المعتزلة بعد ذلك، أما واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، فهؤلاء رؤوس المعتزلة الذين أسَّسوا الاعتزال، فهؤلاء كانوا يعرفون بمقالة القدر، القدرية وكانوا يعرفون كذلك بمسألة مرتكب الكبيرة، وكان لهم أقوال في شأن الصحابة مثل قول واصل بن عطاء: "لو أن الفريقين علي ومعاوية جاءوا يشهدون عندي على حزمة بقل لرددت شهادة الاثنين" (١) فكان ينظر إليهم هذه النظرة، وموقفهم من الصحابة مذكور ومحفوظ.
فالاعتزال بعد ذلك تطوَّر، فأصبح له عدة مشارب يأخذ منها، فأخذ من القدرية وأخذ من الخوارج، وأخذ من الرافضة، وأخذ من الجهمية، وأصبح يجمع أفكاراً متعددة كما ترى اليوم في بعض الجماعات، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]، فتجد في المعتزلة أقوال الخوارج، وتجد فيهم أقوال الروافض، وتجد فيهم أقوال القدرية، وتجد فيهم أقوال الجهمية.
مع أنه لم يكن أوائل المعتزلة يعرفون هذه المقالة أو يقولون بها، وإنما الأمر دخل بعد ذلك بواسطة تلاميذ هؤلاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية أن أوائل المعتزلة "أوائل المعتزلة لم يكونوا يقولون بنفي الصفات".
فالجهمية هم أول من تبنى هذه المقالة إلى أن تلقَّفها عنهم المعتزلة، فكان هذا الأمر موجوداً حتى بعد مقتل الجهم، فمثلاً بشر بن غياث المريسي الذي يرد عليه الدارمي وغيره، ما كان معتزليًا، وإنما كان جهمياً، لأنه في مسائل الإيمان ليس مع المعتزلة وإنما هو مع المرجئة، فبالتالي الذين كانوا في فتنة القول بخلق القرآن ليس هم المعتزلة وحدهم، وإنما هو جمعٌ من أهل البدع، منهم المعتزلة، ومنهم النجارية، ومنهم الجهمية، ومنهم المرجئة، كل هؤلاء تألُّبوا على أهل السنة، ومنهم حتى الخوارج، لأن الخوارج إلى يومنا هذا يحمِلون شيئًا من هذه الأفكار كالإباضية.
فالإباضية أفكارهم المذهبية هي نفس وعين أفكار المعتزلة، يتفقون معهم في قضايا نفي الصفات، فاتفقوا في ذلك جميعًا على أهل السنة، فالمسألة ليست مقتصرة على المعتزلة. والشاهد أن الجهمية لهم وجود حتى بعد مقتل الجهم، ولهم كيان، ولم يكن أوائل المعتزلة في ذلك العهد وذلك الحين قد تلقَّفوا أقوال الجهم
стр. 247
وإن كان كما هو معروف أن في تاريخ المقالات، أنَّ المقالة قد تتبناها فرقة بعينها، ثم بسبب ذلك تتلاشى الفرقة الأولى التي أحدثتها ثم بعد ذلك تنشأ فرقة أخرى تتبنى تلك المقالة، كما في مقالة القدرية.
فالقدرية الأوائل لم يكونوا معتزلة، إلى أن جاء المعتزلة وتبنُّوا فكرة القدر وحملوها، بعد ذلك تلاشى ما يسمى بالقدرية، واشتهر بعد ذلك أن القدرية هم المعتزلة، هذا معروف لمن درس في تاريخ المقالات والفرق، ولهذا الجانب أهميته ولابد أن يعتني به لأنه يعطي الصورة العامة لوقائع الأمور، فالانشغال بجزئيات المسائل لا يغني عن أخذ تصوُّر عام عن المسألة وعن نشأتها وعن تاريخها ونشأتها وتطورها، ولماذا جاء الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، كل هذا لابد أن يفهم تاريخياًّ كما يفهم في جانب الاعتقاد، فجانب تاريخ الفرق ونشأت المقالات أمر لا يستهان به؛ لأنه يضع في الذهن التصور العام عن مجمل القضية، وإن كان لا يغني عن معرفة تفاصيل المسائل، فلابد من معرفة تاريخ المعتزلة، وتاريخ الكلابية، وتاريخ الأشاعرة، وتاريخ الماتريدية، فكل هذه المسائل ينبغي أن يتم الوقوف عندها لأنها مهمة، وتعطي تصوُّرًا يعين على فهم سير الأمور كيف سارت، وكيف إلى اليوم لا يزال لذلك الفكر وجود، ولا يزال لتلك المقالات أنصار وأعوان على تغير البعض أو تلاشي البعض من تلك الفرق، وظهور مسميات أخرى.
وعلى سبيل المثال لابد وأنت تدرس هذا الباب أن تفهم ما علاقة الإباضية بنفي الصفات، فالإباضية اليوم لهم وجود، ويتبنون ويحملون فكر نفي الصفات، فمن أين جاء هذا؟
والرافضة، الإمامية أيضًا يتبنون هذا الأمر، ولو اجتمعت بأحد منهم سيعرض عليك نفس شُبَه المعتزلة، فما هي العلاقة الوثيقة التي جعلت الرافضة يتبنون الفكر الاعتزالي، كل هذا لابد أن يفهمه الدارس لهذا الباب حتى يتصور المسألة تصوُّرًا عامًا، فالقاعدة تقول: الحكم على الشيء فرع عن تصوُّره، فالتصوَّر لمجمل المسألة، ومجمل الخلاف فيها، ومجمل سيرها تاريخًا، هذا يعينك على الفصل بين المسائل لأن الكثير عندما تسأله ما قول المعتزلة في المسألة؟
تجده لا يفرق بين قولهم وقول الأشاعرة، فليس عنده تصوُّر ولا تمييز بين هؤلاء، والبعض أيضًا قد لا يتصور أن لهذا الكلام وجود إلا في المعتزلة الأوائل
стр. 248
وأن الاعتزال قد تلاشى وانتهى، مع أنه لم يتلاشى ولم ينتهي. فهو أمر لابد من فهمه لأنه له علاقة بنشأة المقالات وتاريخ الفرق.
ومن هنا ينبغي أن يتنبَّه أن لهذه اللفظة (الجهمية) معنىً عاماًّ، ومعنىً خاصاَّ. فتارة يراد بالجهمية كل من تلقَّف مقالة التعطيل، فيشمل ذلك أتباع جهم، ويشمل المعتزلة، ويشمل ما يسمُّون بالصفاتية وهم: الكلابية، والأشعرة، والماتريدية، فلفظ الجهمية يشمل هؤلاء؛ لأن خصوم أهل السنة في ذلك الحين ليسوا فقط المعتزلة.
فمثلاً بشر المريسي لم يكن معتزليًا؛ لأن للمعتزلة شرط في الانتساب إليهم وهو: أن الذي يكون على الاعتزال عليه أن يقول بالأصول الخمسة، وهي:
١. العدل.
٢. والتوحيد.
٣. والمنزلة بين المنزلتين.
٤. والوعد والوعيد.
٥. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالتوحيد عندهم: نفي الصفات.
والعدل: هو القول بالقدر.
والوعد والوعيد: هو قولهم في مسائل الإيمان.
والمنزلة بين المنزلتين: هذه في مسألة مرتكب الكبيرة.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو الأصل الخامس عند هؤلاء.
فلابد لمن يكون معتزلياًّ أن يكون على هذا.
فمثلاً بشر المريسي لم يكن يوافق هؤلاء في مسألة الإيمان، لأنه كان على الإرجاء كما هو مذهب الجهم، فلو جئت في مسائل الإيمان تجد أن الناس ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المرجئة.
القسم الثاني: الخوارج، والمعتزلة.
القسم الثالث: أهل السنة.
فالمرجئة: هم من قالوا بمقالة الإرجاء: وهي تأخير العمل عن مسمَّى الإيمان، فالمرجئة ليسوا صنفًا واحدًا، وإنما هم أصناف خمسة وهي: الجهمية، والكرامية،
стр. 249
والأشاعرة، والماتريدية، ومرجئة الفقهاء، فهم خمسة أصناف، ومقالة الإرجاء تشمل كل هؤلاء.
وكذلك مقالة التجهم تشمل: أتباع الجهم الجهمية، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
إذًا كما أن أهل الإرجاء خمسة، فإن أهل التجهم خمسة. فلذلك لفظ الجهمية تارة يراد به معنىً عامًّا يشمل كل من قال بنفي الصفات، فيدخل في ذلك أتباع الجهم، والمعتزلة، والكلابية، والأشاعرة، والماتريدية، وتارة يراد به الجهمية المحضة.
فعلى المعنى الأول يقسمونهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الغالية أتباع الجهم.
القسم الثاني: المعتزلة.
القسم الثالث: الصفاتية.
أو يقسمونهم إلى ثلاثة درجات:
الدرجة الأولى: الغالية ويراد بهم أتباع الجهم؛ لأن هؤلاء يقولون بإنكار جميع الأسماء والصفات، لا يثبتون اسمًا، فالجهم يقول: "إن الله لا يسمَّى بشيء" (١)، وهناك قول آخر يقول فيه: "إن الله يسمَّى باسمين فقط: الخالق، والقادر" (٢)؛ لأنه يزعم أن هذين الاسمين ليس فيهما تشبيه، باعتبار أنه جبري فبالتالي يرى أن القدرة أمر يختص له الخالق، وأن العبد لا قدرة له ولا اختيار، فيقول: لأن الله تعالى يتفرد بالخلق والقدرة، فبالتالي لا تشبيه في هذين الاسمين فلا مانع من ذلك.
فهو تارة يقول: إن الله لا يسمَّى بشيء، وتارة يجيز اسمين فقط وهما الخالق والقادر، وأما الصفات فإنه ينفيها جميعًا، ينفي جميع الصفات، فلذلك يقال عنهم: الغالية.
والدرجة الثانية: وهم المعتزلة وتعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.
стр. 250
الدرجة الثالثة: هم الصفاتية، وإذا قيل: الصفاتية، فإن هذا المصطلح يعني الكلابية، والأشاعرة، والماتريدية.
وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: الكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، وإثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.
القسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.
ولذلك لو جمعت بين كتاب للبيهقي وكتاب للجويني أو الغزالي أو الرازي، تجد أن إثبات البيهقي وهو من قدماء الأشاعرة أكثر بكثير مما عند الجويني أو الغزالي أو الرازي لأن المتأخرين كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك نفيهم كان أكثر وأكثر، هؤلاء المتأخرون كانوا أكثر قربًا إلى المعتزلة، فلذلك هم في النفي أكثر. أما المتقدمون من الأشاعرة فكانوا أقرب إلى أهل السنة فلذلك كان إثباتهم أكثر.
فهذا من حيث إطلاق لفظ الجهمية، فتارة يراد به جميع من قال بنفي الصفات، فلفظ الجهمية كلفظة الإرجاء، يشمل عددًا من الفرق وهي خمسة، كما أن الإرجاء خمسة. فإذا قيل الجهمية على هذا، فإن المقصود به المقالة، وفرقٌ بين المقالة والفرقة، فالمقالة قد يشترك فيها أكثر من طائفة، والفرقة تختص بطائفة معينة لها عدد من الأقوال والمقالات.
والجهمية استمرت مقالاتهم حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، كان يذكرون أنه ما يزال منهم في المشرق من يقول بمقالتهم، وكان آخر ما ذكر في ذلك أنها كانت في نهاوند إلى أن تلاشت ودخل أتباعها في الأشعرية، هذا أخر ما ذكر عن تاريخ الجهمية. فهذا يعني أنه كان لهم وجود.
وأما المعتزلة فأول ما تأسَّست على يد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد وكانت البصرة مركزاً للمعتزلة، وكانت كما يقولون: البصرة عشَّ القدرية، والكوفة عشَّ التشيُّع، فكانت مقالة القدرية أظهر في البصرة.
стр. 251
وواصل بن عطاء له قصة في مسألة مرتكب الكبيرة عندما جاء السائل يسأل الحسن البصري، وكان هو في مجلس الحسن البصري ومن أحد تلاميذه، وجاء السائل يسأل عن هذه المسألة، فسارع واصل بالإجابة وقال: أنه في منزلة بين المنزلتين، فجاء بمسألة مرتكب الكبيرة بقول أحدثه في هذا، إذ لم يكن هناك في ذلك الحين إلا قول الخوارج، وحكمهم على مرتكب الكبيرة، وقول أهل السنة، وقول المرجئة. فجاء واصل بقول يوافق فيه الخوارج من حيث النتيجة؛ لأن الفرق بين مقالة الخوارج ومقالة المعتزلة في هذه المسألة هو أنهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا، وإنما في المآل أي في الآخرة هم على قول واحد، إذ أن كلًّا من الخوارج والمعتزلة يقول: إنه خالد مخلد في النار، لكن المعتزلة يجعلونه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، ويقولون في منزلة بين المنزلتين.
