← Акыда

Акыда · id 30017

المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 219 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

القول الثالث: أن المراد بالكرسي قدرته التي يمسك بها السموات والأرض (١). ويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسياً، أي اجعل له ما يعمده ويمسكه (٢). القول الرابع: أن الكرسي هو الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت (٣). وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين في علم الهيئة من الفلاسفة المنسوبين للمسلمين كابن سينا وغيره وهؤلاء هم الذين قالوا إن العرش هو الفلك التاسع.

стр. 597

القول الخامس: إن الكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ (١). وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن والسنة والإجماع ولغة العرب التي نزل القرآن بها. فالأحاديث والآثار الثابتة على هذا وبينته بياناً واضحاً لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار: حديث أبي ذر الغفاري ﵁ قال: دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت يا رسول الله: أيما أنزل عليك أفضل؟ قال: "آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" (٢). وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (رقم ١٠٩) بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث: "وجملة القول إن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ وهو صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه قائم بنفسه وليس شيئاً معنوياً وفيه رد على من تأوله بمعنى الملك وسعة السلطان". وأيضاً ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد" (٣). وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين منهم ابن مسعود (٤)، وأبو موسى الأشعري (٥)،

стр. 598

ومجاهد (١)، وغيرهم. ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب والسنة وإجماع السلف" (٢). وقال شارح العقيدة الطحاوية: "وإنما هو-الكرسي-كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه" (٣). وقال محمد بن عبد الله بن زمنين: "ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش وأنه موضع القدمين" (٤). وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه" (٥). كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى الكرسي غير هذا المعنى، قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السموات والأرض" (٦). وقال ثعلب: "الكرسي ما تعرفه العرب من كراسي الملوك" (٧). ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول وموافقته للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها. وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس، فهو غير صحيح كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين .... "، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها.

стр. 599

وأما القول الثاني: إن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جوبيراً وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جداً". وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جوبير، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره" (١). وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه" (٢). ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم. أما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو أيضاً تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي. وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول كما ذكره ابن كثير وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.

стр. 600

ثم قال: «باب الإيمان بالحجب: قال: ومن قول أهل السُّنَّة: أن الله بائنٌ من خلقه، يَحتجب عنهم بالحُجب، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا؛ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]، وذكر آثارًا في الحُجُب». من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنَّ الله مُحتجب عن خلقه بالحُجُب، لا يَستطيع أن يَراه أحد في الدنيا؛ لأن الأبصار والأجسام خُلِقت في الدنيا للفناء، فلو كشف الله هذه الحُجُب حال وجود الناس في الدنيا لأَحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، ولاندكَّت كما اندك جبل موسي؛ والله أعلم بكيفية هذه الحجب ومقدارها، لكن يوم القيامة تُرَكَّب الأبصار للبقاء وتُعطى قوة لم تكن لها حال خلقها في الدنيا؛ لذا تحتمل النظر إلى جَبَّار السموات والأرض. وقد جاءت الأدلة بإثبات الحجب؛ ومن ذلك قوله : ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب﴾ [الشوري: ٥١]. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «قام فينا رسولُ الله بخمس كلماتٍ فقال: «إنَّ الله لا يَنام ولا يَنبغي له أن ينام؛ يَخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل. حجابه النور، وفي رواية: النار، لو كَشَفه لأحرقت سُبُحات وجهه (١) ما انتهى إليه بصرُه من خلقه» (٢). والنصوص والآثار في ذلك كثيرة، وقد عقد الأئمة في هذا الموضوع أبوابًا وأوردوا فيه النصوص والآثار الدالة على ذلك؛ قال الإمام الدارمي في كتابه «الرد على الجهمية» (ص ٧١ - ٧٣): «باب الاحتجاب»، وساق بعض النصوص والآثار في ذلك، ثم قال: «مَنْ يَقدر قَدْرَ هذه الحجب التي احتجب الجَبَّار بها؟ ومَن يعلم كيف هي غير الذي أحاط بكل شيء علمًا، ﴿وأحصى كل شيء عددًا﴾ [الجن: ٢٨]؟ ففي

стр. 601

هذا-أيضًا-دليل أنَّه بائن من خلقه، مُحتجب عنهم، لا يَستطيع جبريلُ مع قُربه إليه الدُّنُوَّ من تلك الحُجُب، وليس كما يقول هؤلاء الزائغة: إنَّه معهم في كل مكان، ولو كان كذلك ما كان للحُجُب هناك معنى؛ لأن الذي هو في كل مكان لا يَحتجب بشيء من شيء، فكيف يَحتجب مَنْ هو خارج الحجاب كما هو مِنْ ورائه؟ فليس لقول الله : ﴿مِنْ وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] عند القوم مِصداقٌ!».

стр. 602

«ثم قال في باب (الإيمان بالنزول): قال: ومِن قول أهل السُّنَّة: أن الله ينزل إلى السَّماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره. إلى أن قال: وأخبرنا وهب، عن ابن وضاح، عن زهير بن عَبَّاد، قال: «مَنْ أدركتُ من المشايخ-مالك، وسفيان الثوري، وفُضيل بن عِياض، وعيسى، وابن المبارك، ووكيع-: كانوا يقولون: النزول حقٌّ». قال ابن وضَّاح: سألت يوسف بن عدي عن النُّزول، قال: «نَعم. أُومن به، ولا أَحُدُّ فيه حدًّا». وسألت عنه ابنَ مَعين، فقال: «نعم، أُقِرُّ به ولا أَحُدُّ فيه حدًّا». مسألة النزول من المسائل التي خالفَ فيها المعطِّلةُ أهلَ السُّنَّة، ولا شك أن الذي يُنكر عُلُوَّه- -سيُنكر نزولَه، فلذلك في صفة نزول الله تعالى، قال بعضهم: «المراد: نزول رحمته، أو قُدرته، أو مَلَك من ملائكته»، وأخذوا يُؤَوِّلون النزول، مع أن أحاديث النزول- بحمد الله- ثابتة، بل متواترة عن قُرابة سبعة وعشرين صحابيًّا من أصحاب النبي ﷺ ؛ قال الإمام اللالكائي: «سِياق ما رُوي عن النبي ﷺ في نُزول الرب ﵎؛ رواه عن النبي ﷺ عِشرون نفسًا»، ثم ساق روايات الصحابة بأسانيدها في أحاديث النزول (١). وقال الحافظ ابن عبد البَرِّ عن حديث النُّزول: «يَنْزِلُ رَبُّنا كلَّ ليلة … »: «وهو حديث منقول من طرق مُتواترة ووجوه كثيرة من أخبار العدول عن النبي ﷺ » (٢). وقال شيخ الإسلام ﵀ في (تفسير سورة الإخلاص): «فالربُّ-سبحانه-إذا وصفه رسولُه بأنه يَنْزِل إلى سماء الدنيا كل ليلة، وأنَّه يَدنو عَشية عرفة إلى الحُجَّاج، وأنه كلَّم موسى بالوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، وأنه

