الصالحين؛ لأن جل قصائدهم تدور حول تقديس أشخاص بأعيانهم، حتى إذا مدحوا النبي ﷺ غلوا في مدحه، فكل الفكر الصوفي يقوم على قاعدة تقديس الأشخاص، فلو كانت حتى مجرد قصائد فإنها لا تخلو من باطل وشطط وشطح.
قال ابن القيم: "واعلم أنَّ بدعة السماع تتضمن الغلوَّ في الدين واتباعَ الهوى والعَشْوَ عن ذكر الله، فإنهم حسبوا أنَّ هذه البدعة دين وقُربةٌ تُقرِّبهم إلى الله، وهذا من أقبح الغلو، وهو يوجب الانحراف عن الصراط المستقيم، واتباعُ الهوى يوجب الضلالَ عن سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
والعَشْو عن ذكر الله يوجب مقارنة الشيطان له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وذكر الله هنا هو كتابه، ومن العشو عنه: التعوُّضُ عنه بسماع الشيطان المحدث.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].
فالشريعة التي جعله ربه عليها تتضمن ما أمره به ورضيه له، وكل عمل وحب وذوق ووجد وحال لا تشهد له هذه الشريعة التي جعله عليها فباطل وضلال، وهو من أهواء الذين لا يعلمون، فليس لأحد أن يتبع ما يحبه فيأمر به ويتخذه دينًا، وينهى عما يُبغِضه ويذمّه إلا بهُدًى من الله، وهو شريعته التي جعل عليها رسوله، وأمره والمؤمنين باتباعها. ولهذا كان السلف يسمون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، فيذمُّونهم بذلك ويحذّرون عنهم، ولو ظهر عنهم ما ظهر من العلم والعبادة والزهد والفقر والأحوال والخوارق. (١) "
وقد أشار ابن خفيف هنا إلى أن سماع هذه القصائد لابد أن يصاحبه علم بأحكام التوحيد ومعرفة لأسماء الله وصفاته وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك مما لا يليق به ، مما هو منزه عنه، فيكون استماعه كما قال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ حتى يميز به بين ما يجوز وما لا يجوز من تلك الأشعار والقصائد فهناك قصائد تخلو من الغلو المحرم وهناك قصائد مليئة بالغلو وتجاوز حدود ما حرم الله.
стр. 982
ولكن الإشكال الأكبر هو أن تلك القصائد وإن خلا بعضها من ذلك الغلو في بعض عباراتها لكن ما يصاحبها في واقعنا المعاصر من حركات وإيقاعات ورقصات مع الأحوال التي لا ينكرها أصحاب تلك الطرق والتي تتمثل بمرور الصوفي بأربع مراحل:
الوجد: والتواجد ظهور ما يجد في باطنه على ظاهره، ومن قوي تمكن-قال أحدهم: إن الوجد مكاشفات، ألا تري أن أحدهم يكون ساكنا فيتحرك، ويظهر منه الزفير والشهيق؟؟ ويكون من هو أقوي منه ساكنا في وجده لا يظهر منه شيء من ذلك.
وفرق بعضهم بين الجد والتواجد بقولهم: التواجد من الوجد بمنزله التباكي من البكاء.
الغلبة: وهي حال يمر بها الصوفي إذا زاد عليه الوجد حتى يغلبه، ويعرفونه بقولهم والغلبة حال تبدوا للعبد لا يمكنه معها ملاحظه السبب ولا مراعاة الأدب ويكون مأخوذا عن تمييز، فربما خرج إلى بعض ما ينكر عليه من لم يعرف حاله ويرجع على نفسه صاحبه (أي صاحب الغلبة)، إذا سكنت غلبات ما يجده.
السكر: فإذا ازدادت غلبه الوجد على الصوفي وصل إلى حاله السكر، والسكر هو أن يغيب الصوفي عن تمييز الأشياء-
الشطح: أن يتحدث الصوفي في حال سكره وغلبه الوجد عليه ويعرف الصوفية الشطح بقولهم: هو عبارة مستغربه في وصف وجد فاض بقوته، وهاج بشده غليانه وغلبته. وقالوا: الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى.
стр. 983
«إلى أن قال: واتخاذ المجالس على الاستماع والغناء والرقص بالربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي (١) ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والاقتداء بهم أولى من الاقتداء بمن لا يعرفون في الدين، ولا لهم قَدم عند المخلصين.
وبلغني أنه قيل لبِشر بن الحارث: إن أصحابك قد أحدثوا شيئاً يقال له: القصائد. قال: مثل أيش؟ قال: مثل قوله:
اصبري يا نفس حتى … تسكني دار الجليل
فقال: حسن. وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد. فقال كذبوا-والله الذي لا إله غيره-لا يسكن بغداد مَنْ يستمع ذلك».
