← Акыда

Акыда · id 30017

المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 219 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(١٢٣) «وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي، قد نقل نحوًا منه من العلماء مَنْ لا يُحصى عددهم، مثل: أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهَرَوي صاحب «منازل السائرين» و «ذم الكلام»، وهو أشهر من أن يُوصف، ومثل أبي عثمان الصابوني شيخ الإسلام، وأبي عمر بن عبد البَر النَّمَري إمام المغرب، وغيرهم». سيأتي ذكر أقوال هؤلاء الأئمة على وجه التفصيل فيما سيذكره المصنف من نقول للاستدلال على اجتماع قول هؤلاء على ما عرف من عقيدة السلف في بعض مسائل الاعتقاد.

стр. 632

(١٢٤) وقال أبو نُعيم الأصبهاني صاحب «الحِلية» (١) في عقيدة له قال في أوَّلها: «طريقتُنا طريقة المتبعين للكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة»، قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه، يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائنٌ من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يَحِلُّ فيهم، ولا يَمتزج بهم، وهو مُستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه». يريد المصنف أن يؤكد ما ذكره سابقًا من أن هؤلاء العلماء قد توافرت النصوص عنهم بمثل هذا المعتقد؛ معتقد أهل السنة والجماعة في سائر أبواب الاعتقاد. فعقيدة أهل السنة والجماعة تتميز بأمرين: - الأول: التوحيد. - الثاني: الاتباع. وهذا معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؛ فمن تمسك بهذين الأمرين، فقد سار على نهج أهل السنة والجماعة، وهذا هو الميزان الذي يَعرف الإنسان به نفسه؛ هل هو على المنهج الحق أو على غير ذلك؟ وهو الميزان الذي ينبغي أن نَزِنَ به الآخرين؛ فننظر في موقفهم من هذين الأصلين: من توحيد الله تعالى، واتباع رسوله ﷺ ؟ لأن (لا إله إلا الله) تعني التوحيد. (محمد رسول الله) تعني الاتباع. ولذلك نسمع بين الفَيْنَةِ والفَيْنَةِ مَنْ يدعو إلى المُوازنة بين ذِكر الحسنات وذكر السيئات؛ فيقول: اذكروا لهؤلاء حسناتهم كما تَعُدُّون عليهم سيئاتهم، واذكروا للجماعة الفلانية، أو للشخص الفلاني، أو للعالم الفلاني الحسنات والسيئات! فيقال لهؤلاء: إنَّ أيَّ إنسان-أو أي جماعة-أو أيَّ فئة ينبغي إذا قُيِّمت، أن

стр. 633

تقيَّم أولًا على هذين الأصلين: هل هي آخذة بتوحيد الله تعالى مُحققة له؟ وهل هي مُتَّبعة لسنة رسوله ﷺ متقيدة به؟ عند ذلك يتميز، فعلى سبيل المثال مَنْ يقول مثلًا: لماذا تتكلمون في الأشاعرة؟ أو يقول مثلًا: لماذا تحذرون من جماعة التبليغ، أو من غيرها من الجماعات؟ فنقول: تعال إلى الأشعرية واعرضها على هذين الأصلين؛ هل توحيدها هو التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ ؟ وهل حققت التوحيد علمًا وعملًا ودعوةً أم لا؟ فترى أنها بعيدة عن ذلك التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ ؛ علمًا وعملًا ودعوة. وهكذا جماعة التبليغ، هناك من يقول: إنَّ لها نشاطًا ملحوظًا، فكم مِنْ العصاة اهتدوا على أيدي أتباعها؟ فنقول: قبل أن تتعجل في ذِكر هذه المحاسن عليك أولًا أن تَعرض منهج هؤلاء على هذين الأصلين، هل حققوا التوحيد لله؟ هل حققوا الاتباع لرسول الله ﷺ ؟ فإذا فعلت ذلك سرعان ما تنكشف لك الحقائق وتتجلى لك الأمور. فلا ينبغي على الإنسان أن يغفل عن هذا الميزان الصحيح، ودليل ذلك: قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فَنَعَم؛ التنازع حاصل، وكلٌّ يدعي أنه على الحق، ولكن متى ما عرفت ما عند كل قوم، ووزنته بهذا الميزان انجلت لك الأمور، وظهرت لك الحقائق، فلا تغفلن عن هذا الميزان. فبالتالي الطريقة الصحيحة ليست طريقة فلان أو فلان من الناس، إنما هي طريقة واحدة هي طريقة المتبِّعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة. فبهذه الثلاثة (كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، بفهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم) تكون الطريقة صحيحة، أمَّا ما عداها فهي طرق باطلة. وقد يقول قائل: إن عند بعض الناس-وعند بعض الطرق-شيئًا من الحق؛ فيكون لهم من الفضل مثله. فنقول: إن ما عندهم من الحق موجود عند أهل السنة وزيادة، فلا فضل لهؤلاء. وهذه المناهج القديمة والحديثة-كما ذكرنا-لا تخرج عن ثلاثة: إما منهج عقلاني يقوم على تقديس العقل وتقديمه، وبالتالي إقصاء الكتاب والسنة، وعلى هذا جرى مَنْ جرى قديمًا وحديثًا من الفلاسفة وأهل الكلام، وكذلك الأفكار والجماعات التي تخرج اليوم تعود إلى هذه الأصول والجذور التي خرجت منها الفلاسفة وأهل الكلام؛ فجماعة تنشأ في بيئة أشعرية أو في بيئة صوفية، لا يمكن أن

