لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا هؤلاء الأشاعرة يأخذون أقوال الشافعي في الفروع ويقبلونه ويرتضون كلامه، ولا يرتضونه في الاعتقاد وفي مسائل أصول الدين، وهذا من العجيب؛ كيف يتعاملون معه في مسائل ويتركونه في مسائل؟! وهم لا يستطيعون أن يأتوا بحرف واحد عن الشافعي-﵀-يؤيد هذه التحريفات، وتدل على أنه قال بمثل تأويلاتهم وتحريفاتهم، بل إن الشافعي وقف خصمًا لهؤلاء كما وقف لحفص الفرد في هذه التأويلات، وكان يسميه حفص القرد.
فهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، أي الموجودة عند الأشاعرة والماتريدية، مثل أكثر التأويلات التي ذكرها ابن فورك، وابن فورك له كتاب تأويل مشكل الحديث وهو كتاب مطبوع، فانظر إلى تأويلاته تجدها بضاعة بشر المريسي ومن سلك سبيلهم من الجهمية.
فقبل أن تُعرف الأشعرية، وقبل أن تُعرف الكلابية، كانت هذه التأويلات موجودة وهؤلاء أخذوها وتلقَّفوها منهم، حتى إن المتأخرين من الأشاعرة أيضًا وصلوا إلى درجة في النفي للصفات قاربوا فيها المعتزلة؛ لأن كلًّا من إمام الحرمين الجويني والغزالي والرازي تأثروا كثيرًا بالمعتزلة، بل ولم يكتفوا بذلك حتى تأثروا بالفلاسفة.
فهذا ابن العربي يقول عن شيخه أبي حامد الغزالي، يقول عنه: "أمرضه الشفا" (١). والشفا لابن سينا، الشفا ليس شفا القاضي عياض.
ويقول: "شيخي أبو حامد دخل في بطون الفلاسفة فما استطاع أن يخرج منهم" (٢)، فتأثر بكلام هؤلاء أو بضاعة هؤلاء.
فهذه التأويلات مذكورة في كتاب مشكل الحديث لابن فورك، ومذكورة كذلك في تأسيس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتاب نقض تأسيس الجهمية، رد ابن تيمية ﵀-على الرازي في كتابه تأسيس التقديس، رد عليه بكتاب نقض تأسيس الجهمية، وذكر فيه كلام الرازي ورد عليه، وهو كتاب يقع في مجلدين.
وقول المصنف: "ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء". فبعد أن ذكر مثالًا للأشاعرة وهو ابن فورك وهو من المتقدمين، والرازي وهو من متأخري الأشاعرة، فقال المصنف: "مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فورك في كتاب «التأويلات» وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه «تأسيس التقديس» "
стр. 282
فبين تأثر الأشاعرة بالمعتزلة، فقال: "ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبّائي، وعبد الجبار بن أحمد الهمذاني، وأبي الحسين البصري" وهؤلاء جميعهم معتزلة.
ثم بعد ذلك ذكر تأثر بعض المتأخرين من الحنابلة بالأشاعرة المتأخرين فذكر تأثر ابن عقيل، وهو من الحنابلة الذين تأثروا بالأشاعرة في هذه المسائل، فهناك من الحنابلة من تأثر بالأشعرية الموجودة في بغداد فقال المصنف: "وأبي الوفاء بن عقيل، " ومن ثم أشار إلى الغزالي، والغزالي من الأشاعرة فقال المصنف: "وأبي حامد الغزالي وغيرهم"
стр. 283
(٤٧) "وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا، ولهم كلام حسن في أشياء. فإنما بيَّنت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات المريسي"
قول المصنف: "وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضًا ولهم كلام حسن في أشياء. "
يعني يوافقونهم في أشياء، ويخالفونهم في أشياء، لأن الجهمية ينفون جميع الصفات، ومن الأشاعرة المتقدِّمين من ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر، والمتقدِّمون من الأشاعرة أفضل من المتأخرين من الأشاعرة؛ لأن المتقدمين من الأشاعرة كان تأويلهم وتحريفهم في صفات الأفعال الاختيارية؛ لأن الصفات عندهم على ثلاثة أقسام: صفات ذاتية، وصفات خبرية، وصفات فعلية.
الصفات الذاتية: مثل العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، والصفات الخبرية: كان المتقدِّمون من الأشاعرة يثبتونها كالوجه واليدين والعين وغير ذلك، فانظر إلى كتب الأشاعرة من المتقدمين تجدهم يثبتون هذا، يثبتون هذا ولكن كان تأويلهم في الصفات الفعلية.
وتأويل المتقدمين الذين يؤوِّلون الصفات الفعلية تأويلهم فيها على قسمين
القسم الأول: إما أن يرجعوها إلى صفات ذاتية ويعتبرونها صفات ذاتية.
والقسم الثاني: أو يجعلونها صفات للمفعولات وليس لله -مثل الاستواء يقولون: الاستواء صفة للعرش وليس صفة الله تعالى (١).
لذلك لا تجد هناك تأويلات جلية، فتأويلهم خفي بهذه الطريقة، فقد تقرأ للقدماء فتقول يثبت الاستواء؛ لكن يثبته صفةً للعرش وليس صفةً لله اعتبارًا على قاعدته، وهي نفي صفات الأفعال الاختيارية.
стр. 284
أما المتأخِّرون من الأشاعرة، فهم ينفون سائر الصفات ويؤوِّلونها ما عدا السبع التي ذكروها، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، هذه السبع فقط. فإذًا قد يكون لهم كلام حسن في أشياء ولكنهم يوافقون هؤلاء في أشياء.
قال المصنف: "فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي". أي ما يوجد عندهم هو نفسه وبعينه أي ليس نوع وإنما عين التأويلات التي ذكرها بشر ذكرها هؤلاء، إذًا لهم سلف، وسلفهم الجهمية.
فالقول بتأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء إنما هو قول الجهمية، وبالتالي بحمد الله لما كان هناك من الأئمة الأربعة من ردَّ على هؤلاء وأبطل دعوى الجهمية، فبالتالي فإن الكلام الذي ورد عن الأئمة الأربعة وغيرهم في ذم الجهمية يشمل الأشاعرة والماتريدية؛ لأنهم جاءوا بنفس الكلام الذي جاء به الجهمية.
