إلى هذا» (١).
وفي "المسند" عن بشير بن الخصاصية قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه فاشترط علي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله، أما اثنتان فوالله لا أطيقهما: الجهاد والصدقة! فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها، وقال: «فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟!» قلت: يا رسول الله! أن أبايعك، فبايعته عليهن كلهن" (٢).
المطلب الواحد والعشرون: التوحيد سبيل الفوز.
• قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: الآية: ١٨٥].
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص (ت: ٦٥ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «فمَن أحَب أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة، فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه» (٣).
• عبد الله بن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : "من سرّه أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن
стр. 702
لا اله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويأتي الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (١).
• قال الحسن بن محمد النيسابوري (ت: ٨٥٠ هـ) ﵀: "قال ﷺ : «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». "فالأول رعاية حقوق الله، والثاني محافظة حقوق العباد" (٢).
المطلب الثاني والعشرون: التوحيد يدخل الله به الجنة.
• فعن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (٣).
• وفي حديث جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة» (٤).
• وفي حديث عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁-عن النبي- ﷺ -أنه قال: "ما
стр. 703
منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ويعفى لأهل التوحيد المحض الذى لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقى الموحد الذى لم يشرك بالله شيئًا البتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة، ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده وشابه بالشرك، فإن التوحيد الخالص الذى لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب. فإنه يتضمن من محبة الله تعالى وإجلاله، وتعظيمه، وخوفه، ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب" (٢).
المطلب الثالث والعشرون: التوحيد أساس دخول الجنة.
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-أن أعرابيا أتى النبي ﷺ ، فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة.
قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان». قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى قال الرسول ﷺ : «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا» (٣).
стр. 704
• وعَنْ جَابِرٍ (ت: ٧٨ هـ) ﵁-قال: أتَى النَّبِيَّ- ﷺ -رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً دَخَلَ النَّارَ» (١).
• عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: «لا اله إلا الله يبتغي به وجه الله إلا حرم الله عليه النار» (٢).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالقلب لَا يصلح وَلَا يفلح وَلَا ينعم وَلَا يسر وَلَا يلتذ وَلَا يطيب وَلَا يسكن وَلَا يطمئن إِلَّا بِعبَادة ربه وحبه والإنابة إِلَيْهِ وَلَو حصل لَهُ كل مَا يلتذ بِهِ من الْمَخْلُوقَات لم يطمئن وَلم يسكن إِذْ فِيهِ فقر ذاتي إِلَى ربه من حَيْثُ هُوَ معبوده ومحبوبه ومطلوبه وَبِذَلِك يحصل لَهُ الْفَرح وَالسُّرُور واللذة وَالنعْمَة والسكون والطمأنينة، وَهَذَا لَا يحصل لَهُ إِلَّا باعانة الله لَهُ فَإِنَّهُ لَا يقدر على تَحْصِيل ذَلِك لَهُ إِلَّا الله فَهُوَ دَائِما مفتقر إِلَى حَقِيقَة ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة: الآية: ٥] " (٣).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (٤).
• قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀:
стр. 705
"فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا.
وقد ذكر معناه غيره كابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀، وابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀، والمنذري (ت: ٦٥٦ هـ) ﵀، والقاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) ﵀، وغيرهم.
وحاصله: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع.
ولهذا قيل للحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀-إن ناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها
стр. 706
دخل الجنة" (١)
• وقال وهب بن منبه (ت: ١١٤ هـ)، لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: "بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح" (٢)
ويدل على ذلك أن الله رتب دخول الجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وكذلك النبي ﷺ كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب: "أن رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» (٣) " (٤).
• وفي "المسند" عن بشر بن معبد بن الخصاصية (لم أقف على سنة وفاته) ﵁، قال: "أتيت النبي ﷺ لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله.
стр. 707
فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين، فوالله ما أطيقهما: الجهاد والصدقة، فقبض رسول الله ﷺ يده ثم حركها وقال: «فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟!»، قلت: يا رسول الله أبايعك عليهن كلهن" (١).
ففي الحديث: أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد، والصلاة، والحج، والصيام. والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، وبالعكس.
وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى" (٢).
المطلب الرابع والعشرون: التوحيد يمنع دخول النار بالكلية إذا كمل في القلب.
• ففي حديث عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁-عن النبي ﷺ : « … فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» (٣).
• عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁-مرفوعا: «من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، حرم الله عليه النار» (٤).
стр. 708
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الكامل: هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر.
فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل. وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك" (١).
• قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿إنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ [فصلت: الآية: ٦]: "فمن كان له أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود، ومن كان له كمال الاستقامة في الأصول والفروع أمن الوعيد" (٢).
• قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ (ت: ١٢٣٣ هـ) ﵀: "وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصا من قلبه مستيقنا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا ممن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من
стр. 709
قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث: - سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف: الآية: ٢٣]. وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا، فإنه كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبا إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به على الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال: لا إله إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى
стр. 710
بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة يضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه، ومن قال شرا وعمل شرا لم يقبل منه.
وقال بكر بن عبد الله المزني (ت: ١٠٨ هـ) ﵀: "ما سبقهم أبو بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁، بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه" (١).
стр. 711
فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته.
والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا" (١).
المطلب الخامس والعشرون: إن التوحيد يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل وأنه إذا اكتمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية.
• عن عبادة بن الصامت (ت: ٣٤ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 712
«من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (١).
• عن أَنسٍ (ت: ٩٠ هـ) ﵁: "أن نبي الله ﷺ ، ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: يا معاذ قال: لبيك رسول الله وسعديك، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا، قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما" (٢).
• عن عتبان بن مالك الأنصاري (ت: وسط خلافة معاوية) ﵁ «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (٣).
• عن جابر (ت: ٧٨ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» (٤).
• عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: « … أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان … » (٥).
• عن عبد الله بن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁-قال: يقول أهل النار لمن دخلها من أهل التوحيد: قد كان هؤلاء مسلمين، فما أغنى عنهم؟!
стр. 713
قال: فيغضب لهم ربهم فيدخلهم الجنة، فعند ذلك يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" (١).
• قال سعيد بن محمد الغساني ويعرف بأبي عثمان بن الحداد (ت: ٣٠٢ هـ) ﵀-عند قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: الآية: ٤٨]: "إن الله تعالى لا يخلد في النار من عمل عملا مقبولا منه، إذ قبول العمل يوجب ثوابه، والتخليد في العذاب يمنع ثواب الأعمال، وقد أخبر الله تعالى في كتابه الصادق به ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: الآية: ٤٠]، وترك المثوبة على الإحسان ظلم، تعالى الله عن ذلك" (٢).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "وفي تفسير السدي (ت: ١٢٨ هـ) -رحمة الله-: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ [هود: الآية: ١٠٧]، يعني: ما نقص لأهل التوحيد الذين أخرجوا من النار" (٣).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "وأما قوله فى حديث أبى ذر: «من قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق». وقول البخارى: فقال هذا عند الموت إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غفر له. هذا تفسير يحتاج إلى تفسير آخر، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع فى الذنوب التى بين العبد وبين ربه، فأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة.
ومعنى الحديث أن من مات على التوحيد أنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب، ولا يخلد فى النار بذنوبه كما يقوله الخوارج وأهل
стр. 714
البدع" (١).
• قال النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀: "لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ولا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد بل يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان أو مثقال شعيرة من إيمان أو مثقال ذرة من إيمان" (٣).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام فكيف بالإيمان الذي يمنع من دخولها" (٤).
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "فاعلم أن الذي أثبتته الآيات القرآنية والسنن النبوية ودرج عليه السلف الصالح والصدر الأول من الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة التفسير والحديث والسنة أن العصاة من أهل التوحيد على ثلاث طبقات:
الأولى: قوم رجحت حسناتهم بسيئاتهم، فأولئك يدخلون الجنة ولا تمسهم النار أبدا.
