بها. وأمَّا المُبهَمات في الحديث: وتكون في الإسناد والمتن من الرِّجال والنِّساء، ويُتوصَّل لمعرفتها جدته أم أبيه. وممَّنْ نُسِبَ إلى جده: أبو عُبيدة ابن الجراح عامر بن عبد الله بن الجراح، ومُجَمَّعُ ابن جارية بالجيم والتحتية وهو ابن زيد بن جارية، وابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وابن أبي مُلَيْكَة عبد الله بن عبيد الله بن أبي مَلَيْكَة، وأحمد ابن حنبل هو ابن محمد بن حنبل. قوله: (ابن الأَسْوَد)؛ أي: ابن عبد يَغُوْث، فَتَبَنَّاهُ فنُسب إليه، ومثله الحسن بن دينار هو زوج أمه، وأبوه واصل. قوله: (إِلَى نِسْبَةٍ يَكُوْنُ الصَّوَابُ خِلَاْفَ ظَاهِرِهَا)؛ أي: كأن يُنسب إلى مكان أو قبيلة أو وقعة مشهورة وليس الظاهر الذي يَسبق إلى الفهم من تلك النسبة مُرادًا بل لعارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيلة ونحو ذلك كما تقدم. فائدة: قال عبد الله بن المبارك وغيره: من أقام في بلدٍ أربع سنين نُسب إليها. انتهى. وفي «التدريب» و «شرحه»: ومَن كان من أهل قريةِ بلدةٍ فيجوزُ أن يُنسب إلى القريةِ فقط وإلى البلدة فقط وإلى الناحية التي فيها تلك البلدة وإلى الإقليم فقط؛ فيقول فيمن هو من الغوطة -وهي كورة من كور دمشق الشام-: الغوطي أو الدمشقي أو الشامي، وله الجمع فيبدأ بالأعم، وهو الإقليم، ثم الناحية، ثم البلد، وكذا في النسب إلى القبائل، يبدأ بالعام قبل الخاص، ليحصل بالثاني فائدة لم تكن في الأول، فيُقال: القرشي ثم الهاشمي، ولا يقال الهاشمي القرشي؛ لأنَّه لا فائدة للثاني حينئذ إذ يلزم من كونه هاشميًا كونه قرشيًا بخلاف العكس، ولا يقال: يُقتصر حينئذ على الأخص؛ لأنَّه قد يخفى على بعض الناس كون الهاشمي قرشيًا، ويظهر هذا الخفاء في البطون الخفية كالأشهل من الأنصار، إذ لو اقتصر على الأشهلي لم يعرف كثير من الناس أنَّه من الأنصار أم لا، وقد يقتصرون على الخاص وقد يقتصرون على العام وهو قليلٌ، وإذا جُمع بين النسب إلى القبيلة والبلد قُدم النسب إلى القبيلة. انتهى ملخصًا. قوله: (وَإِنْ عَدَّهُ البُخَارِيُّ فِيْمَنْ شَهِدَهَا) تقدَّمَ أنَّه الذي جزمَ به مسلم وابن الكلبي وآخرون. قوله: (بَلْ نَزَلَ بِهَا)؛ أي: بِتَيْمٍ القبيلةُ المعروفةُ، ومن هذا القبيل (أبو خالد الدَّالاني) نزل في بني دالان بطنٌ من هَمْدَان وهو أَسدي، ومحمد بن سنان العَوَقي بفتح الواو وبالقاف باهلي نزل في العَوَقة بطنٌ من عبدِ قيسٍ فنُسب إليهم، وأحمد بن يوسف السُّلَمي الذي روى عنه مسلم أزدي وكانت أمه سُلمية فنُسب إليهم، وخالد الحَذَّاء لم يكن حذَّاءً كما سلفَ بل كان يجلسُ في الحذَّائين. قوله: (المبهمات)؛ أي: معرفة من أُبهم ذكره في المتن أو الإسناد من الرجال والنساء. قال ولي الدين العراقي: ومن فوائد تبيين الأسماء المبهمة تحقيق الشيء على ما هو عليه؛ فإن النَّفس متشوقة إليه، وأن يكون في الحديث منقبةٌ له فتستفاد بمعرفته فضيلته، وأن يشتمل على فعلٍ غير مناسب فيحصل بتعيينه السلامة من جَوَلَانِ الظَّنِّ في غيره من أفاضل الصحابة خصوصًا إذا كان ذلك من المنافقين، وأن يكونَ سائلًا عن حُكم عارضه حديث آخر فيُستفاد بمعرفته هل هو ناسخٌ أو منسوخٌ إنْ عُرف زمن إسلامه. وإن كان المُبْهَمُ في الإسناد فَمَعْرِفَتُهُ تفيدُ ثقتهُ أو ضعفه ليُحكم للحديثِ بالصحة أو غيرها. انتهى. وهو على أربعةِ أقسامٍ أبهمها رجلٌ أو امرأةٌ أو رجلان أو امرأتان أو رجالٌ أو نساءٌ. من ذلك في المتن: حديث ابن عباس: «أن رجلًا قال: يا رسول الله أَنَحُجُّ كُلَّ عَامٍ؟» هُوَ الأَقْرَعُ بنُ حَابِس كما سُمِّيَ في «مسند أحمد». وحديثُ السائلة عن غُسل الحيض فقال ﷺ : «خُذِي فِرْصَةً من مسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا» الحديث، رواه الشَّيْخان عن عائشة: «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النبي ﷺ عن غُسْلِهَا من الْحَيْضِ» فذكره، هي أسماء بنت يزيد بن السَّكن، وفي رواية لمسلم أسماء بنت شَكَل -بفتحتين-، قال النووي: يُحتمل التعدد. وكذلك حديث أبي هريرة: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ من هُذَيْلٍ اقْتَتَلَتَا … » الحديث، اسمُ الضَّاربة أم عَفيف، وذاتُ الجنين مُليكة بنت عُويمر. وفي السَّند: ما رواه أبو داود من طريق حَجَّاج بن فَرَافِصَة، عن رجلٍ، عن أبي هُريرة: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيْمٌ» هو يحيى بن [أبي] كثير، فقدْ رواهُ أبو داود أيضًا والترمذي من حديث بِشْرِ بن رافع، عنه، عن أبي سلمة. والقسم الثاني: الابن والبنت والأخ والأخت والابنان والأخوان وابن الأخ وابن الأخت كحديث أم عطية في: «غُسْلِ بِنْتِ النَّبِي ﷺ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ»، وهي زينبُ زوجة أبي العاص بن الربيع. وحديث ابن اللُّتبية الذي استعمله النَّبيِّ ﷺ على الصَّدَقَةِ فقال: «هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي» اسمه عبد الله، ونسب إلى بني لُتْب -بضم اللام وسكون المثناة الفوقية- بطنٌ منَ الأزدِ، ويقال ابن اللأتبية بالهمز أيضًا. وحديث عُقبة بن عامر قلت: «يَا رَسُوْلَ الله إِنَّ أُخْتِي