مسألة السماع مما تكلم فيه العلماء من قديم وكان الناس يتعبدون به في أول ما حدث من جهة ما يسمى التغبير كما قال الشافعي في من أحدث التغبير في بغداد، والتغبير سمي تغبيرا لأنهم يأخذون جلودا قديمة يَبِسَتْ عليها تراب والغبار فيبدؤون -يعني لأنهم … متزهدون كما يزعمون- فيضربون عليها بالعصي فتحدث صوتا كصوت الدف، فيترنّمون به مع الأشعار، فسمي الفعل مع الإنشاد تغبيرا؛ لأنه يظهر معه الغبار، وحقيقة التغبير هي إنشاد الأشعار الزهدية مع استخدام الدفوف، هذه حقيقة التغبير، والأشعار الزهدية أحدثها طائفة من المتزهدة لتنشد في مقابلة الغناء المحرم الذي انتشر في عهد الدولة العباسية، انتشر الغناء المحرم يعني في أنواع من الألحان موجودة في كتب ومعروفة وأصوات، فأحدثوا هذا في مقابلة ذاك، وتدرّج الأمر إلى أن صاروا يتقربون إلى الله بسماع الدف نفسه والطبول والمزمار الذي هو القصب يعني لأنه هو القصب؛ قصب السكر يؤخذ ييبّس ويفرّغ وبعد ذلك … ثم يكون منه مزمارا، فأصبحوا يتقربون إلى الله بذلك، ينشدون الأشعار الزهدية، ويترنمون بهذه
стр. 984
الأصوات يعني بالقصب وبالمزمار والطبل بأشياء محزنة، ومعلوم أن هذه الآلات قد تُستخدم بألحان يكون معها نشوة، وقد تُستخدم بألحان يكون معها حزن ورِقّة، فلهذا هم استخدموها في جانب الحزن والرقة والبكاء، وأثّرت على النفوس وبكى من بكى من سماعها، وأثّرت في القلوب وفي ترقيقها ظنّوا أن هذا مشروع؛ لأنها أحدثت أمرا مشروعا وهو البكاء والخوف من الله جل وعلا، فظنوا أنّ وسيلته مشروعة فلهذا ألف كثير من أهل العلم في السماع وفي ذمه، وأنه مما أحدث في مؤلفات كثيرة معلومة لدى المطلع، إلى أن آلَ الأمر بعد زمن إلى أنْ يصحب هذا السماع رقص، والرقص ليس على صفة الرقص الذي ترونه الآن من الصوفية، لا. هو أول ما بدء رَقْصُ تمايل من التواجد كما يقولون
وقال القرطبي: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي-﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأعلم -حرس الله مدته-أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى، وذكر محمد- ﷺ ، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيا عليه، ويحضرون شيئا يأكلونه.
هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين، وهذا القول الذي يذكرونه
يا شيخ كف عن الذنوب … قبل التفرق والزلل
واعمل لنفسك صالحا … ما دام ينفعك العمل
أما الشباب فقد مضى … ومشيب رأسك قد نزل
وفي مثل هذا ونحوه.
الجواب: - يرحمك الله - مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون؛ فهو دين الكفار وعباد العجل؛ وأما القضيب فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان يجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم عن الحضور في المساجد وغيرها؛ ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم؛ هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق" (١).
стр. 985
قوله: «قال أبو عبد الله: ومما نقول-وهو قول أئمتنا-: إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله ﷺ : «لأن يأخذ أحدكم حبله»، الحديث».
أشار إلى الحديث الوارد عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسِي بيدِه لأن يأخذَ أحدُكم حبلَه فيذهبُ إلى الجبلِ فيحتطبُ، ثم يأتِي به فيحملُه على ظهرِه؛ فيبيعُه فيأكلُ، خيرٌ له من أن يسألَ الناسَ، ولأن يأخذَ ترابًا فيجعلَه في فيه خيرٌ له من أن يجعلَ في فِيه ما حرَّم اللهُ عليه» (١).
ومن المعلوم شرعاً أنه في كلا الأمرين من جلب النفع ودفع الضر-شُرع للإنسان أن لا يسأل إلا الله، ولا يشتكي إلا إليه، كما قال يعقوب ﵇: ﴿إنَّما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، ومن المعلوم أن الإنسان في حوائج دنياه وفي حوائج أُخراه يدور بين هذين الأمرين: جلب ما ينفعه، ودفع ما يضرُّه.
فمثلًا يسأل العبدُ ربَّه الغِنى، ويستعيذ به من الفقر، ويسأل الله القوة، ويستعيذ به من الضعف، وهكذا في كل أموره.