وأنت اعقد هذه المقارنة كما وجَّهك ابن تيمية رحمه الله تعالى، تعال إلى كتب ابن فورك وإلى كتب الرازي وإلى كتب الغزالي وخذها، ثم استخلص منها التأويلات التي جاءوا بها، ثم تعال إلى ردِّ الدارمي على بشر، وانظر إلى تأويلات بشر واعقد مقارنةً، هل هي عينها أو ليست عينها؟ حتى يتضح لك صحة الكلام، فإن كانت عينها فما قاله الإمام مالك وما قاله الإمام الشافعي وما قاله الإمام أحمد وما قاله أبو يوسف في حق أصحاب تلك التأويلات يشمل الأشاعرة والماتريدية، فهذا الذي يريد أن يرشدك إليه المصنف هنا.
стр. 285
(٤٨) "ويدل على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابًا سماه: «رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد» حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. "
يقصد المصنف رحمه الله تعالى كتاب الرد على بشر المريسي وهو كتاب مطبوع وموجود إلى يومنا هذا، وقد رد فيه عثمان بن سعيد الدارمي على تأويلات بشر المريسي، وقد أجاد فيه وأفاد كما سيذكر المصنف.
وقول المصنف: "حكى فيه من التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضي أن المريسي أقعد بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته" أي أن كتاب الدارمي حفظ لنا تأويلات المريسي بحكم معاصرته له، وهذا يعطى الكتاب أهمية بكونه حفظ نسبة هذه التأويلات بأعيانها لقائلها الذي هو بشر المريسي، كما بين المصنف أن المريسي كان أقعد وأعرف وأعلم بها، وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين؛ لأن هؤلاء أبعد عن السنة، فهم هجروا السنة وتركوها، وبالتالي هم من أجهل الناس بالسنة في هذه المسائل.
قال المصنف: "ثم رد عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي: علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم. "
стр. 286
(٤٩) "ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى-قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم كفروهم أو ضللوهم وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر ".
أجمع أئمة الهدى على ذم المريسية وأكثرهم كفَّروهم وضللوهم، وكلامهم ثابت ومنقول عنهم.
وقد يقول قائل مثلًا: إذا كان الأئمة يكفرونهم، فإن الإمام أحمد ﵀ كان يدعو للمأمون والمأمون معتزلي، فالأمر متناقض، فكيف يكفرونهم والإمام أحمد يدعو للمأمون؟
فالجواب هنا: أنه ينبغي أن يفهم هذا القائل الفرق بين مسألة الأعيان ومسألة المسائل، فهناك تفريق بين المسألتين، أما بأعيانهم، فهذه مسألة للسلف فيها ضوابط، وهي أربعة ضوابط في مسألة التكفير؛
أولاً: أن يكون عاقلًا بالغًا.
ثانياً: أن يكون مختارًا غير مكره.
ثالثًا: أن تقوم عليه الحجة التي يكفر بخلافها.
رابعًا: ألا يكون متأوِّلًا تأوُّلًا يعذر فيه صاحبه.
إذًا عند السلف أربعة شروط وأربعة موانع للتكفير، هذه مسألة واسعة.
فالشرط الأول يقول: أن يكون عاقلًا بالغًا، بمعنى إذا كان غير بالغ وغير عاقل فإن هذا مانع من تكفيره.
والشرط الثاني: أن يكون مختارًا؛ فإن الإكراه مانعٌ من التكفير.
والشرط الثالث: أن تقوم عليه الحجة التي يكفر بخلافها، فلا بد من قيام الحجة على هذا الشخص، فبالتالي إذا لم تقم الحجة فإنه لا يحكم عليه.
والشرط الرابع: ألا يكون متأوِّلًا تأوُّلًا يُعذر فيه صاحبه، فإذا كان متأولاً تأولاً يعذر فيه صاحبه فلا يحكم بكفره.
стр. 287
وما يتعلق بالشرط الثالث فإن المسألة واسعة؛ لأنها تعود إلى اختلاف الأشخاص واختلاف الأزمان واختلاف الأماكن، فهناك مكان السنة فيه ظاهرة والبدعة غير ظاهرة، فبالتالي هذا زمان أو هذا مكان تظهر فيه السنة والحجة تكون قائمة، بخلاف مكان السنة فيه مجهولة والبدعة هي الظاهرة، فالأمر يختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، ومن شخص إلى شخص بحسب تفاوت الناس.
وهكذا الشرط الرابع أي ما يتعلق بالمسائل؛ فالمسائل تختلف بحسب ظهور وقيام الحجة، فهناك ما هو معلومٌ من الدين بالضرورة، وهناك مسائل توجد فيها شُبَه للقوم.
فإذًا ما يتعلق بهذه المسألة إنما هو فيما يتعلق بالمسائل، أما فيما يتعلق بالأعيان فإن لهذا ضوابط وقواعد عند أهل السنة، وهذه مسألة عظيمة، في مسألة التكفير، ومسألة التكفير للأسف الشديد خاض فيها كثير من طلبة العلم وخاض فيها كثير من الناس وضلُّوا فيها.
وهي مسألة لا بد لطالب العلم أن يفهمها من طريقين؛ مسألة التكفير المطلق، ومسألة التكفير المعين، أي حكم المسائل والأقوال والأفعال، فلا بد أن يفرِّق الإنسان بين ما هو كُفرٌ وما ليس بكُفرٍ، ويعرف أقسام الكفر، ويعرف أقسام الشرك، ويعرف أقسام النفاق، ويعرف الردة ويعرف أنواعها، إلى غير ذلك.
فلا بد أن يعرف الإنسان ما هو الكُفر؛ لأن هذا أمر يتعلق بالشرع، فلا كافر إلا من كفَّره الله تعالى ورسوله ﷺ ، فلا بد من معرفة المسائل.
ثم كذلك لا بد من معرفة مسائل تكفير المعين، فلا بد لطالب العلم إذا أراد أن يفهم هذه المسألة أن يدرسها من الجانبين؛ حتى لا يزيغ أو يضلَّ فيها.
