← Акыда

Акыда · id 30017

المنحة الإلهية في شرح الفتوى الحموية

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (1 219 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، يَرَاهَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (١). «وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [سُورَةُ يُونُسَ: ٦٤] قَالَ: " هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ» (٢). وَقَدْ فَسَّرَهَا أَيْضًا بِثَنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يَعْمَلُ لْعَمَلَ لِنَفْسِهِ فَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» (٣). وَالرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ حَقًّا، كَمَا إِذَا تَوَاطَأَتْ رِوَايَاتُهُمْ أَوْ رَأْيُهُمْ فَإِنَّ الْوَاحِدَ قَدْ يَغْلَطُ أَوْ يَكْذِبُ، وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الرَّأْيِ، أَوْ يَتَعَمَّدُ الْبَاطِلَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَإِذَا تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ أَوْرَثَتِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : " «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَهَا، فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (٤) " (٥)

стр. 912

كما قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكذلك من أجمعت الأمة على الثناء عليه فإننا نشهد له بالجنة فمثلا الإمام أحمد ﵀ الشافعي أبو حنيفة مالك سفيان الثوري سفيان بن عيينة وغيرهم من الأئمة أجمعت الأمة على الثناء عليهم فنشهد لهم بأنهم من أهل الجنة. شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أجمع الناس بالثناء عليه إلا من شذ ومن شذ، شذ في النار يشهد له بالجنة على هذا الرأي. " اه والله أعلم. وقد أجيب على أدلة هذا القول بأن الحديث الأول يفيد أن شهادة المؤمنون لبعضهم بالخير والصلاح توجب نفعه وصلاحه في الآخرة، ولا يجزم بها على العموم، فإحسان الظن بالمسلمين هو الأصل ولكن هذا لا يبنى عليه يقين بمآله. وهنا فائدة مهمة على قوله وجبت وجبت: وهي على الصحيح من التحقيق والجزم، فقيل أنها من خصائصه ﷺ ، ولا يجزم بها لغيره لأنها غيب، ولعل نبينا اطلع على ذلك بطريق الوحي .. واختار هذا القول ابن التين. ويرده قول عمر لها أيضا لجنازة مرت عليه، كما في الصحيح. وفي معناها أيضا قال الإمام الطحاوي: (وجه ذلك عندنا والله أعلم أن الشهادة بالخير لمن شهد له به ستر من الله عليه في الدنيا ومن ستره الله في الدنيا لم يرفع عنه ستره في الآخرة) (١) اه ومما قيل في معناها أيضا: أن انطلاق الألسنة بالثناء الحسن علامة على وجوب الجنة للمثنى عليه به، وليست جزما على الغيب .. والله أعلم. أما الحديث الثاني: فهو أصرح في بيان المقصود لقوله: (يوشك) وقوله: (بالثناء الحسن والثناء السيئ) يعني ما هو إلا ثناء على الظاهر لا يجزم له على الحقيقة بالجنة أو النار، فيخلص من هذا أن الكلمة على الرجاء والتمني وليست على التحقيق والتألي. ومن الخلاف: هل هذا خاص بزمن الصحابة أم أنه عاما للمؤمنين في كل زمان؟ الصحيح المختار: أنه عام ولكن في غير زمن الصحابة يحتاج إلى الإجماع ..

стр. 913

وعليه فرأي الجمهور هو الصواب، وهو أنه لا يشهد لأحد بأنه من أهل الجنة أو من أهل النار إلا إذا ورد نص أو إجماع. وأعني بالإجماع هنا ما يراد به حكم الجماعة المسلمة في وقت ما على المعين بأنه من أهل الجنة، فهو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى حسب الظاهر للمسلمين وقتئذ ولا يقطع به جزما لأنه ضرب من الغيب، لذلك نصوب من يقول: هو من أهل الجنة إن شاء الله تعالى .. وعلى هذا: لا يصح الاستثناء للمعين بالشهادة فنقول هو شهيد إن شاء الله، للنهي الوارد فيما ذكرنا أعلاه، وإنما نقول نرجو له الشهادة أو نقول كما علمنا عمر: من فعل كذا فهو شهيد عن عُمَرَ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ تَقُولُونَ فِي مَغَازِيكُمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَمَاتَ فَلَانٌ شَهِيدًا وَلَعَلَّهُ قَدْ يَكُونُ قَدْ أَوْقَرَ رَاحِلَتَهُ أَلَا لَا تَقُولُوا ذَلِكُمْ وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١). وخلاصة القول: هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام، قوله: ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خيرٍ ولا شر، يعني ليس لك أن تشهد لمعين أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، لأنك لا تدري ماذا يُختم له، فقد يُصبح المرء مسلماً ويُمسي كافراً يمسي كافراً ويصبح مؤمناً، فلا يُدرى ما هي خاتمة كل أحدٍ منا، ولذلك كان من الدعاء: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. فقد ترى الرجل على معصية وعلى شر، وعلى حالٍ لا يرضي الله لكن قد يُختم له بخاتمة حسنة، فقد يتوب فيتوب الله عليه، فلذلك لا نشهد لأحدٍ بعينه بجنة أو نار، لكن نرجو للمحسن الخير ونخاف على المسيء، فإنك لا تدري بما يُختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه، فترجو إذا كان على خير أن يُختم له بخير، وإن كان على شر أن يُختم له إن شاء الله تعالى بتوبة.

стр. 914

«و المِراء والجدال في الدِّين بدعة». تعريف الجدل: الجدل لغة: اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه، مجادلة وجدالًا. والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدالُ: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته (١) معنى الجدل اصطلاحًا: قال ابن الأثير: (الجَدَل: مُقابَلة الحُجَّة بالحجَّة. والمُجَادَلَة: المُناظَرةُ والمخاصَمة) (٢). قال الراغب: (الجِدَال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة) (٣). وقال الجرجاني: (الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله: بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه) (٤). وقال أيضًا: (الجدال: هو عبارة عن مراء يتعلَّق بإظهار المذاهب وتقريرها) (٥) معنى المراء لغةً: المراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشكِّ والريبة، ويقال للمناظرة: مماراة، وماريته أماريه مماراة ومراء: جادلته (٦). معنى المراء اصطلاحًا: المراء: هو كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على

стр. 915

ذلك الترفع (١). وقال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير) (٢). وقال الهروي عن المراء: هو (أن يستخرج الرجل من مناظره كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها) (٣). - الفرق بين الجدال والمراء: قيل: هما بمعنى واحد. غير أن المراء مذموم، لأنه مخاصمة في الحقِّ بعد ظهوره، وليس كذلك الجدال (٤). ولا يكون المراء إلا اعتراضًا، بخلاف الجدال، فإنَّه يكون ابتداء واعتراضًا (٥). ينقسم الجدال إلى قسمين: ١ - الجدال المحمود: وهو الذي يكون الغرض منه تقرير الحقِّ، وإظهاره بإقامة الأدلة والبراهين على صدقه، وقد جاءت نصوص تأمر بهذا النوع من الجدال، وقد أمر الله نبيه ﷺ بهذا الجدال في قوله تعالى: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ في علاه: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦]. وقال النبي ﷺ : «جاهدوا المشركين بأموالكم، وأنفسكم، وألسنتكم» (٦). وقد حصل هذا النوع من الجدال بين عبد الله بن عباس ﵄ وبين الخوارج زمن علي بن أبي طالب بأمر علي، فأقام عليهم الحجة وإفحامهم، فرجع عن هذه البدعة

стр. 916

خلق كثير. وكذلك مجادلة أحمد بن حنبل للمعتزلة، ومجادلات ابن تيمية لأهل البدع. ٢ - الجدال المذموم: هو الجدال الذي يكون غرضه تقرير الباطل بعد ظهور الحقِّ، وطلب المال والجاه، وقد جاءت الكثير من النصوص والآثار التي حذَّرت من هذا النوع من الجدال ونهت عنه، ومن هذه النصوص: قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ [الحج: ٣]. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ [الحج: ٨]. وقوله سبحانه: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر: ٤]. وقال ﷺ : «المراء في القرآن كفر» (١). وقال ابن عثيمين: (المجادلة والمناظرة نوعان: النوع الأول: مجادلة مماراة: يماري بذلك السفهاء، ويجاري العلماء، ويريد أن ينتصر قوله؛ فهذه مذمومة. النوع الثاني: مجادلة لإثبات الحق وإن كان عليه؛ فهذه محمودة مأمور بها (٢). وقال الكرماني: (الجدال: هو الخصام، ومنه قبيح وحسن وأحسن؛ فما كان للفرائض فهو أحسن، وما كان للمستحبات فهو حسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح) (٣). فهذه الخصومات وهذا الجدل وهذا المِراء أمرٌ محدَث لا يُوجِد إلا الشك في القلوب ويبعِد عن الحق، ومهما حصل من نفع منه في بعض الأحيان، فهو يسير لكن شره وفير، وقد يقول هؤلاء: نحن نخاصم به أهل الباطل، الذي لا يؤمن

стр. 917

بالقرآن والسنَّة، وهذه حجة باطلة فهؤلاء لا الإسلام نصروا ولا الباطل كسروا، فالقرآن، خاطب الكفار وخاطب المشركين وخاطب أهل الكتاب، خاطبهم بقال الله وقال الرسول، وفيه من الحجج والبراهين ما يكفي لبيان الحق ودفع الباطل، ففي القرآن والسنَّة من الأدلة العقلية واليقينية ما يغني ويشفي ولسنا بحاجة إلى فلسفةٍ ولا إلى علم كلام.

стр. 918

«ونعتقد أنَّ ما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ أمرهم إلى الله». موقفُ أهل السنَّة مما وقع بين أصحابِ النبي ﷺ ؛ هو الكَف وعدم الخوض في هذه المسألة. ونعرفُ أن لهؤلاءِ السبقِ والفضلِ والمكانة والمنزلة ما يكون-بحمد الله تعالى-أضعاف ما قد يقع منهم من خطأ أو زلل، فإذا الله منَّ عليك أن لا تكون في تلك الأمور في حينها فكُفَّ عن ذكرِ هذه الأمور بلسانك. ولهذا نترحم على جميع الصحابة والآل ونترضى عنهم، كما أثنى الله جل وعلا عليهم، ونتولاهم جميعًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأهل السنة وسط في بابِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بينَ الرَّافضةِ والخَوَارجِ». فالرَّافضة: هم الذين غلوا في عليٍّ ﵁ وأهل البيت، ونصبوا العداوة لجمهور الصحابة كالثَّلاثة، وعائشة وحفصة وطلحة والزبير وفضلاء المهاجرين والأنصار، وكفَّروهم ومَن تولاهم، وكفَّروا مَنْ قاتل عليًّا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن كفروا جُلَّ الصحابة إلا نفر يسير جدًّا. وأما الخوارج فقابلوا الرَّوافض؛ فكفروا عليًّا ومعاوية ومن معهما من الصحابة بعد التحكيم، وقاتلوهم، واستحلوا دماءهم وأموالهم. والنواصب: هم الذين نصبوا العداوة لعليٍّ ومَن والاه، وهم الذين استحلوا قتله بعد أن كفروه، وقتله أحد رءوسهم، وهو عبد الرحمن بن ملجم المرادي. أما أهل السنة والجماعة فهداهم الله تعالى للحق والصواب، فلم يغلوا في علي وأهل البيت، ولم ينصبوا العداوة للصحابة رضوان الله عليهم، ولم يكفّروهم، ولم يفعلوا كما فعل النواصب من عداوة أهل البيت. بل يعترفون بحق الجميع وفضلهم، ويوالونهم، ويكفون عن الخوض فيما جرى بينهم، ويترحَّمون على جميع الصحابة،

стр. 919

فكانوا وسطًا بين غلو الرافضة وجفاء الخوارج (١). ومحبتهم لأهلِ بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ محبةٌ شرعيَّة دونَ إفراطٍ أو تَفْريطٍ؛ فهم يَعْرِفُونَ لهم حَقَّهم، ويَحفظونَ وَصِيَّةَ رسولِ اللهِ فيهم، ولا يُغالونَ في مَحَبَّتِهِم؛ ولا يَرفعونهم فوق منزلتهم البشرية غلوًّا فيهم، وكذلك لا ينتقصونهم قدرهم جفاء لهم. وما وقع بين الأصحاب الكرام من خلاف فيجب الإمساك عن الخوض فيه، والتماس العذر لهم؛ يقول العلامة ابن عثيمين ﵀: «موقف أهل السنة في الخلاف والفتن التي حصلت بين الصحابة ﵃: موقفهم في ذلك: أن ما جرى بينهم فإنه باجتهاد من الطرفين، وليس عن سوء قصد، والمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وليس ما جرى بينهم صادر عن إرادة علو ولا فساد في الأرض؛ لأنَّ حال الصحابة ?م تأبى ذلك، فإنهم أوفر الناس عقولًا، وأقواهم إيمانًا أشدهم طلبًا للحق، كما قال النبي ﷺ : «خيرُ النَّاس قَرْني» (٢). وعلى هذا فطريق السلامة: أن نسكت عن الخوض فيما جرى بينهم، ونَرُدَّ أمرهم إلى الله؛ لأن ذلك أسلم من وقوع عداوة أو حقد على أحدهم» (٣).

стр. 920

«ونَترحم على عائشة ونترضى عنها». ونص على الترحم والترضي على أم المؤمنين؛ عائشة ﵂ بالذات؛ لأن الرافضة يتبرؤون منها، ولأن بعض الجهلة قد ربما تكلم في عائشة؛ لما حصل في وقعة الجمل ودخولها في ذلك. وإنما ذهبت أمنا عائشة ﵂ للصلح، ولحقن الدماء؛ فكانت غايتها أعظم غاية؛ لقول الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، فكانت ساعية في تقوى الله وإصلاح ذات البين ومنع الاقتتال بين المؤمنين والتوفيق بين علي ﵁ وبين المخالفين؛ لكن حصلت الحرب والقتال لا باختيار أمنا عائشة ﵂؛ وإنما بسعي الخوارج وأهل الفتن. وقال ﷺ لعائشة ﵂: «أَنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة» (١). فأزواجه ﷺ هن أمهات المؤمنين، فيجب أن يعلم ما لهن من الفضل والمكانة؛ فهناك مكانة لخديجة ﵂، ومكانة لعائشة ﵂، وكذلك باقي زوجاته ﵅ جميعاً. فمحبتهن والترضي عنهن هو من محبة النبي ﷺ ، وفضائلهن مذكورة مبثوثة في كتب أهل السنة، فقَلَّما نجد كتابًا من كتب أهل الحديث إلا وفيه مِنْ ذِكر فضائلهن؛ فمثلًا كتب السنة ك «صحيح البخاري» و «صحيح مسلم» والكتب الستة وغيرها مليئة ومرصعة ومزينة بتلك المناقب التي تدل على سلامة قلوب أهل السنة تجاه هؤلاء النسوة اللائي اختارهن الله لأن يكن زوجات لنبيه ﷺ . ولذلك نتبرأ من الروافض الذين أبغضوا وسَبُّوا أصحاب النبي ﷺ ، وطعنوا في بعض أزواجه بمطاعن يَستحي الإنسان من التلفظ بها وذِكرها، فضلًا عن أن تكون مُستقرة في قلب أيِّ مُسلم.

стр. 921

فأولئك ما حَفظوا عِرضَ النبي ﷺ في عائشة ﵂، وما حفظوا حقَّ أصحاب النبي ﷺ وما لهم من المنزلة والمكانة، وكما قال الشَّعبي لمالك بن معاوية-عند ذكر الرافضة-: «يا مالك، لو أردتُ أن يُعطوني رقابَهم عبيدًا وأن يملؤوا بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم على عليٍّ كذبة واحدة لفعلوا، ولكني والله لا أكذب عليه أبدًا. يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها، فلم أَرَ قومًا أحمق من الرافضة … ». «ثم قال: أُحَذِّرُك الأهواء المضلَّة، شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يُبغضون الإسلام كما يُبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من الله، ولكن مقتًا لأهل الإسلام وبغيًا عليهم .... ». إلى أن قال: «ولليهود والنصارى فضيلةٌ على الرَّافضة في خصلتين: سئل اليهود: مَنْ خير أهل مِلَّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة: مَنْ شَرُّ أهل مِلتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد. أَمَرَهم بالاستغفار لهم فشَتَموهم» (١).

стр. 922

«والقول في اللفظ والملفوظ، وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة». ثم بين قضية اللفظ والملفوظ؛ يعني مسألة: هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل: لفظي بالقرآن مخلوق؟ واللفظ يأتي بمعنى: التلفظ، ويأتي بمعنى الملفوظ؛ هل هو الملفوظ الخارج، أو حركة اللسان التلفظ؟ فمعلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة. وإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن. لهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئًا آخر؛ فيفهم الناس منها فهمًا غير سليم. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: «مَنْ قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضًا»؛ لأنها تحتمل هذه وهذه، وقد سكت السلف عن الإطلاق؛ لأنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، وينهى عنها. ولهذا قال ابن القيم ﵀: وَعَلَيْكَ بِالتَّفْصِيلِ وَالتَّبْيِينِ فَالْ … إِطْلَاقُ وَالإِجْمَالُ دُونَ بَيَانِ قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا ال … أَذْهَانَ وَالآرَاءَ كُلَّ زَمَانِ (١) أمَّا الاسم والمسمى، فهذا متعلق بشيئين إما بأسماء الله جل وعلا؛ يعني هل الاسم هو عين المسمى؟ أو هو غيره؟ هل اسم الله الديان أو اسم الله الرحيم هل هو عين الله؟ أو هو غير الله؟

стр. 923

إن قلنا: الاسم هو عين المسمى؛ فهذا صحيح باعتبار؛ لأن اسم الله جل وعلا دالٌّ على ذلك؛ فالرحيم هو الله جل وعلا، والقدير هو الله جل وعلا، فالاسم دال على المسمى. وإن قلنا هنا: الاسم غير المسمى فأيضًا صحيح؛ لأن الاسم زائد على الذات. فالأسماء والصفات زائدة على الذات؛ فالاسم مشتمل على صفة، وصفات الله جل وعلا قائمة بذاته، فهي ليست هي الذات باعتبار، ولا هي غير الذات باعتبار آخر، لهذا صار المقام يحتاج إلى تفصيل. فَمِنْ أهل البدع من قال: الاسم هو عين المسمى. ومنهم من قال: الاسم ليس عين المسمى. وأهل السنة لا يُطلقون لا هذا ولا هذا؛ لأن هذه من المسائل المحدثة؛ ولأنها محتملة. وأما الأقوال الواردة في مسألة الاسم والمسمى فالذي وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة ثمانية أقوال: أربعة منها لأهل السنة. وأربعة منها لأهل البدعة. وهذه الأقوال كما يلي: القول الأول: الإمساك عن القول في المسألة نفيا وإثباتا؛ فأسماء الله لا يُقالُ فيها: هي هو، ولا هي غيره. وهذا قول بعض أهل السنة (١). القول الثاني: الاسم للمسمى. وهذا قوله أكثر أهل السنة (٢). القول الثالث: الاسم من المسمّى. وهذا قولٌ منقولٌ عن أبي بكر بن أبي، داود السجستاني (٣). القول الرابع: الاسم هو المسمى (أي الاسم يُراد به المسمَّى). وهذا قول بعض أهل السنة (٤).

стр. 924

القول الخامس: الاسم عين المسمى (أي القول باتحاد الاسم والمسمى). وهذا قول الأشاعرة والماتريدية (١). القول السادس: الاسم تارة يكون هو المسمى، وتارة يكون الاسم غير المسمى، وتارة لا يكون الاسم هو المسمى ولا غيره. وهذا القول المشهور عن أبي الحسن الأشعري (٢). القول السابع: الاسم غير المسمى. وهذا قول الجهمية والمعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وكثير من الزيدية (٣). القول الثامن: أسماء الباري لا هي الباري ولا هي غيره. وهذا قول لبعض الكلابية (٤). وأصل هذه المسألة: هو مسألة (صفات الله تعالى)، فقول كل فريق مبنيٌّ على قوله في صفات الله تعالى على وجه العموم، وفي (صفة الكلام) على وجه الخصوص. فلمسألة (الاسم والمسمى) ارتباطٌ وثيقٌ بمسألة (صفة الكلام)، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن القول في أسماء الله هو نوع من القول في كلام الله» (٥).

стр. 925

«واعلم أني ذكرتُ اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملًا من غير استقصاء؛ إذ قد تقدم القول عن مشايخنا المعروفين من أهل الإمامة والديانة إلا أني أحببت أن أذكر (عقود أصحابنا المتصوفة) فيما أحدثه طائفة انتسبوا إليهم مما قد تخرصوا من القول مما نَزَّه الله المذهب وأهله من ذلك. إلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سَمَّاه «التبصير» كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم، وسألوه أن يُصَنِّف لهم ما يعتقده ويذهب إليه؛ فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛ فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة. ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة، لم يَخص طائفة دون طائفة؛ فتبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المحصلين منهم؛ وكان مَنْ نسب إليه ذلك القول-بعد أن ادعى على الطائفة-ابن أخت عبد الواحد بن زيد؛ والله أعلم بمحله عند المحصلين؛ فكيف بابن أخته؟! وليس إذا أحدث الزائغ في نِحلته قولًا نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولًا في الفقه؛ أو لبَّس فيه حديثًا ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين. واعلم أن لفظ الصوفية وعلومهم تختلف؛ فيُطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم؛ فمَن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه رجع عنهم خاسئًا وهو حسير. ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد؛ فقال: كثير ما يقولون: رأيت الله. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل: هل رأيت الله حين عبدتَه؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تَره الأبصار بتحديد العيان؛ ولكن رأته القلوب بتحقيق الإيقان. ثم قال: يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله ﷺ . فهذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 926

في هذا الموطن ذكر الإمام أبي عبد الله بن خفيف ﵀-ما يُنسب إلى بعض المتصوفة من أمورٍ باطلة، ومن هذه الأمور قول بعض المتصوفة: إن الله يُرى في هذه الحياة الدنيا؛ حيث يزعمون أنه من خلال اجتهاده في التعبُّد والأذكار على وجهٍ معين سيُكشف له الحجاب بينه وبين الله . ومعلومٌ أن معتقد أهل السنة في هذه المسألة: أن الله لا يُرى في هذه الحياة الدنيا، كما جاء في «صحيح مسلم» قول النبي ﷺ في قصة الدَّجَّال: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ» (١)، فلا سبيل إلى رؤية الله والاطلاع عليه في هذه الحياة الدنيا، وليس ذلك حتى للنبي ﷺ ، وسائر الناس ليس لهم ذلك مِنْ باب أولى. فهنا ذكر أن هذا يُنسب للمتصوفة، والأحرى أن يقال: يُنسب لبعضهم وليس لكلهم، وإن كانت وردت بعض العبارات الموهمة لبعضهم فإنها لا تُحمل على الرؤيا العيانية، وإنما تحمل على رؤية قلبية، بمعنى أن الإنسان يكون عنده من الإيمان بالله حتى يصل إلى درجة الإحسان، وهي كما عرفها النبي ﷺ بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فما يُنسب لبعض المتصوفة لا شك أنه خطأ منهم، ولكن كما هو معلوم أن التصوف المنحرف اليوم يجنح إلى هذه المسائل كثيرًا، فكثيرٌ من المتصوفة يرون أنهم من خلال خلواتهم ومن خلال أذكارهم يمكن لهم أن يروا الله ، ولا شك أن هذا أمرٌ مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة. فإذاً لا يُنسب هذا لجميعهم وإنما ينسب لبعضهم، وهذا غالبٌ على كثيرٍ منهم اليوم.

стр. 927

«وإن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حَجَّة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة». وذكر كذلك أمورًا تتعلق بأن بعض المتصوفة يعتقدون أن الإنسان إذا بلغ درجة من العبودية أنه تسقط عنه التكاليف، ولا يُخاطب بالحلال والحرام، ويقولون: إنه إذا وصل إلى مرحلة معينة من الصوفية فإنه لا يمكن أن يُخاطب بالأمور التكليفية من العبادات والمعاملات، وعند ذلك لا يمكن أن يُحل حلالًا أو يحرم حرامًا. وقال في إشارة لهذا: «وإن مما نعتقده أنَّ الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع؛ فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يُبيح الحق له ما حظر على المؤمنين-إلا المضطر على حال يلزمه إحياء للنفس-وإن بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات، فذلك كفر بالله والقائل بذلك قائل بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة». فبعض المتصوفة-وللأسف الشديد-نراهم يستبيحون الأعراض والأموال، ويتركون الفرائض، وبالتالي لا يشهدون جمعة ولا جماعة، ويَستحلون بعض الأعراض وبعض الأموال، ويستحلون بعض المحرمات بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة من الولاية؛ أباحت لهم مثل هذه الأمور. فكما قال المصنف هنا: «فذلك كفرٌ بالله»، فمن اعتقد هذا فقد كفر، وقائلُ ذلك قائلٌ بالإلحاد، وهم المنسلخون من الديانة. فهذه بعض تصورات بعض الصوفية، ومعروف عنهم أنهم يبيحون لأنفسهم الكثير من المحرمات في أحوالٍ معينة، وكذلك يُسقطون عن أنفسهم الواجبات، بدعوى أنهم قد وصلوا إلى درجة لا يُخاطبون فيها بأحكام الشرع.

стр. 928

«وإن مما نعتقده ترك إطلاق العشق على الله، وبين أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه، ولعدم ورود الشرع به. وقال: أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة، وفيما نص الله من ذِكر المحبة كفاية». اختلف الناسُ: هل يُطلق هذا الاسم في حقِّ الله تعالى؟ فقالت طائفة من الصوفية: لا بأس بإطلاقه، وذكروا فيه أثرًا لا يَثبت، وفيه: «فإذا فعل ذلك عَشقني وعشقتُه». وقال جمهور الناس: لا يُطلق ذلك في حقِّه ؛ فلا يُقال: إنه يَعشق، ولا يقال: عشقه عبدُه. ثم اختلفوا في سبب المنع على ثلاثة أقوال: أحدها: عدم التوقيف بخلاف المحبة. الثاني: أن العشق إفراط المحبة، ولا يمكن ذلك في حقِّ الرب تعالى؛ فإنَّ الله تعالى لا يُوصف بالإفراط في الشيء، ولا يبلغ عبده ما يستحقه من حبِّه؛ فضلًا أن يقال: أفرط في حبه. الثالث: أنَّه مأخوذ من التغير؛ لأنه قيل: هو مأخوذ من شجرة يقال لها: عاشقة تخضَّر ثم تدق وتصفَّر، ولا يُطلق ذلك على الله » (١).

стр. 929

«وإن مما نعتقده: أنَّ الله لا يَحل في المرئيات، وأنه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه، مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق؛ حيث ما تُلي وحفظ ودرس». معلوم أن بعض المتصوفة يَعتقدون أن الله يَحل في أشخاصٍ بأعيانهم، وبالتالي يرون أنهم يَصلون إلى درجة أن ذات الله تَحل في أعيان أفرادٍ منهم. ومن ذلك كما ورد عن الحَلَّاج أنه كان يقول: «ما في الجُبَّة إلا الله» (١)، وهذا هو القول بالاتحاد، والاتحاد نوعان: اتحاد عام، واتحاد خاص. فالاتحاد العام: هو الاعتقاد بأنَّ الله حَلَّ في جميع المخلوقات واتَّحد بها، وهذا قول الاتحادية؛ كابن عربي. والاتحاد الخاص عند الصوفية: إذ يعتقدون أن الله يَحل أو يتَّحد في ذواتٍ بعينها، وهو موجود كذلك عند الروافض الباطنية الذين يقولون: إنَّ الله حَلَّ في شخص عليِّ بن أبي طالب ﵁. وكما يقول شيخ الإسلام: «إن القسمة في هذا رباعية؛ فهناك حلولٌ خاص، وهناك حلولٌ عام، وهناك اتحادٌ خاص، وهناك اتحادٌ عام. والفرق بين الحلول والاتحاد عمومًا: أن الحلول مثل وضع الماء في الكأس، وأمَّا الاتحاد كاختلاط اللبن مع الماء، فأنت إذا وضعتَ اللبن مع الماء اتَّحدت أجزاء الاثنين؛ بحيث أصبحا شيئًا واحدًا، أمَّا وضع الماء في الكأس فإن هذا يعني أن لكل نوعٍ مكانه الذي لا يختلط فيه مع الشيء الآخر، وهذا الاتحاد الخاص والحلول الخاص أمور موجودة عند النصارى.

стр. 930

فمن النصارى من يقول: إن اللاهوت-أي: الإله-قد اتحد في الناسوت، بمعنى: أنه امتزج به فأصبحا شيئاً واحدًا، ومنهم مَنْ يقول: إنَّ اللاهوت حلَّ في الناسوت، وتدرع به، وهذا يُوجد في بعض مَنْ ينتسب إلى الإسلام.

стр. 931

«و نعتقد: أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ نبينا محمدًا ﷺ خليلًا وحبيبًا، والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة: إن الخلة: الفقر والحاجة. إلى أن قال: والخُلَّة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه». ثم قال هنا: «والخلَّة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما»، لكن المحبة التي هي ميل النفس إلى المحبوب، هذا يكون في المخلوقين. أما صفات الله فإنَّا نُثبتها من غير تكييف، وبما أن الصفة ثابتة بنصِّ الشرع فإنا نثبتها على الوجه اللائق به دون تكييف أو تشبيه. والدليل على إثبات صفة الخلة لله تعالى قوله تعالى: ﴿ومن أحسن دينًا مِمَّنْ أسلمَ وجهه لله وهُو محسن واتَّبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا واتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا﴾ [النِّساء: ١٢٥].

стр. 932

«وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف؛ وأما صفات الله تعالى فمعلومة في العلم وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب وحسم الكيفية عن ذلك ساقط». نعلم أن إيمان أهل السنة بالصفات إيمان وجود، فإن كانت الخلة أو المحبة أمورًا شعورية وأكثر منها أمورًا حسية، فإن تعريف هذه الصفات هكذا إنما هو بالنسبة لاتصاف المخلوقين بها، ولا يعني أن يكون هذا هو تعريفها في حق الخالق ؛ وإنما يكون إثباتها للخالق إثبات وجود لا إثبات كيف.

стр. 933

«ومما نعتقده: أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد؛ لا الكسب والتجارة؛ فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة. وقال: «ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات»، وهذا ردٌّ على زعم بعض المتصوفة بوجوب ترك التجارة والمكاسب والزهد في الدنيا والانقطاع عنها، ومعلوم أن هناك فرقًا بين قول أهل السنة في الزهد وبين قول هؤلاء المتصوفة الذين انحرفوا في هذا الباب؛ إذ زعموا أن الزهد في الدنيا هو الانقطاع عنها، وزعموا كذلك أن الاشتغال بالتكسُّب والتجارة كله حرام، وزعموا أن هذه الأموال أموالٌ محرمة. قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة ٢٧٥. قال عمرُ بن الخطاب ﵁: "كسبٌ فيه بعضُ الدنيِّة خيرٌ من الحاجةِ بين الناس" (١) فهنا بَيَّنَ ابنُ خفيف ﵀ معتقد أهل السنة في ذلك، فقال: «ومما نعتقده أن الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات، وإنما حرم الله الغش والظلم، وأن من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضالٌ مضلٌّ مبتدع»، وهذا الأمر يوجد في أفهام الصوفية، ويروِّجون له؛ بزعم أن الاشتغال بالتكسب وبالتجارة مما حرمه الله. فقال هنا: «إذ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات بشيء، وإنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارات، فإنها على أصل الكتاب والسنة جائزة إلى يوم القيامة، وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من

стр. 934

جميع الجهات»، يعني: يجعل الخلقَ ممنوعين من الوصول إلى ذلك. ويقول شارح «العقيدة الطحاوية»: «قد ظَنَّ بعضُ الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مُقَدَّرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد؛ فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مُستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه حرام، كما قد عُرف في موضعه. وقد كان النبي ﷺ أفضل المتوكلين- يَلبس لَأْمَةَ الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾ [الفرقان: ٧]. ولهذا تجد كثيرًا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يُرزقون على يد مَنْ يُعطيهم؛ إمَّا صدقة، وإمَّا هدية … » (١). وقال ابنُ القيم: «وفي الأحاديث الصَّحيحة الأمر بالتَّداوي، وأنَّه لا يُنافي التوكل، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتمُّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبَها الله مقتضيات لمسبباتها قَدَرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يَقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويُضعفه من حيث يظنُّ مُعطلها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا» (٢). وقال ابنُ حَجَر: «المراد بالتوكل: اعتقاد ما دَلَّت عليه هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجُرُّ إلى ضِد ما يَرَاه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يَأتيني رزقي! فقال: هذا رجل جَهِل العلمَ؛ فقد قال النبي ﷺ : «إنَّ الله جعل رزقي تحت ظلِّ رُمحي» (٣)، وقال: «لو تَوكلتم على الله حقَّ تَوكله لرزقكم كما يَرزق الطير

стр. 935

تَغدو خماصًا، وتَروح بِطانًا» (١)، فذكر أنَّها تَغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يَتَّجِرون ويَعملون في نَخيلهم، والقدوةُ بهم» (٢).

стр. 936

«وإن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال، ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة. والمعتقد أن الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقلبون في الحرام؛ فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض». مسألة الحلال والحرام تتبين بأمور: أولها: النصوص، فالحلال ما أحلّه الله والحرام ما حرمه الله، وقد جاءت النصوص في بيان أن الأصل في الأمور الحل، وأن الحرام ما نُص عليه أو دخل في قاعدة من القواعد التي يتبين بها الحرام من خلال النصوص الشرعية أو الإجماع، هذا أمر. ثانيها: أن هناك درجة أخرى للتمييز بين الحلال والحرام بعد النصوص الشرعية، وهو الفطرة والعقل السليم، فإن الفطرة والعقل السليم رُكّبت على أنها توافق الشرع في الإقرار بما أحله الله والنفور مما حرمه الله. وهو هنا يشير إلى المعنى الفطري في المسلمين الذين هم على الاستقامة، وهم عامة المسلمين الذين لم تدخلهم الشبهات ولا الشهوات، أما إذا دخلت على الإنسان الشبهات والشهوات فإنه قد يحلف على الحلال بأنه حرام والعكس كذلك، لأنه مسخت فطرته، وفسد عقله، وتبع هواه. ولا شك أن الوصول إلى الحلال إنما يكون بطريق التجارة، كما قال تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فإذًا لابد من التكسب، ولا بد من التجارة، ومَن قال: وزعم أن الناس جميعًا يتقلبون في الحرام، فهو مبتدعٌ ضالٌّ، ولا شك أن هذا الأمر، أي: الحرام يَقل ويَكثر ويُوجد في بعض البيوع ويوجد في بعض التجارات، لكن لا نزعم أن كل التجارات وكل البيوع هي كسبٌ مُحَرَّم، ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه. فلذلك هذا ردٌّ على زعم مَنْ يزعم أنَّ كل إنسان عنده غنى أو في نعمة: أن كسبه

стр. 937

حرام يجب اجتنابه، فالبعض يُفتي أنه إذا دعا هذا الغنيُّ أحدًا من الناس أنه لا تُجاب دعوته، بزعم أن ماله مَشبوه، وأنه على أمرٍ قد حرمه الله من كسبه ومن التجارة، فيزعم هؤلاء أنهم لا يُجيبون دعوة الأغنياء من الناس تحت دعوى أن مال هؤلاء مالٌ مشبوه، وهذه دعوى البعض يَعتقدها، وهذا لا يقول به أهل السنة والجماعة. فإن الأصل في أموال الناس الحلُّ، إلا إذا تبين لنا أن فيها حرامًا، فإذا تبين لنا فعند ذلك للإنسان أن يجتنب هذا المال؛ لأنه قد يكون مال شبهة، وهكذا الإنسان لو ابتلي بأبٍ أو بأسرة يوجد في أموالها ما هو حرام، فهل على الإنسان أن يجتنب ذلك كله، أو يقوم على أن الأصل هو الحل، وإنما وزر هذا الكسب يكون على مَنْ تسبب فيه .. وهذه أمور مبسوطة في كتب الفقه؛ يذكرها أهل العلم، ويبينون أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه، وأن الإنسان إذا كسب مالًا حرامًا فوزره عليه. فمعلومٌ أنه لا يحلُّ مال امرئٍ مسلم إلا بطيبةٍ من نفسه فليس لك الحق في أن تأخذَ من مالِ أخيك حتى وإن كان شيئاً يسيراً لم تطب به نفسه، لا يجوز لك أن تأخذه في هذا الشيء حتى لو كان المال الذي في يده مال حرام فهو ضامن له إلا إذا كان ولي أمر أو سلطان وأرادَ أن يًخرجَ هذا المال من يدِ هذا الذي اغتصبَ هذا المال فذاك في ولاية السلطان، أما أنت فليس لك حقٌ في أخذه فلعل الله أن يتوبَ على هذا الشخص فيُرجِع هذا المال إلى أهله فلا تقول إنه مال حرام وأنا لي حق في أخذه، ليس لك الحق في أخذه مهما كان. ثم المكاسب-بحمد الله تعالى-مطلقة إلا ما بانَ بيانُ تحريمه في هذا الشيء، ثم إن الأمر بالتكسُّب أمرٌ شرعي، وطلبُ القوت والرزق أمرٌ شرعي، وترك التكسُّب كما يدعو إليه المتصوفة؛ ويدعون إلى أن يعيشَ الناس على التكفف من غيرهم والسؤال من غيرهم والعيش بالأربطة وغير ذلك والتفرغ للعبادة، كل هذا ليس من دين الله ، ونحن نعلم أن أصحابَ النبي ﷺ كان منهم التاجر، وكان منهم الفلاح المزارع، وكان منهم مَنْ يقوم بالاحتطاب؛ إلى غير ذلك فهم كانوا أهل صنعة وأهل حرفة. وما كان من أصحاب السخرة فلأنهم من المهاجرين الذين لم يجدوا لهم فرصةً للعمل باعتبارِ أن المكاسب والأعمال في المدينة كانت في ذلك الوقت محدودة، ثم إن أهلِ السخرة بمجردِ أن تغير وجاءت الفتوحات على أهل الإسلام لم يبقوا في المسجد.

стр. 938

فهذا أبو هريرة ممن كان في السخرة أصبحَ يوماً أميراً للمدينة فلم يكن حالُ أهل السخرة حالُ تعبد، وإنما كان حال اقتصادي دعا إليه الحال الذي كان عليه حالُ الناس في ذلك الوقت من قلةِ المكاسب، ثم لما فتحَ الله على النبي ﷺ لم يبقَ أحدٌ في السخرة.

стр. 939

«ومما نعتقده أنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه؛ جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة في تجارته؛ فليس علينا الكشف عما ماله. فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط؛ جاز، إلا من داخل الظلمة. ومن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي؛ كما سأل الصديق غلامه؛ فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه اسم الحلال ولا الحرام، إلا أنه مشتبه؛ فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصِّدِّيق (١). وأجاز ابن مسعود وسلمان وقالا: «كُلْ منه وعليه التبعة» (٢)، والناس طبقات، والدين: الحنيفية السمحة». وقال هنا: «ومَن لا يزغ عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي»؛ أي: إذا كان المال خليطاً من الحلال والحرام فعلى الإنسان أن يتوقَّى، واستشهد على ذلك بفعل أبي بكر ﵁ مع غلامه في مسألة الكسب الذي أخذه، فلما علم أنه من كهانة أدخل أصبعه في فمه حتى قاءه. فالإنسان يستبرأ لدينه، فإذا كان المال خليطًا؛ فبعض أهل العلم يُفتي بالحِل، والبعض يفتي بالحرمة من جهة أن على الإنسان أن يستبرأ لدينه.

стр. 940

وقوله: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، فكل مَنْ ادعى الأمن فهو جاهل بالله وبما أخبر به عن نفسه: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، وقد أفردت كشف عوار كل من قال بذلك». وقال هنا: «وإن مما نعتقده: أن العبد ما دام أحكام الدار جارية عليه؛ فلا يسقط عنه الخوف والرجاء»، ولا شك أن المؤمن يَعيش بين الخوف والرجاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، فإن الإنسان يعيش بين المقامين إلا في حالة واحدة عند انقطاع العمل والإقبال على الله ؛ فيُغَلِّب في هذا الحال جانب الرجاء على جانب الخوف؛ لأن العمل قد انتهى. فلا بد أن تكون العبودية مبنية على الحب والخوف والرجاء، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان اختلت العبودية، ويبعث على تحقيق العبودية أمران اثنان: مشاهدة منة الله تعالى ونعمه، ومطالعة عيوب النفس والعمل؛ قال ابن القيم ﵀: «قال شيخ الإسلام: العارفُ يَسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة ومطالعة عيب النَّفس والعمل، وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصَّحيح من حديث شَدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه: «سَيِّدُ الاستغفار أن يَقول العبدُ: اللهم أنتَ ربِّي لا إله الا أنت، خَلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك مِنْ شَرِّ ما صنعتُ، أبوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي؛ إنَّه لا يَغفر الذنوب إلا أنت» (١)، فجمع في قوله ﷺ : «أَبُوءُ لَكَ بنعمتك عليَّ وأَبُوء بذنبي» مشاهدةَ المِنَّة ومطالعةَ عيب النفس والعمل. فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النِّعم والإحسان، ومطالعة عيب النفس والعمل تُوجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل

стр. 941

وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا، وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس؛ فلا يرى لنفسه حالًا ولا مقامًا ولا سببًا يتعلق به ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرف والإفلاس المحض، دخول مَنْ كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه؛ فانصدع وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه ، وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كل ذَرَّة مِنْ ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه ﵎، وأنه إن تخلى عنه طَرفة عين هلك وخسر خسارة لا تُجبر، إلا أن يَعود الله تعالى عليه ويَتداركه برحمته. ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حِجاب أغلظ من الدَّعوى» (١). ولما كان رسولنا ﷺ أحسن افتقارًا إلى الله كان أتم الخلق عبودية له . وهذا حال الأئمة والصالحين، وقد قال ابن القيم عن افتقار شيخه ابن تيمية لربِّه: «ولقد شاهدتُ من شيخ الإسلام ابن تيمية قَدَّس الله روحه من ذلك أمرًا لم أشاهده من غيره، وكان يقول كثيرًا: ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء». ومن نَظم شيخ الإسلام ﵀: أنا الفقير إلى رب البريات … أنا المُسيكين في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي … والخير إن يأتنا من عنده ياتي لا أستطيع لنفسي جلب منفعة … ولا عن النفس لي دفع المضرات وليس لي دونه مولى يُدَبِّرني … ولا شفيع إذا حاطت خطيئاتي إلا بإذن من الرحمن خالقنا … إلى الشفيع كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئًا دونه أبدًا … ولا شريك أنا في بعض ذرات ولا ظهير له كي يستعين به … كما يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا … كما الغنى أبدًا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعهم … وكلهم عنده عبد له آتي فَمَنْ بغى مطلبًا من غير خالقه … فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد لله ملء الكون أجمعه … ما كان منه وما من بعد قد ياتي» (٢).

стр. 942

«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية بعلائق الآخرية». فهذه كلها أفكار بعض الصوفية؛ إذ يزعمون أنهم في حالٍ من الترقي والتعبد حتى يصلوا إلى الكشف، وإذا وصلوا إلى مقام الكشف، فعند ذلك يسقطون عن أنفسهم جميع التكاليف. فلا يرى الواحد منهم أنه مخاطب بأحكام العبودية، ويرى أنه قد وصل أي: قد انتهى، ورفعت عنه التكاليف. وهذا يفعله بعض المتصوفة اليوم، وهذا معلوم عند من يقرأ كلام المتصوفة، ويعلم أن عندهم في التعبد درجات، حتى يصل الإنسان إلى مثل هذه الدرجة فإذا وصل إليها لا يخاطب بحلالٍ ولا بحرام. ومن ذلك قول قائلهم: يُطالب بالأوراد مَنْ كان غافلًا فكيف بقلبٍ كل أوقاته وِرْدُ فإذا سئل أحد هؤلاء: لماذا لا تصلي الجمعة مع الناس؟ ولماذا لا تشهد الجماعة مع الناس؟ قال: هذه صلاة الغافلين، أما أنا فمع الله دائمًا. فيفتَرون على الله بمثل هذه المزاعم الكاذبة التي هي في حقيقتها افتراء وكذبٌ على دين الله ، فأنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له عندها عائشة ﵂: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غَفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أَفَلا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟» (١).

стр. 943

فالنبي ﷺ بلغ ما بلغ من الدرجة والمنزلة عند الله ، ومع ذلك كان أشد الأمة حرصًا على عبادة الله جل وعلا، ولم يزعم هذا الزعم الذي زعمه هؤلاء. فالشاهد: أن المتصوفة عندهم كثير من الزَّلَّات والأخطاء التي في حقيقتها انحراف عن منهج النبوة، فهم قومٌ استدرجهم الشيطان وأوقعهم في هذه المزالق. الشيطان استدرج بعض المتصوفة شيئًا فشيئًا حتى أوصلهم إلى هذه الحال. فهذه المقالات هي مُحادَّة ومُعاداة لله ولرسوله ﷺ ، وإذا لم تُعَظَّم- في الأمة- أوامر الله عز جل وأوامر رسوله ﷺ ؛ فكيف يُعرف المستقيم من غير المستقيم؟ وكيف يُعرف الصالح من الفاسد؟ وكيف يُعرف الخير من الشر؟ فوالله إنَّ من أعظم المحادة والمعاداة لله ورسوله ﷺ : أن لا يكون هناك تعظيم لأوامر الله ونواهيه. فإذن: هذه الحال التي عليها هؤلاء هي محادَّة ومعاداة لله ورسوله ﷺ ، وإن كان بعض مَنْ يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك؛ لأنه ما عَرف من الدِّين إلا هذه المبادئ المتصوفة؛ فتَربى عليها ونشأ عليها، ولم يعرف من الدين إلا هذه الأمور، وهذه الحال التي هو عليه هي حال ضَلال؛ فنسأل الله العافية والسلامة. فإذن: بعض هؤلاء قد يعتقد أنَّ الطريق الذي هو عليه هو طريق الرسول ﷺ ، وأنَّه طريق أولياء الله المحققين؛ وقد يعتقد أن الصلاة وغيرها من التكاليف غير واجبة عليه؛ لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية. وهذا الفكر موجود عند هؤلاء المتصوفة، وموجود كذلك عند بعض من تأثر بالفلسفة؛ فيرى أن دين الرسول هو خطاب لعَوَام الناس، ويَدَّعي أولئك المتفلسفة أن ما جاء به الرسول من أوامر ونواه هي تربية فلسفية تخص العوام، أمَّا هم فيقولون: إنهم ليسوا من العوام، وبالتالي قد وصلوا إلى المقصود، ووصلوا إلى ما يريده الرسول من الأوامر والنواهي، ولكن بطريق آخر. وهذا الفكر قد فُتِن به-أيضًا-بعض المثقفين ممن تأثروا بالفلسفات اليونانية، أو درسوا في المدارس الغربية، ومع أن بعضهم قد بلغ مراتب عليا في الدراسات (الأكاديمية) والثقافة إلا أنه لا يصلي ولا يصوم، ولا يعظم الأمر والنهي، ويزعم أنه على الإسلام، ومن يخالط هؤلاء يجدهم على هذا الفكر، ويرى أنه مُستغن

стр. 944

ومستكف بالآراء الفلسفية عن التكاليف الشرعية، ويرى أنه ليس مخاطبًا ولا مطالبًا بالتكاليف الشرعية؛ لأنه صار أعلى من أن يُطالب بأداء الأوامر أو اجتناب النواهي. فالشيطان قد استدرج هؤلاء وهؤلاء، وهناك أوجه شبه كبيرة بينهما، ولهم جميعًا مبرراتهم الباطلة، التي يستمدونها من الأحوال القلبية، أو المبادئ الفلسفية، التي يرون أنها تغنيهم عن أن يؤدوا الصلاة مثلًا، وتبيح لهم شرب الخمر؛ إذ يرون أنها حرام على عوام الناس، حِلٌّ لهم؛ لكونهم من الخواص الذين لا يَضرهم شرب الخمر، بل ولا يضرهم فعل الفواحش؛ لأنهم صاروا كالبَحر لا تضرهم الذنوب وإن كثرت، حتى أصبحوا غير مبالين ولا مُعَظِّمين لأوامر الله تعالى ونواهيه. فهل بعد هذا التلاعب من الشيطان بهؤلاء من تَلاعب؟! أما المسلم فيحمد الله ؛ لأنَّه وَفَّقه لتعظيم الأمر والنهي.

стр. 945

«ونعتقد: أن العبودية لا تَسقط عن العبد ما عقل وعلم ما له وما عليه مميز على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج من رِقِّ العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأحدية المبدئية (١) بعلائق الآخرية، فهو كافر لا محالة؛ إلا من اعتراه علة أو رأفة؛ فصار معتوهًا أو مجنونًا أو مبرسمًا (٢)، وقد اختلط في عقله أو لحقه غشية ارتفع عنه أحكام العقل، وذهب عنه التمييز والمعرفة؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة». فالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف). فإذا وصل إلى مرحلة شهود الله وأنه الفاعل لكل شيء على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله. ويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف. فيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ

стр. 946

يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة. فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم. ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم هذا اللوث العقلي يقع من هؤلاء الصوفية بسبب أنهم لا يعملون عقولهم، وإذا أردت أن ترى إسقاط العقل عند هؤلاء فشاهد حضرة من حضرات الصوفية في أذكارهم، تراهم كالبهائم-بل أقل منهم درجة-بحركاتهم وأفعالهم التي ما أنزل الله بما من سلطان. ولذلك فإن الغرب الكافر يحارب الإسلام بطائفتين: يحاربهم بالرافضة؛ لأفعالهم الشنيعة. ويحاربهم بالمتصوفة؛ لأفعالهم القبيحة. والغرب يأتي إلى هؤلاء وهؤلاء؛ فيصورهم على أحوالهم التي يفعلونها، ثم ينقل إلى أتباعه هذه الصور التي عندما يراها الإنسان فلا يُمكن أن يقبل بدين أتباعه يفعلون هذا؛ لأن أفعالهم كأفعال المجانين. فلو أن هؤلاء الذين يصورون؛ صَوَّرُوا المسلمين في صلاتهم لرأوا خشوعًا وإيمانًا وسكينة، وكم من إنسان أسلم بسبب ما رأى من أفعال المسلمين في الصلاة؛ لأن الصلاة غاية في الدقة والإتقان، وعلى هيئة تملأ النفس بالخشوع والرهبة. أما أفعال الروافض والمتصوفة فتجلب الجنون، ولكثرة قيامهم وقعودهم يفقد الإنسان منهم عقله حتى يسقط مغشيًّا عليه، يفعلون كل هذا باسم الدين، والدين من ذلك براء، والله المستعان.

стр. 947

«ومن زعم الإشراف على الخلق حتى يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله-بغير الوحي المنزل من قول الرسول ﷺ فهو خارج عن الملة». من تقسيمات المتصوفة أنهم يزعمون أن هناك أقطابًا وأوتادًا وأبدالًا وغوثًا، فالغوث عندهم هو رأس الهرم، ويتبعه الأقطاب، ثم يتبعه الأوتاد، ثم يتبعه الأبدال. ويزعمون أن هذا الغوث هو الذي يُصَرِّف مجريات الكون، ويعلم ما تدور عليه هذه الأكوان، بمساعدة الأقطاب، ثم بعد ذلك الأوتاد، ثم الأبدال، فهذه درجات عند الصوفية. والله المستعان. ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب .... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر، ولا يدرك له حس ولا خبر. وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان" (١) قال ابن خلدون في هذا الخصوص، والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع، فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول

стр. 948

والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب (المقامات) له وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهباً لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب (الإشارات) في فصول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (١) هذا وقد أقر بذلك أحمد أمين المصري، فكتب: (إن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقاً، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمته (قطبا)، وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع، والقطب هو الذي (يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض)، ويلي القطب النجباء" (٢). يقول شيخ الإسلام ﵀: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة، فهذه الأسماء ليست مدرجة في كتاب الله، ولا هي أيضاً عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا بلفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد (٣) عن علي بن أبي طالب مرفوعاً إلى

стр. 949

النبي ﷺ ، ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً، وإما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، ثم قال: «وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر ونزول الرحمة بهم إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾، وقال: ﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، فكيف يكن المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب؟ وهو القائل تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾. وتتمة لذكر أحوال القطب وعلاماته ومقامته وأعوانه وغير ذلك فإن مما يعتقده الصوفية في تلك المملكة الباطنية وحول تلك الأسطورة من العقائدية الثابتة عند الصوفية كبيرهم وصغيرهم، والتي كانت من النتائج المباشرة لاعتناق فكرة الغنوصية (١)، أن وجدت خرافة المملكة الباطنية، بجناحيها القطب الغوث والمحكمة الباطنية أو «الديوان» أرضاً خصبة عند أولئك الذين يستهويهم الضلال والإضلال، وعمى البصر والبصيرة. ويحسن إعطاء نبذة عن فكرة الديوان الصوفي الباطن، وأين مكان اجتماعه؟ ومن له حق الحضور، وفيما يقضي هذا الديوان حسب زعمهم، (٢) حتى يستبين لك الأثر السيئ الذي تجره تلك المضامين الباطلة، التي لا تستند إلى دليل من كتاب الله ولا

стр. 950

من سنة رسوله ﷺ بل ولا يوجد واقع يؤيدها، وبذلك تكتمل عندك سورة «المملكة الباطنية» وما فيها من أساطير، وأول ما نبدأ به من حديث عن هذه العقائد الباطنية ما يسمى: الديوان أو المحكمة الباطنية: ولأقطاب الصوفية محكمة باطنية، أو ديوان يجتمع فيه القطب ورجاله، لتصريف أقدار الوجود، ومكان الديوان غار حراء، ووقته ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخيرة ورئيس الديوان هو القطب الغوث، ومكان جلوسه خارج الغار، وعن يمينه يجلس أربعة أقطاب على مذهب مالك، وعن يساره ثلاثة أقطاب من كل مذهب واحد، أما وكيل القطب، ويسمى قاضي الديوان، فيجلس أمام القطب، ومن يتكلم نائباً عن جميع أهل الديوان، وهنالك ستة صفوف من وراء الوكيل، ويتكون الصف الأول من سبعة الأقطاب، ويحضر الديوان بعض الكمل من الأموات، وقد رآهم الدباغ واستقبلوه أحسن استقبال في الديوان، وكيف يحضر الموتى إلى هذا الديوان؟ يجيب الدباغ بأنهم يطيرون إليه من البرزخ بطيران الروح حتى إذا شارفوا الديوان هبطوا إلى الأرض، ومشوا على أقدامهم. ويشهد جلسات الديوان الملائكة والجن؛ ليعينوا أهل الديوان في تصرفاتهم وأحياناً يحضره النبي ﷺ ، فيتخذ مكان الغوث، ويتخذ الغوث مكان الوكيل، ويدخل الملائكة في نور النبي ﷺ فلا يظهر منهم ملك، أما في ليلة القدر، فيشهده جميع الرسل والملائكة والرسول وزوجاته جميعاً، والصغار من الأولياء يحضرونه بذواتهم، أما الولي الكبير فيحضره بذات من ذواته، وتبقى في البلد الذي هو فيه ذاته لا تغيب عن أهل البلد. ويكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء مرة في العام في موضع يقال له زاوية «أسا» خارج أرض سوس، بينها وبين أرض غرب السودان، فيحضره أولياء السودان، ويجتمعون في غير هذين الموضعين السابقين؛ لأن الأرض لا تطيقهم (١). هذا هو الديوان الصوفي، كما وصفه كاهن صوفي كبير نقلته بلفظه نفسه، بل قل: هذه هي أسطورة الوثنية المخبولة الحمقاء، وكم للصوفية مثلها من أساطير. ومن هذه الأساطير المخزية ما يدعونه من أن غياب القطب الغوث يسبب اضطراباً
следующие страницы →