التعطيل يقولون مثلًا: لا نعقل من الضحك إلا تكشير الأنياب. وهذا سوء تعبير؛ لأن الذي أخبر بالضحك هو النبي ﷺ . وضحك الله هو كما يليق بجلاله وكماله .
فبالتالي لا ينبغي للإنسان أن يخوض في شأن هيئة هذا الضحك، أو كيفيته، وفي الوقت ذاته لا يجوز له أن يُؤَوِّل أو يُحَرِّف هذه النصوص؛ لأنها نصوص واضحة في إثبات تلك الصفات، ولا تقبل تلك التأويلات بأيِّ حال من الأحوال.
ثم يقول الفضيل: «فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء» (١). فهكذا جواب أهل السنة؛ أنهم يتمسكون بهذه النصوص ويعتصمون بها ويثبتونها لله ؛ لأن الله قد أخبر بها، وكذلك رسوله ﷺ قد أخبر بها.
ولذلك لما قال بعض هؤلاء: إذا أثبت جهة العلو يَنبغي أن تثبت جهة السفل؛ لأن مَنْ له فوق له تحت (٢)!
وهذه شُبهة من شبهات الجهمية؛ قالوا: إذا أثبت لله جهة العلو فيجب أن تثبت له جهة السُّفل، أو تثبت له التحتية كما أثبتَّ له الفوقية والعُلُوَّ.
فما كان جواب أهل السنة إلا أن قالوا: لو أثبتَ الله لنفسه التحت، لأثبتناه له كذلك، لكننا لم نثبت العلوَّ له من تلقاء أنفسنا، وإنما الله هو الذي أثبته لنفسه ؛ لذلك فنحن نُثبت له ما أثبته لنفسه ابتداء.
فانظر إلى جواب أهل السنة الذي يلجم كلَّ معارض في هذا، فالله -هو الذي أثبت لنفسه جهة العلوِّ، وهو الذي أثبت لنفسه الاستواء على العرش، فهذا أمر لم يَصدر من البشر ولم يصدر منا في حقه !
فعندما قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكان، كان جواب السنِّي: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء.
فالمؤمن يُسَلِّم بخبر الله ويؤمن به ولا يُكذبه، بخلاف أهل التعطيل الذين أنكروا ذلك وحاولوا جاهدين أن يَنفوا تلك الصفات بأنواع وطرق من التأويلات قد ذكرناها سابقًا.
فمثلًا لو جئت للجهمية أو المعتزلة، وكذا غالب الأشاعرة والماتريدية، لوجدتهم
стр. 667
-مثلًا-ينكرون الاستواء، ويُؤوِّلونه بالاستيلاء، ويؤوِّلون اليد بالنعمة، أو القوة، أو القدرة، وهكذا.
وقدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وقالوا: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات.
وتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل.
وبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال.
وتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى.
فطرقهم في التأويل متعددة، ولذلك ينبغي على طالب العلم أن يحذر من ذلك كله، وأن يُثبت الصفة كما أثبتها الله لنفسه وكما أثبتها له رسوله ﷺ ، ويؤمن بمعناها، ويَكِلُ أمر الكيف إلى الله ، مع اعتقاده في نفس الأمر أن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ بمعنى: أن لله خصائص في ذلك الأمر لا يعلمها البشر.
стр. 668
(١٢٨) «وقال عمرو بن المكي في كتابه الذي سَمَّاه: «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، قال: «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، وذكر أنه يُوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد».
نقل المصنف كلام الهروي في كتابه «الفاروق»: الذي سَمَّاه «التعرف بأحوال العباد والمتعبدين»، وذكر «ما يجيء به الشيطان للتائبين»، يقصد وسائل الشيطان في هذا الباب، ومعلوم أن الشيطان يسعى لإغواء بني آدم.
فالشيطان يأتي لبني آدم من بابين هما:
باب الشهوات.
وباب الشبهات.
فإن وجد في العبد ميلًا للشهوات جاءه من باب الشهوات، وإن وجد فيه صلابةً وقوة دين دخل عليه من باب الشُّبهات.
فعلى الإنسان أن يحذر من ذلك، فلا يظنن أنه بمجرد نجاته من الشهوات المحرمة وبُعْدِهِ عنها أنه قد سلم ونجا! لا، فإن الشيطان سيدخل عليه من الباب الآخر؛ باب الشبهات.
ومن الشبهات التي يلقيها الشيطان على ابن آدم: القنوط، أي: يُيَئِّسُ الإنسان من رحمة الله ، ويجعله يظن أنه هالك، وأنه لا سبيل إلى نجاته لما وقع فيه من مُحرمات؛ فيأتيه الشيطان من هذا الباب.
أو يأتيه من باب الغرور وطول الأمل، فيجعله يسوِّف الساعة وراء الساعة، واليوم وراء اليوم، والشهر وراء الشهر؛ وتمضي الأيام وهو في غرور وطول أمل.
فالشيطان يأتي للإنسان من هذا الباب، وله طرق متعددة.
ومما لا شك فيه أن الجهل من أخطر ما يكون على المسلم، لذا فإن الشيطان إذا وجد في الإنسان جهلًا أوقعه في أحد أمرين خطيرين: إمَّا التساهل والانحلال، وإمَّا الغلو والتشدد.
стр. 669
وهذا كثير في الناس اليوم، إمَّا أن تراه متساهلًا غير ملتزم بأمور الدين، فقد يكون مضيعًا لفرائص الإسلام، واقعًا في الشهوات المحرمة، مبتعدًا عن هدي الإسلام في هيئته ولباسه وكلامه وحياته كلها.
وإما أن تراه غاليًا متشددًا في الدين على جهل.
فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، لما يَرى عنده من قلة علمٍ، فيبدأ بعد ذلك يزين له الآراء والأحكام والأقوال المتشددة، حتى يوقعه في غلُوٍّ يُخرجه عن هذا الدين، والنبي ﷺ حَذَّرنا من الغلُوِّ في الدين؛ فقال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» (١)، وقال هذا عند لقط الحصى من المزدلفة، فنهى عن الغلُوِّ في قدر الحصى، فما بالنا في سائر أمور الدين؟
وبَيَّن النبي ﷺ حال الخوارج، فقال: «تُحَقِّرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ» (٢).
إذًا هم أهل دين والتزام، حتى إن أحدهم من كثرة تعبُّده وصلاته وصيامه يفوق الصحابة في ذلك، ويحقرون صلاتهم إلى صلاتهم، ومع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
وفي كتاب «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» لابن القيم، بيان لمسالك ودروب الشيطان التي يَسلكها مع بني آدم فيجدر الاطلاع عليه.