стр. 634

تَخرج عن تلك الثوابت التي عند هؤلاء، فبالتالي تلازمهم هذه الثوابت. ويقابلها فئة أخرى قدَّست الأشخاص وقدَّمتهم. وبالتالي فإن كل فساد قديم وحديث لا يَخرج عن: - أناس قدموا آراءهم وأهواءهم وعقولهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . - أناس قدسوا أشخاصًا ورفعوهم فوق قدرهم، وقدموهم على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ . ومِن منهج أهل السنة: أن الانتصار لشخص بعينه لا يكون إلا لشخص واحد، وهو الرسول ﷺ ، ولا يكون إلا لطائفة بعينها، وهم الصحابة رضوان الله عليهم. فبالتالي عندما يقرر أبو نُعيم الأصبهاني هذه الحقيقة؛ فيقول: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة»، يرسم لك بذلك منهجًا تسير عليه إن جعلته نصب عينيك وهدفًا تسعى لتحقيقه، وهو الاتباع وترك الابتداع. ولذلك لا بد من محاربة داءين: - الشرك. - والبدعة. لأن كلًّا من الشرك والبدعة كانَا نتاجين لانحرافات أهل الباطل؛ لأن الشرك هدم التوحيد، والبدعة هدمت السنة، فَلِكَي يَنتصر الإنسان للكتاب والسنة فعليه اتباع هذا المنهج. فقال الأصبهاني: «مما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش واستواء الله عليه يقولون بها، ويُثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه»، وهذا يؤكد أن السلف ليسوا مُشَبِّهة، وليسوا مُفَوِّضة؛ لأنه قال هنا: «وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه»، ما قال: نقرؤها ولا نعلم معناها، بل أكد معناها بقوله: «وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه» لفظة "بائن" وكذلك لفظة "ذات" هذه الألفاظ تحمل معان صحيحة دلت عليها النصوص، وهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها، وهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب. والصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع. كقول أهل السنة: "إن الله استوى على العرش بذاته".

стр. 635

فلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له. وكقولهم: "إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم". فلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والمقصود-هنا-أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثوراً حصلت به الألفة، وما كان معروفاً حصلت به المعرفة" (١). وقال أيضاً: "فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل. ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا. ومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه. ومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقاً وباطلاً نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلاً بباطل" (٢). فيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام: القسم الأول: الألفاظ المأثورة، وهي التي وردت بها النصوص. القسم الثاني: الألفاظ المعروفة، وهي التي بُيِّنَت معانيها. القسم الثالث: الألفاظ المبتدعة، التي تدل على معنى باطل. القسم الرابع: الألفاظ المبتدعة، التي تحتمل الحق والباطل. فلفظ (الذات) و (بائن) هي من القسم الثاني. وهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات. فهذا النقل يدل على إثبات علوه تعالى وإثبات استوائه، ويؤكد على أن عقيدة أهل السنة ليست تشبيهًا ولا تكييفًا ولا تفويضًا فيقول هنا: «لا يحل فيها، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه»، فهذا الكلام-أيضًا-يصبُّ في

стр. 636

نفس الأمر وهو إثبات العلوِّ وإثبات الاستواء وإثبات سائر الصفات ما دام أن النص جاء بها. لذا لا ينبغي أن يكون عند طالب العلم ذرَّةُ شكٍّ أو تردُّدٍ في إثبات صفة جاء بها الحديث الصحيح؛ فإذا صح الحديث فلا تتردَّد أن تثبت ما أثبته الله لنفسه، وأن تعتقد الاعتقاد الجازم أن ما أخبر به الرسول ﷺ حقٌّ كما أن ما أخبر الله به حقٌّ، وإلا يصبح حالنا كحال من وصفه النبي ﷺ بقوله: «يُوشِكُ أنْ يَقعُدَ الرجلُ مُتَّكِئًا على أَرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثٍ مِنْ حديثي، فيقول: بينَنَا وبينَكُمْ كتابُ اللهِ، فمَا وَجَدْنا فيه مِنْ حلالٍ اسْتَحْلَلْناهُ، وما وجدَنا فيه مِنْ حرامٍ حرَّمْناهُ، ألَا وإِنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللهِ مثلَ ما حرَّمَ اللهُ» (١)، فأولئك القوم الذين يقولون: ما جاء في القرآن نصدِّق به، وما لم يَأت في القرآن لا نُصَدِّق به، وهؤلاء يُسمُّون أنفسهم: القرآنيين، وهم قومٌ قد وصفهم النبي ﷺ وسمَّاهم؛ ونحن نصدِّق بقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فينبغي التصديق والتسليم بما جاء به النبي ﷺ .

стр. 637

(١٢٥) «وقال الحافظ أبو نُعَيْم في كتابه «محجة الواثقين ومَدرجة الوامقين» (١)، تأليفه: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه، مُستو عليه، لا مُسْتَوْل عليه (٢)، كما تقول الجهمية: إنه بكل مكان (٣)، خلافًا لما نزل في كتابه: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، له العرش المستوي عليه، والكرسي الذي وَسِعَ السموات والأرض، وهو قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وكرسيه جِسم، والسموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فَلَاة (٤)، وليس كرسيه علمه، كما قالت الجهمية، بل يُوضع كرسيه يوم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 638

القيامة لِفَصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي ﷺ (١)، وأنَّه- تعالى وتقدس- يَجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده، والملائكة صفًّا صفًّا»؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده؛ فيغفر لمن يشاء من مُذنبي الموحدين، ويُعَذِّب مَنْ يشاء، كما قال تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]». الأمر جارٍ نفس المجرى، وهو إثبات ما جاءت به النصوص، ولكن هنا تعرَّض لقضايا تفصيلية، وهي إثبات العلوِّ، وإثبات الاستواء، وإثبات العرش، وإثبات الكرسيِّ. فهذه النصوص تشهد بعقيدة أهل السنة، وهذا يُفَنِّد زعمَ الأشاعرة والماتريدية الذين أنكروا ذلك، وحقيقة قول الأشاعرة والماتريدية إنما هو قول الجهمية. فانظر إلى سلف أهل السنة، وانظر إلى سلف هؤلاء؛ تجد أن سلف أهل السنة هم الصحابة والتابعون هم من ساروا على هذا النهج، وانظر إلى سلف الأشاعرة والماتريدية تجد أن منهجهم هو منهج الجهمية. فهذه التأويلات التي يردِّدها الأشاعرة اليوم إنما هي بعينها تأويلات بشر المريسي، وبشر المريسي كان يقول بقول الجهمية. فأين سلف هؤلاء مِنْ سلف هؤلاء؟!

