Полный текст (701 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
كلمة حمد وشكر وتقدير
أحمد الله حمدًا كثيرًا على أن مَنَّ عَلَيَّ بالتسهيل والتوفيق في عمل هذا البحث المتواضع وإتمامه، وأسأله تعالى أن يجعل هذا العمل صالحًا، نافعًا للإسلام والمسلمين، وأن يبارك لي فيه، وأن يعفو ويغفر لوالديّ ويرحمهما كما ربياني صغيرًا، وأن يدخلهما الفردوس الأعلى.
وأتقدم بالشكر الجزيل، والعرفان إلى الدكتور/ أحمد بن يحيى بن أحمد الكندي، المشرف الرئيس على هذه الرسالة على ما بذله من جهد واهتمام، ورحابة صدر، وإخلاص في العمل.
وأقدم جزيل الشكر، والتقدير، والاحترام لأعضاء لجنة المناقشة وهم:
الأستاذ الدكتور/ أحمد معبد عبد الكريم الكليباتي، أستاذ الحديث بالأزهر، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر.
الأستاذ الدكتور/ جلال الدين إسماعيل حسن عجوة، أستاذ الحديث بالأزهر، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر.
على قبولهم مناقشة رسالتي، وعلى ما قدموه لي من نصائح وتوجيهات مهمة جدًّا، أفادتني كثيرًا في إخراجها، وأسأل الله أن يغفر لهم، ويسدِّد خُطاهم في أعمالهم، وأن يبارك لهم في جهودهم، ويوفقهم لخيري الدنيا والآخرة، اللهم آمين.
الباحثة
стр. 2
تقديم
الحمد لله المتفرد بوحدانيته والقائل في محكم آياته: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠] والصلاة والسلام على خير مخلوقاته والقائل في أحاديثه وكلماته: يا أبا بكر لا تبك، إن أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر"، وعلى آله وأصحابه ومن اتبع أوامره وتوجيهاته، صلاة سرمدية إلى اليوم الذي تغشاه الرحمة بشفاعته.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله وأفضل الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ولقد دأب المسلمون منذ صدر الإسلام في الحفاظ على هدي النبي ﷺ من خلال جمع أحاديثه وروايتها حفظًا وكتابة وتدارسًا وإملاءًا ومن ثم ذبًا عن حياضه من الكذابين والوضاعين حتى أضحى المصدر الثاني للتشريع في الإسلام، وعلمًا قائمًا بذاته ومصادره وقواعده. ومن جملة تلكم الأحاديث النبوية ما رواها عنه أبو بكر الصديق ﵁ وهو من هو في مكانته وعلمه وقدره، فاهتم الحفاظ والمحدثون بحصر مروياته وجمع طرقها في كتاب خاص ومن أوائلهم
стр. 3
الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الجوهري البغدادي (ت: ٢٤٧ هـ) حيث خرج مسندًا لأحاديث الصديق في نيف وعشرين جزءًا، وإلى ذلك أشار عبد الله بن جعفر بن خاقان حيث يقول: سألت إبراهيم بن سعيد الجوهري عن حديث لأبي بكر الصديق، فقال لجاريته: "أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر"، فقلت له: أبو بكر لا يصح له خمسون حديثًا، من أين ثلاثة وعشرون جزءًا؟ فقال: "كل حديث لا يكون عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم". ومن ثم صنف الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي (ت: ٢٩٢ هـ) مسندًا أسماه بمسند أبي بكر الصديق حيث جمع فيه ١٤٠ حديثًا وأثرًا لأبي بكر الصديق ﵁. ومن ثم قام الحافظ أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد (ت:٣١٨ هـ) بتصنيف مسند أسماه بمسند أبي بكر الصديق في جزأين. وقام من بعده الحافظ محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري الشافعي (ت: ٣٥٩ هـ) بتصنيف كتاب أسماه بالروض الأنيق في إثبات إمامة أبي بكر الصديق. ثم جاء الحافظ أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الماسرجسي النيسابوري الشافعي (ت: ٣٦٥ هـ) وصنف مسندًا معللًا لأبي بكر الصديق ﵁ مع جمع طرقه وشواهده في أكثر من ستين جزءًا. وتتابع من بعده الحفاظ في التصنيف حول مناقب الصديق ومنهم الحافظ محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي النيسابوري الشهير بابن البيع (ت: ٤٠٥ هـ) حيث صنف كتابًا بعنوان: مناقب الصديق. وشابه ذلك ما قام به الحافظ علي بن أبي محمد الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي الشهير بابن عساكر (ت: ٥٧١ هـ) حيث صنف كتابًا أسماه بفضائل الصديق. وعلى ثرى من سبق من الحفاظ قام الحافظ المفسر الإمام أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي (ت: ٧٧٤ هـ) بجمع مرويات أبي بكر الصديق ﵁ بشتي طرقها وشواهدها وآثاره من دواوين السنة الشهيرة وقام بترتيبها على أبواب الفقه مع التطرق إلى ما فيها من بيان العلل والفوائد الحديثية والنكات الفقهية والتي لا تصدر إلا من الجهابذة في العلوم.
стр. 4
فالحمد لله الذي يسر إخراج هذا الكتاب القيم الذي استبشر العلماء بخبر إخراجه أمثال الشيخ عبد الباري ابن العلامة حماد الأنصاري فقال (بشرى عظيمة). فدونك أيها القارئ الكريم هذا المسند الذي حكم بفقده منذ طباعة مسند الفاروق لابن كثير. وعلاوة على ذلك نفاسة النسخة في كونها منسوخة عن نسخة بخط الحافظ ابن كثير وفي حياته، حيث كان النسخ في عام ٧٤٠ هـ. وقد كان المؤمل أن يتجشم أحد الباحثين في علم الحديث النبوي لتحقيق المسند وإخراجه إلى عالم المطبوع وتيسر ذلك بفضل الله على يد الباحثة السيدة غالية بنت سالم بن علي آل سعيد والتي قامت بتحقيق المخطوطة كرسالة لاستكمال متطلبات شهادة الماجستير، حيث لم تألُ جهدًا ولا وسعًا في العمل الذي ترى ثمرته بين يديك، الآن، فجزاها الله خير الجزاء على ما قدمت.
ولأهمية الكتاب ومصنفه فقد قامت مكتبة الوراق العامة بنشر الكتاب ضمن جهودها الدؤوبة لإحياء التراث الإسلامي، وخدمة العلوم الشرعية، ورفد المكتبة الإسلامية بكل ما هو نافع ومفيد سائلين الله جلَّ في علاه أن يؤجر الأجر الحسن في الدارين لكل من اهتم بإخراجه في الحلة التي تراها بين يديك، ونسأله جل وعز أن ينفع به كل من قرأه وأقرأه واستفاد منه، والله من وراء القصد والسبيل.
الدكتور / إبراهيم بن حسن البلوشي
الدكتور / هادي بن صالح العوبثاني
стр. 5
مقدمة
بسم الرحمن الرحيم
الحمدُ لله أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، والحمدُ للهِ عدد خلقه، ورضا نفسه، وزِنَةَ عرشه، ومداد كلماته، على نَعْمائِه، ومواهبه، وأفضاله.
والصَّلاة والسَّلام على حبيبنا، وسيدنا ونبينا، محمد ﷺ ، وعلى آله، وصحبه، وإخوانه من النَّبِيِّين والمُرسَلِين.
أما بعد، فإِنَّ خير ما أنزله الله على النَّاس هو: القُرآن الكريم، وخير ما أوحَى به على لسان نبيه الكريم ﷺ هو: الحديث الشريف.
يقول الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥].
ويقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].
فالحديث النبوي المقبول فيه من مبشرات النبوة، والأحكام الشَّرعية، والتربية الأخلاقية، الدِّينية الصَّحيحة الشيء الكثير، وله أهمية كُبرى؛ فهو مصدر أساس للشَّريعة الإسلامية.
стр. 6
وكما حَفِظ الله كتابه العزيز من التحريف والتبديل؛ فقد حَفِظ سُنَّةَ نبيه ﷺ فقيَّضَ لها رجالًا أجِلاء، فُضلاء، شُرفَاء، نقلوا الحديث النَّبوي، جيلًا بعد جيل، وثقة عن ثقة في صدورهم، ودَوَّنُوه في كتبهم، وتَوَلَّوه بالرعاية، والرواية، ولم يُدْخِروا جُهْدًا أو بَدلًا في شرحِهِ، وتقريبه، وتَوْضيحِهِ، وبذلوا الغالي والنَّفيس في سبيله، وذادُوا عنه كل الذَوْدِ، وكانت خدمة الحديث الشريف لهم غايَة، ومَطْلبًا، وشَرَفًا، وأَيَّمَا شَرَف.
وكان تدوين الصِّحاح، والسُّنَنِ والجَوامِع، والمسَانيد، وغيرها من كتب الحديث، آثارًا باقية، خالدة، شاهدة على صدقهم، وأمانتهم، وحبهم للرسول ﷺ ، وسنته النبوية الشَّريفة.
ومن العُلماء الأفذاذ الذين دَأَبُوا على خدمة الحديث الشريف بالجمع، والحفظ، والرِّواية، والكتابة، والعناية: الإمام الحافظ، الثِّقة أبو الفِدَاء إسماعيل بن عمر بن كَثير؛ فكان ﵀ بمساهماته العِلمية الغزيرة، النافعة، المتنوعة، مُجتهدًا بِهِمَّة؛ وكان بحفظه للمُتون، ومعرفته بصحيحها، وسقيمها، وعِلَلِها ورجالها، من المتميزين في عصره.
وها هو كتاب (مُسند الإمام أبي بكر الصديق وأيامه وأحكامه) - بين أيديكم - ثمرة من ثمرات جُهْدِ مؤلفِهِ الإمام الحافظ ابن كثير ﵀ الذي صنَّفه قبل كتبه: (جامع المسَانيد والسُّنن)، و (مُسند الفاروق)، و (مُسند عائشة)، وقد قيل: إنه من مصنفاته المفقودة (١).