ونحن نرى ونسمع من الناس من يكفِّر لأدنى شيء، حتى وصل بهم الحال إلى تكفير بعضهم بعضًا، كما وقع في بعض هذه الجماعات التي تدَّعي العلم وتنتسب إلى الدعوة، فالحال خطير وقد يقع بينهم بسبب مسائل التكفير إباحة سفك الدماء وسلب الأموال وقتل الأنفس تحت هذه الدعوى التي هم لا يعرفون منها شيئًا، فضلًا عن أن يكونوا يحكمون ويتحاكمون فيها.
فإذًا المقصود بكلام العلماء هنا ما يتعلق بالتكفير المطلق، فكفَّروهم أو ضلَّلوهم، وهذا لا يعني تكفير الأعيان ما لم ينص العلماء على شخص بعينه أنه
стр. 288
كافر، وقد نصُّوا على بعضهم، كما نصُّوا على بشر المريسي، وكما نصُّوا على الجهم بن صفوان، ولكن لا يعني هذا أنه يكفَّر كل واحد منهم.
قول المصنف: "وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسي: تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله" أوضح المصنف أن ما قال به الفرق المتأخرة من المعطلة الجهمية هو امتداد لمذهب المريسي، كما سبق توضيحه من خلال بيان العلاقة بين طوائف الجهمية الخمسة أي الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، فإذا علم هذا، تبين الهدى لمن يريد الله -هدايته.
وقول المصنف: "والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب وإنما أشير إشارة إلى مبادئ الأمور والعاقل يسير وينظر ".
وقد سبق الإشارة بأن الفتوى لا تستوعب جميع جوانب الموضوع، وأن من العلماء من أفرد لهذه المسألة كتباً ككتاب (العلو) وكتاب (العرش) للذهبي واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، فعلى العاقل أن يتتبع وينظر ويبحث في هذه المسائل ولا يكن إمعةً إن أحسن الناس أحسن، وإن أساء الناس أساء، فليس لأن هذا منهج درسْتَه أو تربَّيْت عليه أو نشأت عليه تتعصب له أو تدافع عنه، فالحق أحقُّ أن يتَّبع.
وغدًا حساب وعقاب، فمن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل أجور من عمل به إلى يوم القيامة، ومن سنَّ سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومعنى من سنَّ سنةً حسنةً، أي من أحيا سنةً من سنن الإسلام، فإذا أَحْيَيْتَ سنة المصطفى ﷺ -ودعوت لها فلك الأجر، ولكن من سنَّ سنة سيئةً فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
فأنت تريد أن تُحسِن فإذا بك تسيء وإذا بك تضل عن سبيل الله -بسبب هذه الأمور التي خالفت شرع الله
• وَكِتَابُ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْبُخَارِيِّ.
• وَكِتَابُ الرَّدِّ عَلَى الجّهْميَّة لِعُثْمَانِ بْنِ سَعِيدٍ الدارمي وَغَيْرِهِمْ.
• وَكَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيِّ صَاحِبِ الْحَيْدَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الجّهْميَّة.
• وَكَلَامُ نُعَيْمٍ بْنِ حَمَّادٍ الخزاعي.
• وَكَلَامُ غَيْرِهِمْ وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ. وَقَبْلُ: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. وَعِنْدَنَا مِنْ الدَّلَائِلِ السَّمْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ مَا لَا يَتَّسِعُ هَذَا الْمَوْضِعُ لِذِكْرِهِ. "
إذاً بما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من هذه الكتب دليل على أن هذه هي عقيدة السلف، وبحمد الله أكثر هذه الكتب اليوم موجودة ومطبوعة، وقام من قام على إخراجها وطبعها وتحقيقها عدد من طلبة العلم، فهي حجة على كل إنسان.
فلا يقول إنسان: هذه عقيدة ابن تيمية أو عقيدة الوهَّابية، كما يزعم بعض المخالفين لعقيدة أهل السنة، والذين من عادتهم السب والشتم، فهذه العقيدة بحمد الله محفوظة، وهذه كتب الأوائل ممن كانوا في القرن الثالث والقرن الرابع والقرن الخامس، قبل ابن تيمية.
فهل ابن تيمية ﵀ جاء بشيءٍ من عنده؟ فأقرب الكتب إليك كما ذكر كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السُنَّة للالكائي، وهو شافعي، انظر في هذا الكتاب واقرأ فيه، فقد ذكر جملة كبيرة من كلام السلف الصالح بما يؤكد أن هذه العقيدة هي عقيدة أهل السُنَّة والجماعة وليست أمراً مستحدثاً.
وشيخ الإسلام ابن تيمية كان جهده وطريقته هي: أنه يؤصل هذه المسائل ويرجعها إلى الحق والصواب الذي كان عليه السلف، فهذا هو جهده ﵀، ولذلك بارك الله في كتبه فانتشرت، بالرغم أن الأشاعرة كانوا يتتبعونها ويحاربونها ويسعون إلى إحراقها، حتى كان بعض أهل السُنَّة يخفي هذه الكتب من خلال بعض الكتب.
стр. 291
فكثير من كتب شيخ الإسلام وجدت في ضمن الكواكب الدراري، فأخفاها مصنف الكواكب الدراري خوفاً من إحراق الأشاعرة والصوفية لكتب شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإذاً ما جاء به شيخ الإسلام يرشد إلى أن هذا الأمر محفوظ بحمد الله، وللأسف فإن البعض من طلبة العلم إذا جئت تنصحه بمثل هذا الكتب يبخل على نفسه في شراءها، ويبدأ يشترى الكتيبات الصغيرة، ويقبل عليها، وما علم هذا الطالب أنه غداً إن شاء الله سيكون في مصاف العلماء، وقد يعود إلى المكان الذي هو فيه ويكون أعلم من في هذا المكان، فما ينبغي له أن يكون نصف طالب عالم.
ولذلك فإن الناس كانت تقول: "ما أفسد الدنيا والدين إلا أربعة: نصف متكلم، نصف فقيه، نصف لغوي، نصف طبيب "
فينصح دائماً أن تقتني طالب العلم مثل هذه الكتب، فهي الأصول، وهي المعتمد في هذا الباب، فينبغي على الإنسان أن يقتنيها في مكتبته وأن يقرأها ويكثر من قراءتها ويجعلها هي في المقام الأول في أول ما يقتني من كتب الاعتقاد.
