المستورَ قومٌ، ورجَّحه ابن الصَّلاح، ولا يُقبَل حديثُ مُبْهَمٍ ما لم يُسمَّ؛ إذ شرطُ قبول الخبر عدالةُ ناقله، ومن أُبهِم اسمه؛ لا تُعرَف عينه، فكيف تُعرَف عدالته؟ ولا يُقبَل مَنْ به بدعةُ كفرٍ، أو يدعو إلى بدعةٍ،
مئة واثنان وأربعون حديثًا، والسببُ في قِلَّةِ ما روي عنه مع تقدُّمه وسبقه وملازمته له ﷺ أنَّه تُوفي قبل اعتناء الناس بسماع الحديث وتحصيله وحفظه، كذا ذكر النووي في «التهذيب».
الثانية: قال أبو زُرعة الرازي: قُبِضَ رسولُ الله ﷺ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفًا من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه، فقيل له: هؤلاء أين كانوا وأين جمعوا؟ قال: أهل المدينة ومكة ومن بينهما والأعراب ومَن شهد معه حجة الوداع.
قال العراقي: كيف يمكنُ الاطلاع على تحرير ذلك مع تفرق الصحابة في البلدان والبوادي والقرى، وروى السَّاجي في «المناقب» بسندٍ جيدٍ عن الشافعي (١) قال: قبض رسول الله ﷺ والمسلمون ستون ألفًا؛ ثلاثون ألفًا بالمدينة وثلاثون ألفًا في قبائل العرب وغير ذلك.
الثالثة: آخرُ الصحابة موتًا مطلقًا أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، مات سنة مئة من الهجرة، قاله مسلم في «صحيحه» والحاكم في «المستدرك»، وقيل: سنة اثنتين ومئة، وقيل: سنة سبع ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة.
آخرهم قبله أنس بن مالك مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين.
وآخرهم موتًا بالمدينة سهل بن سعد الأنصاري سنة ثمان وثمانين، وقيل غير ذلك، وعليه حُمل إطلاق من أطلق أنَّه آخر الصحابة موتًا.
وآخر الصحابة موتًا بالكوفة عبد الله بن أبي أوفى، مات سنة ست أو سبع أو ثمان وثمانين.
وبالشام عبد الله بن بسر (٢) المازني سنة ثمان وثمانين وهو آخر من مات ممن صلى للقبلتين.
وبفلسطين أبو [أُبي] عبد الله بن حَرام، ربيب عُبادة بن الصامت.
وبمصرَ عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ الزُّبَيْدي سنة ست أو سبع أو ثمان أو تسع وثمانين، وكانت وفاته بسفطِ أبي تراب.
وباليمامة الهِرْمَاس بن زياد سنة اثنين ومئة.
وبالبادية سَلَمَةُ بن الأَكْوَع سنة أربع وستين أو وسبعين على ما قاله ابن منده، لكن الصحيح أنَّه مات بالمدينة.
وبخُرَاسان بُرَيْدَة بن الحصيب (٣).
وبالطائف ابن عباس.
وبأصبهان النَّابِغَة الجَعْدِي.
وبسَمَرْقَنْد الفضل بن العباس. انتهى مُلخصًا في «شرح التقريب».
قوله: (المَسْتُوْرَ) هو العدلُ في الظاهرِ، الخفي العدالة في الباطن؛ أي: المجهولها.
وقوله: (قوم) منهم: سُلَيم الرازي، قال: لأنَّ الإِخبار مبنيٌّ على حسنِ الظنِّ بالراوي، ولأنَّ رواية الأخبار تكونُ عند من يتعذر عليه معرفةُ العدالة في الباطن، فاقتصر فيها على معرفة ذلك في الظاهر، بخلاف الشهادة فإنَّها تكون عند الحكام فلا يتعذرُ عليهم ذلك.
قوله: (وَرَجَّحَهُ ابْنُ الَّصلَاحِ)؛ أي: حيثُ قال: يُشبه أن يكونَ العمل على هذا الرأي في كثيرٍ من كتب الحديث في جماعة من الرواة تقادم العهد بهم وتعذَّرت خبرتهم باطنًا. انتهى.
وكذا صحَّحه النووي في «شرح المهذب».
قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ حَدِيْثُ مُبْهَمٍ)؛ أي: راوٍ غيرِ معروفٍ، ولو قيل عنه: حدَّثني الثقة، أو مَن لا أتهمه، إلَّا إنْ كانَ من إمامٍ راو عنه، ومحل ذلك إنْ لم يكن ذلك الراوي صحابيًّا، وإلَّا فلا يضر إبهامه كما سبق؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدولٌ كما سبق.
قوله: (وَمَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لَاْ يُعْرَفُ اسْمُهُ لَا يُعْرَف)، فيه: من الرِّكَّة ما لا يخفى، وفي نسخة: (ومَن أبهم اسمه لا يعرف فكيف … ) إلى آخره، وعبارة «النخبة وشرحها»: ولا يقبلُ حديثٌ مُبهَم ما لم يسمَّ؛ لأنَّ مِن شرطِ قبول الخبر عدالة راويه، ومَن أُبهم اسمه لا تُعْرف عينه فكيف عدالته. انتهى.
ومقتضاهُ أنَّه لو كانت عدالته وعينه معروفتين، وإنَّما جُهِلَ اسمهُ فلا يضرُّ، وبه صرَّحَ في «التدريب» و «شرحه» (٤).
قال: ومَن عُرفت عينه وعدالته وجُهل اسمه ونسبه احتُجَّ به، وفي الصحيحين من ذلك كثير كقولهم: ابن فلان أو والد فلان، وقد جزمَ بذلك الخطيب في «الكفاية»، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلَّله بأنَّ الجهل باسمه لا يخلُّ بالعلم بعدالته، ومَثَّلَهُ بحديثِ ثُمَامَة: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عن النَّبِيذِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ خَادِمُ رَسُوْلِ الله ﷺ -لَجَارِيَةٍ حَبَشِيَّةٍ- فَسَلْهَا … » الحديث. انتهى.
قوله: (وَلَاْ يُقْبَلُ مَنْ بِهِ بِدْعَةُ كُفْرٍ)؛ أي: لا يحتجُّ بحديثه، وهو كما في «شرح المهذب» المُجَسِّم، ومن يُنكر العلمَ بالجزئيات، قيل: وقائل خلق القرآن كما نصَّ عليه الشافعي واختاره البُلقيني، وظاهرُ إطلاق الشارح أنَّ كلَّ كافرٍ ببدعةٍ يُرَدُّ، قال شيخ الإسلام: والتحقيقُ أنَّهُ لا يردُّ كُلُّ مُكَفَّر ببدعته؛ لأنَّ كلَّ طائفة تدَّعِي أن مُخالفتها مُبتدِعة، وقد تُبالغ فتُكَفِّرُ، فلو أُخِذَ ذلكَ على الإطلاق لاستلزمَ تكفيرَ جميعِ الطَّوَائف، قال: والمعتمدُ أن الذي تُرَدُّ روايته مَن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع، معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه، أمَّا من لم يكن كذلك وكان ضابطًا لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله.
قوله: (أَوْ يَدْعُو إِلَى بِدْعَةٍ)؛ أي: أو لم تكن بدعته بدعة كفرٍ
стр. 72
وإلَّا قُبِلَ؛ لاحتجاج البخاريِّ وغيره بكثيرٍ من المبتدعين غير الدُّعاة، ويُقبَل التَّائب وينبغي أن يُعرَف من اختلط من الثِّقات في آخر عمره لفساد عقله وخرفه؛ ليتميَّز من سمع منه قبل ذلك، فيُقبَل حديثه، أو بعده فيُرَدُّ، ومن رُوِيَ عنه منهم في الصَّحيحين
لكنه يدعو إلى بدعته فلا يحتجُّ به أيضًا؛ لأنَّ تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه.
قوله: (وَإِلَّا)؛ أي: بأنْ لم تكن بدعته بدعة كفر ولم يدعُ إلى بدعته.
وقوله: (قُبِلَ)؛ أي: على الراجح الذي عليهِ أكثرُ العلماء، وقيل: غيرُ الكافر ببدعته لا يحتج به مطلقًا أيضًا؛ لأنَّه فاسق ببدعته وإن كان متأوِّلًا كما يستوي الكافر المتأول وغيره.
وقيل: يحتجُّ به إن لم يكن ممَّن ينتحل الكذب في نُصرة مذهبه أو لأهلِ مذهبه سواءٌ كان داعيةً أم لا، وحُكِيَ هذا القولُ عن الشافعي؛ لأنَّه قال: أقبل شهادة أهل الأهواء إلَّا الخطَّابية؛ لأنَّهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
وقيَّد جماعة قبوله بما إذا لم يرو ما يقوي بدعته، وبه جزم شيخ الإسلام في «النخبة».
والصحيح أنَّه لا تُقبل رواية الروافض وسابِّ السلف كما ذكره النووي في «الروضة»؛ لأنَّ سُباب المسلم فسوق، والصحابة والسلف أولى، وقد صرَّحَ بذلك الذهبي في «الميزان» فقال: البدعةُ على ضربين: صغرى كالتشيُّع بلا غلوٍّ، أو بغلوٍّ كَمَّنْ تكلمَ في حقِّ مَنْ حاربَ عليًّا، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدَّ هؤلاء لذهب جملة من الآثار، ثم بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه والحطِّ على أبي بكر وعمر والدعاء إلى ذلك فهذا النوع لا يحتجُّ بهم ولا كرامة. انتهى.
قال الجلال السيوطي: وهذا هو الصواب الذي لا يحلُّ لمسلمٍ أن يعتقد خلافه.
تنبيه: من المُلحقِ بالمُبْتَدِعَة مَنْ دأبه الاشتغال بعلوم الفلسفة والمنطق والطبيعة ونحوها، فإن اعتقدَ ما فيها من قِدَم العالم ونحوه فكافرٌ، أو ما ورد الشرع بخلافه وأقام الدليل الفاسد على طريقتهم خُشي عليه أن تَغْلِبَ تلكَ العقائدُ على قلبِهِ فيكون ممن رانَ على قُلوبهم ما كانوا يكسبون، وقد صَرَّحَ بالحطِّ على مَن ذكر وعدم قبول روايتهم وأقوالهم ابن الصلاح والنووي وغيره من الشافعية، وابن عبد البر وغيره من المالكية، والحافظ سراج الدين القزويني وغيره من الحنفية، وابن تيمية وغيره من الحنابلة.
فائدة: حكى النووي أنَّ الناقلين للحديث سبع طبقات، ثلاثٌ مقبولة وثلاثٌ مردودة، والسابعة مختلف فيها.
فالأولى من المقبولة: أئمة الحديث وحفاظهم؛ يُقبل تفرُّدهم، وهم الحجَّة على من خالفهم.
والثانية: دونهم في الحفظ والضبط لحقهم بعضُ وَهَمٍ.
والثالثة: قوم ثبت صدقهم ومعرفتهم لكن جنحوا إلى مذهب الأهواء من غير أن يكونوا غلاة ولا دعاة، فهذه الطبقات تَحَمَّلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم، وعليهم يدور نقل الحديث.
والأولى من المردودة: مَنْ وُسِمَ بالكذب ووَضْعِ الحديث.
والثانية: مَن غلب عليه الوَهَمُ والغلط.
والثالثة: قوم تغالَوا في البدعة ودعوا إليها فحرَّفوا الروايات ليحتجوا بها.
وأما السابعة المختلف فيها: فقوم مجهولون انفردوا بروايات، فقَبِلَهم قوم وردهم آخرون. انتهى.
قوله: (ويقبل التائب)؛ أي: من الفسق والكذب كالشهادة لكن في غير الكذب في الحديث النبوي، أما هو فلا تُقبل رواية التائب منه أبدًا وإن حسُنت طريقته على ما قاله الحميدي والصيرفي من الشافعية وهو مذهب الإمام أحمد، وصادمه النووي وقال: إنه مخالف لقواعد المذاهب، فردَّه الجلال في «شرح التقريب» وقال: ليس بمخالف، والحق ما قاله الإمام أحمد؛ لأنَّ الظاهرَ تَكَرُّرُ ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه فوجب إسقاط الكل. انتهى.
قوله: (وينبغي أن يُعرَف من اختلط)؛ أي: اختلَّ ضبطُهُ، قال النَّووي: وهذا مهمٌّ لا يُعْرَف فيه تصنيفٌ مفردٌ، وهو حقيقٌ به. انتهى.
وقد صنَّفَ فيه الحافظ العلائي وغيره.
قوله: (وخُرْقِهِ) قال في «القاموس»: الخُرق بالضم وبالتحريك ضد الرفق، وأن لا يُحسن الرجل العمل والتصرف في الأمور والحُمق، ثم قال: خَرِقَ كفرح وكرم. انتهى.
وربما اختلطَ لذهاب بصره أو تلف كتبه، والاعتماد على حفظه.
قوله: (أو بعده)؛ أي: أو شكَّ فيه، ويُعرف ما ذكر باعتبار الرواة عنهم، فمنهم عطاء بن السائب اختلط في آخر عمره فاحتجوا برواية الأكابر عنه كالثوري وشعبة وابن عيينة، رُوي عنه أنَّه قال: سمعت من عطاء قديمًا، ثمَّ قَدِم علينا قَدمةً فسمعته يُحدث ببعضِ ما كنت سمعتُ فخلط فيه فاتقيته واعتزلته، وسَمِعَ منه قبل الاختلاط أيضًا: هشام الدَّسْتوَائي ويحيى بن سعيد وحماد بن زيد، وجميع مَن سمع منه غير أولئك فبعدَ الاختلاط.
ومنهم: أبو إسحاق السَّبِيْعِي، وممَّن سمعَ منه بعد الاختلاط سُفيان بن عُيينة، ولذا لم يخرج له الشيخان من روايته عنه شيئًا، وقَبْلَهُ جرير بن حازم وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش.
ومنهم: ابن أبي عَرُوْبَة، وممَّن سمع منه قبل الاختلاط يزيد بن هارون وعَبْدَة
стр. 73
محمولٌ على السَّلامة، وقد أعرضوا عن اعتبار هذه الشُّروط في زماننا؛ لإبقاء سلسلة الإسناد، فيُعتبَر البلوغ والعقل والسَّتر والإتقان ونحوه. ول ألفاظ التَّعديل مراتبُ: أعلاها: ثقةٌ أو متقنٌ أو ضابطٌ أو حجَّةٌ. ثانيها: خَيِّرٌ، صدوقٌ، مأمونٌ، لا بأسَ به، وهؤلاء يُكتَب حديثهم. ثالثها: شيخٌ، وهذا يُكتَب حديثه للاعتبار رابعها:
بن سليمان وعبد الله ابن المبارك، وأخرج له الشيخان عن: روح بن عبادة، وعبد الأعلى، ويزيد بن زُريع، وغيرهم، وبعد الاختلاط: المُعافى بن عِمران، ووكيع، والفضل بن دُكين.
ومنهم: سُفيان بن عُيينة اختلط قبل موته بسنتين، قال الذهبي: ويغلبُ على ظني أنَّ سائر شيوخ الأئمة الستة سمعوا منه قبل ذلك. انتهى.
وممن سمعَ منه في التَّغَيُّرِ: محمد بن عاصم.
ومنهم: عارمٌ محمد بن الفضل السَّدُوسي، قال البخاري: تغيَّرَ في أواخر عمره، وقال أبو حاتم: مَن سمع منه سنة عشرين ومئتين فسماعه جيد. انتهى.
وممَّن سمع منه قبل الاختلاط عبد الله المسندي وأبو حاتم وأبو علي محمد بن أحمد، وبعده علي بن عبد العزيز والبغوي وأبو زُرعة.
ومنهم: أبو قلابة الرَّقَاشي قال ابن خُزيمة: حدثنا أبو قِلابة بالبصرة قبل أن يختلطَ ويخرج إلى بغداد. فظاهره أن من سمع منه بالبصرة فسماعه صحيحٌ، وذلك كأبي داود السجستاني، وابنه أبي بكر وابن ماجه وأبي عَرُوْبَة، وممَّنْ سمعَ منه ببغداد أحمد بن كامل القاضي، وأبو سُهيل بن زياد، وعُثمان بن أحمد السماك، وأبو العبَّاس الأَصَمُّ.
ومنهم: أبو بكر القَطِيْعِي راوي «مسند أحمد» و «الزهد» عن ابنه عبد الله، قال ابن الصلاح: اختلَّ في آخرِ عُمُرِهِ وخرق حتى كان لا يعرف شيئًا مما يقرأ عليه، وَرُدَّ بأنَّه لم يثبتْ ذلك، ولو ثبت فممنْ سَمِعَ منه حال صحته الحاكم والدَّارقطني وأبو نُعيم وأبو علي التميمي راوي «المسند» عنه؛ فإنَّه سمعه عليه.
قوله: (عَلَى السَّلَامَةِ)؛ أي: من الاختلاطِ.
قوله: (وَقَدْ أَعْرَضُوْا)؛ أي: المتأخرون.
وقوله: (لِابْقَاءِ السِّلْسِلَةِ)؛ أي: لكونِ المقصود الآن هو إبقاء سلسلة الإسناد، عبارة «التقريب» و «شرحه»: أعرض الناس في هذه الأزمان المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط المذكورة في رواية الحديث ومشايخه لتعذُّرِ الوفاءِ بها على ما شُرط، ولكون المقصود الآن صار إبقاء سلسلة الإسناد المختص بهذه الأمة المحمدية، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليُعتبر من الشروط ما يليقُ بالمقصود وهو كون الشيخ مسلمًا. انتهى.
قوله: (السَّتْرُ)؛ أي: بأنْ لا يكونَ مُتظاهرًا بفسقٍ أو سُخف يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ.
قوله: (والإِتْقَانُ) قال النووي: ويُكتفى في ضبطه بوجودِ سماعه مُثبتًا بخطِّ ثقةٍ غيرِ مُتَّهَمٍ، وبروايته من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. انتهى.
قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَعْدِيْلِ مَرَاتِبٌ) جعلها النووي وابن الصلاح أربعًا فتَبِعهم الشارح، وجعلها الذهبي والعراقي خمسة، وشيخ الإسلام ستة، وتُقبل الشهادة بما ذكر من واحد كالشافعي وأحمد والبخاري كما سبقت الإشارة إليه.
قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: بِحَسب ما ذكره.
وأما المرتبة التي زادها الذهبي والعراقي فإنها أعلى من هذه، وهي ما كُرِّرَ فيهِ أحدُ هذه الألفاظ المذكورة أعني: (ثقة أو متقن … ) إلى آخره، إمَّا بعينه (كثقة ثقة) أو لا (كثقة ثبت) أو (ثقة حجة) أو (ثقة حافظ)، والرتبة التي زادها شيخ الإسلام أعلى من مرتبة التكرير: وهي الوصف بأفعل (كأوثق الناس) و (أثبت الناس) أو نحوه كـ (إليه المنتهى في الثَّبْتِ).
قال الجلال: ومنه: (لا أحدَ أثبتُ منه) و (مَنْ مثل فلان) و (فلان يُسأل عنه؟!) على تقدير همزة الاستفهام الإنكاري، وهذه الثلاثة في ألفاظهم. انتهى.
فالمرتبةُ التي ذكرها الشارحُ أعلى؛ وهي ثالثةٌ في الحقيقة.
قوله: (أَوْ ضَابِطٌ أَوْ حُجَّةٌ)؛ أي: أو ثبتٌ أو عدلٌ حافظ.
قوله: (ثَانِيْهَا)؛ أي: المراتب، وهي رابعةٌ بحسب ما ذكرناه.
قوله: (خَيِّرٌ)؛ أي: أو (خيار) أو (محله الصدق) على ما ذكره النووي، وجعلَ الذهبي قولهم: (محله الصدق) مؤخَّرًا عن قولهم: (صدوق) إلى المرتبة التي تليها، وتبعه العراقي؛ لأنَّ صدوقًا مبالغةٌ في الصدق بخلاف محله الصدق، فإنَّه دالٌّ على أنَّ صاحبه محلُّهُ ومرتبتُه مطلقُ الصدقِ.
قوله: (وَهَؤُلَاءِ)؛ أي: أصحاب هذه المرتبة الثانية في كلامه.
وقوله: (يُكْتَبُ حَدِيْثُهُم) كانَ عليه أن يزيدَ: وينظر فيه، كما قاله ابن أبي حاتم ونقله النووي وابن الصلاح؛ فإنَّ هذا هو محل الفائدة، وإلَّا فما قبل هذه المرتبة يُكتب حديثهم أيضًا لكن من غير نظرٍ كما أطلقه ابن الصلاح والنووي والجلال وغيرهم، وإنَّما ينظر في حديث هؤلاء.
قال ابن الصلاح: لأنَّ هذه العبارة لا تُشعر بالضبط فيُعتبر حديثهم بموافقة الضابطين، ولو أَخَّرَ هذه العبارة عن قوله: (ثَالِثُهَا: شَيْخٌ) وقالها مع قوله: (للاعْتِبَارِ) ليُفيدَ أنَّ أهلَ هاتين المرتبتين يُكتب حديثُهُم للاعتبار كان أوفق، بل لو أخَّرها عن الرابعة كان أولى وأخصر.
قوله: (ثَالِثُهَا) هي الخامسةُ بحسبِ ما ذكرنا.
قوله: (شَيْخٌ) زادَ العراقي في هذه المرتبة قولهم: (إلى الصدق ما هو)، وقولهم: (شيخ وسط) و (جيد الحديث) و (حسن الحديث)، وزادَ شيخ الإسلام: (صدوق سيئ الحفظ) و (صدوق له أوهام) و (صدوق مخطئ) و (صدوق
стр. 74
صالح الحديث، فيُكتَب ويُنظَر فيه. ول ألفاظ التَّجريح مراتب أيضًا، أدناها: ليِّن الحديث، يُكتَب ويُنظَر فيه اعتبارًا. ثانيها: ليس بقويٍّ، وليس بذاك. ثالثها: مقارب الحديث، أي: رديئه رابعها: متروك الحديث لا يُكتَب، وكذَّابٌ، ووضَّاعٌ، ودجَّالٌ، وواهٍ، وواهٍ بِمَرَّةٍ؛ بموحَّدةٍ مكسورةٍ فميمٍ مفتوحةٍ وراءٍ مُشَدَّدةٍ، أي: قولًا واحدًا لا تردُّد فيه، فهؤلاء ساقطون لا يُكتَب عنهم.
تغير بآخرة). انتهى.
وقالوا: معنى (إلى الصدق ما هو)؛ أي: هو قريب إلى الصدق، فما زائدة والجار والمجرور متعلقٌ بـ (قريب) مقدرًا.
قال شيخ الإسلام: وفي هذه المرتبة مَن رُمي بنوع بدعةٍ كالتَّشيع والقدر والإرجاء فيُكتب حديث جميع هؤلاء للاعتبار؛ أي: النظر فيه.
قوله: (صَالِحُ الْحَدِيْثِ) زاد العراقي في هذه أيضًا: (صدوق إن شاء الله) (أرجو أن لا بأس به) (صويلح) وزاد شيخ الإسلام: (مقبول).
قوله: (وَيُنْظَرُ فِيْهِ) الحاصلُ حسبما يظهرُ من صنيعهم أنَّ الثلاث مراتب الأولى من السِّت التي ذكرناها يُكتب حديثهم من غير نظرٍ، والثلاث الأخر يكتب حديثهم للنظر، وإن كان بعضها في كلٍّ أعلى من بعض.
قوله: (وَلِأَلْفَاظِ التَّجْرِيْحِ) بالجيم قبل الراء وبالمهملة آخره.
وقوله: (مَرَاتِبُ) عَدَّهَا أربعةً وهي أكثرُ كما سترى.
قوله: (أَدْنَاهَا)؛ أي: أَقَلُّها بحيث يقرب من التعديل.
قوله: (لَيِّنُ الحَدِيْثِ) قال حمزة بن يوسف السَّهمي: قلت للدَّارَقُطْنِي إذا قلت: (فلان لين الحديث) أي شيء تريد؟ فقال: إذا قلت: لينُ الحديث، لم يكن ساقطًا متروك الحديث، ولكن مجروحًا بشيء لا يسقط عن العدالة.
قال العراقي: ومن هذه المرتبة قولهم: (فيه مقال) و (ليس بالمتين) و (ليس بحجة) و (ليس بعمدة) و (ليس بمرضي) و (فيه خُلْفٌ)، و (تكلموا فيه) و (طعنوا فيه) و (سيِّئ الحفظ) و (مطعون فيه) و (تَعْرِفُ وتُنْكِر) و (للضعف ما هو). انتهى.
ومعنى: (تَعْرِفُ وتُنْكِر)؛ أي: يأتي مرةً بالمشاهير المعروفة ومرة بالمناكير، ومعنى: (للضعف ما هو)؛ أي: هو قريبٌ للضعف كما سبق في (للصدق ما هو).
قوله: (وَيُنْظَرُ)؛ أي: فيه.
قوله: (ثَانِيْهَا: لَيْسَ بِقَوِيٍّ)؛ أي: فهي أشدُّ في الضعف من الأولى، ويكتب حديثها للاعتبار أيضًا، لكن عدَّ الشارح (ليس بذاك) و (ليس بذلك) منها، بلْ هي من المرتبة الأولى أعني (لين الحديث) كما في «التقريب» و «شرحه» وعبارته: (ليس بذلك) (ليس بذاك) أو (في حديثه ضعفٌ) هذه من مرتبةِ لينِ الحديث وهي الأولى. انتهى.
قوله: (ثَالِثُهَا: مُقَاربُ الحَدِيْثِ)؛ أي: رديئه، ما جرى عليه الشارح من أنَّ ذلك جرحٌ، تبع فيه ابن السيد، لكنه ذكر أنَّه إنَّما يكون جرحًا إذا كان بفتح الراء، أما بكسرها فهو تعديل.
قال العراقي: وليس ذلك بصحيح بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في «شرح الترمذي»، قال: وهما على كل حالٍ من ألفاظ التعديل، وممَّن ذكر ذلك الذهبي قال: وكأنَّ قائل ذلك فَهِمَ من فتح الراء أنَّ الشيء المقارَب هو الرديء، وهذا من كلام العوام وليس معروفًا في اللغة، وإنَّما هو على الوجهين من قوله ﷺ : «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا» فَمَنْ كَسَرَ قال: إنَّ معناه حديثه مقارِبٌ لحديث غيره، ومن فَتَحَ قال معناه: أنَّ حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة (فاعل) تقتضي المشاركة. انتهى.
والظاهر أنَّها في رتبة (للصدق ما هو) وبه تعلم ما في كلام الشارح لو أبدل ذلك بقوله: (ضعيف الحديث) كما جعلها غيره مرتبة ثالثة كان أولى، قال في «التقريب»: وإذا قالوا: ضعيف الحديث فدون (ليس بقوي)، ولا يُطرح بل يُعتبر به أيضًا، قال القسطلاني: وهذه مرتبة ثالثةٌ، ومن هذه المرتبة فيما ذكره العراقي (ضعيفٌ) فقط، (منكر الحديث)، (حديثه منكر)، (واه)، (ضعَّفوه). انتهى.
ومن هذه المرتبة أيضًا: (مجهول الحديث)، (مضطربه)، (لا يحتج به).
قوله: (رَابِعُهَا: مَتْرُوْكُ الحَدِيْثِ) قال أحمد بن صالح: لا يقال: فلان متروك الحديث إلَّا أن يُجمع الجميع على تركه. انتهى.
وفي عَدِّ الشارح هذه مرتبة رابعة نظرٌ، بل هي خامسة، وقبلها مرتبة هي الرابعة حقيقة كما في «شرح التقريب» وغيره وهي قولهم: (رُدَّ حديثه) أو (رَدُّوا حديثه) أو (مردودُ الحديث) أو (ضعيفٌ جدًّا) أو (طرحوا حديثه) أو (مطروح الحديث) أو (ارم به) أو (ليس بشيء) أو (لا يساوي شيئًا)، ومنها ما ذكره الشارح من قولهم: (واهٍ) و (واهٍ بمرةٍ)، وما عَدَّهُ في أول هذه المرتبة؛ أعني: ما جعلها رابعة من قوله: (متروك الحديث) ليس منها، بل هو من مرتبة أنزل منها وهي الخامسة.
ومن ألفاظها؛ -أي: تلك الخامسة- قولهم: (متروك) و (تركوه) و (ذاهب) أو (ذاهب الحديث) و (ساقط) و (هالك) و (فيه نظرٌ) و (سكتوا عنه) و (لا يعتبر به) و (لا يعتبر بحديثه) و (ليس بالثقة) و (غير ثقة) و (ليس بمأمون) و (مُتهم بالكذب أو بالوضع).
وقول الشارح أيضًا: (كذَّاب) و (وضَّاع) مرتبة سادسة لا من الرابعة، ومن ألفاظها أيضًا: (مثله يكذب) فجملة المراتب ستُّ مراتبٍ على الوجه الذي سُقناه كما يؤخذ من «شرح التقريب» والملخص، ففيما ذكره الشارح من ترتيبها وسرد كلماتها نظر.
قوله: (وَهَؤُلَاْءِ … لَاْ يُكْتَبُ عَنْهُم)؛ أي: ولا يُعتبر بهم ولا يُستشهد، وظاهرُ صنيع الشارح أنَّ اسم الإشارة راجعٌ لما عدا المرتبة الأولى، وليس كذلك، بل للمرتبة الرابعة على ما فيها مما وضحَ لك من أنَّه رَكَّبَ هذه المرتبة من ثلاث
стр. 75
وفي روايةِ مَنْ أَخَذَ على الحديث تَرَدُّدٌ، وفي المتساهل في سماعه وإسماعه؛ كمن لا يبالي بالنَّوم فيه، أو يحدِّث لا من أصلٍ مُصحَّحٍ، أو كثير السَّهو في روايته، إن حدَّث من غير أصلٍ، أو أكثر من الشَّواذِّ والمناكير في حديثه، ومن غلط في حديثه، فبُيِّن له وأصرَّ عنادًا ونحوه؛ سقطت روايته.
ويُستَحبُّ الاعتناء بضبط الحديث وتحقيقه نقطًا وشكلًا، وإيضاحًا من غير مَشْقٍّ ولا تعليقٍ، بحيث يُؤمَن معه اللَّبس، وإنَّما يَشكِل المُشكِل، ولا يشتغل بتقييد الواضح. وصوَّب عيَّاضٌ شَكْل الكلِّ للمبتدئ وغير المُعرِب،
مراتبٍ فلا تغترَّ به.
تنبيه: ما ذُكِرَ من المراتبِ صريحٌ في أنَّ العَدَالة تتجزأُ لكنه باعتبار الضبط.
قال الجلال السيوطي: وهل تتجزأ باعتبار الدِّين؟ وجهان في الفقه، ونظيره الخلاف في تجزُّؤِ الاجتهاد وهو الأصح فيه، وقياسُهُ يتجزأُ الحفظُ في الحديث فيكون حافظًا في نوعٍ دونَ نوع من الحديث، وفيه نظر. انتهى.
قلت: لعلَّ وجه النظر أنَّ الحفظ بمعنى الضبط وعدم التساهل يكون سَجِيَّةً لا تتخلف، فلا يتفاوت في نوعٍ من المسموع دون آخر، ولك أن تقول بل يتفاوت في الأنواع بسبب الالتفات والاعتناء ببعضها لحاجته إليه دون بعض؛ كأن يجعل همته في أحاديث الأحكام مثلًا أزيد منها في أحاديث الترغيب والترهيب، فيتفاوت حينئذٍ ضبطه وحفظه.
قوله: (وِفِيْ رِوَايَةِ مَنْ أَخَذَ) بالإضافة؛ أي: رواية الشخص الذي يأخذ على التحديث أجرةً.
وقوله: (تَرَدُّدٌ)؛ أي: اختلاف، فذهبَ الإمام أحمد وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبو حاتم الرازي إلى أنَّه لا تُقبل روايته، وذهب الفضل بن دُكين شيخ البخاري وعلي بن عبد العزيز البَغَوي وآخرون إلى قَبولها، وأفتى أبو إسحاق الشِّيرازي بجواز الأخذ لمن امتنع عليه الكسب بسبب التحديث، ويشهد له جواز أخذ الوصي الأجرة من مال اليتيم إذا كان فقيرًا واشتغل بحفظه عن الكسب، من غير رجوع عليه لظاهرِ القرآن.
قوله: (وَفِي المُتَسَاهِلِ) عطف على مَن أخذ على الحديث جُعْلًا ففيهِ تردُّدٌ أيضًا.
قوله: (مُصَحَّحٍ)؛ أي: مُقَابلٍ على أصلهِ أو أصل شيخه؛ أي: ويكون ذلك الشخص معروفًا بقبول التلقين، بأن يُلَقن الشيء فيُحدِّث به من غير أن يعلم أنَّه من حديثه كما وقع لموسى بن دينار ونحوه.
قوله: (مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ) فإنْ حدَّثَ من أصلٍ صحيحٍ فلا عبرةَ بكثرةِ سهوه؛ لأنَّ الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه.
قوله: (بِالنَّوْمِ فِيْهِ)؛ أي: في السماع منه أو عليه.
قوله: (أَوْ أَكْثَرَ [من] الشَّوَاذَّ … ) إلى آخره، قال شُعبة: لَا يَجِيئُكَ بِالحَدِيثِ الشَاذِّ إِلَّا الرَّجُلُ الشّاذُّ.
قوله: (وَمَنْ غَلِطَ) مبتدأ خبره: (سقطت).
قوله: (فَبُيِّنَ لَهُ)؛ أي: بيَّنَ له غيرُهُ غلطه.
قوله: (سَقَطَتْ رِوَايَتُهُ) قال ابن الصلاح: هذا صحيحٌ إن ظهرَ أنَّه أصرَّ عنادًا ونحوه، قال العراقي: وقيَّدَ ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المُبيِّن عالمًا عند المبيَّن له، وإلا فلا حرجَ إذًا. انتهى.
قوله: (بِضَبْطِ الحَدِيْثِ)؛ أي: في الكتابةِ.
قوله: (مِنْ غَيْرِ مَشْقٍ وَلَاْ تَعْلِيْقٍ) هُما نوعان من أنواع الخط غير مبينين بيان غيرهما، بل فيهما نوع خفاء، وقد ذكرتهما في «سعود الطالع» مع باقي أنواع الخط فاغنم بمراجعته الحظ (١).
قوله: (بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مَعَهُ اللَّبْسُ)؛ أي: ليؤديه كما سمعه، وفي نقْطه وشكْله أمنٌ من اللَّبس.
قال الأوزاعي: نورُ الكتاب إعجامه. قال الرامهرمزي: أي نَقْطه؛ بأن يبين التاء من الياء، والحاء من الخاء، قال: والشَّكْل تقييد الإعراب.
وقال ابن الصلاح: إعجامُ المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله، قال: وكثيرًا ما يعتمدُ الواثق على ذهنه، وذلك وخيمُ العاقبة فإنَّ الإنسان معرَّض للنسيان. انتهى.
وقيل: إنَّ النصارى كفروا بلفظةٍ أخطؤوا في إعجامها وشكلها؛ فإن الله قال في الإنجيل لعيسى: (أنت نبيي وَلَّدتُك من البتول) بتقديم النون على الموحدة في نبي، وتشديد لام (ولدتك) فصحفوها، وقالوا: (أنت بنيي وَلَدْتُكَ) مخففة.
وقيل: أولُ فتنة وقعت في الإسلام سببها ذلك أيضًا؛ وهي فتنة عثمان ﵁ فإنَّه كتبَ للذي أرسله أميرًا إلى مصر إذا جاءكم «فاقبلوه» بالموحدة، فصحفوها «فاقتلوه» بالفوقية فجرى ما جرى، وكتبَ بعض الخلفاء إلى عاملٍ له ببلدٍ: أن احْصِ المخنثين بالحاء المهملة أي بالعدد، فصحَّفها بالمعجمة فخصاهم.
قوله: (وَإِنَّمَا يَشْكُلُ)؛ أي: قيلَ لا يَشكُلُ الكلَّ، بلْ يَشْكُلُ المُلتبسَ فقط؛ إذ لا حاجة إلى الشكل في غيره، وقالوا: يُكره النَّقْط والشَّكْلُ في الواضح، ويَشْكِل بفتح الياء وكسر الكاف من شكل الكتاب.
ويستحبُ ضبطُ المُشكل في نفس الكتاب، وكَتْبِهِ أيضًا مضبوطًا واضحًا في الحاشية قُبالته، فإن ذلك أبلغُ؛ لأنَّ المضبوطَ في نفسِ الأسطر رُبَّمَا داخله نقطُ غيره وشكله مما فوقه أو تحته لاسيما عند ضيقها ودقة الخط، قال ابن دقيق العيد: من عادةِ المتقدمين أن يُبالغوا في إيضاحِ المُشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفًا حرفًا.
قوله: (لِلْمُبْتَدِئِ … ) إلى آخره، عبارته: لا سيما للمبتدي وغير المُتَبَحِّر في العلم، فإنَّهُ لا يميزُ ما يُشْكِل ممَّا لا يُشْكِلُ، ولا صوابَ وجه إعراب الكلمة من خطئه، قال العراقي: وربما ظنَّ أنَّ الشيء غير مُشكل لوضوحه، وهو في الحقيقةِ محلُّ نظرٍ محتاجٍ إلى الضبط، وقد وقعَ بين العلماء خلافٌ في مسائل مرتبة على إعراب الحديث، كحديث: «ذَكَاةُ الجَنِيْنِ
стр. 76
ورأى بعض مشايخنا الاقتصار في ضبط «البخاريِّ» على روايةٍ واحدةٍ، لا كما يفعله من ينسخ «البخاريَّ» من نسخة الحافظ شرف الدِّين اليونينيِّ؛ لما يقع في ذلك من الخلط الفاحش بسبب عدم التَّمييز، ويتأكَّد ضبط الملتبس من الأسماء؛ لأنَّه نقلٌ محضٌ لا مدخل للأفهام فيه؛ كَبُريد -بضمِّ الموحَّدة- فإنَّه يشتبه بيزيد بالتَّحتيِّة، فضبط ذلك أَوْلى؛ لأنَّه ليس قبله ولا بعده شيءٌ يدلُّ عليه، ولا مدخل للقياس فيه، وليُقابِل ما يكتبه بأصل شيخه، أو بأصل أصل شيخه المُقابَل به أصل شيخه، أو فرعٍ مُقابَلٍ بأصل السَّماع، وليُعْنَ بالتَّصحيح
ذَكَاةُ أُمِّهِ» فاستدلَّ بهِ الجمهور على أنَّه لا تجب ذكاة الجنين بناء على رفع ذكاة أمه، ورجح الحنفية الفتح على التشبيه، أي: يُذكَّى مثل ذكاة أمه.
تنبيهٌ: يُكرهُ تدقيقُ الخطِّ؛ لأنَّه لا ينتفع به مَن في نظرهِ ضعفٌ، إلَّا من عُذْرٍ، كضيقِ وَرَقٍ أو تخفيفٍ لحِمْلٍ في سفرٍ.
ولا ينبغي أن يصطلح مع نفسه في كتابه برمزٍ لا يعرفه الناس فيوقعُ غيره في حيرة في فهم مراده؛ فإنْ فعل ذلك فليبين أوَّل الكتاب أو آخره مراده، قال النووي كابن الصلاح: وينبغي أن يجعلَ بين كلِّ حديثين دائرةً للفصل بينهما، كما نُقل ذلك عن جماعات كأحمد ابن حنبل وابن جرير. ويُكره في مثل عبد الله وعبد الرحمن بن فلان وكل اسم مضاف إلى الله كتابة عبد آخر السطر واسم الله مع أن فلان أول الآخر، بل أوجب اجتناب مثل ذلك الخطيب وابن بطة، وكذا يُكره في رسول الله أن يكتب رسول آخره والله أوَّله. انتهى.
قال الجلال: وكذا كلُّ ما أشبه ذلك من المُوْهمات المستبشعات؛ كأنْ يكتب (قاتلُ) من قوله: «قاتل ابن صفية في النار» في آخر السطر، وابن صفية في أوله، أو يكتب: (فقال) من قوله في حديث شَارِبِ الْخَمْرِ: (فَقَالَ عُمَرُ: أَخْزَاهُ الله) آخره، وعمر وما بعده أوَّله، ولا يُكره فصلُ المتضايفين إذا لم يكن مثل ذلك: كسبحان الله العظيم مع أن جمعهما في سطر أولى. انتهى.
وينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ كلما ذُكر ولا يَسْأَمَ تكراره، ولا يتقيد فيه بما في الأصل إن كان ناقصًا بل يكتبهُ ويتلفظُ به عند القراءة مطلقًا؛ لأنَّه دعاء لا كلامٌ يرويه، وإنْ قال بعضهم ينبغي أن تُتبع الأصول والروايات، وعليه جرى الإمام أحمد فكان يُصلي نطقًا لا خطًّا، وكذا ينبغي المحافظة على الثناء على الله تعالى كـ ، والترضي والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار، ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم في كل موضعٍ شُرعت فيه الصلاة، كما في «شرح مسلم» وغيره، قال حمزة الكناني: كنت أكتبُ عند ذكر النَّبيِّ ﷺ الصلاة دون السلام، فرأيت النبي ﷺ في المنام يقول لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟! ويُكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمَنْ يكتب (صلعم)، ويقال: إنَّ أولَّ من رمزها بـ (صلعم) قُطعت يده.
قوله: (عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ)؛ أي: بأن يضبطَ ألفاظه على ما رواه اليونيني فقط، أو الإسماعيلي فقط، أو الكشميهني فقط، أو غيرهم ممن أخذ عن البخاري، وما ذكرهُ الشارح من أنَّ بعضَ مشايخه رأى ذلك مأخوذ من كلام ابن الصلاح والنووي إذ قال: ينبغي أن يعتني بضبط مختلف الروايات وتمييزها، فيجعل كتابه على رواية واحدة، ثم ما كان في غيرها من زياداتٍ ألحقها في الحاشية، أو نقصٍ علَّمَ عليه، أو خلاف كَتَبَهُ مُعيِّنًا في كل ذلك مَن راويه بتمامِ اسمه لا رامزًا له بحرفٍ أو حرفين من اسمه.