الثانية: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وهؤلاء هم أصحاب الأعراف الذين ذكر الله تعالى أنهم يقفون بين الجنة والنار ما شاء الله أن يقفوا ثم يؤذن لهم في دخول الجنة كما قال الله تعالى بعد أن أخبر بدخول أهل
стр. 715
الجنة الجنة، وأهل النار النار، وتناديهم فيها، قال: ﴿وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ [الأعراف: الآية: ٤٦]- إلى قوله: ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون﴾ [الأعراف: الآية: ٤٩]
الطبقة الثالثة: قوم لقوا الله تعالى مصرين على كبائر الإثم والفواحش ومعهم أصل التوحيد والإيمان، فرجحت سيئاتهم بحسناتهم، فهؤلاء هم الذين يدخلون النار بقدر ذنوبهم، ومنهم من تأخذه إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، حتى أن منهم من لم يحرم الله منه على النار إلا أثر السجود، وهذه الطبقة هم الذين يأذن الله تعالى في الشفاعة فيهم لنبينا محمد ﷺ ولغيره من بعده من الأنبياء والأولياء والملائكة ومن شاء الله أن يكرمه، فيحد لهم حدا فيخرجونهم، ثم يحد لهم حدا فيخرجونهم وهكذا فيخرجون من كان في قلبه وزن دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار من خير، ثم من كان في قلبه وزن برة من خير، إلى أن يخرجوا منها من في قلبه وزن ذرة من خير، إلى أدنى من مثقال ذرة إلى أن يقول الشفعاء: ربنا لم نذر فيها خيرا. ولن يخلد في النار أحد ممن مات على التوحيد ولو عمل أي عمل، ولكن كل من كان منهم أعظم إيمانا وأخف ذنبا كان أخف عذابا في النار وأقل مكثا فيها وأسرع خروجا منها، وكل من كان أعظم ذنبا وأضعف إيمانا كان بضد ذلك، والأحاديث في هذا الباب لا تحصى كثرة وإلى ذلك أشار النبي ﷺ بقوله: «من قال: لا إله إلا الله نفعته يوما من الدهر يصيبه قبل ذلك ما أصابه» (١)؛ وهذا مقام ضلت فيه
стр. 716
الأفهام وزلت فيه الأقدام واختلفوا فيه اختلافا كثيرا: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: الآية: ٢١٣] " (١).
المطلب السادس والعشرون: الأعمال والأقوال متوقفة في قبولها وكمالها على التوحيد.
فجميع الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمّت.
وفي السُّنة النبوية دلالةٌ على عدم نفع الأعمال لمن لم يوفِّ حقَّ التوحيد وأشرَكَ بالله تعالى؛
• فعن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) -رضي الله تعالى عنه-قال: قال النبيُّ ﷺ : «قال اللهُ ﵎: أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ؛ مَنْ عمِل عملًا أشرَكَ فيه معِي غيرِي، تركتُه وشِركَه» (٢).
• عن أم المؤمنين عائشة (ت: ٥٨ هـ) ﵂-قالت: يا رسولَ اللهِ، ابنُ جُدْعَانَ كان في الجاهليةِ يصلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المسكينَ، فهلْ ذاكَ نافعُهُ؟ قال: «لا ينفعهُ؛ إنهُ لم يقُلْ يومًا: ربِّ اغفرْ لي خَطيئتي يومَ الدِّينِ» (٣).
• قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿يصلح لكم أعمالكم﴾ [الأحزاب:
стр. 717
الآية: ٧١]، لا يقبل العمل إلا ممن قال: لا إله إلا الله، مخلصا من قلبه" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "ففعل جميع المأمورات وترك جميع المحظورات يدخل في التوحيد في قول: لا إله إلا الله؛ فإنه من لم يفعل الطاعات لله ويترك المعاصي لله: لم يقبل الله عمله، قال تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة: الآية: ٢٧] " (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداءٍ؛ كالمسافر يملأُ جرابه رملاً يُثقله ولا ينفعه" (٣).
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم﴾ [محمد: الآية: ١٩] يحتج به على تقديم أصول الدين كالتوحيد على فروعه كالاستغفار وغيره؛ لتقديمه التوحيد ها هنا، ولأن رتبة الأصل قبل رتبة الفرع، وعلى أن المعتبر في الأصول العلم لا غيره" (٤).
• قال أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (ت: ٨٩٨ هـ) ﵀: " ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: الآية: ٣٠]، أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة في أمور الدين التي هي منتهى العمل؛ وثم للدلالة على تراخي رتبة العمل وتوقف الاعتداد به على التوحيد" (٥).
стр. 718
• قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀"فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي- ﷺ -وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر، سبحان الله ما أعجب هذا الجهل" (١).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد" (٢).