стр. 67

بجَمْع طرق الحديث غالبًا. مثاله في السَّند: إبراهيم بن عَبْلة عن رجلٍ عن واثلة، فالرَّجل هو الغَريف؛ بفتح الغين المُعجَمة. وفي المتن: حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في ناسٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ : «مرُّوا بحيٍّ فلم يضيِّفوهم، فَلُدِغَ سيِّدُهم، فَرَقَاه رجلٌ منهم … » [خ¦٥٧٣٦]، الرَّاقي هو أبو سعيدٍ الرَّاوي المذكور. وما في «البخاريِّ» من هذا النَّوع يأتي مفسَّرًا في مواضعه من هذا الشَّرح -إن شاء الله تعالى- بعون الله تعالى. المؤتلف والمختلف: وهو ما تتَّفق صورته خطًّا، وتختلف صيغته لفظًا، وهو ممَّا يقبح جهله بأهل الحديث، ومنه في «البخاريِّ»: الأحنف -بالحاء المهملة والنُّون، وبالخاء المُعجَمة والمثنَّاة التَّحتيِّة- مِكْرَز بن حفص بن الأخيف، له ذكرٌ في الحديث الطَّويل في قصَّة الحديبية [خ¦٢٧٣٢]. وبشَّارٌ -بالموحَّدة والمُعجَمة المشدَّدة- والد بندار، شيخ البخاريِّ والجماعة، وبقيَّة من فيه بهذه الصُّورة؛ بالتَّحتيَّة والسِّين المُهمَلة المُخفَّفة، وبتقديم السِّين وتثقيل التَّحتيَّة، أبو المنهال سَيَّار بن سلامة التَّابعيُّ، إلى غير ذلك ممَّا لا نطيل بسرده، لا سيَّما مع الاستغناء بذكره في هذا الشَّرح -إن شاء الله تعالى بعونه-. وإذا عُلِمَ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِي … » الحديث، هي أمُّ حِبَّان، بكسر المهملة وفتح الموحدة المشددة. وحديث قولِ أبي بكر لعائشة: «إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ» هم عبد الرحمن ومحمد وأسماء وأم كلثوم. والثالث: العم والعمة ونحوهما كالخال والخالة والأب والأم والجد والجدة وابن العم أو بنته، كرافع ابن خَديج عن عمه في حديث «النَّهِي عَنْ المُخَابَرَةِ» هو ظُهير بن رافع بضم الظاء المشالة مصغرًا. وعمة جابر التي «بَكَتْ أَبَاهُ لَمَّا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ» كما في الصحيح هي فاطمة بنت عمرو، وقيل: هند. وحديث ابن عباس: «أَهْدَتْ خَالَتِي إِلَى النَّبيِّ ﷺ سَمْنًا وَأَقِطًا»، قيل: اسمها هزيلة، وقيل: حُفيدة بنت الحارث وتكنى أم حُفَيْد. وحديث أبي هريرة: «كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إلى الإِسْلامِ … » الحديث، اسمها أميةُ بنتُ صُفَيْح. وحديثُ نافع: «تزوجَ ابن عُمر بنتَ خالةِ عُثمان بن مَظْعُون، فقالت أُمُّهَا: بنتي تكرهُ ذلكَ»، اسم بنت خاله زينب، وأمها خولة بنت حكيم. الرابع: الزوج والزوجة والعبد وأم الولد، ومنه زوجة عبد الرحمن بن الزَّبَير التِي كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ القُرَظِي فَطَلَّقَهَا، اسمها تُمَيْمَة بنت وَهب بضم التاء، وقيل: سُهَيْمةَ. وحديث أُمِّ وَلَدٍ لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة فقالت: «إِنِّي أُطِيلُ ذَيْلِي وَأَمْشِي … » الحديث، هي حُميدة. وحديث جابر: «أن عَبْدًا لِحَاطِبٍ قال: يا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ»، واسمه سعد. قوله: (بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيْثِ)؛ أي: فيُعرف بتسميته في بعض الطرق، وبما لم يسمَّ في شيء منها فيُعرف بتنصيصِ أهل السِّيَر، قيل: وربما استدلوا بورودِ حديثٍ آخر أسند فيه لمعنى ما أسند لذلك الراوي المُبهم، ونظر فيه بجواز وقوع تلك الواقعة لاثنين كما أشرنا إليه. قوله: (إِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْلَة) صوابُهُ ابن أبي عَبْلَة، كما في «التقريب»، و (عَبْلَة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة، اسمه شِمر بكسر المعجمة آخره راء. قوله: (فِيْ نَاسٍ … ) إلى آخره؛ أي: سريةٍ للنَّبيِّ ﷺ وكانوا ثلاثين، والغنم ثلاثون، والحي وسيدهم لم يُسموا، قاله في «مقدمة الفتح». قوله: (المُؤْتَلِفُ وَالمُخْتَلِفُ)؛ أي: من أسماءِ الرواةِ وألقابهم وأنسابهم ونحوها. قوله: (وَتَخْتَلِفُ صِفَتُهُ لَفْظًا)؛ أي: فَيَختلف فيه بالحركاتِ والسَّكنات والإعجام والإهمال، وخرج ما لا يشتبه في الخط كسلمان وسليمان وبشر وبشير، وأدخله بعضهم فيه وظهر لي استحسانه خصوصًا في هذه الأزمان التي كثرَ فيها التحريف في النسخ، وأما ما يتفق لفظًا وخطًّا وإنَّما يختلفُ بالنسبة ونحوها فذلك المُتفق المُفترق وسنوردُ من ذلك ما لا بأس بذكره. قوله: (وَهُوَ مِمَّا يَقْبُحُ جَهْلُهُ … ) إلى آخره؛ أي: فإنَّ منْ لم يعرفه يكثر خطؤه فيفتضحُ بين قومه. قوله: (مِكْرَز بن حَفْص) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء بعدها زاي، من بني عامر بن لؤي كما ذكره الشارح في الأثناء. قوله: (ذِكْرٌ فِي الحَدِيْثِ الطَّوِيْلِ … ) إلى آخره، وهو ما اشتملَ على «خُرُوْجِهِ ﷺ زَمَنَ الحُدَيْبِيَّة مُعْتَمِرًا فَصَدَّهُ المُشْرِكُوْن» ذكرهُ البخاري في «باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحروب»، وفيه: «بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ أَهْلُ مَكَّةَ بَيْنَهُم وَبَيْنَ رَسُوْلِ الله ﷺ رُسُلًا وَعَادُوْا إِلَيْهِم فَقَامَ رَجُلٌ منهم يُقَالُ له: مِكْرَزُ بن حَفْصٍ فَقَالَ: دَعُونِي آتِيهِ، فَقَالُوا: ائْتِهِ … » إلى آخره. قوله: (إلى غَيْرِ ذَلِكَ)؛ أي: كحَارِثة بالحاء المهملة والمثلثة جميعه إلَّا جارية بن قدامة، ويزيد بن جارية، والأسود بن العلاء بن جارية، وعمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفيين (١)، وكحازم كلهُ بالمهملةِ والزاي إلَّا أبا معاوية بن خازم الضرير فإنَّه بالمعجمة وغير ذلك. قلتُ: قد نظمتُ في المؤتلف المختلف منظومة لطيفة سميتها: (رضاب المرتشف في نظم المؤتلف المختلف) وشرحتها شرحًا لطيفًا سميتهُ: (كشف النقاب لرشف الرِّضاب) استقصيت فيهما ما جاء في «الصحيحين» وغالب ما في «الموطأ» فانظرهما إنْ كُنتَ من أرباب النظر. وأما المتفق والمفترق فهو: ما اتفقت أسماؤه لفظًا وخطًا، واختلفت مُسمَّياته كما سبق، وهو من المهمات إذ كثيرًا ما يشتبه الراويان المتفقان في الاسم لكونهما متعاصرين واشتركا في بعض شيوخهما أو في الرواة عنهما حتى زلق بسبب ذلك كثير، فأقسام: الأول: من اتَّفَقا في الاسم فقط أو الكنية فقط: كحماد إذا أُطلق لا ندري هل هو ابن زيد أو ابن سلمة؟ ويُعرف بحسب مَن روى عنه؛ فإن كان سليمان بن حرب أو عارمًا فالمراد ابن زيد، أو موسى بن إسماعيل التَّبوذكي فابن سلمة، وكذلك عبد الله إذا أُطلق، قال سلمة بن سليمان: إذا قيل بمكة عبد الله فهو ابن الزبير، وإذا قيل بالمدينة فابن عمر، وإذا قيل بالكوفة فابن مسعود، وإذا قيل بالبصرة فابن عباس، وإذا قيل بخُرَاسان فابن المبارك. الثاني من الأقسام: مَن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم كالخليل بن أحمد وهم