وهكذا كتاب الإبانة لابن بطة مطبوع، وكلام ابن عبد البر تجده في (التمهيد) و (الاستيعاب) و (الاستذكار)، كل هذه كتب دوَّن فيها ابن عبد البر عقيدة أهل السنة، وفي التمهيد كلام كثير فيه خاصٌّ بشرح حديث النزول، فاقرأ كلام ابن عبد البر عند شرح حديث النزول، تجد أنه دَوَّن كثيراً من عقيدة أهل السُنَّة في هذه المسائل.
وكذلك كتاب الأسماء والصفات للبيهقي موجود، وكذلك ابن مندة له كتاب التوحيد وله كتاب الإيمان، وكذلك السُنَّة للخلال مطبوعة، وكذلك التوحيد لابن خزيمة مطبوع، وكذلك الرد على الجّهْميَّة مطبوع.
كلُّها أو جلُّ هذه الكتب بحمد الله موجودة ومطبوعة، فينبغي على طالب العلم أن يحرص على اقتنائها؛ لكي من جهة نفسه هنا يطْمئِن إلى أن هذه عقيدة أهل السُنَّة والجماعة، ويتأكد ويتثبَّت، وكي يحفظ مثل هذه الأقوال ويعرف أنها عقيدة أهل السنة، وإن كان طرأ على هذا قرون، أنها قد أبعدت الناس عن السُنَّة وعن اتباع السنة، لكن هذا لا يعني أن هذا لم يكن عقيدة السلف، ودور شيخ الإسلام ابن تيمية إنما هو إحياؤها، فما جاء بشيءٍ من عنده، إنما أحيا هذه العقيدة وبصَّر الناس بها، وأرجع الناس إليها ودلَّهم عليها كما دلَّك الآن على هذه الأسماء، فهذا هو دوره "إحياؤها".
стр. 292
ولكي يبصِّر الناس بأن هذا الشيء الذي أحدثه هؤلاء هو البدعة، ولكن للأسف أصبحت السُنَّة بدعة والبدعة سُنَّة في وقت انتشرت فيه الجّهْميَّة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية، وإلى يومنا هذا لايزال الصراع بين السُنَّة وبين هؤلاء المبتدعة قائم وعلى أشده، ولذلك طالب العلم قد يكون في حيرة من هذا.
فنقول له: لا تحتار، المقارنة بسيطة، فالقوم يزعمون أن هذه عقيدة مستحدثة وأن هذه عقيدة جديدة، وأنها جاءت من عند هذا الرجل ابن تيمية، فنقول له: بحمد الله هذه الكتب مطبوعة ومخدومة وموجودة، اعقد مقارنة بين ما يقوله هؤلاء ويقوله هؤلاء، تجد أن الحق في صف شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه مسألة كما يقول: العاقل يسير فينظر، يعني أن على العاقل الذي يريد الحق أن يبحث فينظر ويعقد المقارنة بين ما جاء به ابن تيمية وبين ما يقوله هؤلاء، فسيجد أن عقيدة هؤلاء إنما أصلها عقيدة الجّهْميَّة وقول الجّهْميَّة، وأن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ليس إلا تجديداً لما قاله السلف الصالح رضوان الله عليهم.
والأشاعرة بأنفسهم يقولون:
«وكل خيرٍ في اتباع من سلف … وكل شرٍ في ابتداع من خلف» (١)
هذه يقولها صاحب الجوهرة، فإن كانوا يقولون هذا ولا يطبقونه، فاعلم أن الخير في اتباع السلف، وأن الشر في ابتداع هؤلاء الخلف.
стр. 293
(٥١) "وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ الْنُّفَاةِ لَهُمْ شُبُهَاتٌ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنْ لَا يُمْكِنُ ذِكْرُهَا فِي الْفَتْوَى فَمَنْ نَظَرَ فِيهَا وَأَرَادَ إبَانَةَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الشُّبَهِ فَإِنَّهُ يَسِيرٌ. "
وهناك دلائل سمعية وعقلية في هذه المسائل كثيرة، المصنف لم يبسطها هنا، ولها مضامين لا تتسع لها هذه الفتوى لكن تم بسطها وشرحها في كتاب أخرى منها كتاب درء تعارض العقل والنقل، ومثل كتاب نقض تأسيس الجّهْميَّة، وبعض الكتب الأخرى التي حواها مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية حيث تعرَّض لهذه المسائل ببسط أكبر من هذا، ولكن هنا أراد التنبيه على مجمل القضايا، وقال إن هؤلاء لهم شُبه يذكرونها، وطبعاً هذه الشُبه لها أجوبة، فبحمد الله أئمة السلف تعرَّضوا لهذه الشُبه وردُّوا عليها وفنَّدوها وبيَّنوها.
فمنهج السلف في التأليف على قسمين:
القسم الأول: منهج العرض.
والقسم الثاني: منهج الردِّ.
فهناك كتب تسلك منهج عرض المسائل، عرض تقرير للحق فيها دون التعرض لأقوال المخالفين والرد عليهم.
وهناك كتب تسلك منهج الرد، وذلك بأن يأتي بشُبه المخالف وتنقدها وترد عليها، كما رد الدارمي وكما رد الإمام أحمد، وغيرهم كثير، كما رد الإمام البخاري، ردوا على الجّهْميَّة وبينوا فساد شبههم، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكر من شُبه فإنه يسير وينظر.
стр. 294
(٥٢) "فَإِذَا كَانَ أَصْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ -مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّأْوِيلِ-مَأْخُوذًا عَنْ تَلَامِذَةِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ وَالْيَهُودِ فَكَيْفَ تَطِيبُ نَفْسُ مُؤْمِنٍ -بَلْ نَفْسُ عَاقِلٍ-أَنْ يَأْخُذَ سَبِيلَ هَؤُلَاءِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ أَوْ الضَّالِّينَ وَيَدَعَ سَبِيلَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؟ "
خلاصة ما يريد أن يقرِّره شيخ الإسلام في هذه المقدمة، أن أصل مقالة القوم هي مقالة المشركين والصابئة واليهود، وهي هي نفس مقالة الجّهْميَّة التي تصدَّى لها السلف، فكيف تطيب نفس مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم والضالين ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين؟ كيف تطيب نفسك بعدها؟ وكيف يقبل العاقل أن يسير على نهج هؤلاء ويترك نهج الأنبياء والمرسلين ونهج الصالحين من أئمة السلف.