وينبغي على الإنسان أن يحذر هذه الأبواب، وأن يُغلقها جميعًا، ولا يظن أنها باب أو بابان أو ثلاثة، بل هي أبواب كثيرة، والنجاة من ذلك كله أن يعتصم الإنسان بالعلم الصحيح والعمل الصحيح؛ لأن الشهوات تأتي في ناحية الإرادة والعمل؛ والشبهات تأتي في ناحية التفكير والنظر، فإذا سلِم الإنسان في فكره ونظره لا يسلَم حتى يكون على علم، وإذا سلِم في إرادته لا يسلَم حتى يكون على عمل صحيح، فبالتالي يغلق أبواب الشر كلها على الشيطان.
стр. 670
فإذا بنى الإنسان فكره ونظره على علم صحيح، مَيَّز فيه بين ما هو من دين الله تعالى وما ليس من دينه . وهذا كله إنما يتأتى من العلم المبنيِّ على الكتاب والسنة، ولذلك لا تَستغرب عندما يبوِّب البخاري بابًا بعنوان: «باب العلم قبل القول والعمل»؛ لأن العلم يَحرس الإنسان ويحميه وينجيه بإذن الله- -من المهالك.
فالإنسان بحاجة إلى ما يُصحِّح به نظره وفكره، حتى تستقيم لديه الموازين؛ فيَعرف ما ينفعه وما يضره، وهذا إنما يتأتى بالعلم؛ لأن هذا العلم مِنْ أول ما يغرس في هذا الإنسان معرفة الله ، ولذلك الجهل إنما يؤدي إلى الجهل بالله ، وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وتأمل قوله تعالى: ﴿فأنساهم أنفسهم﴾؛ بمعنى: أن يصل الإنسان إلى حالٍ لا يَعرف فيه ما يصلحه وينفعه.
وانظروا إلى أولئك الذين نراهم في هذه الدنيا وقد أصبحوا في عداد البهائم وصاروا لا يعرفون الله ، وترى مِنْ أحوالهم ما الله به عليم، من ضياع لأنفسهم في أمور الآخرة، بل حتى في أمور الدنيا.
فانظر-مثلًا-إلى الأماكن التي يجتمع فيها هؤلاء؛ فترى الواحد منهم يتعاطى السم الزعاف، ويُهلك صحته التي وهبها الله له، وتراه غارقًا في لهوه وتجري به الأيام حتى ينتهي عمره، ثم بعد ذلك يلقى مصيره عند الله .
وانظر في المقابل إلى الذين عرفوا الله ، وتعلموا العلم؛ فأصبح هذا العِلم يَقيهم مصارع السوء، وأصبح حصنًا لهم يَرجعون إليه في نظرهم وفكرهم وموازينهم، وفي جميع أمورهم الدينية والدنيوية؛ فأنقذهم الله به.
فالشاهد: أن الشيطان يأتي للإنسان من هذين البابين: (باب الشهوات، وباب الشبهات)، خاصَّةً إذا كان عند الإنسان دين؛ لأن صاحب الشهوة قد صار في حزب الشيطان وسلك طرقه، فيكون الشيطان قد انتهى من شأنه، ولا حاجة للشيطان أن يشغله بشيء آخر، وإنما يسعى الشيطان سعيًا حثيثًا إلى مَنْ هو على طريق الهداية.
وقد أخذ عدو الله عهدًا على نفسه؛ ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣: ٨٢].
فمن كان من عباد الله المخلصين نجا من هذا العدوِّ اللعين؛ الذي يتربَّص بالإنسان إلى آخر لحظات حياته.
هذا وليعلم مع ذلك أن كيد الشيطان؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ
стр. 671
ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]، فلا يظنن أحد أنه لا سبيل إلى دفعه أو رده.
والنبي ﷺ يقول عن الشيطان: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» (١)؛ فلا يملك إلا الوسوسة؛ بأن يلقي في نفس الإنسان الهمزات السيئة لفعل المعاصي والشبهات.
وإذا تحصن العبد بالعلم الصحيح وبالعمل الصحيح فهيهات للشيطان أن يجد منفذًا إليه، فينجو بذلك من وساوسه وهمزاته وخطواته.
стр. 672
«فقال: «من أعظم ما يُوسوس في التوحيد بالتشكيك، أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل». فقال بعد ذكر حديث الوسوسة».
الشيطان جاء لكثير من المتصوفة وخيَّل لهم وأوهمهم أنه هو الله، ولذلك نذكر قصة النبي ﷺ مع ابن صَيَّاد، حيث قَالَ له النَّبِيُّ ﷺ : «ماذا ترى؟». قال: أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ» (١).
هذا في قصة ابن صياد، وابن صياد كان يُظن أنه هو الدجال، وهو من يهود المدينة؛ فرآه النبي ﷺ واجتمع به، وكان بينه وبين النبي ﷺ حوارًا، فقال له النبيُّ: «إِنِّي قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خِبْئًا فَمَا هُوَ؟». قَالَ: الدُّخُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اخْسَأْ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (٢)، وكذلك قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ماذا ترى؟ قال: «أَرَى عَرْشًا فَوْقَ الْمَاءِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ فَوْقَ الْبَحْرِ».
فبعض المتصوفة إنما انحرفوا وصاروا إلى ما صاروا إليه؛ لما تركوا العِلم؛ فكثر فيهم الجهل، إلى أن أوهمهم الشيطان أنه يكشف لهم الحجاب، وأنهم يرون الله .
فهذا هو المقصود بالتشكُّل: أن الشيطان يَتشكل لهؤلاء، ويوهمهم أنهم يرون الله ، وهم في الحقيقة إنَّما يرون شيطانًا.
ومن مداخل الشيطان على هؤلاء: إيهامهم بالتشبيه والتمثيل، والخوض في الكيفية، أو بالجحد لها والتعطيل: «فقال بعد ذِكر حديث الوسوسة»، وحديث الوسوسة معروف، وهو أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا للنبي ﷺ : «إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. فقال النبي ﷺ : «أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟». قَالُوا:
стр. 673
نَعَمْ. قَالَ: «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (١).
فالذي وجدوه هو ضيق الصدر وتعاظم واستكبار هذا الأمر؛ لأنهم قالوا: «إن أحدنا ليجد في نفسه ما لِأَن يَخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به»؛ فقال النبي ﷺ : «ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ».