стр. 68

هذا؛ فلْيُعلُم أنَّ شرط الرَّاوي للحديث أن يكون مُكلَّفًا تسعة، أولهم: شيخ سيبويه صاحب النحو والعروض، روى عن عاصم الأحول وآخرين، ولد سنة مئة ومات سنة سبعين، ولم يُسَمَّ أحد بأحمد بعده ﷺ قبل [أبي] الخليل هذا على الصواب. والثاني: أبو بشر المزني البصري. والثالث: الخليل بن أحمد البصري الذي يروي عن عكرمة إن لم يكن الخليل العروضي وإلا فالخليل بن أحمد البغدادي الراوي عن سيَّار. الرابع: الخليل بن أحمد أبو القاسم المصري روى عنه الحافظ أبو القاسم. الخامس: الخليل بن أحمد الجَوْسَقِي روى عنه ابن النجار. السادس: الخليل بن أحمد أبو سعيد السِّجْزِي القاضي روى عنه الحاكم. السابع: الخليل بن أحمد أبو سعيد البُسْتِي القاضي سمع ممن قبله وروى عنه البيهقي. الثامن: الخليل بن أحمد أبو سعيد البُسْتِي الشافعي حدَّث عن أبي حامد الإسفرايني. التاسع: الخليل بن أحمد الخالدي. ومن هذا القسم أنس بن مالك عشرة، روى منهم الحديث خمسة: الأول: خادم النبي ﷺ أنصاري يُكنَّى أبا حمزة. والثاني: كعبي يُكنَّى أبا أمية ليس له عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا حديث: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصِّيَامَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ». والثالث: أبو مالك الفقيه. والرابع: حمصي. والخامس: كوفي. الثالث من الأقسام: مَن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأجدادهم: كأحمد بن جعفر بن حمدان أربعة، كلهم يروون عمَّنْ يُسمى عبد الله، وكلهم في عصر واحد. أحدهم: القطيفي البغدادي. والثاني: السقطي البصري. والثالث: الدِّيْنَوري بكسر الدال وسكون التحتية وفتح النون والواو نسبة لدِيْنَور. والرابع: الطرسوسي. الرابع من الأقسام: من اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم وأنسابهم كمحمد بن عبد الله الأنصاري، وهما اثنان متقاربان في الطبقة أحدهما القاضي المشهور الذي روى عنه البخاري، والثاني أبو سلمة ضعيف. إلى غير ذلك مما بَسَطَتْهُ المبسوطات، وقد ذكرتُ منه جملة محتاجًا؛ إليها كمن تسمى بمحمد بن إدريس وبعمر بن الخطاب ونحو ذلك في «سعود المطالع»، فإن رَغِبْتها فلا ترغب عنه فإنَّه نِعْمَ السَّمِير. قوله: (شَرْطَ الرَّاوِي لِلْحَدِيْثِ)؛ أي: الذي تُقبل روايتُهُ ويحتجُّ بِهَا، ومن المُهم معرفة الفرق بين الرواية والشهادة لاختلافهما في كثيرٍ من الأحكام. قال العراقي: أقمتُ مدةً أطلب الفرق بينهما حتى ظفرتُ به في كلام الماوردي، فالرواية هي الإخبار عن أمرٍ عامٍ لا ترافُعَ فيه إلى الحُكَّام، والشهادة الإخبار عن خاصٍّ فيه الترافعُ إليهم، وأما ما يختلفان فيه فكالعدد لا يُشترط في الرواية بخلاف الشهادة، وكذا الذكورية مُطلقًا بخلاف الشهادة في بعض المواضع، ولا الحرية بخلاف الشهادة مطلقًا وغير ذلك مما ضَبطتُّه في «الكواكب الدرية» ونظمته بقولي: إنَّ الشهادةَ للروايةِ فارقتْ … بأمورٍ اذْ فيهَا التعددُ معتبرْ وتَقَدُّمُ الدعوى وحضرةُ حاكمٍ … مَعَ نفيِّ جرِّ النَّفعِ أوْ دفعِ الضررْ حريةٌ وقبولُها منْ تائبٍ … منْ فِريةٍ قطعًا وفيْ البعضِ الذكرْ وإذَا بدا التزويرُ فيها مرةً … لا نقضَ فيما قبلهَا منهُ صدرْ والجرحُ والتعديلُ ممنوعٌ ولوْ … مِنْ عالمٍ إلَّا إذَا سببًا ذَكَرْ والحكمُ بالعلمِ امنعنْ بهمَا لغيـ … ر الحدِّ لكنْ في الروايةِ يُعتبرْ وعَلَى الشهادةِ ليسَ تؤخذُ أجرةٌ … وإذَا بهَا حكمُوا فتعديلٌ ظهرْ واعملْ بهَا بعدَ الرجوعِ فقاصصِ … الشهادةَ أمَّا فيْ روايتهِم فذرْ منْ دونِ أربعةٍ إذَا شهدوا الزِّنَا … فبِدونِ توبَتِهم شهادتُهم هدرْ وارددْ شهادةَ أصلٍ أوْ فرعٍ وَمَا … كانتْ عَلَى أُخرَى إذَا أصلٌ حضرْ وشهادةُ الدَّاعِي لبِدْعَتِهِ اقبلنْ … فِيْ غَيْرِ خَطَّابيةٍ إذْ هُمْ عجرْ فيْ شاهدٍ شرطُوا البلوغَ وليسَ فِيْ … بابِ الروايةِ كلُّ ذلكَ معتبرْ كالجرحِ والتعديلِ يثبتُهُ فتىً … فيهَا وفيْ بابِ الشهادةِ يحتظرْ فاحفظْ لهاتيكِ الفُروق فإنَّها … أزهى وأبهى من تقاصيرِ الدررْ وشرح هذه الأبيات في «الكواكب» أيضًا فانظرها. قوله: (مُكَلَّفًا) بأن يكونَ مسلمًا بالغًا عاقلًا، فلا يقبلُ

стр. 69

عدلًا مُتقِنًا، ويُعرَف إتقانه بموافقة الثِّقات، ولا تضرُّ مخالفته النَّادرة، ويُقبَل الجرح إنْ بَانَ سَبَبُه، للاختلاف فيما يوجب الجرح، بخلاف التَّعديل فلا يُشتَرط، ورواية العدل عمَّن سمَّاه لا تكون تعديلًا، كافرٌ ومجنونٌ مُطْبِقٌ بالإجماعِ، ويقبل متقطع الجنون إن لم يُؤثِّر زمن إفاقته ولا صبيٌّ على الأصحِ، وقيل: يقبلُ المميزُ إن لم يجرَّبْ عليه الكذبُ. قوله: (عَدْلًا) فُسِّرَ بسلامتهِ من الفسق وخوارم المروءة لحديث ابن عمر مرفوعًا: «كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ لَاْ نَأْخُذَ إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ»، وروى الشافعي عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابنًا لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئًا، فقيل له: إنَّا لنُعظِم أن يكون مثلك ابن إمامَيْ هُدَى تُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم! فقال: أعظم والله من ذلك عند الله، وعند مَن عرف الله، وعند من عقل عن الله أن أقول بما ليس لي فيه علم أو أخبر عن غير ثقة. وتثبت العدالة بتنصيص عالِمَين عليها، أو بالاستفاضة والشهرة؛ فمن اشتهرت عدالته من أهل العلم وشاعَ الثناءُ عليه بها كفى، ولا يحتاجُ مع ذلك إلى معدِّلٍ ينصُّ عليها كمالك والشافعي والسُّفْيَانين وأحمد ابن حنبل، وهذا هو المعتمد. وتوسعَ ابن عبد البر فقال: كلُّ حاملِ علمٍ معروفُ العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدًا على العدالة حتى يتبين جرحه؛ لحديث: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه»، وقد تقدَّمَ الكلام على هذا الحديث في الفصل الأول. قوله: (مُتْقِنًا)؛ أي: ضابطًا، بأن يكون متيقظًا غير مُغَفَّلٍ، حافظًا إن حدَّثَ من حفظه، ضابطًا لكتابه من التغيير والتبديل إن حدَّث منه، عالمًا بما يحيلُ المعنى إن روى به. قوله: (لِمُوَافَقَتِهِ الثِّقَاتِ)؛ أي: الضابطين إذا اعتبرَ حديثه بحديثهم، فإن وافقهم في روايتهم غالبًا ولو من حيث المعنى فضابطٌ. قوله: (النَّادِرَة) فإن كثرتْ مخالفته لهم، وندرتْ موافقته اختلَّ ضبطه ولم يحتجَّ به. قوله: (وَيُقْبَلُ الجَرْحُ)؛ أي: الطعن في الراوي. وقوله: (إِنْ بَانَ سَبَبُهُ)؛ أي: فلا يُقبل غير مبيَّن السببِ. وقوله: (لِلْاِخْتِلَافِ فِيْمَا يُوْجِبُ الجَرْحَ)؛ أي: لأنَّ النَّاسَ يختلفونَ في أسبابِ الجرحِ فيُطلق أحدهم الجرحَ بناءً على ما اعتقده جرحًا، وليس بجرحٍ في نفسِ الأمرِ، فلا بدَّ من بيان سببه ليُنظر هل هو قادحٌ أو لا؟. قال ابن الصلاح: وهذا هُوَ المقررُ في الفقه والأصول، وذكرَ الخطيب أنَّه مذهبُ الأئمة من حفاظ الحديث كالشيخين، ولذلك احتجَّ البُخاري بجماعةٍ سبق من غيره الجرح لهم كعِكْرِمة وعمرو بن مرزوق، وكذا فعلَ مسلم وأبو داود، وذلك دالٌّ على أنَّهم يرونَ أن الجرحَ لا يثبت إلَّا إذا فُسِّرَ سببُهُ، فإنَّه ربما استُفْسِر الجارح فذكر ما ليس بجرحٍ، كما قيلَ لشُعبة: لِمَ تركتَ حديثَ فلان، قال: رَأَيْتُهُ يركضُ على برذون فتركت حديثه، وقال هو: أتيتُ منزل المِنهال بن عمرو فسمعت صوت الطُنْبُور فرجعتُ، فقيل له: فهلَّا سألتَ عنهُ، إذ لا يعلم هو؟!. قال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: (فلان كذَّاب) لا بدَّ من بيانه؛ لأنَّ الكذبَ يحتملُ الغلط كقوله: (كذب فلان). قوله: (بِخِلَاْفِ التَّعْدِيْلِ)؛ أي: فلا يشترطُ ذكرُ سببه؛ لأنَّ أسبابهُ كثيرةٌ فيَشق ذكرها، إذ ذلك يُحوج المعدِّل إلى أن يقول: لم يفعل كذا، لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا، فيُعددُ جميعَ ما يُفَسَّقُ بفعلهِ أو تركه، وذلك شاقٌّ، بخلافِ الجرحِ فإنَّهُ يحصلُ بأمرٍ واحدٍ، وما ذكر في الجرح والتعديل هو الصحيح. وقيل: يُقبل الجرحُ غير مفسَّرٍ ولا يُقبل التعديل إلَّا مُفَسَّرًا؛ لأنَّ أسباب العدالة يكثرُ التَّصَنُّعُ فيها، وقيل: لا يُقبلان إلَّا مفسَّرَين؛ لأنَّه كما يجرحُ الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدِّل بما لا يقتضي العدالة، كما قال إنسان لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيفٌ، فقال: إنَّما يضعفُهُ رافضيٌّ مبغضٌ لو رأيت لحيته وهيئته لعرفت أنَّه ثقةٌ، فاستدلَّ على ثقته بما ليس بحجة فإنَّ حسن الهيئة يَشترك به العدل وغيره. وقيل: لا يجب ذكرُ السبب في واحد منهما إذا كان الجارحُ والمعدِّل عالمًا بأسباب الجرح والتعديل، وصحَّحَهُ العراقي والبُلقيني. وقال شيخ الإسلام: إن كانَ وثَّقه أحد من أئمةِ هذا الشأن لم يُقبل الجرح فيه من أحدٍ إلَّا مُفسرًا؛ لأنَّه قد ثبتت له رتبةُ الثقةِ فلا يزحزحُ عنها إلَّا بأمرٍ صريح، وإن خلا عن التعديل قُبِلَ الجرحُ غيرَ مُفَسَّرٍ إذا صدرَ من عارفٍ؛ لأنَّه إذا لم يُعدَّل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجارح فيه أولى من إهماله، والصحيح أنَّ الجرح والتعديل يثبتان بواحد، وقيل: لا بدَّ من اثنين كالشهادة، وإذا اجتمع جرح وتعديل فالجرحُ مقدمٌ، ولو زادَ عددُ المعدِّل على الأصح عند الفقهاء والأصوليين؛ لأنَّ مع الجارح زيادةُ علمٍ لم يطلعْ عليها المُعَدِّلُ. وقَيَّدَ الفقهاءُ ذلك بما إذا لم يقل المعدِّل: عرفتُ السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تابَ وحسُنَت حالتهُ فإنَّهُ حينئذٍ يقدمُ، قال البُلقيني: ويأتي ذلك أيضًا هنا إلَّا في الكذب. قوله: (وَرِوَايَةُ العَدْلِ عَمَّنْ سَمَّاهُ)؛ أي: عن شخص يُسمِّيه في روايته. وقوله: (لَاْ يكُوْنُ تَعْدِيْلًا)؛ أي: حُكمًا منه بتعديله نظرًا إلى أنَّه لم يذكر فيه جرحًا؛ وذلك لجواز رواية العدل عن غير العدل