стр. 639

فتجد أن منهج أهل السنة منهج إثبات وتصديق وإيمان وتسليم. وأما منهج أولئك فهو منهج رد وطعن؛ إمَّا طعن في الأدلة من حيث ثبوتها، وإما طعن في دلالتها؛ فما استطاعوا أن يطعنوا في ثبوته طعنوا فيه، وما لم يستطيعوا الطعن في ثبوته طعنوا في دلالته. وبالتالي حرَّفوا وبدَّلوا وغيَّروا، وهذا لا يمكن أن يُقبل في أصل الدين الذي هو توحيد الله الذي قام على أصلين: (التوحيد والاتباع). وكل مَنْ في قلبه غيرة لدينه ولعقيدة أهل السنة والجماعة، فإنه لا يَقبل أن يخدش توحيد الله بأي خدش. وقد أجمع السلف على أن الله فوق سماواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه، لا مُستولٍ عليه كما تقول الجهمية، وكما يقول أذنابهم وأتباعهم من الأشاعرة والماتريدية الذين قالوا: إن الله بكل مكان. وكلام هؤلاء دائر بين حالين: الحال الأولى: نفي وجوده ؛ فقالوا: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته. فبهذا لم يثبتوا له وجودًا أصلًا. والحال الثانية: حال مَنْ قالوا: إنه في كل مكان. وليس أشر من هذا إلا هذا، فهم بين شَرَّين: إما أن ينفوا وجوده ، وإمَّا أن يزعموا أنه في كل مكان. ولا ندري ما يَضيرهم لو أثبتوا لله عُلُوًّا يَليق بجلاله بدل هذا التخبُّط الذي وَقعوا فيه، ومعهم في ذلك كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، ألم يقل : ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]؟ ألم يقل : ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]؟ ألم يقل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]؟ ألم يُعرج بالنبي ﷺ حتى بَلَغ سدرة المنتهى وخاطبه الله بالصَّلاة؟ فما موقفهم من هذه النصوص؟ فوالله ما أبعدهم عن الاعتقاد الصحيح إلا آراؤهم الفاسدة؛ لأنهم في الأساس لم يَجعلوا من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ سبيل هداية وطريق نجاة، فبالتالي زَلُّوا وضلُّوا، والله تعالى تعهَّد بالهداية لمن تمسَّك بالكتاب والسنة؛ قال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، إذًا ضمن الله تعالى الهداية لمن أخذ بكتابه وأخذ بسنة نبيه ﷺ ، ولا شك أنَّ من حاد عن ذلك فهو في ضلال، والله يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

стр. 640

[الإسراء: ٩]، ويقول جل وعلا: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ فينبغي على الإنسان أن يَعلم أن سبيل الهداية إنما هو الأخذ بالكتاب والسنة. فلذلك ذكر الحافظ أبو نُعيم-في هذا الأمر-النصوصَ الواردة من إثبات علوه سبحانه، وإثبات استوائه، وإثبات الكرسي، وإثبات مجيئه ﷻ ، وهذا ما شهدت به النصوص، وكَذَّب به هؤلاء؛ فكذبوا بعُلُوِّهِ، وكذبوا باستوائه، وكذبوا بوجود عرشه، وكذبوا بوجود كرسيِّه؛ فقالوا: «العرش: المُلْك، والكرسيُّ: العلم»، وكلما جاءهم نص أخذوا في إنكاره أو تأويله، لا لشيء إلا لأن عقولهم وأباطيلهم تقول بضد ذلك. فمن هنا كما يقال: العاقل من اتَّعظ بغيره. فهذه عظة ودرس لطالب العلم ينبغي أن يستفيد منه أمرًا عظيمًا، وهو: أن البعد عن الكتاب والسنة يؤدي إلى الإنكار والتكذيب، فإذا ابتعد الإنسان عن هذا الأصل (الكتاب والسنة)، وأخذ ينحى تلك المناحي وتلك السبل، فلا شك أنه على باطل، والله قد نصحنا ووجَّهنا في ذلك؛ فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. لذا نكرر دائمًا أن على طالب العلم أن يلزم هذا المنهج، وأنه متى ما لزمه أنار الله بصيرته، وأعطاه قدرة على التمييز بين ما هو حق وبين ما هو باطل، في هذا الباب وفي غيره من أبواب الدين؛ لأن هذه الأصول تلازم طالب العلم في كل أحواله. وقوله: «وأجمعوا أن الله فوق سماواته عال على عرشه، مُستو عليه، لا مُسْتَوْل عليه». قال ابن القيم ﵀: "إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد. فالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام. وأما المقيد فثلاثة أضرب: أحدها: مقيد "بإلى" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى

стр. 641

السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف. الثاني: المقيد "بعلى" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضاً معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة. الثالث: المقرون "بواو مع" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم" (١). ومما يؤكد أيضاً أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: "والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه". قال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨]. وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بضبضاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي. وقد ذكر النضر بن شميل -وكان ثقة مأموناً جليلاً في علم الديانة واللغة-قال: "حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه" (٢). وقال ابن القيم: "إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول" (٣). ولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون

стр. 642

بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (١). وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (٢). وقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (٣). وقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: "سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع" (٤). وفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم. وأما أقوال المخالفين في هذه المسألة فهي على النحو الآتي: الفريق الأول: نفاة الاستواء سبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجاً مستقلاً في مسألة الصفات يتفقون جميعاً على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهاً لله عن مشابهة المخلوقين. وإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر -وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.