فضيق الصدر دليل على قوة الإيمان، ودليل على أن هذا خاطر يَمر من خواطر الشيطان؛ وعلاجه: أن يقطعه، وأن يستعيذ الإنسان من الشيطان الرجيم، والله تعالى يقول: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
فالشيطان دائم الوسوسة لابن آدم، فعليه أن يعود إلى حِصن الإيمان، وإلى العقيدة الصحيحة ليستمسك بها ويلجأ إليها؛ فهي النجاة والمخرج من هذه الوساوس.
وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ : «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» (٢)، أي: لينتهِ عن التفكير في هذه الخطرات الشيطانية، وليستعذ بالله من هذا الخاطر ولا يسترسل في التفكير فيه.
стр. 674
«واعلم-رحمك الله-أن كُلَّ ما توهمه قلبك، أو سَنَح في مجاري فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حُسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق أو جمال، أو شبح (١) مائل، أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك».
أحيانًا تأتي للإنسان خواطر وسوانح وأفكار وأوهام في ذات الله، والله منزَّه عن ذلك.
قال: «من حُسن، أو بهاء، أو ضياء، أو إشراق، أو جمال، أو شبح مائل أو شخص متمثل فالله تعالى بغير ذلك». يعني: ثِق ثقةً تامَّةً أن هذا الذي رأيت، أو هذا الذي خَطر في بالك، أو هذا الذي توهمته ليس هو الله ؛ لأن بعض الصوفية إنما زلَّت أقدامهم وضلَّت أفهامهم لدخول هذا الأمر عليهم، فلذلك هم يقولون: حدثني قلبي عن ربي، أو جئت من الحضرة الإلهية، وذهبت إلى الحضرة الإلهية، ويقولون: أنتم تأخذون عن الله بواسطة، ونحن نأخذ بلا واسطة، وغير ذلك من كلامهم الذي استزلَّهم الشيطان به؛ فأخرجهم به إلى البدع والضلالات في دين الله ، وكل ذلك سببه الجهل؛ فلما جهلوا أمر دينهم خَيَّل لهم الشيطان ما خيَّل، وأوقعهم فيما أوقعهم فيه.
стр. 675
«بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، أي: لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مِثل، أَوَلَمْ تعلم أنه تعالى لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته وشامخ سلطانه (١)، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فردَّ بما بَيَّن الله في كتابه من نفيه عن نفسه التشبيه والمِثل والنظير والكفؤ.
فإن اعتصمت به وامتنعت منه أتاك مِنْ قِبَل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد ﷺ ، فقال لك: «إذا كان موصوفًا بكذا أو وصفته، أوجب له التشبيه فأكذبه».
تذكر قول النبي ﷺ في هذا: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» (٢)، إذًا يفنى هذا الوجود كله لو كشف الحجاب، ثم يأتي أحدهم ويزعم أنه رأى الله . فكل هذا لا يخرج عن كونه أوهام وضلالات.
ثم قال: «فكما لا يتجلى لشيء إلا اندكَّ، كذلك لا يَتوهمه إلا هلك؛ فرُدَّ بما بَيَّن الله في كتابه من نفسه عن نفسه»، يعني: ادفع التشبيه والتمثيل.
فينبغي أن تردَّ بالكتاب وبالسنة هذه الأوهام، التي قد تُوقع في التكييف أو التشبيه أو التمثيل، فإن اعتصمت بها وامتنعت منها جاءك الشيطان من باب آخر، وهو باب التعطيل؛ لأن مقصد الشيطان أن يَصرف الإنسان عن الله ؛ لأن العلم بالله يتم بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.
стр. 676
والله- -ما تعرف إلينا بذاته، وإنما تعرف إلينا بأسمائه وصفاته وأفعاله، فإذا أتاك الشيطان مِنْ قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدَّس التي في كتابه وفي سنة رسوله ﷺ ؛ فقال لك: إذا كانت له يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه الجارحة؛ لأن الله يستحيل أن يخاطبنا إلا بما نعقل (١).
وهذا شبهة فاسدة؛ لأنه لا يلزم أن يكون كل ما أخبرنا الله معلومًا لنا، فهذه الجنَّة وما فيها مع أنها مخلوقة، لكننا لا نعلم كيفية ما فيها؛ قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وكما قال النبي ﷺ : «فِيهَا مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» (٢).
وكل منا يحمل روحًا في جسده، ومع ذلك لا نعقل كنهها وكيفيتها.
فليس من شرط الإيمان بالشيء: أن تُعقل كيفيته.
فهذه شُبَه باطلة كاسدة فاسدة، لا تأتي إلا من جاهل.
стр. 677
«لأنه اللعين إنما يريد أن يَستزلك ويُغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.
واعلم-رحمك الله تعالى-أن الله تعالى واحد لا كالآحاد، فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد».
الاعتصام بهذه النصوص هو الذي يجعل الإنسان في جُنَّة وفي حصن من التكييف؛ لما يعلم أن الله تعالى لا يُماثله أحد، ولما يعلم أن الله تعالى لم يكن له كفوًا أحد، وأن الله تعالى ليس له مثيل، وليس له سَمِيّ؛ قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال جل وعلا: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال : ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، فكل هذه النصوص تؤكد أنه لا سبيل إلى معرفة كيفية ذات الله .
стр. 678
«إلى أن قال: «خلصت له الأسماء السَّنِيَّة (١) فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفةً كان منها خليًّا، أو اسمًا كان منه بريًّا ﵎».
أي أن الله متصف بهذه الصفات أزلًا؛ فهي صفات ثابتة له أزلًا، فبالتالي لا يجوز القول بأنها حوادث أو غير ذلك، ولا يجوز فَصْلُها عن ذات الله .
الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها. ٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلاً، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح (٢).
стр. 679
«فكان هاديًا سيهدي، وخالقًا سيخلق، ورازقًا سيرزق، وغافرًا سيغفر، وفاعلًا سيفعل».
أي أن الله متصف بهذه الصفات أزلاً، فلا يقول قائل مثلًا: إن الله تعالى لم يكن خالقًا حتى خلق الخلق، أو لم يكن رازقًا حتى رزق العباد، بل هذه صفات الله هو متصِّف بها أزلًا.
فلا يجوز القول بأن هذه الصفات حدثت بعد أن لم تكن موجودةً في ذات الله ، وهذا رد على الذين يقولون: إنَّه يلزم من وصف الله بالصفات حلول الحوادث في ذاته !
فنقول: إن هذه الصفات ما دامت قائمةً بذات الله ، فإن هذا الأمر يدل على أن الله متصِّف بها أزلًا.
стр. 680
«ولم يَحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل فهو يُسمى به في جملة فعله».
أي: وإن كان الاستواء صفة فِعل، وإن كان الضحك والنزول صفة فعل، لكن الله في الأزل عالم بأن هذا الأمر سيكون منه ، فلذلك هذه الصفات تُثْبَت له جميعًا.