стр. 70

وقيل: إن كانت عادته ألَّا يروي إلَّا عن عدلٍ كالشَّيخين فتعديلٌ، وإلَّا فلا، ولا يُقبَل مجهول العدالة، وكذا مجهول العين الذي لم تعرفه العلماء، وتَرفع الجهالةَ عنه روايةُ اثنين مشهورين بالعلم، و الصَّحابةُ كلُّهم عدولٌ، وقَبِلَ فلم تتضمن روايَتُهُ عنهُ تعديله، وما ذكره الشارح هو الصحيح الذي عليه الأكثرون من أهل الحديث وغيرهم، وقيل: هو تعديل إذ لو علمَ فيه جرحًا لذكرَهُ وإلَّا كان غشًّا في الدِّين. وأُجيب: بأنَّه قد لا يعرفُ عدالته ولا جرحه. قوله: (وَقِيْلَ: إِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ … ) إلى آخره، اختارَ ذلك الأصوليونَ كابنِ الحاجبِ والآمدي وغيرهما، والصحيح أنَّه إذا قال: (حدَّثني الثقة أو مَنْ لا أتهم) لم يُكْتَفَ به في التعديل؛ لأنَّه ربما لو سماه كان ممَّن جرحه غيره، وقيل: إن كان القائل مُجتهدًا كفى في حقِّ موافقيه في المذهب، واختاره إمام الحرمين ورجَّحه الرافعي. قوله: (مَجْهُوْلُ العَدَالَةِ)؛ أي: مع كَوْنِهِ معروفَ العين برواية عدلين عنه وهذا ما عليه الجمهور. وقيل: تُقْبَلُ مُطْلَقًا. وقيل: إن كان مَن روى عنه فيهم مَن لا يروي عن غير عدلٍ قُبِلَ وإِلَّا فَلا. قوله: (الَّذِيْ لَمْ تَعْرِفُهُ العُلَمَاءُ)؛ أي: ولم يشتهرْ بطلبِ العلمِ في نفسه، ولا يُعرف حديثه إلَّا من جهة راوٍ واحدٍ كما في «شرح التقريب» وما ذكره الشارح هو الصحيح. وقيل: يُقبل مطلقًا. وقيل: إن كان مشهورًا بالزهد والصلاح. وقيل: إن زَكَّاهُ أحدٌ من أئمةِ الجرحِ والتَّعديلِ مع رواية واحد عنه، وصَحَّحَهُ شيخُ الإسلام. وقيل: إن تَفَرَّدَ بالروايةِ عنه مَن لا يروي إلَّا عن عدلٍ. قوله: (وَتَرْفَعُ الجَهَالَةُ عَنْهُ … ) إلى آخره؛ أي: وإن لم يثبتْ لهُ بذلكَ حكمُ العدالةِ. تنبيه: يُقبلُ تعديلُ العبد والمرأة العارِفَين لقبول خبرهما، كما جزم به الخطيب في «الكفاية» والرازي والقاضي أبو بكر بعد أن حكى عن أكثر الفقهاء أنَّه لا يُقبَلُ في التعديل النساءُ لا في الرواية ولا الشهادة، واستدلَّ على القبول بسؤال النَّبيِّ ﷺ بريرة عن عائشة في قِصَّةِ الإِفْكِ. وأما الصَّبي المُراهق فلا يُقبل تعديله إجماعًا. قوله: (وَالصَّحَابَةُ … ) إلى آخره، اختلفَ في الصحابي: فقيل: هو مَن لقي النَّبيَّ ﷺ مُسلمًا ومات على إسلامه، ولا يُشترط فيه البلوغ على الصحيح، ويشترط رؤيته في عالم الشهادة ليَخرج من رآه من الملائكة والنبيين. واستشكل ابن الأثير ذكرَ مؤمني الجن في الصحابة دون مَن رآه من الملائكة وهم أولى بالذكر!! وأُجيب: بأنَّ الجنَّ مِن جُمْلَةِ المكلفين الذين شملتهم الرسالة فكان ذِكْرُ من عُرِفَ اسمه ممَّن رآه حسنًا بخلاف الملائكة. واستظهرَ العِراقي أنَّ عيسى ﵇ إذا نزل وحَكَمَ بِشَرْعِهِ أُطلق عليه اسم الصحبة؛ لأنَّه ثبت أنَّه رآه في الأرض. وقيل: الصَّحابي مَن طالتْ مجالسته له على طريق التِّبع. وقيل: مَن أقام معه سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين؛ لأنَّ لصحبته ﷺ شرفًا عظيمًا فلا تنالُ إلَّا باجتماع طويلٍ يظهرُ فيه الخُلق المطبوع عليه الشخص، كالغزو المشتمل على السفر، والسَّنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج، وهو ضعيف. وقيل: من طالت صحبته وروى عنه. وقيل: من رآه بالغار، وهو شاذٌ. وقيل: من أدرك زمنه ﷺ وهو مسلم. وشَرَطَ الماوردي في الصحابي أن يتخصصَ بالرسول، ويتخصصَ به الرسول. وتُعرف الصحبة بالتواتر كأبي بكر وعمر. أو الاستفاضة والشهرة القاصرة عن التواتر كضِمَام بن ثعلبة. أو قول صحابي عنه إنَّه صحابي. قال شيخ الإسلام: أو يُخْبِرُ أحدُ التَّابِعِين أنَّه صحابي، أو يقول هو: أنا صحابي، إذا كان عدلًا وأمكن ذلك؛ فإن ادَّعاهُ بعد مئة سنة من وفاته ﷺ فإنَّه لا يُقبل لحديث: «فَإِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِ الأرض أَحَدٌ» يريد انخرام ذلك القرن، قال ذلك سنة وفاته ﷺ . قوله: (كُلُّهُم)؛ أي: مَن لابسَ الفتنَ منهم وغيرهم لحديث: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي»، ولا يجبُ البحثُ عن عَدَالَتِهِم. قال إمام الحرمين: لأنَّهم حملةُ الشريعة فلو ثبت توقُّفٌ في روايتهم لانحصرت الشريعة في عصره ﷺ ولما استرسلت على سائر الأعصار. وما ذكره الشارح من التعميم هو المعتمد، وقالت المعتزلة: إلَّا من قاتل عليًّا، وقيل: إلَّا المُقَاتِلُ والمُقَاتَلُ. فوائد: الأولى: أكثرُ الصحابةِ حديثًا أبو هريرة ﵁، روى خمسة آلاف وثلاثمئة وأربعة وسبعين حديثًا، اتفق الشيخان منها على ثلاثمئة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمئة وتسعة وثمانين، وروى عنه أكثر من ثمانمئة رجل، وهو أحفظ الصحابة. ثم عبد الله بن عمر، روى ألفي حديث وستمئة وثلاثين حديثًا. وابن عباس روى ألفًا وستمئة وستين. وجابر بن عبد الله روى ألفًا وخمسمئة وأربعين حديثًا. وأنس بن مالك روى ألفين ومئتين وستًّا وثمانين. وعائشة أم المؤمنين روت ألفين ومئتين وعشرة. وأبو سعيد الخدري روى ألفًا ومئة وسبعين. وليس في الصحابة بعد ذلك من يزيدُ حديثه على ألف، وجملةُ ما روي لأبي بكر ﵁