стр. 643

وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات. وبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها: القول الأول: من هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة. وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (١)، والمعتزلة (٢)، والحرورية (٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (٤)، كسيف الدين الآمدي (٥)، والغزالي (٦)، والبغدادي (٧)، وغيرهم. وقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك: قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق وقال الآخر: هما استويا بفضلهما جميعاً … على عرش الملوك بغير زور وقال الآخر: فلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر-رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾،

стр. 644

قال: "استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان" (١). ومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهاً على ما دونه. ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (٢)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (٣). الرد عليهم: لقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف. ولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول: أولاً: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان

стр. 645

استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود. أما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (١). ثانياً: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد "ثم" التي حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجوداً قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾. وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض" (٣). فالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجوداً قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (٤). ثالثاً: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

стр. 646

(٨٦)﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (١). رابعاً: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (٢). خامساً: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم: إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين. فهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: "هو كما أخبر "، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: "اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاداً فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة: إلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (٣) "وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟ فقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها). والخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل" (٤). وكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى

стр. 647

استولى إلا في حق من كان عاجزاً ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى. وقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: "استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجاً، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب" (١). فبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة. وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق وقول آخر: هما استويا بفضلهما جميعاً … على عرش الملوك بغير زور فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما. قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما" (٢). فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة. قال أبو عمر بن عبد البر: "وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى

стр. 648

﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد" (١). وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره. القول الثاني: أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء. وهذا هو قول بعض الجهمية (٢)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (٣). الرد عليهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض. وكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … " فإذا كان العرش مخلوقاً قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟! هذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازاً ولا في نظم ولا في نثر. ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضاً ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك" (٤). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع

стр. 649

على ما لم يقله مسلم" (١). القول الثالث: أن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكر بن فورك (٢)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل. الرد عليهم: أن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعالياً على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (٣). القول الرابع: وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى. وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قرباً فيصير مستوياً عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري. وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (٤)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضاً قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (٥). والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته-كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية -كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.

стр. 650

وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضاً، إذ هي قديمة أزلية" (١). وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: "إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثاً، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة. وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز" (٢). الرد عليهم: لقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلواً عما يمكن الاتصاف به في الأزل. ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذاً فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع. وقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعاً فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفاً. ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاماً وفعلاً، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائناً عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.

стр. 651

وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقاً أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات المباينة له صفات كمال" (١). وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائداً على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى" (٢). الفريق الثاني: القول بالتفويض ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (٣). وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (٤) وهو أحد قولي الرازي (٥). وهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه. وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (٦). ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا". وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب".

стр. 652

والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]. الرد عليهم: معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعاً أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة. قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعاً مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك" (١). وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثاً حديثاً ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهباً لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها" (٢). ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية" (٣). وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول

стр. 653

والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (١). والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلوماً في القرآن. ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف. وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقاً بل غالباً ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض. الفريق الثالث: قول المشبهة والمقصود بهم الهشامية (٢) من الروافض، والكرامية (٣)، وغيرهم. وهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء. فالهشامية مثلاً يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (٤).

стр. 654

وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه: فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش. ومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به. ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشاً موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكاناً له لأنه أكبر منها كلها. ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به (١). وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته. فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شيء". ونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكاناً مخصوصاً ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه" (٢). وأما الكرامية فيقول ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقراراً وإنه بجهة فوقَ ذاتاً وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا". ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه". وقال بعضهم: "أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم". وقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش. وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش" (٣). الرد عليهم: هذا القول للمشبهة يتضمن حقاً وباطلاً.

стр. 655

فالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه. وأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥]. ومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢]. والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟ والجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة. ومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعاً. ومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: "ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة") (١). وقال ابن القيم: "إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا

стр. 656

يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم" (١).

стр. 657

(١٢٦) «وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني-شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده-قال: أحببتُ أن أُوصي أصحابي بوصية من السُّنَّة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين». معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية، والصوفية قد مرت بمراحل؛ فكان أولها زهد وتجرد ولزومٌ لعقيدة أهل السنة؛ ولو قرأت في «الغنية لطالبي طريق الحق » لعبد القادر الجيلاني، أو في غيرها من كتب الصوفية للمتقدمين، تجد أن كلامهم في الاعتقاد هو نفس كلام السلف من أهل السنة، ولكن بعد ذلك صار فيهم ما صار من الانحراف والبعد عن المنهج الحق؛ بسبب ما دخل عليهم من الجهل. وترك العلم الصحيح أدى بهؤلاء وغيرهم إلى الانحراف والشطط الذي عليه البعض الآن؛ لأن الإنسان إنما يهتدي بالعلم وبالنور، الذي جعله الله طريقًا للهداية. أمَّا إذا ترك الإنسان العلم فهذا أضر ما يكون عليه؛ لأن ترك العلم معناه الجهل، والجهل يُصيب الإنسان في العلم والعمل؛ فأصيب الصوفية بترك العلم، وهذا شيء خطير؛ لأن منهج أهل السنة يقوم على العلم والعمل معًا. وأهل السنة في هذا الأمر يقابلهم فئتان: أهل الكلام وأهل التصوف. فأهل السنة منهجهم يقوم على العلم والعمل معًا، فالعلم وحده لا يكفي لكي يكون العبد من أهل السنة؛ فلا يعتقدن بعض طلبة العلم أنه بمجرد ما فهم مسائل اعتقاد أهل السنة أن هذا يكفيه ويُغنيه عن العمل! فهو بهذا يكون قد حاد عن منهج أهل السنة، وهذا للأسف أمر يقع فيه بعض طلبة العلم؛ حيث تراه عارفاً بالمسائل ومدركاً لها، ويجيب فيها الجواب الصحيح، لكن تنظر له من ناحية العمل تجد أن عنده تقصيرًا فيه. فهذا واقع وملموس، وهذا للأسف انحراف، ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن

стр. 658

تيمية: «من دعا إلى العلم دون العمل المأمور به كان مضلًّا، ومَن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلًّا، وأضل منهما مَنْ سلك في العلم طريق أهل البدع؛ فيتبع أمورًا تُخالف الكتاب والسنة يظنها علومًا وهي جهالات. وكذلك مَنْ سلك في العبادة طريق أهل البدع؛ فيعمل أعمالًا تُخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات، وهي ضلالات. فهذا وهذا كثير في المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر. يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة. وطريق اللّه لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقًا الشريعة. فالسالك طريق الفقر والتصوف والزهد والعبادة إن لم يَسلك بعلم يُوافق الشريعة، وإلَّا كان ضالًّا عن الطريق، وكان ما يُفسده أكثر مما يصلحه. والسالك من الفقه والعلم والنظر والكلام إن لم يُتابع الشريعة ويَعمل بعلمه وإلَّا كان فاجرًا ضالًّا عن الطريق. فهذا هو الأصل الذي يجب اعتماده على كل مسلم» (١). فمن كان عنده علم بدون عمل ففيه شَبَهٌ بأهل الكلام؛ لأنهم اهتموا بالعلم وامتدحوه وأهملوا العمل، وجاء الصوفية في المقابل؛ فاهتموا بالعمل وامتدحوا وأهملوا العلم. فهذه القسمة مهمة لطالب العلم جدًّا؛ لأنها أشبه بجناحي الطائر، فإذا أردت أن تكون سُنِّيًا سلفيًّا فلا غنى لك عن هذين الجناحين: (العلم والعمل). ولذلك حمل الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الحارث المحاسبي؛ حيث وجده مهتمًّا بالكلام في محاسبة النفس وأخذها بالشدة وسلوك طريق التقشف التي لم يَرد بها الشرع مُتَقَلِّلًا من شأن العلم النافع (الكتاب والسنة). ومنهج أهل السنة يرفض ذلك رفضًا تامًّا، فأهل السنة يقولون: لا بد من العلم والعمل معًا، وينبغي أن يكون كلٌّ من العلم والعمل مبنيًّا على الكتاب والسنة، فينبغي أخذ العلم من الكتاب والسنة، وينبغي كذلك أخذ العمل من الكتاب والسنة. فأهل الكلام اهتموا بالعلم فقط، وأهملوا العمل، ولذلك إذا قرأت في كتبهم تجد التركيز على القضايا العلمية (النظرية)، ولا تجد فيها ذكرًا لجانب العمل. ولذلك تلمس الآن في واقعهم: أنَّ الأشعرية منهم بحاجة ماسة إلى العمل؛

стр. 659

فيلجأون إلى الصوفية؛ فيضمون إلى باطلهم باطلاً آخر؛ لأن علمهم لم ينبنِ على الكتاب والسنة. وهذا أوقعهم في تخبط شديد، حتى إن الشيطان دخل عليهم من هذا الباب، وخيَّل لهم أنهم يرون الله، وأنه يُكشف لهم الحجاب، وغير ذلك من أباطيلهم وترهاتهم. ولذلك نحذر طلبة العلم-الذين يحرصون على اتباع منهج السلف-من إهمال جانب العمل، ونعم، نرى في الكثير من طلبة العلم حرصًا على طلب العلم وتحصيله وجمعه، ولكنهم في العمل على حال بعض أهل الكلام، وبالتالي نذكرهم بقول شيخ الإسلام: «إن مَنْ كان فيه ترك للعمل ففيه شبه بأهل الكلام» (١). وليس هذا من منهج أهل السنة، وإنما منهج أهل السنة هو (العلم والعمل) معًا؛ لأن العلم حجة على صاحبه إذا لم يَعمل به. وقد ثبت في الحديث الصَّحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعَرَفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذَبت، ولكنك قاتلت لأن يُقال: هو جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فَأُتِي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تَعَلَّمت العلم وعَلَّمْتُه وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورجلٌ وَسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فَأُتِي به فعَرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تُحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار» (٢). فإذا كان هدفك من تحصيل العلم أن تَجعله مجرد أداة تتحصل بها على متاع الدنيا؛ كمنصب أو منزلة أو مال دون أن تعمل بما علمت، فلا بد أن هناك خللًا في النية وبعدًا عن منهج أهل السنة والجماعة. فالصوفية في بدايتها كانت زُهدًا وتجردًا، ولكن بسبب الميل إلى جانب العمل

стр. 660

والتقليل من جانب العلم، نتج عن ذلك ظهور فئة منهم عندهم جهل، ثم تبع ذلك انحراف عن معتقد أهل السنة، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، فترى المتصوفة ليسوا من أهل علم، ولا عندهم حرص عليه. وتجد أن ما عندهم من أذكار وأوراد يقدمونها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وترى من حرصهم على التربية أنهم يهملون جانب العلم تمامًا، فبالتالي نتج عن ذلك التخبط الذي وقعوا فيه.