فمثل هذا أراد المصنف أن يبيِّنَهُ قبل الخوض في هذه المسألة؛ أي في مسألة الصفات، والعاقل الذي يتجرَّد عن الهوى ومراده أن يكون محقِّقاً لأمر الله ولشرع الله تعالى ومصدِّقاً لما أخبر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ويريد الاتباع، فإن عليه أن يعرف أين الحق في هذا الباب ويعرف كيف يسلك في هذا الباب؛ لأن الاختلاف حاصل وقائم، وعلى الإنسان أن يميز بين الحق والباطل.
وأقول هنا: هذا الأمر يدركه من كان أقل الناس علماً، صنف يقول: «الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة»، وصنف يقول - كما ترى وكما سمعت - يقول بالمعقولات، فبعد هذا في أي الصفين ومع أي الفريقين تكون؟
والله تعالى سيسألنا عن هذا الأمر، وقد استحفظنا هذا الدين، فطلبة العلم هم ورثة الأنبياء، وهذا الدين كما كان أمانة بأيدي الرسل والأنبياء، وكما كان أمانة بأيدي سلف الأمة رضوان الله عليهم، فهو الآن بين أيدينا، فإما أن ندعو للحق ونكون من أنصاره ومن أتباعه، وإما أن ندعو إلى الباطل ونكون من حزب هذا الباطل.
والله وليُّ كل إنسان بما يعلم وبما يعمل، وسيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
стр. 295
فَصْلٌ:
(٥٣) "ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁ لَا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. "
شرع المصنف رحمه الله تعالى في بيان معتقد أهل السُنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات، وبيان بطلان عقائد المعَطِّلَة والمشبِّهة، فقال هنا: «ثُمَّ الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ»، فعقيدة أهل السُنَّة والجماعة تقوم على أساس أن الأصل في هذا الباب هو الكتاب والسنة، فما سمَّى الله به نفسه في كتابه أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، فإن هذا أمرٌ يجب إثباته؛ لأن الوحي دائرٌ بين أمرين: إما الإخبار وإما الأوامر.
والإخبار يُقابَل بالتصديق، والأوامر تقابَل بالانقياد، فالشريعة والوحي بين الخبر والأمر، فالله أخبرنا في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بشيءٍ من أسماءه وصفاته ، فإذاً كل ما ورد في كلام الله أو كلام رسوله ﷺ من أسماء الله وصفاته فإن هذا حقٌ يجب إثباته لله على الحقيقة.
فالأساس الأول من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتا ونفيا.
وهذا الأساس لابد فيه من مراعاة إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.
стр. 296
فالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلاً وأبين دليلاً من غيره) (١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ (٥)، فالله ، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.
ولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ ، الذي قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٦)، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلاً على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.
كما يجب الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام.
فالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.
وهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.
وهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع،
стр. 297
فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل.
كما يجب رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات.
فالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (١).
فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.
فمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (٢).
وبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلاً على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.
فالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.
ولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.
لشيخ الإسلام ابن تيمية كلامٌ نافعٌ في أحوال المخالفين لما عليه السلف في باب الصفات يقول فيه:
(فإن قيل: قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة
стр. 298
بما جاء عن الرسول، وأقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين، وما بلغوه عن الرسول؛ ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك.
قيل: هؤلاء أنواع:
(النوع الأول): نوع: ليس لهم خبرة بالعقليات، بل هم يأخذون ما قاله النفاة من الحكم والدليل، ويعتقدونها براهين قطعية، وليس لهم قوة على الاستقلال بها، بل هم في الحقيقة مقلِّدون فيها، وقد اعتقد أقوال السلف أولئك، فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقاً لهم، وإما أن يُعرِضوا عنه مفوضين لمعناه.
وهذه حال مثل أبي حاتم البستي، وأبي سعد السمان المعتزلي، ومثل أبي ذر الهروي، وأبي بكر البيهقي، والقاضي عياض، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي الحسن علي ابن المفضل المقدسي، وأمثالهم.
(النوع الثاني) والثاني: من يسلك في العقليات مسلك الاجتهاد ويغلط فيها، كما غلط غيره، فيشارك الجهمية في بعض أصولهم الفاسدة، مع أنه لا يكون له من الخبرة بكلام السلف والأئمة من هذا الباب ما كان لأئمة السنة، وإن كان يعرف متون الصحيحين وغيرهما.
وهذه حال أبي محمد بن حزم، وأبي الوليد الباجي، والقاضي أبي بكر بن العربي وأمثالهم، ومن هذا النوع: بشر المريسي ومحمد بن شجاع الثلجي، وأمثالهما.
(النوع الثالث) ونوع ثالث: سمعوا الأحاديث والآثار وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض.
وهذا حال أبي بكر بن فورك، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل وأمثالهم.
ولهذا كان هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل، كما فعله ابن فورك وأمثاله في الكلام على مشكل الآثار.
وتارة يفوضون معانيها، ويقولون: تجري على ظواهرها، كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك.
وتارة يختلف اجتهادهم، فيرجحون هذا تارة وهذا تارة، كحال ابن عقيل وأمثاله.
стр. 299
وهؤلاء قد يُدخِلون في الأحاديث المشكلة ما هو كذب موضوع، ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال، مثل أن يكون رؤيا منام، فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج.
(النوع الرابع): ومن الناس: من له خبرة بالعقليات المأخوذة عن الجهمية وغيرهم، وقد شاركهم في بعض أصولها، ورأى ما في قولهم من مخالفة الأمور المشهورة عند أهل السنة؛ كمسألة القرآن والرؤية، فإنه قد اشتهر عند العامة والخاصة أن مذهب السلف وأهل السنة والحديث: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، فأراد هؤلاء أن يجمعوا بين نصر ما اشتهر عند أهل السنة والحديث، وبين موافقة الجهمية في تلك الأصول العقلية، التي ظنها صحيحة، ولم يكن لهم من الخبرة المفصلة بالقرآن ومعانيه، والحديث وأقوال الصحابة، ما لأئمة السنة والحديث، فذهب مذهباً مركباً من هذا وهذا، وكلا الطائفتين ينسبه إلى التناقض.
وهذه طريقة الأشعري وأئمة أتباعه، كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأمثالهما.