стр. 71

المستورَ قومٌ، ورجَّحه ابن الصَّلاح، ولا يُقبَل حديثُ مُبْهَمٍ ما لم يُسمَّ؛ إذ شرطُ قبول الخبر عدالةُ ناقله، ومن أُبهِم اسمه؛ لا تُعرَف عينه، فكيف تُعرَف عدالته؟ ولا يُقبَل مَنْ به بدعةُ كفرٍ، أو يدعو إلى بدعةٍ، مئة واثنان وأربعون حديثًا، والسببُ في قِلَّةِ ما روي عنه مع تقدُّمه وسبقه وملازمته له ﷺ أنَّه تُوفي قبل اعتناء الناس بسماع الحديث وتحصيله وحفظه، كذا ذكر النووي في «التهذيب». الثانية: قال أبو زُرعة الرازي: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين جمعوا؟ قال: أهل المدينة ومكة ومن بينهما والأعراب ومَن شهد معه حجة الوداع. قال العراقي: كيف يمكنُ الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى، وروى السَّاجي في «المناقب» بسندٍ جيدٍ عن الشافعي (١) قال: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفًا؛ ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب وغير ذلك. الثالثة: آخرُ الصحابة موتًا مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مئة من الهجرة، قاله مسلم في «صحيحه» والحاكم في «المستدرك»، وقيل: سنة اثنتين ومئة، وقيل: سنة سبع ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة. آخرهم قبله أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين. وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري سنة ثمان وثمانين، وقيل غير ذلك، وعليه حُمل إطلاق من أطلق أنَّه آخر الصحابة موتًا. وآخر الصحابة موتًا بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست أو سبع أو ثمان وثمانين. وبالشام عبد الله بن بسر (٢) المازني سنة ثمان وثمانين وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين. وبفلسطين أبو [أُبي] عبد الله بن حَرام، ربيب عُبادة بن الصامت. وبمصرَ عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ الزُّبَيْدي سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وثمانين، وكانت وفاته بسفطِ أبي تراب. وباليمامة الهِرْمَاس بن زياد سنة اثنين ومئة. وبالبادية سَلَمَةُ بن الأَكْوَع سنة أربع وستين أو وسبعين على ما قاله ابن منده، لكن الصحيح أنَّه مات بالمدينة. وبخُرَاسان بُرَيْدَة بن الحصيب (٣). وبالطائف ابن عباس. وبأصبهان النَّابِغَة الجَعْدِي. وبسَمَرْقَنْد الفضل بن العباس. انتهى مُلخصًا في «شرح التقريب». قوله: (المَسْتُوْرَ) هو العدلُ في الظاهرِ، الخفي العدالة في الباطن؛ أي: المجهولها. وقوله: (قوم) منهم: سُلَيم الرازي، قال: لأنَّ الإِخبار مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية الأخبار تكونُ عند من يتعذر عليه معرفةُ العدالة في الباطن، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر، بخلاف الشهادة فإنَّها تكون عند الحكام فلا يتعذرُ عليهم ذلك. قوله: (وَرَجَّحَهُ ابْنُ الَّصلَاحِ)؛ أي: حيثُ قال: يُشبه أن يكونَ العمل على هذا الرأي في كثيرٍ من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذَّرت خبرتهم باطنًا. انتهى. وكذا صحَّحه النووي في «شرح المهذب». قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ حَدِيْثُ مُبْهَمٍ)؛ أي: راوٍ غيرِ معروفٍ، ولو قيل عنه: حدَّثني الثقة، أو مَن لا أتهمه، إلَّا إنْ كانَ من إمامٍ راو عنه، ومحل ذلك إنْ لم يكن ذلك الراوي صحابيًّا، وإلَّا فلا يضر إبهامه كما سبق؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدولٌ كما سبق. قوله: (وَمَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لَاْ يُعْرَفُ اسْمُهُ لَا يُعْرَف)، فيه: من الرِّكَّة ما لا يخفى، وفي نسخة: (ومَن أبهم اسمه لا يعرف فكيف … ) إلى آخره، وعبارة «النخبة وشرحها»: ولا يقبلُ حديثٌ مُبهَم ما لم يسمَّ؛ لأنَّ مِن شرطِ قبول الخبر عدالة راويه، ومَن أُبهم اسمه لا تُعْرف عينه فكيف عدالته. انتهى. ومقتضاهُ أنَّه لو كانت عدالته وعينه معروفتين، وإنَّما جُهِلَ اسمهُ فلا يضرُّ، وبه صرَّحَ في «التدريب» و «شرحه» (٤). قال: ومَن عُرفت عينه وعدالته وجُهل اسمه ونسبه احتُجَّ به، وفي الصحيحين من ذلك كثير كقولهم: ابن فلان أو والد فلان، وقد جزمَ بذلك الخطيب في «الكفاية»، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلَّله بأنَّ الجهل باسمه لا يخلُّ بالعلم بعدالته، ومَثَّلَهُ بحديثِ ثُمَامَة: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن النَّبِيذِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَادِمُ رَسُوْلِ الله ﷺ -لَجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ- فَسَلْهَا … » الحديث. انتهى. قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ مَنْ بِهِ بِدْعَةُ كُفْرٍ)؛ أي: لا يحتجُّ بحديثه، وهو كما في «شرح المهذب» المُجَسِّم، ومن يُنكر العلمَ بالجزئيات، قيل: وقائل خلق القرآن كما نصَّ عليه الشافعي واختاره البُلقيني، وظاهرُ إطلاق الشارح أنَّ كلَّ كافرٍ ببدعةٍ يُرَدُّ، قال شيخ الإسلام: والتحقيقُ أنَّهُ لا يردُّ كُلُّ مُكَفَّر ببدعته؛ لأنَّ كلَّ طائفة تدَّعِي أن مُخالفتها مُبتدِعة، وقد تُبالغ فتُكَفِّرُ، فلو أُخِذَ ذلكَ على الإطلاق لاستلزمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوَائف، قال: والمعتمدُ أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه، أمَّا من لم يكن كذلك وكان ضابطًا لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله. قوله: (أَوْ يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ)؛ أي: أو لم تكن بدعته بدعة كفرٍ