قوله: (وَيَتَأَكَّدُ ضَبْطُ المُلْتَبِسِ … ) إلى آخره، ذكر أبو علي الغساني أن عبد الله بن إدريس قال: لما حدَّثني شُعبة بحديث أبي الحَوراء عن الحسن بن علي كتبت تحته ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] لئلا أغلطَ فأقرأهُ أبو الجوزاء بالجيم والزاي. انتهى.
قوله: (وَلْيُقَابِلْ مَا يَكْتُبُهُ … ) إلى آخره؛ أي: وجوبًا كما قاله القاضي عياض، وإن أجازهُ الشيخ، روى ابن عبد البر وغيره عن يحيى بن أبي كثير والأوزاعي قالا: ومن كتبَ ولم يعرضْ كان كمن دخل الخلاء ولم يستنجِ.
وقال عُروة بن الزبير لابنه هشام: كتبتَ؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب.
وفي المسألة حديث ذكره السّمْعاني في «الإملاء» من حديث عطاء بن يسار قال: كَتَبَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ: «كَتَبْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «عَرَضْتَ؟» قَالَ: لَاْ، قَالَ: «لَمْ تَكْتُبْ، حَتَّى تَعْرِضَهُ فيَصِحُّ».
قال أبو الفضل الجارودي: أصدقُ المعارضة مع نفسك. انتهى.
قال ابن الصلاح: وهو مذهبٌ متروك، وأفضلها أن يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع، وما لم يكن كذلك فهو أنقص رتبة، ولا يُشترط في روايته ذلك نظره ولا مقابلته بنفسه بل يكفي مقابلة ثقةٍ لهُ؛ أي: وقت كان حالَ القراءة وبعدها.
قوله: (أَوْ فَرْعٍ مُقَابَلٍ … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّ الغرض مطابقة كتابه لأصل شيخه فسواء حصل ذلك بواسطة أو غيرها فإن لم يقابل كتابه بالأصل ونحوه فجزم عياض بمنع الرواية منه مطلقًا، وأجازها أبو إسحاق الإسفرايني وآباء بكر: الإسماعيلي والبُرقاني والخطيب، بشروطٍ ثلاثة: أن يكون الناقلُ للنسخة صحيح النقل قليل السقطْ، وأن ينقل من الأصل، وأن يبين حال الرواية أنَّه لم يُقابل، ولا يكفي السماع على الشيخ من أي نسخة اتفقت.
قوله: (وَلْيُعْنَ بِالتَّصْحِيْحِ) في «المُختار» (عُنِيَ بحاجته يُعنى بها -على ما لم يُسم فاعله- عِنَايَةً، فهو بها مَعْنِيٌّ، على مفعول، وإذا أمرت منه قلت: لتُعن
стр. 77
بأن يكتب «صحَّ» على كلامٍ صحَّ روايةً ومعنًى؛ لكونه عرضةً للشَّكِّ أو الخلاف. وكذا بالتَّضبيب، ويسمَّى: التَّمريض، بأن يمدَّ خطًّا، أوَّله كرأس الصَّاد، ولا يلصقه بالممدود عليه، على ثابتٍ نقلًا، فاسدٍ لفظًا أو معنًى، أو ضعيفٍ أو ناقصٍ، ومن النَّاقص موضع الإرسال. وإذا كان للحديث إسنادان فأكثر؛ كتبَ عند الانتقال من إسنادٍ إلى إسنادٍ «ح» مفردةً مُهمَلةً؛ إشارةً إلى التَّحويل من أحدهما إلى الآخر، ويأتي مبحثها -إن شاء الله تعالى- في أوائل الشرح. وإذا قرأ إسنادَ شيخِه المحدِّثُ أوَّل الشُّروع وانتهى؛ عطف عليه بقوله في أوَّل الذي يليه: وبه قال: حدَّثنا؛ ليكون كأنَّه أسنده إلى صاحبه في كلِّ حديثٍ.
وأنواع التَّحمُّل؛ أعلاها: السَّماع من لفظ الشَّيخ، ويقال فيه: حدثنا أو حدَّثني؛ إذا كان منفردًا، وسمعت أعلى من حدثني، ثمَّ القراءة على الشَّيخ سواء قرأ بنفسه
بحاجته)؛ أي: مبنيًا للمفعول، قال في «المصباح»: وربما يقال: عُنيت بأمره بالبناء للفاعل. انتهى. باختصار، والعنايةُ بما ذُكرَ شأن المتقنين من الحذاق مبالغةً في العناية بالضبط.
قوله: (بِأَنْ يَكْتُبَ … ) إلى آخره، تصويرٌ للتصحيح، فالتصحيح عندهم هو أنْ يكتب ما ذكر ليعرف أنَّه لم يغفل عنه، وأنَّه ضبط وصحَّ على ذلك الوجه، وربما اختصرَ بعضهم علامة التصحيح فكتبها، هكذا صحَّ فأشبهت الضبَّة.
قوله: (بِأَنْ يَمُدَّ خَطًّا)؛ أي: على الكلمة التي فيها فسادٌ لفظًا أو معنى أو ضعف أو نحو ذلك.
وقوله: (كَرَأْسِ الصَّادِ) الأَولى قطع هذه الرأس، وعبارة «التقريب» و «شرحه»: أن يمدَّ خطًّا أوله كالصاد هكذا صـ. انتهى.
وذلك للفرق بين الصحيح والسقيم حيث كُتب على الأول لفظُ (صحَّ) كاملًا لتمامه، وعلى الثاني بعض هذا اللفظ ليدلَّ نقصُ الحرف على اختلاف الكلمة ويسمى ذلك ضبة، لكون الحرف مقفلًا بها لا يتجه لقراءة كضبة الباب مقفل بها، كما ذكره ابن الصلاح عن بعض اللغويين.
قوله: (وَلَاْ يُلْصِقَهُ)؛ أي: هذا الخط الذي هو (صـ) لئلا يظن أنَّه ضربٌ على الممدود عليه.
قوله: (عَلَى ثَابِتٍ … ) إلى آخره، متعلقٌ بـ (يمد)؛ أي: يمدُّ هذا التضبيب على لفظٍ ثابت … إلى آخره.
وقوله: (لَفْظًا أَوْ مَعْنًى)؛ أي: أو خطأ من جهة العربية أو غيرها، وحكمة هذا التضبيب الإشارة إلى الخلل الحاصل، وأنَّ الرواية ثابتةٌ به لاحتمال أن يأتي من يظهر له فيه وجه صحيح.
قوله: (وَمِنَ النَّاقِصِ)؛ أي: الذي يُضبَّب عليه.
قوله: (مَوْضِعُ الإِرْسَالِ)؛ أي: أو الانقطاع؛ أي: موضعه في الإسناد.
قوله: (إِسْنَادَان فَأَكْثَر)؛ أي: وجمع بينهما في متن واحد.
قوله: (كَتَبَ عِنْدَ الانْتِقَالِ)، قيل: ولا يلفظُ عندها بشيءٍ، والمختار أنَّه يقول عند الوصول إليها: حا، ويمر، وأهل المغرب يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث، فهي رمز عندهم لذلك، وكتب جماعة من الحفاظ موضعها: (صح) فيشعر ذلك بأنَّها رمز (صح) لئلا يتوهم أنَّ حديث هذا الإسناد سَقَطَ، ولئلا يُركَّب الإسناد الثاني على الأول فيُجعلا إسنادًا واحدًا.
قوله: (إِسْنَادَ شَيْخِهِ) مفعولٌ مقدَّم والمُحدث فاعل مؤخَّر.
وقوله: (وَانْتَهَى)؛ أي: الإسنادُ المذكور.
قوله: (لِيَكُوْنَ كَأَنَّهُ أَسْنَدَهُ … ) إلى آخره؛ أي: لعود ضمير (وبه) على السَّنَدِ المذكورِ، كأنَّه يقول: وبالسند المذكور، قال؛ - أي: الشيخ- لنا، فهذا معنى قولهم: وبه قال.
قوله: (وَأَنْوَاعُ التَّحَمُّلِ)؛ أي: التَّلقي للحديث، وهي ثمانيةٌ كما ستعرفه.
قوله: (السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ)؛ أي: سواءٌ كانَ إملاءً، وهو التحديث مع التفسير كالجاري الآن، أو تحديثًا من غير إملاءٍ، وسواءٌ كان من حفظ الشيخ أو من كتابه، والإملاء أعلى من غيره وإن استويا في أصلِ الرُّتبة كما قاله الجلال.
قوله: (سَوَاءٌ قَرَأَ بِنَفْسِهِ … ) إلى آخره، لا يصحُّ أن يكونَ هذا تعميمًا في السماع من لفظ الشيخ، أما أولًا فإنهُ لا يصحُّ أن يكونَ السماعُ من لفظ الشيخ والقارئ غيره، وأما ثانيًا فإنَّ جميع ما ذكره من هنا إلى قوله: (ثم الإجازة … ) إلى آخره، إنَّما يُناسب القراءة على الشيخ وهو نوع ثان على حِدته من أنواع التحملِ خلطَهُ الشارح بالأول الذي هو السماع من لفظ الشيخ؛ قال في «التقريب»: بيانُ أقسام طرق تَحَمُّلِ الحديثِ ومجامعها ثمانية أقسام:
الأول: سماعُ لفظ الشيخ وهو إملاء وغيره، من حفظٍ ومن كتاب، وهو أرفع الأقسام عند الجماهير، قال القاضي عياض: لا خلاف أنَّه يجوز في هذا للسامع أن يقول في روايته: (حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا، وقال لنا، وذكر لنا).
قال الخطيب: أرفعها «سمعت» ثمَّ «حدَّثنا» و «حدَّثني»، ثم قال: وكان هذا قبل أن يشيع تخصيص «أخبرنا» بالقراءة على الشيخ.
وقال بعد ذلك: القسم الثاني: القراءةُ على الشيخ، ويُسميها أكثر المحدثين عرضًا سواء قرأت عليه أو قرأ غيرك وأنت تسمع، إلى أن قال: والأحوط في الرواية بها «قرأت على فلان … » إلى آخره، ما ذكر الشارح.
فلو قال بعد قوله: (السماع من لفظ الشيخ) ويقول فيه عند الأداء: (حدَّثنا) أو (حدَّثني)، ثم قال: الثاني القراءة على الشيخ سواءٌ قرأ … إلى آخره، لَمَا خلَّط ولا أوقع في شطط ولوفَّى التقسيمَ حقَّهُ وآتى كلًّا من الأقسام رِزْقَهُ، وقول «التقريب»: ويسميها أكثر المحدثين عرضًا؛ -أي: من حيث إنَّ القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يُعرض القرآن على المقرئ- لكن قال ابن حجر: القراءة على الشيخ أعمُّ من العرض؛ لأنَّه عبارةٌ عن عرض الطالب أصل شيخه والقراءة أعم من ذلك، وإذا عرفتَ ذلك فقول الشارح: (سواء قرأ)؛ أي: المقري، فهو تعميمٌ في النوع الثاني وهو القراءة على الشيخ؛ أي: إنَّه يستوي في صحةِ الرواية بالقراءة على الشيخ، القارئ بنفسه عليه والسامع لمن يقرأ عليه، وسواءٌ كانت القراءة من كُلٍّ منهما من كتاب أو حفظ، وعلى
стр. 78
أو قرأ غيره على الشَّيخ، وهو يسمع ويقول فيه عند الأداء: أخبرنا، والأحوط الإفصاح فإن قرأ بنفسه؛
كلٍّ من هذه الصور الأربع حَفِظَ الشيخُ ما قُرئ عليه أم لا، إذا أمسك أصله هو أو ثقة غيره.
قال العراقي: وهكذا إن كان ثقةٌ من السامعين يحفظ ما قرئ وهو مستمع غير غافل فذلك كافٍ أيضًا، ورجَّحَ شيخ الإسلام الإمساك في الصور كلها عن الحفظ، قال: لأنَّه خوَّان.
وشرطَ الإمامُ أحمد في القارئ أن يكون ممنْ يعرف ويفهم، وإمام الحرمين في الشيخ أن يكون بحيثُ لو عرض من القارئ تحريفٌ أو تصحيف لرَدَّهُ، وإلا فلا يصح التحمل بها، والصحيح أنَّ السماع من لفظ الشيخ أعلى من القراءة عليه، لكن اختار شيخ الإسلام أنَّ محله إذا استوى الشيخ والطالب أو كان الطالب أعلم؛ لأنَّه أوعى لما يسمع، أما إن كان مفضولًا فقراءته أولى؛ لأنها أضبط له، قال: ولهذا كان السماع من لفظه في الإملاء أرفع الدرجات؛ لما يلزمُ منه من تحريرِ الشيخ والطالب.
قوله: (أَوْ قَرَأَ غَيْرُهُ … ) إلى آخره، قال الجلال: صرَّحَ كثيرون بأن القراءة بنفسه أعلى مرتبة من السماع لقراءة غيره. انتهى.
وقال الزركشي: القارئُ والمستمع سواء، أقولُ: الظاهر أخذًا من كلام شيخ الإسلام السابق ما ذكره الجلال، وعليه فتكون هذه المرتبة متفاوتة؛ كما تفاوتت الأولى بالإملاء وغيره على ما سبق عن شيخ الإسلام أيضًا.
قوله: (وَيَقُوْلُ فِيْهِ)؛ أي: في النوع الثاني؛ أي: القراءة على الشيخ الذي أسقطه خلافًا لما يُوهمه صنيعه من أنَّه يقول ذلك؛ أي: (أخبرنا) في الأداء بالسماع من لفظ الشيخ؛ إذ ذلك كما عرفت يقول فيه: (حدَّثنا أو حدَّثني) بناء على الشائعِ بين أهل الحديث من الفرق بينهما وتخصيص الأولى بمادة التحديث والثانية بمادة الإخبار للتمييز بين النوعين، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ومسلم والنسائي والجمهور، وجوَّزَ كلًّا في كلٍّ الزُّهري ومالك وأبو حنيفة والبخاري وغيرهم، فلا فرق عندهم بين (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الأداء بالسماع والقراءة، فلعلَّ الشارح جرى على هذه الطريقة.
قوله: (وَالأَحْوَطُ الإِفْصَاحُ … ) إلى آخره، قال الحاكم: الذي أختارُه وعهدتُ عليه أكثرَ مشايخي وأئمة عصري أن يقول الراوي فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: (حدَّثني) بالإفراد وفيما سمعه منه مع غيره (حدثنا) بالجمع، وفيما قرأه عليه بنفسه: (أخبرني) وفيما قُرِئَ على المحدِّث بحضرته: (أخبرنا).
قال ابن الصلاح: وهو حسنٌ. انتهى.
فإنْ شكَّ هل كان وحده حالة التحمل؟.
فالأصل عدم غيره فيقول: (حدَّثني أو أخبرني)، أو شك هل قرأ بنفسه أو سمع بقراءة غيره؟ فاستحسن الخطيب أن يقول: (قرأنا)؛ لأنَّه يُستعمل فيما قرأه غيره أيضًا، ثم التفصيل المذكور في ألفاظ الأداء مستحبٌّ باتفاقٍ لا واجبٌ، إنَّما لا يجوز إبدال حدثنا بأخبرنا، أو عكسه في الكُتب المؤلفة.
قوله: (قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ) ببناءِ قُرِئَ للمجهول، وعلى فلان جار ومجرور، وفلان كناية عن شيخه.
قال النووي: ويلي ذلك عبارات السماع مُقَيَّدَةً بالقراءةِ لا مُطلقةً، كحدثنا أو أخبرنا بقراءتي أو قراءة عليه. انتهى.
(فائدة): قول الراوي: (أخبرنا سماعًا أو قراءة) هو من باب قولهم: (أتيته سعيًا وكلَّمته مشافهة) وللنُّحاة فيه مذاهب:
أحدها: وهو رأي سيبويه أنها مصادر وقعت موقع فاعل حالًا كما وقع المصدر موقعه نعتًا في (زيدٌ عدل) وأنَّه لا يُستعمل منهما إلَّا ما سُمع لا يقاس، فعلى هذا استعمالُ الصيغة المذكورة في الرواية ممنوعٌ لعدم نُطق العرب بذلك.
الثاني: وهو للمُبرِّد أنها ليست أحوالًا بل مفعولاتٍ لفعل مُضمر من لفظها وذلك المضمور هو الحال؛ أي: فالتقدير: (أخبرني حال كوني قارئًا عليه قراءة أو سامعًا سماعًا)، وعليه تخرَّج الصيغة المذكورة، بل كلام أبي حيان في «تذكرته» يقتضي أنَّ (أخبرنا سماعًا) مسموعٌ، و (أخبرنا قراءة) لم يُسمع، وأنَّه يُقاس على هذا القول الثالث وهو للسِّيرَافي أنَّه من باب (جلست قعودًا) منصوب بالظاهر مصدرًا معنويًا.
قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ المَقْرُوْنَةُ بِالمُنَاوَلَةِ) لو قال: ثمَّ المناولة المقرونة بالإجازة ثم المجرَّدَةُ عنها كما فعل غيره لكان أسبك وأسلك وأجمع وأجمل، فالمناولة التي هي من أقسام التحمل أعمُّ من أن تكون مقرونةً بإجازة أو لا، فهي القسم الثالث من أقسام التحمل المذكورة، والأصل فيها ما عَلَّقَهُ المصنف في العلم: «أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا، وقال: لَا تَقْرَأْهُ حتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فلما بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِي ﷺ » قال السُّهَيْلي: احتجَّ به البخاري على صحةِ المُناولة، وكذلك العالم إذا ناول التلميذ كتابًا جاز له أن يروي عنه ما فيه، قال: وهو فقهٌ صحيحٌ، وفي «معجم البغوي» عن يزيد الرَّقاشي قال: كُنَّا إذا أكثرنا على أنس بن مالك أتانا بمَخالٍ له فألقاها إلينا، وقال:
стр. 79
قال: قرأتُ على فلانٍ، وإلَّا؛ قال: قُرِئَ على فلانٍ وأنا أسمع. ثمَّ الإجازة المقرونة بالمُناوَلَة: بأن يدفع إليه الشَّيخُ أصلَ سماعه أو فرعًا مُقابَلًا عليه، ويقول: هذا سماعي أو روايتي عن فلانٍ، فاروهِ عني، أو أجزت لك روايته.
ثمَّ الإجازة؛ وهي أنواعٌ؛ أعلاها: لمعيَّنٍ، كـ (أجزتُك البخاريَّ) مثلًا،
هذه أحاديثُ سمعتها من رسول الله ﷺ وكتبتها وعرضتها. انتهى.
ثُمَّ هيَ كما علمتَ ضربان:
الأولى: المناولةُ المقرونةُ بالإجازةِ: وهي أعلى أنواع الإجازة مطلقًا، وأعلى صورها كما صَرَّحَ عياض وغيره، ومنه أن يدفعَ الطالب إلى الشيخ سماعه؛ -أي: سماع الشيخ أصلًا أو فرعًا مقابَلًا به- فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يناوله للطالب ويقول له: (هو حديثي أو روايتي عن فلان أو عمَّن ذُكر فيه فاروه عني أو أجزت لك روايته) وهذا سمَّاه غير واحدٍ من أئمة الحديث (عَرْضًا) فهذا عرض المناولة، وما سبق عرضُ القراءة.
قال النووي: وهذه المناولةُ مُنْحَطَّةٌ عن السماع والقراءة على ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي والمزني وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه، وروي عن مالك.
قال الحاكم: وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه نذهب وهو الصحيح، وذهب جماعة كثيرون إلى أنَّها كالسماع في القوة والرتبة، بل نقل ابن الأثير أن بعض أصحاب الحديث جعلها أرفعَ من السماع؛ لأنَّ الثقة بكتاب الشيخ مع إذنه فوق الثقة بالسماع منه وأثبت، لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع.
ومن صور هذا الضرب أن يُناول الشيخُ الطالبَ سماعه ويجيزهُ ثم يُمسكه الشيخ عنده ولا يُبقيه عند الطالب، وهذه دون ما سبقَ لغيبة ما تحمَّله الطالبُ عنه، ويجوزُ روايته عنه إذا وجدَ ذلك الكتاب المناوَلَ له مع غلبة ظنه بسلامته من التغيير، أو وَجَدَ فرعًا مقابلًا به موثوقًا بموافقته ما تناولته الإجازة.
وهذه المناولة في مرتبة الإجازة لمُعيَّن من الكتب الخالية عن المناولة، وستأتي على الصحيح، وبعضهم يجعلُ لها مزيَّةً عليها، ومنها أن يأتيه الطالب بكتابٍ ويقول له: هذا روايتك فناولنيه وأجزني روايته. فيجيبه من غير نظر فيه ولا تحقيق لروايته له فهذا باطل، إلَّا أن يثق بخبرِ الطالب ومعرفته وهو ممَّن يعتمد مثله فتصحُّ الإجازة والمناولة، أو يتبين ولو بعد الإجازة أن ذلك من مروياته فيتبين صحة الإجازة كما استظهره العراقي.
الضرب الثاني: المناولةُ المجردةُ عن الإجازةِ بأنْ يُنَاوله الكتاب كما تقدَّمَ مُقتصرًا على قوله: (هذا سماعي أو من حديثي) ولا يقول له: (اروه عني) ولا (أجزتك) فلا تجوز الرواية بها على الصحيح عند الفقهاء والأصوليين، وذهب جماعة من أهل الحديث إلى جوازها، قال ابن الصلاح: وعندي أن يُقال: إن كانت المناولة جوابًا لسؤالٍ، كأن قال له: ناولني هذا الكتاب لأرويهُ عنك فناوله ولم يُصرِّحْ بالإذن صحتْ، وجازَ لهُ أن يرويه، وكذا إذا قال: حدَّثني بما سمعت من فلان، فقال: هذا سماعي منه، كما وقع من أنس فتصحُّ أيضًا، وما عدا ذلك فلا.
قوله: (عَنْ فُلَانٍ)؛ أي: ويُسميه، وكذا إن لم يُسمه ولكن اسمه مذكور في الكتاب المناول.
قوله: (ثُمَّ الإِجَازَةُ) هي القسم الرابع من أقسام التحمل، وهي مُشتقة من التَّجوز، وهو التعدي فكأنَّ الشيخَ عَدَّى روايتهُ حتى أوصلها للراوي، كما ذكره الشارح في «المنهج»، فعليه إذا قال: (أَجزتُ فلانًا كذا) فهو بمعنى: أجزت له.
قال الشُّمُنيِّ: وهي في الاصطلاح إذنٌ في الرواية لفظًا أو خطًّا، يفيد الإخبار الإجمالي عُرفًا، وأركانها أربعةٌ: المُجيز، والمُجاز، والمجاز به، ولفظ الإجازة.
قوله: (وَهِيَ أَنْوَاعٌ)؛ أي: ثمانية: إجازة لمُعيَّن بمُعيَّن، إجازة لمُعيَّن بغير مُعيَّن، إجازة لغير مُعيَّن بوصف العموم، إجازة لمُعيَّن بمجهول من الكتاب، إجازة لمجهول من الناس بمُعيَّن من الكتب، إجازة للمعدوم، إجازة ما لم يتحمله المجيز، إجازة المجاز.
وقد ذكرَ الشارحُ من ذلك ثلاثةً بالأمثلة وجعلها كلها من قبيل الإجازة لمُعيَّن كما سيتضحُ وستعرف البقيةَ.
قوله: (أَعْلَاهَا)؛ أي: أنواع الإجازة، والمراد أنواع الإجازة المجردة عن المناولة كما ذكره النووي.
قوله: (لِمُعَيَّنٍ) تحته نوعان أدمجهما الشارح في كلامه: إجازة بمعين، وأشار له بقوله: كـ (أجزتك البخاري)، وإجازة بغير معين، وأشار له بالمثالين بعده، ثم أدخل في هذا النوع ما ليس منه هو قوله (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ … ) إلى آخره، إذ هذا ليس لمعيَّنٍ كما لا يخفى، بل نوعٌ آخر وهو الإجازة لغير معيَّن، ففي كلامه من التَّسَاهُلِ ما لا يخفى.
والحق أنَّ الإجازة دون العرض، وقيل: أفضل منه مطلقًا، وقيل: هما سواء، والصحيح الذي قاله الجمهور جواز الرواية والعمل بها؛ أي: بالمروي بها، ومنع بعضهم الرواية بها كشُعبة قال: لو جازت لبَطَلت الرحلةُ، وهو إحدى الروايتين عن مالك والشافعي وأبي حنيفة، وقال بعض الظاهرية: لا يعمل بها كالمرسل، وهو باطل؛ لأنَّه ليس فيها ما يقدح في اتصالِ المنقولِ بها.
قوله: (كَأَجَزْتُكَ)؛ أي: أو أجزتكم.
قوله: (فِهْرِسْتِي) بكسر الفاء والراء وسكون السين المهملة آخره مثناة فوقية، لفظة فارسية معناها جملة العدد للكتب، فالمرادُ جُملة عدد
стр. 80
أو أجزتُ فلانًا الفلانيَّ جميع فِهرسْتِي ونحوه، أو أجزته بجميع مسموعاتي أو مرويَّاتي، أو أجزت للمسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلانيِّ ويقول المحدِّث بها: أنبأنا أو أنبأني.
ثمَّ المكاتبة: بأن يكتب مسموعه أو مقروءه جميعه أو بعضه، لغائبٍ أو حاضرٍ، بخطِّه أو بإذنه، مقرونًا ذلك بالإجازة أو لا.
مروياتي، قال صاحب «تثقيف اللسان»: الصوابُ أنَّها بالمثناة الفوقية وقوفًا وإدماجًا، وربما وقف عليها بعضهم بالهاء وهو خطأ.
قوله: (أَوْ أَجَزْتُهُ)؛ أي: فلانًا، ومثله: (أجزتك) أو (أجزتكم) فهذا هو النوع الثاني؛ -أعني: الإجازة لمعيَّن بغير معيَّن- والجمهور على جواز الرواية بها، موجبين العمل بما رُوي بها بشرطه.
قوله: (أَوْ أَجَزْتُ لِلْمُسْلِمِيْنَ) هذا هو النوع الثالث، وهو الإجازة لغير معين بوصف العموم، ومنه أجزتُ أهل زماني أو كلَّ واحدٍ، وقد جوَّزَ الرواية بذلك الخطيب وغيره، وصححه النووي في «الروضة» لكنَّ الأحوطَ ترك الرواية بها، قال شيخ الإسلام: إلَّا أنَّ الرواية بها في الجملة أَوْلَى من إيرادِ الحديث مُعْضَلًا. انتهى.
واستدل لها بحديث: «بَلِّغُوا عَنِّي»، فإنْ قَيَّدَهَا بوصفٍ خاصٍ كأجزتُ طلبةَ العلمِ ببلدِ كذا، أو مَنْ أدرك حياتي، أو مَنْ قرأ علي قبل هذا، فقال عياض: ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك؛ لأنَّه محصور بوصفٍ كقوله: لأولاد فلان أو إخوة فلان.
والرابع من أنواع الإجازة: الإجازةُ لمعيَّن بمجهول من الكتب، كأجزتك بعض مسموعاتي.
الخامسة: عكسه، كأجزتُ لمحمد بن أحمد البخاري مثلًا، وهناك جماعة مشتركون في هذا الاسم.
ولم يتضح مراده في الصورتين وهما باطلان، نعم إن اتضحَ بقرينةٍ صحت الإجازةُ، وإذا قال: أجزتُ لمن يشاء فلان، ففيه جهالة وتعليق، فقيل: لا يصح كما لو قال: أجزتُ لبعض الناس قياسًا على تعليق الوكالة، وقيل: يصحُّ؛ لأنَّ الجهالة ترتفع عند وجود المشيئة ويتعين المجاز له بها، واحتج له بقوله ﷺ لما أمَّر زيدًا على غزوة مؤتة: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَابْنُ رَوَاحَةَ»، فعلَّقَ التأمير، وفرَّق الدَّامَغَاني بينها وبين الوكالة بأنَّ الوكيل ينعزل بعزل الموكِّل بخلاف المجاز.
السادسة: الإجازة للمعدوم، كأجزتُ لمن يولد لفلان، وأجازها الخطيب قياسًا على إجازة بعض الأئمة الوقف على المعدوم، والصحيح بطلانها؛ لأنَّ الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له، فإن عَطَفَهُ على موجود كأجزتُ لفلان ومَن يولد له، أو لك ولعَقِبك ما تناسلوا جاز قياسًا على الوقف.
وأما الإجازة للطفل فتجوز للمميز قطعًا ولغيره على الصحيح؛ لأنها إباحة المجيز للمجاز أن يروي عنه بعد الأهلية لبقاء الإسناد، والإباحة تصح للعاقل وغيره، وكذا للفاسق والمبتدع، ويؤدون إذا زال المانع.
وأما الحمل فالذي استظهره أبو زُرعة أنها بعد نفخ الروح فيه تصح، وقبلها مرتبة متوسطة بينها وبين الإجازة للمعدوم فهي أولى بالمنع من الأولى، وبالجواز من الثانية.
السابعة: إجازة ما لم يتحمله المجيز بوجه من سماع أو إجازة ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز، والأصح بطلانها؛ لأنَّها إعطاء لما لم يأخذه، ولأنَّه لا حصر لما لم يروه بخلاف ما رواه فإنَّه دخل في دائرة حصر العلم، فعلى هذا يتعين على مَن أراد أن يرويَ عن شيخٍ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أنَّ هذا مما تحمَّله شيخه قبل الإجازة له، وأما قوله: أجزتُ لك ما صحَّ وما يصح عندك من مسموعاتي فصحيحٌ تجوزُ الرواية به لما صحَّ عنده سماعه له قبل الإجازة.
الثامنة: إجازة المجاز به، كأجزتك مجازاتي أو جميع ما أجيز لي روايته، والصحيح جوازها، وعليه العمل، وينبغي للراوي بها تأملها؛ أي: تأمل كيفية إجازة شيخ شيخه لشيخه؛ لئلا يروي بها ما لم يدخل تحتها.
قوله: (وَيَقُوْلُ المُحَدِّثُ بِهَا … ) إلى آخره؛ أي: كما اصطلحَ عليه المتأخرونَ، ومنعوا أن يقال: (حدَّثنا) أو (أخبرنا) في شيءٍ من أنواع الإجازة، وجَوَّزَ الزُّهري ومالك وغيرهما إطلاق (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الإجازة بالمناولة، وبعضهم في الإجازة المجردة أيضًا، والصحيح المنع وأنها تخصص بعبارة تبين الواقع كـ (حدَّثنا أو أخبرنا إجازة أو مناولة)، وقد اصطلحَ المتأخرونَ على ما ذكره الشارح، ثم المنع من إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) فيما ذُكر لا يزول بإباحة المجيز ذلك؛ لأنَّ إباحة الشيخ لا يغير بها الممنوع في المصطلح، ذكره النووي.
قوله: (ثُمَّ المُكَاتَبَةُ) هذا هو القسم الخامس من أقسام التَّحَمُّلِ.
قوله: (مَقْرُوْنًا ذَلِكَ بِالْإِجَازَةِ أَو لا)؛ أي: فهي ضربان: فالمقرون بالإجازة، كـ (أجزتك ما كتبت لك) أو (ما كتبت به إليك) ونحوه، وهي في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة. وأما المجردة عن الإجازة فمنعَ الرواية بها قومٌ منهم الماوردي في «الحاوي» وأجازها الجمهور، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث؛ إذ يوجد في مصنفاتهم كثيرًا: (كتب إليَّ فلان قال: حدَّثنا … ) إلى آخره، والمرادُ به هذا، وهو معمولٌ به عندهم معدودٌ في الموصول لا المنقطع، بل قال السّمْعاني: هي أقوى من الإجازة، قال النووي: وهو المختارُ بل وأقوى من أكثر صور المناولة. وفي «صحيح البخاري» في «الأيمان والنذور»: كتب إليَّ محمد بن بشار … إلى آخره،
стр. 81
ثمَّ الإعلام: بأن يقول له: هذا الكتاب رويته أو سمعته، مقتصرًا على ذلك من غير إذنٍ، وهذه جوَّزها كثيرٌ من الفقهاء والأصوليِّين، منهم ابن جريجٍ وابن الصَّبَّاغ.
ثمَّ الوصيَّة: بأن يوصيَ الرَّاوي عند موته أو سفره لشخصٍ بكتابٍ يرويه، فجوَّزه محمَّد ابن سيرين، وعلَّله عياضٌ: بأنَّه نوعٌ من الإذن، والصَّحيح: عدم الجواز إلَّا إن كان له من الموصي إجازةٌ، فتكون روايته بها لا بالوصيَّة.
ثمَّ الوجادة: بأن يقف على كتابٍ بخطٍّ يعرفه لشخصٍ عاصره أو لا، فيه أحاديثُ يرويها ذلك الشَّخص ولم يسمعها منه ذلك الواجد، ولا له منه إجازةٌ، فيقول: وجدتُ أو قرأت بخطِّ فلانٍ كذا، ثمَّ يسوق الإسناد والمتن. (تنبيهٌ): وشرط صحَّة الإجازة أن تكون من عالمٍ
وليس فيه بالمكاتبة عن شيوخه غيره.
ويكفي معرفة المكتوب له خطَّ الكاتب، وإن لم تقم البينةُ عليه على المعتمد، وإن كان الكاتب غير الشيخ فلا بدَّ من ثُبوت كونه ثقةً، والصحيحُ أن يقول في الرواية بها: (كتب إليَّ فلان قال: حدثنا فلان) أو يقول: (أخبرنا فلان كتابة، أو حدَّثنا كذلك)، ولا يجوز إطلاق (حدَّثنا وأخبرنا) وجوَّز قومٌ آخرون (أخبرنا) دون (حدَّثنا).
روى البيهقي في «المدخل» عن أبي عِصْمَة قال: كنت في مجلس الجَوْزَقَانيِّ فجرى ذكر (حدَّثنا وأخبرنا)، فقلت: هما سواء، فقال رجلٌ: بينهما فرقٌ؛ ألا ترى محمد بن الحسين قال: إذا قال رجل لعبده: إن أخبرتني بكذا فأنتَ حر، فكتبَ إليه بذلك فصارَ حُرًّا، وإن قال: إن حدثتني، فكتب بذلك لا يُعْتَقُ.
قوله: (ثُمَّ الإِعْلَاْمُ) هذا هو القسم السادس؛ أي: إعلامُ الشيخِ الطالبَ أنَّ هذا الحديث أو الكتاب سمعه من فلان، وسُمي بذلك؛ لأنَّ الشيخَ أعلمَ الطالبَ بما يرويه من دون إذنٍ في روايته عنه، ولا تجوزُ الرواية به على الصحيح.
قوله: (مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ)؛ أي: في روايتهِ عنهُ.
قوله: (جَوَّزَهَا كَثِيْرٌ مِنَ الفُقَهَاءِ)؛ أي: الشافعية والمالكية، بل قال بعض الظاهرية: لو قال: هذه روايتي ولا تروها عني أو لا أجيزها لك. كان له روايتها عنه، وعلَّله عياض بأنَّه بذلك قد حدَّثه وهو شيء لا يُرجع فيه، لكن الصحيح أنَّه لا تجوز الرواية بها كما قطع به الغزالي وحكاه النووي عن غير واحد من المحدثين وغيرهم؛ لأنَّه قد لا يجوز روايته مع كونه سماعه؛ لخللٍ يعرفه فيه، لكن مع ذلك يجب العمل به؛ أي: بما أخبره الشيخ أنَّه سمعه إذا صحَّ سنده.
قوله: (ثُمَّ الوَصِيَّةُ) هي القسم السابع.
قوله: (نَوْعًا مِنَ الإِذْنِ)؛ أي: وشبهًا من العرض والمناولة، قال: وهو قريبٌ من الإعلامِ.
قوله: (وَالصَّحِيْحُ عَدَمُ الجَوَازِ) كذا قال ابن الصلاح، وأنكرَ عليه ذلك ابن أبي الدم وقال: الوصية أرفع رتبة من الوِجَادة بلا خلافٍ، وهي معمولٌ بها عند الشافعي وغيره، فهذه أولى.
قوله: (الوِجَادَةُ) بكسر الواو مصدرٌ لوجد غير مسموعٍ من العرب، قال المُعافَى بن زكريا: فرَّع المولِّدون قولهم: وجادةً فيما أُخِذَ من العلم من صحيفةٍ من غير سماعٍ ولا إجازةٍ ولا مناولةٍ من تفريقِ العرب بين مصادر وجد، للتمييز بين المعاني المختلفة.
قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وَجَدَ ضالته وجدانًا ومطلوبه وجودًا، وفي الغضب: موجدة، وفي الغنى: وُجدًا بالضم، وفي الحُبِّ: وَجْدًا بالفتح.
قوله: (عَلَى كِتَابٍ)؛ أي: فيهِ أحاديث.
قوله: (عَاصَرَهُ)؛ أي: ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه، أو سمع منه غيرَ ما فيه (١).
قوله: (فَيَقُوْلُ وَجَدْتُ … ) إلى آخره، قال النووي: هذا الذي استقرَّ عليه العمل قديمًا وحديثًا.
قال الجلال: وفي «مسند أحمد» كثير من ذلك من روايةِ ابنه عنه بالوِجادة، وهو من باب المنقطع لكن فيه شائبة اتصالٍ بقوله: وجدتُ بخط فلان، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدَّثنا وأخبرنا، ولم يُجِزْ ذلكَ أحدٌ يُعتمد عليه، ووقع في «صحيح مسلم» أحاديث مروية بالوِجادة فانْتُقد عليه بأنَّها من المقطوع؟
وأجيب: بأنَّها مروية عن طُرُقٍ أُخرى له.
قوله: (بِخَطِّ فُلَاْنٍ)؛ أي: إن وَثِقَ بأنَّهُ خطه أو كتابه، وإلَّا قال: بلغني عن فلان، أو وجدت عن فلان، أو ذكرَ أوقال فلانٌ أخبرنا فلان … إلى آخره، وقد تُستعمل الوِجادة مع الإِجازة فيقال: «وجدت بخط فلان وأجازهُ لي»، ثم قد اختلف في العمل بالوِجادة فنُقِلَ عن معظمِ المحدثين والمالكيين وغيرهم أنَّه لا يجوز، وعن الشافعي جوازه، وقطعَ بعضُ المحققينَ بوجوب العملِ بها عند حصولِ الثقة به، قال النووي: وهو الصحيح الذي لا يتجه غيره، قال ابن الصلاح: لأنَّهُ لو توقفَ العملُ فيها على الروايةِ لانسدَّ باب العمل بالمنقول لتعذر شروطها، قال البُلقيني: واحتج للعمل بها بحديث: «أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِيمَانًا؟ قَالُوْا: الْمَلائِكَةُ. قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم. قَالُوْا: الأَنْبِيَاءَ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ يُؤْمِنُوْنَ وَهُمْ يَأْتِيْهُم الوَحْيُ. قَالُوْا: فَنَحْنُ؟ قَالَ: وَكَيْفَ لَاْ تُؤْمِنُوْنَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُم. قَالُوْا: فَمَنْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: قَوْمٌ يَأْتُوْنَ مِنْ بَعْدِكُم يَجِدُوْنَ صُحُفًا يُؤْمِنُوْنَ بِمَا فَيْهَا» وهو استنباطٌ حسن. انتهى. قال الجلال: والحديثُ له طرقٌ كثيرة، وفي بعضها: «أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ مِنْكُم أَجْرًا»، وفي بعضها: «فَهَؤُلَاْءِ أَفْضَلُ أَهْلِ الإِيْمَانِ إِيْمَانًا». انتهى.
أقول: ولينظر هذا مع حديث: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ»، وحديث: «لَوْ وُزِنَ إِيْمَانُ أَبِي بَكْرٍ بِإِيْمَانِ الأُمَّةِ لَرَجَحَ»، وغير ذلك من فضل الصحابة وأعمالهم وإيمانهم.
قوله: (وَشَرْطُ صِحَّةِ الإِجَازَةِ … ) إلى آخره، عبارة «التقريب» و «شرحه» قالوا: إنَّما تستحسنُ الإجازة إذا عَلِمَ المجيزُ ما يجيز، وكان المجاز له من أهل العلم أيضًا؛ لأنَّها توسعٌ وترخيص يتأهلُ له أهل العلم
стр. 82
بالمُجَاز، والمُجَازُ له من أهل العلم المُجَازِ به صناعةً، وعن ابن عبد البرِّ: الصَّحيح أنَّ الإجازة لا تُقبَل إلَّا لماهرٍ بالصِّناعة حاذقٍ فيها، يعرف كيف يتناولها، وما لا يشكل إسناده؛ لكونه معروفًا معيَّنًا، وإن لم يكن كذلك لم يُؤمَن أن يحدِّث المُجَاز عن الشَّيخ بما ليس من حديثه، أو ينقص من إسناده الرَّجل والرَّجلين، وقال ابن سيِّد النَّاس: أقلُّ مراتب المجيز: أن يكون عالمًا بمعنى الإجازة العلمَ الإجماليَّ من أنَّه روى شيئًا، وأنَّ معنى إجازته لذلك الغير في رواية ذلك الشَّيء عنه بطريق الإجازة المعهودة، لا العلم التَّفْصيليَّ بما روى، وبما يتعلَّق بأحكام الإجازة. وهذا العلم الإجماليُّ من أنَّه روى شيئًا حاصلٌ فيما رأيناه من عوامِّ الرُّواة، فإن انحطَّ راوٍ في الفهم عن هذه الدَّرجة، ولا إخال أحدًا ينحطُّ عن إدراك هذا إذا عُرِفَ به، فلا أحسبه أهلًا لأنَّ يتحمَّل عنه بإجازةٍ ولا سماعٍ، قال: وهذا الذي أشرت إليه من التَّوسُّع في الإجازة هو طريق الجمهور، قال شيخنا: وما عداه من التَّشديد فهو منافٍ لما جُوِّزت الإجازة له من بقاء السِّلسلة. نعم؛ لا يُشترَط التَّأهُّل حين التَّحمُّل، ولم يقل أحدٌ بالأداء بدون شرط الرِّواية، وعليه يُحمَل قولهم: أجزت له روايةَ كذا بشرطه، ومنه ثبوت المرويِّ من حديث المجيز، وقال أبو مروان الطُّبنيُّ: إنَّها لا تحتاج لغير مقابلة نَسْخِهِ بأصول الشَّيخ، وقال عياضٌ: تصحُّ بعد تصحيح روايات الشَّيخ ومسموعاته وتحقيقها، وصحَّة مطابقة كتب الرَّاوي لها، والاعتماد على الأصول المُصحَّحة، وكتب بعضهم لمن عُلِمَ منه التَّأهيل: أجزت له الرِّواية عنِّي، وهو لما عُلِمَ من إتقانه وضبطه غنيٌّ عن تقييدي ذلك بشرطه. انتهى.