_________
(١) ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، جامع المسانيد والسنن، تحقيق د. عبد المعطي، قلعجي، دار الفكر/ دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٢ م (ص: ١٥٠ - ١٥١)، آل شلش: عدنان بن محمد بن عبد الله آل شلش، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث رواية ودراية، دار النفائس، عمان، ط ١، ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٥ م (ص: ١٠٤ - ١٠٧). الزحيلي: محمد الزحيلي، ابن كثير الدمشقي، الحافظ المفسر، المؤرخ، الفقيه، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م (ص: ٣١١ - ٣١٢).
стр. 7
وقد احتوى هذا المسند القَيِّم على أحاديث رواها الصديق ﵁ في الأحكام وغيرها، وعلى آثار رُويت عنه، وقد جاء المسند مُرتبًا على أبواب الفقهِ، كما قال مؤلفه في مقدمة كتابه هذا: "مُرتبًا على أبواب الفقه ليسهل كشفه على من أراده" (١).
دوافع البحث:
كان من مُتطلبات نَيْلِ درجة الماجستيرِ أن أختار بين دراسة موضوع ما، أو تَحقيقِ مخطوطةٍ؛ وقد كانت المخطوطات - دَوْمًا تُثير اهتمامي بأوراقها الصفراء العتيقة، وتثير الفضول والتَّحَدِيَ لديَّ بما قد تحتويه من كُنوز وأسرارٍ لم تُكشف بعد؛ فلذلك سارعتُ بالبحث عن مخطوطة صالحة للتحقيق في أماكن عِدَّة، وبعد بحثٍ مُضنٍ في مكتبات ودُور مخطوطات عديدة؛ مَنَّ الله علي بأن أخبرني أحد الأخوة الكرام بوجود مخطوطة نفيسة، نادرة - تعود إلى القرن الثامن الهجري - للإمام الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي وهي بعنوان (مسند الإمام أبي بكر الصديق وأيامه وأحكامه) بمكتبة السيد محمد بن أحمد بن سعود البُوسعيدي (ت ٢٠١٢ م) (٢) بولاية السِّيب (٣)،
_________
(١) انظر: مقدمة المؤلف (ص: ١٦٧).
(٢) هو: السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي، الإمام المفتي الوزير، مستشار جلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية، صاحب أكبر مكتبة تاريخية خاصة في سلطنة عُمان، توفي الله عام ٢٠١٢ م.
(٣) ولاية السِّيْب: هي أكبر ولايات محافظة مسقط، وهي منطقة ساحلية تطل على خليج عمان، وتشتهر بصيد الأسماك، وتنقسم إلى قرى عدة منها: السيب القديمة، والحيل الجنوبية، والحيل الشمالية، والموالح الجنوبية، والموالح الشمالية، والمعبيلة الجنوبية، والمعبيلة الشمالية، والخوض القديمة، والخوض الجديدة، والرسيل، قال ياقوت الحموي في معنى (السَّيْب): "وأصله مجرى الماء كالنهر" ياقوت الحموي: أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله، معجم البلدان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ٢٠١٢ م (٣/ ٣٣٣). مجموعة دكاترة، السياحة في سلطنة عمان، مكتبة بيروت سلطنة عُمان، ٢٠٠٩ م (ص: ١٦٣، ١٦٤، ١٦٥).
стр. 8
فسارعت للذهاب إلى المكتبة، وسَعِدْتُ لرؤيتها كثيرًا، ووقفتُ أَتَمَعَنُ فيها، وأتصفَّحُ أوراقها، وأتلَمَّسُ جِلْدَتِها برهبةٍ، مُستشعرةَ العَصر الذي نُسِخت فيه، وعظمة المؤلف الذي نُقلت عنه، وجَلَالَة الشَّخصية التي رَوَت ما فيها؛ وقد كان - حَقًّا - شُعورًا لا يُوصَف.
وقد منحتني إدارة المكتبة - بعد ذلك مشكورةً - رسالةً تُثبت أحَقِّيتي في تحقيقها، وصُوَرًا إلكترونيةً لها؛ كانت البِذْرَة الأُولى لهذا البحث.
ورغم قِلَّةِ عِلمي، وزَادِي، ودِرَايَتي بهذا العِلْم الجليل، فقد أعجبتني فِكْرَة دراسة الحديث النَّبوي الشَّريف وتحقيقه، ومما زاد حمَاسِي هو أنني سأقضي وقتي - كله أو مُعظمه - في رِحَابِ السُنَّةِ النَّبويةِ الشَّريفة، وسأكون مع النَّبي ﷺ من خلال أحاديثه، ومع أبي بكر الصِّديق ﵁ من خلال آثاره ومَرْوِياتِهِ؛ وقد زادني هذا الشُعور هِمَّةً، وحماسًا، وتعلُّقًا بالمخطوطة.
لم يكن الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ بالرَّجلِ العاديّ؛ فقد كان رجلًا عظيمًا من عظمة رسول الله ﷺ ، وكان لفِقْه الصديق أهمية كبرى؛ وذلك لملازمته رسول الله ﷺ في حالِهِ وترحاله، ونقله عنه السُّنَّة النبوية كما عاشها، وسَمِعَها من النبي ﷺ ؛ فقد كان الصاحب، والرفيق، والصَّدِيق الصَّدُوق له ﷺ ، ولأنَّه أوَّل خليفةً للمُسلمين؛ فقد كان إمامهم وقُدْوَتُهم بعد وفاة النَّبي ﷺ : فكان خيرَ خَلَفٍ لخير سَلَفٍ.
كانت شخصيَّة الصحابي الجليل أبي بكر الصديق ﵁ ¬ - دومًا - تعجبني لمواقفه الجليلة، الكريمة مع رسول الله ﷺ ، غير أنّي - في أثناء قراءتي للمسند وتحقيقي له - ازددتُ إعجابًا به، وإجلالًا له.
وقد صَدَقَ الصحابي الجليل حسان بن ثابت ﵁ (ت ٥٠ هـ أو ٥٤ هـ) حين قال:
стр. 9
إذا تذكَّرْتَ شَجُوا من أخي ثقةٍ … فاذكُر أخاك أبا بَكْر بما فَعَلا
خَيْرَ البَرِيَّةِ أَوْفاها وأعدَلَها … بعد النَّبيِّ وأولاها بما حملا
والتَّالِيَ الثَّانِيَ المَحْمُودَ مَشْهَدُه … وأوَّل النَّاس منهم صَدَّقَ الرُّسُلا
عاش حميدًا لأمرِ اللهِ مُتَّبعًا … بأمر صاحبِهِ الماضي وما انتقلا (١)
عملي في الكتاب:
اعتمدتُ في ضبط الكتاب على النُّسْخَةِ المحفوظة بمكتبة السيد محمد بن أحمد بن سُعود البوسَعيدي تحت الرقم العام (٧٤٧)، والتي نسخها محمد بن محمد بن فائد الحنفي (٢) في يوم الثلاثاء ٩ من شعبان سنة ٧٤٠ هـ، ورَمَزْتُ لها بالأصل، وكان منهجي في تحقيقها هو: منهج النص المختار.
وقد جعلت عنوان البحث - من أول الكتاب إلى خاتمته - (مسند الإمام أبي بكر الصديق وأيامه وأحكامه).
_________
(١) ابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، المصنف في الأحاديث والآثار، دار الفكر، بيروت، ط ١، ١٤٠٩ هـ ١٩٨٩ م، كتاب التأريخ (حديث رقم ٢٩) (٨/ ٤٤)، ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، دار ابن كثير، دمشق/ بيروت، ط ٣، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م (٣/ ٢٢٦)، الجوهري: أبو محمد الحسن بن علي الجوهري، حديث الزهري أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن، أضواء السلف، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م (٢/ ١٥٩).
(٢) هو محمد بن محمد بن فائد الحنفيّ، الكاتب الناسخ، دمشقي الأصل، حنفي المذهب، كان حيًا في عام (٧٢٦ هـ)، نسخ كتاب (بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب) لابن حاجب بخط نسخي في عام (٧٢٦ هـ)، ونسخ كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول) لابن الأثير بالمدرسة العادلية في دمشق القديمة بتأريخ (٢١) شوال عام ٧٣٣ هـ)، بخط معتاد، جيد مقروء، وبعد البحث لم أجد له ترجمة أخرى في المصادر التي بين يديّ. مقدمة كتاب (بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب) لأبي الثناء محمود بن عبد الرحمن الأصفهاني، تحقيق الدكتور محمد مظهر بَقَا، مركز البحث العلمي وإحياء التراث/ دار المدني، السعودية، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م (١/ ٣٤)، مقدمة التحقيق لكتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول) لابن الأثير، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، مكتبة دار البيان، ١٣٨٩ هـ ١٩٦٩ م (١/هـ).
стр. 10
أما بالنسبة إلى عملي في تحقيق الكتاب فقد كان على الوجه الآتي:
١ - توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.
٢ - وضع ترجمة موجزة للمؤلف.
٣ - ضبط النص - قدر المستطاع - لإخراجه بطريقة صحيحة وسليمة، ومن ذلك:
أ - تقسيم النص إلى فقراتٍ.
ب - وضع عناوين رئيسة وفرعية لبعض مواضيع الكتاب، التي ربما سقطت سهوًا من المؤلف أو الناسخ.
ج - ترقيم الأحاديث والآثار بأرقام متسلسلة أمام السند.
د - توثيق النصّ من المصادر الأصيلة التي نقل عنها المؤلف، وإن وُجد اختلافٌ بين النص وما نقله المؤلف أشير إلى ذلك في الهامش؛ إلا إذا وجدت تصحيفًا أو خطأ ما.
وإن وجدت سقطًا في النص بذلت الجهد في إتمامه.
هـ - ضبط النصّ بعلامات الترقيم المختلفة.
و - تصويب الأخطاء الإملائية، واللَّغوية، والنَّحوية، والتَّصحيفات.
ز - ضبط الكلمات والأسماء التي قد تلتبس قراءتها على القارئ.
ح - تغيير رسم الكلمات التي كتبها الناسخ بطريقة تخالف قواعد الكتابة الحديثة، وإرجاعها إلى قواعد الكتابة الحديثة.
٤ - تخريج الآيات القرآنية وعَزْوِها إلى مظانِّها، وكتابتها بالرَّسم العثماني.