стр. 72

وإلَّا قُبِلَ؛ لاحتجاج البخاريِّ وغيره بكثيرٍ من المبتدعين غير الدُّعاة، ويُقبَل التَّائب وينبغي أن يُعرَف من اختلط من الثِّقات في آخر عمره لفساد عقله وخرفه؛ ليتميَّز من سمع منه قبل ذلك، فيُقبَل حديثه، أو بعده فيُرَدُّ، ومن رُوِيَ عنه منهم في الصَّحيحين لكنه يدعو إلى بدعته فلا يحتجُّ به أيضًا؛ لأنَّ تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه. قوله: (وَإِلَّا)؛ أي: بأنْ لم تكن بدعته بدعة كفر ولم يدعُ إلى بدعته. وقوله: (قُبِلَ)؛ أي: على الراجح الذي عليهِ أكثرُ العلماء، وقيل: غيرُ الكافر ببدعته لا يحتج به مطلقًا أيضًا؛ لأنَّه فاسق ببدعته وإن كان متأوِّلًا كما يستوي الكافر المتأول وغيره. وقيل: يحتجُّ به إن لم يكن ممَّن ينتحل الكذب في نُصرة مذهبه أو لأهلِ مذهبه سواءٌ كان داعيةً أم لا، وحُكِيَ هذا القولُ عن الشافعي؛ لأنَّه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلَّا الخطَّابية؛ لأنَّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. وقيَّد جماعة قبوله بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته، وبه جزم شيخ الإسلام في «النخبة». والصحيح أنَّه لا تُقبل رواية الروافض وسابِّ السلف كما ذكره النووي في «الروضة»؛ لأنَّ سُباب المسلم فسوق، والصحابة والسلف أولى، وقد صرَّحَ بذلك الذهبي في «الميزان» فقال: البدعةُ على ضربين: صغرى كالتشيُّع بلا غلوٍّ، أو بغلوٍّ كَمَّنْ تكلمَ في حقِّ مَنْ حاربَ عليًّا، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ هؤلاء لذهب جملة من الآثار، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحطِّ على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتجُّ بهم ولا كرامة. انتهى. قال الجلال السيوطي: وهذا هو الصواب الذي لا يحلُّ لمسلمٍ أن يعتقد خلافه. تنبيه: من المُلحقِ بالمُبْتَدِعَة مَنْ دأبه الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق والطبيعة ونحوها، فإن اعتقدَ ما فيها من قِدَم العالم ونحوه فكافرٌ، أو ما ورد الشرع بخلافه وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم خُشي عليه أن تَغْلِبَ تلكَ العقائدُ على قلبِهِ فيكون ممن رانَ على قُلوبهم ما كانوا يكسبون، وقد صَرَّحَ بالحطِّ على مَن ذكر وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابن الصلاح والنووي وغيره من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية وغيره من الحنابلة. فائدة: حكى النووي أنَّ الناقلين للحديث سبع طبقات، ثلاثٌ مقبولة وثلاثٌ مردودة، والسابعة مختلف فيها. فالأولى من المقبولة: أئمة الحديث وحفاظهم؛ يُقبل تفرُّدهم، وهم الحجَّة على من خالفهم. والثانية: دونهم في الحفظ والضبط لحقهم بعضُ وَهَمٍ. والثالثة: قوم ثبت صدقهم ومعرفتهم لكن جنحوا إلى مذهب الأهواء من غير أن يكونوا غلاة ولا دعاة، فهذه الطبقات تَحَمَّلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم، وعليهم يدور نقل الحديث. والأولى من المردودة: مَنْ وُسِمَ بالكذب ووَضْعِ الحديث. والثانية: مَن غلب عليه الوَهَمُ والغلط. والثالثة: قوم تغالَوا في البدعة ودعوا إليها فحرَّفوا الروايات ليحتجوا بها. وأما السابعة المختلف فيها: فقوم مجهولون انفردوا بروايات، فقَبِلَهم قوم وردهم آخرون. انتهى. قوله: (ويقبل التائب)؛ أي: من الفسق والكذب كالشهادة لكن في غير الكذب في الحديث النبوي، أما هو فلا تُقبل رواية التائب منه أبدًا وإن حسُنت طريقته على ما قاله الحميدي والصيرفي من الشافعية وهو مذهب الإمام أحمد، وصادمه النووي وقال: إنه مخالف لقواعد المذاهب، فردَّه الجلال في «شرح التقريب» وقال: ليس بمخالف، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ لأنَّ الظاهرَ تَكَرُّرُ ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل. انتهى. قوله: (وينبغي أن يُعرَف من اختلط)؛ أي: اختلَّ ضبطُهُ، قال النَّووي: وهذا مهمٌّ لا يُعْرَف فيه تصنيفٌ مفردٌ، وهو حقيقٌ به. انتهى. وقد صنَّفَ فيه الحافظ العلائي وغيره. قوله: (وخُرْقِهِ) قال في «القاموس»: الخُرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق، وأن لا يُحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور والحُمق، ثم قال: خَرِقَ كفرح وكرم. انتهى. وربما اختلطَ لذهاب بصره أو تلف كتبه، والاعتماد على حفظه. قوله: (أو بعده)؛ أي: أو شكَّ فيه، ويُعرف ما ذكر باعتبار الرواة عنهم، فمنهم عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره فاحتجوا برواية الأكابر عنه كالثوري وشعبة وابن عيينة، رُوي عنه أنَّه قال: سمعت من عطاء قديمًا، ثمَّ قَدِم علينا قَدمةً فسمعته يُحدث ببعضِ ما كنت سمعتُ فخلط فيه فاتقيته واعتزلته، وسَمِعَ منه قبل الاختلاط أيضًا: هشام الدَّسْتوَائي ويحيى بن سعيد وحماد بن زيد، وجميع مَن سمع منه غير أولئك فبعدَ الاختلاط. ومنهم: أبو إسحاق السَّبِيْعِي، وممَّن سمعَ منه بعد الاختلاط سُفيان بن عُيينة، ولذا لم يخرج له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقَبْلَهُ جرير بن حازم وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش. ومنهم: ابن أبي عَرُوْبَة، وممَّن سمع منه قبل الاختلاط يزيد بن هارون وعَبْدَة

стр. 73

محمولٌ على السَّلامة، وقد أعرضوا عن اعتبار هذه الشُّروط في زماننا؛ لإبقاء سلسلة الإسناد، فيُعتبَر البلوغ والعقل والسَّتر والإتقان ونحوه. ول ألفاظ التَّعديل مراتبُ: أعلاها: ثقةٌ أو متقنٌ أو ضابطٌ أو حجَّةٌ. ثانيها: خَيِّرٌ، صدوقٌ، مأمونٌ، لا بأسَ به، وهؤلاء يُكتَب حديثهم. ثالثها: شيخٌ، وهذا يُكتَب حديثه للاعتبار رابعها: بن سليمان وعبد الله ابن المبارك، وأخرج له الشيخان عن: روح بن عبادة، وعبد الأعلى، ويزيد بن زُريع، وغيرهم، وبعد الاختلاط: المُعافى بن عِمران، ووكيع، والفضل بن دُكين. ومنهم: سُفيان بن عُيينة اختلط قبل موته بسنتين، قال الذهبي: ويغلبُ على ظني أنَّ سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل ذلك. انتهى. وممن سمعَ منه في التَّغَيُّرِ: محمد بن عاصم. ومنهم: عارمٌ محمد بن الفضل السَّدُوسي، قال البخاري: تغيَّرَ في أواخر عمره، وقال أبو حاتم: مَن سمع منه سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد. انتهى. وممَّن سمع منه قبل الاختلاط عبد الله المسندي وأبو حاتم وأبو علي محمد بن أحمد، وبعده علي بن عبد العزيز والبغوي وأبو زُرعة. ومنهم: أبو قلابة الرَّقَاشي قال ابن خُزيمة: حدثنا أبو قِلابة بالبصرة قبل أن يختلطَ ويخرج إلى بغداد. فظاهره أن من سمع منه بالبصرة فسماعه صحيحٌ، وذلك كأبي داود السجستاني، وابنه أبي بكر وابن ماجه وأبي عَرُوْبَة، وممَّنْ سمعَ منه ببغداد أحمد بن كامل القاضي، وأبو سُهيل بن زياد، وعُثمان بن أحمد السماك، وأبو العبَّاس الأَصَمُّ. ومنهم: أبو بكر القَطِيْعِي راوي «مسند أحمد» و «الزهد» عن ابنه عبد الله، قال ابن الصلاح: اختلَّ في آخرِ عُمُرِهِ وخرق حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، وَرُدَّ بأنَّه لم يثبتْ ذلك، ولو ثبت فممنْ سَمِعَ منه حال صحته الحاكم والدَّارقطني وأبو نُعيم وأبو علي التميمي راوي «المسند» عنه؛ فإنَّه سمعه عليه. قوله: (عَلَى السَّلَامَةِ)؛ أي: من الاختلاطِ. قوله: (وَقَدْ أَعْرَضُوْا)؛ أي: المتأخرون. وقوله: (لِابْقَاءِ السِّلْسِلَةِ)؛ أي: لكونِ المقصود الآن هو إبقاء سلسلة الإسناد، عبارة «التقريب» و «شرحه»: أعرض الناس في هذه الأزمان المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط المذكورة في رواية الحديث ومشايخه لتعذُّرِ الوفاءِ بها على ما شُرط، ولكون المقصود الآن صار إبقاء سلسلة الإسناد المختص بهذه الأمة المحمدية، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليُعتبر من الشروط ما يليقُ بالمقصود وهو كون الشيخ مسلمًا. انتهى. قوله: (السَّتْرُ)؛ أي: بأنْ لا يكونَ مُتظاهرًا بفسقٍ أو سُخف يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ. قوله: (والإِتْقَانُ) قال النووي: ويُكتفى في ضبطه بوجودِ سماعه مُثبتًا بخطِّ ثقةٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، وبروايته من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. انتهى. قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَعْدِيْلِ مَرَاتِبٌ) جعلها النووي وابن الصلاح أربعًا فتَبِعهم الشارح، وجعلها الذهبي والعراقي خمسة، وشيخ الإسلام ستة، وتُقبل الشهادة بما ذكر من واحد كالشافعي وأحمد والبخاري كما سبقت الإشارة إليه. قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: بِحَسب ما ذكره. وأما المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي فإنها أعلى من هذه، وهي ما كُرِّرَ فيهِ أحدُ هذه الألفاظ المذكورة أعني: (ثقة أو متقن … ) إلى آخره، إمَّا بعينه (كثقة ثقة) أو لا (كثقة ثبت) أو (ثقة حجة) أو (ثقة حافظ)، والرتبة التي زادها شيخ الإسلام أعلى من مرتبة التكرير: وهي الوصف بأفعل (كأوثق الناس) و (أثبت الناس) أو نحوه كـ (إليه المنتهى في الثَّبْتِ). قال الجلال: ومنه: (لا أحدَ أثبتُ منه) و (مَنْ مثل فلان) و (فلان يُسأل عنه؟!) على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري، وهذه الثلاثة في ألفاظهم. انتهى. فالمرتبةُ التي ذكرها الشارحُ أعلى؛ وهي ثالثةٌ في الحقيقة. قوله: (أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةٌ)؛ أي: أو ثبتٌ أو عدلٌ حافظ. قوله: (ثَانِيْهَا)؛ أي: المراتب، وهي رابعةٌ بحسب ما ذكرناه. قوله: (خَيِّرٌ)؛ أي: أو (خيار) أو (محله الصدق) على ما ذكره النووي، وجعلَ الذهبي قولهم: (محله الصدق) مؤخَّرًا عن قولهم: (صدوق) إلى المرتبة التي تليها، وتبعه العراقي؛ لأنَّ صدوقًا مبالغةٌ في الصدق بخلاف محله الصدق، فإنَّه دالٌّ على أنَّ صاحبه محلُّهُ ومرتبتُه مطلقُ الصدقِ. قوله: (وَهَؤُلَاءِ)؛ أي: أصحاب هذه المرتبة الثانية في كلامه. وقوله: (يُكْتَبُ حَدِيْثُهُم) كانَ عليه أن يزيدَ: وينظر فيه، كما قاله ابن أبي حاتم ونقله النووي وابن الصلاح؛ فإنَّ هذا هو محل الفائدة، وإلَّا فما قبل هذه المرتبة يُكتب حديثهم أيضًا لكن من غير نظرٍ كما أطلقه ابن الصلاح والنووي والجلال وغيرهم، وإنَّما ينظر في حديث هؤلاء. قال ابن الصلاح: لأنَّ هذه العبارة لا تُشعر بالضبط فيُعتبر حديثهم بموافقة الضابطين، ولو أَخَّرَ هذه العبارة عن قوله: (ثَالِثُهَا: شَيْخٌ) وقالها مع قوله: (للاعْتِبَارِ) ليُفيدَ أنَّ أهلَ هاتين المرتبتين يُكتب حديثُهُم للاعتبار كان أوفق، بل لو أخَّرها عن الرابعة كان أولى وأخصر. قوله: (ثَالِثُهَا) هي الخامسةُ بحسبِ ما ذكرنا. قوله: (شَيْخٌ) زادَ العراقي في هذه المرتبة قولهم: (إلى الصدق ما هو)، وقولهم: (شيخ وسط) و (جيد الحديث) و (حسن الحديث)، وزادَ شيخ الإسلام: (صدوق سيئ الحفظ) و (صدوق له أوهام) و (صدوق مخطئ) و (صدوق