ولهذا تجد أفضل هؤلاء - كالأشعري -؛ يذكر مذهب أهل السنة والحديث على وجه الإجمال، ويحكيه بحسب ما يظنه لازماً، ويقول: إنه يقول بكل ما قالوه، وإذا ذكر مقالات أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم، حكاها حكاية خبير بها عالم بتفصيلها.
وهؤلاء كلامهم نافع في معرفة تناقض المعتزلة وغيرهم، ومعرفة فساد أقولهم، وأما في معرفة ما جاء به الرسول، وما كان عليه الصحابة والتابعون، فمعرفتهم بذلك قاصرة.
وإلا فمن كان عالماً بالآثار وما جاء عن الرسول وعن الصحابة والتابعين، من غير حسن ظن بما يناقض ذلك، لم يدخل مع هؤلاء:
إما لأنه علم من حيث الجملة أن أهل البدع المخالفين لذلك مخالفون للرسول قطعاً، وقد علم أنه من خالف الرسول فهو ضال، كأكثر أهل الحديث.
أو علم مع ذلك فساد أقوال أولئك وتناقضها، كما علم أئمة السنة من ذلك ما لا يعلمه غيرهم؛ كمالك وعبد العزيز الماجشون وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الله بن إدريس وعبد الرحمن بن
стр. 300
مهدي ومعاذ بن معاذ ويزيد بن هارون الواسطي ويحيى بن سعيد القطان وسعيد بن عامر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبي عبد الرحمن القاسم بن سلام ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن حجاج النيسابوري والدارميين: أبي محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن وعثمان بن سعيد وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وأبي داود السجستاني وأبي بكر الأثرم وحرب الكرماني، ومن لا يحصي عدده إلا الله من أئمة الإسلام، وورثة الأنبياء وخلفاء الرسل؛ فهؤلاء كلهم متفقون على نقيض قول النفاة، كما تواترت الآثار عنهم وعن غيرهم من أئمة السلف بذلك من غير خلاف بينهم في ذلك) (١).
مسألة: يجب أن يُعْلَم أن توحيد الأسماء والصفات يشتمل على ثلاثة أبواب:
الباب الأول: باب الأسماء
الباب الثاني: باب الصفات
الباب الثالث: باب الإخبار
فنحن إذا وقفنا وقفةَ تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية:
أولاً: أن الله أطلق على نفسه أسماء ك (السَّميع) و (البصير)، وأوصافاً ك (السمع) و (البصر)، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها؛
• فقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١].
• وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ١٥].
فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أن مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أي صورة ورد.
ثانياً: وأطلق على نفسه أفعالاً ك (الصُّنع) و (الصِّبغة) و (الفعل) ونحوها.
• قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ [النمل ٨٨].
• وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة ١٣٨]
• وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧].
لكنه لم يَتَسَمَّ ولم يصف نفسه بها ولكن أخبر بها عن نفسه، ممَّا يدل على أنَّها تخالف الأوَّل في الحكم فوجب الوقوف فيها على ما ورد.
стр. 301
ثالثاً: ووصف نفسه بأفعال في سياق المدح ك (يريد) و (يشاء)
• فقال جلَّ شأنه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥].
• وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٩].
إلا أنه لم يشتق له منها أسماء فدل على أن هذا النوع مخالف للقسمين الأولين، فوجب رده إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ
رابعاً: ووصف نفسه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء.
• فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ [النساء ١٤٢].
• وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه﴾ [الأنفال ٣٠].
ولم يشتق منها أسماء له تعالى فدل ذلك على أن مثل هذه الأفعال لها حكمٌ خاصٌ فوجب الوقوف على ما ورد.
فهذه الحقائق السابقة قررت عند العلماء النتائج التالية:
١. أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي (باب الأسماء) و (باب الصفات) و (باب الإخبار)
٢. أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسماً صحَّ صفة وصحَّ خبراً وليس العكس.
٣. باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صحَّ صفة فليس شرطاً أن يصحَّ اسماً، فقد يصحُّ وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته.
٤. أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، فالله يُخْبَرُ عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ (الشيء) و (الموجود) و (القائم بنفسه) و (المعلوم)، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
فباب الأسماء والصفات توقيفيان، فالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .
فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته.
وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.
وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقاً (١)
стр. 302
قال الإمام أحمد ﵀: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ " (١)
أما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:
القول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص ك (الشيء) و (الصنع) ونحوها.
وأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (٢).
القول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، ك (الشيء) و (الموجود) و (القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسناً، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (٣) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله وجب رده (٤).
مسألة: الألفاظ المجملة وحكم دخولها في باب الصفات وموقف أهل السنة من استعمالها.
стр. 303
يمكن تقسيم الألفاظ المجملة-أي التي لم يرد استعمالها في النصوص-على النحو التالي:
أولاً: ألفاظ ورد استعمالها ابتداءً في بعض كلام السلف.
ومن أمثلة ذلك لفظ (الذات) و (بائن)
وهذه الألفاظ تحمل معاني صحيحة دلت عليها النصوص
وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها.
وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب.
والصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع.
كقول أهل السنة: "إن الله استوى على العرش بذاته" فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.
وكقولهم: "إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم" فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت به الألفة، وما كان معروفاً حصلت به المعرفة" (١).
وقال أيضاً: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل
ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه، ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل" (٢)
فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:
القسم الأول: الألفاظ المأثورة وهي التي وردت بها النصوص.
القسم الثاني: الألفاظ المعروفة وهي التي بُيِّنَت معانيها.
القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة التي تدل على معنى باطل.
القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة التي تحتمل الحق والباطل.
فلفظ (الذات) و (بائن) هي من القسم الثاني.
وهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات، ولذلك لما اعترض الخطابي على استعمالها بقوله: "وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال
стр. 304
له: إنما أُحْوِجْنَا إلى أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز رَدُّها. فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود، كما نقول يد لا كالأيدي؟! " (١)
فرد شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الخطابي من وجوه منها: "أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم. وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شيء من الموصوفات-كما وصف باليد والعلم-صفة معينة يقال لها الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشيء عن غيره من صفته وقدره" (٢)
فأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته" (٣)
ثانياً: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها.