• قال محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ (ت: ١٣٨٩ هـ) ﵀: "فالحاصل أنه لو قدر أن التوحيد بعض المذكورات لكان جحده كفرًا، فكيف وهو أساس ذلك كله؟! بل التوحيد قد يكفي وحده في إسلام العبد ودخوله الجنة؛ فإنه إذا تكلم بكلمة التوحيد ثم توفى قبل وجوب شيء من الفروع عليه كفى التوحيد وحده؛ فالتوحيد ليس فقيرا إليها بل هي الفقيرة إليه في صحتها" (٣).
المطلب السابع والعشرون: الكمل من أهل التوحيد يدخلون الجنة بعير حساب.
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-قال: قال النبي ﷺ : «عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد
стр. 719
كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة» (١).
• عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : «أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الأَلُوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً» (٢).
• عن سهل بن سعد (ت: ٩٠ هـ) ﵁-عن النبي ﷺ قال: «ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفاً أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» (٣).
• عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄-وفي الحديث: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون» (٤)
فالمشار إليهم في الحديث هم في منزلة عالية من هذه الأمة لمزايا خاصة اختصوا بها تتعلق بالتوحيد.
стр. 720
المطلب الثامن والعشرون: اللقاء جزاء التوحيد.
• قال تعالى: ﴿الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (٦٩) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون﴾ [الزخرف: الآيات: ٦٩ - ٧٠].
فلذة النظر جزاء لما من عليهم من التوحيد عند تجلي المكاشفة لأوليائه، وهو البقاء مع الباقي. ألا ترى كيف خصهم في الإيمان بشرط التسليم لأمره والسكون بين يديه.
• قال تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين﴾ [الزخرف: الآية: ٧١]
• قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "أي ما تشتهي الأنفس من ثواب الأعمال، وتلذ الأعين بما فضل الله به من التمكين في وقت اللقاء جزاء لتوحيدهم. فالجنة جزاء أعمال الجوارح، واللقاء جزاء التوحيد، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ " (١).
المطلب التاسع والعشرون: جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد.
• قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤].
стр. 721
• قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٠].
• قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآة: ٧٩].
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "جميع الطاعات تزول يوم القيامة مثل الصلاة والصيام والحج، فإن التكاليف الظاهرة تزول في عالم الغيب، أما طاعة التهليل والتحميد فلا تزول عنهم، وكيف يمكن زوالها عنهم والقرآن يدل على أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد تدل على المواظبة على الذكر والتوحيد. وإنما قلنا: إنهم مواظبون على الحمد لقوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: الآية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: الآة: ٧٩] فثبت أنهم مواظبون على الحمد، والمواظبة على الحمد مواظبة على الذكر، فعلمنا أن جميع العبادات زائلة عن أهل الجنة إلا طاعة الذكر والتوحيد" (١).
• قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "إن هذه الكلمة ثابتة في الآخرة، لا ترتفع عن العبيد، وذلك لأن أهل الجنة يشتغلون في الجنة بذكر التوحيد. ألا ترى أن الله أخبر عنهم بقوله: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: الآية: ٣٤]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا
стр. 722
وَعْدَهُ﴾ [الزمر: الآية: ٧٤]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: الآية: ٤٣] " (١).
المطلب الثلاثون: التوحيد صفوف أهله في روضات الجنات مصفوفة.
• قال تعالى: ﴿متكئين على سرر مصفوفة﴾ [الطور: الآية: ٢٠].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿مصفوفة﴾ قال ابن الأعرابي (ت: ٧٨ هـ) ﵀: أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا" (٢).
• وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "ومعنى ﴿مصفوفة﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض" (٣).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "وبمعنى صفوف أهل التوحيد في روضات الجنات" (٤).
المطلب الواحد والثلاثون: التوحيد يصحح الصلة بين الأحياء والأموات.
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فزيارة أهل التوحيد لقبور المسلمين تتضمن السلام عليهم والدعاء لهم وهي مثل الصلاة على جنائزهم.
وزيارة أهل الشرك تتضمن أنهم يشبهون المخلوق بالخالق ينذرون
стр. 723
له ويسجدون له ويدعونه ويحبونه مثل ما يحبون الخالق فيكونون قد جعلوه لله ندا وسووه برب العالمين" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "الفرق بين زيارة الموحدين للقبور، وزيارة المشركين:
أما زيارة الموحدين فمقصودها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكر الآخرة، والاعتبار والاتعاظ، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله «زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة».
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه، فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك، فالميت أولى؛ لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلهم ومعارفهم، فإذا زاره وأهدى إليه هدية من دعاء، أو صدقة، أو أهدى قربة، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له.
ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور بالرحمة والمغفرة، وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يصلي عندهم.
الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ ، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.
وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام.
قالوا: الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله، لا تزال
стр. 724
تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه، فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.
قالوا: فتمام الزيارة: أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره، وكلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.
وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه: ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.
وبهذا السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذها أعيادا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله- ﷺ -إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده، وكان- ﷺ -في شق، وهؤلاء في شق.
وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله.
قالوا: فإن العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف بقلبه عليه؛ صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من
стр. 725
السلطان من الإنعام والإفضال، ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به.
فهذا سر عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسبى ذراريهم، وأوجب لهم النار.
والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على أهله، وإبطال مذهبهم.
قال تعالى: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (٤٣) قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض﴾ [الزمر: الآية: ٤٤، ٤٣].
فأخبر أن الشفاعة لمن له ملك السماوات والأرض، وهو الله وحده، فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه، ليرحم عبده، فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه، فصارت الشفاعة في الحقيقة إنما هي له، والذي يشفع عنده إنما يشفع بإذنه له وأمره، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهى إرادته من نفسه أن يرحم عبده.
وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها هؤلاء المشركون ومن وافقهم، وهى التي أبطلها الله سبحانه في كتابه، بقوله: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ [البقرة: الآية: ١٢٣]، وقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٤]، وقال تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون﴾ [الأنعام: الآية: ٥١]، وقال: ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع﴾ [السجدة: الآية: ٤].
فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله
стр. 726
سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه، كما قال تعالى: ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ [يونس: الآية: ٣]، وقال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] " (١).
المطلب الثاني والثلاثون: في التوحيد السلامة من الخسارة الدنيوية والآخروية.
• قال-تعالى-: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: الآيات: ١ - ٣].
• قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) [الكهف: الآيات: ١٠٣ - ١٠٦].
• قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "فيه دلالة على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن وقد حبط سعيه، والذي يوجب إحباط السعي إما فساد الاعتقاد أو المراءاة، والمراد هنا الكفر" (٢).
• قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مخطئ، وعمله مردود" (٣).
стр. 727
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ولا تتم له سلامته مطلقا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والإخلاص. وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادا لا تنحصر" (١).
والآيات في هذا المعنى كثيرة ومنها:
• قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية﴾ [الغاشية: الآية: ٢ - ٤].
• قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ [الفرقان: الآية: ٢٣].
• قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا﴾ [النور: الآية: ٣٩].
• قال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: الآية: ١٥].
• وقال تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: الآية: ٥].
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "بمعنى التوحيد وكلمة الإيمان: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: الآية: ٥]، أي بكلمة التوحيد" (٢).
стр. 728
المطلب الثالث والثلاثون: التوحيد نور للعبد يوم القيامة.
• عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: "سمعت عمر بن الخطّاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ يقول لطلحة بن عبيد الله-﵁ (ت: ٣٦ هـ): ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله ﷺ ؟ لعلك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمك؟ قال: معاذ الله، إني لأجدركم أن لا أفعل ذاك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل عند حضرة الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده، وكانت له نورا يوم القيامة» فلم أسأل رسول الله- ﷺ -عنها، ولم يخبرني بها، فذلك الذي دخلني، قال عمر: فأنا أعلمها، قال: فلله الحمد، قال: فما هي؟ قال: هي الكلمة التي قالها لعمه: لا إله إلا الله، قال طلحة: صدقت" (١).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وفي الحديث الصحيح عنه- ﷺ : «إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلا وجدت روحه لها روحا» (٢)، فحياة هذه الروح بحياة هذه الكلمة فيها، فكما أن حياة البدن بوجود الروح فيه، وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في
стр. 729
الجنة يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشه وأطيب عيش قال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى - فإن الجنة هي المأوى﴾ [سورة النازعات: الآية: ٤٠ - ٤١]. فالجنة مأواه يوم اللقاء.
وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا به وعنه مأوى روحه في هذه الدار، فمن كانت هذه الجنة مأواه ها هنا، كانت جنة الخلد مأواه يوم الميعاد، ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا، والأبرار في النعيم وإن اشتد بهم العيش، وضاقت عليهم الدنيا، والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا، قال تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة﴾ [سورة النحل: الآية: ٩٧] وطيب الحياة جنة الدنيا، قال تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾ [سورة الأنعام: الآية: ١٢٥] " (١).