стр. 74

صالح الحديث، فيُكتَب ويُنظَر فيه. ول ألفاظ التَّجريح مراتب أيضًا، أدناها: ليِّن الحديث، يُكتَب ويُنظَر فيه اعتبارًا. ثانيها: ليس بقويٍّ، وليس بذاك. ثالثها: مقارب الحديث، أي: رديئه رابعها: متروك الحديث لا يُكتَب، وكذَّابٌ، ووضَّاعٌ، ودجَّالٌ، وواهٍ، وواهٍ بِمَرَّةٍ؛ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فميمٍ مفتوحةٍ وراءٍ مُشَدَّدةٍ، أي: قولًا واحدًا لا تردُّد فيه، فهؤلاء ساقطون لا يُكتَب عنهم. تغير بآخرة). انتهى. وقالوا: معنى (إلى الصدق ما هو)؛ أي: هو قريب إلى الصدق، فما زائدة والجار والمجرور متعلقٌ بـ (قريب) مقدرًا. قال شيخ الإسلام: وفي هذه المرتبة مَن رُمي بنوع بدعةٍ كالتَّشيع والقدر والإرجاء فيُكتب حديث جميع هؤلاء للاعتبار؛ أي: النظر فيه. قوله: (صَالِحُ الْحَدِيْثِ) زاد العراقي في هذه أيضًا: (صدوق إن شاء الله) (أرجو أن لا بأس به) (صويلح) وزاد شيخ الإسلام: (مقبول). قوله: (وَيُنْظَرُ فِيْهِ) الحاصلُ حسبما يظهرُ من صنيعهم أنَّ الثلاث مراتب الأولى من السِّت التي ذكرناها يُكتب حديثهم من غير نظرٍ، والثلاث الأخر يكتب حديثهم للنظر، وإن كان بعضها في كلٍّ أعلى من بعض. قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَّجْرِيْحِ) بالجيم قبل الراء وبالمهملة آخره. وقوله: (مَرَاتِبُ) عَدَّهَا أربعةً وهي أكثرُ كما سترى. قوله: (أَدْنَاهَا)؛ أي: أَقَلُّها بحيث يقرب من التعديل. قوله: (لَيِّنُ الحَدِيْثِ) قال حمزة بن يوسف السَّهمي: قلت للدَّارَقُطْنِي إذا قلت: (فلان لين الحديث) أي شيء تريد؟ فقال: إذا قلت: لينُ الحديث، لم يكن ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط عن العدالة. قال العراقي: ومن هذه المرتبة قولهم: (فيه مقال) و (ليس بالمتين) و (ليس بحجة) و (ليس بعمدة) و (ليس بمرضي) و (فيه خُلْفٌ)، و (تكلموا فيه) و (طعنوا فيه) و (سيِّئ الحفظ) و (مطعون فيه) و (تَعْرِفُ وتُنْكِر) و (للضعف ما هو). انتهى. ومعنى: (تَعْرِفُ وتُنْكِر)؛ أي: يأتي مرةً بالمشاهير المعروفة ومرة بالمناكير، ومعنى: (للضعف ما هو)؛ أي: هو قريبٌ للضعف كما سبق في (للصدق ما هو). قوله: (وَيُنْظَرُ)؛ أي: فيه. قوله: (ثَانِيْهَا: لَيْسَ بِقَوِيٍّ)؛ أي: فهي أشدُّ في الضعف من الأولى، ويكتب حديثها للاعتبار أيضًا، لكن عدَّ الشارح (ليس بذاك) و (ليس بذلك) منها، بلْ هي من المرتبة الأولى أعني (لين الحديث) كما في «التقريب» و «شرحه» وعبارته: (ليس بذلك) (ليس بذاك) أو (في حديثه ضعفٌ) هذه من مرتبةِ لينِ الحديث وهي الأولى. انتهى. قوله: (ثَالِثُهَا: مُقَاربُ الحَدِيْثِ)؛ أي: رديئه، ما جرى عليه الشارح من أنَّ ذلك جرحٌ، تبع فيه ابن السيد، لكنه ذكر أنَّه إنَّما يكون جرحًا إذا كان بفتح الراء، أما بكسرها فهو تعديل. قال العراقي: وليس ذلك بصحيح بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في «شرح الترمذي»، قال: وهما على كل حالٍ من ألفاظ التعديل، وممَّن ذكر ذلك الذهبي قال: وكأنَّ قائل ذلك فَهِمَ من فتح الراء أنَّ الشيء المقارَب هو الرديء، وهذا من كلام العوام وليس معروفًا في اللغة، وإنَّما هو على الوجهين من قوله ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» فَمَنْ كَسَرَ قال: إنَّ معناه حديثه مقارِبٌ لحديث غيره، ومن فَتَحَ قال معناه: أنَّ حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة (فاعل) تقتضي المشاركة. انتهى. والظاهر أنَّها في رتبة (للصدق ما هو) وبه تعلم ما في كلام الشارح لو أبدل ذلك بقوله: (ضعيف الحديث) كما جعلها غيره مرتبة ثالثة كان أولى، قال في «التقريب»: وإذا قالوا: ضعيف الحديث فدون (ليس بقوي)، ولا يُطرح بل يُعتبر به أيضًا، قال القسطلاني: وهذه مرتبة ثالثةٌ، ومن هذه المرتبة فيما ذكره العراقي (ضعيفٌ) فقط، (منكر الحديث)، (حديثه منكر)، (واه)، (ضعَّفوه). انتهى. ومن هذه المرتبة أيضًا: (مجهول الحديث)، (مضطربه)، (لا يحتج به). قوله: (رَابِعُهَا: مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ) قال أحمد بن صالح: لا يقال: فلان متروك الحديث إلَّا أن يُجمع الجميع على تركه. انتهى. وفي عَدِّ الشارح هذه مرتبة رابعة نظرٌ، بل هي خامسة، وقبلها مرتبة هي الرابعة حقيقة كما في «شرح التقريب» وغيره وهي قولهم: (رُدَّ حديثه) أو (رَدُّوا حديثه) أو (مردودُ الحديث) أو (ضعيفٌ جدًّا) أو (طرحوا حديثه) أو (مطروح الحديث) أو (ارم به) أو (ليس بشيء) أو (لا يساوي شيئًا)، ومنها ما ذكره الشارح من قولهم: (واهٍ) و (واهٍ بمرةٍ)، وما عَدَّهُ في أول هذه المرتبة؛ أعني: ما جعلها رابعة من قوله: (متروك الحديث) ليس منها، بل هو من مرتبة أنزل منها وهي الخامسة. ومن ألفاظها؛ -أي: تلك الخامسة- قولهم: (متروك) و (تركوه) و (ذاهب) أو (ذاهب الحديث) و (ساقط) و (هالك) و (فيه نظرٌ) و (سكتوا عنه) و (لا يعتبر به) و (لا يعتبر بحديثه) و (ليس بالثقة) و (غير ثقة) و (ليس بمأمون) و (مُتهم بالكذب أو بالوضع). وقول الشارح أيضًا: (كذَّاب) و (وضَّاع) مرتبة سادسة لا من الرابعة، ومن ألفاظها أيضًا: (مثله يكذب) فجملة المراتب ستُّ مراتبٍ على الوجه الذي سُقناه كما يؤخذ من «شرح التقريب» والملخص، ففيما ذكره الشارح من ترتيبها وسرد كلماتها نظر. قوله: (وَهَؤُلَاْءِ … لَاْ يُكْتَبُ عَنْهُم)؛ أي: ولا يُعتبر بهم ولا يُستشهد، وظاهرُ صنيع الشارح أنَّ اسم الإشارة راجعٌ لما عدا المرتبة الأولى، وليس كذلك، بل للمرتبة الرابعة على ما فيها مما وضحَ لك من أنَّه رَكَّبَ هذه المرتبة من ثلاث