стр. 603

استوى إلى السماء وهي دخانٌ، فقال لها وللأرض: ﴿ائتيا طَوْعاً أو كَرْهاً﴾؛ لم يلزم من ذلك أن تكون هذه الأفعال من جنس ما نشاهده من نُزول هذه الأعيان المشهودة، حتى يُقال: ذلك يَستلزم تفريغ مكان وشَغل آخر» (١). فأحاديث النزول مُتواترة، ومنها الحديث المَشهور: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ لَهُ» (٢)، ومع ذلك يغالط البعض؛ فينكرون نزول الله ! وقول السلف هنا: «من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا»، معناه: أننا لا نعلم كيفية ذات الله حتى نعلم كيفية نزوله؛ فلذلك فسؤال السائل: كيف ينزل؟ هو مثل سؤاله: كيف استوى؟ سواء بسواء؛ فلا يُسأل عن كيفية نزوله كما لا يسأل عن كيفية استوائه؛ لأنه لا يَعلم كيفية استواء الله على عرشه، ولا كيفية نزوله إلى السماء الدنيا إلا هو . لذلك قال أئمة السلف هذه العبارة: «من غير أن يَحُدُّوا فيه حدًّا»، أي: لا يستطيعون وصف كيفية هذا النزول؛ فالله قد أخبرنا عن طريق رسوله ﷺ : أنَّه يَنزل، فما علينا إلا أن نُؤمن بذلك، ولا سبيل لنا بعد ذلك إلى معرفة كيفية نزوله . وهؤلاء المُؤَوِّلُون يُحدثون شُبهًا في ذلك؛ مثل قولهم: ثُلُث الليل يختلف في مكان عن آخر، فكل بلد لها ثُلُث ليل، فكيف يَنزل ربُّنا؟! والجواب: أن النبي ﷺ قد أخبر عن الله فقال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ … »، فلا سبيل لنا إلى معرفة كيفية هذا النزول، والله يسمع كل شيء، ويبصر كل شيء، ولا يعزب عن علمه شيء، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا نعلم كيفية ذلك، لذا لا نستطيع أن نحدد كيفية نزوله إلا بعد معرفة كيفية ذاته، ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إلا عن طريق الخبر عن النبي ﷺ ، وقد جاء الخبر بنزوله ؛ فيجب أن نؤمن به، ونعتقد صِدْقَه، وأما السؤال عن الكيف، فلا شكَّ أنَّ الكيف مجهول، وأنَّ السؤال عنه بدعة، كما هو حال السؤال عن الاستواء.

стр. 604

فقول أهل السنة: «نؤمن بنزول الله إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل، من غير أن نحد فيه حدًّا»، معناه: أن النزول حق، ولكن لا نَصف كيفية نزوله سبحانه. وقال ابن معين عن نزول الله تعالى: «نعم؛ أُقر به، ولا أَحُدُّ فيه حدًّا» (١). وقال صاحب «أصول السنة» ابن زمنين عن حديث النزول: «وهذا الحديث يُبين أن الله على العرش في السماء دون الأرض، وهو-أيضًا-بَيِّنٌ في كتاب الله تعالى، وفي غير ما حديث عن رسول الله ﷺ ». ومن المسائل المتعلقة بصفة النزول هل يخلو العرش منه حال نزوله ولأهل السنة في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش (٢). وهو قول طائفة من أهل الحديث (٣). القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش (٤). وهو قول جمهور أهل الحديث (٥). ومنهم الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان ابن سعيد الدارمي وغيرهم (٦). القول الثالث: نثبت نزولاً، ولا نعقل معناه هل هو بزوال أو بغير زوال. وهذا قول ابن بطة والحافظ عبد الغني المقدسي وغيرهما (٧). أما القول الأول: وهو أنه ينزل ويخلو منه العرش، فمن قال به: أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن منده (٨)، (٩).

стр. 605

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد صنف أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي عبد الله بن محمد بن منده، مصنفاً في الإنكار على من قال لا يخلو منه العرش وسماه " الرد على من زعم أن الله في كل مكان، وعلى من زعم أن الله ليس له مكان، وعلى من تأول النزول على غير النزول" (١). وقد لخص شيخ الإسلام جملة ما احتج به أبو القاسم ابن منده وبين أنه احتج بأحاديث النزول، وببعض أقوال السلف العامة كقولهم: (يفعل ما يشاء) وذكر بعض اعتراضاته على بعض النقول الواردة عن الأئمة (٢). وأوضح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لم ينقل على أحد من الأئمة المعروفين بالسنة بإسناد صحيح ولا ضعيف أن العرش يخلو منه (٣). وذكر أن كلام أبو القاسم بن منده من جنس كلام طائفة تظن أنه لا يمكن إلا أحد القولين: ١ قول من يقول: إنه ينزل نزولاً يخلو منه العرش. ٢ وقول من يقول: ما ثم نزول أصلاً، كقول من يقول: ليس له فعل يقوم بذاته واختياره. وهاتان الطائفتان ليس عندهما نزول إلا النزول الذي يوصف به أجساد العباد الذي يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر. ثم منهم من ينفي النزول عنه، وينزهه عن مثل ذلك. ومنهم من أثبت له نزولاً من هذا الجنس، يقتضي تفريغ مكان وشغل آخر (٤). والقول بخلو العرش حال نزوله مرتبط (٥) بمسألة: هل يقال في النزول والإتيان والمجيء إنه بحركة وانتقال؟

стр. 606

وقد اختلف أصحاب الإمام أحمد وغيرهم من المنتسبين إلى السنة والحديث في المسألة على ثلاثة أقوال ذكرها القاضي أبو يعلى في كتاب "اختلاف الروايتين والوجهين" (١)، وهذه الأقوال هي: ١ أنه نزول انتقال وهو قول أبي عبد الله بن حامد. ٢ أنه نزول بغير انتقال وهو قول أبي الحسن التميمي وأهل بيته، وأن معناه: قدرته (٢). ٣ الإمساك عن القول في المسألة، وهو قول أبي عبد الله بن بطة (٣) وغيره. ثم هؤلاء فيهم من يقف عن إثبات اللفظ مع الموافقة على المعنى وهو قول كثير منهم، ومنهم من يمسك عن إثبات المعنى وعن اللفظ (٤). والذي يخصنا من الأقوال الثلاثة قول ابن حامد الذي ذهب إلى أنه نزول انتقال وقال لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد. قال القاضي أبو يعلى: "فذهب شيخنا أبو عبد الله-يعني ابن حامد-أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (٥)، ولأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثاً، كما الاستواء على العرش، هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفاً به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت، وإن كان هذا يوجب الحدث في صفاتنا، ولا يوجبه في حقه، كذلك النزول" (٦).

стр. 607

وقال ابن القيم ﵀: "أما قول ابن حامد أنه نزول انتقال فهو موافق لقول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات النزول حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال، ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، وهذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]. والانتقال جنس لأنواع المجيء، والإتيان، والنزول، والهبوط، والصعود، والدنو، والتدلي ونحوها؛ وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين. قالوا: وليس في القول بلازم النزول والمجيء والإتيان والاستواء والصعود محذور البتة ولا يستلزم ذلك نقصاً، ولا سلب كمال، بل هو الكمال نفسه، وهذه الأفعال كمال ومدح، فهي حق دل عليه النقل ولازم الحق حق" (١). القول الثاني: أنه ينزل ولا يخلو منه العرش. وهذا القول ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قول جمهور أهل الحديث (٢). وقال: "ونقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدد، وعن إسحاق بن راهويه، وحماد بن زيد، وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهم" (٣). قال القاضي أبو يعلى: "وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا ولا يخلو من العرش. فقد صرح أحمد بالقول إن العرش لا يخلو منه" (٤). وسأل بشر بن السري حماد بن زيد، فقال: "يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء" (٥).