فأظهر واصل بن عطاء هذه المقالة واعتزل مجلس الحسن البصري، ومن هنا من بعد ذلك سمي أتباعه المعتزلة. فنشأ الاعتزال في البصرة، وكانت في ذلك الوقت مرتع للبدع فكان فيها الخوارج والقدرية والمرجئة، وكذلك كان فيها شيء من التشيُّع.
فمن هنا كان الاعتزال مركباً من عدة مقالات، فأخذ شيئًا من القدرية، وأخذ شيئًا من الخوارج، وأخذ كذلك شيئًا من الجهمية وإن كان هذا بعد ذلك. فمثلاً تأثرهم بالخوارج لأن واصل بن عطاء كان يقول في مسألة أهل صفين، ومسألة التحكيم كان يقول: إن أحد الطائفتين يعني فاسق لا بعينه، فيفسق ولكن بدون تحديث أو تعيين أي الطائفتين كذلك. وكان يقال عنه: "لو جاء علي وأصحابه ومعاوية أصحابه يشهدون عندي على حزمة بقل، لرددت شهادة الاثنين" (١).
فبالتالي هذا يظهر مدى العلاقة بين الخوارج وبين المعتزلة فيما بعد، لأنه لا يزال إلى اليوم فكر الاعتزال موجوداً عند بقية الخوارج وهم الإباضية، والإباضية اليوم في مسائل الصفات وفي بعض المسائل على عقيدة الاعتزال، يدعون إليها بنفس الكلام الذي يقوله المعتزلة. وللاعتزال كذلك صلة بالتشيُّع لأن المعتزلة لو درسْت في تاريخهم، يزعمون أن واصل بن عطاء تتلمذ على الحسن والحسين ابني عليٍّ ﵃، فيزعمون ويدَّعون ذلك.
وبالتالي بعد هذا كان هناك تقارب بين المعتزلة والروافض، ولذلك الروافض اليوم الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية في مسائل الأسماء والصفات يحملون فكر
стр. 252
الاعتزال، فلو جئت إلى الزيدية، ولو جئت إلى الروافض تناقشهم في مسائل الصفات تجد أن ما عندهم هو ما عند المعتزلة.
وكان من أشهر مقالات واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين، ومقالة القدرية، وكذلك ميله في مسائل الإيمان إلى قول الخوارج في ذلك لأنهم يقولون: "إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص" (١).
فالناس في الإيمان ثلاثة: المرجئة، وأهل السنة والجماعة، والخوارج والمعتزلة، لأن هؤلاء يقولون: إن الإيمان لا يتفاضل ولا يتبعَّض، ويقولون: الإيمان قول واعتقاد وعمل لكنه لا يزيد ولا ينقص. فالفرق بينهم وبين أهل السنة الزيادة والنقصان، وأهل السنة يقولون: إنه يتفاضل، ويتبعضُّ، ويزيد، وينقص، أما هؤلاء يقولون: أنه شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله.
فإذًا هذه بعض أفكار المعتزلة في ذلك الحين:
- مقالة القدر، فقد تلقَّف المعتزلة مقالة القدرية حتى بعد ذلك أصبح إذا قيل: القدرية، فإن الذي يعنى بذلك هم المعتزلة في ذلك الحين، هذه واحدة، مقالة القدر.
- المقالة الثانية في مسألة الإيمان، وأنه لا يزيد ولا ينقص.
- المقالة الثالثة في مسألة مرتكب الكبيرة.
- والرابعة قولهم في مسألة التحكيم وأهل صفين.
ولم يكن عندهم في ذلك الحين مقالة التجهم، إنما هي دخلت عليهم بعد ذلك، فتلاميذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد هم الذين تلقَّفوا مقالة الجهمية وأضافوها إلى مقالاتهم، وهذا أمر ليس بمستبعد لأن هؤلاء مقولاتهم مركَّبة من عدد من الطوائف، فأخذوا من الخوارج شيئًا، وأخذوا من القدرية شيئًا، وأخذوا من التشيع شيئًا، فلا مانع بعد ذلك أن يأخذوا من التجهم شيئًا.
وأوائل المعتزلة لم يكونوا على مقالة الجهم، وإنما دخل فيهم التجهم بعد هذا. وكان المعتزلة بعد ذلك هم رؤوس الفتنة في مقالة الصفات، والقول بخلق القرآن فقد تزعموا هذه المسألة في زمن المأمون.
والمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة.
لكن بعض مقالات المعتزلة احتضنها الأشاعرة، فالأشاعرة تأثروا تأثراً وليس
стр. 253
احتضاناً، وكذلك الإباضية والخوارج فلو نظرت لمقالاتهم ترى اليوم مقالات المعتزلة.
وهكذا الرافضة الإمامية، فإنهم كانوا في بداية أمرهم يقولون بقول المشبهة، لكنهم تبنوا بعد ذلك قول المعتزلة في باب الصفات.
وكذلك فإن مقالة المعتزلة موجودة عند الزيدية، وإن كان الزيدية أقدم تأثرا بالاعتزال من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية؛ لأن الرافضة في أوائلهم مشبِّهة، كانوا على التشبيه، ولكن بعد ذلك تأثروا بالمعتزلة.
فإذًا لم تمت مقالات الاعتزال وإنما هي موجودة إلى يومنا هذا بين الإباضية والزيدية والإمامية الاثنا عشرية ومتأخري الأشاعرة كما سيأتي تفصيله.
مع أن تأثر متأخري الأشاعرة بالمعتزلة كان كبيراً وقوياً، فإن بعض أقوال المعتزلة بين الحين والآخر تظهر على أيدي بعض الأشاعرة.
وكذلك حاول المستشرقون أن يحيوا هذه الأفكار، وذلك بواسطة مدارسهم الموجودة اليوم في الغرب، فهم يتبنون الفكر الاعتزالي ويحيون تراثه، ويسعون في ذلك سعيًا حثيثًا.
والمدرسة العقلية والطعن في السنة وغير ذلك من الأمور، كل هذه أصولها عند المعتزلة، ويظهرها بين الحين والآخر أفراد يسعون إلى إظهار هذه المقالات التي هي في حقيقتها مقالات المعتزلة.
فمثلًا التشكيك في السنة، إنما بهو بعينه هو قول المعتزلة فالذي يظهر على أيدي هؤلاء العقلانيين هو في حقيقته تراث اعتزالي، فالذي يظهر في زمننا هذا ويشكك في أبي هريرة مثلًا ﵁-فإن هذا الكلام بعينه موجود عند المعتزلة يردِّدونه ويطعنون في كبار الصحابة وفي مسائل السنة، فهو ليس بجديد.
وكذلك تظهر اليوم فرق وأقوال وجماعات تُظهر شيئًا من الاعتزال، فهذا التفكير الذي أصبح له صولة وجولة ويتردد في كثير من شباب المسلمين هو فكر اعتزالي، يظهر في صور جماعات معينة وأسماء جديدة، لكن بعينها هي شُبَهُ المعتزلة نفسها تكررت وأعيدت فأحيت هذه المقالات.
فهذا يعني أن على الدارس لهذا الباب أن يعرف شيئًا من تاريخ هذه الفرق ويعرف شيئًا من مقالات هذه الفرق؛ لأنه لا يعني انتهاء فرقة بعينها كأشخاص أنه انتهت مقالاتهم، بل تظهر وتتجدد بصور ومسميات جديدة لكن هي بعينها المقالات القديمة التي توجد عند تلك الفرقة أو هذه.
стр. 254
فكما أن المعتزلة احتوت مقالات عدد من الفرق، وكما أن الروافض والزيدية والإباضية احتووا الاعتزال، لكن لا يعني هذا أنه بذهاب هذه الفرق قد تلاشت، بل تتبدل، فكانوا في الماضي قدرية معتزلة، ثم هم اليوم إباضية واثنا عشرية وزيدية، ثم هم في عصرنا الحاضر تجدهم في مسمَّيات جديدة، كمن يسمُّونهم التكفير والهجرة أو جماعة الجهاد، كذلك هي الأفكار التي عند هؤلاء ولكن بمسميات جديدة.
فهنا ينبغي أن يدرس تاريخ الفرق والمقالات، وأن المقالة لا يعني وجودها، ارتباطها بفئة معينة.
فبعض طلبة العلم يربط فكرة نفي الصفات بالمعتزلة، فلا يفهم مع ذلك أنه بهذا قد يتخيل ويتوهم أن فكرة نفي الصفات انتهت بانتهاء المعتزلة كوجود وكمدرسة، ولا يعلم أن الأفكار تنتقل ويتغير وتتبدل أصحابها.
وعلى سبيل المثال الماتريدية اليوم قد تظهر في صور مختلفة، فالماتريدية في القارة الهندية تسلك خطين:
الخط الأول: خط دعوي.
يتمثل في جماعة التبليغ، فهي في أصلها ماتريدية صوفية، تتبنى الخط الصوفي الموجود عند الماتريدية.
والخط الثاني: خط تعليمي.
يتمثل في الديوبندية، فمدارس الديوبندية هي مدارس ماتريدية، فالمسميات تتجدد، فيقال عنها المدارس الديوبندية، لكن ينبغي أن تفهم أن الديوبندية هي الماتريدية. وأهل الهند يعرفون هذا
فمن هنا ينبغي أن تعرف المقالات ما أصولها، ويعرف تاريخ الفرق، وأن يعرف أنه من طبيعة المقالات أنهم قد يتلقفها البعض ثم بعد ذلك يتلقفها آخرون، فلا يعني هذا أنه بانتهاء الأشخاص انتهت المقالة، بل قد يتواصل وجودها ويتجدد، وهذا لا يعني أن انتهاء المقالة ينتهي بانتهاء من قال بها.
فقد تظهر في مسميات وصور جديدة، ومثلُ هذا يدعونا إلى أن نبحث عن تاريخ هذه المقالة ونبسط الحديث فيها، حتى يتسع أفق طالب العلم ويعرف أنه لا يتحدث عن مقالات قد انتهت وانتهى عهدها، بل هي مقالات موجودة وإن كانت مسميات هؤلاء قد تغيرت.
فلا يعني تغير مسميات هؤلاء، أن تلك المقالات قد تلاشت وتبددت بل هي اليوم موجودة.
стр. 255
المسألة السادسة: زمن انتشار المقالة.
(٤٥) "ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل: مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد وإسحاق والفضيل بن عياض، وبشر الحافي وغيرهم، في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم".
الحديث هنا يبين موقف بني العباس من هذه المسألة، ولذلك هذا يقودنا إلى ما يقول عنه شيخ الإسلام: "زمن انتشار المقالات" فبعد أن تكلم المصنف عن مسألة أوَّل من حُفِظ عنه أنه قال بهذه المقالة وهو الجعد، ثم تكلم بعد ذلك عن أن زمن ظهور هذه المقالة كان على يد الجهم، ثم عن زمن اشتهارها، ثم تكلم عن زمن انتشار هذه المقالة بمعنى متى كان لهذه المقالة دولة؟ متى كان ذلك؟
فهذا ينقلنا إلى الحديث عن خلفاء بني العباس، وقد عرفنا سابقاً موقف بني أمية وذكرنا أن بني أمية كانوا منقسمين، فمنهم من كان محاربًا للبدع كعمر بن عبد العزيز وهشام، ومنهم من كان مع أهل البدع كيزيد بن الوليد، يزيد الثاني ومروان بن محمد، فيزيد كان قدريًا كما يذكر الذهبي والطبري يذكرون هذا عن يزيد أنه كان قدريًا، ومروان بن محمد كان يسمى مروان الجعدي لأنه تربى على يد الجعد وأخذ بمقولته، وهو كان آخر خلفاء بني أمية، وانتهت خلافة بني أمية في ذلك الحين.
نأتي إلى بني العباس فالذي يلاحظ أن مقتل الجهم في سنة ١٢٨، وانتهاء خلافة بني أمية في عام ١٣٢، بدأ بعد ذلك دور خلفاء بني العباس فإذا كانت مقالة الجهم في ذلك الحين، فبعد هذا كان لهذه الفرق وجود لكن السنة أظهر وأغلب، وأهل البدع مقموعين.
وهكذا بنو العباس أيضًا لهم مواقف بين مدافع عن السنة ومؤيد لأهل البدع.