стр. 75

وفي روايةِ مَنْ أَخَذَ على الحديث تَرَدُّدٌ، وفي المتساهل في سماعه وإسماعه؛ كمن لا يبالي بالنَّوم فيه، أو يحدِّث لا من أصلٍ مُصحَّحٍ، أو كثير السَّهو في روايته، إن حدَّث من غير أصلٍ، أو أكثر من الشَّواذِّ والمناكير في حديثه، ومن غلط في حديثه، فبُيِّن له وأصرَّ عنادًا ونحوه؛ سقطت روايته. ويُستَحبُّ الاعتناء بضبط الحديث وتحقيقه نقطًا وشكلًا، وإيضاحًا من غير مَشْقٍّ ولا تعليقٍ، بحيث يُؤمَن معه اللَّبس، وإنَّما يَشكِل المُشكِل، ولا يشتغل بتقييد الواضح. وصوَّب عيَّاضٌ شَكْل الكلِّ للمبتدئ وغير المُعرِب، مراتبٍ فلا تغترَّ به. تنبيه: ما ذُكِرَ من المراتبِ صريحٌ في أنَّ العَدَالة تتجزأُ لكنه باعتبار الضبط. قال الجلال السيوطي: وهل تتجزأ باعتبار الدِّين؟ وجهان في الفقه، ونظيره الخلاف في تجزُّؤِ الاجتهاد وهو الأصح فيه، وقياسُهُ يتجزأُ الحفظُ في الحديث فيكون حافظًا في نوعٍ دونَ نوع من الحديث، وفيه نظر. انتهى. قلت: لعلَّ وجه النظر أنَّ الحفظ بمعنى الضبط وعدم التساهل يكون سَجِيَّةً لا تتخلف، فلا يتفاوت في نوعٍ من المسموع دون آخر، ولك أن تقول بل يتفاوت في الأنواع بسبب الالتفات والاعتناء ببعضها لحاجته إليه دون بعض؛ كأن يجعل همته في أحاديث الأحكام مثلًا أزيد منها في أحاديث الترغيب والترهيب، فيتفاوت حينئذٍ ضبطه وحفظه. قوله: (وِفِيْ رِوَايَةِ مَنْ أَخَذَ) بالإضافة؛ أي: رواية الشخص الذي يأخذ على التحديث أجرةً. وقوله: (تَرَدُّدٌ)؛ أي: اختلاف، فذهبَ الإمام أحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبو حاتم الرازي إلى أنَّه لا تُقبل روايته، وذهب الفضل بن دُكين شيخ البخاري وعلي بن عبد العزيز البَغَوي وآخرون إلى قَبولها، وأفتى أبو إسحاق الشِّيرازي بجواز الأخذ لمن امتنع عليه الكسب بسبب التحديث، ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيرًا واشتغل بحفظه عن الكسب، من غير رجوع عليه لظاهرِ القرآن. قوله: (وَفِي المُتَسَاهِلِ) عطف على مَن أخذ على الحديث جُعْلًا ففيهِ تردُّدٌ أيضًا. قوله: (مُصَحَّحٍ)؛ أي: مُقَابلٍ على أصلهِ أو أصل شيخه؛ أي: ويكون ذلك الشخص معروفًا بقبول التلقين، بأن يُلَقن الشيء فيُحدِّث به من غير أن يعلم أنَّه من حديثه كما وقع لموسى بن دينار ونحوه. قوله: (مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ) فإنْ حدَّثَ من أصلٍ صحيحٍ فلا عبرةَ بكثرةِ سهوه؛ لأنَّ الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه. قوله: (بِالنَّوْمِ فِيْهِ)؛ أي: في السماع منه أو عليه. قوله: (أَوْ أَكْثَرَ [من] الشَّوَاذَّ … ) إلى آخره، قال شُعبة: لَا يَجِيئُكَ بِالحَدِيثِ الشَاذِّ إِلَّا الرَّجُلُ الشّاذُّ. قوله: (وَمَنْ غَلِطَ) مبتدأ خبره: (سقطت). قوله: (فَبُيِّنَ لَهُ)؛ أي: بيَّنَ له غيرُهُ غلطه. قوله: (سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ) قال ابن الصلاح: هذا صحيحٌ إن ظهرَ أنَّه أصرَّ عنادًا ونحوه، قال العراقي: وقيَّدَ ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المُبيِّن عالمًا عند المبيَّن له، وإلا فلا حرجَ إذًا. انتهى. قوله: (بِضَبْطِ الحَدِيْثِ)؛ أي: في الكتابةِ. قوله: (مِنْ غَيْرِ مَشْقٍ وَلَاْ تَعْلِيْقٍ) هُما نوعان من أنواع الخط غير مبينين بيان غيرهما، بل فيهما نوع خفاء، وقد ذكرتهما في «سعود الطالع» مع باقي أنواع الخط فاغنم بمراجعته الحظ (١). قوله: (بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ اللَّبْسُ)؛ أي: ليؤديه كما سمعه، وفي نقْطه وشكْله أمنٌ من اللَّبس. قال الأوزاعي: نورُ الكتاب إعجامه. قال الرامهرمزي: أي نَقْطه؛ بأن يبين التاء من الياء، والحاء من الخاء، قال: والشَّكْل تقييد الإعراب. وقال ابن الصلاح: إعجامُ المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله، قال: وكثيرًا ما يعتمدُ الواثق على ذهنه، وذلك وخيمُ العاقبة فإنَّ الإنسان معرَّض للنسيان. انتهى. وقيل: إنَّ النصارى كفروا بلفظةٍ أخطؤوا في إعجامها وشكلها؛ فإن الله قال في الإنجيل لعيسى: (أنت نبيي وَلَّدتُك من البتول) بتقديم النون على الموحدة في نبي، وتشديد لام (ولدتك) فصحفوها، وقالوا: (أنت بنيي وَلَدْتُكَ) مخففة. وقيل: أولُ فتنة وقعت في الإسلام سببها ذلك أيضًا؛ وهي فتنة عثمان ﵁ فإنَّه كتبَ للذي أرسله أميرًا إلى مصر إذا جاءكم «فاقبلوه» بالموحدة، فصحفوها «فاقتلوه» بالفوقية فجرى ما جرى، وكتبَ بعض الخلفاء إلى عاملٍ له ببلدٍ: أن احْصِ المخنثين بالحاء المهملة أي بالعدد، فصحَّفها بالمعجمة فخصاهم. قوله: (وَإِنَّمَا يَشْكُلُ)؛ أي: قيلَ لا يَشكُلُ الكلَّ، بلْ يَشْكُلُ المُلتبسَ فقط؛ إذ لا حاجة إلى الشكل في غيره، وقالوا: يُكره النَّقْط والشَّكْلُ في الواضح، ويَشْكِل بفتح الياء وكسر الكاف من شكل الكتاب. ويستحبُ ضبطُ المُشكل في نفس الكتاب، وكَتْبِهِ أيضًا مضبوطًا واضحًا في الحاشية قُبالته، فإن ذلك أبلغُ؛ لأنَّ المضبوطَ في نفسِ الأسطر رُبَّمَا داخله نقطُ غيره وشكله مما فوقه أو تحته لاسيما عند ضيقها ودقة الخط، قال ابن دقيق العيد: من عادةِ المتقدمين أن يُبالغوا في إيضاحِ المُشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفًا حرفًا. قوله: (لِلْمُبْتَدِئِ … ) إلى آخره، عبارته: لا سيما للمبتدي وغير المُتَبَحِّر في العلم، فإنَّهُ لا يميزُ ما يُشْكِل ممَّا لا يُشْكِلُ، ولا صوابَ وجه إعراب الكلمة من خطئه، قال العراقي: وربما ظنَّ أنَّ الشيء غير مُشكل لوضوحه، وهو في الحقيقةِ محلُّ نظرٍ محتاجٍ إلى الضبط، وقد وقعَ بين العلماء خلافٌ في مسائل مرتبة على إعراب الحديث، كحديث: «ذَكَاةُ الجَنِيْنِ
следующие страницы →