стр. 608

وقال إسحاق بن راهويه: "دخلت على عبد الله بن طاهر، فقال: ما هذه الأحاديث التي تروونها؟ قلت: أي شيء أصلح الله الأمير؟ قال: تروون أن الله ينزل إلى السماء الدنيا. قلت: نعم، رواه الثقات الذين يروون الأحكام. قال: أينزل ويدع عرشه؟ قال: فقلت: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو العرش منه؟ قال: نعم. قلت: ولم تتكلم في هذا؟ " (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول إسحاق وقول حماد بن زيد: "وهذه والتي قبلها حكايتان صحيحتان رواتهما ثقات، فحماد بن زيد يقول: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف يشاء، فأثبت قربه مع كونه فوق عرشه. وعبد الله بن طاهر وهو من خيار من ولي الأمر بخراسان كان يعرف أن الله فوق العرش، وأشكل عليه أنه ينزل، لتوهمه أن ذلك يقتضي أن يخلو منه العرش، فأقره الإمام إسحاق على أنه فوق العرش، وقال له: يقدر أن ينزل من غير أن يخلو منه العرش؟ فقال له الأمير: نعم. فقال له إسحاق: لم تتكلم في هذا؟ يقول: فإذا كان قادراً على ذلك لم يلزم من نزوله خلو العرش منه، فلا يجوز أن يعترض على النزول بأنه يلزم منه خلو العرش، وكان هذا أهون من اعتراض من يقول: ليس فوق العرش شيء، فينكر هذا وهذا" (٢). القول الثالث: من يقول نثبت نزولاً ولا نعقل معناه، هل هو بزوال أو بغير زوال. وهذا القول قال به ابن بطة (٣)، وعبد الغني المقدسي (٤)، وغيرهما.

стр. 609

قال ابن بطة: "فنقول كما قال: "ينزل ربنا " ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف يشاء، لا نصف نزوله ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله". وروى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: "قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضباً شديداً، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف" (١). وقال القاضي أبو يعلى: "وحكى شيخنا-يعني ابن حامد-عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا: نثبت نزولاً لا يعقل معناه هل هو زوال أو بغير زوال، كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس يمتنع في صفاته، كما يثبت له ذاتاً ينفي عنها ماهيتها، وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص أحمد عليها في مواضع" (٢). وذكر الأثر الذي ذكره ابن بطة عن حنبل. قال ابن القيم ﵀: "وأما الذين أمسكوا عن الأمرين وقالوا: لا نقول يتحرك وينتقل، ولا ننفي ذلك عنه، فهم أسعد بالصواب والاتباع، فإنهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه، وتظهر صحة هذه الطريقة ظهوراً تاماً فيما إذا كانت الألفاظ التي سكت عنها النص مجملة، محتملة المعنيين صحيح وفاسد، كلفظ (الحركة)، و (الانتقال)، و (الحوادث)، و (العلة)، و (التغير)، و (التركيب)، ونحو ذلك من الألفاظ التي تحتها حق وباطل. فهذه لا تقبل مطلقاً، ولا ترد مطلقاً، فإن الله سبحانه لم يثبت لنفسه هذه المسميات، ولم ينفيها عنه، فمن أثبتها مطلقاً فقد أخطأ، ومن نفاها مطلقاً فقد أخطأ، فإن معانيها منقسمة إلى ما يمتنع إثباته لله، وما يجب إثباته له. فإن الانتقال يراد به: ١ انتقال الجسم والعرض من مكان هو محتاج إليه إلى مكان آخر يحتاج إليه. وهو يمتنع إثباته للرب ﵎، وكذلك الحركة إذا أريد بها هذا المعنى امتنع إثباتها لله تعالى.

стр. 610

٢ ويراد بالحركة والانتقال حركة الفاعل من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً، وانتقاله أيضاً من كونه غير فاعل إلى كونه فاعلاً. فهذا المعنى حق في نفسه لا يعقل كون الفاعل فاعلاً إلا به فنفيه عن الفاعل نفي لحقيقة الفعل وتعطيل له. ٣ وقد يراد بالحركة والانتقال ما هو أعم من ذلك، وهو فعل يقوم بذات الفاعل يتعلق بالمكان الذي قصد له وأراد إيقاع الفعل بنفسه فيه. وقد دل القرآن والسنة والإجماع على أنه سبحانه يجيء يوم القيامة، وينزل لفصل القضاء بين عباده، ويأتي في ظلل من الغمام والملائكة، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وينزل عشية عرفة، وينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، وينزل إلى أهل الجنة. وهذه أفعال يفعلها بنفسه في هذه الأمكنة فلا يجوز نفيها عنه بنفي الحركة والنقلة المختصة بالمخلوقين، فإنها ليست من لوازم أفعاله المختصة به، فما كان من لوازم أفعاله لم يجز نفيه عنه، وما كان من خصائص الخلق لم يجز إثباته له. وحركة الحي من لوازم ذاته، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالحركة والشعور، فكل حي متحرك بالإرادة وله شعور فنفي الحركة عنه كنفي الشعور، وذلك يستلزم نفي الحياة" (١)

стр. 611

قال محمد (١): وهذا الحديث يبين أن الله على عرشه في السماء دون الأرض، وهو- أيضًا- بَيِّنٌ في كتاب الله، وفي ما غير حديث عن رسول الله ﷺ ؛ قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]» (٢). وذكر من طريق مالكٍ قولَ النبي ﷺ للجارية: «أين اللهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ الله. قال: «فأعتقها؛ فإنَّها مؤمنةٌ» (٣). قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدًّا، فسبحان مَنْ علمُه بما في السَّماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العليُّ العظيم» (٤). قول المصنف: «وهذا الحديث يبين أن الله على عرشه في السماء دون الأرض». وهذا النص يتناول مكان العرش وقد دلت الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكاناً قبل وجود

стр. 612

السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. [هود: ٧] قال الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ قبل أن يخلق شيئاً" (١). وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض". وكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء". وكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عما ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء". فكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس مراد بالماء هنا ماء البحر لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى (٢). وقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: "كان على متن الريح" (٣). وعن سليمان التيمي أنه قال: "ولو سئلت أين الله؟ لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء؟ لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء؟ لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله: وذلك لقوله تعالى ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ

стр. 613

عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥] " (١). هذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين: الجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات. والجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما. أما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر في موضع في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه لأنه سبحانه مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه. ومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال" (٢). فالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله دليل على أن العرش أقرب منهم إليه سبحانه لأنهم إنما يحملونه. أما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما، وهل مازال على الماء؟ فالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث بدليل ما جاء في أحاديث الأوعال، لقوله ﷺ : "ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال

стр. 614

ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش". فالحديث يُشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه ما زال موجوداً إلى ما بعد خلق السموات والأرض. أما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها وفوقها، وهو كالقبة عليها كما جاء في الحديث: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة. وكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى بحديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض وأعلى منهما وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف للجنة كما في حديث: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن" (١). فمكان العرش فوق السموات والأرض وفوق الجنة وهو أعلى المخلوقات وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع. والله أعلم. وقول المصنف: «وذكر من طريق مالكٍ قولَ النبي ﷺ للجارية: «أين اللهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أنا؟». قالت: أنت رسولُ الله. قال: «فأعتقها؛ فإنَّها مؤمنةٌ» (٢). قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدًّا، فسبحان مَنْ علمُه بما في السَّماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العليُّ العظيم» فقد سبق بيان أن الآيات في مسألة علو الله تعالى كثيرة ومتنوعة في الدلالة على صفة العلو ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، والعروج لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى؛ فلو كان الله في كل مكان- كما يقول الأشاعرة وغيرهم- فما الحاجة إلى العروج؟! فبماذا يُجيب الأشاعرة وغيرهم عن مثل هذه الآيات؟! ولماذا يغمضون أعينهم ويصمون أسماعهم عن مثل هذه الأدلة الصريحة؛ كقوله : ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وكقوله جل وعلا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:

стр. 615

١٦]، وكقوله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والصعود والرفع كيف يكونان؟ بالطبع يكونان من أسفل إلى أعلى. وماذا يقولون في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله : ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله جل وعلا: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]؟! ولا شَكَّ أنَّ نصوص العلو-كما قال السلف-: تبلغ قرابة الألف؛ أي: يُوجد ألفُ دليلٍ على إثبات علو الله . ومن ذلك ما جاء في حديث الجارية التي سألها النبيُّ ﷺ : «أينَ اللهُ؟». فقالت: في السماء. وهذا حديث صحيح؛ رواه مسلم (١)، (٢) وأبو داود (٣)، (٤) والنسائي (٥)، (٦) ومالك (٧) في الموطأ (٨). هذا مع أن الأشاعرة يقولون: لا يجوز السؤال عن الله ب «أين»! وهذا اعتراض على الرسول ﷺ الذي سَأَلَ بهذا السؤال. الأحاديث كذلك في إثبات علو الله تعالى كثيرة جدًّا، ولكن مصيبة هؤلاء أنهم مُعرضون عن النصوص أصلًا؛ لأن أصولهم لا تَعتمد على قال الله وقال الرسول ﷺ ! ولذلك عندما احدثوا ما أحدثوا من البدع والأقوال الباطلة في هذه المسألة، نجد أن النصوص تَرُدُّ هذا الباطل وتُبَيِّنُ فساده؛ وخلاصة الأمر: أن على العبد أن يرجع إلى كلام الله تعالى وإلى كلام رسوله ﷺ ، وأن يُحقق قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ يكون بالرجوع إليه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته.

стр. 616

فعلى العاقل أن يَعرض على ميزان الشرع قول مَنْ يقول: إن الله عالٍ على خلقه، مُستو على عرشه، وقول مَنْ يقول: إنَّه في كل مكان، أو من يقول: لا داخل العالم ولا خارجه! ليعلم أن الكفة الراجحة في صف مَنْ أثبت علوَّ الله واستواءَه على عرشه ، من غير إثبات الكيف؛ فقد أعمل النصوص الصريحة الثابتة ولم يُهملها، ووَكَلَ تفسيرَ كيفيتها إلى الله، ولم يَفتأت عليها بتعطيل، أو تشبيه، أو تحريف أو تأويل. قال الإمامُ ابنُ عبد البرِّ ﵀: «أهل السنَّة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في القرآن والسنَّة والإيمان بها وحملِها على الحقيقة لا على المجاز إلاَّ أنهم لا يُكيِّفون شيئًا مِنْ ذلك ولا يحدُّون فيه صفةً محصورةً، وأمَّا أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلُّها والخوارج فكلُّهم ينكرها ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة ويزعمون أنَّ مَنْ أقرَّ بها مشبِّهٌ، وهم عند مَنْ أثبتها نافون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنَّةُ رسوله وهم أئمَّة الجماعة، والحمد لله» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-﵀-عن مذهب السلف في الصفات «فطريقتهم تتضمَّن إثباتَ الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تشبيهٍ، وتنزيهًا بلا تعطيلٍ؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل» (٢).

стр. 617

«وقال (١) قبل ذلك «باب (في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه)»: قال: «واعلم بأنَّ أهلَ العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورُسله يَرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا، والعجز عمَّا لم يَدْع إليه إيمانًا، وأنهم إنما يَنتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه» (٢). هذه قاعدة عظيمة في هذه المسألة، وهي: أننا يجب علينا ألا نخوض فيما لا عِلم لنا به؛ وعلينا أن نقف على ما جاء به الخبرُ؛ فلا نَزيد عليه ولا نَنقص منه، ثم لا سبيل لنا إلى معرفة كيفية اتصاف الله بهذه الصفات، ولا يجوز لنا البحث في ذلك؛ لا في كيفية علوه تعالى، ولا في كيفية استوائه، ولا في كيفية نزوله! فتأمل عبارة: «واعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاء به أنبياؤه ورسله يرون الجهل بما لم يُخبر به عن نفسه علمًا»؛ أي أن أهلُ العلم يرون عدمَ الخوض فيما لم يَرِد به الخبرُ. فما لم يَرد به الخبر بالنفي أو الإثبات لا نتكلم فيه؛ فإن هذا من العلم، فمن العلم: أن تقول: لا أدري. وأن تقف في هذا على الحدِّ الذي ورد فيه الخبرُ؛ لا تَزيد ولا تَنقص. ثم قال ﵀: «والعجز عما لم يَدْعُ إليه إيمانًا»، وهو أمر الكيفية، «وأنهم إنما ينتهون مِنْ وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه وعلى لسان نبيه»، يعني: نثبت لله سبحانه ما أثبته لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه؛ لا نزيد ولا ننقص، ولا نخوض في الكيف. فهذه قاعدة عظيمة من تَمَسَّك بها مع الإيمان بما وَرَدَ سَلِمَ ونَجَا مِنْ داء التعطيل وداءِ التَّشبيه. قال العَلَّامة الشنقيطي ﵀: «والجاهلُ المُفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات

стр. 618

الصفات لا يَليق بالله؛ لأنَّه كفر وتَشبيه- إنَّما جَرَّ إليه ذلك تنجيسُ قلبه، بقدر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأَدَّاه شؤمُ التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها، مع أنه- جل وعلا- هو الذي وصف بها نفسَه؛ فكان هذا الجاهل مُشَبِّهًا أَوَّلًا، ومُعَطِّلًا ثانيًا، فارتكب ما لا يَليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظِّمًا لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه- لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله- جل وعلا- بالغ من الكمال والجلال ما يَقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فيكون قلبه مستعدًّا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق على نحو قوله: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، فلو قال مُتنطع: بَيِّنُوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليَدِ ونحو ذلك؛ لِنَعْقِلَها! قلنا: أَعَرَفْتَ كيفيةَ الذَّات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا. فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات مُتوقفة على معرفة كيفية الذات؛ فسبحان مَنْ لا يستطيع غيرُه أن يُحصي الثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه؛ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾، ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾. فتَحَصَّل مِنْ جميع هذا البحث: أن الصفاتِ من باب واحد، وأنَّ الحقَّ فيها مُتَرَكِّب من أمرين: الأول: تَنزيه الله-جل وعلا-عن مُشابهة الخلق. والثاني: الإيمان بكلِّ ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا أو نفيًا، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يَشُكُّون في شيء من ذلك، ولا كان يُشْكِلُ عليهم» (١).

стр. 619

«وقد قال الله تعالى- وهو أصدق القائلين-: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وَقَالَ: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، وَقَالَ: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، وقال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣]، ومثل هذا في القرآن كثير. فهو-﵎-نُورُ السموات والأرض، كما أخبر عن نفسه، وله وَجْهٌ وَنَفْسٌ وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويَسمع، ويرى، ويتكلم، الأول ولا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن؛ بَطُنَ علمُه بخلقه، فقال: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]؛ حَيٌّ قَيُّومٌ لا تَأخذه سِنَةٌ ولا نَوْمٌ. وذكر أحاديثَ الصفات، ثم قال: «فهذه صفاتُ رَبِّنا التي وصف بها نفسَه في كتابه ووصفه بها نبيه، وليس في شيء منها تَحديد ولا تشبيه ولا تَقدير؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، لم تَرَهُ العيون فتَحُدَّه كيف هو؟ ولكن رأته القلوبُ في حقائق الإيمان». اه (١)». مِثْلُ هذا يُؤكد أن المصدر والأصل في هذا الباب هو: قال الله تعالى وقال الرسول ﷺ .