стр. 256
ويمكن تقسيم موقف الخلفاء العباسيين إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: زمن السفاح وأبو جعفر المنصور وهارون الرشيد والهادي والمهدي.
فقد كان زمن السفاح وأبو جعفر المنصور زمن تأسيس فلم يظهر فيه شيء يذكر، وهكذا هارون الرشيد كانت لهم مواقف محمودة في حرب أهل البدع، وهكذا الهادي والمهدي.
القسم الثاني: زمن المأمون، والمعتصم، والواثق.
فالمأمون، والمعتصم، والواثق هؤلاء كانوا مناصرين لأهل البدع، وكان المأمون أول من انتصر لأهل البدع، وجعل السلطة بأيديهم.
القسم الثالث: زمن المتوكل.
إلى أن جاء المتوكل فأعاد الأمور إلى نصابها، ونصر أهل السنة وقمع البدع.
والتاريخ يحتاج إلى من يتأمل فيه، حتى يتبين للناس كيف هي مواقف الخلفاء والأمراء من البدع وأهلها، فبنو العباس كان منهم من هو مناصر للسنة، وكان منهم من هو مناصر لأهل البدع والأهواء.
لكن أول تمكُّن لهؤلاء هو في زمن المأمون، فقد التقى بهم المأمون في المشرق، وهناك أقنعوه بمقالتهم، وكتب من المشرق من طرسوس إلى واليه وعامله في بغداد يأمره فيه أن يمتحن الناس بمسألة القول بخلق القرآن، فامتحنهم في ذلك وكان ما كان من فتنة القول بخلق القرآن، وعُذِّب في ذلك من عُذِّب، وأوذي من أوذي، وصبر من صبر في ذلك، وهي مسألة القول بخلق القرآن. واستمرت هذه المعاضدة بعد المأمون، إلى عصر المعتصم، والواثق إلى أن جاء المتوكل فوقف في وجه هؤلاء، وأعاد الحق إلى أهل السنة، وأعاد دولة السنة.
فكان قاضي القضاة في عهد المأمون، وفي عهد المعتصم والواثق أحمد بن أبي دؤاد، هذا كان كما يسمَّى اليوم منصب وزير العدل، أي قاضي القضاة، وبالتالي كان له منصب عال عند بني العباس، وعند المأمون، وعند الواثق، وعند المعتصم، عند هؤلاء الثلاثة، إلى أن جاء المتوكل فأبعده عن هذا المنصب وأعاد الحق إلى أهل السنة، وبعد ذلك ظهر قول أهل السنة ولكن بعد امتحان عصيب في هذه المسألة.
وانفسح المجال لأهل السنة أن يرفعوا صوتهم عالياً بمعتقدهم، وتثبيت أركانه، وتشييد بنيانه، ومواجهة أهل البدع وأقوالهم بالنقض والرد، وكشف عوارهم، وبيان
стр. 257
زيفهم، فألفوا المصنفات الكثيرة الحاوية للسنن والآثار، ونشطوا في ذلك نشاطا ملحوظا في تدوين السنة النبوية بجميع فروعها، ولا سيما في باب العقيدة، ومن أشهر آثارهم في هذه المرحلة وما بعدها:
- السنة لمحمد بن عمر الواقدي [ت ٢٠٧ هـ].
- السنة لابن أبي شيبة [ت ٢٣٥ هـ].
- السنة للإمام أحمد بن حنبل [ت ٢٤١ هـ].
- كتاب «خلق أفعال العباد» للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، ت ٢٥٦ هـ.
- كتاب «الرد على الجهمية» له أيضا.
- السنة للمزني [ت ٢٦٤ هـ].
- كتاب السنة، لأبي بكر أحمد بن محمد بن هانئ الأثرم)، ت ٢٧٣ هـ.
- كتاب «السنة، لأبي علي حنبل بن إسحاق بن حنبل ابن هلال، ت ٢٧٣ هـ.
- كتاب «السنة»، لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني"). ت ٢٧٥ هـ.
- كتاب «الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة» لعبد الله ابن مسلم بن قتيبة، ت ٢٧٦ هـ.
- «كتاب السنة» لأبي بكر أحمد بن عمرو بن النبيل الشيباني البصري، ت ٢٨٧ هـ.
- كتاب «الرد على الجهمية»، لعثمان بن سعيد الدارمي)، ت ٢٨٠ هـ.
- كتاب «الرد على بشر المريسي» له أيضا.
- كتاب «السنة» لعبد الله بن الإمام أحمد)، ت ٢٩٠ هـ.
- كتاب «السنة لأبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي. ت ٢٩٢ هـ.
- كتاب «السنة، لمحمد بن نصر المروزي)، ت ٢٩٤ هـ.
- السنة للحكم بن معبد الخزاعي [ت ٢٩٥ هـ].
- كتاب «التوحيد، لأبي عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي)، ت ٣٠١ هـ.
- كتاب «السنة، لأحمد بن محمد بن هارون الخلال (٣)، ت ٣١١ هـ.
- كتاب «التوحيد، لأبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة)، ت ٣١١ هـ.
- السنة لابن خزيمة [ت ٣١١ هـ]. وهو غير كتاب التوحيد له أيضاً.
- كتاب «الرد على الجهمية» لعبد الرحمن بن أبي حاتم، ت ٣٢٧ هـ.
стр. 258
- شرح السنة للبربهاري [ت ٣٢٩ هـ].
- كتاب «السنة»، لأبي أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال، ت ٣٤٩.
- كتاب «السنة» لأبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني، ت ٣٦٠ هـ.
- كتاب «السنة» لأبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حبان، ت ٣٦٩ هـ.
- كتاب «الإبانة» لعبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، ت ٣٨٧ هـ.
- كتاب «التوحيد»، لمحمد بن إسحاق بن منده، ت ٣٩٥ هـ.
- كتاب «شرح السنة» لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، ت ٣٩٩ هـ.
- كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»، لأبي القاسم هبة الله ابن الحسن اللالكائي، ت ٤١٨ هـ.
- كتاب «الأصول» لأبي عمرو أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي الأندلسي، ت ٤٢٩ هـ.
- كتاب «السنة» لأبي ذر عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي، ت ٤٣٤ هـ.
فقول المصنف: "وَلَمَّا كَانَ فِي حُدُودِ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ: انْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهَا مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّة" أي في عهد المأمون وذكر أن سبب انتشارها بسبب بشر بن غياث المريسي، فهذا زمن انتشار المقالة بحيث أصبح لهذه المقالة وبيدِّ دعاتها السلطة والقوة التي من خلالها امتحنوا الناس في هذه المسائل، وسعوا إلى نشرها وبثِّها بين الناس في ذلك الحين.
وبشر المريسي يعدُّ من منظري هذه المقالة؛ لأن أكثر التأويلات الموجودة عند المعتزلة، وعند الأشاعرة إلى يومنا هذه كما يقول العلماء هي تأويلات بشر، يشهد لذلك لو قرأت ردَّ الإمام الدارمي على بشر المريسي، تجد أن تأويلات بشر هي بعينها الموجودة بين يدي الأشاعرة والمعتزلة.
فبشر بن غياث وطبقته كأحمد بن دؤاد وغيرهم هؤلاء هم الذين كانوا قد مكَّنوا لهذه المقالة ونشروها، لكن إلى ذلك الحين لم يكن بعد وجود للأشاعرة والماتريدية، لأن أبي الحسن الأشعري ولد سنة ٢٦٠، وتوفي ٣٢٤، ووفاة الإمام
стр. 259
أحمد كانت ٢٤١، فلم يكن بعد قد ولد أبو الحسن الأشعري. فالذي كان في الميدان والساحة في ذلك الحين كما ذكرنا الخوارج ولهم ضلع في هذه المسألة، وكذلك الجهمية والمعتزلة، هم خصوم أهل السنة في ذلك الحين.
هذا يقودنا إلى الكلابية، والكلابية أسبق من الأشاعرة والماتريدية، فأبو عبد الله محمد بن سعيد القطان، المشهور والمعروف "بابن كلاب" هذا هو مؤسس الكلابية، ففي البصرة كان الصراع في هذه المسائل بين طائفتين: المعتزلة، وأهل السنة وأهل الحديث كما كانوا يعرفون في ذلك الحين. فالصراع قائم بين هؤلاء وهؤلاء، فظهر ابن كلاب في خضم هذا الصراع وخطَّ خطًّا ثالثًا في المسألة، ذلك أنه أوَّل من قال بالكلام النفسي، ففي صفة الكلام المعتزلة يقولون: إن الله لا يتكلم، ينفون صفة الكلام، ويقولون: إن كلام الله مخلوق، وأهل السنة يثبتون صفة الكلام ويقولون: إن الله يتكلم بحرف وصوت مسموع.
فجاء ابن كلاب ووضع قولاً ثالثًا، وكان ابن كلاب في ذلك الحين أقرب إلى أهل السنة لأنه يثبت لله كلامًا وإن كان يثبته على شكل غير صحيح. فلذلك كان يقال عنه: إنه من نظار أهل السنة، فكان أقرب إلى أهل السنة منه إلى المعتزلة، وإن كان قوله يخالف قول أهل السنة وبهذا ظهرت مقالة ابن كلاب في البصرة، ولبيان علاقة الكلابية بالأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري ولد في البصرة، وتربى في بيت اعتزالي، ولذلك الحديث عن الكلابية لابد أن يصحبه حديث عن الأشعرية لأن هناك علاقة بين الأشعرية والكلابية، بل إن قول الكلابية هو بعينه قول الأشاعرة في مسألة الصفات بما فيها صفة الكلام، ونقصد بذلك الأشاعرة القدماء.
فأبو الحسن الأشعري، علي بن إسماعيل الأشعري ولد في البصرة، وبعد وفاة أبيه تزوجت أمه بأبي علي الجبائي وهو من كبار المعتزلة في ذلك الوقت، وولادته كانت في عام ٢٦٠ من الهجرة، فنشأ وتربي في بيت معتزلي، استمر هذا إلى ٣٠٠ من الهجرة، لأنه من ٢٦٠ إلى ٣٠٠ هذه أربعين سنة وهو في بيت الاعتزال، نشأ وتربي في بيت شيخ المعتزلة أبو علي الجبائي.
إلى أن بلغ سن الأربعين، وكان من الذكاء بمكان بحيث إنه كان يشاغب شيخه ويعترض عليه في مسائل كثيرة في قضايا الاعتقاد. إلى أن خرج من الاعتزال، وكانت الساحة إذ ذاك: إما معتزلة، أو كلابية، أو أهل السنة وأهل الحديث، فالنزاع فيها بين هذه الأصناف الثلاثة.
стр. 260
وكانت الكلابية تناظر هؤلاء بطريقة كلامية، فأبو الحسن الأشعري لما زهد بالاعتزال وخرج منه، وجد أمامه مقالة الكلابية، باعتبار أنها كانت تقف في وجه المعتزلة، فهي مسلطة في المقام الأول في معاندة ومعارضة المعتزلة.
فأبو الحسن الأشعري تأثر بالكلابية، وأخذ بأقوالهم وهذا ظاهرٌ في كتبه التي ألَّفها عندما كان في هذا الطور ككتابه اللمع، فهذا الكتاب يشابه كثيرًا أقوال ابن كلاب ولا يختلف عنها إلا في مسائل محدودة.
ولو قرأت في كتابه مقالات الإسلاميين تجد أن أبا الحسن الأشعري من أمهر من كتب في الاعتزال، وفي مقالات المعتزلة، ومن أمهر من كتب في مقالات الكلابية لأنه مر بثلاثة أطوار:
الطور الأول: إلى سن الأربعين وهو يتغذى الاعتزال.
الطور الثاني: بعد الأربعين دخل في الكلابية.
الطور الثالث: وبعد ذلك كان بينه وبين أبي زكريا الساجي من علماء الحديث لقاء، وعرَّفه فيه بمعتقد أهل الحديث وأهل السنة، ونصحه بأن يترك البصرة وينتقل إلى بغداد باعتبار أن بغداد مركز لأهل الحديث، فقوة أهل الحديث كانت في بغداد أظهر، وكيف لا وهناك تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، وغيره من علماء الحديث.
فنصحه أن ينتقل من البصرة إلى بغداد، وعندما ذهب إلى بغداد والتقى بعلماء الحديث، بعد ذلك خرج من الكلابية إلى أهل السنة، وألَّف في ذلك [الإبانة]، وألَّف في ذلك [رسائل إلى أهل الثغر]، وألَّف في ذلك مقالات الإسلاميين، هذه أشهر كتبه في المرحلة الثالثة فهو مر بثلاثة أطوار: معتزلي، ثم كلابي، ثم أهل السنة والجماعة.