وفي هذا ردٌّ على الأشاعرة الذين يقولون: إن إثبات الصفات الفعلية يَلزم منه حلول الحوادث في ذات الله .
وهذا لازم فاسد؛ لأن هناك فرقًا بين ما يكون للمخلوق وبين ما يكون للخالق ؛ فالله متصِّف بهذه الصفات أزلًا، فلا يجوز القول بأنها مَجاز في حقه، أو أنه يَلزم من وصفه بتلك الصفات أن تَحل الحوادث بذاته .
стр. 681
كذلك قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يَستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فتحسر العقول وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلًا، ولا مُشبهًا، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وَقِفْ عند خبره لنفسه مسلمًا، مُستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير».
ثم ذكر المجيء، وذكر قول الله ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، بمعنى: أنه سيجيئ، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيئ، ويكون المجيء منه موجودًا بصفة لا تَلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ فالله أعلم بكيفية مجيئه، ف «جاء» بمعنى: أنه سيجيئ، قال الله : ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، فبالتالي نؤمن به ونَكِلُ حقيقة علم ذلك إلى الله ؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فيَستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين؛ لا في جانب التعطيل ولا في جانب التشبيه، وارضَ لله بما رضي به لنفسه، وقِف عند خبره لنفسه مُسَلِّمًا، مستسلمًا، مصدقًا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير.
يعني: لا تفعل فِعل المعطلة الذين نَفَّروا الناس بألفاظهم التي ألصقوها بهذه الصفات، فقالوا: أجزاء وجوارح وأبعاض وحَيز ومكان، وغير ذلك من العبارات المنفِّرة، ولا كذلك تُنَقِّب وتبحث عن كيف نَزَلَ؟ وكيف استوى؟ وكيف ضحك؟ وكيف؟ وكيف؟ فهذا لا سبيل إليه.
стр. 682
«إلى أن قال: «فهو-﵎-القائل: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾، لا الشجرة (١)».
هذا رَدٌّ على المعتزلة وعلى الأشاعرة الذين يُنكرون أنَّ الله كلَّم موسى حقيقةً.
ومعلوم أن الجهمية والمعتزلة يُنكرون صفة الكلام؛ أما الأشاعرة والماتريدية والكلابية فيقولون: كلام الله: معنى نفسي قائم بالذات (٢)، فعلى زعمهم يُثبتون أصل الكلام، ولكنهم ينفون أن الله تكلم بهذه الكلام حقيقة، ويقولون: إنه معنى نفسي قائم بالذات، والله- -جعل القرآن إمَّا عبارة أو حكاية، فالكلابية يقولون: حكاية. والأشاعرة والماتريدية يقولون: عبارة. بمعنى أن هذه الألفاظ ألفاظ جبريل ﵇ عبَّر بها عن مراد الله، وأن الله تعالى لم يَتكلم بها حقيقة.
ولا شك أن هذا الزعم خلاف ما جاءت به النصوص، ويكفينا في هذا قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فالله كَلَّم موسى ﵇، والأحاديث في الكلام كثيرة، والقرآن كلام الله .
стр. 683
«الجائي قبل أن يكون جائيًا (١) لا أمره، المتجلي لأوليائه في الميعاد؛ فتبيَضُّ به وجوههم، وتَفْلُج (٢) به على الجاحدين حُجَّتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان ﵎، الذى كَلَّم موسى تكليمًا، وأراه مِنْ آياته، فسمع موسى كلام الله؛ لأنه قَرَّبَه نَجِيًّا، تقدس أن يكون كلامه مخلوقًا أو مُحدثًا أو مَربوبًا، والوارث لخلقه (٣)، السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نِعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه- وهو أمره- تعالى وتقدس أن يَحل بجسم، أو يُمازج بجسم أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، الشائي له المشيئة، العالِم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا؛ ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة (٤)، القريب في قُربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يُشبه بالناس».
إلى أن قال: «﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، القائل: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٧: ١٦]؛ تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء؛ جَلَّ عن ذلك علوًّا كبيرًا» (٥).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 684
يعني: كذلك لا ننفي ولا نُؤوِّل المجيء بمجيء الأمر.
فإذًا كل هذا في إثبات حقائق الصفات، وأنها ثابتة لله حقيقة ردًّا على المعتزلة الذين يقولون: سميع بلا سمع، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، خالق بلا خلق. إلى آخر ما قالوه في نفي الصفات.
فهنا أثبت عمرو بن عثمان المكي هذه الصفات، وبَيَّن أنها ثابتة لله حقيقة، كما يشاء ، وكما أخبر الله في كتابه وكما جاء على لسان رسوله ﷺ .
فينبغي على طالب العلم أن يَعتصم بهذه النصوص، وأن يُؤمن ويصدق بها، وأن يُغلق بابين من الشَّرِّ هما: (باب التعطيل، وباب التشبيه)؛ ليَسْلَم بذلك وينجو، ويبقى له باب معرفة الله تعالى صافيًا سليمًا نقيًّا من هذه الشوائب التي حاول هؤلاء إفساده بها، وذلك بإنكارهم لصفات الله ، أو بتأويلها.
فحافظ عليها-أيها السني-حتى تحَفظ بابَ العلم بالله ، وبالتالي يَسْلَم لك اعتقادك.
وقد أشار هنا إلى جملة من الصفات كالمجيء، والتجلي، والاستواء، والكلام، والقرب، ووراثة الخلق، والسمع، والبصر، واليدان، والخلق، والمشيئة، والبسط.
وأشار إلى أتصاف الله بهذه الصفات هو اتصاف حقيقي كما يليق بجلاله ، وأنه لا تعارض بين نصوص العلو والقرب، وأن علوه سبحانه صفة ذاتية لا تنفك عن الذات.
стр. 685
(١٢٩) «وقال الإمام أبو عبد الله؛ الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى: «فَهْم القرآن».
هذا كلام الإمام المحاسبي ﵀، والمحاسبي وإن كان قد أُخِذَ عليه بعضُ الأمور في جوانب العقيدة؛ لأنه كان موافقًا لابن كلاب في مسألة نفي صفات الأفعال الاختيارية، وكذلك في أمورٍ انتقدها عليه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وأَمَرَ بهجره، ولكن المعلوم أنه قد يكون عند الإنسان شيء من الخطأ وشيء من الصواب؛ فيُقبل منه ما كان من الصواب والحق لموافقته للحق، ويُردُّ عليه ما كان من باطل لمخالفته للحق.