٥ - تخريج الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة بعزوها إلى مصادرها، والحُكم عليها بالصِّحَّة، أو الحسن، أو الضعف؛ استئناسًا بِحُكْم أحد العُلماء
стр. 11
المعروفين في هذا المجال: كالبزَّار (ت ٢٩٢ هـ) (١)، والدَّارقطني (ت ٣٨٥ هـ) (٢)، وابن حَجَر (ت ٨٥٢ هـ) (٣)، وغيرهم.
٦ - الترجمة لمعظم الأعلام والرواة الواردة أسماؤهم في الكتاب، ولم أترجم للصحابة رضوان الله عليهم لأنهم عدول إلا من ظننت أنه غير معروف؛ ولم أترجم لبعض الأعلام والرُّوَاة المشهورين ومنهم: الإمامين البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، ومسلم (ت ٢٦١ هـ)، وبعض أئمة المذاهب كالإمام أبو حنيفة (ت ١٥٠ هـ)، والإمام مالك (ت ١٧٩ هـ)، والإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ)، والإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ).
٧ - التعريف بالمواضع، والبلدان، والأحداث التَّاريخية، وغيرها.
٨ - تفسير الكلمات والمُصْطَلَحَات الغريبة وشرحها.
٩ - تخريج الشَّواهد الشَّعرية، ونسبتها إلى أصحابها، وتَعيين بُحورِها.
١٠ - وضع كشَّافات وفهارس فنية مختلفة لتُسهِّل على القارئ الرجوع إلى مواد الكتاب.
_________
(١) البَزَّار هو: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، البزَّار، الإمام الحافظ، المحدث، مات عام ٢٩٤ هـ، وقيل: عام ٢٩٢ هـ. تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٤/ ١٥٤)، سير أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ٤٣٥)، كشف الظنون لحاجي خليفة (٣/ ٢٥٧).
(٢) الدارقطني هو: أبو الحسن عليّ بن عُمر بن أحمد البَغداديُّ، الدَّارقُطني، التَّابِعِيُّ، العالم، الإمام، الحافظ، المقرئ المُحدّث المعروف بالدارقطني، مات عام (٣٨٥ هـ). تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (١٠/ ٢٦)، أعلام النبلاء للذهبي (٣/ ١٠٤٠).
(٣) ابن حَجَر هو: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكنانيّ، العسقلانيّ الأصل، المصري المولد العالم، المحدّث، الفقيه، القاضي، المؤلف، المعروف بابن حَجَر، مات عام ٨٥٢ هـ. السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م) (٢/ ٣٣)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (٣/ ٢٥١)، شذرات الذهب لابن العماد (٧/ ٤٠٧).
стр. 12
خطة البحث:
تبدأ خطتي في البحث بمقدِّمةٍ، ثم تنقسم إلى قسمين هما: الدِّراسة والتَّحقيق، وأما الدِّراسة فتنقسم إلى فَصلين واثني عشر مبحثًا.
وأما قسم التحقيق ففيه النَّص المحقق، ثم خاتمة مع النتائج والتوصيات، وكشّافات وفهارس تفصيلية للمواضيع والمراجع، وغيرها.
مقدمة الكتاب: وقد تضمنت عرضًا مبدئيًا، وتقديمًا له وللمؤلف، مع ذكر الأسباب الدافعة لاختيار الموضوع، وأهميته باختصار، وأخيرًا خُطَّة البحث مع الكشّافات والفهارس.
القسم الأول: الدراسة: وتشتمل على فصلين، واثني عشر مبحثًا.
الفصل الأول: التعريف بالمؤلف.
تمهيد.
عصر المؤلف.
المبحث الأول: نَسَبه ومولده، ونشأته وحياته، وأخلاقه وصفاته.
المبحث الثاني: ثقافته وشخصيته العلمية.
المبحث الثالث: شُيوخه وتلاميذه وأصحابه.
المبحث الرابع: مؤلفاته.
المبحث الخامس: مكانته وثناء العلماء عليه.
المبحث السادس: وفاته.
الفصل الثاني: دراسة كتاب (مسند الإمام أبي بكر الصديق وأيامه وأحكامه).
المبحث الأول: توثيق العنوان ونسبة الكتاب إلى المؤلف.
المبحث الثاني: المنهج العام للمؤلف في تأليف الكتاب.
стр. 13
المبحث الثالث: موارد المؤلف في كتابه.
المبحث الرابع: مزايا الكتاب ومآخذه.
المبحث الخامس: وصف نسخة الكتاب.
المبحث السادس: منهج تحقيق الكتاب.
القسم الثاني: التحقيق: وفيه النَّص المحقق:
كتاب (مسند الإمام أبي بكر الصديق وأيامه وأحكامه).
الخاتمة: النتائج والتوصيات.
الكشافات والفهارس:
١ - فهرس المحتويات.
٢ - كشاف الآيات القرآنية.
٣ - كشاف أطراف الأحاديث والآثار.
٤ - كشاف الشواهد الشعرية.
٥ - كشاف الأعلام والرواة.
٦ - كشاف الكلمات الغريبة.
٧ - كشاف مصطلحات علوم الحديث.
٨ - كشاف الطوائف والقبائل والجماعات.
٩ - كشاف الغزوات والأحداث التاريخية.
١٠ - كشاف المذاهب والفرق.
١١ - كشاف المواضع والبلدان.
١٢ - كشاف الجوامع والمدارس ودور الحديث بدمشق.
стр. 14
١٣ - كشاف أنواع الكتب.
١٤ - فهرس المصادر والمراجع.
وفي نهاية مقدمتي - هذه - أشكُر كل من ساندني ووقف بجانبي في مسيرة إعدادي هذه الرسالة، سواءً أكانوا دكاترة، أو أكاديميين، أو أفرادًا؛ وأخصّ بالشكر منهم:
الدكتورة / شريفة بنت سالم بن علي آل سعيد، جامعة السلطان قابوس، قسم العلوم الإسلامية.
الدكتور/ إبراهيم بن حسن البلوشي، وزارة التراث والثقافة، قسم المخطوطات، مسقط.
الدكتور / هادي بن صالح العوبثاني، باحث مكتبة الوراق العامة، السيب.
الدكتور / محمد بن عبد الرحيم الزيني، كلية العلوم الشرعية، مسقط.
وأخيرًا، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي، وإلى الله الملجأ، وإليه المُستعان.
أسألُ الله لبِضاعَتِي الْمَزْجَاةِ - هذه - القبول والتَّوفيق، وله الحمدُ والمِنَّةَ، وعليه التُكلان.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وصلَّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
غالية بنت سالم بن علي آل سعيد
مسقط - ١٢/ ١٢/ ٢٠١٧ م
стр. 15
القسم الأول الدراسة
* الفصل الأول: التعريف بالمؤلف.
* الفصل الثاني: دراسة مسند الإمام أبي بكر الصديق وأيامه وأحكامه.
стр. 16
الفصل الأول التعريف بالمؤلف
- المبحث الأول: نسبه ومولده، ونشأته وحياته، وأخلاقه وصفاته.
- المبحث الثاني: ثقافته وشخصيته العلمية.
- المبحث الثالث: شيوخه وتلاميذه وأصحابه.
- المبحث الرابع: مؤلفاته.
أ - في علوم القرآن الكريم.
ب - في السنة النبوية وعلومها.
ج - في الفقه وأصوله.
د. في التاريخ والسير والمناقب.
- المبحث الخامس: مكانته وثناء العلماء عليه.
- المبحث السادس: وفاته.
стр. 17
تمهيد
كان الإمام، الحافظ، المفسر، المؤرخ، الفقيه: ابن كثير عَلَمٌ من أعلامِ الفِكْرِ الديني، وفارسٌ من فرسان التاريخ، ورائد من رواد عِلم الحديث والفقه، عاش في القرن الثامن الهجري، وبالتحديد في الفترة ما بين (٧٠١ - ٧٧٤ هـ)؛ في عصرٍ تميّز بظهور كبار العلماء والمفكرين، مثل ابن تَيْمِيَّة (ت ٧٢٨ هـ) (١)، والذَّهَبي (ت ٧٤٨ هـ) (٢)، وابن قَيم الجَوْزِيَّة (ت ٧٥١ هـ) (٣) وغيرهم (٤)؛ وتميّز - ذلك العصر - بظهور كبار علماء الدين، وأعمدته، وكان ابن كثير أحد هذه الأعمدة؛ فهو مؤرخ، ومحدّث، وفقيه، ترك أثرًا خالدًا، باقيًا منذ ظهوره وحتى وقتنا الحاضر.
وقبل أن نلقي الضوء على حياة المؤلف ابن كثير، الشخصية والعلمية؛ فمن المهم أن نتعرف على العصر الذي عاش فيه، بكافة جوانبه: السياسية، والاجتماعية والاقتصادية.
_________
(١) ابن تيمية هو: أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني. انظر ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٠).
(٢) الذهبي هو: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. انظر ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٥).
(٣) ابن قيم الجَوْزِيّة هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي. انظر: ترجمته في أصحاب المؤلف (ص: ٧٣).
(٤) الزيني: محمد عبد الرحيم الزيني، ابن القيم وآراؤه الكلامية، دار اليقين، القاهرة، ٢٠١٠ م (ص: ١٤، ١٦).
стр. 18
عصر المؤلف:
عاش المؤلف في عصر كانت فيه بلاد الشام - آنذاك - موحدة مع مصر تحت حكم دولة المماليك البحرية (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ) (١)، وكان الحاكم الأعلى والفِعْلِيُّ هو: السلطان المملوكي بمصر (٢).
ولم يكن للخلافة العباسية في القاهرة من نفوذ يذكر؛ فقد كان على الخليفة العباسي أن يكتب للسلطان عهدًا بالسلطنة، ويُفَوِّض الأمور العامة إليه (٣)؛ وذلك لأنَّ سبب وجود هذه الخلافة وإحياءها من قِبَل المماليك كان - فقط - لإضفاء الشرعية لحكمهم على مصر والشام بعد سقوطها في بغداد على أيدي المغول (٤) سنة ٦٥٦ هـ (٥).