لِمَسِيْسِ حاجتهم إليها. قال عيسى بن مِسْكِين: الإجازةُ رأس مال كبير، واشترطه بعضهم في صحتها فبالغَ، وحُكي عن مالك.
قوله: (بِالْمُجَازِ) بضم الميم؛ أي: المجاز به، وقوله: (وَالمُجَازُ لَهُ) بالرفع؛ أي: وكون المجاز له … إلى آخره، وقوله: (المُجَازِ بِهِ) بالجرِّ صفةٌ للعلمِ، ولو عبَّر بما عبَّر به في «التدريب» لسلم من تلك القلاقة.
قوله: (وَمَا لَاْ يُشْكِلُ)؛ أي: وفيما لا يشكل … إلى آخره؛ أي: في معين لا يُشكل كما صرَّح به الشارح.
قوله: (مِنْ أَنَّهُ … ) إلى آخره، بيان للعلم الإجمالي.
قوله: (الْغَيْر) بالنصب، مفعول الإجازة، أو بدل من اسم الإشارة.
وقوله: (فِيْ رِوَايَةِ … ) إلى آخره، لعل هنا سَقطًا، والأصل: وأنَّ معنى إجازته لذلك الغير إذنه له في رواية ذلك الشيء … إلى آخره، وإن كان يتبادر من عبارته أنَّ خبر (أن) هو قوله: (بِطَرِيْقِ الإِجَازَةِ) وهو الملائم لسابق كلامه ولاحقه ولا بأس به.
قوله: (لَاْ الْعِلْمَ التَّفْصِيْلِيَّ بِمَا رَوَى)؛ أي: من معرفةِ لفظهِ ومعانيه.
وقوله: (وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الإِجَازَةِ)؛ أي: معرفة ما يجوز منها وما لا يجوز ومعرفة ألفاظ الأداء المختصة بكل نوعٍ منها ممَّا سبق مفصلًا.
قوله: (وَلَاْ إِخَالُ) بكسر الهمزة، قال ابن هشام في «شرح بانت سعاد»: والكسرُ فصيحٌ استعمالًا، شاذٌّ قياسًا، وفتحها لغةُ أَسَد، وهو بالعكس. انتهى.
وقال المرزوقي في «شرح الحماسة»: الكسر لغة طائية كَثُرَ استعمالُها في ألسنة غيرهم حتى صار الفتح كالمرفوض، وزعم أقوام أنَّ الفتح أفصح. انتهى.
قوله: (فَلَا أحسبه … ) إلى آخره، جواب قوله: (فَإِنَّ انحَطَّ … ) إلى آخره.
قوله: (قَالَ)؛ أي: ابنُ سيِّدِ النَّاس.
قوله: (شَيْخُنَا)؛ أي: السَّخَاوي.
قوله: (بِدُوْنِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ)؛ أي: بدون أن تتحقق فيه شروط الرواية للحديث، من عدالة وضبط وغيرهما، ثم مع توفر شروط الأداء هل يجوز بدون تلقٍّ من المشايخ؟.
رُوِيَ عن الحافظ أبي بكر محمد بن خير الأموي قال: اتفق العلماء على أنَّه لا يصحُّ لمسلمٍ أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا ولو على أقلِّ وجوه الروايات.
وتَعَقَّبَهُ الزَّركشي فقال: نقلُ الإجماعِ عجيبٌ، وإنَّما حُكِيَ ذلك عن بعض المحدثين، ثمَّ هو معارضٌ بنقل ابن بُرهان إجماع الفقهاء على الجواز، فقال: ذهبَ الفقهاءُ كافةً إلى أنَّه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحَّ عنده نُسخةٌ جازَ له العمل بها وإن لم يسمع، وحكى أبو إسحاق الإِسْفَرَايِينِي الإجماعَ على جوازِ النقل من الكتب المعتمدة ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وذلك شاملٌ لكتب الحديث والفقه، قال إِلْكِيَا الطَّبَرِي: من وجد حديثًا في كتابٍ صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم: لا يجوزُ؛ لأنَّه لم يسمعه، وهذا غلطٌ، وقال ابن عبد السلام: اتفق العلماء في هذا العصر على جواز الاعتماد على كتب الفقه الصحيحة وكذا في النحو واللغة وسائر العلوم، لحصول الثقة بها وبُعْدِ التدليس، ومَن اعتقدَ أنَّ الناس قد اتفقوا على الخطأ فهو المُخْطِئ، وقد جنحَ الشارعُ إلى قول الأطباء في صورٍ، وليست كتبهم مأخوذة في الأصل إلَّا عن قوم كفار، ولكن لما بَعُدَ التَّدْلِيْسُ فيها اعتُمِدَ عليها كما اعتُمِدَ في اللغة على أشعارِ العرب وهم قوم كفارٌ لِبُعْدِ التَّدْلِيْسِ. انتهى.
قال الحافظ السيوطي: وكُتُبُ الحديثِ أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها؛ لاعتنائهم بضبط النسخ وتحريرها، فمن قال: شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند إليه، فقد خرق الإجماع، وغايةُ المُخرِّجِ أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته وينسبه إلى من رواه.
قوله: (وَعَلَيْهِ) الظاهرُ أنَّ الضمير يعود على العلم الإجمالي المتقدم.
قوله: (الطُّبْنِي) بضم الطاء وسكون الموحدة ثم نون، نسبة إلى طُبْنة مدينة بالغرب، كذا في تبصير المنتبه لابن حجر.
قوله: (لِمَا عُلِمَ) علة مقدَّمة على معلولها وهو (غَنِيٌّ … ) إلى آخره.
تنبيه: ينبغي للمُجيز بالكتابة أن يتلفظ بها أيضًا، فإن اقتصر على الكتابة مع قصد الإجازة صحت؛ لأنَّ الكتابة كناية، وتكون حينئذ دون الملفوظ بها في الرتبة، فإن لم يقصد الإجازة فقال العراقي: الظاهر عدم الصحة، وقال ابن الصلاح: لا يستبعد صحتها في باب الرواية التي جعلت فيه القراءة على الشيخ مع أنَّه لم يلفظ بما قُرئ عليه إخبارًا منه بذلك، كذا ذكره الحافظ السيوطي وسكت عليه.
وأقول: يظهرُ لي الفرقُ بأنَّ سكوت الشيخ حالَ القراءة عليه إقرارٌ منه، وهو كالفعل في أحكامه فلا غَرر وكانَ سكوته كإخباره، بخلاف
стр. 83
وليُصلِح النِّيَّة في التَّحديث؛ بحيث يكون مخلصًا
الكتابةِ الخليةِ عن القصد، فليس فيها إشعارٌ بذلك الغرضِ أنَّه علم عدم نية المجيز بإخباره مثلًا، وإنَّما الأعمال بالنيات فكانت الكتابة بدون قصد الإجازة كلا كتابة، ثم الظاهر أنَّه إذا لم يُعلم عدم القصد صحت الإجازة والرواية بها عملًا بالظاهر، ولا يشترط القبول في الإجازة كما صرَّح به البُلقيني فلو رُدَّ، فقال الجلال السيوطي: الذي ينقدحُ في النفس الصحةُ، كما لو رجع الشيخ عن الإجازة.
قوله: (وَلْيُصْلِحِ النِّيَّةَ … ) إلى آخره، شُرُوْعٌ في آدابِ الحديثِ:
واختلف في السِّن الذي يحسن أن يتصدى فيه له: فقال ابن خلَّاد: إذا بلغَ الخمسينَ ولا يُنكر عند الأربعين؛ لأنَّها حدُّ الاستواء ومنتهى الكمال وعندها ينتهي عزم الإنسان وقوته ويتوفر عقله ورأيه. انتهى.
وَرُدَّ ذلكَ بأنَّ كثيرًا من السلف والخلف حدَّثوا وهم دون ذلك؛ فقد حدَّثَ مالك وهو ابن سبع عشرة سنة، وكذا الشافعي والبخاري وغيرهم، وقال ابن الصلاح: ما قاله ابن خلَّاد محله فيمن يؤخذ عنه الحديث لمجرد الإسناد من غير براعة في العلم؛ فإنَّه لا يُحتاجُ إليه لعلو الإسناد إلَّا عند السنِّ المذكور أما مَن عنده براعة فيجلس له في أي سن كان، ومقتضاه أنَّه يصح روايته والأخذ عنه حينئذ ولو قبل البلوغ وهو أحد وجهين، والأصح المنع كما ذكره السيوطي في أشباهه، وأما المجنون والكافر فلا كما يُعلم ممَّا سبق.
وأمَّا سنُّ السماعِ فقال جماعةٌ: بعد ثلاثين، وآخرون: بعد عشرين.
قال أبو عبد الله الزبيري: يُستحب كَتْب الحديث في العشرين؛ لأنَّها مجتمع العقل.
قال: وأُحبُّ أن يشتغل قبلها بحفظ القرآن والفرائض؛ -أي: الفقه-.
ونقل عياض أنَّ أهل الصنعة حددوا أوَّلَ زمن يصح فيه السماع بخمس سنين، ونسبه غيره للجمهور.
حجتهم ما رواه البخاري وغيره من حديث محمود بن الربيع قال: «عَقَلْتُ عن النَّبيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِيْ وَجْهِي مِنْ دَلْوٍ وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ» بَوَّبَ عليه البخاري: متى يصحُ سماعُ الصَّغِيْرِ؟.
قال ابن الصلاح: والصوابُ اعتبارُ التمييزِ؛ فإنْ فَهِم الخطاب وردَّ الجواب كان مُميزًا صحيح السماع وإن لم يبلغ خمسًا، وإلَّا فلا وإن كان ابن خمس فأكثر، ولا يلزم مِن عَقْلِ مَحْمُوْدٍ المَجَّةَ في هذا السنِّ أنَّ تمييزَ غيره مثل تمييزه، بل قد ينقص وقد يزيد، قال الشارح في منهجه: وهذا هو التحقيق والمذهب الصحيح. انتهى.
وتُقبل رواية المسلم البالغ لِمَا تحمَّله قبلهما؛ أي: حال الكفر والصبي، فقد قبل الناس راوية الحسن والحسين وابني الزبير وعباس وغيرهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده، وكذا كان أهلُ العلم يُحْضِرُوْنَ الصبيانَ مجلسَ الحديث وَيَعْتَدُّوْنَ بروايتهم بعد البلوغ، وهذا هو المعتمد، وقيل: لا خلاف في الكافر؛ لأنَّ الصبيَّ لا يضبطُ ما تحمله في صباه غالبًا، بخلاف الكافر، لكن الشارح أجراه أيضًا فيه، وفي الفاسق كالصبي.
ثُمَّ ينبغي للمحدثِ أن يُمسكَ عن التحديثِ إذا خشي التخليط بهرمٍ أو حزنٍ أو عمًى، ويختلف ذلك باختلاف الناس، وضبطُه بالثمانين أغلبيٌّ؛ فقد حدَّث بعدها أنس والشعبي ومالك والليث وابن عيينة، وحدَّث بعد المئة من الصحابة حكيم بن حزام، ومِنْ غيرِهم غيرُه، والمدار على ثبوت الفعل واجتماع الرأي، قال مالك: إنَّما يَخْرَفُ الكذَّابُون.
والأولى أن لا يُحدِّث بحضرة مَن هو أعلىَ منه لسنه أو علمه أو غيرهما، ولا يمتنع من تحديث أحدٍ لكونه غير صحيح النية؛ فإنَّه يُرجى له صحتها بعد ذلك.
قال مَعْمَرٌ: طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ثم رزق الله النية بعدُ.
ويُستحبُّ لمنْ أرادَ حضورَ مجلسِ التحديثِ أن يتطهرَ ويتطيبَ ويَستاك ويُسرِّح لحيته ويجلس في وَقَارٍ وهَيبةٍ.
وقد سُئل ابن المسيَّب عن حديثٍ وهو مضطجع في مرضه، فجلس وحدَّث به، وقال: كرهتُ أن أحدِّث عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع.
ويُكره أن يقومَ لأحدٍ، فقد قيل: إذا قام القارئُ لحديثِ رسول الله ﷺ لأحدٍ فإنَّه يُكتب عليه بخطيئةٍ، ثم إذا رفعَ أحد صوته في المجلس زجره كما كان مالك ﵁ يفعله، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] فمن رفعَ صوتَهُ عند حديثه فكأنَّما رفعَ صوتَهُ فوق صوته، ويفتتحُ مجلسه ويختمهُ بتحميد الله والصلاة على النَّبيِّ ﷺ ، ويسأل الله تعالى التسديد والتوفيق لذلك، ويَستعمل الأخلاق الجميلة والآداب المَرْضية، فقد قال أبو عاصم النبيل: مَن طلب هذا الحديث فقد طلبَ أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس، وليفرغ الطالب جهده في تحصيله، فقد قال يحيى بن كثير: لا يُنَالُ العلمُ براحةِ الجِسْمِ، وقال الشافعي: لا يفلحُ مَن طلبَ العلمَ بغنى النفس، ولكن من طلبه بِذِلَّةِ
стр. 84
لا يريد بذلك غرضًا دنيويًّا، بعيدًا عن حبِّ الرِّياسة ورعوناتها، وليقرأ الحديث بصوتٍ حسنٍ فصيحٍ مرتَّلٍ، ولا يسرده سردًا؛ لئلَّا يلتبس أو يمنع السَّامع من إدراك بعضه، وقد تسامح بعض النَّاس في ذلك، وصار يعجِّل استعجالًا بحيث يمنع السَّامع من إدراك حروف كثيرةٍ بل كلماتٍ، والله تعالى بمنِّه وكرمه يهدينا سواء السَّبيل. (لطيفةٌ): أنبأني الحافظ نجم الدِّين ابن الحافظ تقيِّ الدِّين، وقاضي القضاة
النَّفْسِ وضيقِ العيش وخدمة العلم أفلحَ. انتهى.
ولا يحملنَّه الحرصُ على التساهلِ في التَّحملِ فيخلَّ بشيءٍ من شروطه؛ فإنَّ شهوة السماع لا تنتهي، والعلم كالبحار التي يتعذر كيلها والمعادن التي لا ينقطع نيلها.
وينبغي أن يستعمل ما يسمعه من أحاديث العبادات والآداب وفضائل الأعمال فذلك زكاةُ الحديث وسببُ حفظه.
قال وكيع: إذا أردتَ أن تحفظ الحديث فاعمل به.
وقال بِشْر: يا أصحاب الحديث أدُّوا زكاة هذا الحديث؛ اعملوا من كل مئتي حديث بخمسة أحاديث.
وقال عمرو بن قيس المُلائي: إذا بلغك شيءٌ من الخير فاعملْ بِهِ ولو مرةً تكنْ من أهله.
وليعتقد الطالب جلالةَ شيخه ورجحانَهُ على غيرهِ، فقد قال أبو يوسف: سمعتُ السلف يقولون: مَن لا يعتقدُ أستاذه لا يفلحْ، ويتحرى رضاه، ولا يُطول عليه بحيث يُضجره؛ فإن الإضجار يغيرُ الأفهام ويفسد الأخلاق.
قال ابن الصلاح: ويُخشى على فاعل ذلك أن يُحرمَ الانتفاع.
ولا ينبغي أن يقتصرَ على سماع الحديث وكَتْبه دون معرفته وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفَر بطائلٍ، بل يتعرف صحته وحسنه وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وإعرابه وأسماء رجاله محققًا كل ذلك، معتنيًا بإتقان مشكله حفظًا وكتابة ويذاكر محفوظه ويباحث أهل المعرفة.
قال ابن مسعود: تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته.
وقال أبو سعيد الخدري: مذاكرة الحديث أفضل من قراءة القرآن.
وقال ابن عباس: مذاكرةُ العلم ساعةً خيرٌ من إحياء ليلة.
وليكن حفظه له بالتدريج قليلًا قليلًا.
قال الزهري: مَن طلبَ العلم جُملةً فاته جملةً، وإنَّما يُدركُ العلم حديث وحديثان، وليحذر أن يمنعه الحياء والكبر من السعي التام والتحصيل وأخذ العلم ممن هو دونه في نسب أو سن أو غيره، فقد ذكر البخاري عن مجاهد: لا ينال العلم مستحييْ ولا متكبرٌ، وكان ابن المبارك يكتب عمَّن هو دونه فقيل له في ذلك فقال: لعلَّ الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع لي عن غيره.
وقال أبو حاتم: إذا كتبت فَعَمِّشْ وإذا حدَّثت فَفَتِّشْ. انتهى.
وعَمِّشْ بالعين المهملة؛ أي: اكتب عن الأعمش، وذلك؛ لأنَّه كان يُدلس، والمراد لا تبال بمن تكتب عنه.
قال العراقي: أراد اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر حتى تنظر هل هو أهلٌ للأخذ عنه أم لا؟ فربما فات ذلك بموته أو غير ذلك، فإذا كان وقتُ الرواية أو العمل ففتشْ حينئذ، ويحتمل أنَّه أراد استيعاب الكتاب وتركَ انتخابه أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكون النظر فيه حال الرواية. انتهى.
قوله: (لَاْ يُرِيْدُ بِذَلِكَ غَرَضًا دُنْيَوِيًّا)؛ أي: لما روى أبو داود من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ لَاْ يَتَعَلَّمُهُ إَلَّا لِيُصِيْبَ بِهِ غَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ». والعَرف بالفتح: الرائحة الطيبة.
وقال حَمَّاد بن سلمة: من طلبَ الحديثَ لغير الله مُكِرَ بِهِ.
قال ابن الصلاح: ومِن أقربِ الوجوه في إصلاح النية ما روينا أنَّ أبا جعفر بن حمدان سُئِلَ: بأيِّ نيةٍ نكتبُ الحديثَ؟ فقال: ألستم تروونَ أنَّ عند ذكر الصالحين تنزلُ الرحمة؟ قال: نعم، قال: فرسول الله ﷺ رأس الصالحين.
قوله: (وَلَاْ يَسْرُدْهُ)؛ أي: يقرأه بعجلةٍ، وقد أوردَ البيهقي في ذلك حديث البخاري عن عروة قال: «جَلَسَ أبو هُرَيْرَةَ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، فلما قَضَتْ صَلَاتَهَا قالت: أَلَا تَعْجَبُ إلى هذا وَحَدِيثِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيْثًا لو عَدَّهُ الْعَادُّ أَحْصَاهُ»، وفي لفظٍ عند مسلم: «لَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيْثَ كَسَرْدِكُمْ» زادَ البَيْهَقِيُّ: «إِنَّمَا كَانَ حَدِيْثُهُ فَصْلًا تَفْهَمُهُ القُلُوْبُ».
قوله: (لِئَلَّا يَلْتَبِسَ … ) إلى آخره، ولو أفرطَ القارئُ في الإسراعِ بحيثُ يخفى بعض الكلام، أو هَيْنَمَ؛ أي: أخفى صوته، أو بَعُدَ السامع بحيث لا يفهم المقروء عُفِيَ في ذلك عن القدرِ اليسيرِ الذي لا يخلُّ عدمُ سماعه بفهم الباقي نحو الكلمة والكلمتين.
ويُستحب للشيخ أن يجيزَ السامعينَ روايةَ ذلك الكتاب أو الجزء الذي سمعوه وإن شمله السماع؛ لاحتمال وقوع شيء ممَّا تقدم من الحديث والعجلة، فينجبر بذلك.
قال ابن عَتَّابٍ الأندلسي: لا غنىَ في السماع عن الإجازة؛ لأنَّه قد يغلطُ القارئُ ويغفل الشيخ والسامعون، فينجبر ذلك بالإجازة. انتهى.
وإذا كتب الشيخ لأحدهم كتب: سمعَهُ مني وأجزتُ له روايَتَهُ.
(تتمة): ينبغي للشيخ أن لا يروي حديثه بقراءة لَحَّانٍ أو مصحِّف فقد قال الأصمعي: أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يَدْخُلَ في جملة قوله ﷺ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ»؛ لأنَّهُ لم يكن يَلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه كذبت عليه.
وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتحريف، وقال شعبة:
стр. 85
أبو المعالي محبُّ الدِّين، المكِّيَّان بها، والمحدِّث العلَّامة ناصر الدِّين أبو الفرج المدنيُّ بها، قالوا: أخبرنا الإمام زين الدِّين بن الحسين وآخرون عن قاضي القضاة أبي عمر عبد العزيز بن قاضي القضاة بدر الدِّين الكنانيِّ، قال: قرأت على الأستاذ أبي حيَّان محمَّد بن يوسف بن عليٍّ، قال: حدَّثنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزُّبير، قال أبو عمر: ولي منه إجازةٌ، قال: حدَّثنا القاضي أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله بن أحمد الأزديُّ، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمَّد بن حسن بن عطيَّة (ح): قال أبو حيَّان: وأنبأنا الأصوليُّ أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر بن ربيعٍ عن أبي الحسن أحمد بن عليٍّ الغافقيُّ، قال: أخبرنا عياضٌ (ح)، قال أبو حيَّان: وكتب لنا الخطيب أبو الحجَّاج يوسف بن أبي رُكانَة عن القاضي أبي القاسم أحمد بن عبد الودود بن سَمَجُون، قال عياضٌ: أخبرنا القاضي أبو بكرٍ محمَّد بن
مثلُ الذي يطلب الحديث بلا عربيةٍ كمَثَلِ رجلٍ عليه بُرْنُس ولا رأس له.
والطريق في السلامة من التحريف والتصحيف الأخذ من أفواه أهل المعرفة والضبط والتحقيق لا من بطون الكتب، وإذا وقع في روايته لَحْنٌ وتحريفٌ فقيل: يرويه كما سمعه، قال ابن الصلاح: وهو غلوٌّ في اتباع اللفظ، والصَّواب تقريره في الأصل على حالهِ مع التَّضْبيب عليه وبيان الصواب في الحاشية، والأولى عند الأداء أن يقرأهُ على الصواب أوَّلًا ثم يقول: وقع في روايتنا أو عند شيخنا كذا، هذا إن علم أنَّ شيخه رواه له على الخطأ، أما إنْ غلب على ظنه أنَّه من كتاب نفسه لا من شيخه فيتجهُ إصلاحه في كتابه وروايته عند تحديثه، كما إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن بنحوِ تَقَطُّعٍ فإنَّه يجوز له استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته ووثق به بأن يكون أخذه عن شيخه وهو ثقةٌ، وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط.
وإذا وجدَ كلمةً في كتابه من غريب اللغة غير مضبوطةٍ أشكلتْ عليه جازَ أن يسأل عنها العُلماء، وله أن يرويها على ما يخبرونه به، كما فعل ذلك أحمد وإسحاق.
وإذا كان الحديثُ عنده عن اثنين أو أكثر واتفقا في المعنى دون اللفظ فلهُ جمعهما في الإسناد ثم يسوق الحديث على لفظِ روايةِ أحدهما فيقول: (حدثنا فلان وفلان، واللفظ لفلان قال)، أو (قالا: حدثنا فلان)، فإن لم يخصَّ أحدهما بل قال: (أخبرنا فلان وفلان) وتقاربا في اللفظ، أو المعنى واحدٌ جازَ على جواز الرواية بالمعنى، بل عليه يجوز وإن لم يقل تقاربا، فلا وجه لما عيب به البخاري وغيره.
وله أن يسوق الحديث بإسناده ثم يذكر الإسناد الآخر ويحذف متنه ويقول: مثله أو نحوه وهما بمعنىً واحد.
وقال الحاكم: لا يحلُّ أن يقول: (مثله) إلَّا إذا علمَ أنهما اتفقا في اللفظ، ويحل أن يقول: (نحوه) إذا كان بمعناه. انتهى.
قيل: هذا مبنيٌّ على عدمِ جوازِ الروايةِ بالمعنى، وإلَّا جازَ مُطلقًا، وإذا كان في سماعه بعضُ الوهنِ فعليه بيانه بحالِ الرواية، فإنَّ في إِغفاله نوعًا من التَّدْلِيس وذلك كَأَنْ يَسْمَعَ من غيرِ أصلٍ، أو يحصل عند القراءة نوم أو حديث أو نحوه.
وأما الروايةُ بالمعنى فإن لم يكن الرَّاوي عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرًا بما يُحيل معانيها، بصيرًا بمقاديرِ التفاوت بينها، لم تجزْ له الرواية لما سمعه بالمعنى بلا خلاف، بل يتعين لفظُ ما سمعه، أما إن كان عالمًا بذلك، فقيل كذلك مطلقًا، وقيل: تجوز للصحابي دون غيره؛ لأنهم جُبِلوا على الفصاحة والبلاغة، وقيل: بالعكس، وقيل: لمن نَسِيَ اللفظ، وقيل: بالعكس ليتمكن من التصرف فيه، والذي عليه جمهور السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة جوازُ الرواية بالمعنى مُطلقًا إذا قطعَ بأدائه، وذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسَّلف ويدلُّ عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظٍ مختلفةٍ.
وقد وردَ في المسألة حديثٌ مرفوعٌ رواه الطَّبراني في «كبيره» من حديث عبد الله بن سليمان [عن أبيه] قال: قلت: يَا رَسُوْلَ اللهِ أَسْمَعُ مِنْكَ الْحَدِيْثَ لَاْ أَسْتَطِيْعُ أَنْ أُؤَدِّيَهُ كَمَا أَسْمَعُ مِنْكَ، يَزْيدُ حَرْفًا أَوْ يَنْقُصُ حَرْفًا؟ فَقَالَ: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا ولم تُحَرِّمُوا حَلَالًا وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلا بَأْسَ»، فذُكِرَ ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدَّثنا.
واستدلَّ لذلك الشافعي بحديث: «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» قال: فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرفٍ، علمًا منه بأنَّ الحفظ قد يزلُّ لتَحِلَّ لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى، كانَ ما سوى كتاب الله أولى بذلك، قال ابن الصلاح: هذا الخلافُ إنَّما يجري في غير المصنفات، ولا يجوز تغيير شيء من تصنيفٍ وإبداله بلفظ آخر وإن كان بمعناه قطعًا، قال في «شرح التقريب»: لأنَّ الرواية بالمعنى رَخَّصَ فيها مَن رخَّصَ لما كان عليهم في ضبط الألفاظ من الحرج، وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه الكتب؛ ولأنَّه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره. انتهى.
أقول: في النفسِ من كِلا العلتين المذكورتين علة، إذ الحديث السابق صريحه يقتضي عموم ما ضبط وما لم يضبط، وأنَّ المدار على عدم تحليل الحرام وعكسه وإصابة المعنى، وإذا جاز التصرف في حديث رسول الله ﷺ ؛ فلأن يجوز في كلام الغير أولى، وعملُ العلماء قديمًا وحديثًا على نقلِ عبارات بعضهم بتصرفٍ وبدونه مع النسبة للأصل في كلٍّ، وقد روى من الكتب المصنفة بعد تصنيفها كثير من الأئمة والحفاظ ولم يتحرجوا من ذلك، والله أعلم، وينبغي للراوي بالمعنى أن يقول عَقِبه: أو كما قال أو نحوه أو شبهه؛ خوفًا من الزلل لِما في الرواية بالمعنى من الخطر.
قوله: (الْمَكِّيَانِ بِهَا)؛ أي: بمكةَ متعلقٌ بـ «أنبأني»، وكذا يقال في قوله: المدنيَّان بها.
قوله: (ابْنُ سَمَجُوْن)
стр. 86
عبد الله بن العربي المعافريُّ، قال: أخبرنا أبو محمَّدٍ هبة الله بن أحمد الأكفانيُّ، قال: حدَّثنا الحافظ عبد العزيز بن أحمد بن محمَّدٍ الكنانيُّ الدِّمشقيُّ، قال: حدَّثنا أبو عِصْمة نوح بن نصير الفرغانيِّ، قال: سمعت أبا المظفَّر عبد الله بن محمَّد بن عبد الله بن قتٍّ الخزرجيَّ، وأبا بكرٍ محمَّد بن عيسى البخاريَّ، قالا: سمعنا أبا ذرٍّ عمَّار بن محمَّد بن مخلد التَّميميَّ يقول: سمعت أبا المظفَّر محمَّد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاريَّ يقول: لمَّا عُزِل أبو العبَّاس الوليد بن إبراهيم بن زيدٍ الهَمَذَانيُّ عن قضاء الرَّيّ؛ ورد بخارى سنة ثمان عشرة وثلاث مئةٍ؛ لتجديد مودَّةٍ كانت بينه وبين أبي الفضل البَلْعَميِّ، فنزل في جوارنا، فحملني معلِّمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الخُتَّليُّ إليه، فقال له: أسألك أن تحدِّث هذا الصَّبيَّ عن مشايخك، فقال: ما لي سماعٌ، قال: فكيف وأنت فقيهٌ؟ فما هذا؟ قال: لأنِّي لمَّا بلغت مبلغ الرِّجال؛ تاقت نفسي إلى معرفة الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمَّد بن إسماعيل البخاريَّ ببخارى صاحب «التاريخ»، والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته مرادي، وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي: يا بنيَّ؛ لا تدخل في أمرٍ إلَّا بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره، فقلت: عرِّفني -رَحِمَك الله- حدود ما قصدتك له، ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أنَّ الرَّجل لا يصير محدِّثًا كاملًا في حديثه إِلَّا بعد أن يكتب أربعًا مع أربعٍ، كأربعٍ مثل أربعٍ، في أربعٍ عند أربعٍ، بأربعٍ على أربعٍ، عن أربعٍ لأربعٍ، وكلُّ هذه الرُّباعيَّات لا تتمُّ إلَّا بأربعٍ مع أربعٍ، فإذا تمَّت له كلُّها؛ هان عليه أربعٌ، وابتُلِي بأربعٍ، فإذا صبر على ذلك، أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربعٍ، وأثابه في الآخرة بأربعٍ. قلت له: فسِّر لي -رحمك الله- معاني ما ذكرت من أحوال هذه الرُّباعيات، من قلب صافٍ بشرحٍ كافٍ وبيانٍ شافٍ؛ طلبًا للأجْر الوافي، فقال: نعم؛ الأربعة التي يُحتَاج إلى كتبها هي: أخبار الرَّسول ﷺ وشرائعه، والصَّحابة ﵃ ومقاديرهم، والتَّابعون وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم، مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأحوالهم وأزمنتهم؛ كالتَّحميد مع الخطب، والدُّعاء مع التَّوسُّل، والبسملة مع السُّورة، والتَّكبير مع الصَّلوات؛ مثل: المُسنَدات والمُرسَلات والموقوفات والمقطوعات، في صغره وفي إدراكه، وفي شبابه وفي كهولته، عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبحار، والبلدان والبراري، على الأحجار والأخزاف، والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق، عمَّن هو فوقه وعمَّن هو مثله وعمّن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقَّن أنَّه بخطِّ أبيه دون غيره؛ لوجه الله تعالى طلبًا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله منها، ونشرها بين طالبيها ومحبِّيها، والتَّأليف في إحياء ذكره بعده، ثمَّ لا تتمُّ له هذه الأشياء إلَّا بأربعٍ هي من كسب العبد؛ أعني: معرفة الكتابة واللُّغة والصَّرف والنَّحو، مع أربعٍ هي من إعطاء الله تعالى؛ أعني: القدرة والصِّحَّة والحرص والحفظ، فإذا تمَّت له هذه الأشياء كلُّها؛ هان عليه أربعٌ: الأهل والولد والمال والوطن، وابتُلِي بأربعٍ: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء، فإذا صبر على هذه المِحَن؛ أكرمه الله في الدُّنيا بأربعٍ: بعزِّ القناعة، وبهيبة النفس، وبلذَّة العلم، وبحياة الأبد، وأثابه في الآخرة بأربعٍ: بالشَّفاعة لمن أرادهُ من إخوانه، وبظلِّ العرش يوم لا ظلَّ إلَّا ظلُّه، وبسقي من أراد من حوض نبيِّه ﷺ ، وبمجاورة النَّبيِّين في أعلى عليِّين في الجنَّة، فقد أعلمتك يا بنيَّ مجملًا لجميع ما سمعتُ من مشايخي، متفرِّقًا في هذا الباب، فأَقْبِلِ الآن إلى ما قصدتَ إليه أو دَعْ.
فهالني قوله، فسكتُّ متفكِّرًا، وأطرقت متأدِّبًا، فلمَّا رأى ذلك منِّي؛ قال: وإن لم تُطِقْ حمل هذه المشاقِّ كلِّها؛ فعليك بالفقه، يمكنك تعلُّمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ، لا تحتاج إلى بُعْد الأسفار، ووطء الدِّيار، وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرةُ الحديث، وليس ثوابُ الفقيه دون ثواب المحدِّث في الآخرة، ولا عزُّه بأقلَّ من عزِّ المحدِّث. فلمَّا سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على دراسة الفقه وتعلُّمه إلى أن صرت فيه متقدِّمًا، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلُّمه بتوفيق الله تعالى ومنَّته، فلذلك لم يكن عندي ما أُمليه على هذا الصَّبيِّ يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إنَّ هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خيرٌ للصَّبيِّ من ألف حديثٍ يجده عند غيرك. انتهى.
وقد قال الخطيب البغداديُّ الحافظ: إنَّ علم الحديث
بفتح الميم وجيم، أبو القاسم أحمد الأندلسي المُحدِّث الشاعر.
قوله: (ابنُ العَرَبِيِّ)؛ أي: بالتعريف، وهو غير ابن عربي الشيخ الأكبر المشهور، وهذا غير مُعَرَّفٍ.
قوله: (المَعَافِرِي) بالعين المهملة نسبة لمَعَافِر، بلد، وأبو حي من همذان لا ينصرف، وإلى أحدهما تُنْسَبُ الثيابُ المَعَافِرِيَّة، ولا تُضَمُّ الميم. «قاموس».
قوله: (أَبُوْ عِصْمَة) بكسر العين وسكون الصاد المهملتين، وهو غير نوح بن أبي مريم (وَالْفَرْغَانِي) بفتح الفاء وسكون الغين المعجمة، نسبة لفَرغانة بلد بالمغرب.
قوله: (قَتٍّ) بفتح القاف وتشديد الفوقية.
قوله: (الهَمَدَانِي) بالتحريك، والإهمال، نسبة إلى القبيلة.
قوله: (الرَّيِّ) بفتح الراء وتشديد الياء.
قوله: (الخُتَّلِيُّ) بضم الخاء المعجمة وتشديد الفوقية نسبة إلى خُتَّل، كوْرَةٌ خلفَ جيحون، كما في «التبصير».
قوله: (وَالْمَنْظَور) عطفٌ على صاحب.
(وَالأَخْزَافِ) بالخاء والزاي المعجمتين جمع خَزَف، مُحَركًا، قال في المصباح: هو الطين المعمول آنيةً قبل أن يُحرق. انتهى.
قوله: (وَالأَكْتَافِ) بالمثناة الفوقية بعد الكاف، جمع كتف، والمراد أكتاف الحيوانات؛ أي: الألواح التي تكون فيها.
قوله: (فَسَكَتُّ مُتَفَكِّرًا) بضمير المتكلم المُسند إلى النَّفس.
قوله: (سَاكِنٌ) بدلٌ من قَارٌّ.
قوله: (خَيْرٌ لِلصَّبِيِّ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ) فيهِ نظرٌ بيِّنٌ، وقد نقلَ السَّخاوي عن الحافظ ابن حجر قال: منذُ قرأت هذه الحكاية إلى أن كتبت هذه الأسطر وقلبي نافرٌ من صحتها مستبعدٌ لثبوتها، تلوح أمارة الوضع عليها وتلمح إشارة التلفيق فيها، ولا يقع في قلبي أنَّ محمد بن إسماعيل يقول هذا ولا بعضه، وأما (قوله:
стр. 87
لا يَعْلق إِلَّا بمن قَصَر نفسه عليه، ولم يضمَّ غيره من الفنون إليه. وقال إمامنا الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى: أتريد أن تجمع بين الفقه والحديث؟ هيهات. والله وليُّ التَّوفيق والعصمة، وله الحمد على كلِّ حالٍ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
الفصل الرَّابع
فيما يتعلَّق بالبخاريِّ في «صحيحه» من تقرير شرطه وتحريره، وضبطه وترجيحه على غيره، كـ «صحيح مسلمٍ» ومن سار كَسَيْرِهِ، والجواب عمَّا انتقده عليه النُّقَّاد من الأحاديث ورجال الإسناد، وبيان موضعه، وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال، وسبب تقطيعه للحديث واختصاره، وإعادته له في الأبواب وتكراره، وعِدَّةُ أحاديثه الأصول والمكرَّرة، حسبما ضبطه الحافظ ابن حجرٍ وحرَّره.
وهذا الفصل -أعزَّك الله تعالى- لخَّصته من «مقدِّمة فتح الباري»، مستمدًّا من سِيْحِ فضله الجاري،
أنبأتني المسندة أُمُّ حبيبةَ زينبُ بنت الشَّوبكيِّ المكيَّة، أخبرنا البرهان بن صِدّيقٍ الرَّسَّام، أخبرنا أبو النُّون يونس بن إبراهيم عن أبي الحسن بن المُقَيَّر عن أبي المُعَمَّر المبارك ابن أحمد الأنصاريِّ، قال: أخبرنا أبو الفضل محمَّد بن طاهرٍ المقدسيُّ، قال في جزء «شروط الأئمَّة» له: اعلم أنَّ البخاريَّ ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهما لم يُنقل عن واحدٍ منهم أنَّه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشَّرط الفلانيِّ، وإنَّما يُعرَف ذلك من سَبْر كتبهم، فيُعلَم بذلك شرط كلِّ رجلٍ منهم، واعلم أنَّ شرط البخاريِّ ومسلمٍ أن يخرجا الحديث المتَّفق على ثقةِ نَقَلَته إلى الصَّحابيِّ المشهور، من غير اختلافٍ بين الثِّقات الأثبات، ويكون إسناده متَّصلًا غير مقطوعٍ، وإن كان للصَّحابيِّ راويان فصاعدًا فَحَسَنٌ، وإن لم يكن له إِلَّا راوٍ واحدٍ إذا صحَّ الطَّريق إلى ذلك الرَّاوي أخرجاه.
ثمَّ قال: أخبرنا أبو بكرٍ أحمد بن عليٍّ الأديب الشِّيرازيُّ بنيسابور، قال: قال أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله؛ يعني: الحاكم في كتابه «المدخل إلى الإكليل»: القسم الأوَّل من المتَّفق عليه اختيار البخاريِّ ومسلمٍ، وهو الدَّرجة الأولى من الصَّحيح؛ ومثاله: الحديث الذي يرويه الصَّحابيُّ المشهور عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان، ثمَّ يرويه عنه [التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة وله راويانِ ثقتانِ، ثم يرويه عنه] من أتباع التَّابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواةٌ من الطَّبقة الرَّابعة، ثمَّ يكون شيخ البخاريِّ ومسلمٍ حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة، فهذه الدَّرجة الأولى من الصَّحيح. انتهى. وتعقَّب ذلك الحافظ ابن طاهرٍ، فقال: إنَّ الشَّيخين لم يشترطا هذا الشَّرط، ولا نُقِلَ عن واحدٍ منهما أنَّه قال ذلك، والحاكم قدَّر لهما هذا التَّقدير، وشرط لهما هذا الشَّرط على ما ظنَّ، ولعمري إنَّه لشرطٌ حسنٌ لو كان موجودًا في كتابيهما، إلَّا أنَّا وجدنا هذه القاعدة التي أسَّسها الحاكم مُنتَقضَةً في الكتابين جميعًا، فمن ذلك في الصَّحابيِّ أنَّ البخاريَّ أخرج حديث قيس بن أبي حازمٍ عن مِرْداسَ الأسلميِّ: «يذهب الصَّالحون أوَّلًا فأوَّلًا» [خ¦٦٤٣٤] وليس لمرداسَ راوٍ غير قيسٍ، وأخرج مسلمٌ حديث المسيَّب بن حَزْنٍ في وفاة أبي طالبٍ، ولم يروِ عنه غير ابنه سعيدٍ. وأخرج البخاريُّ حديث الحسن البصريِّ عن عمرو
إِنَّ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيْثٍ) فكذبٌ لا مزيدَ عليه.
قوله: (لَاْ يَعْلَقُ) في المصباح عَلِقَ الشوكَ بالثوب عَلَقًا من باب تَعِبَ، وتعلق به إذا نشب واستمسك. انتهى.
(الفصل الرابع)
قوله: (وَمَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ)؛ أي: كأصحاب السنن.
قوله: (وَتَرَاجِمِهِ) بكسر الجيم؛ أي: ما تَرجم به من الكتب والأبواب جمعُ ترجمةٍ، وسُمِّيَ ما ذكر تراجمًا؛ لأنَّه مُترجم عما بعده؛ لأنَّ ما يُذكر في الباب مثلًا تُنبئ عنه الترجمة وتُبَيِّنُهُ.
قوله: (المَنِيْعَةَ المَنَالِ) بفتح الميم فيهما؛ أي: التي يمتنعُ أن ينالها غيره؛ أي: يأتي بها، أو المراد أنَّه لا ينالها السامع؛ -أي: يفهمها- إلَّا بالتَّأَمُّلِ الصادقِ والذِّهْنِ الرَّائق والفِطنة الزائدة والقَرِيحة المُتَوَقِّدَةِ.
قوله: (تَقْطِيْعِهِ لِلْحَدِيْثِ)؛ أي: ذِكرهُ مُقَطَّعًا بعضه في ترجمة وبعضه في أخرى؛ بحسب الاحتجاج به في المسائل كلِّ مسألة على حدة، وفيه خلاف، قال النووي: وهو إلى الجواز أقرب. انتهى.
وقد فعله الأئمة كمالك والمصنِّف وغيرِهما.
قوله: (وَاخْتِصَارِهِ)؛ أي: باختصار سنده، كأن يذكره في بعض الأبواب موصولًا وبعضها مرسلًا أو موصولًا أيضًا لكن بطريقٍ أُخرى تنقص عن الأولى.
قوله: (وَمَنْ ذَكَرْنَا بَعْدَهُم) صوابه بعدهما، ولعلَّ المراد تنويهه بقوله في أول الفصل (كَصَحِيْحِ مَسْلِمٍ وَمَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ) وتقدَّمَ أنَّ المراد بذلك أربابُ السنن الأربعة؛ أي: أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه.
قوله: (أَنَّهُ قَالَ: شَرَطتُ … ) إلى آخره؛ أي: ولا وجود لذلك في كتابيهما ولا خارجًا عنهما.
قوله: (أَنَّ شَرْطَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ … ) إلى آخره، المراد بالشرط هنا ما التزماه في تخريج الأحاديث، وهو الشرط المطلق، وأما ما اختلفا فيه من اللُّقِيِّ والاكتفاء بالمعاصرة فهذا شرطهما في المُعنعن خاصة.
قوله: (نَقَلَتِهِ) بالتحريك جمع ناقلٍ.
وقوله: (مِنْ غَيْرِ اخْتِلَاْفٍ) يحتملُ أنَّ المُراد في توثيقِ النَّقلة المذكورين بحيثُ لم يجرحهم جارحٌ، ويحتملُ أنَّ المراد من غير اختلافٍ في رواية هذا الحديث عنه.
قوله: (الأَثْبَات) بفتح الهمزة، جَمْعُ ثَبْتٍ.
قوله: (وَمِثَالُهُ الحَدْيْث … ) إلى آخره، كذا في النسخ، وفيه سقطٌ كما يعلم من نقل الحافظ السيوطي في «شرح التقريب».
عبارة «المَدْخل» هي: الدرجة الأولى من الصحيح اختيار البخاري ومسلم، وهو أن يروي الحديث عن النَّبيِّ ﷺ صحابيٌّ زائلٌ عنهُ اسم الجهالة بأن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يروي عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثِقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين حافظٌ متقنٌ وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته، ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة. انتهى.
قوله: (مُنْتَقَضَةً)؛ أي: بأنَّ في الصحيحين غرائبَ تفرَّدَ بِهَا بعضُ الرُّواةِ كالذي ذكره الشارح.
قوله: (أَوَّلًا فَأَوَّلًا) نصبٌ على الحالِ؛ أي: مرتبين.
قوله: (المُسَيَّب) بضم الميم وفتح السين والياء التحتية، وحُكي كسرها في والد سعيد دون غيره، كما في «ترتيب المطالع».
وقوله: (ابْنُ حَزْن) بفتح المهملة وسكون الزاي، آخره نون.
стр. 88
بن تغلب: «إنِّي لأعطي الرَّجل والذي أَدَعُ أحبُّ إليَّ … » [خ¦٩٢٣] الحديث.
ولم يروِ عن عمرٍو غير الحسن في أشياء عند البخاريِّ على هذا النَّحو. وأمَّا مسلمٌ؛ فإنَّه أخرج حديث الأغرِّ المزنيِّ: «إنَّه ليُغَان على قلبي» ولم يرو عنه غير أبي بردة في أشياء كثيرةٍ اقتصرنا منها على هذا القدر؛ ليُعلَمَ أنَّ القاعدة التي أسَّسها الحاكم لا أصل لها، ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التَّابعين وأتباعهم وبمن روى عنهم إلى عصر الشَّيخين لأربى على كتابه «المدخل»، إلَّا أنَّ الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا يفيد فائدةً. انتهى.
وقال الحافظ أبو بكر ٍالحازميُّ: هذا الذي قاله الحاكم قولُ من لم يُمعن الغوص في خبايا «الصَّحيح»، ولو استقرأ الكتاب حقَّ استقرائه لوجد جملةً من الكتاب ناقضةً لدعواه.
وقد اتَّفقت الأمَّة على تلقِّي «الصَّحيحين» بالقبول، واختُلِف في أيِّهما أرجح؟ وصرَّح
قوله: (ابْنُ تَغْلِبٍ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الغين المعجمة وكسر اللام آخره موحدة.
قوله: (إِنِّيْ لَأُعْطِي الرَّجُلَ)؛ أي: وأدع الآخر تأليفًا لقلب المُعطى ووثوقًا بثبات المحروم، ولذا قال: «وَالَّذِيْ أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ».
قوله: (الأَغَرِّ) بالغين المعجمة والراء.
قوله: (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي) كنايةٌ عن تكاثرِ أنوارِ التجليات الإلهية عليه، وسيأتي في ذلك ما تطمئن له القلوب وتنشرحُ به الصدور.
قوله: (لَأَرْبَى) بالراء والباء الموحدة؛ أي: زاد.
قوله: (وَلو اسْتَقْرَأَ الكِتَابَ)؛ أي: تتبع.
وقوله: (لَوَجَدَ جُمْلَةً مِنْ الكِتَابِ نَاقِضَةً لِدَعْوَاهُ)؛ أي: كالغرائب السالفة، وقد أجيبَ عن الحاكم بأنَّهُ إِنَّما أرادَ أنَّ كُلَّ راو في الكتابين يشترط أن يكون له راويان، لا أنَّه يشترط أن يتفقا في رواية ذلك الحديث بعينه، فليس المراد أن يكون كل خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابِيِّه، ثم عن تابِعيِّه فمن بعده فإن ذلك يعز وجوده، وإنَّما المراد أنَّ هذا الصحابي وهذا التابعي قد روى عنه رجلان خرج بهما عن حدِّ الجهالة.
وقال شيخ الإسلام: كأنَّ الحازمي فهم ذلك من قول الحاكم كالشهادة على الشهادة؛ لأنَّ الشهادة يشترط فيها التعدد مع أنَّه يحتمل أن يريد بالتشبيه بعضَ الوجوه لا كلَّها؛ كالاتصال واللقاء وغيرهما.
وقال بعضهم: ليس من الإنصاف إلزام الشيخين هذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك مع وجود إخلالهما به.
قال شيخ الإسلام: وهذا كلام مقبول. انتهى.
قال في «مقدمة الفتح»: ما ذكره الحاكم وإن كان منتقضًا في حقِّ بعض الصحابة الذين خرَّج لهم إلَّا أنَّه معتبرٌ في حقِّ من بعدهم فليس في الكتاب حديثٌ أصلٌ من رواية مَن ليس له إلَّا راو واحد فقط، وقال الحازمي ما حاصله: شرط البخاري أن يخرِج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه الملازمة الطويلة، وقد يخرج أحيانًا عن الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن روى عنه فلم يلزمه إلَّا ملازمة يسيرة، وشرط مسلم أن يخرج حديث هذه الطبقة الثانية، وقد يخرج حديث من لم يسلمْ من غوائل الجرح إذا كان طويل الملازمة لمن أخذ عنه؛ كحماد بن سلمة في ثابت البناني.
وقال النووي: المراد بقولهم: على شرطهما، أن يكون رجال إسناده في كتابيهما، وللحازمي في كتابه «شروط الأئمة» كلام جامع في شرط الشيخين وغيرهما حاصله أنَّ مذهب مَن يخرج الصحيح أن يعتبر حال الراوي العدل في مشايخه وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزم إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصح إخراجه إلَّا في الشواهد والمتابعات، وهذا باب فيه غموض وطريقه معرفة طبقات الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم، ولنوضح ذلك بمثال، وهو أن تعلم أنَّ أصحاب الزهري مثلًا على خمس طبقات ولكل طبقة منها مزيَّةٌ على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصحة، وهو غاية قصد البخاري كمالك وابن عيينة.
والثانية: شاركت الأولى في العدالة غير أنَّ الأولى جَمَعت مع الحفظ والإتقان طول الملازمة للزهري، حتى كان منهم من يلازمه سفرًا وحضرًا كالليث بن سعد والأوزاعي، وهؤلاء لم يلازموا الزهري إلَّا مدة يسيرة فلم يمارسوا حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأولى، كجعفر بن برقان وسفيان بن حسين السُّلمي وهم شرط مسلم.
والثالث: جماعة لزموا الزهري مثل الطبقة الأولى غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الردِّ والقبول، كمعاوية بن يحيى، وهم شرط أبي داود والنسائي.
والرابعة: قوم شاركوا الثالثة في الجرح والتعديل وتفردوا بقلَّة ممارستهم لحديث الزهري؛ لأنَّهم لم يلازموه كثيرًا وهم شرط الترمذي.
والخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج حديثهم إلَّا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأمَّا عند الشيخين فلا. انتهى.
لكن تقدم عن الجمهور أنَّ المتابعة والاستشهاد تكونُ بالضعيف الذي لم يشتدَّ ضعفُهُ، فلعلَّ مرادَ الحازمي ذلك.
قوله: (عَلَى تَلَقِّي الصَّحِيْحَيْنِ بِالقَبُوْل)؛ أي: لأنَّهما أصحُّ الكتبِ بعد القرآن الشريف، وما روي عن الشافعي من أنَّه قال: ما أعلمُ في الأرض كتابًا أكثر صوابًا من كتاب مالك، وفي رواية عنه: ما بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك. فذلك قبل وجودهما.
وما فيهما، ولو غير متواتر، مقطوع بصحته يفيد العلم القطعي؛ لتلقي الأمة له بالقبول اللازم منه إجماعهم على صحته، كما اختاره ابن الصلاح خلافًا لمن نفى ذلك محتجًّا بأنَّه لا يفيد إلَّا الظن وإنَّما تلقته الأمة بالقبول؛ لأنَّه يجب عليهم العمل بالظن والظن قد يُخطئ.
قال ابن الصلاح: وقد كنت أميل إلى هذا، ثم بانَ لي
стр. 89
الجمهور بتقديم «صحيح البخاريِّ»، ولم يوجد عن أحدٍ التَّصريح بنقيضه وأمَّا ما نُقِلَ عن أبي عليٍّ النَّيسابوريِّ أنَّه قال: ما تحت أديم السَّماء أصحُّ من كتاب «مسلم»؛ فلم يصرِّح بكونه أصحَّ من «صحيح البخاريِّ»؛ لأنَّه إنَّما نفى وجود كتابٍ أصحَّ من كتاب «مسلمٍ»؛ إذ المنفيُّ إنَّما هو ما تقتضيه صيغة «أَفْعَلَ» من زيادة صحَّةٍ في كتابٍ شارك كتاب «مسلم» في الصِّحَّة، يمتاز بتلك الزِّيادة عليه، ولم ينفِ المساواة. وكذلك ما نُقِلَ عن بعض المغاربة: أنَّه فضَّل «صحيح مسلمٍ» على «صحيح البخاريِّ»؛ فذلك فيما يرجع إلى حسن السِّياق، وجودة الوضع والتَّرتيب، ولم يُفصِح أحدٌ بأنَّ ذلك راجعٌ إلى الأصحِّيَّة، ولو صرَّحوا به؛ لردَّ عليهم شاهد الوجود، فالصِّفات التي تدور عليها
أنَّ الذي اخترناه هو الصحيح؛ لأن ظنَّ مَن هو معصومٌ من الخطأ لا يُخطئ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، وقد قال إمام الحرمين: لو حلفَ إنسانٌ بطلاق امرأته أنَّ ما في الصحيحين ممَّا حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق؛ لإجماع علماء المسلمين على صحته. قال: ولو قال قائلٌ: إنَّه لا يحنث ولو لم يُجْمِعْ المسلمون على صحتهما؛ للشك في الحنث فإنَّه لو حلفَ بذلك في حديث ليس هذه صفته لم يحنث وإن كان رواته فُساقًا، فالجوابُ: أنَّ المُضاف إلى الإجماعِ هو القطع بعدم الحنث ظاهرًا وباطنًا، وأمَّا عند الشك فعدم الحنث محكوم به ظاهرًا مع احتمال وجوده باطنًا حتى تُستحب الرجعة. انتهى.
قال البُلقيني: وقد نُقل مثل قول ابن الصلاح عن جماعة من الشافعية، كأبي حامد الإِسْفَرَاييني والقاضي أبي الطيب وأبي إسحاق الشِّيْرَازي وعن السَّرَخسي من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب من المالكية، وابن الخَطَّاب وغيره من الحنابلة، وأكثرِ أهل الكلام من الأشعرية، وأهل الحديث قاطبةً، ومذهب السَّلف عامَّةً، بل بالغَ ابن طاهر المقدسي فألحق بهما ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه.
وقيل: يفيدُ الظن ما لم يتواترْ، كحديث غيرهما، وأيده النووي في «شرح مسلم» قال: وتلقي الأمة بالقبول لحديثهما إنَّما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقفٍ على النظر فيه، بخلاف غيرهما فلا يُعمل به حتى ينظر فيه وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على القطع بأنَّه كلامه ﷺ . انتهى.
ورَدَّهُ شيخُ الإسلام بأنَّ الخبر المحتف بالقرائن يُفيد العلم خلافًا لمن أبى ذلك، وما أخرجه الشيخان مما لم يبلغ عدد التواتر قد احتف بقرينة جلالتهما في هذا الشأن، وتَقَدُّمِهِما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجردِ كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، قال: وما قيل مِن أنَّهم إنَّما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ممنوع؛ لأنَّهم اتفقوا على وجوب العمل بكل ما صحَّ ولو لم يخرجاه، فلم يبق للصحيحين في هذا مزيةٌ، والإجماع حاصل على أنَّ لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة. انتهى.
قال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّلَ عليه وأرشدَ إليه. انتهى. وقال الحافظ السيوطي: وهو الذي أختارهُ ولا أعتقدُ سواه. انتهى.
واستثني من المقطوع بصحته فيهما ما تُكُلِّمَ فيه من أحاديثهما وعدة ذلك مئتان وعشرون حديثًا اشتركا في اثنين وثلاثين، واختصَّ البخاري بثمانين إلَّا اثنين ومسلم بمئة، وسيأتي للشارح كلام في ذلك قريبًا.
قوله: (بِتَقْدِيْمِ صَحِيْحِ البُخَارِي)؛ أي: فهو أصحُّ من مُسلم عند الجمهور؛ أي: المُتَّصِل فيه دونَ التعليق والتراجم، وأكثرُ فوائدَ لما فيه من الاستنباطات الفقهية والنُّكت الحكمية وغير ذلك؛ ولأنَّه أشدُّ اتصالًا وأتقنُ رجالًا كما سيبينه الشارح.
قوله: (عَنْ أَبِي عَلِي النَّيْسَابُوْرِي) هو شيخُ الحاكم.
قوله: (وَلَمْ يَنْفِ المُسَاوَاةَ)؛ أي: فيكون من باب قوله ﷺ : «مَا أظَّلَت الخَضْرَاءُ وَلَاْ أَقَلَّت الغَبْرَاءُ أَصْدَقُ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» هذا لا يقتضي أنَّه أصدقُ من جميع الصحابة، ولا من الصِّديق بل نفى أن يكون منهم أصدقُ منه، فيكون فيهم مَن يساويه.
وممَّا يدلُّ على أن عُرْفَهُم من ذلك الزمان ماشٍ على قانونِ اللغة: أنَّ أحمد ابن حنبل قال: ما بالبصرةِ أعلمُ -أو قال: أثبت- من بِشْرِ بن الفضل، أما مثله فعسى.
ومع ذلك فإنَّ هذا القول قد انفردَ به أبو علي المذكور فلا يُصادم إجماع الجمهور، مع اتفاق العلماء على أنَّ البخاري كان أجلَّ من مسلم في العلوم وأعرف بصناعة الحديث، وأنَّ مسلمًا تلميذه ولم يزل يستفيد منه ويتتبع آثاره حتى هجرَ من أجله شيخه محمد بن يحيى الذُّهلي في قصة شهيرةٍ.
وقال الدَّارقُطْنِي: لولا البخاري ما راحَ مسلم ولا جاءَ، وهذا كنايةٌ عن عدمِ التصرف في صناعة الحديث.
وقال الحاكم: رحم الله البخاري فإنَّه أَلَّفَ الأصولَ؛ -يعني: أصول الأحكام من الأحاديث- وبَيَّنَ للناسِ، وكلُّ مَن عملَ بعده فإنَّما أخذ من كتابه، كمسلم بن الحجاج. انتهى.
وعن الدَّارقُطْنِي أيضًا: وأيُّ شيءٍ صنع مسلم؟! إنَّما أخذ كتاب البخاري فعمل عليه مُستخرجًا وزاد فيه زيادات.
قوله: (عَنْ بَعْضِ المَغَارِبَةِ)، قيلَ: هو ابن حزم.
قوله: (فَذَلِكَ فِيْمَا يَرْجِعُ … ) إلى آخره، نقل عنه نفسه أنَّه علل ذلك بأنَّه لم يسقْ فيه بعد الخطبة إلَّا الحديث السرد؛ أي: فليس ممزوجًا بمثل ما في البخاري.
قوله: (وَجَوْدَةِ الوَضْعِ … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه يجمعُ طُرق الحديث في مكان واحدٍ بأسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فَسَهُلَ تناوله بخلاف البخاري، فإنَّه قطَّعَها في الأبواب بسبب
стр. 90
الصِّحَّة في كتاب «مسلم» أتمُّ منها في كتاب «البخاريِّ» وأشدُّ، وشرطه فيها أقوى وأسدُّ. أمَّا رجحانه من حيث الاتِّصال؛ فلاشتراطه أنْ يكون الرَّاوي قد ثبت له لقاء مَنْ روى عنه ولو مرَّةً، واكتفى مسلمٌ بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريَّ بأنَّه يحتاج ألَّا يقبل المُعنعن أصلًا، وما ألزمه به فليس بلازمٍ؛ لأنَّ الراوي إذا ثبت له اللِّقاء مرَّةً لا يجري في روايته احتمال ألَّا يكون سمع؛ لأنَّه يلزم من جريانه أن يكون مدلِّسًا، والمسألة مفروضةٌ في غير المدلِّس، وأمَّا رجحانه من حيث العدالة والضَّبط فلأنَّ الرِّجال الذين تُكلِّم فيهم من رجال مسلمٍ أكثر عددًا من الذين تُكلِّم فيهم من رجال البخاريِّ، مع أنَّ البخاريَّ لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، وميَّز جيِّدها من موهومها، بخلاف مسلمٍ، فإنَّ أكثر من تفرَّد بتخريج حديثه ممَّن تكلِّم فيه ممَّن تقدَّم عصره من التَّابعين ومن بعدهم، ولا ريب أنَّ المحدِّث أعرف بحديث شيوخه ممَّن تقدَّم عنهم. وأمَّا رجحانه من حيث عدم الشُّذوذ والإعلال فلأنَّ ما انتُقِد على البخاريِّ من الأحاديث أقلُّ عددًا ممَّا انتُقِد على مسلمٍ.
وأمَّا الجواب عمَّا انتُقِد عليه؛ فاعلم أنَّه لا يقدح في الشَّيخين كونهما أخرجا لمن طُعِنَ فيه؛ لأنَّ تخريج صاحب الصَّحيح لأيِّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحَّة ضبطه وعدم غفلته، لا سيَّما
استنباطه الأحكام منها، وأورد كثيرًا منها في غير مظنته، قال شيخ الإسلام: إذا امتاز مسلم بهذا فللبخاري في مقابلته من الفضل ما ضمنه في أبوابه من التراجم التي حَيَّرَت الأفكار، وأنَّه ما قرئ في شدَّة إلَّا فُرجت ولا رُكب به في مركبٍ فغرق، ولله در من قال:
قالُوْا لِمُسْلِمٍ فَضْلُ … قُلْتُ البُخَارِيُّ أَعَلى
قَالوا المُكرَّرُ فيهِ … قلتُ المُكرَّرُ أَحْلَى
وقيل: إنهما سواءٌ، وقيل: بالوقفِ.
قوله: (فِيْ كِتَابِ مُسْلِم أَتَمُّ مِنْهَا … ) إلى آخره، كذا في النُّسخ، وعليها فـ (أتمُّ) مبتدأ (أن)، وفي كتاب البخاري خبر المبتدأ الثاني، وهو وخبره خبر عن قوله (فَالصِّفَاتُ) ولا يخفاكَ ما فيه من نوع التكلف.
ولو عكسَ بأن قال في كتاب البخاري أتمُّ مِنْهَا في كتاب مسلم كان أظهر.
قال في «مقدمة الفتح»: وبيانُ ذلكَ من وجوهِ: أحدها: أنَّ الذين انفردَ البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمئة وبضع وثلاثون رجلًا إلى آخر ما ذكره الشارح في الرُّجحان من حيث العدالة والضبط.
قوله: (وَشَرْطُهُ فِيْهَا أَقْوَى … ) إلى آخره؛ أي: لما سبق عن الحازمي من أنَّه لا يخرج إلَّا عن الضابط المتقن الملازم لمن أخذَ عنه الملازمة الطويلة الممارس لحديثه.
وقوله: (وَأَسَدُّ) أفعل تفضيل من السداد بالفتح، وهو الصواب من القول والفعل، قال في «المصباح»: أسدَّ الرجل بالألف جاء بالسداد، وسَدَّ يَسد -من باب ضرب- سدودًا، أصاب في قوله وفعله، فهو سديد. انتهى.
قوله: (فَلِاشْتِرَاطِهِ)؛ أي: في الحديثِ المُعنعن، فلا يحكمُ للمُعَنْعَن بالاتصال إلَّا إذا ثبتَ اجتماع المُعَنْعِن والمُعَنْعَن عنه ولو مرةً، وهو وإنْ لم يصرحْ بذلكَ الشرط في الصحيح إلَّا أنَّه التزمه فيه وأظهره في «تاريخه» كما قاله ابن حجر، قال: وهذا ما يرجَّحُ به كتابه؛ لأنَّا وإن سلمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال؛ -أي: بمجرد المعاصرة- فلا يخفى أنَّ شرط البخاري أوضح في الاتصال. انتهى.
قوله: (بِمُطْلَقِ المُعَاصَرَةِ)؛ أي: فيُحكم للإسناد المُعنعن بالاتصال إذا تعاصرا وإن لم يثبت اجتماعهما إلَّا إن كانَ المعنعن مدلسًا.
قوله: (أَنْ لَاْ يَقْبَلَ المُعَنْعِنَ أَصْلًا)؛ أي: لأَنَّهُ في كلِّ حالٍ محتمل لأن لا يكونَ سمع منه فيكون مدلِّسًا؛ أي: مع أنَّه قَبِلَه وذَكَرَه في صحيحه.
قوله: (لَأَنَّهُ لَاْ يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِهِ)؛ أي: جريانِ احتمالِ عدم السماع.
وقوله: (أَنْ يَكُوْنَ) اسمُ يكون عائدٌ على الراوي و (مُدَلِّسًا) بالنصبِ خبرها؛ أي: أن يكون هذا الراوي مُدلسًا لهذا الحديث بأن يكونَ أسقطَ من سنده مَن سمع هو منه، وهذا خلافُ فرض المسألة إذ هي مفروضةٌ في غير المدلس، وإذا كان كذلك وهو عدلٌ محققُ اللقاءِ له ولم يعهدْ عليه التدليس لم يبقَ لاحتماله وجه.
قوله: (أَكْثَرُ عَدَدًا … ) إلى آخره، وذلك أنَّ الذي انفردَ البخاري بالإخراجِ لهم دون مسلم أربعمئة وبضع وثمانون رجلًا، المُتَكَلَّمُ فيه بالضعفِ منهم ثمانون رجلًا، والذي انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمئة وعشرون رجلًا، المُتكلمُ فيه بالضعف منهم مئة وستون رجلًا، ولا شكَّ أنَّ التخريج عَمَّنْ لم يتكلمْ فيه أصلًا أولى من التخريج عمَّن تُكُلم فيه، وإن لم يكن الكلام قادحًا.
قوله: (بَلْ غَالِبُهُم … ) إلى آخره، لو أضربَ عن هذا الإضراب وقال: (وغالبهم … ) إلى آخره، لكانَ أظهرَ، كما فعل في «مقدمة الفتح» و «شرح التقريب».
والمعنى أنَّه مع كونه لم يكثرْ من تخريج أحاديث من تُكُلِّمَ فيه، فأكثرُ مَن خرَّج عنه منهم شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم فكان أدرى بهم من غيره، بخلاف مسلم فإنَّ أكثرَ مَن تفرَّدَ بالتخريج عنه ممَّن تُكُلِّم فيه ليس ممَّن اجتمع به، بل ممَّن تقدم عصره.
قوله: (مِنَ الأَحَادِيْثِ)؛ أي: التي خرَّجها، وفيها شذوذ وإعلال.
وقوله: (أَقَلُّ عَدَدًا … ) إلى آخره، وذلك أنَّ ما أخرجه الشيخان من ذلك نحو مئتي حديث وعشرة أحاديث، اختصَّ البخاريُّ منها بأقلَّ من ثمانين، ولا شكَّ أنَّ ما قلَّ الانتقاد فيه أرجحُ مما كَثُرَ.
قوله: (عَمَّا انْتُقِدَ عَلَيْهِ)؛ أي: عن الأحاديث التي انتقدها عليه نقادُ الحفاظِ كالدَّارَقُطْنِي وغيره، قال النووي في مقدمة «شرح مسلم»:
فصل: قد استدركَ جماعةٌ على البخاري ومسلم أحاديث أَخَلَّا فيها بشرطهما، ونزلت عن درجة ما التزماه، وقد أَلَّفَ الدَّارَقُطْنِي في ذلك وأبو مسعود الدمشقي وأبو علي الغَسَّاني، وقد أجيبُ عن ذلك أو أكثره. انتهى.
وقال في «مقدمة الفتح»: قد استدركَ الدَّارَقُطْنِي على البخاري أحاديثَ طعنَ في بعضها، وذلك الطعن مبني على قواعدَ لبعض المحدثين ضعيفة جدًا، مخالفةٍ لما عليه جمهور أهل الفقه والأصول وغيرهم فلا يغترُّ بذلك. وقوله فِيْ «شَرْحِ مُسْلِمٍ»: وقد أجيبَ عن ذلك أو أكثره. هو الصواب، فإنَّ منها ما الجواب فيه غير منتهض، ولو لم يكن في ذلك إلَّا الأحاديث
стр. 91
وقد انضاف إلى ذلك إطلاق الأمَّة على تسميتهما بالصَّحيحين، وهذا إذا خرَّج له في الأصول، فإن خرَّج له في المتابعات والشَّواهد والتَّعاليق فتتفاوت درجات من أخرج له في الضَّبط وغيره، مع حصول اسم الصِّدق لهم، فإذا وجدنا مطعونًا فيه فذلك الطَّعن مقابلٌ لتعديل هذا الإمام، فلا يُقبَل التَّجريح إلَّا مفسَّرًا بقادحٍ يقدح فيه، أو في ضبطه مُطلَقًا، أو في ضبطه لخبرٍ بعينه؛ لأنَّ الأسباب الحاملة للأئمَّة على الجرح متفاوتةٌ، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
وقد كان أبو الحسن المقدسيُّ يقول في الرَّجل الذي يُخرَّجُ عنه في «الصَّحيح»: هذا جاز القنطرة؛ يعني: أنَّه لا يُلتَفت إلى ما قِيلَ فيه. وأمَّا الأحاديث التي انتُقِدت عليهما فأكثرها لا يقدح في أصل موضوع الصَّحيح، فإنَّ جميعها واردةٌ من جهةٍ أخرى، وقد عُلِمَ أنَّ الإجماع واقعٌ على تلقِّي كتابيهما بالقبول والتَّسليم، إلَّا ما انتُقِد عليهما فيه. والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال.
أنَّه لا ريب في تقديم الشَّيخين على أئمَّة عصرهما ومن بعده في معرفة الصَّحيح والمُعلَّل، وقد روى الفَِرَبْريُّ عن البخاريِّ أنَّه قال: ما أدخلت في الصَّحيح حديثًا إلَّا بعد أن استخرتُ الله تعالى وتثبَّتُّ صحَّته، وقال مكِّيُّ بن عبدان: كان مسلمٌ يقول: عرضتُ كتابي على أبي زُرعة، فكلُّ ما أشار إليَّ أنَّ له علَّةً تركته.
فإذا عُلِمَ هذا، وتقرَّرَ أنَّهما لا يخرِّجان من الحديث إلَّا ما لا علَّة له، أو له علَّةٌ إلَّا أنَّها غير مؤثِّرةٍ، وعلى تقدير توجيه كلام من انتقد عليهما، يكون كلامه معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.
وأمَّا من حيث التَّفصيل؛ فالأحاديث التي انتُقِدت عليهما تنقسم إلى ستَّة أقسامٍ:
أوَّلها: ما تختلف الرُّواة فيه بالزِّيادة والنَّقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الحديث الصَّحيح الطَّريق المزيدة، وعلَّله النَّاقد
المُعلَّقَةُ التي لم تتصل من وجهٍ آخر، لا سيما إن كان في بعض رجالها المذكورين مَن فيه مقالٌ، إلَّا أنَّ الجواب عن ذلك سهلٌ؛ لأنَّ موضوع الكتابين إنَّما هو المُسندات، والمُعلق ليس بمسندٍ، وإنَّما يُذكر استئناسًا واستشهادًا، وحينئذ فيبقى الكلام فيما عُلِّلَ من الأحاديث المسندة، وعِدَّةُ ما اجتمع من ذلك في البخاري وإن شاركه مسلم في بعضه مئة (١) وعشرة أحاديث، وسيأتي الجواب عنها، وافقه مسلم في اثنين وثلاثين منها.
قوله: (إِطْلَاقُ الأُمَّةِ) كذا في نُسختنا، فإن لم تكن محرَّفة عن (إطباق)، أو مضمنة معناها، وإلَّا فـ (على) مِنْ قَوْلِهِ: (عَلَى تَسْمِيَتِهَا) زائدةٌ.
قوله: (وَهَذَا … ) إلى آخره؛ أي: كونُ تخريجهِ لأيِّ راوٍ مُقْتَضٍ لعدالتهِ عندهُ.
قوله: (مَنْ أَخْرَجَ لَهُ)؛ أي: من الرواةِ، فقد تقدَّمَ أنَّه يدخلُ في المتابعاتِ والشواهد الضعفاء؛ لأنَّها ليست من موضوع الكتاب، وإنَّما لا يكون ضعفهم شديدًا، وهو معنى قوله (مَعَ حُصُوْلِ اسْمِ الصِّدْقِ لَهُم).
قوله: (مَطْعُوْنًا فِيْهِ)؛ أي: ممنْ خرَّجَ له في الأصول.
وقوله: (مُقَابِلٌ لِتَعْدِيْلِ هَذَا الإِمَامِ)؛ أي: اللازمُ لتخريجهِ لهُ، والتعديلُ مقدَّمٌ على الجرح المبهم الغير المفسر، ومحل قولهم: (الجرح مقدَّم على التعديل) إن كان مُفسرًا بما ذكره الشارح، فيكون تخريجُ مثل المصنفِ له إيذانًا بعدم الالتفات إلى جَرْحِهِ هذا، وأنه ثقةٌ مقبولٌ.
قوله: (يَقْدَحُ فِيْهِ)؛ أي: في عَدَالَتِهِ مثلًا.
قوله: (مُطْلَقًا)؛ أي: في جميع رواياته.
قوله: (وَمِنْهَا مَا لَاْ يَقْدَحُ)؛ أي: فيُظنُّ قادحًا وليس كذلك كما تقدمَ تفصيله، فلذا كان الجرح غير مقبولٍ إلَّا مفسرًا.
قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيْثُ … ) إلى آخره، هذه عبارةٌ غير ظاهرةٍ من وجوه:
الأول: أن مُرَادَهُ (وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ الأَحَادِيْثِ … ) إلى آخره، كما هو الظاهرُ فيتكرر مع سابقه.
والثاني: أن قَوْلَهُ (فَإِنَّ جَمِيْعَهَا … ) إلى آخره، الظاهرُ أنَّه تعليلٌ لقوله: (فَأَكْثَرُهَا لَاْ يَقْدَحُ … ) إلى آخره، الذي جعلهُ جوابَ الشرطِ فيكونُ هو الجواب عن الانتقاد له، وهو مع ما فيه ممَّا يتضح لك من عبارة «الفتح» غير مُلائمٍ له إذ المعلَّل الأكثر، وعلى ظاهر عبارته فلا يجري إلَّا لو كان النقدُ من حيث عدمُ الورودِ من جهة أخرى في الجميع، وما ذلك إلَّا في البعض فضلًا عن الأكثر.
والثالث: قوله: (إِلَّا مَا انْتُقِدَ عَلَيْهِمَا فِيْهِ) فإنَّ الظاهر من عبارته أنَّ قوله قبل (وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الإِجْمَاعَ … ) إلى آخره، تتمةٌ للجوابِ عمَّا انتقد فما معنى استثناء (ما انتُقِدَ) في الجواب عما انتُقِدَ.
والرابع: أنَّ قوله بعد: (وَالجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ) بعد قوله: (وَأَمَّا الأَحَادِيْثُ … ) إلى آخره، على ما سمعتَ من أنَّ المراد (وَأَمَّا الجَوَابُ عَنْ الأَحَادِيْثِ … ) إلى آخره، وعبارةُ «الفتح» سليمةٌ من ذلك كلِّهِ، ونَصُّهَا.
الفصل الثامن: في سياقِ الأحاديثِ التي انتقدها عليه حافظُ عصره أبو الحسن الدَّارَقُطني وغيره من النقاد، وسياقُ ما حضر من الجواب عنه، وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أنَّ هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يَقدح في أصل موضوع الكتاب، فإنَّ جميعها واردٌ من جهة أخرى وهي ما ادعاه الإمام أبو عمرو بن الصلاح وغيره من الإجماع على تلقي هذا الكتاب بالقبول والتسليم لصحة جميع ما فيه، فإنَّ هذه المواضع متنازعٌ في صحتها فلم يحصل لها مِن التلقي ما حصل لمُعظم الكتاب. انتهى.
فها أنت ترى العبارة في منزعٍ آخر، وهو أنَّ الجواب عن هذه الأحاديث وإن كان مُسَلَّمًا من حيثيةٍ فهو غير مُسَلَّمٍ من أخرى، وترى قوله فيها: (فَإِنَّ جَمِيْعَهَا … ) إلى آخره، عِلَّةً لقوله: (وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا) وجوابُ الشَّرط قوله: (فَإِنَّ هَذِهِ المَوَاضِعَ … ) إلى آخره، فتأملْ.
قوله: (الفرَبْرِيُّ) بفاء مكسورة أو مفتوحة على ما في «القاري على الشفاء»، فراء مفتوحة فموحدة ساكنة فراء مكسورة، تلميذُ المُصَنِّفِ.
قوله: (إِلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ)؛ أي: عندهما، وقد كان الذُّهْلِي يقولُ: أعلم أهل عصره بعلل الحديث الزهري (٢)، وقد استفادَ منه ذلك الشيخان جميعًا.
قوله: (وَعَلَى تَقْدِيْرِ … ) إلى آخره، عبارة «الفتح»: فإذا عُرِف وتقرر أنَّهما لا يُخرجان من الحديث إلَّا ما لا علةَ له، أو له علة إلَّا أنها غيرُ مؤثرةٍ عندهما، فبتقدير توجيه كلام (مَنْ انْتَقَدَ عَلَيْهِمَا يَكُوْنُ مُعَارَضًا … ) إلى آخره.
قوله: (مَا تَخْتَلِفُ فِيْهِ الرِّوَايَةُ) عبارةُ «مقدمة الفتح»: (الرواة) بدون ياء، وهي أظهرُ.
قوله: (صَاحِبُ الحَدِيْثِ الصَّحِيْحِ) الذي في المقدمة المذكورة: (صاحب الصحيح) بحذف لفظ (الحديث) وهو أولى، والمرادُ بصاحب الصحيح أحدُ الشيخين لدلالةِ السِّيَاقِ.
قوله: (وَعَلَّلَهُ النَّاقِض … ) إلى آخره؛
стр. 92
بالطَّريق النَّاقصة؛ فهو تعليلٌ مردودٌ؛ لأنَّ الرَّاوي إن كان سمعه من الطريق النَّاقصة؛ فهو منقطعٌ، والمنقطع من قسم الضَّعيف، والضَّعيف لا يُعِلُّ الصَّحيحَ، وإن أخرج صاحب الصَّحيح الطَّريق النَّاقصة، وعلَّله النَّاقد بالطَّريق المزيدة؛ تضمَّن اعتراضه دعوى انقطاعٍ فيما صحَّحه المصنِّف، فينظر إن كان مدلِّسًا من طريقٍ أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض به، وإن لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا؛ فمُحصَّل الجواب عن صاحب الصَّحيح أنَّه إنَّما أخرج مثل ذلك في باب ما له متابعٌ وعاضدٌ، وما حفَّته قرينةٌ في الجملة تقوِّيه، ويكون التَّصحيح وقع من حيث المجموع، وفي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» من ذلك حديث الأعمش عن مجاهدٍ عن طاوسٍ عن ابن عبَّاسٍ في قصَّة القبرين: «وأنَّ أحدهما كان لا يستبرئ من بوله»، قال الدَّارقطنيُّ: خالف منصورٌ، فقال: عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وأخرج البخاريُّ حديث منصورٍ على إسقاطه «طاوسًا». انتهى. وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في «الطَّهارة» [خ¦٢١٨] عن عثمان ابن أبي شيبة عن جريرٍ، وفي «الأدب» [خ¦٦٠٥٢] عن محمَّد بن سلَامٍ عن عَبِيْدة بن حميدٍ، كلاهما عن منصورٍ به، ورواه من طرقٍ أخرى من حديث الأعمش، وأخرجه باقي الأئمَّة السِّتَّة من حديث الأعمش أيضًا، وأخرجه أبو داود أيضًا والنَّسائيُّ وابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» من حديث منصورٍ أيضًا، وقال التِّرمذيُّ بعد أن أخرجه: رواه منصورٌ عن مجاهدٍ عن ابن عبَّاسٍ، وحديث الأعمش أصحُّ؛ يعني: المتضمِّن للزِّيادة، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا في التَّحقيق ليس بعلَّةٍ؛ لأنَّ مجاهدًا لم يُوصَف بالتَّدليس، وسماعه من ابن عبَّاسٍ صحيحٌ في جملة الأحاديث، ومنصورٌ عندهم أتقنُ من الأعمش، مع أنَّ الأعمش أيضًا من الحفَّاظ، فالحديث كيفما دار دارَ على ثقةٍ، والإسناد كيفما دار كان متَّصلًا، فمثل هذا لا يقدح في صحَّة الحديث إذا لم يكن راويه مدلِّسًا، وقد أكثر الشَّيخان من تخريج مثل هذا، ولم يستوعب الدَّارقطنيُّ انتقاده.
ثانيها: ما تختلف الرُّواة فيه بتغيير بعض الإسناد، فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الرَّاوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنِّف ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون متعادلين في الحفظ والعدد، كما في «البخاريِّ» في «بدء الخلق» من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصورٍ جميعًا عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، قال: «كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في غارٍ فنزلت ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾» [خ¦٣٣١٧]، قال الدَّارقطنيُّ: لم يتابع إسرائيل عن الأعمش عن علقمة، أمَّا عن منصورٍ فتابعه شيبان عنه، وكذا رواه مغيرة عن إبراهيم عنه. انتهى. وقد حكى البخاريُّ الخلاف فيه، وهو تعليلٌ لا يضرُّ، وإن امتنع الجمع بأن يكون المختلفون غير متعادلين، بل متفاوتين في الحفظ والعدد، فيخرِّج المصنِّف الطَّريق الرَّاجحة، ويُعرِض عن الطَّريق المرجوحة أو يشير إليها، والتَّعليل بجميع ذلك من أجل مجرَّد الاختلاف غير قادحٍ؛ إذ لا يلزم من مجرَّد الاختلاف اضطرابٌ يوجب الضَّعف، وحينئذٍ فينتفي الاعتراض عمَّا هذا سبيله، وفي «البخاريِّ» في «الجنائز» من هذا الثَّاني: حديث اللَّيث عن الزُّهريِّ عن عبد الرَّحمن بن كعبٍ عن جابرٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَجمعُ بين قتلى أُحُدٍ ويُقدِّم أقرأهم» [خ¦١٣٤٣]. قال الدَّارقطنيُّ: رواه ابن المبارك عن
أي: كما في حديث ابن جريج، إذ أخرجاه عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه وعمهِ عُبيد الله بن كعب، عن كعب: «أَنَّ النَّبِي ﷺ كان إِذَا قَدِمَ من سَفَرٍ ضُحَىً بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ … » الحديث.
قال الدَّارقطني: خالفَ فيه ابنُ جُريج مَعْمَرًا، فقال: عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه قال: ورواية ابن جُرَيْجٍ أصحُّ ولا يضرهُ من خالفه. انتهى.
قال ابن حجر: قول مَعْمَر وغيره: (عبد الرحمن بن كعب) يُحمل على أنَّه منسوب إلى جده فتكونُ روايتهم منقطعةً، وهذا الجوابُ صحيحٌ من الدَّارَقُطْني في أنَّ الاختلافَ في مثلِ هذا لا يضرُّ.
قوله: (إِنْ كَانَ سَمِعَهُ من الطَّرِيْقِ النَّاقِصَةِ … ) إلى آخره، في العبارةِ تصرفٌ بنقصٍ مُخِلٍّ، وأصلها: (لأنَّ الراوي إن كان سمعه) فالزيادةُ لا تضر؛ لأنَّه قد يكون سمعهُ بواسطةٍ عن شيخه ثم لقيه فسمعه منه، وإن كانَ لم يسمعه في الطريق الناقصة فهو منقطعٌ … إلى آخره، ثم مَثَّلَ لهذا؛ -أعني: لما لم يسمعه- بحديث الأعمش، عن مُجَاهد، عن طاوس، عن ابن عباس في قصة القبرينِ عندهم.
قوله: (إِنْ كَانَ مُدَلِّسًا)؛ أي: هذا الراوي.
وقوله: (مِنْ طَرِيْقٍ أُخْرَى)؛ أي: غيرِ هذه، مع كونه صرَّحَ في هذه بالسماع، وقد اختصر الشارح عبارة المقدمة فأوهم لولا ما قررناه، وأصلُ العبارة: فينظر إن كان ذلك الراوي صحابيًا أو ثقة غير مدلس قد أدرك مَن روى عنه إدراكًا بينًا أو صرح بالسماع إن كان مُدلسًا من طريق أخرى، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ … إلى آخره.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُوْجَدْ)؛ أي: كونُ الراوي غيرَ مدلِّس أو مدلِّسًا صرح بالسماع بأن كان مدلِّسًا لم يصرحْ بالسماع فيكونُ الانقطاع حينئذٍ ظاهرًا كما قال، وقد مَثَّلَ لذلك الدَّارَقُطْنِي بحديث أبي مروان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «إِذَا صَلَّيْتِ الصُّبْحَ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّوْنَ … » الحديث، فهذا منقطعٌ، وقد وصلهُ حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أمِّ سَلَمَةَ، ووصله مالك، عن أبي الأسود، عن عروة كذلك في «الموطأ»، وهو عند المصنف في هذا المكان مقرونٌ بحديث أبي مروان، وقد وقع في بعض النُّسخ -وهي رواية الأَصيلي- في هذا عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة موصولًا، لكن معظم الروايات على إسقاط زينب، وهو الصحيح المحفوظُ من حديث هشام، وإنَّما اعتمد البخاريُّ فيه رواية مالك التي أثبتَ فيها ذكرَ زينب، ثم ساقَ معها رواية هشام التي سقطتْ منها حاكيًا للخلاف فيهِ على عروةَ كعادتِهِ، مع أنَّ سماعَ عُروة من أم سَلَمَةَ ليسَ بِمُسْتَبْعَدٍ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ)؛ أي: ممَّا اختلفت فيه الرواة بالزيادة والنقص.
قوله: (خَالَفَ مَنْصُوْرٌ … ) إلى آخره؛ أي: فأسقطَ طَاوِسًا.
قوله: (عَنْ عَبِيْدَةَ) بفتح المهملة وكسر الموحدة، فإنَّ عُبَيْدَةَ كُلُّهُ بالضم إلَّا أربعةٌ ذكرناهم في «رضاب المرتشف» منهم ابن حميد هذا.
قوله: (فَإِنْ أَمْكَنَ … ) إلى آخره، شرعَ في الجوابِ عن ذلكَ.
قوله: (وَهُوَ تَعْلِيْلٌ لَا يَضُرُّ)؛ أي: لأنَّ الغرض أنَّهُمَا مُتعادلان في الحفظ مع ذكر المصنف كلًا منهما.
قوله: (فَيُخَرِّجُ … ) إلى آخره، هو جوابُ هذا النوع.
قوله: (وَيُقَدِّمُ أَقْرَأُهُم)؛ أي: للصلاة عليه.
стр. 93
الأوزاعيِّ عن الزُّهريِّ مُرسَلًا، ورواه معمر عن الزُّهريِّ عن ابن أبي صُعَيرةَ عن جابرٍ، ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ، حدَّثني مَنْ سمع جابرًا، وهو حديثٌ مضطربٌ. انتهى. قال الحافظ ابن حجرٍ: أطلق الدَّارقطنيُّ القول بأنَّه مضطربٌ مع إمكان نفي الاضطراب عنه؛ بأن يفسَّر المبهم بالذي في رواية اللَّيث، وتُحمَل رواية معمر على أنَّ الزُّهريَّ سمعه من شيخين، وأمَّا رواية الأوزاعيِّ المُرسَلة فقصَّر فيها بحذف الوساطة، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاريُّ ذكر الخلاف فيه، وإنَّما أخرج رواية الأوزاعيِّ مع انقطاعها؛ لأنَّ الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك عن اللَّيث والأوزاعيِّ جميعًا عن الزُّهريِّ، فأسقط الأوزاعيُّ عبد الرَّحمن بن كعبٍ، وأثبته اللَّيث، وهما في الزُّهريِّ سواءٌ، وقد صرَّحا بسماعهما له منه، فقبل زيادة الليث؛ لثقته، ثمَّ قال بعد ذلك: ورواه سليمان بن كثيرٍ عن الزُّهريِّ عمَّن سمع جابرًا، وأراد بذلك إثباتَ الواسطة بين الزُّهريِّ وبين جابرٍ فيه في الجملة، وتأكيدَ رواية اللَّيث بذلك، ولم يرها علَّةً توجب اضطرابًا. وأمَّا رواية معمرٍ فقد وافقه عليها سفيان بن عُيَيْنَة، فرواه عن الزُّهريِّ عن ابن أبي صُعيرٍ، وقال: ثبَّتني فيه معمرٌ، فرجعت روايته إلى رواية معمرٍ.
ثالثها: ما تفرَّد بعض الرُّواة بزيادةٍ فيه دون مَنْ هو أكثر عددًا، أو أضبط ممَّن لم يذكرها، فهذا لا يؤثِّر التَّعليل به، إلَّا إن كانت الزِّيادة منافيةً بحيث يتعذَّر الجمع، أمَّا إذا كانت الزِّيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقلِّ فلا نعم؛ إن صحَّ بالدَّلائل أنَّ تلك الزِّيادة مُدرجَةٌ من كلام بعض رواته فيؤثِّر ذلك.
رابعها: ما تفرّد به بعض الرُّواة ممَّن ضُعِّفَ منهم، وليس في «البخاريِّ» من ذلك غير حديثين، وقد تُوبِعا، أحدهما: حديث أُبيِّ بن عبَّاس بن سهل بن سعدٍ عن أبيه عن جدِّه. قال: كان للنبيِّ ﷺ فَرَس يقال له: اللخيف [خ¦٢٨٥٥] قال الدَّارقطنيِّ: هذا ضعيفٌ انتهى. وهو ابن سعدٍ السَّاعديُّ الأنصاريُّ الذي ضعَّفه أحمد وابن معينٍ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، لكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن عبَّاسٍ، وروى له التِّرمذيُّ وابن ماجه، وثانيهما: في «الجهاد» من «البخاريِّ» في «باب إذا أسلم قومٌ في دار الحرب». حديث إسماعيل بن أبي أويسٍ عن مالكٍ عن زيد بن أسلم عن أبيه: أنَّ عمر استعمل مولًى له يسمَّى هنيًّا على الحِمَى الحديث بطوله [خ¦٣٠٥٩]، قال الدَّارقطنيُّ: إسماعيلُ ضعيفٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: أظنُّ أنَّ الدَّارقطنيَّ إنَّما ذكر هذا الموضع من حديث إسماعيلَ خاصَّةً، وأعرض عن الكثير من حديثه عند البخاريِّ؛ لكون غيره شاركه في تلك الأحاديث وتفرَّد بهذا، فإن كان كذلك فلم ينفرد، بل تابعه عليه معن بن عيسى، فرواه عن مالكٍ كرواية إسماعيل سواءٌ.
خامسها: ما حُكِمَ فيه بالوهم على بعض رواته، فمنه ما يؤثِّر، ومنه ما لا يؤثِّر
سادسها: ما اختُلِف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا لا يترتَّب عليه قدحٌ؛ لإمكان الجمع في المختلف من ذلك أو التَّرجيح، كحديث جابرٍ
قوله: (عَنْ ابْنِ أَبِي صُعَيْرَ) في «التقريب» أنَّه بمهملتين مُصَغَّرًا بهاءٍ ودونها، واسمه عبد الله بن ثعلبة، ويُقال: ثعلبة بن عبد الله.
قوله: (بِأَنْ يُفَسَّرَ المُبْهَمَ)؛ أي: الذي في رواية سليمان وهو قوله: (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا)، وقوله: (بِالَّذِيْ فِيْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ) هو عبد الرحمن بن كعب؛ أي: فيكونُ المراد بقوله (مَنْ سَمِعَ جَابِرًا) في رواية سليمان. انتهى عبد الرحمن المذكور.
قوله: (مِنْ شَيْخَيْنِ)؛ أي: وهُما ابن أبي صُعَيْرَ وعبد الرحمن بن كعب.
قوله: (بِحَذْفِ الوَاسِطَةِ) هو أحدُ الشَّيخين المذكورين للزُّهري، وبهذا لا يكونُ اضطرابٌ أصلًا.
قوله: (وَهُمَا فِيْ الزُّهْرِي سَوَاءٌ)؛ أي: في الروايةِ عنه بلا واسطة.
قوله: (وَقَدْ صَرَّحَا)؛ أي: الأوزاعي والليث.
قوله: (ثُمَّ قَالَ)؛ أي: البُخَاري.
قوله: (وَأَرَادَ)؛ أي: البُخاري؛ أي: قَصَدَ بقوله: وَرَوَاهُ سُلَيْمَانُ.
قوله: (وَبَيْنَ جَابِرٍ فِيْهِ)؛ أي: في السَّنَدِ المَذْكُور.
قوله: (وَتَأْكِيْدَ) عَطْفٌ على إثبات.
قوله: (بِذَلِكَ)؛ أي: رواية سليمان.
قوله: (ثَبَّتَنِي فِيْهِ)؛ أي: في هذا الحديث؛ أي: جعلني ثابتًا بموافقتهِ لي في روايتهِ، كذلك بعد أن كُنت بالانفرادِ قلقًا.
قوله: (فَرَجَعَتْ رِوَايَتُهُ)؛ أي: روايةُ سُفيان، قال في «المقدمة الفتحية»: وعن الزُّهْرِي فيهِ اختلافٌ آخرُ، رواهُ البيهقيُّ من طريق عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، وهو خطأ، وعبد الرحمن هذا ضعيف، ولا يخفى على الحاذقِ أنَّ روايةَ الليثِ أرجحُ هذه الروايات كما قررناهُ، وأنَّ البُخَاري لا يعلُّ الحديث بمجردِ الاختلاف. انتهى.
قوله: (إِنْ صَحَّ) بالصاد المهملة، والذي في «المقدمة»: (إن وضحَ) بالواو والضاد المعجمة من الوضوح، ولم يذكرْ الشَّارح مثال ذلك.
وهو كما في المقدمة عن الدَّارَقُطْنِي ما أخرجه الشيخان من حديثِ قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بن أنس، عن بشير بن نَهِيْك، عن أبي هريرة قال: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيْصًا» وذكرا فيه «الاسْتِسْقَاء» من حديث ابن أبي عروبة وجرير بن حازم، قال: وقد روى هذا الحديث شُعبة وهشام، وهُما أثبتُ الناسِ في قَتَادة، فلم يذكرا في الحديث الاستسقاء من الحديث، فَبَانَ أَنَّهُ مِنْ رَأي قَتَادة، لا مِنْ رواية أبي هريرة. انتهى.
قوله: (مِمَّنْ ضُعِّفَ) بالبناءِ للمجهولِ؛ -أي: ضَعَّفَهُ الحُفَّاظُ- وقوله: (مِنْهُم)؛ أي: من الرواةِ.
قوله: (اللُّخَيْف) بالخاء المعجمة مُصغرًا، قال في «القاموس»: أو هو بالحاء المهملة.
قوله: (وَهُوَ)؛ أي: سهلٌ هذا، راوي الحديث.
قوله: (هُنَيًّا) بضم الهاء وفتح النون وتشديد التحتية.
قوله: (عَلَى الحِمَى) بكسر المهملة؛ أي: ما كان حِمَاهُ لرعي إبلِ الصَّدَقَات.
قوله: (فَمِنْهُ مَا يُؤَثِّرُ)؛ أي: وإنَّما يرويه عن مثلِ هذا اعتمادًا على كونِ ما رواهُ معروفًا من رواية الثقات، فلا يكون ذلك قادحًا في صحة الحديث؛ خلافًا لابن حزم حيث روَّج بمثل ذلك مذهبه في إباحة الملاهي؛ زاعمًا أنَّه لم يصحَّ في حديث أبي مالك الأشعري عنه ﷺ : «لَيَكُونَنَّ في أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ»؛ أي: الملاهي، الحديثَ. فزعمَ أنَّ هذا الحديثَ وإن أخرجه البخاري فهو غير صحيحٍ؛ لأنَّهُ قال فيه (هشام بن عمار) وساقه بإسناده فهو منقطعٌ.
قوله: (وَمِنْهُ مَا لَا يُؤَثِّرُ)؛ أي: كأنْ يكونَ ضعفُ الضعيفِ المذكورِ طرأَ بعدَ أخذهِ عنهُ باختلاط حديثٍ عليهِ غيرِ قادحٍ
стр. 94
في قصَّة الجمل [خ¦٢٠٩٧]، وحديثه في وفاء دَين أبيه [خ¦٢١٢٧]، وحديث أبي هريرة في قصَّة ذي اليدين [خ¦٤٨٢] وربَّما يقع التَّنبيه على شيءٍ من هذه الأقسام في موضعه من هذا الشرح بتوفيق الله تعالى ومعونته. والذي في «البخاريِّ» من هذه الأقسام مئة حديثٍ وعشرة أحاديث، شاركه في كثيرٍ منها مسلمٌ، لا نطيل بسردها، وأمَّا الجواب عمَّن طُعِنَ فيه من رجال البخاريِّ فليعلم أنَّ تخريج صاحب الصَّحيح لأيِّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحَّة ضبطه وعدم غفلته، مع ما انضاف لذلك من إطلاق جمهور الأمَّة على تسمية الكتابين بـ «الصَّحيحين»، وهذا معنًى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في «الصَّحيحين»، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذُكِرَ فيهما، ولا يُقبَل الطَّعن في أحدٍ من رواتهما إلَّا بقادحٍ واضحٍ؛ لأنَّ أسباب القدح -كما مرَّ- مختلفةٌ، ومداره هنا على خمسةٍ: البدعة أو المخالفة أو الغلط أو جهالة الحال أو دعوى الانقطاع بالسَّند؛ بأن يُدَّعَىَ في راويه أنَّه كان يدلِّس ويرسل.
فأمَّا البدعة؛ فالموصوف بها إن كان غير داعيةٍ قُبِل، وإلَّا فلا، وقال ابن دقيقٍ العيد: إن وافق غير الدَّاعية غيره فلا
فيما رواه قبلُ في زمن استقامته، فإنَّ الثقةَ إذا خلطَ لاختلال ضبطه بهرمٍ أو نحوه قُبِلَ حديثُ من أَخَذَ عنه قبل الاختلاط.
قوله: (فِيْ قِصَّةِ الجَمَلِ)؛ أي: جَمَلِهِ الذي اشتراهُ منه ﷺ فقد اختلفت الطرق فيها اختلافًا كثيرًا في مقدارِ الثمن، وفي اشتراط ركوبه، وروى البخاري الطرق التي فيها الاشتراط وعدمه، ورجح الأولى على الثانية، وروى كون الثمن غير أوقية وخرج كونه أوقية.
قوله: (وَحَدِيْثُهُ)؛ أي: جابر، إذ قال: «يَا رَسُوْلَ الله، إِنَّ أَبِي مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ … » الحديث. حيثُ وقعَ الاختلافُ فيه بتقديم بعضِ ألفاظه على بعض، وبتعيين الدَّين وإبهامه.
قوله: (فِيْ قِصَّةِ ذِيْ اليَدَيْنِ)؛ أي: حيثُ وقعَ فيهِ الاختلافُ في التَّقديم والتأخير وتبديل بعض الألفاظ بأخرى، ففي بعض الطُّرق: «أَنَسِيْتَ أَمْ قَصُرَت الصَّلَاةُ؟»، وفي بعضها: «أَقَصُرَت الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيْتَ؟»، وفي بعضها: «كلُّ ذلك لم يكن»، وفي بعضها: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَر»، إلى غير ذلك.
قوله: (وَالَّذِي فِيْ البُخَارِيِّ)؛ أي: ومُسلم.
وقوله: (مِنْ هَذِهِ الأَقْسَامِ)؛ أي: الستة المتقدمة.
وقوله: (مِئَةُ حَدِيْثٍ -كذا في نسخ، وصوابه: مئتا حديث بالتثنية- وعشرة) كما سلفَ.
وقوله: (شَارَكَهُ فِيْ كَثِيْرٍ … ) إلى آخره، ليسَ المرادُ أنَّه شاركه في روايته بل في الانتقاد بها، والمعنى أنَّهُمَا اشتركا في الانتقادِ عليهما في مجموع المئتي حديث وعشرة، ولكن البخاري لم يُخَرِّجْ مِنها إلَّا أقلَّ من ثمانين، كما سلفَ، والباقي خَرَّجَهُ مُسلم.
قوله: (فِيْ كَثِيْرٍ مِنْهَا) هو مئةٌ وثلاثون.
انظر ترجمة الذهلي في «سير أعلام النبلاء».
قوله: (وَأَمَّا الجَوَابُ عَمَّنْ طُعِنَ … ) إلى آخره، هذا غيرُ ما سبقَ في قوله: (وَأَمَّا الجَوَابُ عَمَّا انْتُقِدَ عَلَيْهِ … ) إلى آخره، فإنَّ ذلكَ في نفسِ الأحاديثِ وهذا في الرجال، ولِذَا عبَّرَ بلفظ (من) هنا، وبلفظ (ما) هناك.
قوله: (مِنْ إِطْلَاقِ جُمْهُوْرِ الأُمَّةِ) فيهِ ما سبقَ في قوله: (مَعَ إِطْلَاقِ جُمْهُوْرِ الأُمَّةِ) من أنَّ (على) زائدةٌ، أو أنَّ لفظ (إطلاق) مُحَرَّفٌ عن (إطباق).
قوله: (عَلَى تَعْدِيْلِ مَنْ ذُكِرَ فِيْهِمَا) محلُّهُ فيمنْ خرَّجَ له في الأصول، أمَّا مَنْ خرَّجَ له في المتابعات والشواهد والتعاليق فدرجاتهم متفاوتة في الضبط مع حصول اسم الصدق لهم كما سلف، وحينئذٍ فإذا وجدنا لغيره طَعنًا في أحدٍ منهم فذلك الطَّعن مقابلٌ لتعديل هذا الإمام بتخريجه له فلا يقبل إلَّا مبينَ السبب.
قوله: (لِأَنَّ أَسْبَابَ القَدْحِ كَمَا مَرَّ مُخْتَلِفَةٌ … ) إلى آخره؛ أي: فرُبَّمَا ظنَّ ما ليس بقادحٍ قادحًا، وقد وقع من جماعةٍ الطعنُ في جماعةٍ بسبب اختلافهم في العقائد، ولا يعتدُّ بذلك إلَّا بحقٍ، وكذا عابَ جماعةٌ من الورعين جماعةً دخلوا في أمر الدنيا فضعَّفوهم لذلك، ولا أثر له مع الصدق والضبط، وضعَّف بعضهم بعضًا تحاملًا، وغير ذلك مما لا عبرة به.
قوله: (وَيُرْسِلُ) الأَولى التعبيرُ بـ (أوْ).
قوله: (إِنْ كَانَ غَيْرَ دَاعِيَةٍ … ) إلى آخره، محلُّ هذا التفصيل في غير البِدعة المكفِّرة تكفيرًا متفقًا عليه، كما في غُلاة الروافض مِن دعوى بعضهم حلول الإلهية في عليٍّ أو غيره، أو الإيمان برجوعه إلى الدنيا قبل يوم القيامة أو غير ذلك، وليس في الصحيح من حديث هؤلاء شيءٌ البتة، فموضوعُ ذلك التفصيل في البدعة المُفسِّقة كبدع الخوارج والروافض الذين لا يغلون ذلك الغلو، وفي غيرهم من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافًا ظاهرًا، لكنه مستندٌ إلى تأويل ظاهر شائع، وما ذكره الشارحُ من التَّفصيل هو المُعتمد الذي جرى عليه الأئمة، بل ادَّعى ابن حبان إجماعَ أهلِ النقل عليه، وقيل: يُقبل مطلقًا، وقيل: يُرَد مطلقًا، والقائلون بما ذكره الشارح من التفصيل اختلفوا، فبعضهم أطلق كما أطلق الشارح.
وبعضهم زاد تفصيلًا فقال: إن اشتملت رواية غيرِ الدَّاعية على ما يُشيد ببدعته ويُزينها ظاهرًا فلا يقبل وإلَّا قُبل، وطَرَدَ بعضهم هذا التفصيل بعينهِ في عكسهِ في حقِّ الداعية، فقال: إن اشتملتْ روايته على ما تردُّ به بدعته قُبِلَ وإلَّا فلا، ثمَّ هذا الخلاف والتفصيل محله إذا كان ذو البدعة المذكورة معروفًا بالتحرز من الكذب مشهورًا بالسلامة من خوارم المروءة، موصوفًا بالديانة والعبادة، وإلَّا فلا خلاف ولا تفصيلَ في ردِّهِ، ولكن لا من حيثية البدعة، بل من حيثية عدم العدالة.
قوله: (إِنْ وَافَقَ غَيْرُ الدَّاعِيَةِ … ) إلى آخره، صريحهُ أنَّ هذا التفصيلَ الذي ذكرَهُ ابن دقيق العيد خاصٌّ بغيرِ الدَّاعية من المُبتدعة، وعامٌّ في جميع رواياته ما لم يتعلقْ منها ببدعته أصلًا وما كان له بها تعلقٌ، وصريحُ كلامِ الحافظ ابن حجر في «مقدمته» أنَّه عام في الداعية وغيره، خاص بالأول فقط، وعبارته: إذا اشتملت رواية المبتدع سواءٌ كان داعيةً أو لم يكنْ على ما لا تَعَلُّقَ لهُ ببدعتهِ أصلًا هل يُقبل مطلقًا أو يُرَدُّ مُطلقًا؟ مال أبو الفتح القُشَيْرِي إلى تفصيلٍ آخر فيه فقال: إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو، إخمادًا لبدعته
стр. 95
يُلتَفت إليه؛ إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره، وإن لم يوافقه أحدٌ، ولم يوجد ذلك الحديث إلَّا عنده، مع كونه صادقًا متحرِّزًا عن الكذب، مشهورًا بالتَّديُّن، وعدم تعلُّق ذلك الحديث ببدعته؛ فينبغي أن تُقدَّم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السُّنَّة على مصلحة إهانته.
وأمَّا المخالفة، وينشأ عنها الشُّذوذ والنَّكارة؛ فإذا روى الضَّابط والصَّدوق شيئًا، فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى؛ بحيث يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين فهذا شاذٌّ، وقد تشتدُّ المخالفة أو يضعف الحفظ، فيحكم على ما يخالف فيه بكونه مُنكَرًا، وهذا ليس في «الصَّحيح» منه سوى نزرٍ يسيرٍ.
وأمَّا الغلط؛ فتارةً يَكثُر من الرَّاوي، وتارةً يقلُّ، فحيث يُوصَف بكونه كثير الغلط يُنظَر فيما أُخرِج له، إن وُجِدَ مرويًّا عنده وعند غيره من رواية غير هذا الموصوف عُلِمَ أنَّ المعتمد أصل الحديث لا خصوص هذه الطَّريق، وإن لم يوجد إِلَّا من طريقه فهو قادحٌ يُوجِب التَّوقُّف عن الحكم بصحَّة ما هذا سبيله، وليس في «الصَّحيح» بحمد الله تعالى من ذلك شيءٌ.
وأمَّا الجهالة فمندفعةٌ عن جميع من أُخرِج لهم في «الصَّحيح»؛ لأنَّ شرط الصَّحيح أن يكون راويه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أنَّ أحدًا منهم مجهولٌ فكأنَّه نازع المصنِّف في دعواه أنَّه معروفٌ، ولا ريب أنَّ المدَّعي لمعرفته مقدَّمٌ على من يدَّعي عدم معرفته؛ لما مع المثبِت من زيادة العلم، ومع ذلك فلا نجد في رجال الصَّحيح من يُسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلًا.
وأمَّا دعوى الانقطاع فمدفوعةٌ عمَّن أخرج لهم البخاريُّ؛ لما عُلِمَ من شرطه، ولا نطيل بسرد أسمائهم وردِّ ما قِيل فيهم.
وأمَّا بيان موضوعه، وتفرُّده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة المنال؛ فاعلم أنَّه رحمه الله تعالى قد التزم مع صحَّة الأحاديث استنباطَ الفوائد الفقهيَّة، والنُّكت الحكميَّة، فاستخرج بفهمه الثَّاقب من المتون معانيَ كثيرةً، فرَّقها في أبوابه بحسب المُناسَبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام، وانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السُّبل الوسيعة، ومن ثمَّ أخلى كثيرًا من الأبواب عن ذكره إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: فلانٌ عن النَّبيِّ ﷺ ، ونحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير إسنادٍ، وقد يورده معلَّقًا؛ لقصد الاحتجاج لما ترجم له، وأشار للحديث؛ لكونه معلومًا أو سبق قريبًا، ويقع في كثيرٍ من أبوابه أحاديثُ كثيرةٌ، وفي بعضها حديثٌ واحدٌ، وفي بعضها آيةٌ من القرآن فقط، وبعضها لا شيءَ فيه ألبتَّة، وقد وقع في بعض نسخ الكتاب ضمُّ بابٍ لم يُذكَر فيه حديثٌ، إلى حديثٍ لم يُذكَر فيه بابٌ، فاستشكله بعضهم، لكن أزال الإشكال الحافظ أبو ذرٍّ الهرويُّ بما رواه عن الحافظ أبي إسحاق المُستملي، ممَّا ذكره أبو الوليد الباجيُّ -بالموحَّدة والجيم- في كتابه: «أسماء رجال البخاري»، قال: استنسخت كتاب البخاريِّ من أصله الذي كان عند الفَِرَبْريِّ، فرأيت أشياء لم تتمَّ وأشياء مُبيَّضةً، منها تراجمُ لم يُثْبت بعدها شيئًا، وأحاديث لم يُترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعضٍ. قال الباجيُّ: وممَّا يدلُّ على صحَّة ذلك، أنَّ رواية المُستملي والسَّرخسيِّ والكُشْمِيهَني وأبي زيدٍ المروزيِّ مختلفةٌ بالتَّقديم والتَّأخير، مع أنَّهم انتسخوها من أصلٍ واحدٍ، وإنَّما ذلك بحسب ما قد رأى كلُّ واحدٍ منهم فيما كان في طُرَّةٍ أو رقعةٍ مضافةٍ أنَّه من موضعٍ فأضافها إليه، ويبيِّن ذلك أنَّك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متَّصلةً ليس بينها أحاديثُ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه قاعدةٌ حسنةٌ يُفزَع إليها، حيث يتعسَّر الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضعُ قليلةٌ. انتهى. هذا
وإطفاء لناره، إلى آخر ما ذكره الشارح.
قوله: (إِجْمَاعًا) كذا في نسختنا، وهو تحريفٌ عن (إخمادًا) كما في عبارة «مقدمة الفتح» المتقدمة، وقد علمتَ ما في ذلك من الخلاف.
قوله: (بِخِلَافِ) متعلقٌ بـ (رواهُ).
قوله: (فَحَيْثُ يُوْصَفُ بِكَوْنِهِ كَثِيْر الغَلَطِ … ) إلى آخره، لم يذكرْ مقابلَهُ وهو: ما إذا وُصف بقلَّة الغلط كما يُقال: سيئُ الحفظ، أو له أوهام، أو له مناكير، أو غير ذلك من العبارات، قال ابن حجر: والحكم فيهِ كالحكمِ في مقابله، إلَّا أنَّ الروايةَ عن هؤلاء في المتابعات أكثرُ منها عند المصنف من الرواية عن أولئك. انتهى.
قوله: (لِمَا عُلِمَ مِنْ شَرْطِهِ)؛ أي: الذي منه أنَّه لا يروي إلَّا عن صادقٍ غير مدلسٍ ولا مُختلط، عدلٍ سليم الذهن، قليل الوهم، فلا يكون مجهولًا.
قوله: (المَنِيْعَةِ المَنَالِ) بفتح الميم وبالنون؛ أي: الممتنعة من أن ينالها غيره، قال في «مقدمة الفتح»: وإنَّما بلغتْ هذه الرتبةَ وفازت بهذه الحظوة لسببٍ عظيم أوجَب عظمها، وهو ما رواه أبو أحمد بن عدي عن عبد القدوس بن همام قال: شهدتُ عدةَ مشايخ يقولون: حوَّل البخاريُّ تراجم جامعه؛ -يعني: بَيَّضَهَا- بينَ قبرِ النَّبيِّ ﷺ ومنبرهِ، وكان يصلي لكل ترجمةٍ ركعتين. انتهى. وسيأتي بذكر ذلك الشارح.
قوله: (وَمِنْ ثَمَّ أَخْلَى كَثِيْرًا … ) إلى آخره؛ أي: من كونِ غرضه مع ذكرِ الأحاديثِ الصحيحةِ الاستنباط منها والاستدلال لأمورٍ أرادها لا خصوصَ ذكر الأحاديث فقط.
قوله: (وَبَعْضُهَا لَاْ شَيءَ فِيْهِ) ادَّعى قومٌ أنَّه صنعَ ذلك عمدًا، وغرضه أن يبين أنَّه لم يثبتْ عنده حديثٌ بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه، أفاده في الفتح ثم قال: ومن ثَمَّ وقعَ في بعضِ نسخ الكتاب … إلى آخر ما ذكرهُ الشارح.
قوله: (قَالَ البَاجِي … ) إلى آخره؛ نقلَ عنه الحافظ ابن حجر أنَّه قال بعد ما ذكر: وإنَّما أوردت هذا هناك لما عُنِيَ به أهل بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها وتكلفهم في ذلك من تَعَسُّف التأويل ما لا يسوغ. انتهى.
قوله: (قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَر: وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ … ) إلى آخره، قال بعد ذلك: ثم ظهرَ لي أنَّ البخاري مع ذلك فيما يورده من تراجم الأبواب إن وجدَ حديثًا يناسب ذلك الباب، ولو على وجهٍ خفيٍّ، ووافقَ شرطه أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحًا لموضوع كتابِه، وهي: «حدَّثنا» وما قام مقام ذلك، والعنعنة بشرطها عنده، وإن لم يجدْ فيه إلَّا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحُجَّةِ كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوقُ بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّ أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه حديثًا صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره وكان مما يُستأنس به ويقدمه قومٌ على القياس استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمةَ بابٍ، ثم أوردَ في ذلك إما آية من كتاب الله تشهدُ له أو حديثًا يؤيدُ عمومَ ما دلَّ عليه ذلك الخبرُ، وعلى هذا
стр. 96
الذي قاله الباجيُّ فيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ الكتاب قُرِئَ على مؤلِّفه، ولا ريب أنَّه لم يُقرَأ عليه إلَّا مُرَتَّبًا مُبوَّبًا، فالعبرة بالرِّواية، لا بالمُسوَّدة التي ذكر صفتها، ثمَّ إنَّ التَّراجم الواقعة فيه تكون ظاهرةً وخفيَّةً، فالظَّاهرة: أن تكون التَّرجمة دالَّةً بالمُطابَقة لما يورده في مضمَّنها، وإنَّما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبارٍ لمقدار تلك الفائدة، كأنَّه يقول: هذا الباب الذي فيه كيت وكيت وقد تكون التَّرجمة بلفظ المُترجَم له أو ببعضه أو بمعناه، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ التَّرجمة احتمالٌ لأكثرَ من معنًى واحدٍ، فيعيِّن أحد الاحتمالين بما يذكره تحتها من الحديث، وقد يوجد فيه عكس ذلك؛ بأن يكون الاحتمال في الحديث، والتَّعيين في التَّرجمة، والتَّرجمة هنا بيانٌ لتأويل ذلك الحديث، نائبةٌ مناب قول الفقيه مثلًا: المراد بهذا الحديث العامِّ الخصوصُ، أو بهذا الحديث الخاصِّ العمومُ؛ إشعارًا بالقياس؛ لوجود العلَّة الجامعة، أو أنَّ ذلك الخاصَّ المراد به ما هو أعمُّ ممَّا يدلُّ عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المُطلَق والمُقيَّد نظير ما ذكر في العامِّ والخاصِّ، وكذا في شرح المُشكِل، وتفسير الغامض، وتأويل الظَّاهر، وتفصيل المُجمَل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم «البخاريِّ»؛ ولذا اشتُهِر من قول جمعٍ من الفضلاء: فقه البخاريِّ في تراجمه، وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به، ويستنبط الفقه منه، وقد يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضمَره واستخراج خَبِيئه، وكثيرًا ما يفعل ذلك، أي هذا الأخير حيث يذكر الحديث المفسِّر لذلك في موضعٍ آخرَ متقدِّمًا أو متأخِّرًا، فكأنَّه يُحيلُ عليه ويومئ بالرَّمز والإشارة إليه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام، كقوله: باب هل يكون كذا؟ أو: من قال كذا؟ ونحو ذلك. وذلك حيث لا يتَّجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه: بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت، فيترجم على الحكم ومراده ما يُفسَّر بَعْدُ من إثباته أو نفيه، أو أنَّه محتملٌ لهما، وربَّما كان أحد المُحتمَلين أظهر، وغرضه أن يبقيَ للنَّاظر مجالًا، وينبِّه على أنَّ هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التَّوقُّف حيث يعتقد أنَّ فيه إجمالًا، أو يكون المدرَك مختلفًا في الاستدلال به، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ ظاهرٍ قليل الجدوى، لكنَّه إذا تحقَّقه المتأمِّل أجدى؛ كقوله: «باب قول الرجل: ما صلَّينا»، فإنَّه أشار به إلى الرَّدِّ على من كره ذلك، وكثيرًا ما يترجم بأمرٍ يختصُّ ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرَّأي؛ كقوله: «باب استياك الإمام بحضرة رعيَّتِه»؛ فإنَّه لمَّا كان الاستياك قد يُظَنُّ أنَّه من أفعال المهنة، فلعلَّ أن يُظَنَّ أنَّ إخفاءه أولى مراعاةً للمروءة، فلمَّا وقع في الحديث: أنَّه ﷺ استاك بحضرة الناس دلَّ على أنَّه من باب التَّطيُّب، لا من الباب الآخر، نبَّه على ذلك ابن دقيقٍ العيد. قال الحافظ ابن حجرٍ: ولم أرَ هذا في «البخاريِّ»، فكأنَّه ذكره على سبيل المثال.
وكثيرًا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديثٍ
فالأحاديثُ التي فيه على ثلاثة أقسام، وسيأتي تفصيل ذلك مشروحًا. انتهى.
قوله: (فِيْ ضِمْنِهَا) وقعَ في نسخ الطبع (في مضمنها) ولا معنى له إلَّا زيادة حرف الميم عند الجمعِ بلا قصدٍ.
قوله: (مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِتِلْكَ الفَائِدَةِ) لو قال: (من غير اعتبار فائدة ما، غير التنبيه على ما يورد فيها) كان أولى، ومراده أنَّه لم يُدرج في طَيِّها شيئًا من النُّكات والفوائد التي أدرجها في بقية التراجم التي هي القسم الخفي.
قوله: (كَيْتَ وَكَيْتَ) كنايةٌ عمَّا يُذكر من الأحاديث وغيرها عند الخليل وسيبويه، وعند ثعلب ومن تبعه أنَّ كيت وكيت كناية عن الأفعال، وذي وذيت كناية عن المقال، والأصل كيه وذيه لكنه أُبْدِلَ من الهاء تاءٌ وفُتِحَتْ لالتقاء الساكنين وطلبًا للتخفيف.
قوله: (تَحْتَهَا)؛ أي: الترجمة؛ أي: فيها.
قوله: (بِأَنْ يَكُوْنَ الاحْتِمَالُ فِيْ الحَدِيْثِ)؛ أي: بأن يكونَ عامًّا مخصوصًا أو خاصًّا مُرادًا به العموم.
قوله: (بِطَرِيْقِ الأَعْلَى أَوْ الأَدْنَى)؛ أي: بطريقِ القياسِ الأعلى وهو الأولوي، ويُسْمَى الجَليَّ كقياس الضربِ على التأفيف في التحريم، والأدنى ويسمى بالأدون والخفي، كقياس التفاح على البُرِّ في الرِّبَا، ويقال له: قياس الشَّبَه، وأمَّا المُساوي، ويقال له الواضح، فكقياس إحراقِ مالِ اليتيم على أكله في التحريم.
قوله: (شَحْذِ الأَذْهَانِ) بفتح الشين المعجمة وسكون الحاء المهملة وبالذال المعجمة؛ أي: تقويتها من شَحَذْتُ المُدْيَةَ أَشْحَذُهَا بفتحتين: أَحْدَدْتُهَا.
قوله: (أَيْ هَذَا الأَخِيْرَ) يريدُ تفسيرَ الغامضِ وتأويلَ الظَّاهِرِ.
قوله: (مَا يُفَسرُ)؛ أي: الذي يُفسره وعبارة «مقدمة الفتح»: ما يتفسرُ، وفي نسخٍ (مَا يَتَيَسَرُ).
قوله: (أنَّ فِيْهِ إِجْمَالًا) كذا في نسختنا، ولعلَّها احتمالًا كما هي عبارة «المقدمة الفتحية».
قوله: (أَوْ يَكُوْنُ المُدْرَكُ) قال في «المصباح»: والمُدْرَك بضم الميم يكون مصدرًا واسم زمان ومكان، تقول: أَدْرَكْتُهُ مُدْرَكًا؛ أي: إِدْرَاكًا، وهذا مُدْرَكُهُ؛ أي: موضعُ إِدْرَاكِهِ وزمنُ إِدْرَاكِهِ، ومَدَارِكُ الشَّرْعِ مواضعُ طلبِ الأحكامِ، وهي حيثُ يُستدلُّ بالنصوص والاجتهاد من مَدَارِكِ الشرعِ، والفقهاءُ يقولون في الواحد: مَدْرَكٌ، بفتح الميم وليس لتخريجه وجهٌ، وقد نصَّ الأئمةُ على طردِ البابِ فيُقال: مُفعل بضم الميم من أفعل، واستُثْنِيتْ كلماتٌ مسموعةٌ خرجتْ عن القياس، قالوا: المَأْوَى، مِن آويتُ، ولم يُسمعْ فيهِ الضَّمُّ، وقالوا: المَصْبَحُ والمَمْسَ لموضع الإصباح والإمساء ولوقته من أصبح وأمسى، والمَخْدَعُ من أَخْدَعْتُهُ أَوْثَقْتُهُ، أو حَمَلْتُهُ على المُخَادعة، وأجْزَأْتُ عنك مُجْزَأَ فُلانٍ، بالضم في هذه على القياس، وبالفتحِ شذوذًا، ولم يذكروا: المُدرَك فيما خرجَ عن القياس، فالوجهُ الأخذ بالأصول القياسية حتى يصحَّ سماعٌ، وقد نَظَمْتُ ذلكَ فقلتُ:
ومُفعلُ اضممْ فِي الرُّباعي غيرُ خمسةٍ … مأوًى افتحْهُ وَلا تضمَّنْ قطعا
ومَجزءُ المَمْسَى ومَصبحُ مَخدع … وذي معَ ضمٍّ فتحُهَا قدْ أتَى سَمْعَا
قوله: (كَقَوْلِهِ: بَابُ قَوْلِ الرَّجُلِ: مَا صَلَّيْنَا) ومنهُ قوله: (باب قول الرجل: فاتتنا الصلاة) أشارَ بذلك إلى الردِّ على
стр. 97
لم يصحَّ على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في التَّرجمة، ويورد في الباب ما يؤدِّي معناه تارةً بأمرٍ ظاهرٍ، وتارةً بأمرٍ خفيٍّ، من ذلك قوله: «باب الأمراء من قريش»، وهذا لفظ حديثٍ يُروَى عن عليٍّ، وليس على شرط البخاريِّ، وأورد فيه حديث: «لا يزال والٍ من قريش»، وربَّما اكتفى أحيانًا بلفظ التَّرجمة التي هي لفظ حديثٍ لم يصحَّ على شرطه، وأورد معها أثرًا أو آيةً، فكأنَّه يقول: لم يصحَّ في الباب شيءٌ على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدَّقيقة اعتقد مَن لم يمعن النَّظر أنَّه ترك الكتاب بلا تبييضٍ، وبالجملة؛ فتراجمه حيَّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل:
أعيا فحولَ العلم حَلُّ رموز ما … أبداه في الأبوابِ من أسرارِ (١)
وإنمَّا بلغت هذه المرتبة، وفازت بهذه المنقبة؛ لما رُوِيَ أنَّه بيَّضها بين قبر النَّبيِّ ﷺ ومنبره، وأنَّه كان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين.
وأمَّا تقطيعه للحديث واختصاره، وإعادته له في الأبواب وتكراره؛ فقال الحافظ أبو الفضل بن طاهرٍ في «جواب المتعنِّت»: اعلم أنَّ البخاريَّ - رحمه الله تعالى - كان يذكر الحديث في كتابه في مواضعَ، ويستدلُّ به في كل بابٍ بإسنادٍ آخر، ويستخرج منه معنًى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلَّما يورد حديثًا واحدًا في موضعين بإسنادٍ واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، وإنَّما يورده من طريقٍ أخرى لمعانٍ يذكرها، فمنها: أنَّه يخرِّج الحديث عن صحابيٍّ، ثمَّ يورده عن صحابيٍّ آخر؛ والمقصود منه: أن يُخْرِجَ الحديث من حدِّ الغرابة، وكذا يفعل في أهل الطَّبقة الثَّانية والثَّالثة وهلمَّ جرًّا إلى مشايخه، فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصَّنعة أنَّه تكرارٌ، وليس كذلك؛ لاشتماله على فائدةٍ زائدةٍ، ومنها: أنَّه صحَّح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كلُّ حديثٍ منها على معانٍ متغايرةٍ، فيورده في كلِّ بابٍ من طريقٍ غير طريق الأوَّل، ومنها: أحاديثُ يرويها بعض الرُّواة تامَّةً وبعضهم مُختصرةً، فيرويها كما جاءت؛ ليُزيل الشُّبهة عن ناقلها، ومنها: أنَّ الرُّواة ربَّما اختلفت عباراتهم، فحدَّث راوٍ بحديثٍ فيه كلمةٌ تحتمل معنًى آخر، فيورده بطرقه إذا صحَّت على شرطه، ويفرد لكلِّ لفظةٍ بابًا مفردًا، ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل، فاعتمده وأورد الإرسال منبِّهًا على أنَّه لا تأثيرَ له عنده في الموصول، ومنها: أحاديثُ تعارض فيها الوقف والرَّفع، والحكم فيها كذلك، ومنها: أحاديثُ زاد فيها بعض الرُّواة رجلًا في الإسناد، ونَقَصَهُ بعضُهم، فيوردها على الوجهين، حيث يصحُّ عنده أنَّ الرَّاوي سمعه من شيخٍ حدَّثه به عن آخر، ثمَّ لقي آخر فحدَّثه به، فكان يرويه على الوجهين، ومنها: أنَّه ربَّما أورد حديثًا عنعنه راويه، فيورده من طريقٍ أخرى، مصرِّحًا فيها بالسَّماع، على ما عُرِفَ من طريقه في اشتراط ثبوت اللِّقاء من المعنعن.
وأمَّا تقطيعه للحديث في الأبواب تارةً، واقتصاره منه على بعضه أخرى؛ فلأنَّه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض، وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنِّه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدةٍ حديثيَّةٍ، وهي إيراده له عن شيخٍ سوى الشَّيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك، فيُستفَاد بذلك كثرة الطُّرق لذلك الحديث، وربَّما ضاق عليه مَخْرَج الحديث حيث لا يكون له إِلَّا طريقٌ واحدٌ، فيتصرَّف حينئذٍ فيه، فيورده في موضعٍ موصولًا، وفي آخرَ معلَّقًا، وتارةً تامًّا، وأخرى مقتصرًا على طرفه الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملًا على جمل متعدِّدةٍ لا تَعَلُّقَ لإحداها بالأخرى فإنه يخرِّج كلَّ جملةٍ منها في بابٍ مستقلٍّ فرارًا من التَّطويل، وربَّما نَشِطَ فساقه بتمامه. وقد ذُكر أنَّه وقع في بعض نسخ البخاريِّ في أثناء «الحجِّ» بعد «باب قصر الخطبة بعرفة»، «باب التَّعجيل إلى الموقف»، قال أبو عبد الله: يُزاد في هذا الباب حديث مالكٍ عن ابن شهابٍ، ولكنِّي لا أريد أن أُدخِل فيه مُعادًا، وهذا كما قال في «مقدِّمة الفتح»: يقتضي أنَّه لا يتعمَّد أن يخرِّج في كتابه حديثًا مُعادًا بجميع إسناده ومتنه، وإن كان قد وقع له من ذلك شيءٌ فعن غير قصدٍ وهو قليلٌ جدًّا. انتهى.
قلت: وقد رأيت ورقةً بخطِّ الحافظ ابن حجرٍ تعليقًا، أحضرها إليَّ صاحبنا الشَّيخ العلَّامة المحدِّث البدر المشهديُّ، نصُّها: نبذةٌ من الأحاديث التي ذكرها البخاريُّ في موضعين سندًا ومتنًا:
حديثُ عبد الله بن مغفَّلٍ: «رمى إنسانٌ بجرابٍ فيه شحمٌ»
مَن كَرِهَ إطلاقَ هذا اللفظِ.
قوله: (بِأَثَرٍ) ظاهر عبارة ابن حجر: (بأمر) بالميم؛ فلعلَّ ما هنا تحريفٌ.
قوله: (مِنْ ذَلِكَ … ) إلى آخره، ومنه قوله: (باب: اثنان فما فوقهما جماعة) فهذا حديثٌ يُروى عن أبي موسى الأشعري، وليس على شرط البخاري، وأورد فيه: «فأذِّنا وأقيما وليؤمكما أحدكما».
قوله: (مِنْ أَسْتَارِ) (١)؛ أي: مستورُ أستارٍ، وفيه مَكْنِيَّةٍ لا تخفاكَ.
قوله: (فِيْ جَوَابِ المُتَعَنِّتِ) اسم كتابٍ، لابن طاهرٍ المذكور.
قوله: (بِإِسْنَادٍ آخَرَ)؛ أي: مصحوبًا بإسنادٍ آخر غير الإسناد الذي ذكرهُ له في البابِ الأول.
قوله: (فِيْ حَدِّ الغَرَابَةِ) كذا في نسختنا، والذي في «المقدمة الفتحية»: (عن حد) بلفظ (عن)، وهو المُتعين إذْ متى روى الحديثَ راوٍ آخرَ فقد خرج عن الغرابة، فرُبَّمَا ذكرَ أحد أنَّه غريب لعدم اطِّلاعِه فيوردهُ البخاري عن صحابي آخر، ردًّا على من زعمَ غرابَتَهُ.
قوله: (ثُمَّ لَقِيَ آخَرَ) كذا في نُسختنا وعبارةُ ابن حجر: (ثم لقي الآخر) بالتعريف، وهي ظاهرة.
قوله: (وَأَمَّا تَقْطِيْعُهُ لِلْحَدِيْثِ … ) إلى آخره، قال في «الملخص»: اختلفَ العلماءُ في اختصار الحديث الواحد ورواية بعضه دون بعض، فمنهم من منعَ بناءً على القول بالمنع من النقل بالمعنى، ومنهم مَن منع مع تجويزِ النقلِ بالمعنى إذا لم يكن قد رواه على التمام مرة أخرى، ولم يعلم أن غيره قد رواه تامًّا، ومنهم مَن جَوَّزَ ذلكَ وأطلقَ، والصحيحُ أن يُقالَ: إن كانَ ما تركه متميزًا عَمَّا نقلَهُ، غير متعلقٍ به جازَ؛ لأنَّهما والحالةُ هذه يصيران بمنزلة خبرين منفصلين لا تعلُّقَ لأحدهما بالآخر، وأما تقطيع المصنف الحديث الواحد وتفريقه في الأبواب فهو إلى الجوازِ أقربُ، ولا يخلو من كراهةٍ. انتهى.
قوله: (رُمِيَ إِنْسَانٌ بِجِرابٍ) ببناء (رَمَىَ) للفاعل ورفع (إنسان) على الفاعلية، (وَالجِرَابُ) بكسر الجيم، قال في «المصباح»: ولا يُقال (جَرَاب) بالفتح، قاله ابن السِّكِّيْتِ وغيره، وجمعُهُ: جُرُبٌ ككتاب، وكُتُبٌ، وسُمِعَ أَجْرِبَةٌ
стр. 98
في آخر «الخُمس» [خ¦٣١٥٣] وفي «الصَّيد والذَّبائح» [خ¦٥٥٠٨].
حديث «في نحر البدن» في «الحج» عن سهل بن بكَّارٍ عن وُهَيبٍ ذكره في موضعين متقاربين [خ¦١٧١٢] [خ¦١٧١٤].
حديث أنسٍ: «أُصِيب حارثة، فقالت أمُّه … » في «غزوة بدرٍ» [خ¦٣٩٨٢] وفي «الرِّقاق» [خ¦٦٥٥٠]
حديث: «أنَّ رجلين خرجا ومعهما مثل المصباحين» في «باب المساجد» [خ¦٤٦٥] وفي «باب انشقاق القمر» [خ¦٣٦٣٩].
حديث أنس: «أنَّ عمر استسقى بالعبَّاس» في «الاستسقاء» [خ¦١٠١٠] و «مناقب العبَّاس» [خ¦٣٧١٠].
حديث أبي بكرة: «إذا التقى المسلمان» في «باب وإن طائفتان» [خ¦٣١] من «كتاب الإيمان»، وفي «كتاب الدِّيات» [خ¦٦٨٧٥].
حديث أبي جُحيفة: «سألت عليًّا هل عندكم شيءٌ؟» في «باب العاقلة» [خ¦٦٩٠٣]، وفي «باب لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» [خ¦٦٩١٥].
حديث حذيفة حدَّثنا حديثين أحدهما: في «باب رفع الأمانة» من «الرِّقاق» [خ¦٦٤٩٧]، وفي «باب إذا بقي في حثالة» من «الفتن» [خ¦٧٠٨٦].
حديث أبي هريرة: «في قول رجلٍ من أهل البادية: لسنا أصحاب زرعٍ» في «كتاب الحرث» [خ¦٢٣٤٨]، وفي «التَّوحيد» في «كلام الرَّبِّ مع الملائكة» [خ¦٧٥١٩].
حديث عمر: «كانت أموال بني النَّضير» في «باب المِجَنّ» من «الجهاد» [خ¦٢٩٠٤]، وفي «التَّفسير» [خ¦٤٨٨٥].
حديث أبي هريرة: «بينا أيُّوب يغتسل عريانًا» في «أحاديث الأنبياء» [خ¦٣٣٩١] وفي «التَّوحيد» [خ¦٧٤٩٣].
حديث: «لا يقتسم ورثتي» في «الخُمس» [خ¦٣٠٩٦] وقبله في «الجهاد» [خ¦٢٧٧٦].
حديث عبد الله بن عمروٍ: «مَنْ قَتل معاهدًا» في «الجزية» «باب مَنْ قَتل معاهدًا» [خ¦٣١٦٦]، وفي «الدِّيات» «باب مَنْ قَتل ذميًّا» [خ¦٦٩١٤].
حديث أبي سعيدٍ: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيءٍ يستره» في «الصلاة» [خ¦٥٠٩]، وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٤].
حديث أبي هريرة: «وكَّلني بحفظ زكاة رمضان» في «الوكالة» [خ¦٢٣١١] وفي «صفة إبليس» [خ¦٣٢٧٥]، وفي «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠].
حديث عديِّ بن حاتمٍ: «جاء رجلان أحدهما يشكو العيلة» في «الصَّدقة قبل الرَّدِّ» [خ¦١٤١٣] وفي «علامات النُّبوَّة» [خ¦٣٥٩٥].
حديث أنس: «انهزم النَّاس يوم أُحُدٍ» في «غزوة أُحُد» في «الجهاد» [خ¦٢٨٨٠] و «مناقب طلحة» [خ¦٣٨١١].
حديث أبي موسى: «رأيتُ في المنام أنِّي أهاجر من مكَّة إلى أرضٍ ذات نخلٍ … » الحديث في «علامات النَّبوَّة» [خ¦٣٦٢٢] وفي «المغازي» [خ¦٣٩٠٥]، وفي «التَّعبير» [خ¦٧٠٣٥].
حديث ابن عبَّاس: «هذا جبريل» في «غزوة بدر» [خ¦٣٩٩٥] وفي «غزوة أُحُد» [خ¦٤٠٤١].
حديث جابرٍ: «أَمر عليًّا أن يقيم على إحرامه» في «الحجِّ» [خ¦١٥٥٧]، وفي «بعث عليٍّ» من «المغازي» [خ¦٤٣٥٢].
حديث عائشة: «كان يوضع لي المِرْكَن» في «الطَّهارة» [خ¦٢٥٠]، وفي «الاعتصام» [خ¦٧٣٣٩].
هذا آخر ما وجدته بخطِّ الحافظ ابن حجرٍ من ذلك، ورأيت في «البخاريِّ» أيضًا حديث أبي هريرة: «كان أهل الكتاب يقرؤون التَّوراة بالعبرانيَّة، ويفسِّرونها بالعربيَّة لأهل الإسلام» في «باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيءٍ» من «كتاب الاعتصام» [خ¦٧٣٦٢]، وفي «تفسير سورة البقرة» [خ¦٤٤٨٥]، وفي «باب ما يجوز من تفسير التَّوراة» في «كتاب التَّوحيد» [خ¦٧٥٤٢].
وأمَّا اقتصاره -أي: البخاريِّ- على بعض المتن من غير أن يذكر الباقي في موضعٍ آخر؛ فإنَّه لا يقع له ذلك في الغالب إلَّا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصَّحابيِّ، وفيه شيءٌ قد يُحكَم برفعه، فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع، ويحذف الباقي؛ لأنَّه لا تعلق له بموضوع كتابه، كما وقع له في حديث هُزَيل بن شُرحبيلَ عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: «إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإنَّ أهل الجاهلية كانوا يسيِّبون» [خ¦٦٧٥٣]. هكذا أورده، وهو مختصرٌ من حديثٍ موقوفٍ أوَّله: «جاء رجلٌ إلى عبد الله بن مسعودٍ، فقال: إنِّي أعتقت عبدًا لي سائبةً، فمات وترك مالًا ولم يدَعْ وارثًا، فقال عبد الله: إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون، وإنَّ أهل الجاهليَّة كانوا يسيِّبون، فأنت وليُّ نعمته، فلَكَ ميراثُه، فإن تأثَّمت وتحرَّجت في شيءٍ فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال». فاقتصر البخاريُّ على ما يُعطَى حكم الرَّفع من هذا الموقوف؛ وهو قوله: «إنَّ أهل الإسلام لا يسيِّبون»؛ لأنَّه يستدعي بعمومه النَّقل عن صاحب الشَّرع لذلك الحكم، واختصر الباقي؛ لأنَّه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى المواضع التي وقعت له من هذا الجنس، فقد اتَّضح أنَّه لا يعيد إلَّا لفائدةٍ، حتَّى لو لم يظهر لإعادته فائدةٌ من جهة الإسناد ولا من جهة المتن؛ لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه التَّرجمة الثَّانية موجبًا؛ لئلَّا يُعَدَّ تكرارًا بلا فائدةٍ، كيف لا وهو لا يُخْلِيْهِ مع ذلك من فائدةٍ إسناديَّةٍ، وهي إخراجه للإسناد عن شيخٍ غير الشَّيخ الماضي، أو غير ذلك.
وأمَّا إيراده للأحاديث المعلَّقة مرفوعةً وموقوفةً فيوردها تارةً مجزومًا بها؛ كـ «قال» و «فَعَلَ»، فلها حكم الصَّحيح، وغيرَ مجزومٍ بها؛ كـ «يُروَى» و «يُذكَر»، فالمرفوعُ تارةً يوجد في موضعٍ آخرَ منه موصولًا، وتارةً معلَّقًا: فالأوَّل -وهو الموصول- إنَّما يورده معلَّقًا حيث يضيق مخرج الحديث؛ إذ إنَّه لا يكرِّر إلَّا لفائدةٍ، فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكامٍ واحتاج إلى تكريره؛ يتصرَّف في الإسناد بالاختصار خوفَ التَّطويل.
أيضًا. انتهى.
قوله: (فِيْ آخِرِ الخُمُسِ) متعلقٌ بمحذوف، يدل عليه قوله: (ذَكَرَهَا البُخَارِيِّ فِيْ مَوْضِعَيْن … ) إلى آخره؛ أي: ذكرهُ فِيْ آخِرِ الخُمُسِ وَفِيْ الصَّيْدِ … إلى آخره، وكذا يُقالُ فيما بعده.
قوله: (حَدِيْثَيْن: أَحَدُهُمَا … ) إلى آخره، الذي في «صحيح البخاري» في البابين (حَدَّثَنَا حَدِيْثَيْن رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا … ) إلى آخره؛ أي: رأيتُ وأدركتُ مدلولَ أحدهما، وقوله: (فِيْ بَابِ رَفْعِ الأَمَانَةِ)؛ أي: ذكرَ هذا الحديثَ في (باب: رفع الأمانة … ) إلى آخره، وإن كانت عبارته تُوهمُ خلافَ ذلك.
قوله: (حُثَالَةٍ) هي بضم الحاء المهملة وبالثاء المثلثة: الرديء من كلِّ شيءٍ.
قوله: (فِيْ قَوْلِ رَجُلٍ) متعلقٍ بحديث، وأما قوله: (فِيْ كِتَابِ الحَارِثِ … ) إلى آخره، فمنَ النَّسق المتقدم.
قوله: (فِيْ بَابِ المِجَنِّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون التِّرس، وجمعه مَجان كدَوَاب، كما في «المصباح».
قوله: (مُعَاهَد) بفتح الهاء.
قوله: (العَيْلَة) بفتح العين المهملة؛ أي: الفقر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية [التوبة: ٢٨].
قوله: (المِرْكَن) بكسر الميم آخره نون، (الإِجَّانَةُ) بتشديد الجيم، وهي إناءٌ يُغسل فيه الثياب والجمع أجاجين.
قوله: (لَاْ يُسَيِّبُوْنَ) بضم الياء الأولى وكسر الثانية مشدَّدًا في «المصباح»: سابَ الفرسُ ونحوه يَسِيْبُ سَيَبَانًا: ذهب على وجهه، والسَّائِبَةُ أمُّ البَحِيْرَةِ، وقيل: كلُّ ناقةٍ تُسَيَّبُ لنَذْرٍ فترعى حيث شاءت.
والسائبة: العبدُ يُعتَق ولا يكون لمعتقهِ عليه ولاءٌ فيضعُ ماله حيث شاء.
قال ابن فارس: وهو الذي ورد النهي عنه، و (سَيَّبْتُهُ) بالتشديد فهو مُسَيَّبُ وباسم المفعول سُمِّيَ، ومنه سعيد بن المُسَيَّب، وهذا هو الأشهرُ فيهِ، وقيل: اسم فاعل، قاله عياض وابن المَدِيني، وقال بعضهم: أهلُ العراقِ يفتحونَ وأهلُ المدينةِ يكسرونَ، ويحكون عنه أنَّه كان يقول: سَيَّبَ الله من سَيَّبَ أبي. انتهى. وإنَّما نقلته كله لما اشتملَ عليه من الفوائد التي نحن بصددها خصوصًا وعمومًا.
قوله: (إِذْ إِنَّهُ لَا يُكَرِّرُ … ) إلى آخره؛ أي: إن قاعدته كذلك كما عبَّرَ به في
стр. 99
والثَّاني وهو ما لا يوجد فيه إلَّا معلَّقًا: فإمَّا أن يذكره بصيغة الجزم فيُستفاد منه الصِّحَّة عن المضاف إلى من علَّق عنه وجوبًا، لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث؛ فمنه ما يلحق بشرطه، ومنه ما لا يلحق.
فأمَّا الأوَّل: فالسَّبب في كونه لم يُوصِل إسناده؛ لكونه أخرج ما يقوم مقامه، فاستغنى عن إيراده مستوفيًا ولم يهمله، بل أورده معلَّقًا اختصارًا، أو لكونه لم يحصل عنده مسموعًا، أو سمعه وشكَّ في سماعه له من شيخه، أو سمعه مذاكرةً فلم يَسُقْهُ مَسَاق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه، فمن ذلك: أنَّه قال في «كتاب الوكالة»: قال عثمان بن الهيثم: حدَّثنا عوفٌ حدَّثنا محمَّد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: «وكَّلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان … » الحديث بطوله [خ¦٢٣١١]، وأورده في مواضع أُخَر؛ منها: في «فضائل القرآن» [خ¦٥٠١٠] وفي «ذكر إبليس» [خ¦٣٢٧٥]، ولم يقل في موضعٍ منها: حدَّثنا عثمان، فالظَّاهر أنَّه لم يسمعه منه، وقد استعمل البخاريُّ هذه الصِّيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدَّة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة: «قال فلانٌ»، ثمَّ يوردها في موضعٍ آخرَ بواسطةٍ بينه وبينهم، ويأتي لذلك أمثلةٌ كثيرةٌ في مواضعها. فقال في «التَّاريخ»: قال إبراهيم بن موسى: حدَّثنا هشام بن يوسف … ، فذكر حديثًا، ثمَّ قال: حدَّثوني بهذا عن إبراهيم، ولكن ليس ذلك مطَّردًا في كل ما أورده بهذه الصِّيغة، لكن مع هذا الاحتمال لا يَجْمُل حمل جميع ما أورده بهذه الصِّيغة على أنَّه سمع ذلك من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلِّسًا عنهم، فقد صرَّح الخطيب وغيره بأنَّ لفظ «قال» لا يُحمَل على السَّماع إلَّا ممَّن عُرِفَ من عادته أنَّه لا يطلق ذلك إلَّا فيما سمع، فاقتضى ذلك أنَّ من لم يُعرَف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال.
وأمَّا ما لا يلتحق بشرطه: فقد يكون صحيحًا على شرط غيره؛ كقوله في «الطَّهارة»: وقالت عائشة: «كان النَّبيُّ ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه» [خ¦٦/ ٧ - ٥١٠] فإنَّه حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ، أخرجه في «صحيحه»، وقد يكون حسنًا صالحًا للحجَّة؛ كقوله فيها: وقال بَهْزُ بن حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه: «الله أحقُّ أن يُستَحيا منه من النَّاس» [خ¦٥/ ٢٠ - ٤٦٩]، فإنَّه حديثٌ حسنٌ مشهورٌ عن بَهْزٍ، أخرجه أصحاب السُّنن، وقد يكون ضعيفًا، لا من جهة قدحٍ في رجاله، بل من جهة انقطاعٍ يسيرٍ في إسناده؛ كقوله في «كتاب الزَّكاة»: وقال طاوسٌ: قال معاذ بن جبلٍ لأهل اليمن: «ائتوني بعَرَضٍ ثيابٍ خَمِيْصٍ، أو لَبِيْسٍ في الصَّدقة مكان الشَّعير والذُّرة، أهونُ عليكم وخيرٌ لأصحاب محمَّدٍ ﷺ » [خ¦٢٤/ ٣٣ - ٢٢٧٩]، فإنَّ إسناده إلى طاوسٍ صحيحٌ، إلَّا أنَّ طاوسًا لم يسمع من معاذ.
وأمَّا ما يذكره بصيغة التَّمريض؛ فلا يُستَفَاد منه الصِّحَّة عن المضاف إليه، لكن فيه ما هو صحيحٌ، وفيه ما ليس بصحيحٍ، فالأوَّل: لم يوجد فيه ما هو على شرطه إلَّا في مواضعَ يسيرةٍ جدًّا، ولا يذكرها إلَّا حيث يذكر ذلك الحديث المعلَّق بالمعنى ولم يجزم بذلك؛ كقوله في «الطِّبِّ»: ويذكر عن النَّبيِّ ﷺ في الرُّقَى بفاتحة الكتاب [خ¦٥٧٣٦]، فإنَّه أسنده في موضعٍ آخرَ من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مُليكة عن ابن عبَّاسٍ: «أنَّ نفرًا من أصحاب النَّبيِّ ﷺ مرُّوا بحيٍّ فيه لديغٌ … » [خ¦٥٧٣٧]، فذكر الحديث في رقيتهم للرَّجل بفاتحة الكتاب، وفيه قوله ﷺ لمَّا أخبروه بذلك: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله»، فهذا لمَّا أورده بالمعنى؛ لم يجزم به؛ إذ ليس في الموصول أنَّه ﷺ ذكر الرُّقية بفاتحة الكتاب، إنَّما فيه أنَّه لم ينههم عن فعلهم، فاستُفيد ذلك من تقريره.
وأمَّا ما لم يورده في موضعٍ آخر ممَّا أورده بهذه الصِّيغة:
فمنه: ما هو صحيحٌ إلَّا أنَّه ليس على شرطه؛ كقوله في «الصَّلاة»: ويذكر عن عبد الله بن السَّائب قال: «قرأ النَّبيُّ ﷺ (المؤمنون) في صلاة الصُّبح، حتَّى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى؛ أخذته سَعْلةٌ فركع» [خ¦٧٧٥]، وهو حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ أخرجه في «صحيحه».
ومنه: ما هو حسنٌ، كقوله في «البيوع»: ويُذكر عن عثمان بن عفَّان ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا بِعْتَ فاكْتَلْ» [خ¦٢١٢٦]، وهذا الحديث قد رواه الدَّارقطنيُّ من طريق عبيد الله بن المغيرة، وهو صدوقٌ عن منقذ مولى عثمان، وقد وُثِّقَ عن عثمان، وتابعه عليه سعيد بن المسيَّب، ومن طريقه أخرجه أحمد في «المُسنَد»، إلَّا أنَّ في إسناده ابن لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» من حديث عطاء عن عثمان، وفيه انقطاعٌ، فالحديث حسنٌ؛ لما عضده من ذلك.
ومنه: ما هو ضعيفٌ فردٌ، إلَّا أنَّ العمل على موافقته، كقوله في «الوصايا» عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه قضى بالدَّين قبل الوصيَّة» [خ¦٢٧٥٠]، وقد رواه التِّرمذيُّ موصولًا من حديث أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن الحارث الأعور عن عليٍّ، والحارث ضعيفٌ، وقد استغربه التِّرمذيُّ، ثمَّ حكى إجماع أهل المدينة على القول به.
ومنه: ما هو ضعيفٌ فردٌ لا جابرَ له، وهو في «البخاريِّ» قليلٌ جدًّا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقَّبه المصنِّف بالتَّضعيف بخلاف ما قبله.
ومن أمثلته: قوله في «كتاب الصَّلاة»: ويذكر عن أبي هريرة رفعه: «لا يتطوَّع الإمام
«مقدمة الفتح».
قوله: (فَإِمَّا أَنْ يَذْكُرَهُ … ) إلى آخره، أصلُ عبارة «مقدمة الفتح»، والثاني هو: ما لا يوجد فيه إلَّا مُعَلَّقًا فإنَّهُ على صورتين: إمَّا أن يُورده بصيغةِ الجزمِ وإمَّا أن يُورده بصيغة التمريض، فالصيغة الأولى يُستفادُ منها الصحةُ إلى مَن عَلَّقَ عنهُ، لكن يَبْقَى النَّظَرَ فيمنْ أبرزَ من رجال ذلك الحديث، فمنه ما يلتحق بشرطه ومنه ما لا يلتحق، أما ما يلتحقُ فالسبب في كونه لم يوصل إسناده إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه فاستغنى عن إيراد هذا مستوفَى السياق ولم يهمله، بل أورده بصيغة التعليق طلبًا للاختصار، وإمَّا لكونه لم يحصل عنده مسموعًا، أو سمعه وشكَّ في سماعه له من شيخه، أو سمعه من شيخه مذاكرةً، فما رأى أنَّه يسوقه مساقَ الأصل وغالب هذا … إلى آخر ما ذكره الشارح.
قوله: (بِعَرَضٍ) بفتح العين المهملة والراء منونًا، و (ثِيَابٍ) بالجرِّ بدل أو عطف بيان له، وجوَّزَ بعضهم الإضافة، و (خَمِيْص) بفتح الخاء المعجمة آخره صاد مهملة: كساء له عَلَمان، و (لَبِيْس) بفتح اللام وكسر الموحدة، آخره سين مهملة فعيل بمعنى مفعول؛ أي: ملبوس، وقوله: (أَهْوَنُ) بالرفع خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك أهون … إلى آخره.
قوله: (أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ) ضبطه النووي والقاضي عياض بفتح السين، وفي «القاموس»: سَعَلَ كنَصَرَ سُعْالًا وسُعْلَةً بضمهما، وهي حركةٌ تدفعُ بها الطبيعة أذى الرئة والأعضاء التي تتصل بها.
стр. 100
في مكانه» [خ¦٨٤٨] ولم يصحَّ، وهو حديثٌ أخرجه أبو داود من طريق ليث بن أبي سُليمٍ عن الحجَّاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة، وليث بن أبي سليمٍ ضعيفٌ، وشيخ شيخه لا يُعرَف، وقد اختُلِف عليه فيه.
فهذا حكم جميع ما في «البخاريِّ» من التَّعاليق المرفوعة بصيغتي الجزم والتَّمريض.
وأمَّا الموقوفات؛ فإنَّه يجزم فيها بما صحَّ عنده، ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في إسناده ضعفٌ أو انقطاعٌ إلَّا حيث يكون منجبرًا، إمَّا بمجيئه من وجهٍ آخر، وإمَّا بشهرته عمَّن قاله، وإنَّما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصَّحابة ﵃ والتَّابعين، وكتفاسيرهم لكثيرٍ من الآيات على طريق الاستئناس، والتَّقوية لما يختاره من المذاهب
في المسائل التي فيها الخلاف بين الأئمَّة، فحينئذٍ ينبغي أن يُقال: جميع ما يورده فيه: إمَّا أن يكون ممَّا ترجم به، أو ممَّا تُرجِم له، فالمقصود في هذا التَّأليف بالذَّات هو الأحاديث الصَّحيحة، وهي التي تُرجِم لها، والمذكور بالعرض والتَّبع الآثار الموقوفة والآثار المعلَّقة، نعم، والآيات المكرَّمة، فجميع ذلك مترجمٌ به، إلَّا أنَّه إذا اعتُبِرت بعضها مع بعض، واعتُبِرت أيضًا بالنِّسبة إلى الحديث، يكون بعضها مع بعضٍ منها مفسِّرٌ ومفسَّرٌ، ويكون بعضها كالمُترجَم له باعتبارٍ، ولكن المقصود بالذَّات هو الأصل، فقد ظهر أنَّ موضوعه إنَّما هو للمسندات، والمعلَّق ليس بمسندٍ؛ ولذا لم يتعرَّض الدَّارقطنيُّ فيما تتبَّعه على «الصَّحيحين» إلى الأحاديث المعلَّقات؛ لعلمه بأنَّها ليست من موضوع الكتاب، وإنَّما ذكرت استئناسًا واستشهادًا. انتهى. من «مقدِّمة فتح الباري» بحروفه، وبالله تعالى التَّوفيق والمستعان.
وأمَّا عدد أحاديث «الجامع»؛ فقال ابن الصَّلاح: سبعة آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعون -بتأخير الموحَّدة عن السين فيهما- بالأحاديث المكرَّرة، وتبعه النَّوويُّ وذكرها مُفصَّلةً، وساقها ناقلًا لها من كتاب «جواب المتعنِّت» لأبي الفضل بن طاهرٍ، وتعقَّب ذلك الحافظ أبو الفضل ابن حجرٍ رحمه الله تعالى بابًا بابًا محرِّرًا ذلك، وحاصله أنَّه قال: جميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حرَّرته وأتقنته سبعة آلافٍ -بالموحَّدة بعد السِّين- وثلاث مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مئةَ حديثٍ واثنين وعشرين حديثًا، والخالص من ذلك بلا تكرارٍ ألفا حديثٍ وستُّ مئةٍ وحديثان، وإذا ضمَّ له المتون المعلَّقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضعٍ آخر منه، وهي مئةٌ وتسعةٌ وخمسون؛ صار مجموع الخالص ألفي حديثٍ وسبع مئةٍ وإحدى وستِّين حديثًا. وجملة ما فيه من التَّعاليق ألفٌ وثلاثة مئةٍ وأحدٌ وأربعون حديثًا، وأكثرها مكرَّرٌ مخرَّجٌ في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم تخرَّج في الكتاب -ولو من طريقٍ أخرى- إلَّا مئةٌ وستُّون حديثًا، وجملة ما فيه من المتابعات والتَّنبيه على اختلاف الرِّوايات ثلاث مئةٍ وأربعةٌ وأربعون حديثًا، فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرَّر تسعة آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا، خارجًا عن الموقوفات على الصَّحابة، والمقطوعات على التَّابعين، فمن بعدهم.
وأمَّا عدد كتبه فقال في «الكواكب»: إنَّها مئةٌ وشيءٌ، وأبوابه ثلاثة آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون بابًا، مع اختلافٍ قليلٍ في نسخ الأصول.
وعدد مشايخه
قوله: (بِصِيْغَتَيِ الجَزْمِ وَالتَّمْرِيْضِ) في «المقدمة الفتحية» بعد ذلك ما نصه: وهاتان الصيغتان قد نقلَ النووي اتفاقَ محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارهما، وأنَّه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف؛ لأنَّها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه، ولا ينبغي أن يُطلقا إلَّا فيما صحَّ، قال: وقد أهملَ ذلكَ كثيرٌ من المُصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتدَّ إنكارُ البيهقي على مَن خالف ذلك، وهو تساهلٌ قبيحٌ جدًا من فاعله أن يقول في الصحيح: (يذكر، ويُرْوَى) وفي الضعيف: (قال، وروى) وهذا قلبٌ للمعاني وَحَيْدٌ عن الصوابِ، قال: وقد اعتنى البخاري باعتبار هاتين الصيغتين فأعطاهما حكمهما في صحيحه؛ فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريضٍ وبعضه بجزم مُراعيًا ما ذكرنا، وهذا مُشعر بتحرِّيهِ وورعه، وعلى هذا فيحمل قوله: (ما أدخلت في الجامع إلَّا ما صح)؛ أي: مما سُقت إسناده. انتهى كلامه.
قال: وقد تبيَّنَ ممَّا فصلنا به أقسام تعاليقه أنَّه لا يفتقرُ إلى هذا الحمل، وأن جميع ما فيه صحيحٌ باعتبار أنَّه كله مقبولٌ ليس فيه ما يردُّ مُطلقًا. انتهى.
قوله: (بِحُرُوْفِهِ)؛ أي: في الغالبِ.
قوله: (وَأَمَّا عَدَدُ أَحادِيْثِ الجامِعِ)؛ أي: الذي هو «صحيح البخاري»، والمراد من الأحاديث المُسندة، كما ذكره النووي.
قوله: (بِالأَحَادِيْثِ المُكَرَّرَةِ) وأما بدونها فأربعة آلاف، كما في «شرح التقريب».
وفيه قال العراقي: هذا مُسَلَّمٌ في رواية الفرَبْريِّ، وأما رواية حمَّاد بن شاكر فهي دونَ رواية الفرَبْريِّ بمئتي حديث، ورواية إبراهيم بن معقل دونها بثلاثمئة.
قال شيخ الإسلام: وهذا قالوه تقليد للحمُّويي، فإنَّه كتب البخاري عنه، وعدَّ كلَّ بابٍ منهُ ثم جمعَ الجُمْلَةَ، وقَلَّدَهُ كلُّ من جاءَ بعده؛ نظرًا إلى أنَّه راوي الكتاب وله به العنايةُ التامة.
قال: ولقد عَدَدْتُهَا وحَرَّرْتُهَا فبلغتْ بالمكررة سوى المُعلقات والمتابعات سبعةَ آلاف وثلاثمئة وسبعة وتسعين حديثًا، وبدون المكررة ألفين وخمسمئة وثلاثة عشر حديثًا، وفيه من التعاليق ألف وثلاثمئة وأحد وأربعون، وأكثرها مُخرَّج في أصول متونه، والذي لم يُخرجه مئة وستون.
وفيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثمئة وأربعة وثمانون، هكذا وقع في شرح البخاري، ونُقل عنه ما يخالف هذا يسيرًا. انتهى.
وفيه مخالفةٌ لما ذكره الشارح عن تحرير الحافظ ابن حجر في عدِّ غيرِ المُكرر، وقد اشتملَ كتابه وكتاب مسلم على ألف ومئتي حديث من الأحكام؛ روت عائشة من جملتها مئتين ونيفًا وسبعين فحُمِل عنها ربع الشريعة.
ومن الغرائب ما نقل عن البخاري أنَّه صَنَّفَ كتابًا أورد فيه مئة ألف حديثٍ صحيح. ذكره العيني.
فائدة: ذكر مَنْلَا عَلِي القَاري في «شرحه للشفاء» أنَّ الحَمُّويي بفتح المهملة وضم الميم المشددة وكسر الواو آخره ياء، نسبةً إلى جده حَمُّوِيه: وهو عبد الله بن محمد بن حمويه السَّرَخْسِي، قال: توفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة.
قوله: (فِيْ الكَوَاكِبِ)؛ أي: الدراري، اسم شرح على الكتاب للكرماني.
قوله: (وَأَبْوَابُهُ ثَلَاثَةُ آلَافٍ … ) إلى آخره، فصَّلها
стр. 101
الذين خرَّج عنهم فيه مئتان وتسعةٌ وثمانون، وعدد من تفرَّد بالرِّواية عنهم دون مسلمٍ مئةٌ وأربعةٌ وثلاثون، وتفرَّد أيضًا بمشايخَ لم تقع الرِّواية عنهم لبقية أصحاب الكتب الخمسة إلَّا بالواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثًا ثلاثيَّات الإسناد، والله سبحانه الموفِّق والمعين.
وأمَّا فضيلة «الجامع الصَّحيح»: فهو -كما سبق- أصحُّ الكتب المؤلَّفة في هذا الشَّأن، والمُتلقَّى بالقبول من العلماء في كلِّ أوانٍ، قد فاق أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتَّقدُّم الصَّناديد العِظَام، والأفاضل الكرام، ففوائده أكثر من أن تُحصَى، وأعزُّ من أن تُستقصَى، وقد أنبأني غير واحدٍ عن المسندة الكبيرة عائشة بنت محمَّد بن عبد الهادي: أنَّ أحمد بن أبي طالبٍ أخبرهم: عن عبد الله بن عمر بن عليٍّ: أن أبا الوقت أخبرهم عنه سماعًا قال: أخبرنا أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الهروِيُّ شيخ الإسلام، سمعت خالد بن عبد الله المروزيَّ يقول: سمعت أبا سهلٍ محمَّد بن أحمد المروزيَّ يقول: سمعت أبا زيدٍ المروزيَّ يقول: «كنت نائمًا بين الرُّكن والمقام، فرأيت النَّبيَّ ﷺ في المنام، فقال لي: يا أبا زيدٍ؛ إلى متى تدرس كتاب الشَّافعيِّ وما تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله؛ وما كتابك؟ قال: جامع محمَّد بن إسماعيل».
وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وأمَّا «جامع البخاريِّ الصَّحيح»؛ فَأَجَلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى، قال: وهو أعلى في وقتنا هذا إسنادًا للنَّاس، ومن ثلاثين سنةً يفرحون بعلوِّ سماعه، فكيف اليوم؟! فلو رحل الشَّخص لسماعه من ألف فرسخٍ؛ لَمَا ضاعت رحلته. انتهى.
وهذا قاله الذَّهبيُّ ﵀ في سنة ثلاثَ عَشْرَةَ وسبعِ مئةٍ.
ورُوِيَ بالإسناد الثَّابت عن البخاريِّ أنَّه قال: رأيت النَّبيَّ ﷺ وكأنَّني واقفٌ بين يديه، وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المعبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج «الجامع الصَّحيح»، وقال: ما كتبت في «الجامع الصَّحيح» حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وقال: خرَّجته من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وصنَّفته في ستَّ عشْرةَ سنةً، وجعلته حجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى، وقال: ما أدخلت فيه إلَّا صحيحًا، وما تركت من الصَّحيح أكثرُ حتَّى لا يطولَ، وقال: صنَّفت كتابي «الجامع» في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتَّى استخرت الله تعالى وصلَّيت ركعتين، وتيقَّنت صحَّته.
قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله تعالى: والجمع بين هذا وبين ما رُوِيَ: أنَّه كان يصنِّفه في البلاد: أنَّه ابتدأ تصنيفه وترتيب أبوابه في المسجد الحرام، ثمَّ كان يخرِّج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويدلُّ عليه قوله: إنَّه أقام فيه ستَّ عشْرةَ سنةً، فإنَّه لم يجاور بمكَّة هذه المدَّة كلَّها.
وقد روى ابن عديٍّ عن جماعةٍ من المشايخ: أنَّ البخاريَّ حوَّل تراجم «جامعه» بين قبر النَّبيِّ ﷺ ومنبره، وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتين، ولا ينافي هذا أيضًا ما تقدَّم؛ لأنَّه يحمل على أنَّه في الأوَّل كتبه في المُسودَّة، وهنا حوَّله من المُسوَّدة إلى المُبيضَّة.
وقال الفَِرَبْريِّ: قال لي محمَّد بن إسماعيلَ: ما وضعت في الصَّحيح حديثًا إلَّا اغتسلت قبل ذلك وصلَّيت ركعتين، وأرجو أن يبارك الله تعالى في هذه المصنَّفات.
وقال الشَّيخ أبو محمَّدٍ عبد الله بن أبي جَمْرَة: قال لي مَن لقيت من العارفين عمَّن لقيه من السَّادة المُقَرِّ لهم بالفضل: إنَّ «صحيح البخاريِّ» ما قُرِئَ في شدَّةٍ إِلَّا فُرِجَت، ولا رُكِبَ به في مركبٍ فغرق. قال: وكان مُجابَ الدُّعاء، وقد دعا لقارئه رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: وكتاب البخاريِّ «الصَّحيح» يُستسقَى بقراءته الغمامُ، وأجمع على قبوله وصحَّة ما فيه أهلُ الإسلام. وما أحسن قول البرهان القيراطيِّ ﵀:
حدِّث وشنِّف بالحديث مسامعي … فحديثُ مَنْ أهوى حليُّ مسامعي
لله ما أحلى مكرَّره الذي … يحلو ويعذب في مذاق السَّامع
بسماعه نلتُ الذي أمَّلتُه … وبلغتُ كلَّ مطالبي ومطامعي
وطلعتُ في أفق السَّعادة صاعدًا … في خير أوقاتٍ وأسعدِ طالعِ
ولقد هُديتُ لغاية القصد التي … صحَّت أدلَّته بغير ممانعِ
وسمعت نصًّا للحديث معرَّفًا … ممَّا تضمَّنه كتاب «الجامع»
وهو الذي يُتلَى إذا خَطْبٌ عَرا …
الشيخ العيني في مقدمة شرحه، وسيأتي للشارح سردها في القصيدة الآتية.
قوله: (تَدْرُسُ كِتَابَ الشَّافِعِيِّ) في «القاموس»: درس الكتاب يَدْرُسُهُ ويَدْرِسُهُ؛ أي: بضمِّ الراء وكسرها دَرْسًا ودِرَاسَةً، قرأهُ، كأَدْرَسَهُ ودَرَّسَهُ. انتهى.
قوله: (لَما ضَاعَتْ رِحْلَتُهُ) الرِّحْلَةُ بالكسر والضم لغة: اسم من الارتحال، وقال أبو زيد: الرّحلة بالكسر اسم من الارتحال، وبالضمِّ الشيء يُرتحل إليه، فيُقالُ: قَرُبَتْ رِحلتنا بالكسر، وأنت رُحْلَتُنَا بالضم: أي المقصد الذي نقصده. انتهى.
قوله: (وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ) بكسر الميم آلة يروَّح بها؛ أي: يجلب بها الهواء.
وقوله: (أَذُبُّ عَنْهُ) من باب: قتلَ؛ أي: أَدْفَعُ، كما في «المصباح».
قوله: (فَهُوَ الَّذِي حَمَلَنِي … ) إلى آخره، قد يُقال هذا يُعارض ما أسلفناهُ عنه أنَّه قال: كنا عند إسحاق ابن رَاهُوْيَه فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النَّبيِّ ﷺ ، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح، قلتُ: يُمكنُ الجمع بحصولِ كلٍّ ولا مانع من تعددِ السببِ.
قوله: (مَا أَدْخَلْتُ فِيْهِ إِلَّا صَحِيْحًا) تقدَّمَ أنَّ المرادَ: ما ذكرتَ فيهِ مُسندًا إلَّا ما صحَّ.
وقال القُرطبي: وكذلك لا يُعَلِّقُ في كتابه إلَّا ما كان صحيحًا في نفسه مُسندًا كذلك لكنه ليس على شرطه، فلم يسنده ليفرِّقَ بين ما كان على شرطه في أصل كتابه وما كان ليس كذلك.
قوله: (ثُمَّ كَانَ يُخَرِّجُ الأَحَادِيْثَ بَعْدَ ذَلِكَ … ) إلى آخره، يظهُر لي عكسُ ذلك، وأنَّه خَرَّجَ الأحاديث أولًا في تلك المدة وجمعها في مُسوداتها، ثم ترجم لها وبيضها في المسجد الحرام، وبين قبر ومنبر النَّبيِّ ﵊.
قوله: (الغَمَام)؛ أي: المطر.
قوله: (وشَنِّفَ) بالشين المعجمة والنون، آخره فاء؛ أي: زيِّنْ مسامعي بالحديث الشبيه بالشَّنف، وهو ما يُعلق في رأسِ الأذنِ.
والقُرْط بضم القاف ما يعلق في أدناها، وفي الكلام تصريحية أو مكنية.
قوله: (فَحَدِيْثُ مَنْ أَهْوَاهُ … ) إلى آخره، في نسخٍ ثبوتُ الضمير في أهواه، وفي أخرى حذفه، فعلى ثبوته يتعين في (حلي) أن يكون بفتح الحاء المهملة وسكون اللام، وهو: ما تتحلى به المرأة، وعلى حذفه يكون بضم الحاء وكسر اللام، جمع حلي المذكور، وأصله على فعول مثل فَلْس وفُلُوس، كما في «المصباح» وعلى كلٍّ ففي (المَسامع) مكنيَّةٌ لا تخفى.
قوله: (فِيْ مَذَاقِ السَّامِعِ)؛ أي: في ذوقه.
قوله: (إِذَا خَطْبٌ) بفتح
стр. 102
فتراه للمحذور أعظَم دافعِ
كم من يدٍ بَيْضَا حواها طِرْسُه … تُومي إلى طُرُق العلا بأصابعِ
وإذا بدا باللَّيل أسودُ نقشه … يجلو علينا كلَّ بدرٍ ساطعِ
مَلَكَ القلوبَ به حديثٌ نافعٌ … ممَّا رواه مالكٌ عن نافعِ
في سادةٍ ما إن سمعتَ بِمثلهم … من مُسمِعٍ عالي السَّماعِ وسامعِ
وقراءة القاري له ألفاظه … تغريدها يزري بسجْع السَّاجعِ
(وقول الآخر):
وفتى بُخارى عند كلِّ محدِّثٍ … هو في الحديث جُهينةُ الأخبارِ
لكتابه الفضلُ المبينُ لأنَّه … أسفاره في الصُّبح كالإسفار
كم أزهرت بحديثه أوراقُه … مثل الرِّياض لصاحب الأذكارِ
أَلِفَاتُه مثلُ الغصونِ إذا بدت … من فوقها الهمزاتُ كالأطيارِ
بجوامعِ الكَلِمِ التي اجتمعت به … متفرِّقاتُ الزُّهرِ والأزهارِ
وقول الشَّيخ أبي الحسن عليِّ بن عبيد الله بن عمر الشَّقِّيع -بالشِّين المُعجمَة، والقاف المكسورة المُشدَّدة، وبعد التَّحتيَّة السَّاكنة عينٌ مُهملَةٌ- النَّابلسيِّ، المُتوفَّى بالقاهرة سنة ستَّ عشْرةَ وتسع مئةٍ:
خُتِم الصَّحيحُ بِحمْدِ ربِّي وانتهى … وأرى به الجاني تقهقر وانتهى
فسقى البخاري جُودُ جَوْدِ سحائبٍ … ما غابت الشِّعرى وما طلعَ السُّهى
الحافظُ الثِّقةُ الإمامُ المُرتضَى … مَنْ سار في طلبِ الحديث وما وهى
طَلَبَ الحديثَ بكلِّ قطرٍ شاسعٍ … وروى عن الجمِّ الغفير أُولي النُّهى
ورواه خلقٌ عنه وانتفعوا به … وبفضله اعترف البريةُ كلُّها
بحرٌ بجامعه الصَّحيح جواهرٌ … قد غاصها فاجهد وغُصْ إن رُمْتَها
واروي أحاديثًا معنعنةً زهتْ … تحلو لذائقِها إذا كرَّرتها
وللإمام أبي الفتوح العجلي:
صحيحُ البخاريِّ يا ذا الأدبْ … قويُّ المتون عَلِيُّ الرُّتبْ
قويمُ النِّظام بهيجُ الرُّواء … خطيرٌ يروجُ كنقد الذَّهبْ
فتبيانُه مُوضِحُ المعضِلاتِ … وألفاظه نخبةٌ للنُّخبْ
مفيدُ المعاني شريفُ المعالي …
الخاء المعجمة وإسكان الطاء آخره موحدة: الأمر العظيم الهائل الذي يستحق أن يُخطب له.
قوله: (طِرْسُه) بكسر الطاء المهملة: الصحيفة، أو التي مُحيت ثم كتبت، وجمعه أطراس وطروس.
قوله: (أَسْوَدُ نِقْشِهِ) بكسر النون وبالقاف والسين المهملة؛ أي: خطُّه الأسود.
وقوله: (يَجْلُو … ) إلى آخره، بالجيم المعجمة؛ أي: يُوضح ويكشف، يقال: جَلا الخبر للناس جلاءً بالفتح والمدِّ: وضحَ وانكشف فهو جليٌّ، وجَلَوْتُهُ: أوضحته يتعدى ولا يتعدى. انتهى «مصباح».
وقوله: (كُلَّ بَدْرٍ سَاطِعٍ) إما مُستعارٌ للأحاديث أو رجالها، والأول هو الظاهر.
قوله: (حَدِيْثٌ نَافِع) بتنوين لفظِ «حديثٍ» رفعًا على الفاعلية لـ «مَلَكَ» ونافع صفةٌ له؛ أي: ينفع المُتَمَسِّك به في دينه ونحو ذلك، وأمَّا نافع القافية فشيخُ مالكٍ، وبينه وبين الأول تمامُ الجِنَاسِ.
قوله: (مِنْ مُسْمِعٍ) بضم الميم الأولى وكسر الثانية.
قوله: (أَلْفَاظُهُ تَغْرِيْدُهَا … ) إلى آخره، مبتدآن أخبر عنهما بقوله (يُزْرِي … ) إلى آخره، والكلامُ على تقديرِ مُضافٍ: أي صوتُ ألفاظه؛ -أي: القارئ- يُزْرِي تَغْرِيْدُهُ؛ -أي: تطريبه في صوته- من غَرَّدَ يغردُ كتَعِبَ إذا طَرِبَ في صوته وغنائه كالطائر، وغرد تغريدًا مثله، كما في «المصباح»، والإزراء بالشيء: تعييبه، يُقال أزرى عليه، وازدرى به عابه، و (السَّاجِع) الحمام يسجعُ؛ -أي: يهدرُ ويصوت- وفي «المصباح»: سَجَعَتْ الحمامةُ سَجْعًا من باب نفع: هدرت وصوتت، والسَّجْعُ في الكلام مشبه بذلك لتفاوت فواصله، وسَجَعَ الرجلُ كلامه كما يقال نَظَمَهُ إذا جَعلَ لكلامه فواصلَ كقوافي الشعر ولم يكن موزونًا. انتهى.
قوله: (جُهَيْنَةُ الأَخْبَارِ) جُهَيْنَة بجيم مضمومة فهاء مفتوحة فياء ساكنة: رجلٌ يُضرب به المثل في الإحاطة بالأخبار، في الحديث الشريف: «آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنَةَ، فَيَقُوْلُ أَهْلُ الجَنَّةِ: عِنْدَ جُهَيْنَةَ الخبرُ اليقينُ»، وذكرَ بعضهم أنَّه بالفاء بدلَ الهاء، والكلام من باب التشبيه كما لا يخفى.
قوله: (لِكِتَابِهِ)؛ أي: الجامع الصحيح.
وقوله: (أَسْفَارُهُ) بفتح الهمزة جمع سِفْر بكسر فسكون، بمعنى الكتاب، والإسفار الثاني بكسر الهمزة مصدر أَسْفَرَ الصبحُ أضاءَ وأشرقَ، والتَّشْبِيْهُ من حيثُ إيضاح طريق الحق كفَلق الصبح.
قوله: (أَلِفَاتُهُ مِثْلُ الغُصُوْنِ) الألفات جمع ألف، والتشبيه من حيثُ ميلُ النفوس إليها من باب قوله:
قلبِي عَلَى قَدِّكَ المَمْشُوقِ بالهيفِ … طيرٌ على الغصن ِأوْ همزٌ على الألفِ
قوله: (مُتَفَرِّقَاتُ الزُهْرِ) بضم الزاي جمع أزهر وزهراء، وهو صفة لمحذوف؛ أي: المائل الزهر؛ أي: المشرقة، والأزهار جمع زهر؛ أي: ومتفرقات الأزهار؛ أي: الأحكام والأحاديث الشبيهة بالأزهار.
قوله: (تَقَهْقَرَ)؛ أي: رجعَ على عقبهِ خائبًا، وانتهى عن جنايته ببركته، وما احتوى عليه من الأسرار الحديثية والنفحات النبوية.
قوله: (جُوْدُ جَوْدِ) الجود بفتح الجيم المطر، وبضمها الكرم، والأول بالرفع فاعل سقى،
والثاني مضاف إليه، والكلام من باب المَكْنِيَّةِ، و (الشِّعْرَى) بكسر الشين المعجمة، و (السُّهَى) بضم المهملة نجمان معروفان.
قوله: (وَمَا وَهَى)؛ أي: ما ضَعُفَ.
قوله: (بِكُلِّ قُطْرٍ) بضم القاف: الناحية، والشاسع بمعجمة فمهملتين: البعيد.
قوله: (عَنْ الجَمِّ الغَفِيْرِ) الجمُّ بالجيم، والغفير بالغين المعجمة والفاء؛ أي: الجمع الكثير.
وقوله: (أُوْلِي النُّهَى) جمع نهية: وهي العقل.
قوله: (قَدْ غَاصَهَا)؛ أي: غاصَ لها؛ أي: غاصَ بحار العلوم الحديثية للفوز باستخراجها.
وقوله: (فَاجْهَدْ وَغُصْ)؛ أي: أجهد نفسك وغص تلك البحار أنت كذلك إن رُمت الظفر بها.
قوله: (قَوِيُّ المُتُوْنِ)؛ أي: صحيحُ الأحاديث.
قوله: (بَهِيْجُ الرُّوَاءِ) بضم الراء، ممدودًا: المنظر، والبهيج: الحسن؛ أي: حسن المنظر.
وقوله: (خَطِير) بالخاء المعجمة والطاء المهملة؛ أي: شريف، يقال: خطر الرجل يخطر كشرف وزنًا ومعنى.
وقوله: (يَرُوْجُ) بالجيم من الرَّواج.
قوله: (فتبيانه)؛ أي: بيانه.
وقوله: (المُعْضِلَاتِ) بكسر الضاد المعجمة، من أَعْضَلَ الأمر اشتد، ومنه داء عضال.
وقوله: (نُخْبَة)؛ أي: خيار.
وقوله: (لِلْنُّخَبْ) جمع نُخبة، واللام إما بمعنى (من)؛ أي:
стр. 103
رشيقٌ أنيقٌ كثيرُ الشُّعبْ
سما عزُّه فوق نجم السَّماء … فكلُّ جميلٍ به يُجتلَبْ
سناءٌ منيرٌ كضوء الضُّحى … ومتنٌ مزيحٌ لشوب الرِّيَبْ
كأنَّ البخاريَّ في جمعه … تلقَّى من المُصطفَى ما اكتتبْ
فللَّه خاطره إذ وعى … وساق فرائده وانتخبْ
جزاه الإله بما يرتضي … وبلَّغه عالياتِ القربْ
ولأبي عامرٍ الفضل بن إسماعيل الجرجانيِّ الأديب رحمه الله تعالى:
صحيح البخاريِّ لو أنصفوهُ … لمَا خُطَّ إلَّا بماء الذَّهبْ
هو الفرق بين الهدى والعمى … هو السَّدُّ دون العنا والعطبْ
أسانيدُ مثلُ نجومِ السَّماءِ … أمامَ متونٍ كمثل الشُّهُبْ
بهِ قام ميزانُ دينِ النَّبي … ودان له العُجْمُ بعد العربْ
حجابٌ من النَّار لا شكَّ فيه … يميِّز بين الرِّضا والغضبْ
وخير رفيق إلى المُصطفَى … ونورٌ مبينٌ لكشف الرِّيَبْ
فيا عالمًا أجمع العالمون … على فضل رتبته في الرُّتبْ
سبقْتَ الأئمَّة فيما جمعتَ … وفزت على رغمهم بالقَصَبْ
نفيتَ السَّقيم من الغافلينَ … ومن كان مُتَّهمًا بالكذبْ
وأثبتَّ من عدّلتْه الرواةُ … وصحّتْ روايته في الكتبْ
وأبرزتَ في حسن ترتيبه … وتبويبه عجبًا للعجبْ
فأعطاك ربُّك ما تشتهيه … وأجزل حظَّك فيما يَهَبْ
وخصَّك في عَرَصات الجنان … بخيرٍ يدوم ولا يقتضبْ
فلله دَرُّه من تأليفٍ رفع عَلَم علمه بمعارف معرفته، وتسلسل حديثه بهذا الجامع، فَأَكْرِمْ بسنده العالي ورفعته، انتصب لرفع بيوتٍ أذن الله أن تُرفَع، فيا له من تصنيفٍ تسجد له جباه التَّصانيف -إذا تُلِيَتْ آياته- وتركع، هَتَكَ بأنوار مصابيحه المشرقة من المشكلات كلَّ مظلمٍ، واستمدَّت جداول العلماء من ينابيع أحاديثه التي ما شكَّ في صحَّتها مسلمٌ، فهو قطب سماء الجوامع، ومطالع الأنوار اللَّوامع، فالله تعالى يبوِّئ مؤلِّفه في الجنان منازلَ مرفوعةً، ويكرمه بصِلَاتٍ عائدةٍ غير مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ.
الفصل الخامس
في ذكر نسب البخاريِّ، ونسبته،
نُخبة من النخب، أو زائدة، والمراد: نخبة النُّخَب؛ أي: خيار الخيار.
قوله: (رَشِيْقٌ) من رشُقَ الشخص بالضم رَشَاقة: خفَّ في عمله، ومَن كان كذلك كان لطيفًا مألوفًا، وهذا هو المعنى المراد بطريق التشبيه أو التصريحية.
وقوله: (أَنِيْقٌ) بالهمزة والنون كعَجيب وزنًا ومعنى، كما في «المصباح».
وقوله: (كَثِيْرُ الشُّعَبْ) بضم الشين المعجمة، جمع شُعبة، وهي من الشجرة؛ الغصن المتفرع منها، ففيه تشبيه بالشجرة وأغصانها بجامعِ التفرع والانتفاع.
قوله: (سَمَا عِزُّهُ)؛ أي: ارتفع.
وقوله: (فكلُّ جميلٍ)؛ أي: من أمور الدين والدنيا و (يُجْتَلَبْ) بالجيم؛ أي: يُجْلَب.
قوله: (سِنَادٌ) بكسر السين، آخره دال مهملة؛ أي: سند منير … إلى آخره.
وقوله: (وَمَتْنٌ مُزِيْحٌ)؛ أي: مزيلٌ، و (الشَّوْبُ) بالمعجمة: الاختلاط، و (الرِّيَبْ) جمع ريبةٍ: وهي الشك والشُبهة.
قوله: (خَاطِرُهُ)؛ أي: عَقْلُهُ.
وقوله: (إِذْ وَعَى)؛ أي: حفظ.
قوله: (عَالِيَاتِ القُرَبِ) بالضم جمع قُربة، وإضافة عاليات إليه توصيفية.
قوله: (وَالعَمَى)؛ أي: الضلالُ الشبيه بالعمى في عدم الاهتداء إلى المقصود.
وقوله: (هُوَ السَّدُ بَيْنَ العَنَاءِ) بالعين المهملة؛ أي: التعب.
وقوله: (وَالعَطَب) بالمهملة أيضًا محرَّكًا: الهلاك، والمعنى هو الحاجز بين هذين، وضدهما من الراحة والنجاة.
قوله: (كَمِثْلِ الشُّهُب) فيه من عيوبِ القافية: سِنَادُ التَّوجيه؛ وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المُقيد وهو كثيرٌ في هذه الأبيات، وليس بممتنع للمولدين.
قوله: (وَدَانَ لَهُ)؛ أي: انقادَ، و (العُجْمُ) بضم العين وسكون الجيم كالعَجَم بفتحتين مقابلُ العرب.
قوله: (يُمَيِّزُ بَيْنَ الرِّضَا وَالغَضَب)؛ أي: بينَ ما ينبغي فيه كل منهما شرعًا.
قوله: (بِالقَصَب) بفتح القاف والصاد، أصله الذي يتخذ منه الأقلام، وكان العرب ينصبون في حلبة السباق؛ أي: الميدان الذي يتسابقون فيه قَصَبَةً فمن سبق اقتلعها وأخذها ليعلم أنَّه السابق من غير نزاعٍ، فلذا يقال: فلان أحرزَ؛ أي: حازَ قَصَبَ السَّبْقِ، ثم كثر حتى أطلق على المُبرِّز والمشمِّر، كما في «المصباح».
قوله: (نَفَيْتَ السَّقِيْمَ … ) إلى آخره؛ أي: ميزتَ السَّقيم من الأحاديث ونفيته وأبعدته عمَّن ينقل الأحاديث وانتقيت له الصحيح، أو نفيتَ الشخص السقيم من الناقلين للحديث ولم ترو عنه شيئًا، وأثبتَّ العدول الثقاة الذين عَدَّلَهُم الحفاظُ … إلى آخره.
قوله: (عَجَبًا لِلْعَجَب) بمعنى أنَّه لو كان العجبُ شخصًا لعُجِبَ من ذلكَ.
قوله: (عَرَصَاتِ) بالتحريك جمع عَرَصَة، وهي: البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء، وفي «التهذيب»: سُميت ساحةُ الدارِ عَرَصَةً؛ لأنَّ الصبيان يَعْرِصُون فيها، أي: يلعبون ويمرحون.
(الفصل الخامس)
قوله: (فِيْ ذِكْرِ نَسَبِ البُخَارِي)؛ أي: وصلته بالقرابة؛ المراد ذكر آبائه، في «المصباح»: نسبتُه إلى أبيه نَسَبًا من باب طَلَبَ: عزوته إليه، وانتسب إليه اعتزى، والاسم النِّسبة بالكسر، فتجمع على نِسَبٍ مثل سِدرة وسِدَر، وقد تضم فتُجمع مثل غُرفة وغُرف.
قال ابن السِّكِّيتِ: ويكون من قِبل الأب ومن قِبل الأم، ويُقال: نسبه في تميم؛ أي: هو منهم والجمع أنساب، مثل سبب وأسباب، ثم قال: ثم استُعْمِلَ النَّسَب -وهو المصدر- في مطلق الوصلة بالقرابة، فيُقال: بينهما نَسَبٌ؛ أي: قرابةٌ، وسواءٌ جاز بينهما التناكح أو لا، ومن هنا اسْتُعيرت النسبة في المقادير؛ لأنها وصلةٌ على وجه مخصوص، فقالوا: تؤخذ الديون من التركة والزكاة من الأنواع بنسبة الحاصل؛ أي: بحسابه ومقداره ونسبة العشرة إلى المئة العُشر؛ أي: مقدارها العشر، والمناسب القريب وبينهما مناسبة، وهذا يناسب هذا؛ أي: يقاربه شَبهًا. انتهى.
قوله: (وَنِسْبَتِهِ)؛ أي: انتسابه إلى بلده مثلًا، ويُنسب الشيء إلى ما يوضحه ويميزه من أبٍ وأم وحي وقبيلة وبلدة وصناعة وغير ذلك، فيؤتى فيه بالياء، فيقال مكيٌّ وعلويٌّ وتركيٌّ، وتقدم أنَّ الأنسب تقديم القبيلة على البلد، فيُقال: القرشي المكي، وذلك؛ لأنَّ النسبة إلى الأب صفة ذاتية ولا كذلك النسبة إلى البلد فكان الذاتي أولى، وقيل: لأنَّ العربَ إنَّما كانتْ تَنتسب إلى القبائل ولكن لما سكنت الأرياف والمدن استعارت من العجم والنَّبَط الانتساب إلى البلدان،
стр. 104
ومولده، وبَدْء أمره، ونشأته وطلبه للعلم، وذكر بعض شيوخه، ومن أخذ عنه، ورحلته، وسَعَة حفظه وسيلان ذهنه، وثناء النَّاس عليه بفقهه وزهده وورعه وعبادته، وما ذُكِرَ من محنته ومنحته بعد وفاته وكرامته.
هو الإمام حافظ الإسلام، خاتمة الجهابذة النُّقَّاد الأعلام، شيخ الحديث، وطبيب علله في القديم والحديث، إمام الأئمَّة عجمًا وعربًا، ذو الفضائل التي سارت السُّراة بها شرقًا وغربًا، الحافظ الذي لا تغيب عنه شاردةٌ، والضَّابط الذي استوت لديه الطَّارفة والتَّالدة، أبو عبد الله محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيرة؛ بضمِّ الميم وكسر المُعجَمة، ابن بَرْدِزْبَه؛ بفتح الموحَّدة وسكون الرَّاء بعدها دالٌ مُهملَةٌ مكسورةٌ فزايٌ ساكنةٌ فموحَّدةٌ مفتوحةٌ فهاءٌ، على المشهور في ضبطه، وبه جزم ابن ماكولا، وهو بالفارسيَّة: الزَّرَّاع، الجُعْفيُّ: بضمِّ الجيم، وسكون العين المهملة، بعدها فاءٌ، وكان بَرْدِزْبَه فارسيًّا على دين قومه، ثمَّ أسلم ولده المغيرة على يد اليمان الجعفيِّ والي بخارى، فنُسِب إليه نسبةَ ولاءٍ؛ عملًا بمذهب من يرى: أنَّ من أسلم على يد شخصٍ كان ولاؤه له؛ ولذا قِيلَ للبخاريِّ: الجعفيُّ، ويمان هذا هو جدُّ المحدِّث عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن يمانٍ الجعفيِّ المسنَدِيِّ.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وأمَّا إبراهيم بن المغيرة؛ فلم نقف على شيءٍ من أخباره، وأمَّا والد البخاريِّ محمَّدٍ فقد ذُكِرَت له ترجمةٌ في «كتاب الثِّقات» لابن حبَّان، فقال في الطَّبقة الرَّابعة: إسماعيل بن إبراهيم والد البخاريِّ، يروي عن حمَّاد بن زيدٍ ومالكٍ، روى عنه العراقيُّون، وذكره ولده في «التَّاريخ الكبير»، فقال: إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، سمع من مالكٍ وحمَّاد بن زيدٍ، وصحب ابن المبارك، وقال الذَّهبيُّ في «تاريخ الإسلام»: وكان أبو البخاريِّ من العلماء الورعين، وحدَّث عن أبي معاوية وجماعةٍ، وروى عنه أحمد بن حفصٍ ونصر بن الحسين، قال أحمد بن حفصٍ: دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته، فقال: لا أعلم في جميع مالي درهمًا من شبهة. فقال أحمد: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك.
وكان مولد أبي عبد الله البخاريِّ يوم الجمعة بعد الصَّلاة لثلاثَ عشْرةَ ليلةً خَلَتْ من شوَّال. وقال ابن كثيرٍ: ليلة الجمعة الثَّالث عشر من شوَّال سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ ببُخَارى، وهي بضمِّ الموحَّدة وفتح الخاء المُعجمَة وبعد الألف راءٌ، وهي من أعظم مدن ما وراء النَّهر، بينها وبين سمرقند ثمانيةُ أيَّامٍ، وتُوفِّي أبوه إسماعيل وهو صغيرٌ، فنشأ يتيمًا في حِجر والدته. وكان أبو عبد الله البخاريُّ نحيفًا، ليس بالطَّويل ولا بالقصير، وكان فيما ذكره غُنْجار في «تاريخ بخارى»، واللَّالَكَائيُّ في «شرح
فكان عُرفًا طارئًا، والأول هو الأصل عندهم فكان أولى بالتقديم.
قوله: (وَمَوْلِدِهِ) بكسر اللام، يقال لموضع الولادة ووقتها، وأما الميلاد فللوقت لا غير.
قوله: (وَنَشْأَتِهِ) من نشأ الشيء، نشأ مهموز من باب نَفَعَ: حدث وتجدد، والاسم النشأة والنشاءة وزان التمرة والضلالة. انتهى «مصباح».
قوله: (وَمَنْ أَخَذَ عَنْهُ)؛ أي: من تلامذته.
قوله: (مِنْ مِحْنَتِهِ وَمِنْحَتِهِ) المِحْنَةُ بتقديم الحاء على النون: الابتلاء والاختبار يُقال: محنته محنًا، من باب نَفَعَ: اختبرته، والمِنْحَةُ بتقديم النون مع كسر الميم، في الأصل الشاة أو الناقة يُعطيها صاحبُها رجلًا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن، ثم كثر استعماله حتى أُطلق على كل عطاءٍ، ومَنَحْتُهُ منحًا من بابي نَفَعَ وضَرَبَ، كما في «المصباح»: أعطيته.
قوله: (بَعْدَ وَفَاتِهِ) ظرفٌ لمنحته.
قوله: (الجَهَابِذَة) بالذال المعجمة جمع جَهْبَذ بفتح الجيم والموحدة (النَّقَّاد) الخبير فذكر النُّقَّاد بعدُ للبيان.
قوله: (فِيْ القَدِيْمِ وَالحَدِيْثِ)؛ أي: قديمِ الزَّمان وحادثه.
قوله: (السُّرَاةُ) بضم السين جمع سارٍ من السير، ويصح أن يكون بفتح السين، جمع سَرِيٍّ كغَنِيٍّ، وهو الرئيس، قال في «المصباح»: وهو جمع عزيزٌ لا يكادُ يُوجدُ له نظيرٌ؛ لأنَّهُ لا يجمع فعيل على فعلة، وجمع السراة سروات. انتهى.
قوله: (الطَّارِفَةُ وَالتَّالِدَةُ) الطارفة بالفاء بعد الراء: الأمور المستحدثة، والتالدة خلافها، قال في «المصباح»: التالد والتليد والتلاد كلُّ مالٍ قديم وخلافه الطارف والطريف. انتهى.
واستعيرَ هنا للمسائل والعلوم.
قوله: (عَلَى المَشْهُوْرِ فِيْ ضَبْطِهِ)؛ أي: وأما على غيره فقيل: إنَّه بالذال المعجمة بدل المُهملة كما صَدَّرَ بهِ ابنُ خَلِّكان.
قوله: (ابْنُ مَاكُوْلَا) هو الأميرُ الحافظ أبو النصر علي بن هِبَة الله الوزيري البغدادي، وماكُوْلا بضم الكاف وسكون الواو ثم لام ألف، قال ابن خَلِّكَان: لا أعرفُ معناه ولا أدري سببُ تسميته بالأمير. انتهى.
وقد ذكر الشارح أن معناهُ بالفارسية: الزارع.
قوله: (الجُعْفِي) بضم الجيم وسكون العين المهملة وهو مشدد منون، ويقال: جُعْف بغير ياء النسبة كما في ابن خَلِّكَان، وهو ابن سعد العشيرة من مُذْحِج.
قوله: (المسْنَدِي) بفتح النون وحكى المؤلف كسرها في «أبواب فضائل المدينة» من «كتاب الحج»، كان يطلب الأحاديث المُسندة دون المقاطيع والمراسيل.
قوله: (لِثَلَاثَ عَشْرَةَ) وقال أبو يَعْلَى الخليلي في كتاب «الإرشاد»: لاثنتي عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور. انتهى.
فحاصلُ ذلك أنَّه قيل: ولد ليلًا، وقيل: نهارًا، ثم قيل: كان ذلك لاثنتي عشرة، وقيل: لثلاث عشرة، ويظهر الجمع بأنَّ يوم الجمعة كانت ليلتُه القابلةُ ليلةَ ثلاث عشرة؛ وهو قد ولد بعد العصر، فمن قال لاثني عشر نظر لليوم، ومن قال لاثنتي عشرة نظر لليلة القابلة، وإن كان بعيدًا بالنظر للتعبير في جانب الأول أيضًا بالليلة، وعلى كُلٍّ فالأمدُ قريبٌ وتوفي ﵁ ليلة السبت بعد صلاة العشاء، وكان ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة الظُّهْرِ، سنةَ ست وخمسين ومئتين بخَرْتَنْك، وما ذكره ابن يونس في «تاريخ الغرباء» من أنَّه قَدِمَ مِصْرَ وتوفي بها غلطٌ، والصواب ما ذكرناه، كما في ابن خلكان.
وكان خالدُ بن أحمد بن خالد الذهلي أميرَ خراسان قد أخرجه من بخارى إلى خَرْتَنْك المذكورة، وهي بفتح الخاء المهملة وسكون الراء وفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون وبعدها كاف، قريةٌ من قُرى سَمَرْقَنْد.
قوله: (حِجْرِ وَالِدَتِهِ) في «القاموس»: الحِجْر مثلثة، المنع وحضن الإنسان، ثم قال: والحضن بالكسر ما دون الإبط إلى الكشح أو الصدر
стр. 105
السُّنَّة» في «باب كرامات الأولياء»: قد ذهبت عيناه في صغره، فرأت أمُّه إبراهيم الخليل ﵊ في المنام، فقال لها: قد ردَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد ردَّ الله عليه بصره.
وأمَّا بدء أمره فقد رُبِّيَ في حجر العلم حتَّى ربا، وارتضع ثدي الفضل، فكان فطامه على هذا اللِّبأ.
وقال أبو جعفرٍ محمَّد بن أبي حاتمٍ ورَّاق البخاريِّ: قلت للبخاريِّ: كيف كان بدء أمرك؟ قال: أُلهِمتُ الحديث في المكتب ولي عشْر سنين أو أقلُّ، ثمَّ خرجت من المكتب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الدَّاخليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان عن أبي الزُّبير عن إبراهيم، فقلت له: إنَّ أبا الزُّبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه، ثمَّ خرج، فقال لي: كيف هو يا غلامُ؟ قلت: هو الزُّبير بن عديٍّ عن إبراهيم. فأخذ القلم منِّي وأصلح كتابه، وقال: صَدَقْتَ، فقال بعض أصحاب البخاريِّ له: ابن كم كنتَ؟ قال: ابن إحدى عشْرة سنةً، فلمَّا طعنت في ستَّ عشْرة سنةً حفظت كتب ابن المبارك ووكيعٍ، وعرفت كلام هؤلاء؛ يعني: أصحاب الرَّأي، ثمَّ خرجت مع أخي أحمد وأمِّي إلى مكَّةَ، فلمَّا حججت رجع أخي إلى بُخَارى، فمات بها، وكان أخوه أسنَّ منه، وأقام هو بمكَّة؛ لطلب الحديث. قال: ولمَّا طعنت في ثماني عشْرة سنةً صنَّفت كتاب «قضايا الصَّحابة والتَّابعين وأقاويلهم»، قال: وصنَّفت «التَّاريخ الكبير» إذ ذاك عند قبر النَّبيِّ ﷺ في اللَّيالي المقمرة، وقلَّ اسمٌ في «التَّاريخ» إلَّا وله عندي قصَّةٌ، إلَّا أنِّي كرهت تطويل الكتاب. وقال أبو بكر بن أبي عتَّاب الأَعْيَن: كتبنا عن محمَّد بن إسماعيل وهو أمردُ على باب محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وما في وجهه شعرةٌ. وكان موت الفريابيِّ سنة اثنتي عشْرة ومئتين، فيكون للبخاريِّ إذ ذاك نحوٌ من ثمانيةَ عَشَرَ عامًا أو دونها.
وأمَّا رحلته لطلب الحديث؛ فقال الحافظ ابن حجرٍ: أوَّل رحلته بمكَّة سنة عشْرٍ ومئتين، قال: ولو رحل أوَّل ما طلب لأدرك ما أدركه أقرانه من طبقةٍ عاليةٍ ما أدركها، وإن كان أدرك ما قاربها؛ كيزيد بن هارون، وأبي داود الطَّيالسيِّ، وقد أدرك عبد الرَّزَّاق وأراد أن يرحل إليه، وكان يمكنه ذلك، فقِيلَ له: إنَّه مات، فتأخَّر عن التَّوجه إلى اليمن، ثمَّ تبيَّن أنَّ عبد الرَّزَّاق كان حيًّا، فصار يروي عنه بواسطةٍ، ثمَّ ارتحل بعد أن رجع من مكَّة إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرِّحلة إليها.
وقال الذَّهبيُّ وغيره: وكان أوَّل سماعه سنة خمسٍ ومئتين، ورحل سنة عشرٍ ومئتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته محمَّد بن سلَامٍ البيكنديِّ، وعبد الله بن محمَّدٍ المسنديِّ، ومحمَّد بن عَرْعَرة، وهارون بن الأشعث، وطائفةٍ، وسمع ببلخٍ من: مكيِّ بن إبراهيم، ويحيى ابن بشر الزَّاهد، وقتيبة، وجماعةٍ، وكان مكيٌّ أحد من حدَّثه عن ثقات التَّابعين، وسمع بمروَ من: عليِّ بن شقيقٍ وعبدان ومعاذ بن أسدٍ وصدقة بن الفضل، وجماعةٍ، وسمع بنيسابور من: يحيى بن يحيى وبشر بن الحكم وإسحاق، وعدة، وبالرَّيِّ من: إبراهيم بن موسى الحافظ
والعضدان وما بينهما. انتهى. وعليه فضم الحضن خطأ.
قوله: (فِيْ حِجْر العِلْمِ) (١) فيهِ إما مجازيًا لحذفٍ أو مَكْنِيَّة.
وقوله: (حَتَّى رَبَا) هو كنَمَا وزنًا ومعنىً.
قوله: (وَارْتَضَعَ ثَدْيَ الفَضْلِ) فيهِ من المَكْنِيَّةِ ما لا يخفاكَ.
قوله: (غُنْجَار) بغين معجمة مضمومة فنون ساكنة بعدها جيم وبعد الألف راء، لقبُ التيمي البخاري صاحب «تاريخ بخارى» كما في «القاموس»، وفي «مختصر تاريخ ابن عساكر»: الغُنْجارُ معرَّفًا.
قوله: (اللَّالَكَائِي) (١) بفتح اللام آخره همزة، نسبة إلى اللوالك، وهي نعال تلبس في الأرجل كان يبيعها، كذا في «اللب».
قوله: (رُبِّيَ فِيْ حِجْرِ العِلْمِ) (١)، يُقال: رَبَى الصغير يَرْبِي، من باب: تعب، وربا يربو من باب علا إذا نشأ، ويتعدى بالتضعيف فيقال رَبَّيْتُهُ فَتَرَبَّى.
قوله: (عَلَى هَذَا اللِّبَأ) اللبأ مهموز بوزن عِنَب: أول اللبن عند الولادة، وأكثرُ ما يكون ثلاث حلباتٍ وأقلُّهُ حلبةٌ، ولبَّأْتُ زيدًا ألبؤُهُ أطعمته اللِّبَأ.
قوله: (واللَّأْلَكَائِي) (١) بهمزة ساكنة بين اللامين المفتوحة.
قوله: (ابْنِ المُبَارَكِ) هو عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي، قال ابن خلكان: كان قد جمعَ بين العلمِ والعمل والزُّهد، وتفقه على سُفيان الثوري ومالك بن أنس، وروى عنه الموطأ، وكان شديدَ التَّوَرُّعِ، ومما أُثِرَ عنه أنَّه سُئل أيُّمَا أفضلُ معاوية بن أبي سفيان أم عمر بن عبد العزيز فقال: والله إن الغبارَ الذي دخل في أنفِ معاوية مع رسول الله ﷺ أفضل من عُمَرَ بألفِ مرةٍ، صَلَّى مُعَاوِيَةُ خَلْفَ رسول الله ﷺ فقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» إِذْ قَالَ معاوية: «رَبَّنَا ولَكَ الْحَمْدُ» فما بعدَ هذا؟!. انتهى.
ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
وكتبه: وهي مصنفاته في الحديث والفقه.
قوله: (وَوَكِيْعٍ) هو شيخُ الإمام الشافعي المدفونِ بالقرافةِ الكبرى بطريقِ الذَّاهب إلى الإمام وهو الذي عناه بقوله:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشدَنِي إلى تركِ المَعَاصِي
وأخبرنِي بأنَّ العلمَ نورٌ … ونورُ اللهِ لا يُهدى لعاصِي
قوله: (الأَعْيَن) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة بوزن أحمر، أصله العظيم العين، لُقِّبَ بِهِ هذا لذلك.
قوله: (الفِرْيَابِي) بفاء مكسورة وبعد الراء مثناة تحتية وبعد الألف موحدة مكسورة.
قوله: (عَبْدَ الرَّزَّاقِ) هو أبو بكر عبد الرزاق بن هَمَّام بن نافع الصنعاني.
قال أبو سعيد السّمْعَاني: قيلَ ما رحلَ الناسُ إلى أحدٍ بعد رسول الله ﷺ مثل ما رحلوا إليه.
يروي: عن مَعْمَر بن راشد والأَوْزَاعي وابن جُرَيج وغيرهم.
وروى عنه: أئمة الإسلام في زمانه منهم سُفيان بن عيينة وهو من شُيوخه وأحمد ابن حنبل ويحيى ابن مَعِيْن وغيرهم، تُوفي في شوال سنةِ إحدى عشرة ومئتين باليمن، ومن كلامه: من يصحب الزمان يرى الهوان.
قوله: (البِيْكَنْدِي) بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الكاف وسكون النون، بلدةٌ على مرحلةٍ من بُخارى، كما في «اللب».
قوله: (المُسْنَدِي) بضم الميم وفتح النون، نسبة إلى الحديث المسند، كما في «التقريب».
стр. 106
وغيره، وببغداد من: محمَّد بن عيسى بن الطَّبَّاع، وسُريج بن النُّعمان، وطائفةٍ، وقال: دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشرٍ ومئتين، وسمع بالبصرة من: أبي عاصمٍ النَّبيل، وبدل بن المُحبَّر، ومحمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ، وعبد الرَّحمن بن محمَّد بن حمادٍ، وعمرو بن عاصمٍ الكلابيِّ، وعبد الله بن رجاء الغُدانيِّ وطبقتهم، وبالكوفة من: عبيد الله ابن موسى وأبي نُعيمٍ وطلق بن غنَّام والحسن بن عطيَّة، وهما أقدم شيوخه موتًا، وخلَّاد بن يحيى وخالد بن مخلدٍ وفروة بن أبي المغراء وقَبِيْصة وطبقتهم، وبمكَّة من: أبي عبد الرَّحمن المقري والحميديِّ وأحمد بن محمَّدٍ الأزرقيِّ وجماعةٍ، وبالمدينة من: عبد العزيز الأويسيِّ ومُطرِّف بن عبد الله وأبي ثابت محمَّد بن عبيد الله وطائفةٍ، وبواسط من: عمرو بن محمَّد بن عون وغيره، وبمصر من: سعيد ابن أبي مريم، وعبد الله بن صالحٍ الكاتب، وسعيد ابن تَلِيدٍ، وعمرو بن الرَّبيع بن طارقٍ وطبقتهم، وبدمشق من: أبي مُسْهِر شيئًا يسيرًا، ومن أبي النَّضر الفراديسيِّ وجماعةٍ، وبقيساريَّة من: محمَّد بن يوسف الفريابيِّ، وبعسقلان من: آدم بن أبي إياس، وبحمص من: أبي المغيرة وأبي اليمان وعلي بن عيَّاش وأحمد بن خالدٍ الوهبيِّ ويحيى الوحاظيِّ. انتهى. وعن محمَّد بن أبي حاتمٍ عنه أنَّه قال: كتبت عن ألفٍ وثمانين نفسًا ليس فيهم إلَّا صاحبُ حديثٍ، وقال أيضًا: لم أكتب إلَّا عمَّن قال: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، وقد حصرهم الحافظ ابن حجرٍ في خمس طبقاتٍ:
الأولى: مَنْ حدَّث عن التَّابعين؛ مثل: محمَّد بن عبد الله الأنصاريِّ حدَّثه عن حميدٍ، ومثل: مكيِّ بن إبراهيم حدَّثه عن يزيد بن أبي عبيدٍ، ومثل: أبي عاصمٍ النَّبيل حدَّثه عن يزيد ابن أبي عبيدٍ أيضًا، ومثل عبيد الله بن موسى حدَّثه عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، ومثل أبي نُعيمٍ حدَّثه عن الأعمش، ومثل خلَّاد بن يحيى حدَّثه عن عيسى بن طهمان، ومثل عليِّ بن عيَّاشٍ وعصام بن خالدٍ حدَّثاه عن حَرِيْز بن عثمان، وشيوخ هؤلاء كلُّهم من التَّابعين.
الطَّبقة الثَّانية: من كان في عصر هؤلاء لكن لم يسمع من ثقات التَّابعين؛ كآدم بن أبي إياس وأبي مسهرٍ عبد الأعلى بن مسهرٍ، وسعيد ابن أبي مريم، وأيُّوب بن سليمان بن بلالٍ، وأمثالهم.
الطَّبقة الثَّالثة: وهي الوسطى من مشايخه وهم من لم يلق التَّابعين، بل أخذ عن كبار تبع الأتباع؛ كسليمان بن حربٍ وقتيبة بن سعيدٍ ونُعيم بن حمَّادٍ وعليِّ بن المدينيِّ ويحيى بن معينٍ وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه وأبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة، وأمثال هؤلاء، وهذه الطَّبقة قد شاركه مسلمٌ في الأخذ عنهم.
الطَّبقة الرَّابعة: رفقاؤه في الطَّلب ومن سمع قبله قليلًا؛ كمحمَّد بن يحيى الذُّهليِّ وأبي حاتمٍ الرَّازي ومحمَّد بن عبد الرَّحيم صاعقةٍ وعبد بن حميدٍ وأحمد بن النَّضر وجماعةٍ من نظرائهم، وإنَّما يخرِّج عن هؤلاء ما فاته من مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم.
الطَّبقة الخامسة: قومٌ في عداد طلبته في السِّنِّ والإسناد سمع منهم للفائدة؛ كعبد الله بن حمَّادٍ الآمليِّ وعبد الله بن أبي القاضي الخوارزميِّ وحسين بن محمَّد القبَّاني وغيرهم وقد روى عنهم أشياء يسيرةً، وعمل في الرِّواية عنهم، بما روى عن عثمان ابن أبي شيبة عن وكيعٍ قال: لا يكون الرَّجل عالمًا حتَّى يحدِّث عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى.
وعن البخاريِّ أنَّه قال: لا يكون المحدِّث كاملًا حتَّى يكتب عمَّن هو فوقه، وعمَّن هو مثله، وعمَّن هو دونه. انتهى.
وقال التَّاج السُّبكيُّ: وذكره -يعني: البخاريَّ- أبو عاصمٍ في «طبقات أصحابنا الشَّافعيَّة». وقال: إنَّه سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يروِ عن الشَّافعيِّ في الصَّحيح؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات كهلًا، فلا يرويه نازلًا. وروى عن الحسين وأبي ثورٍ مسائل عن الشَّافعيِّ، وما برح - رحمه الله تعالى - يدأب ويجتهد حتَّى صار أَنْظَرَ أهل
قوله: (عَلَى مُعَلَّى) بضم الميم وفتح العين واللَّام المشددة.
قوله: (وَبَدَلِ) بفتح الباء الموحدة والدال المهملة، وهو علمُ الشيخ المذكور، و (المُحَبَّرِ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة وبالراء، كما في الكِرْمَاني.
قوله: (الغُدَانِي) بغين معجمة مضمومة فدالٍ مهملة مخففة وبعد الألف نون.
قوله: (ابْنِ غَنَّامٍ) بغين معجمة فنون مشددة.
قوله: (وقَبِيْصَةَ) بفتح القاف وكسر الموحدة وإسكان التحتية المثناة وفتح الصاد المهملة.
قوله: (وَمُطَرِّفِ) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء آخره فاء.
قوله: (ابنِ تَلِيْدٍ) بفتح المثناة الفوقية وكسر اللام آخره دال مهملة.
قوله: (ابْنِ طَارِقٍ) بالقاف آخره.
قوله: (وَبِدِمَشْقَ) قال النووي: بكسر الدال وفتح الميم وحكى صاحب «المطالع» كسرها، قال الجَوَاليقي: أعجميٌّ مُعرب. انتهى فهو ممنوعٌ من الصَّرف.
قوله: (أبي مُسْهِر) بضم الميم وكسر الهاء.
قوله: (الفَرَادِيْسِي) بالفاء وبعد الياء التحتية سين مهملة.
قوله: (وَبِقَيْسَارِيَّةَ) بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة وبعد الراء مثناة تحتية: مدينة معروفة.
قوله: (الوَهْبِي) بفتح الواو وسكون الهاء وبالموحدة، نسبةً إلى وهب جدٌّ لَهُ.
قوله: (فِيْ خَمْسِ طَبَقَاتٍ) قال العلامة العَيْنِي: ومن لا معرفة لهُ بذلك يظنُّ أنَّ البخاري إذا حدَّثَ عن مَكي، عن يزيد بن أبي عبيدةٍ، عن سَلَمَة، ثم حدث في موضعٍ آخرَ عن بكر بن مُضَر، عن عمرو بن الحارث، عن بُكير بن عبد الله الأشج، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سَلَمَة أنَّ الإسناد الأول سقطَ منهُ شيءٌ، وليس كذلك وإنَّما يُحَدِّثُ في موضعٍ عاليًا وفي موضع نازلًا، فقد حدَّثَ في مواضعَ كثيرةٍ جدًّا عن رجل، عن مالك، وفي مواضع عن عبد الله بن محمد المُسْنَدي، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن مالك، وحدث في مواضع أُخَرَ عن رجلٍ، عن شُعبة، وفي مواضع عن ثلاثة، عن شُعبة، منها حديثه عن حماد بن حميد، عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة، وكذا حدَّث عن الثوري في مواضعَ بواسطةِ رجلٍ وفي آخرَ بواسطة ثلاثةٍ؛ فقسْ على ذلك وتيقظْ له. انتهى.
قوله: (عَلِيِّ بنِ عَيَّاشٍ) بتحتية بعد العين آخره شين معجمة.
قوله: (الآمُلِي) بمد الهمزة وتخفيف الميم المضمومة.
قوله: (مَاتَ مُكْتَهِلًا)؛ أي: آخذًا في الكهولة، وهي من إحدى وثلاثين إلى أربع وثلاثين إلى الخمسين، واكتهل صار كهلًا، ولا تقل: كهل؛ أي: إنَّه عاش بعد أقرانه، فأخذَ البخاري عنهم لتقدمهم وفاةً، وهذا كما سلف من عُلو الإسناد.
قوله: (يَدْأَبُ) بسكون الدال المهملة وفتح الهمزة مضارعُ دأبَ في عمله دأبًا: جدَّ وتعبَ.
стр. 107
زمانه، وفارس ميدانه، والمقدَّم على أقرانه، وامتدَّت إليه الأعين، وانتشر صيته في البلدان، ورُحِلَ إليه من كلِّ مكانٍ.
وأمَّا من أخذ عن البخاريِّ؛ فقال الذَّهبيُّ وغيره: إنَّه حدَّث بالحجاز والعراق وما وراء النَّهر، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرةٌ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم قديمًا، وروى عنه من أصحاب الكتب: التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، على نزاعٍ في النَّسائيِّ، والأصحُّ: أنَّه لم يرو عنه شيئًا، وروى عنه مسلمٌ في غير «الصَّحيح»، ومحمَّد بن نصرٍ المروزيُّ الفقيه، وصالح بن محمَّدٍ جَزَرَة الحافظ، وأبو بكر بن أبي عاصم ومُطيَّن وأبو العبَّاس السَّرَّاج وأبو بكر بن خزيمة وأبو قريش محمَّد بن جمعة ويحيى بن محمَّد بن صاعدٍ وإبراهيم بن معقلٍ النَّسفيُّ ومهيب بن سليمٍ وسهل بن شاذويه ومحمَّد بن يوسف الفَِرَبْريِّ ومحمَّد بن أحمد بن دَلُّوْيَه وعبد الله بن محمَّدٍ الأشقر ومحمَّد بن هارون الحضرميُّ والحسين بن إسماعيل المحامليُّ وأبو عليٍّ الحسن بن محمَّدٍ الدَّاركيُّ وأحمد بن حمدون الأعمش وأبو بكرٍ بن أبي داود ومحمود بن عنبرٍ النَّسفيُّ وجعفر بن محمَّد بن الحسن الجزريُّ وأبو حامد بن الشَّرقيِّ وأخوه أبو محمَّدٍ عبد الله ومحمَّد بن سليمان بن فارسٍ ومحمَّد بن المسيّب الأرغيانيُّ ومحمَّد بن هارون الرُّوياني وخلقٌ، وآخر من روى عنه «الجامع الصَّحيح» منصور بن محمَّدٍ البزدويُّ المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين وثلاث مئةٍ، وآخر من زعم أنَّه سمع من البخاريِّ موتًا أبو ظهيرٍ عبد الله بن فارسٍ البلخيُّ، المُتوفَّى سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئةٍ، وآخر من روى حديثه عاليًا خطيب الموصل في «الدُّعاء» للمحامليِّ بينه وبينه ثلاثة رجالٍ.
وأمَّا ذكاؤه وسَعَةُ حفظه وسيلان ذهنه؛ فقِيلَ: إنَّه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألف حديثٍ سردًا، ورُوِيَ أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدةً فيحفظ ما فيه من نظرةٍ واحدةٍ.
وقال محمَّد بن أبي حاتم ورَّاقه: سمعت حاشد بن إسماعيل وآخرَ يقولان: كان البخاريُّ يختلف معنا إلى السَّماع وهو غلامٌ، فلا يكتب حتَّى أتى على ذلك أيَّامٌ، فكنَّا نقول له، فقال: إنَّكما قد أكثرتما عليَّ، فاعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد ذلك على خمسة عشر ألف حديثٍ، فقرأها كلَّها عن ظهر قلبه، حتَّى جعلنا نُحكْم كُتُبَنا من حفظه، ثمَّ قال: أترون أنِّي أختلف هدرًا وأضيِّع أيَّامي، فعرفنا أنَّه لا يتقدَّمه أحدٌ. قالا: فكان أهل المعرفة يغدون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ، حتَّى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطرق، فيجتمع عليه ألوفٌ، أكثرهم ممَّن يُكْتَب عنه، وكان شابًّا.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سليمان بن مجاهدٍ يقول: كنت عند محمَّد بن سلامٍ البيكنديِّ، فقال لي: لو جئت قبلُ لرأيت صبيًّا يحفظ سبعين ألف حديثٍ، قال: فخرجت في طلبه، فلقيته، فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديثٍ؟ قال: نعم؛ وأكثر، ولا أجيبك بحديثٍ عن الصَّحابة والتَّابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصَّحابة والتَّابعين إلَّا ولي في ذلك أصلٌ أحفظه حفظًا عن كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ .
وقال ابن عديٍّ: حدَّثني محمَّد بن أحمد القومسيُّ: سمعت محمَّد ابن عمرويه يقول: سمعت محمَّد بن إسماعيل يقول: أحفظ مئة ألف حديثٍ صحيحٍ، وأحفظ مئتي ألف حديثٍ غير صحيحٍ، وقال: أخرجت هذا الكتاب -يعني: «الجامع الصَّحيح» - من نحو ستِّ مئة ألف حديثٍ، وقال: دخلت بَلْخ، فسألوني أنْ أُملي عليهم لكلِّ من كتبت عنه، فأمليت ألف حديثٍ عن ألف شيخٍ، وقال: تذكَّرت يومًا في أصحاب أنسٍ، فحضرني في ساعةٍ ثلاث مئة نفسٍ.
وقال ورَّاقه: عمل كتابًا في «الهبة» فيه نحو خمس مئة حديثٍ، وقال: ليس في كتاب وكيع في «الهبة» إلَّا حديثان مسندان أو ثلاثةٌ، وفي كتاب ابن المبارك خمسةٌ أو نحوها.
وقال أيضًا: سمعت البخاريَّ يقول: كنت في مجلس الفريابيِّ، فسمعته يقول: حدَّثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطَّاب عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يطوف على نسائه في غسلٍ واحدٍ» [خ¦٢٨٤]، فلم يعرف أحدٌ في المجلس أبا عروة ولا أبا الخطَّاب، فقلت: أمَّا أبو عروة؛ فمَعْمَر، وأما أبو الخطَّاب؛ فقتادة. قال: وكان الثَّوريُّ فعولًا لهذا؛ يكنِّي المشهورين.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ أيضًا: قدم رجاء الحافظ، فقال لأبي عبد الله: ما أعددت لقدومي حين بلغك؟ وفي أيِّ شيءٍ نظرت؟ قال: ما أحدثت نظرًا ولا استعددت لذلك، فإن أحببت أن تسألني عن شيءٍ فافعل، فجعل يناظره في أشياء، فبقي رجاء لا يدري، ثمَّ قال أبو عبد الله: هل لك في الزِّيادة؟ فقال استحياءً منه وخجلًا: نعم، ثمَّ قال: سل إن شئت، فأخذ في أسامي أيُّوب، فعدَّ نحوًا من ثلاثة عشر، وأبو عبد الله ساكتٌ، فظنَّ رجاء أنَّه قد صنع شيئًا، فقال: يا أبا عبد الله، فاتك خيرٌ كثيرٌ، فزيَّف أبو عبد الله في أولئك سبعةً، وأغرب عليه أكثر من ستِّين رجلًا، ثمَّ قال لرجاء: كم رويت في العمامة السَّوداء؟ قال: هات كم رويت أنت؟ قال: يُروَى من أربعين حديثًا، فخجل رجاء، ويبس ريقه.
وأمَّا كثرة اطِّلاعه على علل الحديث؛ فقد رُوِينا عن مسلم بن الحجَّاج أنَّه قال له: دعني أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله.
وقال
قوله: (صِيْتُهُ) بكسر الصاد المهملة؛ أي: ذِكره الحسن.
قوله: (وَرُحِلَ) بضم الراء مبنيًا للمجهول؛ أي: رحل الناس إليه للأخذ عنه.
قوله: (جَزَرَة) بجيم فزاي محركتين.
قوله: (وَمُطَيَّن) بضم الميم وفتح الطاء المهملة والمثناة التحتية آخره نون.
قوله: (ابْنُ سَاذُوْيَهْ) بسين مهملة (١) وذال معجمة مضمومة فواو ساكنة فتحتية مفتوحة فهاء ساكنة، فارسي.
قوله: (ابْنُ دَلُّوْيَه) بفتح الدال المهملة، وضمِّ اللام المشددة وإسكان الواو، آخره هاء، فارسي كالذي قبله.
قوله: (وَرَّاقُهُ) بتشديد الراء وبعد القاف ضميرٌ عائدٌ على البُخَاري؛ أي: الذي كان يأخذ منه الوَرَق.
قوله: (نُحْكِمُ كُتُبَنَا) بضمِّ النون وكسرِ الكاف؛ أي: نضبطها ونُتقنها.
قوله: (إلَّا وَلِي فِيْ ذَلِكَ)؛ أي: في مضمونه.
قوله: (ابْنَ حَمْرَوَيه) بفتح الحاء المهملة والراء والواو وإسكان الميم والمثناة التحتية بعد الواو، آخره هاء.
قوله: (فَعُوْلًا لِهَذَا)؛ أي: كثيرَ الفعل لهذا الذي ذكره بعد بقوله: (يُكَنِّي المَشْهُوْرِيْنَ).
قوله: (فَزَيَّفَ … ) إلى آخره؛ أي: ذكرَ زَيْفَهُم؛ أي: رداءتهم كنايةً عن إيرادِ جَرْحِهِم.
قوله: (وَيَبِسَ رِيْقُهُ) بفتح الموحدة؛ أي: جَفَّ
стр. 108
التِّرمذيُّ: لم أر أحدًا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتَّاريخ ومعرفة الأسانيد أعلمَ من محمَّد بن إسماعيل.
وقال محمَّد بن أبي حاتمٍ: سمعت سُليم بن مجاهدٍ يقول: سمعت أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربع مئةٍ ممَّن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيَّام وأحبُّوا مغالطة محمَّد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشَّام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشَّام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلَّقوا عليه بسقطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال أبو أحمد بن عديٍّ الحافظ: سمعت عدَّةً من المشايخ يحكون: أنَّ البخاريَّ قدم بغداد، فاجتمع أصحاب الحديث وعمدوا إلى مئة حديثٍ، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسنادٍ آخر، وإسناد هذا المتن لمتنٍ آخر، ودفعوا إلى كلِّ واحدٍ عشرة أحاديث؛ ليلقوها على البخاريِّ في المجلس امتحانًا، فاجتمع النَّاس من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديِّين، فلمَّا اطمأنَّ المجلس بأهله انتدب أحدهم، فقام وسأله عن حديثٍ من تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، حتَّى فرغ العشرة، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعضٍ ويقولون: الرَّجل فَهِم، ومن كان لا يدري قضى عليه بالعجز، ثمَّ انتدب آخر، ففعل كفعل الأوَّل، والبخاريُّ يقول: لا أعرفه إلى أن فرغ العشرة أنفسٍ، وهو لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلمَّا علم أنَّهم فرغوا التفت إلى الأوَّل، فقال: أمَّا حديثك الأوَّل؛ فقلتَ كذا، وصوابُه كذا، وحديثك الثَّاني كذا، وصوابه كذا، والثَّالث والرَّابع على الولاء، حتَّى أتى على تمام العشرة، فردَّ كلَّ متنٍ إلى إسناده، وكلَّ إسنادٍ إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقرَّ النَّاس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.
وقال يوسف بن موسى المروزيُّ: كنت بجامع البصرة، فسمعت مناديًا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فقاموا في طلبه، وكنت فيهم، فرأيت رجلًا شابًّا ليس في لحيته بياضٌ، يصلِّي خلف الأسطوانة، فلمَّا فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلس الإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيًا ينادي في جامع البصرة، فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء، فأجاب بأن يجلس غدًا في موضع كذا، فلمَّا كان من الغد حضر المحدِّثون والحفَّاظ والفقهاء والنُّظَّار، حتَّى اجتمع قريبٌ من كذا وكذا ألف نفسٍ، فجلس أبو عبد الله للإملاء، فقال قبل أن يأخذ في الإملاء: يا أهل البصرة، أنا شابٌّ، وقد سألتموني أن أحدِّثكم، وسأحدِّثكم أحاديثَ عن أهل بلدكم تستفيدونها؛ يعني: ليست عندكم، فتعجَّب النَّاس من قوله، فأخذ في الإملاء، فقال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روَّاد العتكيُّ بَلَدِيِّكُم، قال: حدَّثنا أبي عن شعبة عن منصورٍ وغيره عن سالم بن أبي الجعد عن أنس بن مالكٍ ﵁: «أنَّ أعرابيًّا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، الرَّجل يحبُّ القوم … » الحديث، ثمَّ قال: هذا ليس عندكم عن منصورٍ، إنما هو عندكم عن غير منصورٍ، قال يوسف بن موسى: فأملى مجلسًا على هذا النَّسق، يقول في كلِّ حديثٍ: روى فلانٌ هذا الحديث وليس عندكم كذا، فأمَّا رواية فلانٍ؛ يعني التي يسوقها؛ فليست عندكم.
وقال الحافظ أبو حامدٍ الأعمش: كنَّا عند البخاريِّ بنيسابور، فجاء مسلم بن الحجَّاج، فسأله عن حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزُّبير عن جابرٍ، قال: «بعثنا رسول الله ﷺ في سريَّةٍ ومعنا أبو عبيدة … » الحديث بطوله [خ¦٤٣٦١]. فقال البخاريُّ: حدَّثنا ابن أبي أويسٍ، حدَّثني أخي عن سليمان بن بلالٍ عن عبيد الله … ، فذكر الحديث بتمامه، قال: فقرأ عليه إنسانٌ حديث حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس إذا قام العبد أن يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إِلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، فقال له مسلمٌ: في الدُّنيا أحسن من هذا الحديث: ابن جريجٍ عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح، يعرف بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا؟ فقال له محمَّد بن إسماعيل: إلَّا أنَّه معلولٌ، فقال مسلمٌ: لا إله إلَّا الله -وارتعد- أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله تعالى، هذا حديثٌ جليلٌ، رواه النَّاس عن حجَّاج بن محمَّد عن ابن جريجٍ. فألحَّ عليه وقبَّل رأسه، وكاد أن يبكيَ، فقال: اكتب إن كان ولا بدَّ: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وُهيب، حدَّثنا موسى بن عقبة عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : «كفَّارة المجلس … »، فقال له مسلمٌ: لا يبغضك إلَّا حاسدٌ، وأشهد أن ليس في الدُّنيا مثلك.
وقد روى هذه القصَّة البيهقيُّ في «المدخل» عن الحاكم أبي عبد الله على سياقٍ آخر، فقال: سمعت أبا نصرٍ أحمد بن محمَّدٍ الورَّاق يقول: سمعت أحمد بن حمدون القصَّار هو أبو حامدٍ الأعمش يقول: سمعت مسلم بن الحجَّاج، وجاء إلى محمَّد بن إسماعيل، فقبَّل ما بين عينيه، وقال: دعني حتَّى أقبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذِين وسيِّد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله، حدّثنا محمَّد بن سلَّامٍ، حدَّثنا محمَّد بن مخلد بن يزيد، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، حدَّثنا موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ في كفَّارة المجلس، فقال محمَّد بن إسماعيل: وحدَّثنا أحمد ابن حنبل ويحيى بن معينٍ، قالا: حدَّثنا حجَّاج بن محمَّدٍ عن ابن جريجٍ، حدَّثني موسى بن عقبة عن سهيلٍ عن أبيه عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كفَّارة المجلس أن يقول إذا قام من مجلسه: سبحانك اللهمَّ ربَّنا وبحمدك»، فقال محمَّد بن إسماعيل: هذا حديثٌ مليحٌ، ولا أعلم بهذا الإسناد في الدُّنيا حديثًا غير هذا، إلَّا أنَّه معلولٌ. حدَّثنا به موسى بن إسماعيل، حدَّثنا وهيبٌ، حدَّثنا سهيلٌ عن عون بن عبد الله قولَه، قال محمَّد بن إسماعيل: هذا أولى، ولا يُذكَر لموسى بن عقبة مُسنَدًا عن
وانْقَطَعْتْ حجَّتُهُ وازدادَ خجلُهُ.
قوله: (الأُسْطُوَانَة) بضم الهمزة وسكون السين وضم الطاء المهملة: العامود المنتصب.
قوله: (أَحْدَقُوْا)؛ أي: أحاطوا به.
قوله: (ابْنُ جَبَلة) بجيم وموحدة مفتوحتين، و (رَوَّاد) براء مفتوحة وواوٍ مُشددة، و (العَتْكِي) بعين مهملة مفتوحة فمثناة فوقية ساكنة.
قوله: (فِيْ الدُّنْيَا … ) إلى آخره، استفهامٌ على تقدير الهمزة.
وقوله: (ابْنُ جُرَيْج) مستأنفٌ لبيانِ أحسنيَّته.
وقوله: (يُعْرَفُ فِيْ الدُّنْيَا) على حذفِ همزة الاستفهام؛ أي: أيعرف.
قوله: (إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُوْلٌ) سيأتي للشارح بيانُ عِلَّتِهِ عن المصنف، بأنَّ مُوسى بن عُقبة ليسَ لهُ مُسند عن
стр. 109
سهيلٍ.
وقال الحافظ أحمد بن حمدون: رأيت البخاريَّ في جنازةٍ ومحمَّد بن يحيى الذُّهليُّ يسأله عن الأسماء والعلل، والبخاريُّ يمرُّ فيه كالسَّهم، كأنَّه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.
وأمَّا تآليفه فإنَّها سارت مسير الشَّمس، ودارت في الدُّنيا فما جحد فضلَها إلَّا الذي يتخبَّطه الشَّيطان من المسِّ، وأجلُّها وأعظمها: «الجامع الصَّحيح».
ومنها: «الأدب المفرد» ويرويه عنه أحمد بن محمَّد بن الجليل -بالجيم- البزَّاز.
ومنها: «برُّ الوالدين» ويرويه عنه محمَّد بن دَلُّويه الورَّاق.
ومنها: «التَّاريخ الكبير»، الذي صنَّفه -كما مرَّ- عند قبر النَّبيِّ ﷺ في اللَّيالي المقمرة، ويرويه عنه أبو أحمد محمَّد بن سليمان بن فارسٍ وأبو الحسن محمَّد بن سهل الفسويُّ، وغيرهما.
ومنها: «التَّاريخ الأوسط»، ويرويه عنه عبد الله بن أحمد بن عبد السَّلام الخفَّاف، وزنجويه بن محمَّدٍ اللَّباد.
ومنها: «التَّاريخ الصَّغير»، ويرويه عنه عبد الله بن محمَّد بن عبد الرَّحمن الأشقر.
ومنها: «خلق أفعال العباد»، الذي صنَّفه بسبب ما وقع بينه وبين الذُّهليِّ، كما سيأتي قريبًا -إن شاء الله تعالى- ويرويه عنه يوسف بن ريحان بن عبد الصَّمد والفَِرَبْريُّ أيضًا.
وكتاب «الضُّعفاء»، يرويه عنه أبو بشرٍ محمَّد بن أحمد بن حمَّادٍ الدُّولابيُّ، وأبو جعفرٍ مُسبِّح بن سعيدٍ وآدم بن موسى الخواريُّ.
قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذه التَّصانيف موجودةٌ مرويَّةٌ لنا بالسَّماع والإجازة.
قال: ومن تصانيفه: «الجامع الكبير»، ذكره ابن طاهرٍ، و «المسند الكبير» و «التَّفسير الكبير» ذكره الفَِرَبْريُّ، وكتاب «الأشربة» ذكره الدَّارقطنيُّ في «المؤتلف والمختلف»، وكتاب «الهبة»، ذكره ورَّاقه، و «أسامي الصَّحابة»، ذكره أبو القاسم بن منده، وأنَّه يرويه من طريق ابن فارسٍ عنه، وقد نقل منه أبو القاسم البغويُّ الكثير في «معجم الصَّحابة» له، وكذا ابن منده في «المعرفة»، ونقل عنه في كتاب «الوُحدان» له؛ وهو مَنْ ليس له إلَّا حديثٌ واحدٌ من الصَّحابة، وكتاب «المبسوط»، ذكره الخليليُّ في «الإرشاد»، وأنَّ مَهيب بن سُليمٍ رواه عنه في «كتاب العلل»، وذكره أبو القاسم بن منده أيضًا، وأنَّه يرويه عن محمَّد بن عبد الله بن حمدون عن أبي محمَّد عبد الله بن الشَّرقيِّ عنه، وكتاب «الكنى»، ذكره الحاكم أبو أحمد ونقل منه، وكتاب «الفوائد»، ذكره التِّرمذيُّ في أثناء كتاب «المناقب» من «جامعه».
ومن شعره ممَّا أخرجه الحاكم في «تاريخه»:
اغتنم في الفراغ فَضْلَ ركوعٍ … فعسى أن يكون موتُك بَغْتهْ
كم صحيحٍ رأيتُ من غير سقمٍ … ذهبت نفسه الصَّحيحة فلتهْ
ولمَّا نُعِيَ إليه عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ الحافظ؛ أنشد:
إن عشتَ تُفجَعُ بالأحبَّة كلِّهمْ … وبقاءُ نفسك -لا أبا لكَ- أفجعُ
وأمَّا ثناء النَّاس عليه بالحفظ والورع والزُّهد وغير ذلك؛ فقد وصفه غير واحدٍ بأنَّه كان أحفظ أهل زمانه، وفارس ميدانه، كلمةٌ شهد له بها الموافقُ والمخالف، وأقرَّ بحقيقتها المعادي والمحالف.
قال الشَّيخ تاج الدِّين السُّبكيُّ في «طبقاته»: كان البخاريُّ إمامَ المسلمين، وقدوةَ المؤمنين، وشيخَ الموحِّدين، والمُعوَّلَ عليه في أحاديث سيِّد المُرسَلين، قال: وقد ذكره أبو عاصمٍ في طبقات أصحابنا الشَّافعية، وقال: سمع من الزَّعفرانيِّ وأبي ثورٍ والكرابيسيِّ، قال: ولم يرو عن الشَّافعيِّ في «الصَّحيح»؛ لأنَّه أدرك أقرانه، والشَّافعيُّ مات مكتهلًا، فلا يرويه نازلًا. انتهى. نعم؛ ذكر البخاريُّ الشَّافعيَّ ﵁ في «صحيحه» في موضعين في «الزكاة» [خ¦٢٤/ ٦٦ - ٢٣٦٠]، وفي «تفسير العرايا» [خ¦٣٤/ ٨٤ - ٣٤١٨]، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ في تاريخه «البداية والنِّهاية»: كان إمامَ الحديث في زمانه، والمُقتَدى به في أوانه، والمُقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه.
وقال قتيبة بن سعيدٍ: جالست الفقهاء والعبَّاد والزُّهَّاد، فما رأيت منذ عقلت مثل محمَّد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمرَ في الصَّحابة، وقال أيضًا: لو كان في الصَّحابة لكان آيةً.
وقال أحمد ابن حنبل فيما رواه الخطيب بسندٍ صحيحٍ: ما أخرجت خراسانُ مثلَ محمَّد بن إسماعيل.
وقال الحافظ عماد الدِّين ابن كثيرٍ: إنَّه دخل بغداد ثمانِ مرَّاتٍ، وفي كلِّ مرَّةٍ منها يجتمع بالإمام أحمد ابن حنبل، فيحثُّه على الإقامة ببغداد، ويلومه على الإقامة بخراسان.
قال يعقوب بن إبراهيم الدَّورقيُّ ونُعيمٌ الخزاعيُّ: محمَّد بن إسماعيل فقيه هذه الأمَّة.
وقال بندار بن بشَّار: هو أفقه خلق الله في زماننا.
وقال نُعيم بن حمَّادٍ: هو فقيه هذه الأمَّة.
وقال إسحاق بن رَاهُوْيَه: يا معشر أصحاب الحديث، انظروا إلى هذا الشَّابِّ واكتبوا عنه؛ فإنَّه لو كان في زمن الحسن البصريِّ لاحتاج النَّاس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقد فضَّله بعضهم في الفقه والحديث على الإمام أحمد ابن حنبل وإسحاق بن رَاهُوْيَه.
وقال رجاء بن مُرَجَّى: فضل محمَّد بن إسماعيل -يعني في زمانه- على العلماء؛ كفضل الرِّجال على النِّساء، وهو آيةٌ من آيات الله تعالى تمشي على الأرض.
وقال الفلَّاس: كلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ.
وقال يحيى بن جعفر البيكنديُّ: لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمَّد بن إسماعيل؛ لفعلت؛ فإنَّ موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ، وموت محمَّد بن إسماعيل فيه ذهابُ العلمِ.
وقال عبد الله بن عبد الرَّحمن الدَّارميُّ: رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشَّام والعراق، فما رأيت فيهم أجمع من محمَّد بن إسماعيل.
سُهيل، وإنَّما هو موسى بن إسماعيل.
قوله: (دَلُّوْيَه) تقدَّمَ ضبطهُ قريبًا.
قوله: (النَّسَوِي) بالنون والسين المهملة المفتوحتين، نسبةً إلى نسا مدينة بخُرَاسَان.
قوله: (الخَفَّاف) بخاء معجمة وفاءين بينهما ألف، و (زَنْجُوْيَه) بزاي فنون ساكنة فجيم مضمومة فواو ساكنة فمُثناة تحتيةٍ مفتوحة، آخرهُ هاء.
قوله: (وَلَمَّا نُعِيَ إِلَيْهِ) بضم النون وكسر العين المهملة، أي: بلغه أنَّه قد مات.
قوله: (بِالأَحِبَّةِ)؛ أي: بموتهم.
وقوله: (وَبَقَاءُ نَفْسِكَ)؛ أي: بعدهم.
وقوله: (لَاْ أَبَا لَكَ) جملة اعتراضية بالدعاء عليه بفقد والده، ومثل ذلك جارٍ في كلامهم على غيرِ حقيقتهِ بل مُرَادًا منهُ التَّرَحُم، أو الضد، كتربت يداك، وقاتله الله ما أشعره، ونحو ذلك، ولفظ (أَفْجَعُ) خبرٌ عن قوله (وَبَقَاءُ نَفْسِكَ).
قوله: (وَالمُخَالِفُ) هي في الأولى بالخاءِ المعجمة من المُخَالَفَةِ، وفي الثانية بالمُهملة من التَّحَالف؛ أي: التَّعَاهُدُ على المودةِ والنُّصْرَة ونحو ذلك.
قوله: (نَعَمْ ذَكَرَ البُخَارِيُّ الشَّافِعِيَّ)؛ أي: ناقلًا لكلامه لا رَاويًا لحديثه.
قوله: (رَجَاء بنُ مُرَجَّا) بضم الميم من مُرَجَّا وفتح الراء والجيم المشددة.
قوله: (فَلَيْسَ بِحَدِيْثٍ)؛ أي: معتدٍّ بِهِ.
стр. 110
وقال أبو سهلٍ محمود بن النَّضر الفقيه: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصرَ يقولون: حاجتنا في الدُّنيا النَّظر إلى محمَّد بن إسماعيل، وقال أيضًا: كنت أستملي له ببغداد، فبلغ من حضر المجلس عشرين ألفًا؛ وقال إمام الأئمَّة أبو بكرٍ محمَّد بن إسحاق بن خزيمة: ما تحت أديم السَّماء أعلم بالحديث من محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ.
وقال عبد الله بن حمَّادٍ الآمليُّ: لوددت أنِّي كنت شعرةً في جسد محمَّد بن إسماعيل.
وقال محمَّد بن عبد الرَّحمن الدَّغوليُّ: كتب أهل بغداد إلى محمَّد بن إسماعيل كتابًا فيه:
المسلمون بخيرٍ ما بقيتَ لهمْ … وليس بعدكَ خيرٌ حين تُفتقَدُ
وقال: وكان رحمه الله تعالى غايةً في الحياء، والشَّجاعة والسَّخاء، والورع والزُّهد في دار الدُّنيا دار الفناء، والرَّغبة في دار البقاء، وكان يختم في رمضان في كلِّ يومٍ ختمةً، ويقوم بعد صلاة التَّراويح كلَّ ثلاث ليالٍ بختمةٍ.
وقال ورَّاقه: كان يصلِّي في وقت السَّحر ثلاث عشْرة ركعةً، وقال أيضًا: دُعِيَ محمَّد بن إسماعيل إلى بستانٍ، فلمَّا صلَّى بهم الظُّهر قام يتطوَّع، فلمَّا فرغ من صلاته رفع ذيل قميصه، وقال لبعض مَنْ معه: انظر، هل ترى تحت قميصي شيئًا؟ فإذا زنبورٌ قد لسعه في ستَّة عشر أو سبعة عشر موضعًا، وقد تورَّم من ذلك جسده، فقال له بعض القوم: كيف لم تخرج من الصَّلاة أوّل ما لسعك؟! قال: كنت في سورةٍ، فأحببت أن أتمَّها، وقال: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أنِّي اغتبت أحدًا، ويشهد لهذا كلامه في التَّجريح والتَّضعيف، فإنَّه أبلغ ما يقول في الرَّجل المتروك أو السَّاقط: فيه نظرٌ، أو سكتوا عنه، ولا يكاد يقول: فلانٌ كذَّابٌ.
وقال ورَّاقه: سمعته يقول: لا يكون لي خصمٌ في الآخرة، فقلت: يا أبا عبد الله، إنَّ بعض النَّاس ينقم عليك «التَّاريخ»، يقول: فيه اغتيابُ النَّاس، فقال: إنَّما رَوَينا ذلك روايةً، ولم نَقُلْهُ من عند أنفسنا. وقد قال ﷺ : «بئس أخو العشيرة».
وقال: ما اغتبت أحدًا منذ علمت أنَّ الغِيبة تضرُّ أهلها، وكان قد ورث من أبيه مالًا كثيرًا، فكان يتصدَّق به.
وكان قليل الأكل جدًّا، كثير الإحسان إلى الطَّلبة، مُفرِطًا في الكرم.
وحُمِلَ إليه بضاعةٌ أنفذها إليه أبو حفصٍ، فاجتمع بعض التُّجَّار إليه بالعشيَّة، وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهمٍ، فقال لهم: انصرفوا اللَّيلة، فجاءه من الغد تجَّار آخرون يطلبونها بربح عشرة آلاف درهمٍ، فردَّهم، وقال: إنِّي نويت البارحة بيعَها للَّذين أتَوا البارحة ولا أحبُّ أن أغيِّر نيَّتي.
وجاءته جاريته فعثرت على محبرةٍ بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟! فقالت: إذا لم تكن طريقٌ فكيف أمشي؟ فقال: اذهبي، فأنت حرَّةٌ لوجه الله تعالى، فقِيلَ له: يا أبا عبد الله، أغضبتك وأعتقتها؟! قال: أرضيتُ نفسي بما فعلتُ.
وقال ورَّاقه: إنَّه كان يبني رباطًا ممَّا يلي بخارى، فاجتمع بشرٌ كثيرٌ يعينونه على ذلك، وكان ينقل اللَّبِن، فكنت أقول له: إنَّك تُكفَى ذلك، فيقول: هذا الذي ينفعني، وكان ذبح لهم بقرةً، فلمَّا أدركت القدور دعا النَّاس إلى الطَّعام، وكان بها مئة نفسٍ أو أكثر، ولم يكن علم أنَّه اجتمع ما اجتمع، وكنَّا أخرجنا خبزًا بثلاثة دراهم أو أقلَّ، فأكل جميع من حضر، وفضلت أرغفةٌ.
ولمَّا قدم نيسابور تلقَّاه أهلها من مرحلتين أو ثلاثٍ، وكان محمَّد بن يحيى الذُّهليُّ في مجلسه، فقال: من أراد أن يستقبل محمَّد بن إسماعيل غدًا فليستقبله فإنِّي أستقبله، فاستقبله الذُّهليُّ وعامَّة علماء نيسابور، فدخلها، فقال الذُّهليُّ لأصحابه: لا تسألوه عن شيءٍ من الكلام، فإنَّه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه فقد وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كلُّ ناصبيٍّ ورافضيٍّ وجهميٍّ ومرجئيٍّ، فازدحم النَّاس على البخاريِّ حتَّى امتلأت الدَّار والسُّطوح، فلمَّا كان اليوم الثَّاني أو الثَّالث من يوم قدومه قام إليه رجلٌ، فسأله عن اللَّفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقةٌ، وألفاظنا من أفعالنا، فوقع بين النَّاس اختلافٌ؛ فقال بعضهم: إنَّه قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وقال آخرون: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلافٌ حتَّى قام بعضهم إلى بعضٍ، فاجتمع أهل الدَّار وأخرجوهم. ذكره مسلم بن الحجَّاج.
وقال ابن عديٍّ: لمَّا ورد نيسابور واجتمع النَّاس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إنَّ محمَّد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فلمَّا حضر المجلس قام إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في اللَّفظ بالقرآن؟ أمخلوقٌ هو أم غير مخلوقٍ؟ فأعرض عنه البخاريُّ ولم يجبه ثلاثًا، فألحَّ عليه، فقال البخاريُّ: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوقٍ، وأفعال العباد مخلوقةٌ، والامتحان بدعةٌ، فشغب الرجل، وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. انتهى.
وقد صحَّ أنَّ البخاريَّ تبرَّأ من هذا الإطلاق، فقال: كلُّ من نقل عنِّي أنِّي قلت: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، فقد كذب عليَّ، وإنمَّا قلت: أفعال العباد مخلوقةٌ. أخرج
قوله: (البِيْكَنْدِي) بكسر الموحدة وسكون التحتية كما سلف آنفًا.
قوله: (أَدِيْمِ السَّمَاءِ)؛ أي: وجهها.
قوله: (الآمُلِي) تقدم أنَّه بمد الهمزة وتخفيف الميم المضمومة.
قوله: (الدَّغُولِي) بفتح الدال وضم الغين المعجمة آخره لام، نسبةً إلى دغول من قُرى نَيْسَابور، قاله ابن ماكُولا.
قوله: (لَسَعَهُ) في «القاموس»: لَسَعَتْهُ العقرب والحية كمنع، لدغته، أو اللسع لذوات الإبر واللَّدغ بالفم. انتهى فهما قولان خلافًا لما في «دُرَّةِ الغَوَّاص».
قوله: (وَقَدْ قَالَ ﷺ ؛ أي: لما استأذن عليه بعض روؤساء الكفار، وعنده السيدة عائشة ﵂ فقال ذلك لها، ثمَّ أَذِن له فدخل فبشَّ في وجهه وأكرمه استئلافًا لقلبه وترغيبًا له، وكان قوله: «بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ» إخبارًا بِحَاله وتنفيرًا من أفعاله.
قوله: (وَشَمِتَ بِنَا) في «القاموس» شَمِتَ كَفَرِحَ ببليةِ العدو وأشمته الله به.
قوله: (كُلُّ نَاصِبِيٍّ) النَّاصِبِيَّة قومٌ يتدينون ببغضِ عليٍّ ﵁، والرافضة فرقةٌ من الشيعة تابعوا زيد بن علي ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين فأبى، وقال: كانا وزيري جدي فتركوه ورفضوه وأرفضوا عنه، والنسبة رافضي.
قوله: (وَجَهْمِيٍّ)؛ أي: منسوبٍ إلى جَهْم، وهو جَهْمُ بن صفوان رئيسُهم، فهُم قومٌ يقولونَ: لا قدرةَ للعبدِ لا مُؤَثِّرَة ولا كَاسِبَة بل هو كالجماد، وقالوا: الجنة والنار يفنيان بعد دخول أهلهما ولا يبقى موجودٌ سوى الله، والمُرْجِئة قومٌ يقولونَ: لا يضرُّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفعُ مع الكفرِ طاعة.
قوله: (قَالَ لَفْظِي … ) إلى آخره؛ أي: لأنَّه وإن لم يقل ذلك فهو لازمُ كلامه، فإنَّ اللفظ من أفعال العباد.
قوله: (فَشَغَبَ الرَّجُلُ) بالفتح؛ أي: رفعَ صوته ليهيجَ شرًّا، يُقال: شَغَبَ بالمعجمة بهم وعليهم كمنع وفَرِحَ هَيَّجَ الشرَّ عليهم.
قوله: (فَقَدْ كَذَبَ)؛ أي: لأني لم أقل ذلك صراحةً، وهو وإن كان صحيحًا في نفسه لكن خَشِيَ كالقوم