стр. 620

وقد عرض لك هنا بعضَ آيات القرآن في هذه المسألة. ومسألة الأسماء والصفات حقيقة هي الباب الذي تَعَرَّفَ الله به إلى الخلق، والمعطلة إنما يُريدون أن يُوصدوا هذا الباب! فالله تعرف إلينا بأسمائه وصفاته، فإذا جهلناها-أو جَهَّلْنا الناس بها-أو حَرَّفناها، انطمس بابُ معرفة الله ، ولذلك يقول ابن القيم في فصل مشهد الأسماء والصفات: «وهو مِنْ أَجَلِّ المشاهد، والمطلع على هذا المشهد: مَعرفة تعلق الوجود خلقًا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العُلى، وارتباطه بها، وإن كان العالمُ بِما فيه مِنْ بعض آثارها ومقتضياتها. وهذا مِنْ أَجَلِّ المعارف وأشرفها، وكلُّ اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإنَّ أسماءه أوصافُ مَدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل؛ إمَّا لازم وإما متعد، ولذلك الفعل تعلق بمفعول هو مِنْ لوازمه، وهذا في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه، كل ذلك آثار الأسماء الحسنى وموجباتها. ومن المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته. وإذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حِكَمًا ومصالح، وأسماؤه حُسنى؛ ففرض تعطيلها عن موجباتها مُستحيل في حقه، ولهذا يُنكر- سبحانه- على مَنْ عَطَّله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نَسَبَه إلى ما لا يليق به وإلى ما يَتنزه عنه، وأن ذلك حُكْمٌ سَيِّئ ممن حَكَم به عليه، وأنَّ مَنْ نسبه إلى ذلك فما قَدَره حقَّ قَدْرِه، ولا عَظَّمه حقَّ تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة وإرسال الرسل وإنزال الكتب: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١]، وقال تعالى في حقِّ منكري المعاد والثواب والعقاب: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال في حق من جَوَّزَ عليه التسويةَ بين المختلفين؛ كالأبرار والفجار، والمؤمنين والكفار: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون﴾ [الجاثية: ٢١]؛ فأخبر أن هذا حكم سَيِّئ لا يليق به؛ تَأباه أسماؤه وصفاته، وقال سبحانه: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم﴾ [المؤمنون: ١١٥] عن هذا الظن والحُسبان؛ الذي تأباه أسماؤه وصفاته.

стр. 621

ونظائر هذا في القرآن كثيرة، يَنفي فيها عن نفسه خلافَ مُوجب أسمائه وصفاته؛ إذ ذلك مُستلزم تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها. فاسمه الحَميد المجيد يَمنع ترك الإنسان سُدى مهملًا مُعَطَّلًا، لا يُؤمر ولا يُنهى، ولا يُثاب ولا يُعاقب، وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه الملك، واسمه الحي يمنع أن يكون معطلًا من الفعل، بل حقيقة الحياة الفعل، فكلُّ حَيٍّ فَعَّالٌ، وكونه سبحانه خالقًا قَيُّومًا من موجبات حياته ومقتضياتها، واسمه السميع البصير يوجب مسموعًا ومرئيًّا، واسمه الخالق يقتضي مخلوقًا، وكذلك الرازق، واسمه المَلِك يقتضي مملكة وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاء ومنعًا، وإحسانًا وعدلًا، وثوابًا وعقابًا، واسم البَرِّ والمُحسن المعطي المَنَّان ونحوها تقتضي آثارها وموجباتها … والرب تعالى يحب ذاته وأوصافه وأسماءه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه … وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما. ومن آثارهما: مغفرة الزلات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحق. والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال المسيح ﷺ : ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨]، أي: فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، لستَ كمن يغفر عجزًا، ويُسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقك، قادر على استيفائه، حكيم في الأخذ به. فمَن تَأَمَّل سَرَيان آثار الأسماء والصفات في العالَم وفي الأمر تبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد، وتقديرها: هو مِنْ كمال الأسماء والصفات والأفعال. وغاياتها أيضًا: مُقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته. فله في كلِّ ما قضاه وقَدَّره الحكمة البالغة والآيات الباهرة، والتعرفات إلى عباده بأسمائه وصفاته، واستدعاء محبتهم له، وذكرهم له، وشكرهم له، وتعبدهم له بأسمائه الحسنى؛ إذ كلُّ اسم فله تعبد مختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يَطَّلع عليها البشر؛ فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يَحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، أو يَحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع، أو عبودية

стр. 622

اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك. وهذه طريقة الكُمَّل من السائرين إلى الله، وهي طريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها. وهو سبحانه يُحب موجبَ أسمائه وصفاته … إلى أن قال ﵀: «وهذا المشهد أَجَلُّ مِنْ أن يحيط به كتابٌ، أو يَستوعبه خطابٌ، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة تُطلع على ما وراءها، والله الموفق المُعِين» (١). فأراد المعطلة والمؤولة أن يغلقوا هذا الباب؛ لأنه إذا أُغلق لم يَعرفوا الله سبحانه حق المعرفة ولم يقوموا بحقه كما يَنبغي، ولذلك نرى في المجتمعات-التي لا تَعرف أسماء الله وصفاته معرفة صحيحة-أنه ينشأ فيها الجهل بالله ! فتراهم يطوفون بالقبور ويدعونها ويتمسحون بها وينذرون لها، وترى الخرافات منتشرة؛ من عبادة الكواكب والشجر والحجر، والاستعانة بالجن، وادعاء علم الغيب … إلى غير ذلك، ومع أن أسماءهم أسماء مُسلمين، لكن كأنهم ليس من المسلمين. كل هذا نشأ بسبب الجهل بالله وأسمائه وصفاته، وإلَّا فنصوص الصفات يُقدِّرها العلماء بثُلُثِ القرآن؛ أخذًا من قول النبي ﷺ : «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ» (٢)؛ ولأنَّها صفة الرحمن ، فعن عائشة ﵂ قالت: «إنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم ب ﴿قل هو الله أحد﴾، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: «سَلُوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟». فسألوه، فقال: «لأنَّها صفة الرحمن، وأنا أُحِبُّ أن أقرأ بها، فقال

стр. 623

النبي ﷺ : «أَخبروه أنَّ الله يُحِبُّه» (١). فثلث النصوص جاءت في الأسماء والصفات، فمثلًا قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] فخبر، وحقه التصديق، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله سبحانه: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وهكذا جميع ما أخبر الله من أسمائه وصفاته يجب أن نُصَدِّق بها، ولذلك قال هنا: «فهذه صفاتُ ربِّنا التي وصف بها نفسَه في كتابه، ووصفه بها نبيه ﷺ »، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه، وإن الذي أخبر بها هو الله ونبيُّه ﷺ ، ولم يخبر بها زيد أو عمرو. فقد جاءت في كلام الله تعالى وفي كلام رسوله ﷺ ، والله أولى وأحقُّ مِنْ ينزِّه نفسه عن التشبيه، وأعرفُ الخلق به هو رسوله ﷺ . فلذلك لو كان في هذا دعوى تشبيه لَمَا وصف الله بها نفسَه، ولَمَا وصفه بها رسولُه ﷺ ، ولَمَا قال الله : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠، ١٨١]؛ لأن المرسلين قد وصفوه بالكمال، أمَّا غيرهم فإنهم وصفوه بالنقص، فالله نزَّه نفسه عن النقص فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، سلام عليهم؛ لأنَّ كلامهم سالم من وصف الله بالنقص. فيجب على كل مخالف لمنهج السلف: أن يرجع إليه، وأن يتمسك به، فمنهج السلف هو: قال الله تعالى، وقال رسوله ﷺ ، وقال سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ويجب على كل مسلم ألَّا يَحِيد عن منهج السلف إلى مناهج عقلية فلسفية؛ لأنها قد هدمت دين الله ، وألغت كلامه جل وعلا وكلام رسوله ﷺ ، ويجب-أيضًا-على كل مسلم أن يبتعد عن مناهج الصوفية أو الرافضة الذين قدَّسوا أشخاصًا ورفعوهم لدرجة العصمة، بل وجعلوا لهم حقَّ التشريع. ولنعلم أن من معتقد أهل السنة: أنه لا يجوز الانتصار لشخص بعينه إلا لشخصٍ واحد، وهو النبي ﷺ ؛ إذ لا معصوم إلا محمدٌ ﷺ ، ولا يجوز الانتصار لطائفة إلا لأصحاب النبي ﷺ ؛ لأن الحقَّ لا يخرج عنهم.

стр. 624

فهذه عقيدة أهل السنة التي يجب على الجميع التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ؛ تنفيذًا لوصية النبي ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فإنَّ كلَّ مُحدثَةٍ بدْعةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (١).

стр. 625

(١٢٢) «وكلامُ الأئمة في هذا الباب أطولُ وأكثرُ مِنْ أن تَسَع هذه الفُتْيا عُشْرَه، وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم. مثل ما ذكره أبو سليمان الخَطَّابي في رسالته المشهورة في «الغُنية عن الكلام وأهله»، قال: «فأمَّا ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسُّنَّة، فإنَّ مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحَقَّقها قومٌ مِنْ المُثبتين؛ فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التشبيه والتكييف، وإنَّما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمُقَصِّر عنه. والأصل في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذَّات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف. فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه؛ ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النِّعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنَّ القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف وَرَدَ بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات». هذا كله كلام الخَطَّابي (١). وهكذا قال أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له؛ أَخبر فيها: أن مذهب السلف على ذلك». هذا نقل آخر عن إمام من الأئمة، وهو الإمام الخطابي صاحب كتاب «معالم

стр. 626

السنن»، وهو شرح لسنن أبي داود، وصاحب كتاب «شأن الدعاء»، وله كذلك كتاب «الغُنية عن الكلام وأهله». وشيخ الإسلام ابن تيمية أراد أن يُؤكد بإيراده لهذه النقول: أن هذه العقيدة هي عقيدة السلف الصالح، وأن ما يقول به شيخ الإسلام ليس من نتاج أفكاره، وليس أمرًا ابتدعه وأحدثه، وإن كان قد طرأت فترة من الزمن ابتعد الناس فيها عن منهج أهل السنة والجماعة؛ فأراد هذا الإمام أن يُجَدِّد عقيدة أهل السنة والجماعة مرة أخرى، وأن يؤكد عليها من خلال هذه النقول. فهذا الإمام الخطابي عندما سئل عن الصفات، أجاب بهذا الجواب الذي هو جواب أهل السنة كافَّة، فقال: «فإنَّ مذهب السلف: إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، وهذا الجواب يَحمل الثوابت في معتقد أهل السُّنَّة في هذا الباب، وهي ثلاثة: أولًا: الوقوف في هذا الباب على ما ورد به الكتاب والسنة، فلا نسمِّي الله ولا نَصِفه إلا بما سمَّى به نفسه ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وهذا ما أكده عليه الإمام الخطابي بقوله: «فأمَّا ما سألت عنه من الصفات، وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها». فهذا الباب توقيفي، أي: يجب الوقوف فيه على ما ورد في الكتاب والسنة، فما ورد إثباته يُثبَت، وما ورد نفيه يُنفَي، لا يزاد على ذلك لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لأنَّ مَنْ المخالفين مَنْ بالغ في النفي، ومنهم مَنْ بالغ في الإثبات. فالمشبِّهة بالغوا في الإثبات؛ فأثبتوا لله تعالى أمورًا لم يُثبتها لنفسه، وخاضوا في شأن الكيفيات؛ فزلُّوا في هذا الباب. وكذلك المعطِّلة بالغوا في النفي؛ حتى نفوا ما أثبته الله لنفسه. وأمَّا منهج أهل السنة فهو وسط بين الإثبات والنفي، بمعنى: أنهم أثبتوا ما أثبته الله تعالى لنفسه فلم يزيدوا على ذلك، ويتقيدون بما ورد من ألفاظ في القرآن والسنة، ويتحرَّزون عن إطلاق ما أطلقه بعض المخالفين من ألفاظ؛ مثل: الجوارح، أو الأبعاض، أو الجسم، أو غير ذلك. فأهل السنة لا يتكلمون بهذه الألفاظ؛ لأنها لم تَرِد في النص لا إثباتًا ولا نفيًا، فتقيدوا بما ورد. فينبغي على طالب العلم المتبع لمنهج أهل السنة والجماعة ألَّا يخفى عليه هذا الأصل.

стр. 627

ثانيًا: عدم الخوض في الكيفية، فدائمًا أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الله تعالى يقولون: نؤمن بأن لله يدًا، ونؤمن بأن له سمعًا، وأن لله بصرًا، ولكن لا نعلم كيفية ذلك، فهذه عقيدة أهل السنة في جوهرها وُلُبِّها. ثالثًا: أن ما أثبته الله لنفسه لا يُشبه فيه أحدًا من خلقه، وذلك أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلله سمع يليق بجلاله، واستواء يليق بجلاله، ويد تليق بجلاله، فإنه ليس كمثله شيء، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وكما قال جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، فينبغي التقيد بما ورد من غير تشبيه. ولذلك قال الخطابي هنا: «ونفي الكيفية والتشبيه عنها»، أي: لا نَعلم كيفية اتصاف الله بهذه الصفات، ولا نُشبهه بأحد من خلقه. فهذه الثوابت أقرها العلماء؛ لذا يجب أن تكون منطلقًا للاعتقاد في الأسماء والصفات. ففي الإثبات والنفي يجب أن نقف على ما جاء به النص؛ لأن مسائل الصفات بين الإثبات والنفي، فما أثبته الله لنفسه يُثبَت، كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وما نفاه عن نفسه سبحانه يُنفى، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله : ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله ﷻ : ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا. وينبغي أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن الله لا يُماثله في ذلك أحدٌ من خلقه أخذًا بما دلت عليه النصوص من عدم المماثلة، وقلنا: إن المقصود بعدم المماثلة: أن لله في تلك الصفات خصائص انفرد بها؛ فلحياة الله خصائص، ولعلم الله خصائص، ولقدرة الله خصائص، ولقوة الله خصائص، وهذه الخصائص لا يماثله فيها أحد من الخلق، ونحن لا نعلم كيفية ذاته فبالتالي مِنْ باب أولى أننا لا نعلم كيفية اتصافه بتلك الصفات. وبعد أن قَرَّر الإمامُ الخطابيُّ هذا المعتقد تعرَّض لنقض كلام المخالف، فقال: «وقد نفاها قومٌ فأبطلوا ما أثبته الله»، ويعني بذلك: المعطِّلة، الذين منهم من نفى جميع الأسماء والصفات. ومنهم من كان دون ذلك؛ فنفى الصفات وأثبت الأسماء، وهؤلاء المعتزلة. ومنهم مَنْ أثبت بعض الصفات ونفى البعض الآخر، وهؤلاء هم الكلابية والأشاعرة والماتريدية فهم في تعطيلهم درجات؛ لكنهم اشتركوا جميعًا في أمر واحد، وهو التعطيل.

стр. 628

ثم قال: «وحَقَّقها قومٌ مِنْ المُثبتين؛ فخرجوا في ذلك إلى ضَرْبٍ من التشبيه والتكييف»، يقصد بهم: المشبهة (الممثلة). ثم قال: «والقصد: إنما هو سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين»؛ أي: إن معتقد أهل السنة والجماعة وسط بين هاتين الطائفتين؛ (المعطلة والمشبهة). فلم ينفوا أمرًا أثبته الله لنفسه، وما بالغوا في الإثبات حتى وصلوا به إلى التشبيه والتكييف؛ فنجوا من آفة التعطيل ومن آفة التشبيه، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات. فالتعطيل والتشبيه ضدان؛ فمن نجا منهما سَلِم له توحيد الأسماء والصفات نقيًّا صافيًا. فمعرفة الله بأسمائه وصفاته لا ينبغي أن يخالطها داء التعطيل أو داء التشبيه؛ لأن كلًّا منهما مفسد لها. فمن رام أن يبقى له باب معرفة الله مفتوحًا سليمًا صحيحًا، فإنه لا بد له من الاستقامة على منهج أهل السنة والجماعة، وذلك بالتقيد بهذه الثوابت، وعدم الميل إلى أحد هذين الداءين. ثم قال الإمام الخطابي ﵀ كلمة رائعة بديعة، وهي: «دين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمُقصر عنه»، وهذه وسطية أهل السنة والجماعة: وسط في باب الإيمان، وسط في باب القَدَر، وسط في باب الصفات، وسط في باب الصحابة، وسط في باب الإمامة، وسط في كلِّ أبواب العقيدة، فلم يصلوا إلى درجة الغالين ولم يصلوا إلى درجة الجافين. ثم قال الإمام الخطابي: «والأصل في هذا: أنَّ الكلام في الصفات فرعٌ على الكلام في الذَّات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله. فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف». فبعد التقعيد العام أكد الخطابي على قاعدة: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات. وهذه حجة على أهل التعطيل النُّفاة. لأن شُبهة النفاة: هي اعتقادهم أن إثبات الصفات يستلزم منه التشبيه. فيُقال لهم: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، ويُحتذى في ذلك حذوه ومثاله، أي: كما يقال في الذات يقال في الصفات.

стр. 629

فمعلومٌ أن إثبات ذات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية. ونقول لهؤلاء: هل الله موجود أو معدوم؟ فقطعًا، الله موجودٌ. فهل معنى إثباتنا لوجود الله تعالى أننا كيَّفنا؟! بالطبع لا، فكذلك إثباتنا لصفاته إنما هو إثبات وجود، فأن تُثبت لله سمعًا مثل أن تثبت لله وجودًا، وأن تثبت لله استواءً مثل أن تثبت لله وجودًا، وأن تثبت لله يدًا مثل أن تثبت لله وجودًا، وهكذا، ولا دخل للتكييف أو التشبيه في ذلك، وإنما التكييف أو التشبيه عندما تقول: استوى استواء كاستوائي، أو له يد كيدي. فهذا أحد الأدلة العقلية في هذا الباب؛ لأنَّ كثيرًا من هؤلاء المخالفين لمنهج السلف إذا أوردت له الأدلة من الكتاب والسنة طلب دليلًا عقليًّا؛ لأن طريق الأشاعرة-مثلًا-في إثبات ما أثبتوه من صفات: إنما هو العقل؛ فيحتجُّون بأن هذه الصفات أثبتها العقل، ونحن كذلك يمكن أن نحتجَّ عليهم بالأدلة العقلية؛ فنقول: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيف. ثم فصل الخطابي معتقد أهل السنة في الصفات؛ فقال: «فإذا قلنا: يد وسمع وبصر، وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه»؛ أي: أثبت وجودها. ثم نفى وقوع التحريف فيها؛ فقال: «ولسنا نقول: إن معنى اليد: القوة أو النِّعمة، ولا معنى السمع والبصر: العلم، ولا نقول: إنها جوارح»؛ لأن هؤلاء المعطلة أتوا بألفاظ-في مسألة إثبات الصفات-لم تَرِد بها النصوص، وأرادوا أن يلصقوها بها؛ فقالوا: إنه يلزم من إثبات اليد لله سبحانه إثبات الجارحة له، أو إثبات الأجزاء، أو الأبعاض، أو الجسمية، وهكذا قالوا في الاستواء: يلزم منه إثبات الحيز، وإثبات المكان. وأهل السنة قاطبة في هذا الباب متقيِّدون بالنص؛ فلا هم الذين يحرفون ويقولون: اليد بمعنى النعمة أو القوة أو القدرة، ولا يقولون: إنَّ استوى بمعنى استولى، ولا غير ذلك من التحريفات أو التأويلات، ولا هم الذين يبالغون فيقولون: إنها جوارح، أو إنها أبعاض. فمثل هذه الألفاظ يُمنع استعمالها عند السلف؛ لأن النص لم يَرد بإثباتها،

стр. 630

فالله ما أثبت لنفسه لفظ الجوارح، ولا لفظ الأبعاض، ولا لفظ الأجزاء، ولا لفظ الجسمية. وأهل السنة يقفون على ما ورد؛ لأن الإثبات يحتاج إلى دليل، والنفي كذلك يحتاج إلى دليل، وهذا أمر يتعارض مع القاعدة الأولى التي ذكرناها، من أن أهل السنة يَقفون على ما ورد في الكتاب والسنة؛ ولا يزيدون عليه ولا ينقصون منه. فهذه عقيدة أهل السنة الثابتة التي لا تتزحزح ولا تتغير، ولو نظرتَ إلى الأشاعرة لوجدت أن لمتقدميهم معتقدًا، ولمتأخريهم معتقدًا، فلو نظرت في كتاب «الإرشاد» للجويني ستجد أنه يرد على المتقدمين؛ فالمتقدِّمون من الأشاعرة كانوا يُثبتون اليدين، ويثبتون الصفات الذاتية ولا يُؤوِّلونها، ويقرُّ بذلك الجويني، ولكن مع ذلك جاء فنفى تلك الصفات. فترى أن متأخِّريهم يناقضون متقدِّميهم في هذا، ولكن لا ترى في منهج السلف هذا الاضطراب وهذه الحيرة؛ لأن الأمر كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

стр. 631

(١٢٣) «وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي، قد نقل نحوًا منه من العلماء مَنْ لا يُحصى عددهم، مثل: أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهَرَوي صاحب «منازل السائرين» و «ذم الكلام»، وهو أشهر من أن يُوصف، ومثل أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البَر النَّمَري إمام المغرب، وغيرهم». سيأتي ذكر أقوال هؤلاء الأئمة على وجه التفصيل فيما سيذكره المصنف من نقول للاستدلال على اجتماع قول هؤلاء على ما عرف من عقيدة السلف في بعض مسائل الاعتقاد.

стр. 632

(١٢٤) وقال أبو نُعيم الأصبهاني صاحب «الحِلية» (١) في عقيدة له قال في أوَّلها: «طريقتُنا طريقة المتبعين للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة»، قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه، يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائنٌ من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يَحِلُّ فيهم، ولا يَمتزج بهم، وهو مُستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه». يريد المصنف أن يؤكد ما ذكره سابقًا من أن هؤلاء العلماء قد توافرت النصوص عنهم بمثل هذا المعتقد؛ معتقد أهل السنة والجماعة في سائر أبواب الاعتقاد. فعقيدة أهل السنة والجماعة تتميز بأمرين: - الأول: التوحيد. - الثاني: الاتباع. وهذا معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؛ فمن تمسك بهذين الأمرين، فقد سار على نهج أهل السنة والجماعة، وهذا هو الميزان الذي يَعرف الإنسان به نفسه؛ هل هو على المنهج الحق أو على غير ذلك؟ وهو الميزان الذي ينبغي أن نَزِنَ به الآخرين؛ فننظر في موقفهم من هذين الأصلين: من توحيد الله تعالى، واتباع رسوله ﷺ ؟ لأن (لا إله إلا الله) تعني التوحيد. (محمد رسول الله) تعني الاتباع. ولذلك نسمع بين الفَيْنَةِ والفَيْنَةِ مَنْ يدعو إلى المُوازنة بين ذِكر الحسنات وذكر السيئات؛ فيقول: اذكروا لهؤلاء حسناتهم كما تَعُدُّون عليهم سيئاتهم، واذكروا للجماعة الفلانية، أو للشخص الفلاني، أو للعالم الفلاني الحسنات والسيئات! فيقال لهؤلاء: إنَّ أيَّ إنسان-أو أي جماعة-أو أيَّ فئة ينبغي إذا قُيِّمت، أن

стр. 633

تقيَّم أولًا على هذين الأصلين: هل هي آخذة بتوحيد الله تعالى مُحققة له؟ وهل هي مُتَّبعة لسنة رسوله ﷺ متقيدة به؟ عند ذلك يتميز، فعلى سبيل المثال مَنْ يقول مثلًا: لماذا تتكلمون في الأشاعرة؟ أو يقول مثلًا: لماذا تحذرون من جماعة التبليغ، أو من غيرها من الجماعات؟ فنقول: تعال إلى الأشعرية واعرضها على هذين الأصلين؛ هل توحيدها هو التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ ؟ وهل حققت التوحيد علمًا وعملًا ودعوةً أم لا؟ فترى أنها بعيدة عن ذلك التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ ؛ علمًا وعملًا ودعوة. وهكذا جماعة التبليغ، هناك من يقول: إنَّ لها نشاطًا ملحوظًا، فكم مِنْ العصاة اهتدوا على أيدي أتباعها؟ فنقول: قبل أن تتعجل في ذِكر هذه المحاسن عليك أولًا أن تَعرض منهج هؤلاء على هذين الأصلين، هل حققوا التوحيد لله؟ هل حققوا الاتباع لرسول الله ﷺ ؟ فإذا فعلت ذلك سرعان ما تنكشف لك الحقائق وتتجلى لك الأمور. فلا ينبغي على الإنسان أن يغفل عن هذا الميزان الصحيح، ودليل ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فَنَعَم؛ التنازع حاصل، وكلٌّ يدعي أنه على الحق، ولكن متى ما عرفت ما عند كل قوم، ووزنته بهذا الميزان انجلت لك الأمور، وظهرت لك الحقائق، فلا تغفلن عن هذا الميزان. فبالتالي الطريقة الصحيحة ليست طريقة فلان أو فلان من الناس، إنما هي طريقة واحدة هي طريقة المتبِّعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة. فبهذه الثلاثة (كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، بفهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم) تكون الطريقة صحيحة، أمَّا ما عداها فهي طرق باطلة. وقد يقول قائل: إن عند بعض الناس-وعند بعض الطرق-شيئًا من الحق؛ فيكون لهم من الفضل مثله. فنقول: إن ما عندهم من الحق موجود عند أهل السنة وزيادة، فلا فضل لهؤلاء. وهذه المناهج القديمة والحديثة-كما ذكرنا-لا تخرج عن ثلاثة: إما منهج عقلاني يقوم على تقديس العقل وتقديمه، وبالتالي إقصاء الكتاب والسنة، وعلى هذا جرى مَنْ جرى قديمًا وحديثًا من الفلاسفة وأهل الكلام، وكذلك الأفكار والجماعات التي تخرج اليوم تعود إلى هذه الأصول والجذور التي خرجت منها الفلاسفة وأهل الكلام؛ فجماعة تنشأ في بيئة أشعرية أو في بيئة صوفية، لا يمكن أن

стр. 634

تَخرج عن تلك الثوابت التي عند هؤلاء، فبالتالي تلازمهم هذه الثوابت. ويقابلها فئة أخرى قدَّست الأشخاص وقدَّمتهم. وبالتالي فإن كل فساد قديم وحديث لا يَخرج عن: - أناس قدموا آراءهم وأهواءهم وعقولهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . - أناس قدسوا أشخاصًا ورفعوهم فوق قدرهم، وقدموهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . ومِن منهج أهل السنة: أن الانتصار لشخص بعينه لا يكون إلا لشخص واحد، وهو الرسول ﷺ ، ولا يكون إلا لطائفة بعينها، وهم الصحابة رضوان الله عليهم. فبالتالي عندما يقرر أبو نُعيم الأصبهاني هذه الحقيقة؛ فيقول: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة»، يرسم لك بذلك منهجًا تسير عليه إن جعلته نصب عينيك وهدفًا تسعى لتحقيقه، وهو الاتباع وترك الابتداع. ولذلك لا بد من محاربة داءين: - الشرك. - والبدعة. لأن كلًّا من الشرك والبدعة كانَا نتاجين لانحرافات أهل الباطل؛ لأن الشرك هدم التوحيد، والبدعة هدمت السنة، فَلِكَي يَنتصر الإنسان للكتاب والسنة فعليه اتباع هذا المنهج. فقال الأصبهاني: «مما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه»، وهذا يؤكد أن السلف ليسوا مُشَبِّهة، وليسوا مُفَوِّضة؛ لأنه قال هنا: «وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه»، ما قال: نقرؤها ولا نعلم معناها، بل أكد معناها بقوله: «وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه» لفظة "بائن" وكذلك لفظة "ذات" هذه الألفاظ تحمل معان صحيحة دلت عليها النصوص، وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها، وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب. والصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع. كقول أهل السنة: "إن الله استوى على العرش بذاته".

стр. 635

فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له. وكقولهم: "إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم". فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود-هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت به الألفة، وما كان معروفاً حصلت به المعرفة" (١). وقال أيضاً: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل. ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه. ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل" (٢). فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام: القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص. القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها. القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل. القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل. فلفظ (الذات) و (بائن) هي من القسم الثاني. وهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات. فهذا النقل يدل على إثبات علوه تعالى وإثبات استوائه، ويؤكد على أن عقيدة أهل السنة ليست تشبيهًا ولا تكييفًا ولا تفويضًا فيقول هنا: «لا يحل فيها، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه»، فهذا الكلام-أيضًا-يصبُّ في
следующие страницы →