يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة.
فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم.
ولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم
هذا اللوث العقلي يقع من هؤلاء الصوفية بسبب أنهم لا يعملون عقولهم، وإذا أردت أن ترى إسقاط العقل عند هؤلاء فشاهد حضرة من حضرات الصوفية في أذكارهم، تراهم كالبهائم-بل أقل منهم درجة-بحركاتهم وأفعالهم التي ما أنزل الله بما من سلطان.
ولذلك فإن الغرب الكافر يحارب الإسلام بطائفتين:
يحاربهم بالرافضة؛ لأفعالهم الشنيعة.
ويحاربهم بالمتصوفة؛ لأفعالهم القبيحة.
والغرب يأتي إلى هؤلاء وهؤلاء؛ فيصورهم على أحوالهم التي يفعلونها، ثم ينقل إلى أتباعه هذه الصور التي عندما يراها الإنسان فلا يُمكن أن يقبل بدين أتباعه يفعلون هذا؛ لأن أفعالهم كأفعال المجانين.
فلو أن هؤلاء الذين يصورون؛ صَوَّرُوا المسلمين في صلاتهم لرأوا خشوعًا وإيمانًا وسكينة، وكم من إنسان أسلم بسبب ما رأى من أفعال المسلمين في الصلاة؛ لأن الصلاة غاية في الدقة والإتقان، وعلى هيئة تملأ النفس بالخشوع والرهبة.
أما أفعال الروافض والمتصوفة فتجلب الجنون، ولكثرة قيامهم وقعودهم يفقد الإنسان منهم عقله حتى يسقط مغشيًّا عليه، يفعلون كل هذا باسم الدين، والدين من ذلك براء، والله المستعان.
стр. 947
«ومن زعم الإشراف على الخلق حتى يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله-بغير الوحي المنزل من قول الرسول ﷺ فهو خارج عن الملة».
من تقسيمات المتصوفة أنهم يزعمون أن هناك أقطابًا وأوتادًا وأبدالًا وغوثًا، فالغوث عندهم هو رأس الهرم، ويتبعه الأقطاب، ثم يتبعه الأوتاد، ثم يتبعه الأبدال.
ويزعمون أن هذا الغوث هو الذي يُصَرِّف مجريات الكون، ويعلم ما تدور عليه هذه الأكوان، بمساعدة الأقطاب، ثم بعد ذلك الأوتاد، ثم الأبدال، فهذه درجات عند الصوفية. والله المستعان.
ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب .... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به، ثم مع هذا يقولون: إنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة، ولا يعرف له عين ولا أثر، ولا يدرك له حس ولا خبر.
وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجوه، بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان" (١)
قال ابن خلدون في هذا الخصوص، والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع، فيقول: (إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول
стр. 948
والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب (المقامات) له وغيره، وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول وإلهية الأئمة مذهباً لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب (الإشارات) في فصول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء (١)
هذا وقد أقر بذلك أحمد أمين المصري، فكتب: (إن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقاً، وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي، وصاغتها صياغة جديدة وسمته (قطبا)، وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح، وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب، وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع، والقطب هو الذي (يدبر الأمر في كل عصر، وهو عماد السماء، ولولاه لوقعت على الأرض)، ويلي القطب النجباء" (٢).
يقول شيخ الإسلام ﵀: «وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة والأوتاد الأربعة والأقطاب السبعة والأبدال الأربعين والنجباء الثلاثمائة، فهذه الأسماء ليست مدرجة في كتاب الله، ولا هي أيضاً عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل إلا بلفظ الأبدال، فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد (٣) عن علي بن أبي طالب مرفوعاً إلى
стр. 949
النبي ﷺ ، ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذا الترتيب ولا هي مأثورة على هذا الترتيب والمعاني عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً، وإما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، ثم قال: «وأما لفظ الغوث والغياث فلا يستحقه إلا الله تعالى فهو غياث المستغيثين لا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره لا بملك مقرب ولا نبي مرسل، ومن زعم أن أهل الأرض يرفعون حوائجهم التي يطلبون بها كشف الضر ونزول الرحمة بهم إلى الثلاثمائة والثلاثمائة إلى السبعين والسبعين إلى الأربعين والأربعين إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الغوث، فهو كاذب ضال مشرك، فقد كان المشركون كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾، وقال: ﴿أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء﴾، فكيف يكن المؤمنون يرفعون إليه حوائجهم بعدة وسائط من الحجاب؟ وهو القائل تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾.
وتتمة لذكر أحوال القطب وعلاماته ومقامته وأعوانه وغير ذلك فإن مما يعتقده الصوفية في تلك المملكة الباطنية وحول تلك الأسطورة من العقائدية الثابتة عند الصوفية كبيرهم وصغيرهم، والتي كانت من النتائج المباشرة لاعتناق فكرة الغنوصية (١)، أن وجدت خرافة المملكة الباطنية، بجناحيها القطب الغوث والمحكمة الباطنية أو «الديوان» أرضاً خصبة عند أولئك الذين يستهويهم الضلال والإضلال، وعمى البصر والبصيرة.
ويحسن إعطاء نبذة عن فكرة الديوان الصوفي الباطن، وأين مكان اجتماعه؟ ومن له حق الحضور، وفيما يقضي هذا الديوان حسب زعمهم، (٢) حتى يستبين لك الأثر السيئ الذي تجره تلك المضامين الباطلة، التي لا تستند إلى دليل من كتاب الله ولا
стр. 950
من سنة رسوله ﷺ بل ولا يوجد واقع يؤيدها، وبذلك تكتمل عندك سورة «المملكة الباطنية» وما فيها من أساطير، وأول ما نبدأ به من حديث عن هذه العقائد الباطنية ما يسمى:
الديوان أو المحكمة الباطنية:
ولأقطاب الصوفية محكمة باطنية، أو ديوان يجتمع فيه القطب ورجاله، لتصريف أقدار الوجود، ومكان الديوان غار حراء، ووقته ساعة الاستجابة من ثلث الليل الأخيرة ورئيس الديوان هو القطب الغوث، ومكان جلوسه خارج الغار، وعن يمينه يجلس أربعة أقطاب على مذهب مالك، وعن يساره ثلاثة أقطاب من كل مذهب واحد، أما وكيل القطب، ويسمى قاضي الديوان، فيجلس أمام القطب، ومن يتكلم نائباً عن جميع أهل الديوان، وهنالك ستة صفوف من وراء الوكيل، ويتكون الصف الأول من سبعة الأقطاب، ويحضر الديوان بعض الكمل من الأموات، وقد رآهم الدباغ واستقبلوه أحسن استقبال في الديوان، وكيف يحضر الموتى إلى هذا الديوان؟ يجيب الدباغ بأنهم يطيرون إليه من البرزخ بطيران الروح حتى إذا شارفوا الديوان هبطوا إلى الأرض، ومشوا على أقدامهم.
ويشهد جلسات الديوان الملائكة والجن؛ ليعينوا أهل الديوان في تصرفاتهم وأحياناً يحضره النبي ﷺ ، فيتخذ مكان الغوث، ويتخذ الغوث مكان الوكيل، ويدخل الملائكة في نور النبي ﷺ فلا يظهر منهم ملك، أما في ليلة القدر، فيشهده جميع الرسل والملائكة والرسول وزوجاته جميعاً، والصغار من الأولياء يحضرونه بذواتهم، أما الولي الكبير فيحضره بذات من ذواته، وتبقى في البلد الذي هو فيه ذاته لا تغيب عن أهل البلد.
ويكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء مرة في العام في موضع يقال له زاوية «أسا» خارج أرض سوس، بينها وبين أرض غرب السودان، فيحضره أولياء السودان، ويجتمعون في غير هذين الموضعين السابقين؛ لأن الأرض لا تطيقهم (١).
هذا هو الديوان الصوفي، كما وصفه كاهن صوفي كبير نقلته بلفظه نفسه، بل قل: هذه هي أسطورة الوثنية المخبولة الحمقاء، وكم للصوفية مثلها من أساطير.
ومن هذه الأساطير المخزية ما يدعونه من أن غياب القطب الغوث يسبب اضطراباً
стр. 951
في الديوان ويحدث بين أهله ما يوجب اختلافهم (١).
وسبب غياب القطب يكون لأمرين (٢):
أحدهما: سكره وفناؤه في مشاهدة الحق.
والآخر: كونه في بداية توليته عقب موت الغوث الذي كان قبله.
وأما عن عمل أهل الديوان: فيزعمون أنه حين يجتمع الأقطاب يتكلمون في تصريف أقدار الوجود وفيما يحفظ عليه بقاؤه، وفيما يحتاج إليه أهله في اليوم المستقبل والليلة التي تليه، ولهم التصرف في ملكوت السماوات والأرض، وفي عرش الله وفيما فوق العرش، وفي خواطر الناس وهواجسهم.
وهذه «الأسطورة أتفه من أن يبذل الحق جهداً، ليقضي عليها ببرهان، غير أن وراءها كتباً، وكبار شيوخ، والذين عميت بصائرهم، وعقولهم يظنون أنه لا يوجد في الكتب إلا الحق، وأن كبار الشيوخ لا يكذبون، يظنون أن الأمر ما دام في كتاب فهو حق، وما دام يجري على لسان شيخ كبير فهو صدق بيِّن، آمنوا بكتب الناس وبالشيوخ، وكفروا بكتاب الله وبالرسول ﷺ ، ومن هذا أُتي المقلدون في دينهم وعقولهم».
يقول ربنا سبحانه: ﴿الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون * يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون * ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم﴾، وهؤلاء الشيوخ يحكمون بأن لهم أولياء من دون الله يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض، مما فوق العرش، وأن الأمر كله يعرج إلى القطب الغوث الذي يعلم الغيب والشهادة.
стр. 952
«ومَن ادَّعى أنه يعرف ما قال رسول الله ﷺ فقد باء بغضب من الله، ومن ادَّعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم، وأنهم على ماذا يموتون عليه ويختم لهم-بغير الوحي من قول الله وقول رسوله-فقد باء بغضب من الله».
وعن دعاوى هؤلاء قال ابن عربي في الفتوحات المكية: (وهم اثنا عشر نقيباً في كل زمان، لا يزيدون ولا ينقصون، على عدد بروج الفلك الاثني عشر، كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات …
واعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة، ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها، ومعرفة مكرها وخداعها، وإبليس مكشوف عندهم، يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه، وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة" (١)
وقال الجرجاني في تعريفاته: "القطب، وهو الغوث: عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان، وهو على قلب إسرائيل ﵇.
الإمامان: هما شخصان، أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت، والآخر عن يساره، ونظره في الملك، وهو أعلى من صاحبه، وهو الذي يخلف الغوث.
الأوتاد: عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة.
البدلاء: هم سبعة، ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد، فذلك هو البدل لا غير، وهم على قلب إبراهيم ﵇.
النجباء: أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير.
стр. 953
النقباء: هم الذين استخرجوا خبايا النفوس، وهم ثلاثمائة" (١)
وقال داود بن محمود القيصري: "ولهم مراتب. الأولى مرتبة القطبية، ولا يكون فيها أبداً إلا واحد بعد واحد، ويسمى غوثا، لكونه مغيثاً للخلق في أحوالهم.
ثم مرتبة الإمامين، وهما كالوزيرين للسلطان. أحدهما صاحب اليمين، وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب، وثانيهما صاحب اليسار، وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة. وعند ارتحال القطب إلى الآخرة، لا يقوم مقامه، منهما وإلا صاحب اليسار، لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين: لأنه، بَعْدُ، ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك، وصاحب اليسار نزل إليه، وكملت دائرته في السير والوجود.
ثم مرتبة الأربعة، كالأربعة من الصحابة، ﵃ أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة، الحافظين للأقاليم السبعة. وكل منهم قطب للإقليم الخاص به.
ثم مراتب الأولياء العشرة، كالعشرة المبشرة. ثم مراتب الاثني عشر، الحاكمين على البروج الاثني عشر، وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان. ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين، مظاهر الأسماء الحسنى، إلى الثلاثمائة والستين.
وهؤلاء قائمون في العالم على سبيل البدل، في كل زمان، ولا يزيد عددهم ولا ينقص إلى يوم القيامة. وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون، بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه.
وبعدهم: مرتبة الزهاد والعبّاد والعلماء من المؤمنين، الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين.
وجميع هؤلاء المذكورين، داخلون في حكم القطب.
والأفراد الكمّل، الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة، هم الخارجون من حكمه. فإنهم يأخذون من الله، سبحانه، ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه، فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه" (٢)
إلى غير ذلك من الترهات التي جاء بها هؤلاء.
ومما يدِّعيه هؤلاء من أن لهم علم الباطن وهذا حالُ الباطنية، وهذا موجود عند
стр. 954
المتصوفة وغيرهم؛ أنهم يقولون نحن علماء الباطن وأنتم علماء الظاهر، أو نحن علماء الحقيقة وأنتم علماء الشريعة، فهذا كله من الدعاوى الباطلة، وهؤلاءِ أرادوا أن يُفسدوا الدين من جهةِ أن يجعلوا له معانٍ ظاهرة ومعانٍ باطنة، فهذه النصوص واضحةُ المعاني معلومةُ المعاني والله خاطبنا بما يظهرُ منها.
وإن من أهم العوامل التي أدت إلى انحراف المتصوفة هو تفريقهم بين الحقيقة والشريعة وادعاؤهم بأن الحقيقة غير الشريعة.
ومصطلح الشريعة والحقيقة مصطلح خاص بهم وكل من قرأ في كتب المتصوفة يجد بأن المتصوفة يكررون هذا المصطلح بكثرة وهو في الحقيقة لا يبعد كثيرا عن مصطلح الظاهر والباطن الذي وضعه الباطنية كمصطلح خاص بهم إلا أن الصوفية قد شاركوا الباطنية في مصطلح الظاهر والباطن أيضا، وكلا المصطلحين وضعهما الصوفية والباطنية ليهدموا بهما الشريعة الإسلامية ويقضوا عليها.
ويعني المتصوفة بهذين المصطلحين بأن هناك في الإسلام علمين علم يخص أهل الظاهر وهي الشرعية الإسلامية التي جاء بها الرسول ﷺ بكل ما فيها من عقائد وعبادات وآداب وأخلاق وسلوك وهذا علم يرتفع عنه المتصوفة ويرون الوقوف عند هذا العلم انحطاطا وأن الإنسان الذي تعلم العلم الشرعي " الكتاب والسنة " يعتبر في نظر المتصوفة في درجة العوام الذين لا يعتد بفتواهم.
والعلم الثاني العلم الذي يطلق عليه المتصوفة علم الحقيقة وهو الذي يعبرون عنه بالعلم اللدني ويعتقد المتصوفة بأن هذا هو العلم النافع وهو الذي من عرفه يستحق أن يسمى عالما في زعمهم.
وأما الكيفية التي ينال بها هذا العلم اللدني حسب زعم المتصوفة فهي المجاهدة التي إذا استمر عليها الإنسان ينزل عليه علم الحقيقة من الله والذي يقولون عنه أنه سر من أسرار الله لا ينزله إلا على قلوب الخاصة ويعنون بهذا أنفسهم لأنهم يقولون لا ينزل هذا العلم إلا على أولياء الله وقد حصروا الولاية في أنفسهم.
ومن هنا بعد القوم عن الشريعة الإسلامية الغراء التي جاء بها الرسول ﷺ من عند الله وفيها هدى ونور أصبحوا يبحثون عن الهداية والوصول إلى مرضاة الله عن طريق علمهم المزعوم والذي وصفوه بأنه بعيدا كل البعد عن المعاني التي تدل عليها النصوص القرآنية والحديثية على حسب الأساليب المعروفة في اللغة العربية وكل من اعترض على تفسيرهم الباطل سدوا عليه الباب بأن هذا علم الحقيقة أو علم
стр. 955
الباطن وأن هذا العلم لا يدركه إلا أهل الحقيقة ويعنون أنفسهم ولذا لا ينبغي لأهل الرسوم أن يعترضوا عليهم لأنهم يجهلون هذا العلم ولقد صرح المتصوفة بأن هناك علما يسمى علم الحقيقة يختلف تماما عن علم الشريعة الذي جاء به الرسول ﷺ وإليك النصوص من كتبهم أنفسهم.
قال المنوفي في كتابه (جمهرة الأولياء): "إن القوم يرجعون بسند طريقهم إلى الرسول ﷺ من حيث إن جبريل ﵇ نزل بالشريعة أولاً فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوة … من أعمال الشريعة فخص الرسول ﷺ بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض" ثم قال في نفس الصفحة:
"وأول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي وذكر السلسلة الصوفية في تلقي العلوم اللدنية إلى أن وصل إلى الجنيد الذي قال عنه أنه صحب الشافعي في علوم الظاهر ثم صحب وأخذ عن خاله السري السقطي علوم الباطن وعن الجنيد أخذ المحاسبي ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا" (١).
وقد ذكر ابن عجيبة في " الفتوحات الإلهية شرح المباحث الأصلية" شرح الحديث المكذوب على الرسول ﷺ والذي هو: «إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغرة بالله» (٢) ثم ذكر في نفس الكتاب شرح هذا الحديث المكذوب فقال: "قال بعضهم في شرح هذا الحديث هي أسرار الله يبديها الله إلى أمناء أوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها إلا الخواص فإذا سمعها العوام أنكروها ومن جهل شيئا عاداه" (٣).
وينبغي أن نتذكر جيدا بأن المتصوفة يقصدون بكلمة العوام علماء الأمة الإسلامية من محدثين ومفسرين وفقهاء.
فمن النصوص المتقدمة نخرج بالنتائج الآتية:
أثبتنا بأن المتصوفة يقولون بأن هناك حقيقة تختلف عن الشريعة ومع هذا فإننا
стр. 956
نلاحظ أيضا بأن البعض منهم قالوا إنها نزلت على الرسول بعد استكمال الشرعية.
والبعض الآخر قال: إنها أسرار الله يبديها الله لأوليائه.
وكلا القولين تترتب عليهما أمورا خطيرة.
وادعاء أن لها علم باطن هذا فيه اتهامٌ للنبي ﷺ أنه كتمَ الحق فأظهرَ لنا أمراً وأخفى عنا غيره، وهذا الذي يزعمه هؤلاء؛ أن الذي أظهره النبي ﷺ هذا هو الظاهر، وأن ما عندهم هو علم الباطن، فكل هذا من الافتراء والكذب ومحاولة تشويه دين الإسلام.
فالله تعالى أنزلَ كتاباً وأرسلَ رسولاً، وهذه الآيات وهذه النصوص وهذه المعاني واضحة بيِّنة لأنها بلسانٍ عربيٍّ مبين ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] فهو بيِّن واضح ليس للأمرِ ظاهر وباطن كما يزعم هؤلاء الذين أرادوا تحريفَ دينِ الإسلام.
وفي سبيل ترويج باطلهم أظهروا ما يسمى بالذوق والكشف والوجد
فجعلت الصوفية «الذوق» هو وسيلة المعرفة، دون الشرع والعقل، فقصرت رحمة الله على فئة قليلة في عباده، وصيَّرت الإنسان كمن يمشي في ضوء الشمس وهو مغمض عينيه، فلا يستفيد من ضوئها، أو كمن يحاول أن يبصر في الظلام فلا يستفيد من عينيه.
وبذلك اختلفت طرائقهم وأفكارهم، وصارت مصادر المعرفة عند الصوفية مختلفة ومتباينة؛ لأن كل صوفي يتحدث عنها من واقع تجربته الخاصة.
ومن هذا المنطلق كتب الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ في كتابه «هذه هي الصوفية» عن مفهوم الذوق عند الصوفية، يقول: إن الصوفية تعتقد أن الذوق الفردي لا الشرع، ولا العقل هو وحده وسيلة المعرفة ومصدرها لمعرفة الله وصفاته، وما يجب له، فهو - أي الذوق - الذي يقوم حقائق الأشياء ويحكم عليها بالخَيْرِيَّة أو الشَّرِّية، بالحُسُنِ والقُبْحِ، بأنها حق أو باطل، فلا جَرَمَ أن تدين الصوفية بعدد عديد من أرباب وآلهة، ولا عجب أن ترى النِّحلَةَ منها تخضع لصنم يكفر به سواها من النِّحل الصوفية، لا عجب في ذلك كله ما دامت تجعل «الذوق» (١) الفردي حاكماً وقيماً على المسميات وأسمائها (٢).
стр. 957
وعن تعريف كلمة الذوق عند الصوفية، يذكر الشيخ الوكيل ﵀ جانباً من التعريفات التي قالوها:
١ - يعرف القيصري الذوق بقوله (١): «ما يجده العالم على سبيل الوجدان والكشف، لا البرهان والكسب، ولا على طريق الأخذ بالإيمان والتقليد» (٢).
٢ - أو هو: «أول درجات شهود الحق بالحق في أثناء البوارق المتوالية عند أدنى لبث في التجلي البرقي» (٣).
٣ - ويقول ابن عربي: «اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة» (٤)(٥).
وفي مجال إبراز مدى اعتقاد الصوفية في أن «الذوق» هو وسيلة المعرفة لديهم يقول الشيخ الوكيل يقول: «كل صوفي يؤمن بأن الذوق وحده وسيلة المعرفة، أما العقل عندهم فهو طاغوت أخرق، وأما الشرع فمادية تنشب مخالبها في الصخر دون أن ترمق السماء بنظرة واحدة، وهو نوع من عبادة التاريخ الميت، ولهذا تتباين عندهم قيم الأشياء تبعاً لتباين الذوق!! (٥).
وأما الكشف فقد روجت الصوفية لفكرة الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة الكشف وراء طور العقل، وبأن مرتبة الكشف هي نيلُ ما ليس له العقل يَنَال، لا نَيْلُ ما هو ببديهة العقل محال.
ويشرح الشيخ عبد الرحمن الوكيل ﵀ معنى «الكشف» عند الصوفية قائلاً: يعرف الصوفية الكشف بأنه الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجوداً وشهوداً، والله سبحانه هو القائل: ﴿قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله﴾.
ورداً على مقولتهم الباطلة: «وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال». يقول ﵀: من الذي جعل من الشرع قسماً لا يناله العقل؟ بل الكشف، من قال هذا؟ ومن أين جاءوا بهذا؟ وهل في مقدور كل مسلم الكشف والمعاينة؟ يجيبون هم بأن هذا لخواص الخواص!! وهذا يستلزم أن الخواص والعوام لا يمكن أن يصلوا إلى معرفة
стр. 958
أهم حقائق الشرع، ثم ما هذا الذي لا يظهر إلا بالكشف؟! إن كان هو عين ما في الشريعة فما للكشف فائدة إذاً.
وإن كان غير ما فيها، قالوا بجواز عبادة الله بغير ما شرعه الله، وتلك هي الطامة الكبرى (١).
وكل صوفي يؤمن بالكشف، بل يزعمون أن الكشف أدنى مراتب الولي، والكشف يحصل بأسباب منها كما يروى عن الغزالي:
١ - التنبيه، وسماع الغناء منبهٌ.
٢ - ومنها صفاء القلب، والسماع يؤثر في تصفية القلب.
٣ - ومنها انبعاث نشاط القلب بقوة السماع.
إذاً فسماع الغناء أقوى الأسباب عند الغزالي للكشف؛ فأي كشف هذا؟ حسب الغزالي هوياً إلى أعماق الهاوية أن يزعم أن رؤية الله تحصل بسماع الغناء.
بل يرون مساواة الولي للنبي في انكشاف الحقائق:
فمن الصوفية من يفضل الولي على النبي؛ إذ يزعمون أن الولي يوحى إليه بلا واسطة، أما النبي فبواسطة، وزعيم هؤلاء ابن عربي، والغزالي يزعم أن الولي تنكشف له الحقائق، كما تنكشف للنبي ﷺ ، ولا فرق بين الاثنين إلا في أن النبي كلف بإصلاح الخلق، وبذلك يقول: «إخبار الرسول عن الغيب وأمور في المستقبل، وإذا جاز للنبي جاز لغيره؛ إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق، ولا يشتغل بإصلاح الخلق، وهذا لا يسمى نبّياً بل وليّاً».
وأما الذوق فإن الصوفية عندما تحدث عن وسيلة المعرفة عند الصوفية يعرفونها بأنها تقوم على الذوق والكشف، دون العقل والشرع، ساق في هذا المجال بعضاً من التعريفات التي اصطلح عليها كبار شيوخ الصوفية، كالقصيري، وابن عربي في تعريف الذوق.
فالقصيري يعرف الذوق بقوله: «ما يجده العارف على سبيل الوجدان والكشف لا البرهان والكسب، ولا عن طريق الأخذ بالإيمان والتقليد، وهو أول درجات شهود الحق بالحق. في أثناء البوارق المتتالية عند أدنى لبث من التجلي البرقي».
стр. 959
كما يذكر عن ابن عربي قوله:
«اعلم أن العلوم الذوقية الحاصلة لأهل الله، مختلفة باختلاف القوى الحاصلة مع كونها ترجع إلى عين واحدة».
والمعروف عن التصوف أنه على نوعين:
النظري «الإشراقي»: والغاية منه معرفة الله «بالذوق» واكتناه أسرار ربوبيته بالمواجيد.
التصوف العملي: وهو قائم على الرياضيات والمجاهدات، أي على الذكر والزهد والعبادة وفي الحقيقة لا يمكن التفرقة بينهما، لأن النظري وليد العملي، لأن النظرية وليدة التطبيق (١).
ولقد أكثر الصوفية في كلامهم عن الحديث عن المحبة والفناء، وجعلوا الذوق هو طريق المعرفة الحقة، وأن الشريعة للعوام، وأن الحقيقة للخواص، وأن لكل شيء ظاهر وباطن، فمن ثم اتسم فكرهم عن الجانب الإلهي بالغموض والإبهام، وظهرت فيه آثار الغنوصية (٢) والباطنية، مما دعى بعض الباحثين إلى التساؤل، عما إذا كان هناك علاقة بين غلاة الصوفية والباطنية والإسماعيلية والفلاسفة (٣).
стр. 960
«ومن زعم أن صفاته قائمة بصفاته-ويشير في ذلك إلى غير الأيد والعصمة والتوفيق والهداية-وأشار إلى صفاته القديمة-فهو حلولي قائل باللاهوتية (١) والالتحام، وذلك كفر لا محالة».
هذا هو الحلول والاتحاد الخاص؛ وهو أن يتحد اللاهوت بالناسوت، فهم يرون أن صفات الخالق تَحل في صفات المخلوق، فعند ذلك يزعمون أن الله حَلَّ في شخصه، وقد صرخ أحدهم في بعض جلساته، وزعم أنه هو الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهل هنالك كفر أعظم من ذلك؟! والله المستعان.
стр. 961
«و (الفراسة) حق على أصول ما ذكرناها، وليس ذلك مما سميناه في شيء».
تعريف الفراسة:
• قال الراغب الأصفهاني: هي الاستدلال بهيئات الإنسان وأشكاله وألوانه وأقواله على أخلاقه وفضائله ورذائله.
• وقال فخر الدين الرازي: الفراسة هي الاستدلال بالأحوال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.
ويقسمها ابن القيم (في كتاب مدارج السالكين) (١) إلى ثلاثة أقسام:
• الفراسة الإيمانية: وهي نور يقذفه الله في قلب عبده يفرق به بين الحق والباطل، والحالي والعاطل، والصادق والكاذب.
وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب كوثوب الأسد على الفريسة، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدُ فراسة … وهذا النوع مصاحب للأنبياء والصالحين وأهل العلم والايمان.
• فراسة الرياضة والجوع: فراسة الرياضة والجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان ولا على ولاية، وهي من أبطل الباطل، وللرهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئي من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء ونحوهم.
• الفراسة الخلقية: وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم واستدلوا بالخِلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل وبكبره على كبر العقل، وبسعة الصدر وبعد ما
стр. 962
بين جانبيه على سعة خلق صاحبه واحتماله وبسطته، وبخمود العين وكلال نظرهما على بلادة صاحبها، وبتدويرها مع حمرتها وكثرة تقلبها على خيانته ومكره وخداعه …
• وقال ابن القيم " فراسة المتفرس تتعلق بثلاث " بعينه وأذنه وقلبه:
• فعينه: للسيماء والعلامات … أي لملاحظة العلامات الوجهية والجسدية والخلقية والتفرس فيها.
• وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه ومنطوقه ومفهومه وفحواه وإشارته ولحنه وإيمائه ونحو ذلك.
• وقلبه: للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيه … بمعنى إدراك القول الملفوظ والفعل المفعول، وفهم المقصود من وراءه في النية والقلب. (١)
ولإتقان الفراسة سببان كما يرى ابن القيم:
• أحدهما: جودة ذهن المتفرس، وحدة قلبه، وحسن فطنته.
• والثاني: ظهور العلامات والأدلة على المتفرس فيه … أي ظهور العلامات الوجهية والجسدية والخلقية.
فإذا اجتمع السببان، لم تكد تخطئ للعبد فراسة، وإذا انتفيا لم تكد تصح له فراسة، وإذا قوي أحدهما وضعف الآخر كانت فراسته بين بين.
الفراسة في الكتاب والسنة:
• قال تعالى " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ " (الحجر: ٧٥) - ذكر عدد من أهل العلم أن هذه الآية عن أهل الفِراسة، وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي العلامة (السمات الخلقية).
• قال تعالى: " وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ " (محمد: ٣٠)
• قال تعالى: " تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ " (البقرة: ٢٧٣)
• قال ﵊ " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم (٢) " رواه
стр. 963
البزار (١) والطبراني في الأوسط (٢)
• جاء في الأثر عن رسول الله انه قال " اتقوا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور الله " رواه الترمذي (٣).
стр. 964
وقوله: «ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.
وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: "النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح".
وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: "سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب"، إلى أن قال: "والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة".
وصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتاباً كبيراً في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئاً كثيراً، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) " (١)
يقول ابن تيمية: (والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان) (٢)
стр. 965
«ومن قال: إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى-النسطورية-في المسيح، وذلك كفر بالله العظيم».
من طوائف النصارى: النسطورية واليعقوبية.
فالنسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه، وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه الشريعة، قال: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: (الوجود والعلم والحياة)، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم.
وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة، فإنه يُثبت خواصَّ مختلفة لشيء واحد، ويعني بقوله: واحد، يعني الإله، قال: هو واحد بالجوهر. أي: ليس هو مركبًا من جنسين، بل هو بسيط وواحد.
ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين، أي: أصلين مبدأين للعالم، ثم فسَّر العلم بالنطق والكلمة، ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودًا حيًّا ناطقًا، كما تقول الفلاسفة في حدِّ الإنسان، إلا أن هذه المعاني تتغاير في الإنسان؛ لكونه جوهرًا مركبًا، وهو جوهر بسيط غير مركب.
وبعضهم يُثبت لله تعالى صفات أُخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما، ولم يجعلوها أقانيم، كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين.
ومنهم مَنْ أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حيٌّ ناطق إله، وزعم الباقون أن اسم الإله لا يُطلق على كل واحد من الأقانيم، وزعموا أن الابن لم يزل متولدًا من الأب، وإنما تجسَّد واتحد بجسد المسيح حين ولد، والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت، فهو إله وإنسان اتَّحَدَا.
وهما جوهران أقنومان طبيعتان: جوهر قديم، وجوهر محدث إله تام وإنسان
стр. 966
تام، ولم يبطل الاتحاد قدم القديم، ولا حدوث المحدث، لكنهما صارا مسيحًا واحدًا طبيعة واحدة، وربما بدَّلوا العبارة، فوضع مكان الجوهر الطبيعة ومكان الأقنوم الشخص، وأما قولهم في القتل والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية.
قالوا: إنَّ القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته؛ لأن الإله لا تحلُّه الآلام.
ومن النسطورية قوم يُقال لهم: المصلين. قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور، إلا أنهم قالوا: إذا اجتهد الرجل في العبادة وترك التغذي باللحم والدسم، ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية، تصفَّى جوهره حتى يبلغ ملكوت السموات، ويرى الله تعالى جهرة، وينكشف له ما في الغيب، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومن النسطورية مَنْ ينفي التشبيه، ويُثبت القول بالقَدَر خيره وشره من العبد، كما قالت القدرية (١).
وأمَّا اليعقوبية فهم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحمًا ودمًا، فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده، بل هو هو.
وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٣].
فمنهم من قال: إن المسيح هو الله تعالى.
ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت، فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر، لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة، بل صار هو هو، وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان. أو: ظهر الشيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التنزيل عن جبريل ﵇: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد، أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين، وربما قالوا: طبيعة واحدة من طبيعتين، فجوهر الإله القديم، وجوهر الإنسان المحدث تركَّبَا تركيبًا، كما تركبت النفس والبدن، فصارا جوهرًا واحدًا أقنومًا واحدًا، وهو إنسان كله وإله كله.
стр. 967
فيقال: الإنسان صار إلهًا. ولا ينعكس فلا يقال: الإله صار الإنسان. كالفحمة تطرح في النار، فيقال: صارت الفحمة نارًا. ولا يقال: صارت النار فحمة. وهي في الحقيقة لا نار مطلقة، ولا فحمة مطلقة بل هي جمرة، وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي، ولربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج والادراع، والحلول كحلول صورة الإنسان في المرآة المجلوة (١).
стр. 968
«ومن قال: إن شيئًا من صفات الله حالٌّ في العبد، أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر؛
دعوى أن الله يحل في بعض الصور ذكرها غير واحد من علماء الفرق ونسبوها إلى غلاة الروافض ونسوق ها هنا تصنيف عبد القاهر البغدادي ﵀-لفرق المشبهة مختصراً: (المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة:
• فمنهم «السبئية»: الذين سموا عليا إلها، وشبهوه بذات الله …
• ومنهم «البيانية»: أتباع بيان بن سمعان (١) الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفني كله إلا وجهه.
• ومنهم «المغيرية» أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.
• ومنهم «المنصورية»، أتباع أبي منصور العجلي (٢)، الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء …
• ومنهم «الخطابية»، الذين قالوا بإلهية الأئمة، وبإلهية أبي الخطاب الأسدي (٣)،
стр. 969
ومنهم الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر (١).
• ومنهم «الحلولية»، الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأثمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.
• ومنهم «الحلولية الحلمانية»، المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي (٢) الذي زعم أن الإله بحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة.
• ومنهم «المقنعية المبيضة» في دعواهم أن المقنع (٣) كان إلها، وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.
• ومنهم «العذافرة»، الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.
وهذه الأصناف خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه" (٤)
ولم يقتصر الأمر على الروافض وإنما شاركهم في ذلك غلاة المتصوفة الذين قالوا بوحدة الوجود كالحلاج وبن عربي وابن سبعين وابن الفارض والعفيف التلمساني.
فالاتحادية يقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:
"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى".
стр. 970
وهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقاً بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (١)
وفي هذا يقول ابن عربي:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيداً … وإن قلت بالتشبيه كنت محدداً
وإن قلت بالأمرين كنت مسدداً … وكنت إماماً في المعارف سيداً
فمن قال بالإشفاع كان مشركاً … ومن قال بالإفراد كان موحداً
فإياك والتشبيه إن كنت ثانياً … وإياك والتنزيه إن كنت مفرداً
فما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيداً (٢)
لقد كان الحلاج من أعظم المصرحين بوحدة الوجود والفناء في ذات الله حتى أثر عنه ادعاء الربوبية، وضبطوا عليه كلمات قمة في الكفر كقوله «أنا الحق» و «سبحاني ما أعظم شأني» و «ما في الجبة الا الله».
وقوله:
مزجت روحك في روحي كما … تمزج الخمرة في الماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني … فإذا أنت أنا في كل حال (٣)
وقوله (٤) الذي استحسنه الدوسري صاحب (الرحمة الهابطة):
أنا من أهوى ومن أهوى أنا … نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته … وإذا أبصرته أبصرتنا
стр. 971
«أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات في مسألة التبعيض: (ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:
(الصنف الأول): صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا، كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.
الصنف الثاني: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء، وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.
الصنف الثالث: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم، وهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.
стр. 972
الصنف الرابع: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام، فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم وتضليلهم) (١).
стр. 973
«والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق؛ وأنه كيف ما تُلي وقرئ وحفظ فهو صفة الله ؛ وليس الدرس من المدروس، ولا التلاوة من المتلو؛ لأنه بجميع أسمائه وصفاته غير مخلوق، ومن قال بغير ذلك فهو كافر».
اعتقاد السلف الصالح مِنْ أولهم إلى آخرهم: أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، منه بدأ جل وعلا قوله وإليه يعود ، وهو كلام الله إذا تلي، وهو كلام الله إذا كتب، وهو كلام الله جل وعلا إذا حفظ، ففي أيِّ صفة كان تناوله العبد فهو كلام الله ليس بمخلوق.
ومعلوم أنه ثَمَّ فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فِعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة (لفظي) تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد؛ فتكون الكلمة صحيحة، وأما الملفوظ فهو كلام الحق جل وعلا فليس بمخلوق.
لذا استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن؛ فاستعملوا قولًا محتملًا حتى لا يقعوا في المساءلة والعقاب.
стр. 974
قوله: «ونعتقد: أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة».
يقصد بالقراءة الملحنة ما تفعله الصوفية، من قراءة القرآن بنوع من الطرب، وليس المقصود بالقراءة التي تقوم على أحكام التجويد، وإنما هي نوع من التطريب، فالمتصوفة بلغوا من الانحراف مبلغًا كبيرًا، بحيث يستمعون إلى من صورته جميلة وصوته جميل، وهيئته كهيئة النساء ويجتمعون عليه؛ ليقرأ لهم شيئًا من القرآن ببعض الألحان، وليس هذا من دين الله في شيء.
فعندهم قراءة ملحنة وقصائد ملحنة تصحبها المعازف يتمايلون عليها، وقد تكون مشتملة على بعض الشركيات.
وقد يفعلون هذ الغناء والإنشاد والمعازف في بيتٍ من بيوت الله ، كل هذا تحت اسم الدين.
وبعض مجالس السماع تقتصر على الرجال والبعض الآخر يختلط فيها النساء مع الرجال.
ويسمون هذا ب "السماع" وهو مصطلح استعمله الصوفيون للدلالة على الإنشاد الديني والذي يكون ضمن مجالسهم والذي عادة ما يقترن باستعمال آلات الموسيقى وبالرقص على هيئة معينة.
стр. 975
قوله: «وأن القصائد بدعة. ومجراها على قسمين:
فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه، وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين، فذلك جائز، وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعِلم أولى به، وما جرى على وصف المرئيات ونعت المخلوقات فاستماع ذلك على الله كفر، واستماع الغناء والرباعيات (١) على الله كفر، والرقص بالإيقاع ونعت الرقَّاصين على أحكام الدين فِسق، وعلى أحكام التواجد والنغام (٢) لَهْوٌ ولعب».
أشار هنا إلى أن القصائد الشعرية تكون على قسمين:
قسم جائز.
وقسم ممنوع.
وقد أشار الله إلى ذلك في محكم التنزيل بقوله تعالى: (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ «٢٢٧) الشعراء ٢٢٤ - ٢٢٧،
وقال النبي ﷺ «الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح» (٣).
فالشعر يمكن القول بأنه تنطبق عليه الأحكام الخمسة:
стр. 976
فمنه ما هو مباح: -وهو الأصل في الشعر-كالشعر المشتمل على موضوعات أدبية لا تتضمن شيئاً مما حرم الشرع.
ومنه ما يكون مستحباً: وهو ما كان من الشعر في وصف الله جل وعلا وصف آلائه، ووصف الصالحين، والتذكير بالدار الآخرة، والجهاد وأشباه ذلك من المعاني الإسلامية والدينية العظيمة، فإن هذا مما أمر به؛ فإن الشعر الذي يحث الناس على مكارم الأخلاق، والفضائل، ويرشدهم لما ينفعهم، يعتبر من الكلام الحسن الذي يثاب عليه قائله، فالنبي ﵊ أنشدت الأشعار بين يديه، وقال ﵊ لحسّان بن ثابت «اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإنَّ جِبْرِيلَ معكَ» (١) وهذا أمر ثابت متفق عليه بين أهل العلم.
ومنه ما يكون واجباً: إذا كان دفاعاً عن الإسلام ومبادئه في مقابل الشعر الذي يحارب القيم والأخلاق والمبادئ الإسلامية، فإذا حورب الإسلام شعراً وجب التصدي له من جنسه، وهذا ما كان يفعله شعراء الصحابة كحسان بن ثابت وغيره في مقابل شعراء الكفار الذين كانوا يهجون النبي ﷺ وأصحابه ويطعنون في الدين.
ومنه ما هو مكروه: وهو الذي يحصل بالتشاغل به عن غيره أيضا من العلم الواجب أو من العلم المستحب هذا لا ينبغي؛ بل الانشغال بالعلم الواجب والمستحب هذا لا شك أولى بل آثر أن ينشغل عنه بإنشاد الأشعار في المعاني الإسلامية العامة.
ولذلك ورد في السنة ذم لبعض حالات الشعر، والمقصود به الإكثار من ذلك حتى يشغله عن القرآن والسنة والتفقه في الدين.
عن ابن عمر عن النبي ﷺ " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً (٢) "
وقد بوب البخاري باباً عن كراهة أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله.
ومنه ما هو محرم: كالشعر المشتمل على ما يخل بالعقيدة، أو ينافي الأخلاق الحميدة أو الأدب الرفيع، أو فيه دعوة إلى الباطل والمنكر والفحشاء، أو فيه هتك لأعراض المسلمين أو أذيتهم أو نحو ذلك، فكل هذا قبيح مذموم، ويعظم الجُرم فيه حسب الموضوع المشتمل عليه.
стр. 977
بل ومنه ما هو كفر وإلحاد كالشعر المشتمل على الدعوة لنبذ الأديان والتحرر من العقيدة والإباحية واستحلال الخمور والزنا وغيرها من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة.
وقد يكون الشعر من النوع الأول المباح أو المستحب لكن يصاحبه أحوال محرمة مثل الغناء والمعازف والرقص والاختلاط واجتماع المردان ونحو ذلك فحرمته تأتي من هذا الوجه.
стр. 978
«وحرام على كل مَنْ سمع القصائد والرباعيات الملحنة الجاري بين أهل الأطباع على أحكام الذِّكر، إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد، ومعرفة أسمائه وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية [الزمر: ١٨]
وكل مَنْ جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل مَنْ جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف ما وصفت من ذكر الله ونعمائه وما هو موصوف به ما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف؛ بل ترك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك: أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة».
قال ابن القيم: "حال كثير من السالكين أنه يجري مع ذوقه ووجده وما يراه ويهواه، غير متبعٍ لسبيل الله التي بعث بها رسوله، وهذا هو اتباع الهوى بغير هدًى من الله. " (١)
وقال ابن القيم: "الأعمال أربعة: فواحد منها مقبول، وثلاثة أرباعها مردودة، فالمقبول ما وافق الأمر وأريد به وجهُ الله، ولا يقبل الله عملًا سواه.
والمردود أن لا يكون خالصًا لله ولا موافقًا لأمره، أو ينتفي عنه أحدهما.
فالمقبول ما وُجِد فيه الأمران، والمردود ما انتفى عنه الأمران أو أحدهما، ولهذا اشتدت وَصاة الشيوخ المستقيمين بهذا الأصل، وأخبروا أن من عدل عنه فهو مطرود وعن طريق قصده مصدود.
فقال ابن أبي الحواري: من عمل عملًا بلا اتباع سنة فباطل عمله" (٢).
وعن تطور هذه بدعة السماع يحدثنا ابن القيم ﵀ فيقول: "فإنَّ أصل سماع القصائد كان تلحينًا بإنشاد قصائد مُرقِّقة للقلوب، تتضمن تحريكَ المحبة والشوق والخشية
стр. 979
والحزن والأسف وغير ذلك، وكانوا يشترطون له المكان والإمكان والخلَّان، ويشترطون أن يكون المجتمعون لهذا السماع من أهل الطريق المريدين لوجه الله والدار الآخرة، وأن يكون الشعر المسموع خاليًا عما تَحظُر الشريعةُ سماعَه وتكرهه، وبعضهم كان يشترط أن يكون القوَّال منهم، وبعضهم يشترط كون الذي أنشأ القصيدة من أهل الطريق، إلى غير ذلك من الشروط والأوضاع التي احترزوا بها من مُفسِدات السماع.
ولكن لما كان الأصل غيرَ مشروعٍ آل الأمرُ إلى ما آل إليه من الفساد الذي لا يعلمه إلا الله، لأنَّه من عند غير الله، فليس عليه حارسٌ وحافظ من الله، بل هو بمدرجة كل سالكٍ في الباطل، وهو مجمَعُ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وأكيلة السَّبُع وما ذُبِح على النُّصُب. ثمّ إنهَّم أضافوا إلى هذا الصوت ما يُنفِّذه ويُوصِله إلى شَغَاف القلب، من الآلات التي أخفُّها التغبير، وهو ضربٌ بقضيب على جلد أو مخدَّةٍ على توقيع خاص، فعظُمَ إنكارُ الأئمة لذلك كالشافعي وأحمد، فقال الشافعي: "هو من إحداث الزنادقة"، وقال أحمد: "بدعة".
ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة، فتعدَّوها إلى حركة الدُّفوف، وهي أقبح من حركة التغبير، وفيها ما فيها، وزيادة التشبه بالنساء، فإنَّ الدفّ في الأصل إنما هو للنساء عادة ورخصة، وقد لعن رسول الله- ﷺ -المتشبّهين من الرجال بالنساء (١).
ثمّ لم يقتصروا على هذه الحركة حتى تعدَّوها إلى حركات الأوتار والعِيْدان، التي هي في الأصل من إحداث الفلاسفة أعداء الرسل، ثمّ ضمُّوا إلى ذلك حركة الرقص، التي سببها استخفاف الشيطان لأحدهم، وركوبه على كتفه، ودقُّه برجليه في صدره، وكلما دقَّه برجليه ورقَص على صدره رقصَ هو كرقص الشيطان عليه، وقد شاهد ذلك بعض أهل البصائر عيانًا، ثمّ ضمُّوا إلى صوت الغناء صوتَ اليَراع والشبابة وغيرها.
فاقتضت هذه الهيئة الاجتماعية حركةً باطنة، فإنَّ استماعَ الأصوات المطربة يُثير حركةَ النفس بحسب تلك الأصوات، وللأصوات طبائع متنوعة بتنوع آثارها في النفس، وكذلك للكلام المسموع نظمه ونثره، فيجمعون بين الصوت المناسب والحرف المناسب، فيتولد من بينهما حركاتٌ نفسية تُثِير كامنَها وتُزعِج قاطنَها، وهذا أمر يشترك فيه بنو آدم من المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، ويُثير من قلب كل
стр. 980
أحدٍ ما فيه. ومعلوم أنَّ النفوس فيها الشهوات كامنة، ولكنها مقهورة مقيَّدةٌ لا بقيود الأوامر، فإذا صادفها السماع أحياها وأطلقها من قيودها، وافْتكَّها من أَسْرها، وأجلب عليها بكل مُعِين ومُمِدّ. وهذا أمر لا ينكره إلا أحد رجلين: إما غليظ كثيف الحجاب، وإما مكابر. فمضرة هذا السماع على النفوس أعظم من مضرَّة حُمَيّا الكُؤوس.
ولما كانت المفسدة فيه ظاهرة معلومة، أخرجه أهلُه في قالَبٍ يُلطِّف ما فيه من المنكر، فجمعوا عليه أخلاطًا من الناس، وقالوا: إنَّ هذا الاجتماع شبكةٌ نصطاد بها النفوسَ إلى التوبة، ونسوقُها بها إلى الله والدار الآخرة. ونعم واللهِ هو شبكة وأيُّ شبكة! يصطاد بها الشيطانُ النفوسَ المُبطِلة إلى ما هو أعظم من المعاصي الظاهرة، ويقودها بها إلى الغيّ والهوى، فلهذا نصَبه (١) هؤلاء الفسَّاق من المخانيث والزُّناة وعُشّاق الصور، فجعلوه شبكة لهم لصيدِ الأَغْيَد والغَيْداء والغَزَالِ والغزالة، ووضعوه على ما يليق بمقاصدهم من الأوضاع، فشرطوا أن يكون المغنِّي أمردَ جميلا، تدعو صورتُه وصوته وشكله ودَلُّه وحركاتُه إلى تعلق القلوب به وعشقه، فإن فاتَ فامرأةٌ كذلك، وإذا جمعَ السماعُ العاشقَ والمعشوقَ، وتقابلَا وتعانَقَا في الرقص:
فظُنَّ شرًّا ولا تسألْ عن الخبرِ
وإذا حضر المُردان الحِسان هذا السماعَ فهو عندهم الغاية، ولاسيما إذا ألبسوهم المُصبغاتِ، وزيَّنوهم كما تُزيَّن العرائسُ، وأخلَوا لهم طابق الرقص، ودار حولهم العشّاق والفسَّاق كالهالة حول القمر، وأداروا عليهم من الأعين النِّطاق، فللشيطان لا للهِ كم من زَعْقةٍ وصَرْخةٍ وزَفْرةٍ وأنَّةٍ وحَسْرة ووَجْدٍ وأسفٍ وحزنٍ، وكم من قلوبٍ تُشقَّق قبل الجيوب، وعبراتٍ تُسكَب في غير رضا علام الغيوب، فيا لها حضرةً ما أحبَّها إلى الشيطان! وما أبغضَها إلى الرحمن!
ويتزايد الأمر حتى يُغنُّوا بأشعارٍ طالما عُصِيَ الله بها في الأرض، من أشعار الفسّاق والفجّار، المتضمنة لتهييجِ النفوس على ما يُبغِضه الله ويَمقُت عليه، ومدْح ما حرَّمه ولعنَ فاعله، والابتهاجِ به، والافتخارِ بنيله، والتَبجُّح بالوصول إليه. وربما تعدَّوا ذلك إلى الغناء بالأشعار الكفرية التي تُحادُّ ما أنزل الله، كأشعار أهل الإلحاد من الاتحادية والحلولية، والأشعار المتضمنة لكثير من ألفاظ القرآن" (١)
فهذه القصائد التي أحدثها هؤلاء المتصوفة لا تخلو من الشرك والغلو في
стр. 981
الصالحين؛ لأن جل قصائدهم تدور حول تقديس أشخاص بأعيانهم، حتى إذا مدحوا النبي ﷺ غلوا في مدحه، فكل الفكر الصوفي يقوم على قاعدة تقديس الأشخاص، فلو كانت حتى مجرد قصائد فإنها لا تخلو من باطل وشطط وشطح.
قال ابن القيم: "واعلم أنَّ بدعة السماع تتضمن الغلوَّ في الدين واتباعَ الهوى والعَشْوَ عن ذكر الله، فإنهم حسبوا أنَّ هذه البدعة دين وقُربةٌ تُقرِّبهم إلى الله، وهذا من أقبح الغلو، وهو يوجب الانحراف عن الصراط المستقيم، واتباعُ الهوى يوجب الضلالَ عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
والعَشْو عن ذكر الله يوجب مقارنة الشيطان له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وذكر الله هنا هو كتابه، ومن العشو عنه: التعوُّضُ عنه بسماع الشيطان المحدث.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].
فالشريعة التي جعله ربه عليها تتضمن ما أمره به ورضيه له، وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لا يعلمون، فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينًا، وينهى عما يُبغِضه ويذمّه إلا بهُدًى من الله، وهو شريعته التي جعل عليها رسوله، وأمره والمؤمنين باتباعها. ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق. (١) "
وقد أشار ابن خفيف هنا إلى أن سماع هذه القصائد لابد أن يصاحبه علم بأحكام التوحيد ومعرفة لأسماء الله وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ حتى يميز به بين ما يجوز وما لا يجوز من تلك الأشعار والقصائد فهناك قصائد تخلو من الغلو المحرم وهناك قصائد مليئة بالغلو وتجاوز حدود ما حرم الله.
стр. 982
ولكن الإشكال الأكبر هو أن تلك القصائد وإن خلا بعضها من ذلك الغلو في بعض عباراتها لكن ما يصاحبها في واقعنا المعاصر من حركات وإيقاعات ورقصات مع الأحوال التي لا ينكرها أصحاب تلك الطرق والتي تتمثل بمرور الصوفي بأربع مراحل:
الوجد: والتواجد ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره، ومن قوي تمكن-قال أحدهم: إن الوجد مكاشفات، ألا تري أن أحدهم يكون ساكنا فيتحرك، ويظهر منه الزفير والشهيق؟؟ ويكون من هو أقوي منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شيء من ذلك.
وفرق بعضهم بين الجد والتواجد بقولهم: التواجد من الوجد بمنزله التباكي من البكاء.
الغلبة: وهي حال يمر بها الصوفي إذا زاد عليه الوجد حتى يغلبه، ويعرفونه بقولهم والغلبة حال تبدوا للعبد لا يمكنه معها ملاحظه السبب ولا مراعاة الأدب ويكون مأخوذا عن تمييز، فربما خرج إلى بعض ما ينكر عليه من لم يعرف حاله ويرجع على نفسه صاحبه (أي صاحب الغلبة)، إذا سكنت غلبات ما يجده.
السكر: فإذا ازدادت غلبه الوجد على الصوفي وصل إلى حاله السكر، والسكر هو أن يغيب الصوفي عن تمييز الأشياء-
الشطح: أن يتحدث الصوفي في حال سكره وغلبه الوجد عليه ويعرف الصوفية الشطح بقولهم: هو عبارة مستغربه في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشده غليانه وغلبته. وقالوا: الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى.
стр. 983
«إلى أن قال: واتخاذ المجالس على الاستماع والغناء والرقص بالربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي (١) ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قَدم عند المخلصين.
وبلغني أنه قيل لبِشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئاً يقال له: القصائد. قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله:
اصبري يا نفس حتى … تسكني دار الجليل
فقال: حسن. وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد. فقال كذبوا-والله الذي لا إله غيره-لا يسكن بغداد مَنْ يستمع ذلك».
مسألة السماع مما تكلم فيه العلماء من قديم وكان الناس يتعبدون به في أول ما حدث من جهة ما يسمى التغبير كما قال الشافعي في من أحدث التغبير في بغداد، والتغبير سمي تغبيرا لأنهم يأخذون جلودا قديمة يَبِسَتْ عليها تراب والغبار فيبدؤون -يعني لأنهم … متزهدون كما يزعمون- فيضربون عليها بالعصي فتحدث صوتا كصوت الدف، فيترنّمون به مع الأشعار، فسمي الفعل مع الإنشاد تغبيرا؛ لأنه يظهر معه الغبار، وحقيقة التغبير هي إنشاد الأشعار الزهدية مع استخدام الدفوف، هذه حقيقة التغبير، والأشعار الزهدية أحدثها طائفة من المتزهدة لتنشد في مقابلة الغناء المحرم الذي انتشر في عهد الدولة العباسية، انتشر الغناء المحرم يعني في أنواع من الألحان موجودة في كتب ومعروفة وأصوات، فأحدثوا هذا في مقابلة ذاك، وتدرّج الأمر إلى أن صاروا يتقربون إلى الله بسماع الدف نفسه والطبول والمزمار الذي هو القصب يعني لأنه هو القصب؛ قصب السكر يؤخذ ييبّس ويفرّغ وبعد ذلك … ثم يكون منه مزمارا، فأصبحوا يتقربون إلى الله بذلك، ينشدون الأشعار الزهدية، ويترنمون بهذه
стр. 984
الأصوات يعني بالقصب وبالمزمار والطبل بأشياء محزنة، ومعلوم أن هذه الآلات قد تُستخدم بألحان يكون معها نشوة، وقد تُستخدم بألحان يكون معها حزن ورِقّة، فلهذا هم استخدموها في جانب الحزن والرقة والبكاء، وأثّرت على النفوس وبكى من بكى من سماعها، وأثّرت في القلوب وفي ترقيقها ظنّوا أن هذا مشروع؛ لأنها أحدثت أمرا مشروعا وهو البكاء والخوف من الله جل وعلا، فظنوا أنّ وسيلته مشروعة فلهذا ألف كثير من أهل العلم في السماع وفي ذمه، وأنه مما أحدث في مؤلفات كثيرة معلومة لدى المطلع، إلى أن آلَ الأمر بعد زمن إلى أنْ يصحب هذا السماع رقص، والرقص ليس على صفة الرقص الذي ترونه الآن من الصوفية، لا. هو أول ما بدء رَقْصُ تمايل من التواجد كما يقولون
وقال القرطبي: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي-﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم -حرس الله مدته-أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد- ﷺ ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه.
هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه
يا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحا … ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم عن الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق" (١).
стр. 985
قوله: «قال أبو عبد الله: ومما نقول-وهو قول أئمتنا-: إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم حبله»، الحديث».
أشار إلى الحديث الوارد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسِي بيدِه لأن يأخذَ أحدُكم حبلَه فيذهبُ إلى الجبلِ فيحتطبُ، ثم يأتِي به فيحملُه على ظهرِه؛ فيبيعُه فيأكلُ، خيرٌ له من أن يسألَ الناسَ، ولأن يأخذَ ترابًا فيجعلَه في فيه خيرٌ له من أن يجعلَ في فِيه ما حرَّم اللهُ عليه» (١).
ومن المعلوم شرعاً أنه في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر-شُرع للإنسان أن لا يسأل إلا الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ومن المعلوم أن الإنسان في حوائج دنياه وفي حوائج أُخراه يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه، ودفع ما يضرُّه.
فمثلًا يسأل العبدُ ربَّه الغِنى، ويستعيذ به من الفقر، ويسأل الله القوة، ويستعيذ به من الضعف، وهكذا في كل أموره.
ولكن الإنسان إذا مسه الضرُّ لجأ إلى الله ، وأمَّا في حال استغنائه ورخائه؛ فإنه قد يَنسى، ولذلك يقول الله : ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦]؛ فترى الإنسان في حال رخائه بعيدًا عن الله ، ولا يلجأ إليه ولا يشكره على ما أولاه من نِعَم، مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله في جلب المنفعة وفي دفع المضرة.
ولذلك عَلَّمنا النبيُّ ﷺ أن ندعو الله في كل شيء، حتى في إصلاح شِسع النَّعل (٢)؛ فعن أنسٍ ?، قال: قال رسول الله ﷺ : «لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلها، حتى يَسأل شِسْعَ نَعله إذا