وكما هو معلوم أنَّ الحق لا يقوم بالرجال، بل الرجال يقومون بالحق، فمن كتاب الحارث المحاسبي المسمى «فهم القرآن»؛ تكلم عن مسألة: أن النسخ لا يجوز في باب الأخبار، ومعلوم أن النصوص دائرة بين الأخبار والأوامر، فالنسخ إنما يقع في جانب الأمر ولا يقع في جانب الخبر.
стр. 686
«قال في كلامه على الناسخ والمنسوخ، وأن النسخ لا يجوز في الأخبار».
تعريف النَّسخ في اللغة:
النَّسخ: مصدر للفعل الثلاثي: نسخ، يقال: نسَخت أنسَخ نسخًا، ويأتي بمعان: الإزالة -والإبطال-والنقل والإثبات، والتحويل والتبديل:
يقول ابن فارس رحمه الله تعالى: " (نسخ) النون والسين والخاء: أصل واحد، إلا أنه مختلف في قياسه، قال قوم: قياسه: رفع شيء وإثبات غيره مكانه، وقال آخَرون: قياسه: تحويل شيء إلى شيء، قالوا: النَّسخ: نسخ الكتاب، والنَّسخ: أمر كان يُعمَل به من قبل ثم ينسخ بحادث غيره؛ كالآية ينزل فيها أمر ثم تُنسخ بآية أخرى. وكل شيء خلف شيئًا فقد انتسخه، وانتسخت الشمسُ الظلَّ، والشيب الشباب، وتناسخ الورثة: أن يموت ورثةٌ بعد ورثة وأصل الإرث قائم لم يقسم، ومنه: تناسخ الأزمنة والقرون، قال السجستاني: النَّسخ: أن تحول ما في الخلية من العسل والنحل في أخرى، قال: ومنه نسخ الكتاب" (١).
النَّسخ في الاصطلاح: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متراخٍ عنه، أو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه.
وقد اختلف فيه عند الأصوليين على أقوال: فقيل: "إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله، مع تراخيه عنه على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، وقيل: هو إزالة الحُكم بعد استقراره، وقيل: هو نقل الحكم إلى خلافه .. وقد أبطل الإمام الآمدي هذه الأقوال بوجوه، وأما التعريفُ الذي ارتضاه كثير من الأصوليين-كالآمدي والقاضي أبي بكر الباقلاني والصيرفي وأبي إسحاق الشيرازي وأبي حامد الغزالي وغيرهم -أن النَّسخ هو: "الخطاب الدال على ارتفاع الحُكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه" (٢).
стр. 687
وقد رد الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى على هذا التعريف من عدة وجوه، ثم ذكر تعاريف أخرَ، وختم بقوله: "فالأولى أن يقال: هو رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه" (١).
وأما تعريف الناسخ: فالناسخ: اسم فاعل من نسخ ينسخ فهو ناسخ، والناسخ حقيقة هو الله تعالى؛ فهو الذي ينسخ ما شاء بما شاء؛ كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾] البقرة: ١٠٦ [
وقد يطلق الناسخ على النص الذي رفع به الحُكم السابق، سواء كان آية أو حديثًا قوليًّا أو فعليًّا أو تقريريًّا من النبي ﷺ .
وأما تعريف المنسوخ: فهو اسم مفعول من الفعل الثلاثي نسخ، نُسخ -بالبناء على المجهول-نسخًا، فهو منسوخ.
والمراد: الحُكم الشرعي الذي رُفع بدليل شرعي متراخٍ عنه؛ كمصابرة الواحد للعشرة، فهذا حكم منسوخ بمصابرته لاثنين، كما في سورة الأنفال.
وأما ما يقع فيه النسخ من الشريعة:
"فالشريعة نوعان: خبر وأمر.
أما النوع الأول: فهو الخبر يدخل فيه الماضي والمستقبل والوعد والوعيد، ويشمل ما أخبر الله تعالى به عن ذاته، وصفاته، وأفعاله، وما أخبر أنه كان، أو سيكون من مفعولاته، وما قص علينا من أخبار الأمم الماضية، وأخبار الرسل ودعواتهم، وما فعل بأعدائهم، وما أعده لأوليائهم، ويدخل فيه - أيضا - ما ذكره الله من أخبار خلق السموات والأرض، وما فيها من الأحياء والأشياء، وما ذكره من أخبار الجنة والنار، والحساب والعقاب، والبعث والحشر والجزاء؛ كل هذا ونظيره يدخل في جملة الأخبار، والتي يجب على المسلم مقابلتها بالتصديق والتسليم، ويعلم أنها كلها حق، مطابقة للأمر في نفسه، لا يجوز أن تختلف أو تتعارض - وإن ظهر شيء من ذلك فإنما هو عارض يعرض على الأذهان يزول عند التحقيق، والنظر الدقيق - ومن ثم فلا يجوز أن يدخل أخبار الله تعالى النسخ أو التبديل، بل هي محكمة ثابتة؛ لأنه تعالى إذا أخبر عن شيء فإنما يخبر بعلمه، وعلمه أزلي لا أول له، وهو مطابق للأمر في نفسه، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، فلو أخبر عن شيء أنه كان أو سيكون، ثم أخبر بنقيض ذلك أو برفعه، لكان ذلك خلفا
стр. 688
وكذبا، مستلزما سبق الجهل، وحدوث العلم وتجدده، وهذا مما يعلم ضرورة أن الله تعالى منزه عنه، بل هو من صفات المخلوقين المربوبين، لا من صفات الخالق سبحانه" (١)
قال أبو جعفر النحاس ﵀ -في معرض الرد على من يجوز النسخ في الأخبار -: (وهذا القول عظيم جدا، يؤول إلى الكفر؛ لأن قائلا لو قال: قام فلان، ثم قال: لم يقم، ثم قال: نسخته لكان كاذباً) (٢)
أما النوع الثاني: -من نوعي الشريعة -فهو الأمر، والنهي منه؛ لأنه أمر بالترك. ويدخل في ذلك العبادات: أصولها وفروعها، وجميع المعاملات، وكذا فضائل الأخلاق.
والأمر وإن كان النسخ يدخله في الجملة، لكن تستثنى منه كليات الشريعة، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، فالشريعة مبنية على حفظ هذه الكليات (٣)، فأصول العبادات: كالصلاة والصوم، والزكاة، والحج، وما يحفظ الضروريات الخمس، وما يحقق العدل والإحسان، وما يجلب الفضيلة، ويدفع الرذيلة، كل ذلك لا يقع فيه النسخ، وإنما يقع في تفاصيل هذه المسائل، وهو ما يتعلق بالهيئات، والكيفيات، والأمكنة، والأزمنة، والأعداد، وهو جزء يسير إذا ما قورن بكليات الشريعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كتاب الله نوعان: خبر وأمر، أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر، ويبين معناه، وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزله الله، فمن أراد أن ينسخ شرع الله الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحدا، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحدا (٤) (. (٥)
стр. 689
«قال: لا يَحل لأحد أن يعتقد أنَّ مدح الله وأسمائه وصفاته يجوز أن ينسخ منها شيء.
إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عُليا أن يُخبر بعد ذلك أنها دنية سُفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك».
فضرب الإمام المحاسبي مَثَلًا لعدم جواز النسخ في باب الأخبار بباب الأسماء والصفات، فهو من باب الأخبار لا من باب الأوامر، فلذلك على هذه القاعدة لا يجوز أن يُنسخ من ذلك شيء.
فإذًا معلوم أن ما أخبر الله به في القرآن في موضع يَستحيل أن يَتناقض مع موضع آخر، وكما نعلم أن الله وصف كتابه بأنه محكم؛ فقال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ومعنى أحكمت: أُتقنت.
فمن إتقانها: أنك لا تجد فيها تضادًّا ولا اضطرابًا ولا اختلافًا ولا تناقضًا، فيستحيل أن يخبر الله عن أمر في موضع وينقضه ويكذبه في موضع آخر.
والله كذلك وصف القرآن بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، ومعنى متشابهًا أي: متماثلًا متناسبًا، لا اختلاف فيه ولا تضادَّ.
وهنا مسألة مهمة في معرفة أحوال الفِرَق:
وهي أن أهل الباطل وأهل البدع على نوعين:
النوع الأول: فِرَق أَهلها لهم مُتَمَسَّك ببعض النصوص.
النوع الثاني: فرق ليس لهم مستمسك بالنصوص.
وأما النوع الأول فهناك فِرَق أَهلها لهم مُتَمَسَّك ببعض النصوص، بمعنى: أن أهل هذه الفِرقة يحتجُّون ببعض الآيات؛ كالجبرية؛ إذ تجدهم في باب القَدَر يحتجون بآيات؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يرد الله أن يهديه شرح صدره للإسلام ومَن يرد أن يضلَّه
стр. 690
يجعل صدره ضيِّقا حرجًا كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام: ١٢٥].
فيأتون لمثل هذه الآيات وأشباهها ويستدلون بها على أن العبد مجبور ولا قدرة له ولا اختيار.
وكذلك القدرية الذين ينكرون قدرة الله في فعل العبد، تراهم يَحتج بنصوص الأوامر، ويقولون: كيف يأمر الله بأمر، ويكون مع ذلك هو الذي يَخلق هذا الأمر أو يُقَدِّره على عبده؟! فلا بد أن العبد هو الذي يَخلق فعله.
وهكذا نجد أن بعضًا من أهل الباطل يأتون إلى النصوص فيَبترونها من سياقها، ويحتجُّون بشيء من الآيات ويتركون البعض الآخر، بينما لو جاء هؤلاء إلى بعض النصوص ونظروا فيها نظرةً شاملةً لوجدوا أنها وازنت بين الأمرين؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩: ٢٨]، فإذًا الله لا شك أنه كلَّف العباد وأمرهم، ومعلوم أن هذا الأمر فيه قدرة واختيار للعبد.
وكذلك هذه القدرة لا تَخرج عن قدرة الله وإرادته؛ ويُفهم من هذا أن الإرادة نوعان: إرادة كونية قَدَرِيَّة، وإرادة دينية شرعية؛ فالإرادة الكونية القدرية هي التي ذكرها الله في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، وأمثاله، فهذا في الإرادة الكونية القدرية، بمعنى: أنه لا يكون في مُلك الله ما لا يَشاء وما لا يريد.
ومن مشيئته : أن جعل للعبد قدرة واختيارًا.
فإذًا هناك ما يتعلق بخلق الله وقَدَره الكوني، وهناك ما يتعلق بأمر الله- -ومشيئته وإرادته الدينية الشرعية، فالله- -أمر بتلك الأوامر الشرعية، ولذلك يقول الله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
فهذه إرادة لكنَّها إرادة شرعية؛ لأن أوامر الشرع مَبنية على التيسير.
فالشاهد من كلامنا: أن هناك بعضًا من أهل البدع يَتمسكون ببعض النصوص وإن كان يَستدلُّون بها في غير موضعها، ويريدون أن يَضربوا القرآن بعضه ببعض.
وأما النوع الثاني: فهناك بعض أهل البدع ليس لهم متمسك في النصوص أصلًا؛ كنفاة الصفات على اختلاف أنواعهم؛ فهم لا يعتمدون النص أساسًا وأصلًا، وإنما يعتمدون العقل والرأي الذي أحدثوه وابتدعوه، وبالتالي هم لا يعتقدون ولا يعتمدون على النصوص، وإنما يعتمدون على أُسسهم المنطقية الفلسفية، وهؤلاء يأتون إلى نصوص القرآن ويحاولوا أن يُشككوا فيها.
стр. 691
«فإذا عرفتَ ذلك واستيقنته: علمتَ ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تَحسب أنها ناسخة لبعض أخباره؛ كقوله عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠] الآيات، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١].
وقال: قد تأول قومٌ أنَّ الله عنى أن يُنجيه ببدنه من النار؛ لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر الله قوم فرعون يدخلون النار دونه، وقال: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقال: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]، ولم يقل: بفرعون.
وقال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]».
تقدم بيان أن النسخ لا يقع في الأخبار وأما ما أثير من شبهة إيمان فرعون فقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: ما تقول السادة العلماء ﵃ في قول فرعون عند الغرق (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس: ٩٠؛ هل فيه دليل على إيمانه وإسلامه، وما يجب على من يقول: إنه مات مؤمنًا، والحالة هذه؟
الجواب:
الحمد لله.
كفر فرعون، وموته كافرًا، وكونه من أهل النار؛ هو مما علم بالاضطرار من دين المسلمين. بل ومن دين اليهود والنصارى؛ فإن أهل الملل الثلاثة متفقون على أنه من أعظم الخلق كفرًا، ولهذا لم يذكر الله تعالى في القرآن قصة كافر كما ذكر قصته في بسطها وتثنيتها، ولا ذكر عن كافر من الكفر أعظم مما ذكر من كفره واجترائه، وكونه أشد الناس عذابا يوم القيامة.