فإذًا من هذا يتبين أن الكلابية هي أصل الأشعرية؛ لأن من نشأ على الأشعرية القديمة إنما هو في الحقيقة أخذ بكلام الكلابية.
فتلاميذ أبي الحسن الأشعري في الطور الثاني أخذوا هذه المقالات التي تنسب إلى الكلابية وتبنوها، ولذلك لم يعد بعد ذلك وجود للكلابية، إذ أن وجودهم قد احتواه الأشاعرة، فاحتووا الكلابية، فأصبح بعد ذلك هذه المقالات تعرف باسم الأشاعرة.
وأما الماتريدية، فأبو المنصور الماتريدي أسبق من أبي الحسن الأشعري، كان متقدماً على أبي الحسن الأشعري.
стр. 261
ووفاته كذلك متأخرة على أبي الحسن الأشعري، وكان عمره أكبر من عمر أبي الحسن الأشعري لأن أبا الحسن الأشعري عمره أربعٌ وستون، أربعون قبل الثلاثمائة، وأربع وعشرون بعد الثلاثمائة، فهذا هو عمر أبي الحسن الأشعري. وكان الماتريدي معاصراً له وإن كان أسبق منه ولادة، وامتد عمره بعد وفاة الأشعري، وتوفي من بعده لكن أبو منصور الماتريدي نشأ في المشرق بين الأحناف، وبالتالي تأثر بمقالات الكلابية، وتأثر بمقالات الجهمية، وكان على هذا لقاء بين الأشعرية والماتريدية، ولكن هذا اللقاء كان أقرب صورة له هي صورة الكلابية.
فكان الكلابية إذ ذاك هم أصل الأشعرية، وأصل الماتريدية وهذا يفسر لك مدى التقارب بين الأشاعرة والماتريدية، حتى إن الفُروق التي يعدونها بينهم هي فُروق قليلة، أحيانًا يحصرونها في ثلاثة عشر فرقًا، يقولون: سبعة منها لفظية، وست منها جوهرية.
فشيوخ وقدماء الأشاعرة والماتريدية هم الكلابية، فقد كان تأثر الفريقين بالكلابية واضحًا وهذا يفسر ما بين الأشاعرة والماتريدية من تقارب، إلا أن الأشاعرة تأثرهم بالمعتزلة بعد ذلك أقوى، والماتريدية تأثروا بالكلابية، وتأثروا بالجهمية، والمعتزلة في ذلك الحين.
فكان بينهما نوع قرب، لكن التقارب بعد ذلك أصبح أقرب، نظرًا لقرب الأشاعرة إلى المعتزلة، فمن الجويني، والغزالي، والرازي كان هناك تقارب بين الأشعرية والمعتزلة. ولذلك يقول العلماء: إن أوائل الأشاعرة كانوا أقرب إلى أهل السنة، وأما أواخر الأشاعرة فإنهم أقرب إلى المعتزلة. فهذا يعطيك فكرة تاريخية عن نشأة الأشعرية، والمعتزلة استمرت إلى القرن السادس كفرقة ووجود، لكن بعد ذلك تلاشى وجودها كأفراد، ولكن بقي وجودها كمقالة. لكن مقالة المعتزلة احتضنها الأشاعرة، طبعًا الأشاعرة تأثروا تأثراً وليس احتضاناً.
وقد كان آخر أمر أبي الحسن الأشعري، رجوعه إلى أهل السنة، ولكنه كما يقال رجوع جملة، أي أنه لم يعرف أو لم يتوصل إلى معرفة أقوال أهل السنة على وجه التفصيل، ولذلك مثلًا في كتابه الإبانة أو مقالات الإسلاميين يخطئ في بعض المسائل في نسبتها إلى أهل الحديث أي إلى أهل السنة، فهذا يدل على أنه رجع رجوع جملة، وليس عنده معرفة بالتفصيل من أقوال أهل السنة لتأخر رجوعه إلى عقيدة أهل السنة، فأربعون سنة وهو في الاعتزال، ثم شطر كبير مما تبقَّى من عمره وهو على عقيدة ابن كلاب إلى أن نصحه أبو زكريا الساجي، وأبو زكريا الساجي توفي عام ثلاثمائة وسبعة أي بعد أن رجع أبو الحسن الأشعري وخرج عن الاعتزال بسبع سنين.
стр. 262
وألف في آخر عمره كتاب الإبانة، وفي جملته أي كتاب الإبانة ما عدا مسائل محدودة قوله فيها قول أهل السنة، كإثبات العلو والاستواء، فقد أثبت في هذا الكتاب علو الله- -على خلقه واستوائه على عرشه.
فهذا ما كان من أبي الحسن الأشعري، ولكن كما ذكرنا رجوعه رجوع جملة، وليس فهمًا عميقًا لمنهج السلف لتأخر معرفته لمنهج السلف، ولذلك تلاميذه وكتبه التي انتشرت عندما كان على عقيدة ابن كلاب فهي التي بقيت بعد ذلك واشتهرت، وأخذها من بعده تلاميذه، وانتشرت الأشعرية في الشافعية والمالكية خاصة ولم تنتشر في الأحناف؛ لأن الماتريدية هي التي انتشرت في الأحناف، وبما أن أبو منصور الماتريدي كان معاصرًا لأبي الحسن الأشعري، لأن وفاة أبي منصور الماتريدي حدِّدت بعام ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين، وإن كان وجود الماتريدية في ذلك الوقت كان فيما وراء النهر، وهذا يبين ويوضح كيف أنه إلى زماننا هذا ما تزال عقائد الماتريدية منتشرة في الأحناف؛ لأن انتشار الحنفية كما هو معلوم يغلب على كثير من بلاد المشرق وبخاصة القارة الهندية وما يعرف بأفغانستان والجمهوريات المستقلة من الاتحاد السوفيتي السابق وتركيا والمسلمون الموجودون في جنوب أوربا، كل هؤلاء من الأحناف على عقائد الماتريدية.
فالماتريدية كان وجودها الأصلي بين الأحناف، ولذلك يقولون إنه لم يكن على الأشعرية من الأحناف إلا أبو جعفر السمناني، وكان يقال عنه مؤمن آل فرعون، لأنه كان الوحيد من الأحناف على عقائد الأشعرية.
أما انتشار الأشعرية فبدأ من القرن الرابع، أما كونهم لهم شوكة وصولة وجولة، فهذا بدأ من عهد السلاجقة، أي في القرن الخامس وتحديدًا في عام أربعمائة وخمسين للهجرة، ففي زمن نظام الملك الذي كان وزيرًا في دولة السلاجقة، وكان نظام الملك على الأشعرية وأسَّس ما يسمَّى بالمدارس النظامية، فهي منسوبة إليه.
وكان أول نفوذ للأشعرية في السلطة بدأ من وقته، فانتشرت المدارس النظامية في ذلك الحين في عهد السلاجقة، وجاء حكم السلاجقة بعد البويهيين، وبني بويه كانوا رافضة، إلى أن جاء السلاجقة وأزاحوا البويهيين نظرًا لأن البويهيين في آخر وقتهم خلعوا الخليفة العباسي في ذلك الوقت وبايعوا بالخلافة للعبيديين الفاطميين ولكن بعد ذلك تمكن السلاجقة من الاستيلاء على بغداد وأسَّسوا نظامهم الخاص بهم مع بقاء الخلافة في بني العباس، ومن ذلك الوقت بدأ للأشاعرة وجود تدعمهم سلطة
стр. 263
وعلى إثرها أسست تلك المدارس وهي المدارس النظامية، وكانت هي البداية لانتشار الاعتقاد الأشعري.
وأما في بلاد الشام فإن انتشار الأشعرية كان على يد صلاح الدين، فصلاح الدين الأيوبي (١) وقبله محمود زنكي؛ ألزموا المدارس في الشام وفي مصر بتدريس العقيدة الأشعرية، ومن ذلك الحين كان لها وجود في بلاد الشام وفي بلاد مصر.
وأما في بلاد المغرب فكان على يد ابن تومرت الذي أخذ بأقوال الأشاعرة وأسَّس على إثر ذلك دولة الموحدين في بلاد المغرب وجعل المعتقد الأشعري هو الذي يدرَّس في ذلك الزمن وفي ذلك المكان.
فمن هنا انتشر المعتقد الأشعري على هذا الأساس، ويزامنه في الوقت ذاته معتقد الماتريدية، وكما قلنا الماتريدية مستقلون في رأيهم وفكرهم وإن كان هناك تشابه كبير جدًا بين الأشاعرة والماتريدية ولكن نفوذهم وانتشارهم كان في الأحناف.
وكما هو معلوم أن بغداد وبلاد الشام ومصر هي أهم مناطق في العالم الإسلامي في ذلك الحين، لأن فيها مراكز النفوذ والحكم من جهة، وفيها كذلك مدارس العلم ومعاهد العلم من جهة، وهذا أوجب انتشار الأشعرية منذ ذلك الحين.
والأشعرية كانوا في الأساس منقسمون إلى أشاعرة بغداد وأشاعرة خراسان، وأما أشاعرة خراسان فكانوا أكثر إنكاراً للصفات من أشاعرة بغداد، ويمثل ذلك ابن فورك، ومن يقرأ لابن فورك يجد أن عنده ما ليس موجودًا حتى عند الأشعري ولا حتى عند الباقلاني مثلًا.
والجدير ذكره هنا أن الباقلاني هو أول من نشر هذه العقيدة في المالكية، وبعد ذلك جاء الجويني ومن بعده الغزالي ثم الرازي، وهؤلاء كانوا أكثر إنكاراً وتحريفاً
стр. 264
للصفات من السابقين، فمنذ الجويني كثر الإنكار في الصفات عن معتقد السابقين، فلو عقدت مقارنةً بين أوائل الأشاعرة وبين متأخريهم لوجدت مثلًا أن الأوائل إنما كان خللهم في صفات الأفعال الاختيارية، أما الصفات الذاتية والصفات الخبرية فقد كانوا يثبتونها، فلو قرأت لمتقدمي الأشاعرة في الصفات الخبرية مثلًا إثبات صفة الوجه واليدين والأصابع وغير ذلك؛ فتجد أنه كان البيهقي وأبو الحسن الأشعري والمتقدمون من الأشاعرة يثبتون هذه الصفات، يثبتون الوجه ويثبتون اليدين ويثبتون الأصابع، يثبتون الصفات الخبرية، وكذلك يثبتون الصفات الذاتية، وإنما كان الخلل عندهم بالتحديد في صفات الأفعال الاختيارية كالغضب والرضا والسخط وغير ذلك، هذه التي كانوا أحيانًا يقع تحريفهم فيها على نوعين: إما أن يجعلوها مثل الصفات الذاتية أي أنها صفات قائمة أزلًا، أو أنهم يخلطون بين الفعل فيها والمفعول، وبالتالي يجعلونها هي المفعولات.
فمثلًا في الاستواء أو النزول يثبتون الاستواء ولكن يقولون: إن الاستواء هو فعل فعله الله في العرش (١) وبالتالي الاستواء صفة للعرش وليس صفةً لله تعالى أو أن النزول صفة للسماء وليس صفةً لله تعالى، من هذا القبيل.
ولكن إذا جئت إلى الأشاعرة المتأخرين لا تجد عندهم من الإثبات إلا سبع صفات فقط، والبقية كلها تأوَّل وتحرف، فهم مثلًا ينفون صفة الوجه وينفون صفة اليدين وينفون سائر الصفات ما عدا السبع التي هي معلومة، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وإن كان في الكلام كلام، لأنهم لا يثبتون الكلام كما يثبته أهل السنة والجماعة.
فشاهدنا أن الأشاعرة كلما امتد بهم الزمان كلما ازدادوا قربًا للاعتزال، فالجويني تأثر كثيرًا بكتب المعتزلة، وهكذا الشأن مع الغزالي إلى أن وصل الأمر إلى الرازي، والرازي هو منظر الأشعرية المتأخرة، ومن جاء بعده إنما هو عيال عليه، وقد مال بها كثيرًا إلى الفلسفة والاعتزال.
وأما حقيقة الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة والفوارق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة الأشاعرة.
فأول هذه الفوارق وأعظمها وأكبرها هو الخلاف في مصدر التلقي في مسائل الاعتقاد، ومن أين نأخذ هذه المسائل؟ هل نأخذها من الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة أم من العقل؟ فمنهج أهل السنة والجماعة يقوم على أساس أن كل مسائل الاعتقاد تؤخذ بحمد الله من الكتاب والسنة ففيهما الغنية والكفاية، وذلك وفق فهم
стр. 265
سلف الأمة ففي ذلك توضيح وبيان لما يجب اعتقاده في جميع مسائل الاعتقاد سواء كانت في أصولها أو في فروعها حتى الدقيقة منها.