стр. 661

«قال فيها: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تَشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأنه مُستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة؛ لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق». (١) فهذا الأصبهاني من شيوخ الصوفية في حدود المائة الرابعة أوصى أصحابه بهذه الوصية، ومن هذه الوصية إثبات عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الاستواء على العرش. فهذه أمور واضحة قرر فيها عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة العلو والاستواء وقد سبق تقريرها في بداية الشرح.

стр. 662

«وإنَّ الله سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا (١)، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: «فيقول: هل مِنْ داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل مِنْ تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (٢). ونزول الربِّ إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل؛ فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا» (٣). ثم بعد ذلك ذكر جملة من الصفات منها السمع، والبصر، والعلم، والخبرة، والكلام، والرضى، والسخط، والضحك، والعجب، والتجلي، والنزول، وقرَّر عقيدة أهل السنة في هذه المسائل. والأصبهاني ليس وحده في هذا، حتى عبد القادر الجيلاني في كتابه «الغنية»، يقرر-أيضًا-هذه العقيدة، وسينقل عنه شيخ الإسلام بعد ذلك، وهكذا-أيضًا-وأبو إسماعيل الهروي صاحب «منازل السائرين» يقرِّر هذه العقيدة. فقديمًا كانت مسائل الاعتقاد واضحة عند الصوفية المتقدمين، وكانوا على الطريق المستقيم فيها، وإن وجد بعض الخلل في النواحي الأخرى، لكن كانت أمور الاعتقاد العلمية صافيةً إلى أن اختلط الحابل بالنابل، وأصبحت الآن الصوفية شريكة الأشعرية أو شريكة الماتريدية، وأصبح لا يستغني أحدهما عن الآخر، وقامت مدارس ومعاهد تقرر معتقد الأشعرية؛ وترى أحدهم يقول: أنا أشعري العقيدة نقشبندي الطريقة، أو رفاعي الطريقة، أو أحمدي الطريقة، أو شاذلي الطريقة، إلى غير ذلك من الطرق التي لا حَصر لها ولا عدد. وهذا يؤكد البعد عن الكتاب والسنة؛ مصداقاً لقوله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

стр. 663

(١٢٧) «وقال الشيخ الإمام أبو بكر؛ أحمد بن محمد بن هارون الخَلَّال في كتاب «السنة»: حدثنا أبو بكر الأثرم، حدثنا إبراهيم بن الحارث-يعني العبادي-حدثنا الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر-وهو صاحب الفُضَيْل-قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة (١)، وهذا الاطلاع (٢)، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع؛ فليس لنا أن نتوهَّم كيف وكيف. فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أؤمن بربٍّ يَفعل ما يشاء». ونقل هذا عن الفضيل جماعة، منهم البخاري في «خلق أفعال العباد» (٣). ونقله شيخ الإسلام (٤) بإسناده في كتابه «الفاروق» فقال: حدثني يحيي بن عمار، ثنا أبي، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا حَرَميّ بن علي البخاري، وهانئ بن النضر، عن الفضيل». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 664

هذا نقلٌ عن الفضيل بن عياض في مسألة الكيفية، وقد علمنا أن من معتقد أهل السنة والجماعة عدمَ الخوض في الكيفية، وقد قَعَّد الإمام قاعدةً في هذا فقال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه». فلا يجوز للإنسان أن يخوض في الكيفية؛ لا بفكره ولا بخواطره ولا بلسانه، ولا حتى بمجرد السؤال عن ذلك؛ باعتبار أن هذا الأمر أمرٌ قد غَيَّبه الله عن عباده، وقد قال جل وعلا: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، والله لم يُطْلِعِ الخلقَ على كيفية ذاته؛ قال ﷻ : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وقال : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. فلذلك مِنْ وصية الفضيل بن عياض هنا أن قال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو» (١)، أي: أنه ليس لواحد منا أن يَخوض في هذه المسألة بفكره أو برأيه، فينبغي على الإنسان أن يُوصد هذا الباب؛ لأن أيَّ كلام فيه يُعَدُّ من التقوُّل على الله بغير علم، وقد قال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]. فلا يجوز التقوُّل على الله بغير علم، وهذه قاعدة من قواعد أهل السنة والجماعة: أنه ليس لقائل ولا لطالب علم ولا لخائض في هذه المسائل: أن يتحدث عن أمر الكيف، وإذا خطر للإنسان خاطر في ذلك، فعليه أن يَرُدَّ هذا الخاطر إلى النصوص، وأن يقف عند الحد الذي أوقفنا الله عنده. والمؤمن يَمتثل قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فأمرٌ لا عِلم لك به، لا يجوز لك أن تَدخل فيه بأي حال من الأحوال. وعلَّل الفضيل بن عياض ذلك فقال: «لأنَّ الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤: ١]».

стр. 665

والشاهد من هذه السورة: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، فمعلوم أن الشيء إنما تُعْلَم كيفيته من وجوه: الأول: برؤيته ومشاهدته، فالإنسان متى ما شاهد الشيء ورآه استطاع أن يصفه، وهذا كما نعلم جميعًا أنه في حق الله تعالى مُمتنع، وحديث النبي ﷺ واضح في ذلك حيث قال للصحابة رضوان الله عليهم: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (١)، فإذًا فباب رؤية الله تعالى والاطلاع على كيفية ذاته-مَوصود إلى قيام الساعة. الثاني: وجود النظير المماثل أو المساوي للشيء؛ فأنت إذا رأيت شخصًا، ثم رأيت من يشبهه قلت: هما في الهيئة والشكل سواء، ولذلك قال الله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ومعنى الكفو أو الكفؤ على القراءة الأخرى المتواترة: هو المَثيل والشبيه والنظير. فإذًا ليس هناك مثيلٌ لله حتى نقيس الله عليه. فإذًا لم يبقَ لنا أيُّ طريق لمعرفة الكيفية، فهذا باب موصود، وبالتالي لا يجوز الخوض فيه بأيِّ حال من الأحوال، وهذه من الأسس الثابتة في منهج أهل السنة والجماعة. ثم قال بعد ذلك: «وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يَطَّلع»، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، كيف يضحك؟ كيف ينزل؟ كيف استوى؟ كيف يباهي؟ كل هذه أمور غيبية بالنسبة لنا، فينبغي على طالب العلم ألا يتجرَّأ في هذا الباب وألا يخوض فيه ولو بمجرد التعبير. فَمِنْ معتقد أهل السنة: أن الإنسان إذا أثبت صفةً من الصفات، فقال مثلًا: ينزل ربنا ﵎ للسماء الدنيا، أن يقول في ذلك: كما يليق بجلاله وكماله، والله أعلم بكيفية نزوله، وهكذا، والله يضحك كما يليق بجلاله وكماله ، والله أعلم بكيفية ذلك. ففي كل هذه الصفات يجب على الإنسان أن يقف فيها على النص، ومعلوم أن العبد إذا تمسك بذلك فقد تميَّز عن طوائف التعطيل وطوائف التشبيه؛ لأن طوائف

стр. 666

التعطيل يقولون مثلًا: لا نعقل من الضحك إلا تكشير الأنياب. وهذا سوء تعبير؛ لأن الذي أخبر بالضحك هو النبي ﷺ . وضحك الله هو كما يليق بجلاله وكماله . فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يخوض في شأن هيئة هذا الضحك، أو كيفيته، وفي الوقت ذاته لا يجوز له أن يُؤَوِّل أو يُحَرِّف هذه النصوص؛ لأنها نصوص واضحة في إثبات تلك الصفات، ولا تقبل تلك التأويلات بأيِّ حال من الأحوال. ثم يقول الفضيل: «فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء» (١). فهكذا جواب أهل السنة؛ أنهم يتمسكون بهذه النصوص ويعتصمون بها ويثبتونها لله ؛ لأن الله قد أخبر بها، وكذلك رسوله ﷺ قد أخبر بها. ولذلك لما قال بعض هؤلاء: إذا أثبت جهة العلو يَنبغي أن تثبت جهة السفل؛ لأن مَنْ له فوق له تحت (٢)! وهذه شُبهة من شبهات الجهمية؛ قالوا: إذا أثبت لله جهة العلو فيجب أن تثبت له جهة السُّفل، أو تثبت له التحتية كما أثبتَّ له الفوقية والعُلُوَّ. فما كان جواب أهل السنة إلا أن قالوا: لو أثبتَ الله لنفسه التحت، لأثبتناه له كذلك، لكننا لم نثبت العلوَّ له من تلقاء أنفسنا، وإنما الله هو الذي أثبته لنفسه ؛ لذلك فنحن نُثبت له ما أثبته لنفسه ابتداء. فانظر إلى جواب أهل السنة الذي يلجم كلَّ معارض في هذا، فالله -هو الذي أثبت لنفسه جهة العلوِّ، وهو الذي أثبت لنفسه الاستواء على العرش، فهذا أمر لم يَصدر من البشر ولم يصدر منا في حقه ! فعندما قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكان، كان جواب السنِّي: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء. فالمؤمن يُسَلِّم بخبر الله ويؤمن به ولا يُكذبه، بخلاف أهل التعطيل الذين أنكروا ذلك وحاولوا جاهدين أن يَنفوا تلك الصفات بأنواع وطرق من التأويلات قد ذكرناها سابقًا. فمثلًا لو جئت للجهمية أو المعتزلة، وكذا غالب الأشاعرة والماتريدية، لوجدتهم

стр. 667

-مثلًا-ينكرون الاستواء، ويُؤوِّلونه بالاستيلاء، ويؤوِّلون اليد بالنعمة، أو القوة، أو القدرة، وهكذا. وقدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وقالوا: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات. وتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل. وبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال. وتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى. فطرقهم في التأويل متعددة، ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يحذر من ذلك كله، وأن يُثبت الصفة كما أثبتها الله لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ ، ويؤمن بمعناها، ويَكِلُ أمر الكيف إلى الله ، مع اعتقاده في نفس الأمر أن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ بمعنى: أن لله خصائص في ذلك الأمر لا يعلمها البشر.

стр. 668

(١٢٨) «وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سَمَّاه: «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، وذكر أنه يُوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد». نقل المصنف كلام الهروي في كتابه «الفاروق»: الذي سَمَّاه «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، وذكر «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، يقصد وسائل الشيطان في هذا الباب، ومعلوم أن الشيطان يسعى لإغواء بني آدم. فالشيطان يأتي لبني آدم من بابين هما: باب الشهوات. وباب الشبهات. فإن وجد في العبد ميلًا للشهوات جاءه من باب الشهوات، وإن وجد فيه صلابةً وقوة دين دخل عليه من باب الشُّبهات. فعلى الإنسان أن يحذر من ذلك، فلا يظنن أنه بمجرد نجاته من الشهوات المحرمة وبُعْدِهِ عنها أنه قد سلم ونجا! لا، فإن الشيطان سيدخل عليه من الباب الآخر؛ باب الشبهات. ومن الشبهات التي يلقيها الشيطان على ابن آدم: القنوط، أي: يُيَئِّسُ الإنسان من رحمة الله ، ويجعله يظن أنه هالك، وأنه لا سبيل إلى نجاته لما وقع فيه من مُحرمات؛ فيأتيه الشيطان من هذا الباب. أو يأتيه من باب الغرور وطول الأمل، فيجعله يسوِّف الساعة وراء الساعة، واليوم وراء اليوم، والشهر وراء الشهر؛ وتمضي الأيام وهو في غرور وطول أمل. فالشيطان يأتي للإنسان من هذا الباب، وله طرق متعددة. ومما لا شك فيه أن الجهل من أخطر ما يكون على المسلم، لذا فإن الشيطان إذا وجد في الإنسان جهلًا أوقعه في أحد أمرين خطيرين: إمَّا التساهل والانحلال، وإمَّا الغلو والتشدد.