ومن أمثلة ذلك: لفظ (الحد) ولفظ (المماسة)، فإطلاق السلف لها ليس من باب الصفات وإنما هو من باب الإخبار، ولهم في حال الإثبات والنفي توجيه ليس هذا محل بسطه.
ثالثاً: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.
ومن أمثلة ذلك: لفظة (الجهة).
رابعاً: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.
ومن أمثلة ذلك: لفظ (الجسم) و (الحيز) و (واجب الوجود) و (الجوهر) و (العرض).
وأما النوعان الثالث والرابع فالجواب عن ذلك أن نقول الأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان:
النوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع.
فهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحاً استحق صاحبه المدح، وإن كان ذماً استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق
стр. 305
وهذا:
• كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤].
• وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِن﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٣]، ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته.
• وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
• وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣].
• وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٣]،
وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ ، فهذا كله حق.
النوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع.
فتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و (الحيز) و (الجهة) و (الجوهر) و (العرض) (١).
فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أموراً مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلماً، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسماً متحيزاً، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلماً فوق العرش وأمثال ذلك (٢)
الموقف من هذا النوع: "إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:
١. أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت.
٢. وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفياً وإثباتاً. ولكن
стр. 306
يلاحظ أن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع، وأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقاً وباطلاً، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها" (١)
ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ.
١. فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها.
أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعياً إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق.
وهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة.
وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة
وبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم، فلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ : "تجيء البقرة وآل عمران"، وأمثال ذلك من الأحاديث.
أجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم ولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلاماً غير مخلوق لزم أن يكون جسماً.
فأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل
стр. 307
في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله، وأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفواً أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها.
فهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعياً.
٢. وأما إذا كان المناظر معارضاً للشرع بما يذكره، أو ممن لا يمكن أن يرد إلى الشريعة.
مثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك، أو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء.
فهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:
١ - بألفاظهم
٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وحينئذ يقال لهم الكلام إما:
أ-أن يكون في الألفاظ.
ب-وإما أن يكون في المعاني.
ج-وإما أن يكون فيهما.
فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقاً ومعشوقاً ونحو ذلك.
فهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسناً.
وإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفاً من التشبه بهم في الثياب.
стр. 308
٣. وأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة.
فإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفياً وإثباتاً بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و (الجسم) و (العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحاً يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعاً. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك.
وأيضاً: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئاً، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله.
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة" (١).
стр. 309
(٥٤) «وَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ».
يشير هنا المصنف رحمه الله تعالى إلى وسطية أهل السُنَّة والجماعة، ووسطية السلف بين فريقين ضَلَّا في هذا الباب، وهما المعَطِّلَة من جهة بطوائفهم من أهل الفلاسفة وأهل الكلام كالجّهْميَّة والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، والممثِّلة والمشبِّهة من جهة كالكرامية والهشامية وغيرهم.
توحيد الأسماء والصفات له ضدان هما:
ا-التعطيل.
٢ - التشبيه والتمثيل.
فمن نفى صفات الرب وعطلها، فقد كذب تعطيله توحيده.
ومن شبهه بخلقه ومثله بهم، فقد كذب تشبيهه وتمثيله توحيده (١).
معنى قوله: "من غير تحريف ولا تعطيل":
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة أهل التعطيل، وهذه العبارة يمكن توضيحها من خلال النقاط الآتية:
أ-معنى التحريف وبيان أنواعه:
ا-معنى التحريف:
التحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة.
فهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه إذا أملته وغيرته.
والتحريف شرعًا: الميل بالنصوص عما هي عليه، إما بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.
стр. 310
أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (١).
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.
٢ - أنواع التحريف:
التحريف نوعان:
النوع الأول: تحريف اللفظ:
وتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:
ا-الزيادة في اللفظ.
٢ - النقصان في اللفظ.
٣ - تغيير حركة إعرابية.
٤ - تغيير حركة غير إعرابية.
ومن أمثلة تحريف اللفظ:
المثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٢) من الرفع إلى النصب، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣) فبهت المحرف.
مثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٤) وقصد بهذا التحريف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (٥).
النوع الثاني: تحريف المعنى:
وتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (٦). أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.
وهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا وتوسعوا وسموه
стр. 311
تأويلاً، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة (١).
ومن أمثلة تحريف المعنى:
كقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢).
وفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ (٣) النعمة والقدرة.
وفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (٤) وجاء أمر ربك.
وقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه، ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.
وقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (٥).
وأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.
وأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.
فأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.
فأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (٦).
وأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.
стр. 312
فإذاً «من غير تحريفٍ»، أي من غير تغيير في ألفاظ النصوص أو معانيها، فيبقى اللفظ على صورته ويبقى على معناه الذي جاءت به لغة العرب، لا نغيِّر ولا نبدِّل.
وقول المصنف: «ولا تعطيل».
معنى التعطيل:
التعطيل لغة: مأخوذ من "العطل": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (١) أي أهملها أهلها وتركوا وردها (٢).
والتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.
القسم الثاني: تعطيل عبادته ، أي ما يجب له على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله .
القسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (٣).
وهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.
فالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.
أو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (٤).
وقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى "المعطلة".
وينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:
القسم الأول: الفلاسفة.
وهم صنفان:
الصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.
الصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:
أ-رافضية. ب-صوفية.
стр. 313
والقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.
وهم خمسة أصناف:
ا-الجهمية.
٢ - المعتزلة.
٣ - الكلابية.
٤ - الأشاعرة.
٥ - الماتريدية.
والتعطيل - كما ذكرنا - أعمُّ من التحريف، فمثلاً يأتي صاحب الفلسفة فيقول: هذه النصوص مجرد وهم وخيال ولا حقيقة لها، فيعطلها دون الحاجة إلى تحريفها، وبهذا يكون قد عَطَّل دون أن يحرِّف، أو مثلاً كما يفعلون في التفويض؛ لأن التفويض كذلك صورة من صور التعطيل؛ لأنه في الحقيقة إنكار للصفة دون تحديد لمعنى آخر لهذه الصفة.
فيأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول: الله أعلم بمراده، ولذلك يقول قائلهم:
وكل لفظ أوهم التشبيها … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْه ورم تنزيها
فهم في النتيجة سواء، إن أوَّلت وإن فوَّضت، فالنتيجة واحدة وهي ماذا؟ تنزيه الله جل وعلا عن أن يوصف بهذه الصفات.