فهذا مجمل اعتقاد أهل السنة؛ لأن قواعد المنهج السلفي تقوم على أساسٍ، أنه لا بد من الاعتماد على كلام الله -وكلام رسوله ﷺ -ولا بد من التقيد في فهم ذلك بالمأثور عن سلف هذه الأمة.
وأما الأشاعرة فيقسمون أبواب الاعتقاد إلى ثلاثة أبواب:
الباب الأول: باب الإلهيات، المقصود به باب التوحيد.
الباب الثاني: باب النبوات، المقصود به إثبات نبوة بالنبي ﷺ .
الباب الثالث: باب السمعيات، يقصدون بها مسائل البعث والنشور، والشفاعة والصراط والميزان ودخول الجنة ودخول النار، كل هذه تسمى سمعيات، أي أنها تؤخذ من طريق الكتاب والسنة. فهذا تبوبيهم لمسائل الاعتقاد، يقوم على هذه الأبواب الثلاثة.
وهم في الباب الأول وفي الباب الثاني لا يعتمدون على السمع أي على الكتاب والسنة، وأما في الباب الثالث فنعم، ففي باب السمعيات الذي أسموه سمعيات يعتمدون فيه على الكتاب والسنة، فهم في مسائل اليوم الآخر والبعث والنشور وما يتعلق بها في هذه المسائل يأخذون بالكتاب والسنة، ولذلك الخلاف معهم ليس بالكبير؛ لأن المصدر واحد، فهم يثبتون هذه المسائل من خلال النصوص وأهل السنة يثبتونها من خلال النصوص وإن كان هناك خلاف يبقى الخلاف في مسائل معينة لكن في الجملة يعتمدون الكتاب والسنة.
لكن في باب الإلهيات وباب النبوات لا تجد عندهم قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ .
والسبب في ذلك أن المنهج الأشعري منهج كلامي فلسفي يعود إلى أصل الفلسفة، وهي اعتماد العقل وجعله أصلًا في الأمر.
فكما ذكر سابقًا أن المنهج الفلسفي يقوم على أمرين:
الأمر الأول: أن المصدر في العلم والأساس في العلم، هو الإنسان أي عقل الإنسان.
стр. 266
والأمر الثاني: أن المعلومات أو العلوم تنحصر في المحسوسات المشاهدة، أو كما يسمونها اليوم العلوم التطبيقية.
فبناءً على هذا المبدأ فإنهم يقدمون العقل على النقل ويطعنون في النقل، وانظر إلى مواقف هؤلاء تجدها في كتبهم منصوص عليها كما سبق بيانه.
وعلى هذا فإن الفرق بين أهل السنة وبين هؤلاء جوهري، فهؤلاء يقررون مسائل ويعرضون مسائل على منهج فلسفي منطقي عقلي ركَّبوه وصنعوه من عند أنفسهم، وبالتالي ما جوَّزته عقولهم قبلوه وما لم تجوِّزه عقولهم ردوه.
فهذه قضية خطيرة ومن أخطر القضايا في هذا الباب؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فكيف يمكن أن نردَّ هذا النزاع الذي يحصل بين أهل السنة وبين الأشاعرة في مسائل التوحيد وفي مسائل النبوات؟، كيف يمكن أن نرد هذا النزاع إلى الكتاب والسنة والقوم لا يعتمدون الكتاب والسنة وإنما يشككون فيهما؟
وهذا التشكيك جاء من طريقين:
أولًا: إما من طريق الطعن في حجية النصوص.
ثانياً: الطعن في دلالة النصوص.
فما استطاعوا أن يشكِّكوا في ثبوته شكَّكوا فيه، فقسموا النصوص إلى قسمين: متواترٍ وآحادٍ، وقالوا: إن أخبار الآحاد لا يحتجُّ بها في باب العقائد، بمعنى أنه ولو جاء في البخاري ومسلم حديث في هذا الباب في باب التوحيد يتعلق بمسألة من مسائل الاعتقاد فإنه مردود، وليت الردُّ كان على ميزان أهل الحديث واصطلاح أهل الحديث، فلا شك أن الحديث إذا كان إسناده غير صحيح فإنه لا تقوم به حجة، ولكن اعلم أن قول هؤلاء إن أخبار الآحاد لا يحتج بها في باب العقائد، ليس على ميزان الصحة والضعف ولكن هذا ردٌّ بإطلاق، رد بماذا؟ بإطلاق، واقرأ هذا في كلام هؤلاء.
وقد نص عليه الغزالي مثلًا في المستصفى، فقال: "وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة" (١). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، هذا كلام المصطفى ﷺ -كيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا
стр. 267
أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.
ولذلك يقول بعض علماء السلف: لا بد من تمييز هذه المسألة، من هم أهل السنة. هذه مسألة لا بد على الإنسان أن يطرحها على المخالف فيحدِّد أولًا من هم أهل السنة؟ فأنت إذا جئت إلى أشعري وأخذت تتكلم معه في مثل هذه المسائل تجد أنه يحمر ويصفر؛ لأنك تخرجه من أهل السنة، وهذا كلام القوم شاهد عليهم، أنهم لا يعتبرون النصوص أصلًا في هذه المسائل، ويقرِّرون ويقعدون أن شبههم العقلية هي الأصل والأساس وأن السمع معروض عليها؛ وأن ما كان من أخبار الآحاد أي ما كان ثابتًا عن النبي ﷺ -ولم يصل إلى حد التواتر فإنه محكوم عليه عندهم بعدم الصحة، وبالتالي يردُّونه، وهذا ردٌّ لأكثر من تسعين بالمائة من النصوص.
فمن الذي يعظم كلام النبي ﷺ -ويردُّ أكثر من تسعين بالمائة ويطعن في الباقي؟ ويقول إذا كانت أخبار آحاد فهي غير صحيحة، وإذا كان متواترًا فإن هذا ظني وليس قطعيًّا، ويجب؟ لماذا؟ لأنه خالف عقولهم.
ثم انظر كيف يصف أحاديث النبي ﷺ -في الصفات فيقول: "وظواهر أحاديث التشبيه (١). "يصفها بهذا الوصف وهي من كلام النبي ﷺ أيكون النبي ﷺ مشبِّهًا؟ حاشا وكلا.
ولا يقول قائل: هذا فقط قول الغزالي، فهذا عضد الدين الإيجي، في كتابه المواقف وكتب القوم كثيرة، إذا نظرت للإيجي في كتابه انظر هذه المسألة التي ذكرها ويقول فيها؟ "المقصد الثامن: الدلائل النقلية هل تفيد اليقين؟ " والمقصود بالدلائل النقلية أي كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ -سؤال يطرحه: هل تفيد اليقين؟ يقول: "قيل: لا؛ لتوقفه على العلم بالوضع والإرادة" أي لتوقف النقل على العلم بالوضع، أي بوضع اللغة ومراد من؟ مراد المتكلِّم، والأول، أي الوضع، "والأول إنما يثبت بنقل اللغة والنحو والصرف وأصولها، " أي أصول هذه العلوم، أي نقل اللغة والنحو والصرف تثبت برواية الآحاد "وفروعها بالأقيسة وكلاهما ضنيان، والثاني"، أي الإرادة، "مراد المتكلِّم يتوقف على عدم النقل والاشتراك والمجاز والإضمار والتخصيص والتقديم والتأخير؛ الكل، " أي كل هذه السبعة، "لجوازه لا يجزم بانتفائه بل غايته الظن" أي بعد العلم بالوضع والإرادة وكون
стр. 268
هذين الأمرين ظنيين، "ثم بعد الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي، إذ لو وجد لقدِّم على الدليل النقلي قطعًا"، ما الرأي في هذا الكلام؟ إذ لو وجد المعارض العقلي لقدم على الدليل النقلي قطعًا، فعلى هذا الزعم فالمسألة ليس فيها نقاش عندهم.
"إذ لا يمكن العمل بهما"، هذه الفرضية التي يفرضونها وذكرناها، إذ لا يمكن العمل بهما، كيف يعمل بعقلي ونقلي وهما متعارضان؟، "ولا بنقيضهما، وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع، " وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل وقد بينَّا كيف أنهم جعلوا العقل أصلًا في ثبوت وجود الله ثم في ثبوت النبوة ثم في إثبات ما جاء به النبي، فما جاء به النبي فرع عن الأصل الذي هو العقل.
قال: "وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال للفرع. " يعني إذا أبطلنا الأصل فإن بطلان الأصل يلزم منه إبطال الفرع، "وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضًا لنفسه فكان باطلًا. " إلى أن قال هنا -يعني في نهاية هذا الكلام: "نعم في إفادته اليقين في العقليات نظر؛ لأنه مبني على أنه هل يحصل بمجردها الجزم بعدم المعارض العقلي. " إلى آخر كلامه في هذه المسألة.
فهذه قواعد القوم التي يؤصلونها في كتبهم، ولذلك لو تصفَّحت أي كتاب أشعري في هذين البابين في الإلهيات والنبوات لن تجد قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ
وهذا نموذج من كتبهم التي تحتوي على كلام فلسفي منطقي يؤصِّلون عليه قواعدهم في باب الأسماء والصفات، ثم على أساس ذلك يقولون في صفات الله تعالى ما يشتهون وما يريدون ويردُّون كلام الله وكلام رسوله ﷺ -وهذه المسائل عامة الناس لا يعرفونها وبحمد الله في نفوس عامة الناس من تقديسٍ واحترامٍ للكتاب والسنة ما يعلمه كلُّ واحد منَّا، لكن مثل هذه الأمور يخفونها عن عوامِّهم.
وهذا كلام الغزالي يبين لك أن هذه العقيدة تخفى عن العوامِّ وتعطى لمن لخواصِّهم، يقول: الدعوة الثامنة. هذا كلام الغزالي في الاقتصاد، "الدعوة الثامنة: ندعي أن الله تعالى منزَّه عن أن يوصف بالاستقرار على العرش؛ فإن كل متمكن على جسم (١) ومستقر عليه مقدر لا محالة، فإنه إما أن يكون أكبر منه أو أصغر منه
стр. 269
أو مساويًا له، وكل ذلك لا يخلو عن التقدير وأنه لو جاز أنه يماسه جسم من هذه الجهة لجاز أن يماسه من سائر الجهات فيصير محاطًا به، والخصم لا يعتقد ذلك بحال وهو ولازم على مذهبه بالضرورة وعلى الجملة لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض. "
طبعًا هذه كلها شُبَه عقلية يوردونها على نفي خبرٍ الله تعالى أخبر به، إذ قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أخبر- -بهذا، فيأتون بهذه الأمور وسنأتي إلى كلام شيخ الإسلام ويعرض فيها بعض هذه الشبه التي يقولونها.
"وعلى الجملة أعني لا يستقر على الجسم إلا جسم ولا يحل فيه إلا عرض، وقد بان أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا يحتاج إلى إقران هذه الدعوة بإقامة البرهان، فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وما معنى قوله ﵇: يَنْزِلُ اللهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا (١). قلنا الكلام على الظواهر الواردة في هذا الباب طويل، ولكن نذكر منهجًا في هذين الظاهرين يرشد إلى ما عداه. يضع قاعدةً ومنهجًا يعني ما يأتي بعده يسير على هذا المنهج وعلى هذه القاعدة "وهو أنا نقول: الناس في هذا فريقان: عوام وعلماء، والذين نراه اللائق بعوام الخلق ألا يخاض بهم في هذه التأويلات. " ألا يخاض بهم في هذه التأويلات، "بل ننزع عن عقائدهم كل ما يوجب التشبيه ويدل على الحدوث ونحقق عندهم أنه موجود ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. "
"فإذا سألوا. " أي سأل العوام؛ "عن معاني هذه الآيات زجروا عنها وقيل: ليس هذا بعشكم فادرجوا فلكل علم رجال، ويجاب ما أجاب به مالك بن أنس ﵁ وبعض السلف حيث سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. هذا لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات. " ويبررون لهذا بأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات، "ولا إحاطتهم باللغات ولا تتسع لفهم توسيعات العرض والاستعراض. " يعني لا تتسع للمنطق والفلسفة وهل يعقل مثل هذا التعليل لهذا الأمر.