стр. 669

وهذا كثير في الناس اليوم، إمَّا أن تراه متساهلًا غير ملتزم بأمور الدين، فقد يكون مضيعًا لفرائص الإسلام، واقعًا في الشهوات المحرمة، مبتعدًا عن هدي الإسلام في هيئته ولباسه وكلامه وحياته كلها. وإما أن تراه غاليًا متشددًا في الدين على جهل. فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، لما يَرى عنده من قلة علمٍ، فيبدأ بعد ذلك يزين له الآراء والأحكام والأقوال المتشددة، حتى يوقعه في غلُوٍّ يُخرجه عن هذا الدين، والنبي ﷺ حَذَّرنا من الغلُوِّ في الدين؛ فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (١)، وقال هذا عند لقط الحصى من المزدلفة، فنهى عن الغلُوِّ في قدر الحصى، فما بالنا في سائر أمور الدين؟ وبَيَّن النبي ﷺ حال الخوارج، فقال: «تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ» (٢). إذًا هم أهل دين والتزام، حتى إن أحدهم من كثرة تعبُّده وصلاته وصيامه يفوق الصحابة في ذلك، ويحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، ومع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وفي كتاب «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» لابن القيم، بيان لمسالك ودروب الشيطان التي يَسلكها مع بني آدم فيجدر الاطلاع عليه. وينبغي على الإنسان أن يحذر هذه الأبواب، وأن يُغلقها جميعًا، ولا يظن أنها باب أو بابان أو ثلاثة، بل هي أبواب كثيرة، والنجاة من ذلك كله أن يعتصم الإنسان بالعلم الصحيح والعمل الصحيح؛ لأن الشهوات تأتي في ناحية الإرادة والعمل؛ والشبهات تأتي في ناحية التفكير والنظر، فإذا سلِم الإنسان في فكره ونظره لا يسلَم حتى يكون على علم، وإذا سلِم في إرادته لا يسلَم حتى يكون على عمل صحيح، فبالتالي يغلق أبواب الشر كلها على الشيطان.

стр. 670

فإذا بنى الإنسان فكره ونظره على علم صحيح، مَيَّز فيه بين ما هو من دين الله تعالى وما ليس من دينه . وهذا كله إنما يتأتى من العلم المبنيِّ على الكتاب والسنة، ولذلك لا تَستغرب عندما يبوِّب البخاري بابًا بعنوان: «باب العلم قبل القول والعمل»؛ لأن العلم يَحرس الإنسان ويحميه وينجيه بإذن الله- -من المهالك. فالإنسان بحاجة إلى ما يُصحِّح به نظره وفكره، حتى تستقيم لديه الموازين؛ فيَعرف ما ينفعه وما يضره، وهذا إنما يتأتى بالعلم؛ لأن هذا العلم مِنْ أول ما يغرس في هذا الإنسان معرفة الله ، ولذلك الجهل إنما يؤدي إلى الجهل بالله ، وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وتأمل قوله تعالى: ﴿فأنساهم أنفسهم﴾؛ بمعنى: أن يصل الإنسان إلى حالٍ لا يَعرف فيه ما يصلحه وينفعه. وانظروا إلى أولئك الذين نراهم في هذه الدنيا وقد أصبحوا في عداد البهائم وصاروا لا يعرفون الله ، وترى مِنْ أحوالهم ما الله به عليم، من ضياع لأنفسهم في أمور الآخرة، بل حتى في أمور الدنيا. فانظر-مثلًا-إلى الأماكن التي يجتمع فيها هؤلاء؛ فترى الواحد منهم يتعاطى السم الزعاف، ويُهلك صحته التي وهبها الله له، وتراه غارقًا في لهوه وتجري به الأيام حتى ينتهي عمره، ثم بعد ذلك يلقى مصيره عند الله . وانظر في المقابل إلى الذين عرفوا الله ، وتعلموا العلم؛ فأصبح هذا العِلم يَقيهم مصارع السوء، وأصبح حصنًا لهم يَرجعون إليه في نظرهم وفكرهم وموازينهم، وفي جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ فأنقذهم الله به. فالشاهد: أن الشيطان يأتي للإنسان من هذين البابين: (باب الشهوات، وباب الشبهات)، خاصَّةً إذا كان عند الإنسان دين؛ لأن صاحب الشهوة قد صار في حزب الشيطان وسلك طرقه، فيكون الشيطان قد انتهى من شأنه، ولا حاجة للشيطان أن يشغله بشيء آخر، وإنما يسعى الشيطان سعيًا حثيثًا إلى مَنْ هو على طريق الهداية. وقد أخذ عدو الله عهدًا على نفسه؛ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣: ٨٢]. فمن كان من عباد الله المخلصين نجا من هذا العدوِّ اللعين؛ الذي يتربَّص بالإنسان إلى آخر لحظات حياته. هذا وليعلم مع ذلك أن كيد الشيطان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ
следующие страницы →