ولهذا كان المسلمون متفقين على أن من توقف في كفره، وكونه من أهل النار؛ فإنه يجب أن يستتاب؛ فإن تاب، وإلا قتل كافرًا مرتدًا فضلاً عمن يقول: إنه مات
стр. 692
مؤمنًا، والشك في كفره أو نفيه أعظم منه في كفر أبي لهب ونحوه، وأعظم من ذلك في أبي جهل وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث ونحوهم ممن تواتر كفرهم، ولم يذكر باسمه في القرآن، وإنما ذكر ما ذكر من أعمالهم؛ ولهذا لم يظهر عن أحد بالتصريح بأنه مات مؤمنًا إلا عمن فيه من النفاق والزندقة أو التقليد للزنادقة والمنافقين ما هو أعظم من ذلك كالاتحادية الذين يقولون: إن وجود الخالق هو وجود الخلق …
والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب فصوص الحكم وصاحب الفتوحات المكية ونحوهم هم الذين يعظمون فرعون، ويدعون أنه مات مؤمنًا، وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم، ويقولون: ليس في القرآن ما يدل على كفره، ويحتجون على إيمانه بقوله: (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين) سورة يونس: ٩٠.
وتمام القصة تبين ضلالهم فإنه قال سبحانه: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) سورة يونس: ٩١، وهذا استفهام إنكار وذم، ولو كان إيمانه صحيحًا مقبولاً لما قيل له ذلك.
وقد قال موسى ﵇: (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) سورة يونس: ٨٨. قال الله تعالى: (قد أجيبت دعوتكما) سورة يونس: ٨٩، فاستجاب الله دعوة موسى وهارون، فإن موسى كان يدعو، وهارون يؤمن: أن فرعون وملأه لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
وقد قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) سورة غافر: ٨٢ - ٨٥، فأخبر أن الكفار لم يك ينفعهم إيمانهم حين رأوا البأس، وأخبر أن هذه سنته التي قد خلت في عباده ليبين أن هذه عادته سبحانه في المستقدمين والمستأخرين، كما قال : (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار) سورة النساء: ١٨.
стр. 693
ثم إنه قال بعد قوله: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) سورة يونس: ٩١ - ٩٢، فجعله الله تعالى عبرة وعلامة لمن يكون بعده من الأمم لينظروا عاقبة من كفر بالله تعالى؛ ولهذا ذكر الله تعالى الاعتبار بقصة فرعون وقومه في غير موضع …
وقد قال : (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد) سورة ق: ١٢ - ١٤، فأخبر سبحانه أن كل واحد من هؤلاء المذكورين فرعون وغيره كذب الرسل كلهم …
ولو كان [مؤمنًا] لم يعاقب على ما تقدم من كفره، ولم يكن عقابه عبرة. بل من آمن غفر الله له ما سلف، ولم يذكره بكفر، ولا بذم أصلاً. بل يمدحه على إيمانه، ويثني عليه، كما أثنى على من آمن بالرسل، وأخبر أنه نجاهم …
وفرعون هو أكثر الكفار ذكرًا في القرآن، وهو لا يذكره سبحانه إلا بالذم والتقبيح واللعن، ولم يذكره بخير قط، وهؤلاء الملاحدة المنافقون يزعمون أنه مات طاهرًا مطهرًا ليس فيه شيء من الخبث …
وإخباره عن تكذيب فرعون وغير ذلك من أنواع كفره كثير في القرآن، وكذلك إخباره عن عذابه في الآخرة، فإن هؤلاء الملاحدة يزعمون أنه ليس في القرآن آية تدل على عذابه، ويقولون: إنما قال سبحانه: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود) سورة هود: ٩٨، قالوا: فأخبر أنه يوردهم، ولم يذكر أنه دخل معهم.
قالوا: وقد قال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) سورة غافر: ٤٦، فإنما يدخل النار آل فرعون لا فرعون.
وهذا من أعظم جهلهم وضلالهم؛ فإنه حيث ذكر في الكتاب والسنة (آل فلان) كان فلان داخلاً فيهم، كقوله: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) سورة آل عمران: ٣٣، وقوله: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) سورة القمر: ٣٤، وقوله: (سلام على إل ياسين) سورة الصافات: ١٣٠، وقول النبي ﷺ : (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وقوله: (لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود) …
وقوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) سورة غافر: ٤٦؛ متناول له ولهم باتفاق المسلمين، وبالعلم الضروري من دين المسلمين …
стр. 694
وقد قال: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) سورة القصص: ٣٩ - ٤٢، وهذا تصريح بأنه نبذه وقومه في اليم عقوبة [على الظلم] الذي هو الكفر، وأنه أتبعه وقومه في الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين؛ هو وقومه جميعًا، وهذا موافق لقوله: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) سورة هود: ٩٦ - ٩٩، فأخبر سبحانه أنهم اتبعوا أمره، وأنه يقدمهم؛ لأنه إمامهم، فيكون قادمًا لهم، لا سائقًا لهم، وأنه يوردهم النار، فإذا كان التابع قد ورد النار؛ فمعلوم أن القادم الذي يقدمه، وهو متبوعه؛ ورد قبله؛ ولهذا قال بعد ذلك: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين) سورة القصص: ٤٢، والتابع والمتبوع كما قال الله تعالى في تلك السورة عن فرعون وقومه: (وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود) سورة هود: ٩٩.
والكلام في هذا مبسوط لم تحتمل هذه الورقة إلا هذا، والله أعلم.
وقال أيضاً: وزعمت طائفة من هؤلاء الاتحادية-الذين ألحدوا في أسماء الله وآياته-: أن فرعون كان مؤمنًا، وأنه لا يدخل النار، وزعموا أنه ليس في القرآن ما يدل على عذابه. بل فيه ما ينفيه، كقوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)؛ قالوا: فإنما أدخل آله دونه.
وقوله: (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)؛ قالوا: إنما أوردهم، ولم يدخلها.
قالوا: ولأنه قد آمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، ووضع جبريل الطين في فمه؛ لا يرد إيمان قلبه.
وهذا القول كفر معلوم فساده بالاضطرار من دين الإسلام، لم يسبق ابن عربي إليه-فيما أعلم-أحد من أهل القبلة؛ بل ولا من اليهود، ولا من النصارى؛ بل جميع أهل الملل مطبقون على كفر فرعون.
قوله: (وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين)؛
стр. 695
فأخبر سبحانه … أنه أتبعهم في الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين؛ فهذا نص في أن فرعون من الفاسقين المكذبين لموسى الظالمين الداعين إلى النار الملعونين في الدنيا بعد غرقهم، المقبوحين في الدار الآخرة، وهذا نص في أن فرعون بعد غرقه ملعون، وهو في الآخرة مقبوح غير منصور، وهذا إخبار عن غاية العذاب، وهو موافق للموضع الثاني في سورة المؤمن، وهو قوله: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) وهذا إخبار عن فرعون وقومه؛ أنه حاق بهم سوء العذاب في البرزخ، وأنهم في القيامة يدخلون أشد العذاب، وهذه الآية إحدى ما استدل به العلماء على عذاب البرزخ.
وإنما دخلت الشبهة على هؤلاء الجهال: لما سمعوا (آل فرعون) فظنوا أن فرعون خارج منهم؛ وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل فرعون داخل في (آل فرعون) بلا نزاع بين أهل العلم بالقرآن واللغة … (١)
وقال أيضاً: وقال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارًا في الأرض) إلى قوله: (سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون) فأخبر عن الأمم المكذبين للرسل أنهم آمنوا عند رؤية البأس، وأنه لم يك ينفعهم إيمانهم حينئذ، وأن هذه سنة الله الخالية في عباده.
وهذا مطابق لما ذكره الله في قوله لفرعون: (آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) فإن هذا الخطاب هو استفهام إنكار؛ أي: الآن تؤمن، وقد عصيت قبل؟! فأنكر أن يكون هذا الإيمان نافعًا أو مقبولاً، فمن قال: إنه نافع مقبول؛ فقد خالف نص القرآن، وخالف سنة الله التي قد خلت في عباده. يبين ذلك أنه لو كان إيمانه حينئذ مقبولاً؛ لدفع عنه العذاب، كما دفع عن قوم يونس، فإنهم لما قبل إيمانهم؛ متعوا إلى حين، فإن الإغراق هو عذاب على كفره، فإذا لم يكن كافرًا؛ لم يستحق عذابًا.
وقوله بعد هذا: (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) يوجب أن يعتبر من خلفه، ولو كان إنما مات مؤمنًا؛ لم يكن المؤمن مما يعتبر بإهلاكه وإغراقه.
стр. 696
وأيضًا فإن النبي ﷺ لما أخبره ابن مسعود بقتل أبي جهل قال: (هذا فرعون هذه الأمة) فضرب النبي ﷺ المثل في رأس الكفار المكذبين له برأس الكفار المكذبين لموسى.
فهذا يبين أنه هو الغاية في الكفر؛ فكيف يكون قد مات مؤمنًا؟ ومعلوم أن من مات مؤمنًا؛ لا يجوز أن يوسم بالكفر، ولا يوصف؛ لأن الإسلام يهدم ما كان قبله، وفي مسند أحمد وإسحاق وصحيح أبي حاتم عن عوف بن مالك عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ في تارك الصلاة: (يأتي مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) (١).
стр. 697
«وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣]، فأقرَّ التلاوة على استئناف العِلم من الله عن أن يستأنف علمًا بشيء؛ لأنَّه مَنْ ليس له علم بما يريد أن يَصنعه لم يقدر عليه أن يصنعه نجده ضرورةً.
قال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، قال: وإنما قوله: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، إنما يريد حتى نراه، فيكون معلومًا موجودًا؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم الشيء معدومًا من قبل أن يكون، ويعلمه موجودًا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدومًا موجودًا وإن لم يكن، وهذا المحال.
وذكر كلامًا في هذا في الإرادة.
إلى أن قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، ليس معناه أن يحدث له سمعًا، ولا تكلف لسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قومٌ من أهل السنة أن لله استماعًا حادثًا في ذاته، فذهبوا إلى أن ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أُذنه من الصوت، وكذلك قوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، لا يستحدث بصرًا محدثًا في ذاته، وإنما يحدث الشيء فيراه مكونًا كما لم يزل يعلم قبل كونه».
ذكر شيخ الإسلام كلام المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، فقال: "روي عن ابن عباس: أي لنرى، ورُوي "لنَمِيز"، وهكذا قال عامة المفسِّرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودًا واقعًا بعد أن كان عالِمًا أنه سيكون، ولفظُ بعضهم قال: العلم على منزلتين؛ علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده (١)، والحكمُ للعِلم به بعد وجوده؛ لأنه يوجب الثواب والعقاب،
وليس المراد أنه ظهر له بعد أن كان خفيًّا؛ لأن ذلك محالٌ في حق الله -تعالى-ولا حاجة لهذه التأويلات؛ فإن معنى «بدا لله»؛ أي: ظهر لله ما كان يعلمه-سبحانه-لا أنه ظهر له بعدما كان خفيًّا، وليس هذا بَداءً يخالف العلمَ القديم، كما قاله بعض غلاة الرافضة، وفي هذا الحديث دلالةٌ على تجدُّد علم الله-سبحانه-بعد حُدوث الحوادث.
стр. 701
«إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]، الآية، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
وذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابْتَغَوا إلى ذي العرش سبيلًا إلى طلبه حيث هو، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]، أي طلبه، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].
قال أبو عبد الله: فلن يُنسخ ذلك أبدًا.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لاستفالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزغ بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا، كما هو على العرش، ولا فرق بين ذلك عندهم، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل مَنْ يُثبت شيئًا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغنِ عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات: أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنًا ثم نفوا معنى ما أثبتوا، فقالوا: لا كالشيء في الشيء».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 702
الذين خاضوا في مسألة نصوص العلو والمعية والقرب والجمع بينهما من المخالفين يمكن تقسيمهم إلى طائفتين (١).
الطائفة الأولى: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة.
قولهم: هم على قسمين:
١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.
موقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ " الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ "؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ " الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا.
الطائفة الثانية: جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني، وزهير الأثري، وأصحابهما (٢)، وهو موجود في كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه كأبي الحكم برجان وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا (٣)
قولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.
فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (٤).
والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.
стр. 703
ويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.
وموقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ "لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ " الصُّوفِيَّةِ " حَتَّى صَاحِبُ " مَنَازِلِ السَّائِرِينَ " فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ " الْجُنَيْد " عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ "فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ.
الرد عليهم:
إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.
أما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف
стр. 704
للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة "المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.
وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات "أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.
فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.
وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (١).
القول الحق في هذه المسألة
وقد رد سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ على هاتين الطائفتين وأَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
موقفهم من نصوص من نصوص صفات العلو والمعية والقرب أنهم يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ
فإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: "كنا والتابعون متوافرون
стр. 705
نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته" (١).
وقال أبو نصر السجزي: "فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش" (٢).
وقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: "وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه" (٣).
وكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد "نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (٤)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وكذلك الذهبي في كتابيه "العلو" و"العرش".