стр. 270
فهل النبي- ﷺ -قسم أصحابه إلى قسمين، فقال: تعال يا فلان وفلان، أنتم علماء أعطيكم هذا العلم، وأنت يا فلان وفلان أعرضوا عن هذه النصوص لأنكم لا تفهمونها لكونكم عوام سأعطيكم علمًا آخر؟ فهذا تعليلهم؛ "لأن عقول العوام لا تتسع لقبول المعقولات، " أي لا تتسع للمنطق والفلسفة.
"وأما العلماء فاللائق بهم تعريف ذلك وتفهمهم، ولست أقول أن ذلك فرض عين، إذ لم يريد به تكليف وللتكليف التنزيه عن كل ما تشبه بغيره. " إلى آخر كلامه، فإذًا قسم الناس إلى عوام وعلماء، وعلل بأن العوام لا يخاض فيهم في هذه المسائل لأن عقولهم لا تتسع لقبول المعقولات.
فعلى هذا الزعم جعل الشريعة فيها خطاب للعوام وفيها خطاب للعلماء، وكأن هذه العقيدة الموجودة في القرآن والسنة هذه عقيدة العوام، وأما الأشعرية ومنهج الأشاعرة فهذا عقيدة العلماء، فالذي يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقول النبي ﷺ "يَنْزِلُ اللهُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " (١) إنما هما خطاب للعوام، وذلك يعني أن من كان على الكتاب والسنة هم ما زالوا في عاميتهم وعقولهم لا تتسع لقبول المعقولات أي المنطق والفلسفة.
هذا ميزانهم، ولذلك لاحظ أنت اليوم على مدارس الأشاعرة كيف أنها تهمل مصطلح الحديث، فإهمالهم لعلم مصطلح الحديث وتركيزهم على علم المنطق هذا دليل على أنه لو نشؤا فيه الناشئة على هذا الميزان الذي هو عند أهل الحديث لانعكس الأمر وانقلب عليهم، ولذلك علم مصطلح الحديث يعدُّ شوكةً في حلوقهم، فلو وجد هذا العلم وانتشر لكان هذا فيه أكبر رد عليهم.
ولذلك ابن حجر يعارضهم في هذه المسألة، ويردُّ عليهم في هذه المسألة، وهي حجية خبر، خبر الواحد أو أخبار الآحاد وهل يحتج بها أو لا يحتج بها، واقرأ في هذا، مقدمة ابن حجر في فتح الباري تجد أنه يصارع الأشاعرة في هذه المسألة ويرد عليهم ويرد على المعتزلة.
فالخلاف في مصدر التلقي واضح، لذلك هذا الخلاف على أساسه تجد أنه ينعكس في مسائل الاعتقاد، فخذ مسألة التوحيد، وقارن بين مفهوم التوحيد الذي يقرره أهل السنة والتوحيد والذي يقرره الأشاعرة.
فالتوحيد الذي يقرره أهل السنة يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته، الإقرار
стр. 271
بربوبيته وإفراده بالعبادة، فلا بد من هذه الأمور مجتمعة، فلا يتم توحيد العبد حتى يكون مؤمنًا بأسماء الله تعالى وصفاته، مؤمنًا بربوبيته ومفردًا له بالعبادة والألوهية.
أما التوحيد الذي عند الأشاعرة فهو فقط منحصر في مسألة واحدة وهي قضية الربوبية، طبعًا ويعرفون التوحيد بقولهم: إن الله واحد في ذاته لا شريك له، وواحد في أفعاله لا ند له، وواحد في صفاته لا نظير له فقولهم: واحد في ذاته؛ فهذا إذا نظرت فيه وتأملت فيه تجد فيه إنكار لأن يكون لله وجوداً يتميز به عن غيره، فهم يحشون هذا الجانب بمسائل إنكار الجهة وإنكار الحيز وإنكار المكان إلى غير ذلك من النفي الذي لو جئت تتأمل فيه تجد أنهم لا يثبتون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فإذا كان قائلهم يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباينًا له ولا محايدًا له (١). إذاً هذا وصف المعدوم، فهذا قولهم "واحد في ذاته".
وأما قولهم "واحد في أفعاله" فهذا الذي يسلم لهم من التوحيد، وهذا القدر الموجود عندهم وهو الإقرار بربوبيته.
وأما واحد في صفاته فهو عند المتأخرين سبع صفات وإن أوصلوها إلى عشرين صفة وهو عدد زائف لا يخلص منه إلا هذه السبع التي ذكروها وإن كان في إثبات صفة الكلام مخالفة للحق.
أما توحيد الألوهية فلا ذكر له، ولذلك انظر إلى أي مجتمع أشعري أو ماتريدي تجد أن الشرك قد تفشى فيه.
إذًا أي توحيد هذا الذي يقرر ويعلم، الذي في الوقت ذاته وفي الوقت نفسه تجد معالم الشرك موجودة ومنتشرة، ولا تجد من يردع ذلك حتى بين علمائهم، ليس الأمر مقتصرًا على جهالهم، لو كان الأمر مقتصرًا على جهالهم لقلنا هذا لجهلهم، ولكن حتى علماؤهم يَدْعون إلى هذا الشرك ولا يرون فيه مخالفةً أو مناقضةً للتوحيد.
فإذًا فرقٌ بين توحيد أهل السنة وتوحيد الأشاعرة؛ فإن توحيد أهل السنة يعني إفراد الله بأسمائه وصفاته كلها وإفراد الله بربوبيته وإفراد الله بعبادته، وهذا هو التوحيد عند أهل السنة، ولا يتم توحيد العبد حتى يوحد الله في هذه الأمور المجتمعة، ولذلك تجد أن أهل السنة أبعد الناس عن الشرك ومظاهره حتى عند عوامِّهم، تجد أن العامِّي يعرف أن فعل هذه الأمور يؤدي إلى الشرك ولذلك تختفي معالم الشرك متى ما وجد اعتقاد أهل السنة.
стр. 272
أيضًا من بين مخالفاتهم في التوحيد أنهم يقولون: إن أول واجب على المكلف النظر، والنظر عندهم يسبقه شك، فيقولون: يجب على المكلف أن يجرِّد ذهنه من أي اعتقاد سابق، ثم بعد ذلك يبدأ وينظر في الأدلة حتى يكون عنده إيمان من غير تقليد، ولذلك عندهم مسألة: هل إيمان المقلِّد يصح؟ فالبعض منهم يقول: لا يصح، والبعض منهم يقول: يصح ولكنه يكون عاصيًا بترك هذا الاستدلال.
وهي مسألة من أساسها فاسدة؛ لأنه ما من أحد يفعل مثل هذا فيكون عندما بلغ سن البلوغ والتكليف جرَّد ذهنه من كل اعتقاد وبدأ ينظر في وجود الله تعالى وفي الإيمان وفي التوحيد.
فهذه مسألةٌ، كثيرٌ من الأشاعرة يبدأ بها، فانظر مثلًا كتاب الإرشاد للجويني، أول مسألة في كتاب الإرشاد للجويني، مسألة باب أحكام النظر، فيقول: اعلم أن أول واجب على العاقل البالغ باستكمال سن البلوغ النظر أو القصد إلى النظر. (١) أوجب شيئًا ما أوجبه الله تعالى؛ ولم يوجبه رسوله ﷺ .
ولذلك من المضحك أنهم يفرِّعون على هذه المسألة مسائل في الفقه؛ ويقولون: لو أن شخصًا تزوج بجارية قبل البلوغ، فما حكم العقد بعد البلوغ؟ فالبعض يفتي بوجوب تجديد العقد بعد البلوغ؛ لأن الإيمان السابق لا يعتد به وإنما الإيمان يبدأ بعد البلوغ.
ومسائل الصفات وهي محل مثل هذه الفتوى، نتحدث عنها -إن شاء الله-عندما ندخل في هذه المسائل في مسائل الصفات.
قال ابن تيمية: "ومن سلك الطرق الشرعية النبوية لم يحتج في إثباتها إلى أن يشك في إيمانه الذي كان عليه قبل البلوغ ثم يحدث نظرا يعلم به وجود الصانع، ولم يحتج إلى أن يبقى شاكّا مرتابا في كل شيء وإنما كان مثل هذا يعرض للجهم بن صفوان وأمثاله فإنهم ذكروا أنه بقي أربعين يوما لا يصلي حتى يثبت أن له ربّا يعبده، فهذه الحالة كثيرا ما تعرض للجهمية وأهل الكلام الذين ذمهم السلف والأئمة، " (٢)
أما توحيد الألوهية فلا ذكر له؛ لأن المعتقد الأشعري معتقد يقوم على مسائل النظر دون مسائل العمل، ولذلك ما من أشعري إلا وهو بحاجة إلى الصوفية، فترى قائلهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة أو رفاعي الطريقة أو تيجاني
стр. 273
الطريقة أو غير ذلك، والسبب في ذلك لأن مسائل هؤلاء هي مسائل نظرية علمية وليست مسائل عملية تطبيقية، وبالتالي لن تجد عندهم مسائل العمل، وأقرب شيء في هذا التوحيد، يحصرون التوحيد في معرفة الله دون عبادة الله، حتى في الإيمان بالنبي ﷺ وهذا باب النبوات، تجد أنهم عندما يعرفون الإيمان بالنبي ﷺ يحصرون هذا الإيمان في تصديقه ويهملون اتباع النبي ﷺ ، ولذلك ما من مجتمع أشعري إلا وتتفشَّى فيه البدع، فلا ترى إيماناً بالنبي ﷺ لا يقام فيه للسنة لواء، ولا يدعى فيه إلى السنة ولا تحارب فيه البدعة؟ وأي سنة أو ليست سنة النبي ﷺ ؟ أو ليست البدعة هي ما أحدث في دين النبي ﷺ ؟
فما من مجتمع أشعري أو ماتريدي إلا وتجد فيه البدعة متفشيةً والسنة تحارب، فهم لاعتقادهم هذا الذي يقوم على جوانب التصديق أهملوا جانب الاتباع.
فهذا الخلل موجود في أصلي الدين أي في التوحيد والاتباع، فلا إله إلا الله، يفسِّرونها لا خالق ولا رازق، فيفسِّرون الإله بالقادر على الاختراع، فيفهمون الناس ويعلمون صبيانهم أن التوحيد فقط الإقرار بوجوده، وأنت تأمَّل ما يقرَّره هؤلاء في مدارسهم، لا تجد ذكرًا لتوحيد الألوهية، وعندما يقررون محمداً رسول الله يقررونها في نطاق معين وهو التصديق، دون الاتباع، وهذا قصور نتج عنه تفشِّي البدع، ولذلك لما يقوم أهل السنة بالدعوة إلى توحيد الألوهية والدعوة إلى السنة والاتباع؛ تجد هؤلاء يحاربون ويقاومون ذلك، وأكثر ذلك ناتج عن جهلهم؛ لأنهم ما علموا ولا عرفوا قيمة توحيد الألوهية، ولا علموا ولا عرفوا قيمة اتباع النبي ﷺ فترى الواحد منهم لا يفرق بين السنة والبدعة، ولا يفرق بين التوحيد والشرك، فهو إن كان يقوم ويصلي ويركع ويسجد لله تعالى ولكن لا مانع عنده أن يدعو غير الله تعالى، أو حتى أن يطوف بغير بيت الله تعالى، أو حتى أن يسجد ويركع لغير الله تعالى، فهذا واقع فعلي يشهد بأن هؤلاء عندهم خلل كبير في جانب التوحيد وجانب النبوة؛ لأنهم حصروا ذلك في قضايا نظرية تصديقية؛ لأن الأساس في المنهج الفلسفي أنه يعتمد هذه الأمور على أساس نظري دون أساس تطبيقي، فمن هنا حدث الخلل.
إذًا نبذٌ للكتاب والسنة في هذه المسائل شيء خطير لا يقبل به أي إنسان عرف الحق ودان لله بالحق.
وفي تلك المجتمعات خلل في التوحيد وخلل في الاتباع، نتج عنه ما نتج من
стр. 274
مجتمع جاهل بالتوحيد جاهل بالسنة، حتى إن السنة لو فعلت لحوربت، فأميتت السنة وأحييت البدعة، وهذا هو الواقع، فإذا جئت تدعوهم إلى هذه الأمور حاربوك، وكما قيل: من جهل شيئًا عاداه.
فلا تتخيل أن الخلاف بين الأشاعرة وأهل السنة خلاف طفيف أو سطحي أو بسيط بل خلاف في العمق والأصل.
تعال إلى مسألة الإيمان، فما الإيمان عند الأشاعرة وما الإيمان عند أهل السنة؟ فالإيمان عند أهل السنة اعتقاد وقول وعمل يزيد وينقص، وأما عند الأشاعرة فإن الإيمان هو التصديق، وهذه عودة للقضية الفلسفية، فهذا الإرجاء ناتج عن هذا الفكر.
والمرجئة هم الجهمية والأشاعرة والماتريدية والكرامية والكلابية، وكذلك يعدون مرجئة الفقهاء، فتجد أن الفرق التي ذكرنا وهي الخمس كلها تميل إلى الناحية الفلسفية، فهذا الفكر الفلسفي يحصر هذه القضايا في إطار محدود ضيق وهو الإطار النظري، وبالتالي عندما يعلم ويعرف أبناء هذه الأمة أن الإيمان هو التصديق ينشأ عن هذا إيمان قاصر ناقص في النفوس، فلذلك تلاحظ أن التطبيق ضعيف؛ وانظر هذا في واقع تلك المجتمعات، فإما أن يأخذ التطبيق من منهج صوفي مليء بالبدع والخرافات، أو ينشأ على أنه فقط عَرَف الله وصدَّق برسول الله ﷺ فهذا هو المطلوب على حد زعمه.
فتجد الواحد إذا أراد التديُّن وأراد العمل والتطبيق يلجأ إلى الصوفية، فلا يجد في الأشعرية ما يحفزه إلى العمل والتطبيق؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإنما إذا أراد التديُّن فإن في مخيلته أن التديُّن والعمل لا يأتي إلا من طريق الصوفية، فيقع في أحضان البدعة والخرافة أو يبقى تحت هذا الفكر وتحت سيطرته فيرى أن هذه المسائل والقضايا هي تصديقية وليست قضايا عملية، وهذا واقع أو ليس واقع؟ وبالتالي من يشكو ويندب حال تلك المجتمعات المسلمة وأنها مجتمعات لا تمتثل الإسلام امتثالًا صحيحًا، فلا تقيم شعائر الله
من أكثر العوامل التي أدت إلى ذلك هو تطبيق هذه المناهج، فترى الواحد منهم لا يعرف من العمل إلا ما يعرفه من خلال التصوُّف المنحرف الذي يجعله نابذًا للدنيا منسلخًا منها معتكفًا في زاويته أو في خلوته، ويعيش ويتكفف الناس ويسألهم رزقه وقوته في ذلك اليوم.
стр. 275
فهذا هو الواقع الذي آل إليه المجتمع الإسلامي، وكل هذا تحت سيطرة فكر الإرجاء، فهل هناك التزام في أشخاصهم وفي ذواتهم؟ هل هناك التزام في أسرهم؟ هل هناك التزام في مجتمعاتهم؟ كل هذا ضعيف إلا ما قد يأتيهم عن طريق التصوف، أما كمنهج أشعري فإن فاقد الشيء لا يعطيه، فبالتالي بناءً على هذا الفكر الإرجائي، وأن الإيمان ينحصر في المعرفة والتصديق، فإنه بذلك يكفيهم في التوحيد أن يعرفوا الله تعالى ويكفيهم في الإيمان بالنبي ﷺ -أن يصدقوا بنبوته.
لكن في التطبيق لا يوجد ذكر لهذا في كتبهم، واقرأ في ذلك ما يدرَّس حتى في المختصرات التي تدرَّس في مدارسهم، وبالتالي كيف تطلب من ناشئ ينشأ على هذا الفكر؛ كيف تطلب منه التوحيد على الوجه الصحيح؟ وكيف تطلب منه تطبيق السنة على الوجه الصحيح؟ وكيف يحيا على حبها وعلى التمسك بها؟ وكيف يحرص على تعلمها؟
ولذلك تجد أن كتب السنة مثلًا لا تدرس إلا للبركة، وكثير من هذه المدارس نعم قد تضع في ضمن مقرراتها صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة إلى غير ذلك، ولكن إنما هذه فقط للاطلاع والقراءة، ويبقى المنطق والفلسفة هي الأصل والمعتمد في الاعتقاد، إلا ما استثني من ذلك في قضايا البعث والنشور، وكذلك ما يتعلق بمسائل الفروض، بمسائل العبادات ومسائل العمل، مسائل العبادات والمعاملات؛ فإن هذه يأخذونها من الكتاب والسنة.
لكن مسائل الاعتقاد هي الأصل والأساس الذي على أساسه يستقيم العمل ويستقيم الفكر ويستقيم السلوك وتستقيم الأحوال كلها، وإن فسد الاعتقاد فإن هذا الفساد يظهر أثره سلبًا على أحوال الناس وعلى أفعالهم وعلى سلوكياتهم، وما ذكرناه وأشرنا إليه من ظهور الشرك وظهور البدع، وكذلك تفشي الإرجاء في كثير من الناس إنما سببه مثل هذه الأفكار.
فتأتي للواحد منهم فتقول له وتخوِّفه وتذكِّره بالجنة والنار، وتقول له: يا فلان، صلِّ الصلاة، فيقول لك: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، أنتم أناس متشدِّدون؛ لأنه نشأ على هذا الفكر وعلى هذا الفهم حتى وصل التساهل إلى حدِّ الصلاة، التي هي عمود هذا الدين؛ والتي من تركها فقد كفر.
وتجد من مثقفيهم ومفكريهم أنه يتحدث عن الإسلام ويتحمس للإسلام ودعوة الإسلام، ولكنه في حاله وفي أسرته تجد أنه على عكس وعلى خلاف ما يقول، ولو
стр. 276
نظرت إلى مظهره وإلى شكله لوجدت أن فعله يناقض قوله، وأن الإسلام في وادٍ وهو في وادٍ، فكيف مثل هذا يكون أهلًا لأن يدعو وأن يتحدث عن هذه المسائل، فهذا في ناحية الإرجاء.
ولو جئت إلى القدر فالأشاعرة جبرية؛ لأنهم يقولون بالكسب، وكسب الأشعري هذا من محالات العقول، يقولون: "محالات العقول ثلاثة: كسب الأشعري، وطفرة النظام، وأحوال بني هاشم"، فمن ضمن محالات العقول كسب الأشعري الذي هو في حقيقته القول بأن العبد مجبور على فعله ولا قدرة له ولا اختيار، ولا شك أن هذا يؤثر في عقائد الأمة عندما تنشأ الأمة على مثل هذا.
فحقيقة قول الأشاعرة في مسائل القدر هو بعينه قول الجهمية في مسألة القدر، وهو أن العبد مجبور، ويمثلون لهذا فيقولون: كشخص راكب في سفينة لا يدري إلى أين تذهب به، فمثل هذا إذا نُشئ الإنسان عليه فكيف سيكون حاله مع العمل ومع العبادة ومع الترغيب والترهيب؟
فهذه من المسائل التي هي من مسائل الخلاف في الاعتقاد بين أهل السنة وبين الأشاعرة، والمسائل في هذا كثيرة، كثيرة مدونة في كتب الاعتقاد.
فحقيقة الاختلاف بين أهل السنة والأشاعرة أن الخلاف كبير في مسائل الاعتقاد وبالأخص في المسائل الكبار، وبالأخص مع متأخري الأشاعرة؛ لأنهم أكثر قربًا إلى المعتزلة، فكثير من أفكار المعتزلة موجودة عند هؤلاء بل إنهم لو عقدت مقارنةً بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة لوجدت أن الأشاعرة أقرب إلى الجهمية في كثير من المسائل.
لو جئت في الإيمان، فالمعتزلي يقول: الإيمان قول واعتقاد وعمل، لكن الجهمي مثل الأشعري، والأشعري مثل الجهمي، فالجهمي يقول: إيمان المعرفة، والأشعري يقول إيمان التصديق، وهو في حقيقته قول الجهمية.
لو جئت في القدر لوجدت أن المعتزلة قدرية والجهمية جبرية، والأشاعرة كذلك جبرية، فكثير من المسائل هؤلاء الأشاعرة أقرب إلى الجهمية.
وهناك مسائل مثل مسألة الرؤية، فالأشاعرة يثبتون رؤية الله -يوم القيامة ولكن يقولون: لا في جهة ولا في مكان، يرى لا في جهة.
في مسألة كلام الله -فهم يقولون بالكلام النفسي، فيثبتون الكلام لكنهم لا يثبتون الحرف والصوت، ويثبتون أصل الكلام لكنهم يقولون إنه كلام نفسي،
стр. 277
ويقولون مع ذلك هذا القرآن إما حكاية أو عبارة عن كلام الله ، فيقولون: إما أن جبريل ﵇ حكى كلام الله أو أن جبريل ﵇ عبر عن هذا الكلام، وهذا من بعض معتقدات القوم.
فبالتالي نعلم أنه لا يمكن أن يكون هناك التقاء في مثل هذه المسائل ما دام أن الأصل فيها مختلف، فلا بد من تصحيح ولا بد من تقويم لهذا الحال الذي عليه كثير من مجتمعات المسلمين؛ إذ تفشَّى فيها إما منهج الأشاعرة وإما منهج الماتريدية.
وهذا يكون على أيدي مَنْ عرف الحق وانتصر للحق، فالمسألة ليست تعصُّباً إلى طائفة بعينها أو تعصُّباً إلى أشخاص بأعيانهم، المسألة إما أن تكون مع القرآن والسنة ومع الحق، وإما أن تكون محاربًا ومعاديًا للكتاب والسنة.
فخصمك كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ إن أنت قلت بخلافه وليس خصمك أحمد بن حنبل ولا ابن تيمية ولا ابن القيم ولا محمد بن عبد الوهاب، لا إنما خصمك هو الله ، إنما خصمك كتاب الله وسنة نبيه ﷺ فإما أن تحييها وإما أن تميتها، إما أن تدعو إلى الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة رضوان الله عليهم وتأخذ بهذا المنهج تأصيلًا وعلمًا وتعلمًا وتعليمًا ودعوةً وإما أن تترك هذا المنهج، فالمسألة ليست عملية تلفيق أو عملية توسُّط كما يزعم البعض؛ فيقول مثلًا: إن الأشاعرة توسَّطوا بين المعتزلة وأهل الحديث، فاختاروا منهجًا وسطًا، فأخذوا بالعقل في شيء وأخذوا بالنص في شيء، سبحان الله، فكيف تكون مسائل الدين منقسمة إلى ما يؤخذ من النص وما يترك للعقل، هل هذا يقبل؟ هل هذه القسمة تقبل في دين الله تعالى؟
ولذلك يقال لهذا الأشعري: لماذا تأخذ بصحيح البخاري ومسلم في مسائل العبادات والمعاملات ومسائل البعث والنشور والشفاعة والحوض والميزان والصراط وغير ذلك، وتترك هذا في أصلي الدين لا إله إلا الله محمد رسول الله، كيف يقبل مثل هذا؟
فهذه نبذة عن حقيقة الخلاف الدائر بين الأشاعرة وبين أهل السنة، فهل يقول قائل بعد ذلك بأن هذا الخلاف سطحي أو أنه خلاف بسيط؟ والحقيقة أنه خلاف في الجذور والأصول، فإما أن نغرس في النفوس التمسك بالكتاب والسنة، وأن تنهل من مناهل الكتاب والسنة وتعرف كلام الله تعالى وكلامه رسوله ﷺ -وتتمسك بفهم
стр. 278
السلف الصالح رضوان الله عليهم، أو نضرب بهذا كله عرض الحائط ونأتي بمنطق وفلسفة مركَّبتين من عند هؤلاء ونبدأ نقرِّرهما ونعلِّمها.
فالمسألة مسألة مشارب، ومسألة تلقِّي، ومناهج في الأصل، فلا تخلو اليوم مدارس الناس ومنهاجهم كما ذكرت سالفًا من أحد ثلاثة مناهج، إما منهج يعتمد الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، أو منهج يعتمد الفلسفة وعلم الكلام، أو منهج يعتمد الباطنية إما في شكلها الرافضي أو في شكلها الصوفي، المدارس لا تخرج عن هذا.