المطلب الرابع والثلاثون: إن الله تكفل لأهل التوحيد بالأمن والطمأنينة والولاية ودخول الجنان.
• قال تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نزلا من غفور رحيم﴾ [فصلت: الآية: ٣٠].
• سئل أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-عن الاستقامة فقال: "أن
стр. 730
لا تشرك بالله شيئاً" (١).
• قرأت عند أبي بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁-هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا" (٢).
• قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀-وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله" (٣).
• قال وكيع بن الجراح (ت: ١٩٧ هـ) ﵀: "البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث" (٤).
• قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده لا شريك له، وبرئوا من الآلهة والأنداد، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (٥).
• قال محمد بن عبد الرؤف المناوي (ت: ١٠٣١ هـ) ﵀: "فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضا والغبطة. ومن ألهاته حياته وشغلته أهواؤه، عادة أمره إلى الندامة والحسرة" (٦).
стр. 731
المبحث الخامس: محاسن التوحيد والإيمان بالقدر.
وفيه ستة مطالب.
المطلب الأول: من تمام التوحيد الإيمان بالقدر.
• عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قَالَ: "الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ ، وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، نَقْضَ التَّوْحِيدَ" (١).
• قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "فإن قيل: ما معنى قول النبى- ﷺ -للذى رفع صوته بلا إله إلا الله، «ألا أدلك على كنز الجنة». فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله تغنى عن غيرها، وهى المنجية من النار؟» (٢)، فالجواب: أن النبى- ﷺ
стр. 732
كان معلما لأمته، وكان لا يراهم على حالة من الخير، إلا أحب لهم الزيادة عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا بد من الإيمان بالقدر فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: هو نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض توحيده" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد" (٣)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه" (٤)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والذي دل عليه قول ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد؛ إثبات فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر والنهي، وهو متعلق المدح والذم
стр. 733
والثواب والعقاب والله أعلم" (١)
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة:
الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.
والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع.
فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر؛ فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر.
وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: «أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (٢). وإن العاجز من لم يتسع للأمرين" (٣)
• قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: "أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر
стр. 734
لما خلق له» (١)، فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعاله خالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن (جميع المخلوقين خالقون)، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: ﴿قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ [الأعراف: الآية: ١٦] وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ﴿هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى﴾ [النجم: الآية: ٣٠] وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: الآية: ٤٣] ولم يقولوا كما قال الفاجر: ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ [القصص: الآية: ٧٨] وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: الآية: ٢٣] ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ﴿رب بما أغويتني﴾ [الحجر: الآية: ٣٩] وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: الآية: ١٥٦]، ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: ﴿وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله
стр. 735
يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾ [آل عمران: الآية: ١٥٦] " (١).
المطلب الثاني: التوحيد تقرير بأن النفع والضر بيد الله.
• قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ [الأنعام: الآية: ١٧]. فالنافع الضار هو المستحق للعبادة وحده.
• قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ الله مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ [يونس: الآيتان: ١٠٦ - ١٠٧].
• قال سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي الصرصري الحنبلي (ت ٧١٦ هـ) ﵀: " قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون﴾ [الزمر: الآية: ٣٨] هي شبيهة بقول إبراهيم: ﴿أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: الآية: ٧٣] وقول صاحب يس: ﴿أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون﴾ [يس: الآية: ٢٣] وهو استدلال على التوحيد، ونفي إلهية الشركاء بعدم ملكهم التصرف بالضر والنفع أي: هؤلاء لا تصرف لهم، وكل من لا تصرف له؛ فليس بإله، فهؤلاء ليسوا آلهة" (٢).
стр. 736
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والدعاء من جملة العبادات، فمن دعا المخلوقين من الموتى والغائبين واستغاث بهم-مع أن هذا أمر لم يأمر به الله ولا رسوله أمر إيجاب ولا استحباب- كان مبتدعا في الدين، مشركا برب العالمين، متبعًا غير سبيل المؤمنين" (١).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من تمام نعمة الله على عباده المؤمنين؛ أن ينزل بهم من الشدّة والضر ما يلجؤهم إلى توحيده، فيدعونه مخلصين له الدين، ويرجونه ولايرجون أحداً سواه، فتتعلق قلوبهم به لابغيره، فيحصل لهم من التوكل عليه ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف" (٢).
• قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "التوكل: حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا" (٣).
• قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "وهذا وصف لكل مخلوق، وأنه لا ينفع ولا يضرّ، وإنما النافع الضارّ هو الله، ومن دعا ما لا يضرّه ولا ينفعه فقد ظلم نفسه بالوقوع في الشرك الأكبر، وإذا كان النبي ﵊ لو دعا غير الله لكان من الظالمين المشركين، فكيف بغيره؟ (٤).
стр. 737
المطلب الثالث: الله-عزوجل-قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد.
• قال الله- : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: الآية: ٢٣].
• فالله- -قَضَى، وَوَصَّى، وحَكَم، وأمر بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ قضاءً دينيًا، وأمراً شرعيًّا، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ أحدًا: من أهل الأرض والسموات، الأحياء، والأموات، ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾؛ لأنه الواحد الأحد، الفرد الصمد" (١).
المطلب الرابع: التوحيد دعوة للتوكل على الله في كل الأحوال.
• قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: الآية: ١٠٧].
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [آل عمران: الآية: ١٠٩].
• قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: الآية: ٨٨].
стр. 738
• قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: الآية: ١٢٣].
• قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. [الأحزاب: الآية: ١٧].
• قال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: الآية: ٥].
فمن يتأمل النصوص الشرعية الواردة في التوحيد والدالة على عظمة الله فإنها تشعر العبد المؤمن بالطمئنينة وتحثه على حسن التوكل عليه، والقرآن دعوة لتثبت الإيمان في القلوب قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: الآية: ١٢٠].
فمن يقرأ عن عظمة الله في القرآن فإنه يشعر بطمأنينة وسكينة لأن آيات القرآن تقرر أن كل كل شيء عنده سبحانه، وهو كتوب وبمشيئته وتحت ملكه، فهو المتصرف في الكون كله
فإذا آمن العبد بذلك كله فإن ذلك يجعل من المؤمن لا يخاف، فالموحد لا يخشى أحدًا إلا الله، فالتوحيد الحقيقي أنك لا ترى مع الله أحدًا أبدًا، وذلك بأن تعلم وتتيقن بأن كل شيء وقع وتحقق فقد أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، فالله غني عن العالمين.
فهل يعقل أن الله يأمرك بعبادته ويأمرك أن تتوكل عليه ويجعل مصيرك في يد أحد من البشر.
стр. 739
الإجابة
المطلب الخامس: التوحيد شرط في تحقيق التوكل.
• قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَنْ يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ﴾ [التوبة: الآية: ٥١].
• قال عبد الرحمن بن محمد بن قدامة (ت: ٦٨٢ هـ) ﵀: "إن التوكل لا يمكن له أن يوجد في قلب العبد المؤمن بدون أن يكون القلب صافيًا في توحيد الله-تعالى-؛ لأنه إن أخلص التوحيد، وأيقن أن لا خالق في هذا الكون ولا رازق إلا الله -تعالى-، لم يطلب الرزق من غير الله، وإذا أيقن أن القوة لله، لم يخشَ ولم يخف إلا الله -تعالى-" (١).
• قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده، بل حقيقة التوكل توحيد القلب، فما دامت فيه علائق الشرك فتوكله معلول مدخول، وعلى قدر تجريد التوحيد يكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شعبة من شعب قلبه فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشعبة" (٢).
• قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "أَرْجَحُ الْمَكَاسِبِ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ وَالثِّقَةُ بِكِفَايَتِهِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ" (٣).
стр. 740
المطلب السادس: التوحيد يرسخ في الإنسان أنه عبد لله راجع وهذا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون.
• قال الحسين بن علي (ت: ٦١ هـ) ﵄: "من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له" (١).
• قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀-لرجل: كم أتت عليك؟
قال: ستون سنة.
قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ.
فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟
تقول: أنا لله عبد .. وإليه راجع فمن علم أنه لله عبد .. وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف .. ومن علم أنه موقوف .. فليعلم أنه مسؤول.
ومن علم أنه مسؤول .. فليعد للسؤال جوابا.
فقال الرجل: فما الحيلة؟
قال: يسيرة.
فقال الرجل: ما هي؟
قال: تحسن فيما بقي .. يغفر لك ما مضى فإنك إن أسأت فيما بقي .. أخذت بما مضى وبما بقي" (٢).