_________
(١) المماليك البحرية: جمع مملوك، وهم من الرقيق الأتراك، المماليك البحرية: هم مماليك تُرك استقدمهم الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل عام (٦٠٣ هـ) ليكوّن منهم جيشًا قويّا يسانده بعد أن لمسَ غدر الطوائف الأخرى من جنده، وقد سُمُّوا بالمماليك البحرية بسبب اختيار السلطان الصالح لجزيرة الروضة - على بحر النيل - مركزًا لهم، وسموا بالصالحية أيضًا نسبة للملك الصالح، وقد تمكن هؤلاء المماليك من الاستئثار بحكم مصر والشام في المدة ما بين (٦٤٨ - ٧٨٤ هـ). الصلابي: علي بن محمد الصلابي، المغول (التتار) بين الانتشار والانكسار، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م (ص: ٢٥١ - ٢٥٢، ٢٥٤ - ٢٥٥)، عاشور: سعيد عبد الفتاح عاشور، مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك، دار النهضة العربية، بيروت (ص: ١٦٦ - ١٦٧)، الصلابي: علي بن محمد الصلابي، الأيوبيين بعد صلاح الدين دار المعرفة، بيروت، ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م (ص: ٣٣١، ٣٤٦).
(٢) مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١١)، مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد عاشور (ص: ١٦٧) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١٥).
(٣) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: (١٩٦).
(٤) المَغُول هم: قوم بَدْو، موطنهم الأصلي منغوليا، استطاعوا في القرن السابع الهجري تأسيس امبراطورية واسعة الأرجاء بقيادة جنكيز خان فاحتل خراسان وفارس، وفي عهد حفيده منكوخان تم احتلال بغداد وبلاد الشام بقيادة أخيه الأصغر هولاكو، فعاثوا فيها الفساد هزمهم المماليك بقيادة السلطان المظفر سيف الدين قطز في معركة عين جالوت وطردهم من بلاد الشام، وتتوزع المغول حاليًا ما بين منغوليا والصين. العيني: محمود العيني، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م (١/ ٢٤٣، ٢٣٩، ٢٦٩). المغول للصلابي (ص: ٢٧، ٢٨، ١٢٦، ١٦٩ - ١٧٠، ١٨٣، ١٨٥، ١٨٨، ٣٢٧ - ٣٣٢، ٣٤٨ - ٣٥٣).
(٥) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: ١٩٢).
стр. 19
وأما عن دمشق وغيرها من المدن الشامية فقد كانت تسمى - آنذاك - نيابات، يحكم كل منها نائب السلطنة، وهو سلطانٌ - في حقيقة أمره - تابعٌ لسلطان مصر، له حاشيته، وأتباعه، ومماليكه، يقوم مقام السلطان في كافة شؤون نيابته، ويقوم الأمراء من حاشيته بخدمته كخدمة السلطان، وقد يطلق عليه اسم (ملك الملوك) (١)، ولكنه ليس مُطلق التصرف في كثير من النَّواحي (٢).
وقد عاصر الحافظ ابن كثير منذ ولادته وحتى وفاته: خمسة من الخلفاء العباسين، وخمسة عشر سلطانًا من المماليك البحرية، وعشرين نائبا تولّوا نيابة دمشق (٣).
ولم تكن الحياة السياسية في الشام، ودمشق - خاصة - مستقرة؛ فما كاد الناس يتخلصون من التَّتَار (٤) في وَقْعة مرج الصفر سنة (٧٠٢ هـ) (٥) حتى لاح لهم خطَر الصَّليبيين (٦) على الساحل الغربي من دمشق. وتفرُّد المماليك
_________
(١) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: ٣٢٧ - ٣٢٨)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١٥).
(٢) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: ٣٣٠).
(٣) مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١١).
(٤) التَّتار هم: فرعٌ من المغول، كانت لهم دولة مستقلة، سيطرت على المغول حقبة من الزمن، ثم جاء المغول بقيادة جنكيز خان فهزمهم وسيطر على دولتهم فعرفت تلك الدولة بعد ذلك بالمغول وليس التتار. المغول للصلابي (ص: ٢٧ - ٢٨).
(٥) وقعة مرج الصفر: هي معركة: (شَقْحب) أيضًا، كانت في عام (٧٠٢ هـ) بين جيوش المماليك بقيادة السلطان محمد قلاوون والمغول (التتار) بقيادة غازان، انتهت بهزيمة المغول وطردوا من الشام. البداية والنهاية لابن كثير (١٧/ ٢٢ - ٢٧) مصر والشام لعاشور (ص: ٢٢٥ - ٢٢٦).
(٦) الصليبيون هم: جيوش أوروبية مسيحية لاتينية (كاثوليكية)، ينتسبون إلى الحركة الصليبية التي أسسها أوربان أو أربان الثاني بابا الكاثوليك في القرن العاشر (١٠ م)، وروجوا لها بحجة تحرير الأراضي المقدسة في فلسطين من المسلمين، وهي في الأساس ذات مطامع اقتصادية واستعمارية في بلدان الشرق الإسلامي، وأول ما اتخذوا الصليب شعارا لهم كان في القرن الثاني عشر (١٢ م)؛ وقد خاض السلطان والقائد صلاح الدين الأيوبي حروبًا ضدهم، وهزمهم في معارك عدة، إلى أن استطاع تحرير بيت المقدس وبعض المدن الإسلامية؛ وبعد أن أجهدت الحرب الطرفين عقد صلاح الدين صلحًا مع قائد الصليبيين: الملك ريتشارد قلب=
стр. 20
البحرية في الحكم بالتآمر والتسلط، والغدر والخيانة؛ جعل البلاد - طوال فترة حكمهم - مسرحًا للفتن والفوضى والثورات والمؤامرات، والاغتيالات المستمرة، والانقلابات المتلاحقة (١)؛ عدا مدة حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون (٢) بعد عودته للمرة الثالثة (٧٠٩ - ٧٤١ هـ)، ومدة حكم نائب السلطنة سَيْف الدِّين تَنْكِز (٣) على دِمَشْق (٧١٢ - ٧٤٠ هـ) (٤).
_________
=الأسد في عام ٥٨٨ هـ، على أن تكون بيت المقدس بيد المسلمين مع السماح للمسيحين بالحج إليها، وقد توالت الحملات الصليبية بعد ذلك على مصر والشام، واستمر كفاح المسلمين ضدهم حتى عصر دولة المماليك حيث تلاشى الوجود الصليبي رويدًا رويدًا في عهد السلطانين: بيبرس وقلاوون. قاسم: قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصلبية، عالم المعرفة، الكويت (ص: ٩ - ١٢، ٣٩، ١٠٩، ١٤٢ - ١٤٨، ١٥٠ - ، ١٥٩)، الصلابي: علي بن محمد الصلابي، صلاح الدين الأيوبي، وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس، دار ابن كثير، دمشق، بيروت (ص: ٢١ - ٢٥) رنسيمان: ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: السيد الباز العريني، دار الثقافة، بيروت، ط ٢، ١٩٨٢ م (ص: ١٧٣).
(١) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد عاشور (ص: ٣٤٨)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١٨) مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٢).
(٢) هو: السلطان، الملك الناصر محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي، سلطان مصر والشام، تولَّى الحكم ثلاث مرات، كان يعزل نفسه في المرتين الأولَيَيْن، وهو قائد وقعة شقحب التي انتصر فيها المسلمون على المغول بنى الجوامع والمدارس والخوانق، وفُتِحت في أيامه: ملطية وطرابلس، وغيرها، مات عام (٧٤١ هـ). البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٩٥)، ابن حجر: ابن حجر العسقلاني، الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م (٤/ ٩٠)، ابن العماد: أبو الفلاح عبد الحيّ بن أحمد، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م (٦/ ٣١١).
(٣) هو سيف الدين، أبو سعيد تَنْكِز بُغَا الأشرفي، الناصري، الأمير الكبير، المملوكي، نائب السلطنة بالشام، بدأ حياته مملوكًا في مصر ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح أقوى شخصية إدارية وعسكرية في عهد السلطان محمد بن قلاوون بنى أوقافًا كثيرة بدمشق وغيرها من المدن، قُتِلَ بالإسكندرية عام (٧٤٠ هـ)، وقيل: عام (٧٤١ هـ)، وقيل: عام (٧٤٤ هـ)، وقيل: (٧٥٩ هـ). البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٩٠)، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٣٠٨)، ابن تغري بردي: أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، دار الكتب العلمية بيروت، ط ١، ١٤١٣ هـ ١٩٩٢ م (١٠/ ٢٥٩).
(٤) مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١)، مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لسعيد عاشور (ص: ٢٣١).
стр. 21
وقد كانت مدة حكم السلطان النَّاصِر من أفضل عصور المماليك ازدهارًا، واستقرارًا، ورقيًا، ورخاءً (١)؛ وبعد وفاته تولّى الحكم ثمانية من أولاده في الفترة ما بين (٧٤١ - ٧٦٢ هـ)، وأربعة من أحفاده في الفترة ما بين (٧٦٢ - ٧٨٤ هـ)؛ عانت فيها الدولة الكثير من الضعف، والاضطراب، والفوضى، وعدم الاستقرار؛ أثر عليها سلبًا سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا (٢).
وتعرضت البلاد للكوارث الطبيعية كالزلازل، والفيضانات، والجراد، والمجاعات، والأوبئة؛ فقد بُليت البلاد بانتشار وباء خطير عُرِفَ بالوباء الأسود أو الطاعون سنة (٧٤٩ هـ)، تسبب في وفاة الكثير من الناس، فساءت الحياة الاجتماعية، والأحوال الاقتصادية حتى كادت أن تتوقف تمامًا؛ فقد تراجعت الزراعة، وأفلست التجارة، وغَلَت الأسعار، وفُرضت الضرائب وتفشّت البطالة، وانتشر البغاء بسبب الفقر رغم مُحاربة العلماء له بفتواهم وكتاباتهم (٣).
ولحسن الحظ لم تؤثر هذه الأحوال السيئة على الحياة العلمية في بلاد الشام ومصر بل ظلَّت مزدهرة؛ فنشطت الحركة العلمية بازدياد نشاط العلماء وكَثُرَ عددهم وتآليفهم، وأنشئت المكتبات العامة، وبُنيت المدارس الكثيرة، ودور القرآن والحديث، وأوْقِفَت عليها الأوقاف الخيرية، ورُصِدَت لها الأموال لأجل رعاية ومعيشة وسكنى طلابها، وعلمائها، وموظفيها؛ وذلك لأنَّ سلاطين المماليك كانوا يتقربون إلى الناس برفع منزلة العلماء، وتكريمهم بالوظائف الدينية المختلفة، وتقديم الجوائز لهم، ويعززون نفوذهم في الشعب ببناء المساجد والمدارس (٤).
وقد امتاز القرن الثامن الهجري، وخاصة عصر المماليك، بالعناية الشديدة
_________
(١) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: ٢٣٣).
(٢) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: ٢٣٦).
(٣) مصر والشام في عصر الأيوبيين والمماليك لعاشور (ص: ٢٣٦)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٣).
(٤) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٢١، ٢٢، ٤٠) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص/٣٥)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٤).
стр. 22
للعلوم المختلفة، لاسيَّما عِلْمَا الحديث والتاريخ، وشهد نشاطًا كبيرًا، واضحًا فيهما؛ كما امتاز هذا العصر بظهور المصنفات، والمجاميع، والموسوعات، والملخصات، والمعاجم؛ وتميز - أيضًا - بكثرة الحفاظ، والعلماء، والأئمة الذين اشتهروا بالدقة والإتقان في عملهم حتى غدَا عصر المماليك بفضلهم من العصور الذهبية في الحديث وعلومه (١)، ونسرد - هاهنا بإيجاز - جُملة من الذين عاصرهم الحافظ ابن كثير رحم اللهُ وهم:
الذهبي، وابن تيمية، والمزي (ت ٧٤٢ هـ) (٢)، وابن دقيق العيد (ت ٧٠٢ هـ) (٣)، والزَّيلعي (ت ٧٦٢ هـ) (٤)، وصلاح الدين العلائي (٥)، والصَّفدي (٦)، وابن السَّبكي (ت ٧٧١ هـ) (٧)، والبرزالي (ت ٧٣٩ هـ) (٨)،
_________
(١) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٢٥٠).
(٢) المزي هو: يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف القضاعي، المزِّي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف في (ص: ٦٤).
(٣) ابن دقيق العيد هو: أبو الفتح محمد بن عليّ بن وهب القشيري، المنفلوطي، المصري، الإمام، العالم، الحافظ، القاضي، المعروف كأبيه بابن دقيق العيد، مات عام ٧٠٢ هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي (٤/ ١٠٠٢)، البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٨)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ١٣٩).
(٤) الزيلعي هو: عبد الله بن يوسف الزيلعي. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص:٦٦).
(٥) صلاح الدين العَلائي هو: خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، العلامة، الإمام الحافظ، المفسر، المحدّث، المفتي المدرس، سكن القدس، ولي التدريس في عدة مدارس، ووُلِيَ مشيخة دار حديث بالقدس، مات عام ٧٦١ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٩٧)، النعيمي: عبد القادر بن محمد النعيمي، الدارس في تاريخ المدارس، دار الكتب العلمي، ط ١، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م (١/ ٤٥ - ٤٦)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣٨١ - ٣٨٢).
(٦) الصَّفَدي هو: أبو الصفا خليل بن أيبك بن عبد الله الألبكي، الصفدي، الإمام، العالم، الكاتب، وكيل بيت المال بدمشق، مات عام ٧٦٤ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٤٤٥)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣٩٣).
(٧) ابن السبكي هو: عبد الوهاب بن عليّ بن عبد الكافي السبكي، القاضي، مات عام ٧٧١ هـ. شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤١٩).
(٨) البرزالي هو: القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٤).
стр. 23
وابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ) (١)، وابن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤ هـ) (٢)، وابن الشّيرازي (ت ٧٢٣ هـ) (٣)، وابن حجي (ت ٧٢٦ هـ) (٤)، وابن قاضي شهبة (ت ٧٢٦ هـ) (٥) وابن رافع (٦).
ومما يؤسف له أن ظهرت في المجتمع بعض الظواهر السلبية؛ كالخلافات الاعتقادية بين السنة والشيعة، ووُجود التعصب المذهبي بين المذاهب الأربعة، واحيانًا بين أصحاب المذهب الواحد؛ ودور بعض الفرق الصوفية في نشر البدع، والخرافات، والعادات الباطلة، ومجاهدة العلماء في كشفها ومحاربتها؛ وعدم الاهتمام بالعلوم الدنيوية كالزراعة، والتجارة، والصناعة والنجارة، والملاحة، والاقتصار على تحصيل العلوم الشرعية؛ والجمود الفقهي، وعدم الاجتهاد في مسائله؛ والتقليد الأعمى للمذاهب، ونقل النصوص والتقليد، وعدم الابتكار والإبداع؛ والخلافات العديدة بين بعض الأئمة، وبين الفقهاء
_________
(١) ابن الجزري هو: محمد بن محمد بن محمد بن علي الجزري. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص: ٧١).
(٢) ابن شاكر الكتبي هو: محمد بن شاكر بن أحمد الداراني، وقيل الدَّارني، الدمشقي، المؤرخ، مات عام ٧٦٤ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٤٤٤)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٣٩٦).
(٣) ابن الشيرازي هو: محمد بن محمد بن محمد بن هبة الله الشيرازي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٧ - ٥٨).
(٤) ابن حجي هو: أحمد بن حجي بن موسى السعدي. انظر ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص ٧٠).
(٥) ابن قاضي شهبة هو: عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الأسدي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٩).
(٦) ابن رافِع هو: أبو المعالي محمد بن رافع بن هَجرس السّلامي، العميدي، وقيل: الصميدي الأصل، المصري، الدمشقي، الإمام العالم، الحافظ، المحدّث، سكن دمشق، مات عام ٧٤٢ هـ، وقيل: عام ٧٧٤ هـ. أبو المحاسن الدمشقي: محمد بن علي بن الحسن الحسيني الدمشقي، ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ٢٠٠٧ م (٣/ ٣٤)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (٣/ ٢٤٢)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤٣٥).
стр. 24
والمتصوفة. والخوض في علم الكلام، وغيره من الأمور التي تهدد الأمة بالفرقة، وانقسام الصفوف بين علمائها وأفرادها (١).
وفي نهاية القول نستطيع أن نجزم أنَّ هذا العصر بما فيه من تناقضات، كان عصرًا مجيدًا تمّت فيه إنجازات علمية كثيرة في مجال علوم القرآن والحديث واللغة والرياضيات، والتاريخ، وغيرها من العلوم المختلفة (٢).
* * *
_________
(١) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٤١، ٤٢) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٤٣، ٤٨)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٤ - ١٥).
(٢) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٤٨).
стр. 25
المبحث الأول نسبه ومولده، ونشأته وحياته، وأخلاقه وصفاته
أولًا: نسبه:
هو: الشيخ (١)، العلامة، الإمام، الحافظ المفسِّر، المحدِّث، المؤرخ، الفقيه عِمَادُ الدِّين، أبو الفِدَاء (٢) إسماعيل بن عُمر بن كَثِير بن ضَوْء بن كثير بن ضوْء بن درع (٣)، وقيل: ذُرع (٤)، وقيل: زرع (٥)، القُرَشيُّ (٦)، القَيْسِيُّ (٧)،
_________
(١) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨)، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨).
(٢) الأدنروي: أحمد بن محمد الأدنروي، طبقات المفسرين، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة (ص: ٢٦٠)، بروكلمان: كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر (ص: ١٨٣) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٥٢).
(٣) ابن حجر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء الغمر، دار الكتب العلمية (١/ ٤٥). البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٥).
(٤) ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨). ابن قاضي شهبة الدمشقي أبو بكر بن أحمد بن محمد الدمشقي، طبقات الشافعية، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، ط ١، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م (٣/ ١١٣). المقريزي:: أحمد بن علي المقريزي، درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة، دار الكتب العلمية، ٢٠٠٩ م (١/ ٣١٢).
(٥) الدارس للنعيمي (١/ ٢٧) شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤٣٢).
(٦) نسبة إلى قريش، وقيل: قُرَيْش هو فهر بن مالك بن النَّضَر، وينتهي إلى مضر، ولا يقال قريش إلا لمن كان من ولد فهر. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٥)، القلقشندي: أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد، نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ٢٠١٢ م (ص: ٣٥٦). الداوودي: محمد بن علي بن أحمد الداوودي، طبقات المفسرين، مراجعة وضبط: لجنة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م. (١/ ١١٢). الطيب با مخرمة: أبو محمد الطيب بن عبد الله بن أحمد بامخرمة الهجراني، قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر، دار المنهاج، السعودية، ط ١، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٨ م (٦/ ٣١٣)، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: ١٨٣).
(٧) نسبة إلى قيس بن عَيْلان، ويقال قيس بن عيلان بن مُضر، وقيس بطن من بكر بن وائل. ذيل=
стр. 26
الخُصَيْليُّ (١)، وقيل: الحَصليُّ (٢)، الجَعْفَريُّ (٣)، البُصرويُّ (٤) الأصل، ثم الدِّمَشْقِيُّ (٥)، الشَّافِعِيُّ (٦)، المعروف بابن كثير (٧).
واسم والده: شهاب الدِّين أبو حَفْص عُمر بن كثير بن ضوء القُرشيّ، الخُصَيْليّ، وكان أبوه من العلماء، الفقهاء، الخطباء، وكان له عناية باللغة
_________
= طبقات الحفاظ للسيوطي (٣/ ٢٣٨). الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨). نهاية الأرب للقلقشندي (ص: ٣٦٢).
(١) من خُصيلة، وهو: بُطين ينتسب إلى الشرف الرفيع لقريش. البداية والنهاية (١٦/ ٣٥). الفاسي: محمد بن أحمد الفاسي، وفيات، وفيات سير أعلام النبلاء للذهبي، دار المعرفة، بيروت (ص: ٢٢٤).
كحالة: عمر رضا كحالة، معجم قبائل العرب، مؤسسة الرسالة دمشق /بيروت، ط ١، ١٤٣٢ هـ ٢٠١١ م (١/ ٤٣٩).
(٢) من بني حصلة الذين ينتسبون في الشرف الرفيع إلى قريش. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٥)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٤٩)، مقدمة التحقيق كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٦).
(٣) نسبة إلى بني جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن قيس بن عيلان. ابن حزم: أبو محمد علي بن سعيد بن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، تحقيق: أ. ليفي بروفنسال، شركة نوابغ الفكر، القاهرة، ط ١، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م (ص: ٢٨٦ - ٢٩٠)، وفيات سير أعلام النبلاء للفاسي (ص: ٢٢٤)، معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة (١/ ٢٥٦).
(٤) نسبة إلى بصرى الشام، حيث تقع قريته مجيدل بها، وتقع بصرى في الجنوب الشرقي من سورية الآن. الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: ١٨٣)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٥٠).
(٥) الدارس للنعيمي (١/ ٢٧).
(٦) نسبة إلى الإمام الشافعي؛ فقد تفقه الحافظ ابن كثير على مذهب الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ (ت ٢٠٤ هـ)، وتأثر به، وصنف بعض الكتب ملتزما بأصول هذا المذهب وفروعه. درر العقود للمقريزي (١/ ٢١٢)، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: ١٨٣)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٥١).
(٧) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (٣/ ٢٣٨)، كحالة: محمد رضا كحالة، معجم المؤلفين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١، ١٤١٤ هـ - ١٩٩٣ م (١/ ٢٨٣).
стр. 27
والشعر والأدب، توفي في شهر جمادى الأولى سنة ٧٠٣ هـ (١)، واسم أمه: مريم بنت فرج بن مفرج عليّ، وهي من قرية مُجَيْدل، توفيت في عام ٧٢٩ هـ (٢).
وللحافظ ابن كثير أخوة من جهة والده وهم: إسماعيل، ويونس، وإدريس، ومن جهة والدته: عبد الوَهَّاب (ت ٧٥٠ هـ) (٣)، ومحمد، وعبد العزيز، وله أخوات عدَّة (٤)، وكان هو أصغر الجميع (٥).
ثانيا: مولده:
وُلِدَ الحافظ ابن كَثير في مطلع القرن الثامن الهجري (٦)، سنة ٧٠١ (٧) هـ وقيل: سنة ٧٠٠ هـ (٨) (عام ١٣٠١ م) (٩)، والأول أصحّ (١٠).
_________
(١) انظر: ترجمته في البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٥ - ٣٦). النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (١١/ ٩٨). الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥١ - ٥٢).
(٢) انظر ترجمتها في البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٢٠).
(٣) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٥).
(٤) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٦)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٢).
(٥) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٦)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٢).
(٦) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٥٨).
(٧) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٩)، إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٥)، ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي (٣/ ٢٣)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤٣٢).
(٨) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (١١/ ٩٨)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣).
الشوكاني: محمد بن علي الشوكاني، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن التاسع، المكتبة العصرية، بيروت، ط ١، ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م (١/ ١٢١).
(٩) تاريخ الأدب العربي لبروكلمان (ص: ١٨٣).
(١٠) قطع الحافظ ابن كثير الشك باليقين عندما حدّد سنة ولادته في عام ٧٠١ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٩).
стр. 28
وكانت ولادته بمُجَيْدل القرية من أعمال مدينة بُصرى (١)، والتي منها والدته - رحمها الله - وكان أبوه خطيبًا فيها (٢).
وقد سُمِّيَ ابن كثير على اسم أخيه الأكبر: إسماعيل، الذي سقط من سَطحِ إحدى المدارس فلم يمكث سوى أيامًا ومات (٣).
ثالثًا: نشأته وحياته:
في عصر مضطرب، مشبع بالفتن والقلاقل، والمؤامرات السياسية، والانقلابات بين سلاطين المماليك؛ وفي قلب أحداث دامية، وحروب متوالية عانى منها العالم العربي، لاسيَّما مصر والشام وفي وسط مجتمع مليء بالتناقضات والصراعات المذهبية بين أفرادها؛ وفي مناخ علمي نشط، حافل بالعلم والعلماء ظهر مؤلفنا: ابن كثير إلى النور، فيجيء ميلاده ليضيف فرحة أخرى إلى قلب أبيه، وأمه، وإخوته، وأملًا بمستقبل أفضل (٤).
كانت نشأة ابن كثير في أسرة علمية، متدينة، محافظة؛ فقد كان أبوه شهاب الدين أبو حفص عُمر بن كثير، الشيخ، الإمام، العالم، الفقيه، الخطيب (٥)، معتنيًا باللغة العربية والنحو، حافظًا لأشعار العرب وقصائدهم حتى أنه كان يقول بعض الشّعر الجيد في المدح، والرِّثاء، والهِجاء (٦)، وحريصًا كل الحرص على
_________
(١) درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٢) ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨).
(٢) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٦)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨).
(٣) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٦)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٢).
(٤) ابن القيم وآراؤه الكلامية لمحمد الزيني (ص: ٢٦).
(٥) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص:٥٨)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ١٨).
(٦) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٦)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
стр. 29
تنشئة أولاده تنشئة إسلامية صحيحة؛ فكان من ذلك أن حفظ ابنه إسماعيل الأوّل (١) القرآن على يديه، وصار ابنه عبد الوهاب ذا علم ومعرفة بالفِقه (٢).
وبعد وفاة والده، انتقل ابن كثير مع عائلته وأخيه الأكبر كمال الدين عبد الوهاب إلى دمشق في سنة ٧٠٧ هـ (٣) - وكان عمره سبع سنين - فكان قدومه إليها وسكنه فيها مباركًا عليه (٤)؛ إذ كانت دمشق - آنذاك - حاضرة العلم والعلماء، ومدارسها ومكتباتها الكثيرة كانت قبلة للعلماء وطلبة العلم من كل صَوْب وحَدْب.
وقد اعتنى به أخوه عبد الوهاب أشدّ الاعتناء، وكان خير أخٍ له؛ فتلقى على يديه العلم.
ومن المهم بمكان أن نُبَيِّن أنَّ العلم السائد في الحضارة الإسلامية هو العلم الديني: حفظ القرآن، وتعلّم مناهج المفسرين، والاطلاع على كتب الفقه بمذاهبه المختلفة، وكتابة الحديث، وهذا ما سنراه واضحًا عند ابن كثير (٥).
وقد حفظ ابن كثير القرآن الكريم في عام ٧١١ هـ (٦) على يد الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن حسين بن غيلان الحنبليّ (ت ٧٣٠ هـ) (٧).
_________
(١) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير، الأخ الأكبر للمؤلف من الزوجة الأولى، سقط من سطح إحدى المدارس بدمشق، وعندما وُلِدَ ابن كثير سَمَّاهُ أبوه باسمه. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٦)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٦٠)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٢١).
(٢) ابن تغري بردي: يوسف بن تَغْرِي بَرْدي الأتابكي، المنهل الصافي، الهيئة المصرية العامة للكتاب/ مركز تحقيق الكتاب، ١٩٨٤ م (٢/ ٤١٥)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٥٨، ٧١).
(٣) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٧)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
(٤) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
(٥) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٣٧)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٥٨).
(٦) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٣١) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
(٧) هو: ابن غيلان البعلبكي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٢).
стр. 30
وحفظ كتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦ هـ) (١)، وعرضه وشرحه وعمره ثماني عشرة سنة (٢)، وما زال يحفظه ويستحضره إلى آخر وقت (٣).
ثم أقبل بعد ذلك على تحصيل العلوم بأنواعها، وحفظ متون الأحاديث، ومعرفة الأسانيد، والعِلل ومعرفة الرجال، والتاريخ، وجدّ واجتهد حتى برع فيها (٤)؛ وهذا إنْ دلَّ على شيء فإنما يدلّ على همة عالية، وحافظة قوية مميزة، وإرادة تعشق العلم، ورغبة في الاستزادة منه (٥).
ولم يتوان ابن كثير عن السعي في طلب العلم وتحصيله في كل مكان، ولما كانت روحه شغوفة بالعلم وحب المعرفة ارتحل إلى الحجاز ومصر، والقدس، وغيرها من المدن والبلدان للقاء العلماء والشيوخ، وحضور مجالسهم؛ فكان أن ظَفِرَ بالسَّماع ونال الإجازات.
وصَاحَبَ شيخيه المزي وابن تيمية، لازمهما، وتعلَّق بهما كثيرًا، وانتفع بكلامهما وعِلْمُهما، واعتنق بعض آرائهما وفتواهما، وعكف على مؤلفاتهما يلخّصها، وأضافها إلى مؤلفاته، وقرأ عليهما كتبه.
_________
(١) أبو إسحاق الشيرازي هو: أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن يوسف الفيروزاباديّ، الشيرازيّ، الشافعي، الفقيه، مدرّس النظامية، قال عنه ابن العماد: "انتهت إليه رئاسة المذهب في الدنيا" مات في عام ٤٧٦ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٣/ ٢١٢ - ٢١٣)، شذرات الذهب لابن العماد (٤/ ٤٥).
(٢) إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٥)، شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤٣٢)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣ - ٥٤).
(٣) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٥) شذرات الذهب لابن العماد (٦/ ٤٣٢)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٤).
(٤) طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣ - ١١٤).
(٥) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١١٩).
стр. 31
وكانت علاقته بشيخه ابن تيمية وطيدة، ولها خصوصية حيث لازمه طويلًا وأخذ عنه، وناضل عنه في أغلب المناسبات، وامتحن بسبب ذلك (١).
وكان من شدّة ملازمة ابن كثير شيخه المزي، وحبّ الأخير تلميذه وعطفه عليه، أن صاهره فتزوج ابنته (٢): أَمَة الرَّحيم زَينب (٣) بنت يوسف بن عبد الرحمن المزي، التي أنجب منها خمسة ذكور وإناث عِدَّة منهم:
١ - عزّ الدين، عُمر بن إسماعيل بن كثير، وهو أكبرهم، ابن كثير الفقيه، كتب مصنفات أبيه بيده وعمل في الحِسْبة، ونَظَرَ الأوقاف، والتدريس، مات عام ٧٨٣ هـ (٤).
٢ - زين الدين عبد الرحمن بن إسماعيل بن كثير: قال ابن حجر: "وقد ذَيَّلَ على تاريخ أبيه قليلًا". توفي في دمشق عام ٧٩٢ هـ (٥).
٣ - شهاب الدين، أحمد بن إسماعيل بن كثير: قال عنه السخاوي في الضوء اللامع: "تزيا بزي الجند، وحصل له إقطاع". وقال أيضًا: "قال عنه الشهاب بن حجي: أحسن أخوته سمتًا، عارفًا بالأمور". وله ابنة محدثة اسمها: أسماء، توفي عام ٨٠١ هـ (٦).
_________
(١) الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٣)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٥).
(٢) الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨)، درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٣) طبقات المفسرين للأدنروي (ص: ٢٦٠).
(٣) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٠٩، ٢٩٧)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: (٦٢)، حيث ذكر اسم زوج المؤلف.
(٤) وفيات سير أعلام النبلاء للفاسي (ص: ٢٢٤)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٦٣).
(٥) ابن حجر: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، إنباء الغمر بأبناء العمر، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م (٣/ ٣٩)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٦٤)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٢٢).
(٦) الضوء اللامع للسخاوي (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٦٥)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ١١٤)، مقدمة كتاب البداية والنهاية لابن كثير (١/ ٢٢).
стр. 32
٤ - بدر الدين، أبو البقاء محمد بن إسماعيل بن كثير: ويُعرف كأبيه بابن كَثير، وُلِدَ بدمشق عام ٧٥٩ هـ، ودرس الفقه، وكان حسَن الخط وجيد الضبط، ودرَّس في المدرسة الصالحية (١)، وصنّف تاريخًا للحوادث في زمنه فيه غرائب، توفي في ربيع الآخر عام ٨٠٣ هـ (٢).
٥ - تاج الدين عبد الوهاب بن إسماعيل بن كثير: سمع من أبيه وغيره من المشايخ، توفي عام ٨٤٠ هـ (٣).
رابعًا: أخلاقه وصفاته:
كانت للحافظ ابن كثير أخلاق حسَنة، كريمة، وصفات حميدة، وفضائل محمودة، لمسها فيه كل من اقترب منه، وصاحبه وعاصره؛ وصارت هذه الأخلاق الحسنة غالبةً عليه حتى أنَّ بعض المصنفين وصفوه بها في مؤلفاتهم عندما ترجموا له، وهي: حُسن الخُلُقِ، والتواضع (٤) الجَمّ، والحِلْم، وسِعَةَ الصدر لآراء الآخرين؛ وحُسن الصحبة لزملائه ومعاصريه، والوفاء والإخلاص لأصدقائه، والتقدير الكبير والاحترام لشيوخه، والاعتراف بدورهم في تكوينه العلمي، وبناء فكره الديني؛ فقد ذكر فضائلهم، وعدَّد مناقبهم، وأشاد بدورهم في خدمة الإسلام، وأثنى عليهم بالخير، واعترف بالأخذ منهم، والاغتراف من علمهم؛ وذلك عندما ترجم لعدد كبير منهم في كتابه (البداية والنهاية) (٥).
_________
(١) المدرسة الصالحية هي: دار حديث وقرآن بتربة أم الصالح بدمشق بناها الصالح إسماعيل بن أبي بكر بن أيوب (ت ٦٤٨ هـ)، وأوقف عليها. الدارس للنعيمي (١/ ٢٣٩)، السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي (١/ ٤٧٢) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٧٦).
(٢) درر العقود للمقريزي (٣/ ٦٦)، الضوء اللامع للسخاوي (٧/ ١٢٢)، شذرات الذهب لابن العماد (٧/ ١٥٩).
(٣) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٦٤)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ١١٤).
(٤) درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٦٥).
(٥) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١٢٦).
стр. 33
والحقيقة التي لا مراء فيها أنَّ هذا العالم الفذ تميّز بصفات فريدة جعلته محبوبًا، مقربًا إلى قلوب شيوخه، وتلامذته، ومريديه، وجلسائه، وكل من عاصره واقترب منه؛ ولعل من أهمّ الصفات الطيبة التي لمُست فيه، واشتهر بها:
حرصه، وجدّه، واجتهاده في طلب العلم النافع المفيد، وأمانته في نقل كلام العلماء وآرائهم في كتبه ومصنفاته (١)، وحرصه على الالتزام بالحديث، والإحاطة بسنده، والسنة النبوية، والدعوة إلى اتباع منهج السَّلف، والدفاع عنه؛ ومن يتابع العلوم التي نَبغَ ومَهَرَ فيها ابن كثير يدرك مدى سعة علمه، واطلاعه، ومعارفه، وثقافاته المتعددة (٢).
ولا عجب أنه اشتهر باستقامة السلوك، والوَرَع، والزهد عن طيبات الدنيا، وحب العَدْلِ والإنصافِ مع المخالفين له في الرأي والمذهب؛ وزد على ذلك أنه كان واثقًا بنفسه، معتدًا بشخصيته دون تكبر وغرور (٣)؛ واتصف بطول الصبر والأناة (٤)، وتتجلى هاتان الصفتان بوضوح في الجهد الكبير الذي بذله في جمع وتأليف مصنفاته الضخمة دون كَلَلٍ أو مَلَلٍ، وهي: (جامع المسانيد والسنن) (البداية والنهاية)، وغيرها من الكتب.
وكان ابن كثير - أيضًا - طيب المعاشرة، رقيق الحاشية، ليِّن الجانب، حسَن المُفاكَهة (٥)، صادقًا في تعامله الناس، وقد شهد له بذلك جلساؤه ومن اختلط به من علماء البصرة وتلاميذه.
_________
(١) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٦٥).
(٢) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١٢٤).
(٣) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: (٦٥).
(٤) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ١٨١).
(٥) درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨).
стр. 34
وتؤكد المراجع التاريخية أنَّ هذا العالم الفذّ، والمؤرخ الكبير جيد الفهم، كثير الحفظ والاستحضار، حادُّ الذهن، قويّ الذاكرة، قليل النِّسيان (١)؛ فقد كانت له ذاكرة ممتازة، وحافظة متميزة، وعقل يَقِظ (٢)؛ واتصف بالإتقان في عمله، وقد غلبت عليه هذه الصفة في الحديث والفقه؛ مما لفت انتباه بعض المصنفين فشهدوا بها عند ترجمتهم له في مصنفاتهم، فقال عنه ابن قاضي شهبة والداوودي (ت ٩٤٥ هـ) (٣): (محدث متقن)، وقال عنه أبو المحاسن الدمشقي (ت ٧٦٥ هـ) (٤): "فقيه متقن"، وقال المقريزي (ت ٨٤٥ هـ) (٥): "وكان حافظًا متقنًا" (٦).
ولا شك أنَّ من يحصِّل ويبرع في علوم مثل: الحديث والفقه كابن كثير؛ يتميز بذكاء وافرٍ، وموهبة متفوقة، وطموحٍ شديدٍ، وهِمَّةٍ عاليةٍ، وحُسْن اختيارٍ للشيوخ الذين تلقى العلم منهم، ونَهِل من معينهم (٧).
_________
(١) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٥)، إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٦)، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢١٨)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، الإمام ابن كثير للندوي (ص: ١٨٢).
(٢) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١١٩).
(٣) الداوودي هو: محمد بن علي بن أحمد الداوودي، وقيل: الداودي، المصري، الإمام، العلامة، الحافظ، المحدّث، المفسر، مات عام ٩٤٥ هـ. شذرات الذهب لابن العماد (٨/ ٣١٣)، الأعلام للزركلي (٦/ ٢٩١)، معجم المؤلفين لكحالة (٣/ ٤٩٦).
(٤) أبو المحاسن الدمشقي هو: محمد بن علي بن الحسن الحسيني. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص: ٦٧).
(٥) المقريزي هو: أحمد بن علي بن عبد القادر الحسيني المقريزي. انظر: ترجمته في تلاميذ المؤلف (ص: ٧١).
(٦) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٥)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣).
(٧) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ١١٩)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
стр. 35
وقد كان ابن كثير مُتَفَنِّنًا في الفقه (١)، وبارِعًا في الحديث والفتوى (٢)، ونَقَّادًا في التفسير (٣)، مع حجة قوية واتزان في مناقشة آراء الناس (٤).
وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، محبًا للحقّ جهورًا به، ولا يخشى فيه لومة لائم (٥)؛ وكان ابن كثير يهتم بالرياضة، لاسيَّما لعب الكرة، وكان ذا لياقة جسدية جيدة حتى وهو في الستينيات من عمره (٦).
وموجز القول أنَّ ابن كثير كانت له صفات وأخلاق كريمة، حميدة تفرَّد بها بين قرنائه ومعاصريه، وجعلته موضع إعجاب شيوخه وتلامذته، ومريديه، وثناؤهم عليه خيرًا في مصنفاتهم (٧).
* * *
_________
(١) الذهبي محمد بن أحمد بن علي الذهبي، المعجم المختص (بالمحدثين)، مكتبة الصديق، الطائف، ط ١، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م: (ص: ٧٥)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٤).
(٢) درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٦).
(٣) طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨).
(٤) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٦٦).
(٥) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٦٥).
(٦) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٤٦٠).
(٧) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
стр. 36
المبحث الثاني ثقافته وشخصيته العلمية
أولا: ثقافته:
المطالع لفِكْر الحافظ ابن كثير، والمتتبع لعلمه الغزير، يستطيع أن يدرك بأنَّ هذا الرجل وهَب حياته للعِلم، وأنَّ هناك عوامل كثيرة أثرت في ثقافته؛ كعصره الذي انعكس على ثقافته العلمية، وحفَّزه على الاغتراف من كافة علوم عصره؛ ونشأته الدينية، والجو الأسري المحافظ الذي ترعرع فيه؛ فقد نشأ الحافظ ابن كثير في بيئة علمية، دينية، ثقافية، تشجع أبناءها على طلب العلم والمعرفة؛ فكان أبوه عُمر بن كثير خطيبًا، ولغويًا، وأديبًا فاضلًا، حرص على تربية أبنائه تربية دينية صحيحة، وتوجيههم للاطلاع على المعارف المختلفة، ودراسة العلوم الشرعية؛ وكان أخوه عبد الوهاب بن عمر بن كثير عالمًا بالفقه فتولَّى رعايته، وتعليمه، وتوجيهه؛ فكان من ذلك أن اهتم ابن كثير بدراسة معظم علوم الدين؛ كالتفسير، والقراءات، والحديث والفقه وأصوله، والتاريخ، وغيرها من العلوم التي ساهمت في تطور ثقافته، وبلورة تكوينه العلمي المتميز.
وسنذكر - هاهنا باختصار - العلوم المختلفة، التي تلقاها ابن كثير.
أ - في القرآن وعلومه:
قرأ ابن كثير القرآن الكريم وحفظه وختمه في سنة ٧١١ هـ - عندما كان في الحادية عشر من عمره - على يد شيخه ابن غيلان البعلبكي (١).
_________
(١) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٣١)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٧٩، ٨٧)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣).
стр. 37
وبعدها قرأ القرآن على شيخ علم القراءات: محمد بن جعفر بن فرعوش اللّباد (ت ٧٢٤ هـ) (١)، فأتقن قراءته حتى صار من القُرَّاء (٢)؛ وأحبّ ابن كثير تفسير القرآن الكريم، وتعلّمه، وبَرَعَ فيه حتى أنه كان يدرسه في المدرسة النَّجِيبية (٣)، ثم الجامع الأموي (٤) بدمشق منذ عام ٧٦٧ هـ (٥).
ومن المعروف أن كبار العلماء هم الذين كانوا يتصدرون التدريس في هذا الجامع العريق، الذي أنشئ على يد الخليفة الوليد بن عبد الملك (ت ٩٦ هـ) (٦) (٧).
ب - في الحديث وعلومه:
كان الحديث الشريف من أكثر العلوم الشرعية المقرّبة إلى نفس الحافظ ابن كثير، وكانت له الغلبة على ثقافته (٨)، وعلى سائر العلوم التي تعلّمها
_________
(١) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٨).
(٢) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٧٧)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٩٧).
(٣) المدرسة النجيبية هي: مدرسة للفقه الشافعي، بناها الأمير جمال الدين أقوش النَّجيبي الصالحي، نائب دمشق، وأوقف عليها، وبها كان يسكن ابن كثير. الدارس للنعيمي (١/ ٣٥٨ - ٣٥٩)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٧٧).
(٤) الجامع الأموي هو: جامع بني أمية، وجامع دمشق، والجامع المعمور، كان نصفه كنيسة والنصف الآخر به محراب للمسلمين أنشأه الخليفة الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي في تسع سنوات. الكامل في التاريخ لابن الأثير (٤/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١/ ١٢٨٤)، الدارس للنعيمي (٢/ ٢٨٥ - ٣١٩).
(٥) ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٧٧، ١٠٠)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٦).
(٦) هو: أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مَرْوَان بن الحَكَم الأمَوِيُّ، الدِّمَشْقِيُّ، الخليفة، أنشأ مسجد رسول الله ﷺ ، وجامع بني أمية بدمشق، وفتح بوابة الأندلس وبلاد الترك، كانت خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، مات عام ٩٦ هـ. الكامل في التاريخ لابن الأثير (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، سير أعلام النبلاء للذهبي (١/ ١٢٨٤).
(٧) الكامل في التاريخ لابن الأثير (٤/ ٢٤٢)، شذرات الذهب لابن العماد (١/ ٢٠٢).
(٨) الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٧١).
стр. 38
واشتغل بها؛ لذلك لم يكن غريبًا على ابن كثير أن يتجه إليه بكل طاقاته، وجهده، ووقته فينهل منه استماعًا، ومطالعةً، وحفظًا، وجمعًا، وتصنيفًا، وهذا التحصيل العلمي، والاطلاع الواسع على علوم الحديث، والدراسات التي دارت حوله سيظهر لنا حينما نتناول التحقيق.
وقد تلقى ابن كثير الحديث الشريف من جُمْلَة متميزة من خِيْرَةِ علماء دمشق وهم: عيسى المُطَعِّم (ت) (٧١٩ هـ) (١)، وابن الشِّحنة (ت ٧٣٠ هـ) (٢)، وابن الفاكهاني (ت ٧٣٤ هـ) (٣)، وابن الشِّيرازيُّ، وإسحاق الآمديُّ (ت ٧٢٥ هـ) (٤)، ومحمد بن الزَّرَّاد (ت ٧٢٦ هـ) (٥)، والمزّي، وابن تيمية، وابن الرَّضِيّ (ت ٧٣٨ هـ) (٦)، والذهبي، وابن السويديّ (ت ٧١١ هـ) (٧)، والقاسِم ابن عسَاكر (ت ٧٢٣ هـ) (٨)، وخلقًا (٩).
_________
(١) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: (٤٨).
(٢) ابن الشحنة هو: أحمد بن أبي طالب بن نعمة. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٢).
(٣) ابن الفاكهاني هو: عمر بن عليّ بن سالم اللَّخمي، الإسكندري. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٣).
(٤) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٨ - ٥٩).
(٥) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٩).
(٦) ابن الرَّضي هو: أبو بكر بن محمد بن الرَّضيّ عبد الرحمن بن محمد المَقْدسي، الصالِحي، القطَّان، مات عام ٧٣٨ هـ. الذهبي: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، معجم شيوخ الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١، ١٤١٠ - ١٩٩٠ م (ص: ٦٧٩)، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٢٧٠).
(٧) ابن السّويدي هو: الطبيب الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمد الأنصاري، الغَرْناطي، السويدي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٦).
(٨) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٧).
(٩) المعجم المختص للذهبي (ص: ٧٥)، الدرر الكامنة لابن حجر (١/ ٤٤٥)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبي المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨)، البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٦١)، درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، طبقات المفسرين للأدنروي (ص: ٢٦٠ - ٢٦١)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٩٣).
стр. 39
وسمّع أيضًا على الشيخ أحمد بن محمد بن عُمر بن عثمان الصقلي (ت ٧٢٥ هـ) (١) شيئًا من (سنن البيهقي) (٢)، وسمّع كتاب (سنن الدارقطني) وغيره على الشيخ يحيى بن إسحاق بن خليل الشيباني (ت ٧٢٤ هـ) (٣) (٤)، وسمع على شيخه ابن الشحنة خمسين، وقيل: نحو خمس مئة جزءًا بالسماع، والإجازات (٥)، وسمّع (صحيح مسلم) على الشيخ نجم الدين بن العَسْقلاني (٦) (٧)، وقرأ الكثير من الأجزاء والفوائد على الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف بن نعمة (ت ٧٣٧ هـ) (٨) (٩).
وكان ابن كثير دائم التردد على العلماء والمحدثين، وملازمتهم؛ فلازَم شيخه ابن تيمية، وأخذ عنه الكثير، وبرَع في علومٍ عديدةٍ بملازمته (١٠)، ولازم شيخه الحافظ المزِّيّ، وسمّع عليه معظم تصانيفه، واستفاد منه وأكثر عنه (١١).
_________
(١) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: (٥٨).
(٢) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٨٤).
(٣) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٨).
(٤) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ١٧٨).
(٥) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٣٢)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٤).
(٦) لم أقف على ترجمته في المصادر التي بين يديّ، وقد ذكره ابن كثير أثناء ترجمته للوزير العالم محمد بن سهل الأزدي، ولعله هو الذي ذكره النعيمي في كتابه الدارس باسم: النجم بن هلال العسقلاني، مات عام ٧٣٠ هـ. البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٣١)، الدارس للنعيمي (١/ ١٢٥).
(٧) النهاية لابن كثير (١٦/ ٢٣١)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٧٢).
(٨) انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٣).
(٩) البداية والنهاية لابن كثير (١٦/ ٢٧٨).
(١٠) درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، المنهل الصافي لابن تغري بردي (٢/ ٤١٥)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢).
(١١) إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٦)، درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، ذيل تذكرة الحفاظ لأبى المحاسن الدمشقي (٣/ ٣٨)، ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٧٢).
стр. 40
ج - في الفقه وأصوله:
حفظ ابن كثير كتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي لأبي إسحاق الشيرازي، وشغف به وعرضه عليه في سنة (٧١٨ هـ)، وحفظ (مختصر ابن حاجب) المسمّى (مختصر المنتهى) وهو في أصول الفقه (١).
ودَرَسَ أصول الفقه على يد شيخه أبي الثَّناء الأَّصبهانيّ (ت ٧٤٩ هـ) (٢)، وقرأ عليه كتاب (الأصول) (٣)؛ وقد تفقّه ابن كثير على يد شيوخ عِدَّة منهم: بُرْهَان الدين الفَزاريّ (ت ٧٢٩ هـ) (٤)، وكمال الدين بن قاضي شهبة (ت ٧٢٦ هـ) (٥) (٦).
كما تفقه على ابن الزَّمَلْكاني (ت ٧٢٧ هـ) (٧)، وعلى يد شيخه ابن تيميه (٨)؛ فكان يأخذ بآرائه، وفتواه (٩)، وكان لتَبَحُّرِهِ في الفِقه دور في تمكنه - فيما بعد - من الفُتْيا والسَداد فيه.
_________
(١) إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٥)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٣)،
ابن كثير الدمشقي للزحيلي (ص: ٧١ - ٧٢).
(٢) أبو الثناء الأصفهاني هو: محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصبهاني. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٥).
(٣) طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، الدارس للنعيمي (١/ ٢٨)، الإمام ابن كثير وأثره في علم الحديث لآل شلش (ص: ٥٥).
(٤) برهان الدين الفزاري هو: إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاري. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦١ - ٦٢).
(٥) ابن قاضي شهبة هو: عبد الوهاب بن محمد بن ذؤيب الأسدي. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٥٩).
(٦) الدارس للنعيمي (١/ ٢٨)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢)، إنباء الغمر لابن حجر (١/ ٤٥).
(٧) ابن الزملكاني هو: أبو المعالي محمد بن عليّ بن عبد الواحد الأنصاريّ. انظر: ترجمته في شيوخ المؤلف (ص: ٦٠ - ٦١).
(٨) درر العقود للمقريزي (١/ ٣١٣)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ١١٢).
(٩) طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (٣/ ١١٥).
следующие страницы →