فأي إنسان لا شك أنه يأتي فارغًا ويأتي ليتعلم وليملأ قلبه وعقله بعلوم، ولكن ما كل العلوم علوم، ولا كلها يوصل إلى الحق وإلى الهدى وإلى الصراط المستقيم، فأنت عندما تأتي لتتعلم، ولو كنت عالما لما جئت ولا ما حضرت، فتدرس هذه العلوم على هذا المنهج وعلى هذا الأساس، ولكن إن ذهبت إلى أماكن أخرى فإما أن تجد منهجًا فلسفيًّا؛ فأول ما تُعلَّم وتلقَّن مبادئ المنطق والفلسفة، أو تربَّى تربيةً صوفية تقوم على تقديس الأشخاص والأعيان، فأخرَجوا الناس من عبودية الأوثان إلى عبودية الإنسان وسخَّروه، سخَّروا أولئك المريدين لأهدافهم وأغراضهم، وغرسوا في نفوسهم تقديس أناس بأعيانهم وبأشخاصهم حتى شرعوا في دين الله تعالى ما لم يأذن به الله
فينبغي على الإنسان أن يتصور حجم الخلاف، فكما قيل: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فأنت تسمع بأهل السنة وتسمع بالأشاعرة وتسمع بالمتصوفة، فلا بد أن تعرف أن الخلاف عميق وكبير بين هذه المناهج الثلاث، وأن الحقَّ أحقُّ أن يتبَّع، وصدق الله إذ قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: ٢٢]
فهذا شيء من حقيقة الخلاف الذي يدور في هذه المسائل وفي غيرها، وستجد هذا -إن شاء الله-تطبيقًا عندما نأتي للحديث عن مسائل الصفات، وكيف أن هؤلاء أخرجوها عن الكتاب والسنة وقالوا فيها بقول لا أصل له في الكتاب أو السنة، وقرَّروا فيها أمورًا لا أساس لها من الدين كما هو معلوم.
فينبغي أن يعرف عظم الخلاف القائم بين أهل السنة والأشاعرة، وأن هذا الخلاف في الصلب والصميم، فإما أن ينتصر الإنسان لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ -ويعتمدهما أصلًا في دينه، ويرى فيهما أنهما هما الدين الذي يجب أن
стр. 279
يدين لله -به وإما أن يتخذ منهج هؤلاء منهجًا يرتضيه لنفسه ولدينه وللناس أجمعين.
وللأسف إذا قيل للأشاعرة أو قيل للماتريدية هذا الكلام، فإن البعض يغضب لإخراجهم عن عقيدة أهل السنة والجماعة، ويراهم أنهم من أهل السنة والجماعة، ونحن إذا تكلمنا في هذا نقصد المنهج، أما أعيان هؤلاء فهذه مسألة أخرى، بحسب ما يعتقد الإنسان في هذا الأمر.
أما من حيث المنهج، فإن المنهج الأشعري منهج لا يمتُّ إلى السنة بصلة في هذه الأبواب، بل هو يهدم السنة ويقف منها موقف العداء من هذه النصوص ويقدِّس تلك المعقولات التي جاءت به عقول هؤلاء التي هي رد لكلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ
ويكفي أنهم بأنفسهم يعترفون بذلك ويقولون: طريقة السلف وطريقة الخلف، فيعترفون أن ما عندهم من بضاعة ليست هي البضاعة التي جاء بها سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم، ويكفي أنهم يصفون هذه العقيدة لهذه الأمة بأنها عقيدة عوام، فمن أراد عقيدة الأشاعرة يجدها في كتبهم، التي تتصفح فيها عشرات الصفحات فيها فلا تجد فيها قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ -وتقرر فيها مسائل وأمور ليست من أمور الدين بل هي على ضدِّ ما جاء به الدين.
وعلى الإنسان أن يعرِّف طلبة العلم بحقيقة هذا المنهج، وبخطورة هذا المنهج وبضرره على منهج الكتاب والسنة، فإذا كان في الإنسان حبٌّ لله -وحبٌّ لرسوله ﷺ -فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]
فإذا كان في القلب حبٌّ حقيقي لله -فإن حبَّ الله تعالى برهانه ودليله: هو اتباع النبي ﷺ -والسير على هذا المنهج علمًا وعملًا ودعوةً.
стр. 280
(٤٦) "وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي حامد الغزالي وغيرهم، هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي التي ذكرها في كتابه"
هذا تمهيد لما سيقوله المصنف؛ أن هؤلاء ذمهم هؤلاء الأئمة، ذمُّوا بشْراً وذمُّوا من كان في طبقته، فقد كان خصم الشافعي في ذلك الوقت حفص الفرد، وكان يسمى حفص القرد.
وكان خصم أبي يوسف صاحب أبي حنيفة هو بشر المريسي، حتى أنه أحضره واستتاب وقال: ائتوني بشاهدين لكي أحكم بقتله (١).
فشيخ الإسلام يريد أن يؤكد أن هذه التأويلات الموجودة اليوم عند الأشاعرة والماتريدية هي نفسها تأويلات بشر المريسي الذي قد قال فيه الأئمة ما قالوه.
فإذًا، كل من أخذ بتأويلات بشر فحكمه حكم بشر، وانظر هذا في ردِّ الدارمي على بشر المريسي، وهو كتاب مطبوع، فالدارمي ردَّ على بشر المريسي وذكر تأويلات بشر المريسي وتحريفاته، وهذه التحريفات هي بعينها الموجودة اليوم في كتب القوم.
فينبغي على الإنسان أن ينظر في هذه الكتب، فإن كنت شافعيًّا! فلماذا لا تقرأ أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، واللالكائي شافعي حتى لا يقول إنسان: هذه عقيدة الحنابلة، فهو ينقل نقولًا كثيرةً عن الشافعية وغيرهم في حكم هؤلاء، وفي حكم تأويلاتهم.
стр. 281
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا هؤلاء الأشاعرة يأخذون أقوال الشافعي في الفروع ويقبلونه ويرتضون كلامه، ولا يرتضونه في الاعتقاد وفي مسائل أصول الدين، وهذا من العجيب؛ كيف يتعاملون معه في مسائل ويتركونه في مسائل؟! وهم لا يستطيعون أن يأتوا بحرف واحد عن الشافعي-﵀-يؤيد هذه التحريفات، وتدل على أنه قال بمثل تأويلاتهم وتحريفاتهم، بل إن الشافعي وقف خصمًا لهؤلاء كما وقف لحفص الفرد في هذه التأويلات، وكان يسميه حفص القرد.
فهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، أي الموجودة عند الأشاعرة والماتريدية، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها ابن فورك، وابن فورك له كتاب تأويل مشكل الحديث وهو كتاب مطبوع، فانظر إلى تأويلاته تجدها بضاعة بشر المريسي ومن سلك سبيلهم من الجهمية.
فقبل أن تُعرف الأشعرية، وقبل أن تُعرف الكلابية، كانت هذه التأويلات موجودة وهؤلاء أخذوها وتلقَّفوها منهم، حتى إن المتأخرين من الأشاعرة أيضًا وصلوا إلى درجة في النفي للصفات قاربوا فيها المعتزلة؛ لأن كلًّا من إمام الحرمين الجويني والغزالي والرازي تأثروا كثيرًا بالمعتزلة، بل ولم يكتفوا بذلك حتى تأثروا بالفلاسفة.
فهذا ابن العربي يقول عن شيخه أبي حامد الغزالي، يقول عنه: "أمرضه الشفا" (١). والشفا لابن سينا، الشفا ليس شفا القاضي عياض.
ويقول: "شيخي أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة فما استطاع أن يخرج منهم" (٢)، فتأثر بكلام هؤلاء أو بضاعة هؤلاء.
فهذه التأويلات مذكورة في كتاب مشكل الحديث لابن فورك، ومذكورة كذلك في تأسيس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتاب نقض تأسيس الجهمية، رد ابن تيمية ﵀-على الرازي في كتابه تأسيس التقديس، رد عليه بكتاب نقض تأسيس الجهمية، وذكر فيه كلام الرازي ورد عليه، وهو كتاب يقع في مجلدين.
وقول المصنف: "ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء". فبعد أن ذكر مثالًا للأشاعرة وهو ابن فورك وهو من المتقدمين، والرازي وهو من متأخري الأشاعرة، فقال المصنف: "مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» "
стр. 282
فبين تأثر الأشاعرة بالمعتزلة، فقال: "ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري" وهؤلاء جميعهم معتزلة.
ثم بعد ذلك ذكر تأثر بعض المتأخرين من الحنابلة بالأشاعرة المتأخرين فذكر تأثر ابن عقيل، وهو من الحنابلة الذين تأثروا بالأشاعرة في هذه المسائل، فهناك من الحنابلة من تأثر بالأشعرية الموجودة في بغداد فقال المصنف: "وأبي الوفاء بن عقيل، " ومن ثم أشار إلى الغزالي، والغزالي من الأشاعرة فقال المصنف: "وأبي حامد الغزالي وغيرهم"
стр. 283
(٤٧) "وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء. فإنما بيَّنت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي"
قول المصنف: "وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا ولهم كلام حسن في أشياء. "
يعني يوافقونهم في أشياء، ويخالفونهم في أشياء، لأن الجهمية ينفون جميع الصفات، ومن الأشاعرة المتقدِّمين من ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر، والمتقدِّمون من الأشاعرة أفضل من المتأخرين من الأشاعرة؛ لأن المتقدمين من الأشاعرة كان تأويلهم وتحريفهم في صفات الأفعال الاختيارية؛ لأن الصفات عندهم على ثلاثة أقسام: صفات ذاتية، وصفات خبرية، وصفات فعلية.
الصفات الذاتية: مثل العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، والصفات الخبرية: كان المتقدِّمون من الأشاعرة يثبتونها كالوجه واليدين والعين وغير ذلك، فانظر إلى كتب الأشاعرة من المتقدمين تجدهم يثبتون هذا، يثبتون هذا ولكن كان تأويلهم في الصفات الفعلية.
وتأويل المتقدمين الذين يؤوِّلون الصفات الفعلية تأويلهم فيها على قسمين
القسم الأول: إما أن يرجعوها إلى صفات ذاتية ويعتبرونها صفات ذاتية.
والقسم الثاني: أو يجعلونها صفات للمفعولات وليس لله -مثل الاستواء يقولون: الاستواء صفة للعرش وليس صفة الله تعالى (١).
لذلك لا تجد هناك تأويلات جلية، فتأويلهم خفي بهذه الطريقة، فقد تقرأ للقدماء فتقول يثبت الاستواء؛ لكن يثبته صفةً للعرش وليس صفةً لله اعتبارًا على قاعدته، وهي نفي صفات الأفعال الاختيارية.
стр. 284
أما المتأخِّرون من الأشاعرة، فهم ينفون سائر الصفات ويؤوِّلونها ما عدا السبع التي ذكروها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، هذه السبع فقط. فإذًا قد يكون لهم كلام حسن في أشياء ولكنهم يوافقون هؤلاء في أشياء.
قال المصنف: "فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي". أي ما يوجد عندهم هو نفسه وبعينه أي ليس نوع وإنما عين التأويلات التي ذكرها بشر ذكرها هؤلاء، إذًا لهم سلف، وسلفهم الجهمية.
فالقول بتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء إنما هو قول الجهمية، وبالتالي بحمد الله لما كان هناك من الأئمة الأربعة من ردَّ على هؤلاء وأبطل دعوى الجهمية، فبالتالي فإن الكلام الذي ورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم في ذم الجهمية يشمل الأشاعرة والماتريدية؛ لأنهم جاءوا بنفس الكلام الذي جاء به الجهمية.
وأنت اعقد هذه المقارنة كما وجَّهك ابن تيمية رحمه الله تعالى، تعال إلى كتب ابن فورك وإلى كتب الرازي وإلى كتب الغزالي وخذها، ثم استخلص منها التأويلات التي جاءوا بها، ثم تعال إلى ردِّ الدارمي على بشر، وانظر إلى تأويلات بشر واعقد مقارنةً، هل هي عينها أو ليست عينها؟ حتى يتضح لك صحة الكلام، فإن كانت عينها فما قاله الإمام مالك وما قاله الإمام الشافعي وما قاله الإمام أحمد وما قاله أبو يوسف في حق أصحاب تلك التأويلات يشمل الأشاعرة والماتريدية، فهذا الذي يريد أن يرشدك إليه المصنف هنا.
стр. 285
(٤٨) "ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابًا سماه: «رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد» حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. "
يقصد المصنف رحمه الله تعالى كتاب الرد على بشر المريسي وهو كتاب مطبوع وموجود إلى يومنا هذا، وقد رد فيه عثمان بن سعيد الدارمي على تأويلات بشر المريسي، وقد أجاد فيه وأفاد كما سيذكر المصنف.
وقول المصنف: "حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته" أي أن كتاب الدارمي حفظ لنا تأويلات المريسي بحكم معاصرته له، وهذا يعطى الكتاب أهمية بكونه حفظ نسبة هذه التأويلات بأعيانها لقائلها الذي هو بشر المريسي، كما بين المصنف أن المريسي كان أقعد وأعرف وأعلم بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين؛ لأن هؤلاء أبعد عن السنة، فهم هجروا السنة وتركوها، وبالتالي هم من أجهل الناس بالسنة في هذه المسائل.
قال المصنف: "ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. "