فعلى هذا يكون التعطيل أعمُّ من التحريف، والتحريف إنما هو صورة من صور التعطيل، لأن مسالك التعطيل كما سيأتي تنقسم إلى مسلكين:
المسلك الأول: مسلك التبديل.
المسلك الثاني: مسلك التجهيل.
ومسلك التبديل:
ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مسلك التخييل.
القسم الثاني: مسلك التحريف والتأويل.
ومسلك التجهيل كذلك ينقسم إلى قسمين وكل هذا إن شاء الله سيأتي في حينه، لكن أن يفهم هنا أن التعطيل أَعَمُّ من التحريف، فكل محرِّفٍ معطِّل، ولكن ليس كل معطلٍ محرف.
стр. 314
فمثلاً قد تقرأ لأحد من الأشاعرة أنه يأتي إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقول الله أعلم بمراده، فهنا لا يظن أنه نجا من التعطيل، إنما هو توقف بمسألة التحريف التي هي مسألة التأويل عنده، فهو إن كان قد ترك مسلك التحريف لكنه لجأ إلى مسلك التعطيل الذي نسميه التجهيل، وهذه المسالك ستأتي في حينها.
فإذاً «من غير تحريف ولا تعطيل»، أي من غير أن نبدل أو نغير في ألفاظ النصوص أو في معانيها، ومن غير أن ننكر شيئاً من أسماء الله وصفاته.
فهذا ردٌ على المعَطِّلَة، لأن المعَطِّلَة منهم من حرَّف، وكلهم متفقون في النتيجة وهي التعطيل، أي إنكار تلك الصفات أو بعضها.
فقوله هنا: «مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ» هذا ردٌ على المعَطِّلَة، والتعطيل أعمُّ من التحريف، فكل محرِّف معطل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المعطِّل محرِّفاً.
وهؤلاء المعَطِّلَة وضعوا هنا اصطلاحات أرادوا بها أن يمرِّروا هذا الباطل على النصوص، وهو ما يسمَّى «بالمجاز والتأويل»، فأحدثوا اصطلاحاً هو «التأويل»، وأحدثوا اصطلاحاً هو «المجاز» وفي هذين الأمرين أرادوا أن يلبِّسوا على الناس في هذه النصوص بغية تحريفها وتبديلها من حيث معانيها.
وأما قول المصنف: «ومن غير تكييف ولا تمثيل».
هذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.
"فالتكييف" هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (١).
مثال ذلك: قول الهشامية عن الله: "طوله كعرضه " (٢).
أو قولهم: " طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه".
وعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.
فالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.
وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.
ولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.
فكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.
стр. 315
وليس كل تكييف تمثيلاً، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.
ومعنى قول أهل السنة: "من غير تكييف" أي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: "من غير تكييف" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (١).
فمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولاً بما لا يمكننا الإحاطة به.
وقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.
"ولا تمثيل":
المثيل لغة: هو الند والنظير.
والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.
وهو قول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
والتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (٢).
فالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.
والمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.
ولكن التعبير هنا بنفي "التمثيل" أولى لموافقة لفظ القرآن.
في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ (٤).
وقد وقع في التمثيل والتكييف "المشبهة" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.
التمثيل نزعة يهودية الأصل، "فإن اليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه" (٥)
стр. 316
فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله رداً على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وأول ظهوره في هذه الأمة على يد الرافضة الغلاة. قال البغدادي ﵀: "وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة" (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (٢) " (٣).
ولعل سبب ظهور مقالة التمثيل راجع إلى أمرين:
الأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب -وخاصة اليهود-في مقالاتهم؛ حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل البارئ سبحانه بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم. قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) التوبة: ٣٠.
فاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق. وكذلك جرى في هذه الأمة -كما سيأتي عند ذكر فرق الممثلة - قال ﷺ : «لتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب تبعتموهم، قلنا: با رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (٤).
الأمر الثاني: مقابلة التعطيل بضده، فقد ظهر مذهب التعطيل فقوبل بالتمثيل، وإلى هذا المعني بشير الذهبي ﵀-بقوله: (وظهر بخراسان: الجهم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن
стр. 317
سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم) (١).
قال ابن رجب الحنبلي": وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالماً بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه. " (٢)
إلى أن قال ﵀: "وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيراً مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة: وقولهم لو كان له كلام يسمع لكان جسما ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديماً وحديثاً. وهو أيضاً مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (٣). "
قال ابن رجب الحنبلي: "الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزاً ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حباً للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا. " (٤)
стр. 318
مقصود المخالفين بمعنى التشبيه:
التشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (١).
ومقصود المتكلمين بنفي التشبيه:
أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (٢).
وأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتاً في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقاً كلياً، بل لا يوجد إلا معيناً مختصاً، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معيناً مختصاً به.
فإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصاً به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.
وبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (٣).
أقسام التمثيل:
قال ابن القيم: "حقيقة الشرك هو:
١ التشبه بالخالق.
٢ التشبيه للمخلوق به.
هذا هو التشبيه في الحقيقة" (٤).
وإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:
стр. 319
أولاً: التمثيل في جانب الربوبية
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:
١ شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.
٢ شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.
ولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، -فضلاً عن غيره-شبيهاً لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
فمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (١).
القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:
١ من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (٢).
ففي الصحيح عنه ﵁ قال: "يقول الله : العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذبته".
ثانياً: التمثيل في جانب الألوهية.
وينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:
السجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.
فمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:
١ غاية الحب
٢ مع غاية الذل
هذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين.
стр. 320
فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.
فإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.
ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.
ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.
ومنها الحلف باسمه تعظيماً وإجلالاً له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (١).
القسم الثاني: التشبه به، ومثاله:
من دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفاً، ورجاءً، وتوكلاً، والتجاءً، واستعانةً (٢)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.
أقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:
ينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:
القسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.
وهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق وجعلوه إلهاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله" (٣).
ومن هذا القسم كذلك السبيئة (٤) من غلاة الروافض: الذين شبهوا علياً ﵁ بالله، وجعلوه إلهاً، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.
فقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم