• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم-مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب- كان مبتدعا في الدين، مشركا برب العالمين، متبعًا غير سبيل المؤمنين" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين؛ أن ينزل بهم من الشدّة والضر ما يلجؤهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه ولايرجون أحداً سواه، فتتعلق قلوبهم به لابغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوكل: حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وهذا وصف لكل مخلوق، وأنه لا ينفع ولا يضرّ، وإنما النافع الضارّ هو الله، ومن دعا ما لا يضرّه ولا ينفعه فقد ظلم نفسه بالوقوع في الشرك الأكبر، وإذا كان النبي ﵊ لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين، فكيف بغيره؟ (٤).
стр. 737
المطلب الثالث: الله-عزوجل-قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد.
• قال الله- : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: الآية: ٢٣].
• فالله- -قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمراً شرعيًّا، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد" (١).
المطلب الرابع: التوحيد دعوة للتوكل على الله في كل الأحوال.
• قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: الآية: ١٠٧].
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٩].
• قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ٨٨].
стр. 738
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: الآية: ١٢٣].
• قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. [الأحزاب: الآية: ١٧].
• قال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: الآية: ٥].
فمن يتأمل النصوص الشرعية الواردة في التوحيد والدالة على عظمة الله فإنها تشعر العبد المؤمن بالطمئنينة وتحثه على حسن التوكل عليه، والقرآن دعوة لتثبت الإيمان في القلوب قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: الآية: ١٢٠].
فمن يقرأ عن عظمة الله في القرآن فإنه يشعر بطمأنينة وسكينة لأن آيات القرآن تقرر أن كل كل شيء عنده سبحانه، وهو كتوب وبمشيئته وتحت ملكه، فهو المتصرف في الكون كله
فإذا آمن العبد بذلك كله فإن ذلك يجعل من المؤمن لا يخاف، فالموحد لا يخشى أحدًا إلا الله، فالتوحيد الحقيقي أنك لا ترى مع الله أحدًا أبدًا، وذلك بأن تعلم وتتيقن بأن كل شيء وقع وتحقق فقد أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، فالله غني عن العالمين.
فهل يعقل أن الله يأمرك بعبادته ويأمرك أن تتوكل عليه ويجعل مصيرك في يد أحد من البشر.
стр. 739
الإجابة
المطلب الخامس: التوحيد شرط في تحقيق التوكل.
• قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَنْ يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ﴾ [التوبة: الآية: ٥١].
• قال عبد الرحمن بن محمد بن قدامة (ت: ٦٨٢ هـ) ﵀: "إن التوكل لا يمكن له أن يوجد في قلب العبد المؤمن بدون أن يكون القلب صافيًا في توحيد الله-تعالى-؛ لأنه إن أخلص التوحيد، وأيقن أن لا خالق في هذا الكون ولا رازق إلا الله -تعالى-، لم يطلب الرزق من غير الله، وإذا أيقن أن القوة لله، لم يخشَ ولم يخف إلا الله -تعالى-" (١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد يكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أَرْجَحُ الْمَكَاسِبِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةُ بِكِفَايَتِهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ" (٣).
стр. 740
المطلب السادس: التوحيد يرسخ في الإنسان أنه عبد لله راجع وهذا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون.
• قال الحسين بن علي (ت: ٦١ هـ) ﵄: "من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له" (١).
• قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀-لرجل: كم أتت عليك؟
قال: ستون سنة.
قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟
تقول: أنا لله عبد .. وإليه راجع فمن علم أنه لله عبد .. وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف .. ومن علم أنه موقوف .. فليعلم أنه مسؤول.
ومن علم أنه مسؤول .. فليعد للسؤال جوابا.
فقال الرجل: فما الحيلة؟
قال: يسيرة.
فقال الرجل: ما هي؟
قال: تحسن فيما بقي .. يغفر لك ما مضى فإنك إن أسأت فيما بقي .. أخذت بما مضى وبما بقي" (٢).
стр. 741
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان الله دينا، ومن لا دين له فهو كافر" (١).
• قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀: "المقصد الشرعي مِنْ وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً" (٢).
стр. 742
الخاتمة.
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد- ﷺ -المبعوث بالمكرمات، وبعد:
فإن العلم كالبحر قال بعض العلماء: "المتعمق في العلم كالسابح في البحر ليس يرى أرضًا، ولا يعرف طولًا ولا عرضًا" (١). وأعظم العلم وأكبره هو العلم بالله كما قال سهل التستري: "وليس في خزائن الله أكبر من التوحيد" (٢).
فما جمعته في هذا الموضوع هو جهد المقل المقصر الذي يدرك أن ما جمعه في هذا الكتاب لا يمكن من خلاله الإحاطة بجوانب الموضوع واستقصاء ما كتبه العلماء في هذا الباب من عبارات وكلمات عن محاسن التوحيد، وحسبي عذرًا ما قيل في أمثال العرب: "حَسْبُك من القلادة ما أحاط بالعُنُق" أي اكتفي بالقليل عن الكثير (٣)؛ وهو مثل يقال في طلب الاقتصار على المفيد، وكلي رجاء بالله أن يتقبل هذا العمل، وأن يبارك فيه ويعم بنفعه من اطلع عليه، وأن يغفر الله لي تقصيري وما وقع فيه من خلل ونقص فإن ذلك من طبيعة عمل البشر.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.