ولكن الإنسان إذا مسه الضرُّ لجأ إلى الله ، وأمَّا في حال استغنائه ورخائه؛ فإنه قد يَنسى، ولذلك يقول الله : ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ [العلق: ٦]؛ فترى الإنسان في حال رخائه بعيدًا عن الله ، ولا يلجأ إليه ولا يشكره على ما أولاه من نِعَم، مع أن الواجب المتعين على كل أحد أن يلجأ إلى الله في جلب المنفعة وفي دفع المضرة.
ولذلك عَلَّمنا النبيُّ ﷺ أن ندعو الله في كل شيء، حتى في إصلاح شِسع النَّعل (٢)؛ فعن أنسٍ ?، قال: قال رسول الله ﷺ : «لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلها، حتى يَسأل شِسْعَ نَعله إذا
стр. 986
انقطع» (١).
قال ابن بطَّال: «ليستشعر العبدُ الافتقارَ إلى ربِّه في كل أمر وإن دَقَّ، ولا يَستحيى من سؤاله ذلك» (٢).
فالعبد في كل أحواله لا بد أن يلجأ إلى الله ، فإذا شُرع له سؤال الله في مثل هذا الأمر اليسير، فعليه أن يلزم دعاءه في جميع أحواله؛ سواء كان دعاء ثناء أو دعاء مَسألة.
стр. 987
«ونقول: إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط مرسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس».
كما نعلم أن الصوفية تقوم على ترك التكسب، ويعيشون عالة على الناس وعلى أوقافهم، مع أنه لا يحل للإنسان ذلك إذا صحيحًا سليمًا، ويأكلون من أوقاف أهل الخير التي أوقفوها على المحتاجين والأرامل والأيتام؛ فتجد المتصوفة يستولون على مثل هذه الأوقاف ويستغلونها باسم الدين، والله المستعان.
وقد غلط بعض المتصوفة وزعم أن طلب الأكل أو الرزق عند الجوع ينافي التوكل، ويحثون الناس على ترك التكسب والأخذ بالأسباب.
وهذا الزعم ينافي الشرع والعقل؛ فلا بد من الأخذ بالأسباب؛ دنيوية كانت أو شرعية، وهذا الأخذ لا ينافي التوكل والاستعانة بالله .
والأخذ بالأسباب مِنْ القدر، والله هو مسبب الأسباب، وهو الذي خلق هذه الأسباب وجعلها أسبابًا، فهذا حال المؤمنين بالله ورسوله العابدين لله، وكل ذلك من العبادة، ويَفقه هذه الأمور من وضع نصب عينيه توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة؛ منه التوكل، ومنه الإنابة، ومنه الخشية، ومنه الأمر بالمعروف، ومنه النهي عن المنكر، ومنه الجهاد في سبيل الله.
وكل هذه المعاني والشعائر يجب أن تكون واضحة ظاهرة، وعلينا أن نتمثلها في أنفسنا، وأن نُعَلِّمها لأسرنا ومجتمعاتنا وسائر أُمَّتنا، فلا بد من غرس المعاني الحقة وإبعاد تلك المعاني الفاسدة التي لصقت في أذهان الناس، حتى إنهم أصبحوا لا يعرفون من الدِّين إلا تلك الصورة الباطلة، فأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والعياذ بالله.
стр. 988
«ومَن جعل السؤال حرفة-وهو صحيح-فهو مذموم في الحقيقة خارج».
وفي النهي عن سؤال الناس أحاديث كثيرة في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد، كقوله ﷺ : «لا تَزال المسألةُ بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مُزعة لحم»، وقوله: «مَنْ سأل الناس وله ما يُغنيه جاءت مَسألته يوم القيامة خُدُوشًا-أو خموشًا أو كُدوحًا-في وجهه»، فهل يَرضى الإنسان أن يَلقى الله يوم القيامة على هذا الحال؛ نسأل الله العافية.
والمسألة لا تَصلح إلا لثلاث؛ لذي فَقر مُدقع، أو لذي غُرم مفظع، أو لذي دَم مُوجع، كما جاء في الحديث.
والفقر المدقع، أصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه: الفقر الذي يُفضي بصاحبه إلى التراب، بحيث لا يكون عنده ما يتقي به التراب.
والغرم المفظع: أي: الشنيع المجاوز المقدار، وأراد به الديون الفادحة التي تهبط صاحبها.
والدم المُوجع: هو الذي يُوجع أولياء المقتول من شِدَّة تحمُّلِ الدِّيات (١).
ولذلك حث النبي ﷺ على العمل، وذمَّ المسألة؛ فقال: «لأن يَأخذ أحدُكم حَبْلَه، فيَذهب فيحتطب خير له من أن يَسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه».
ودعا ﷺ إلى الصبر والاستغناء والاستعفاف عمَّا في أيدي الناس؛ فقال: «مَنْ يَستغنِ يُغنه الله، ومَن يَستعفف يُعِفَّه الله، ومَن يتصبر يُصبره الله، وما أُعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
وأوصى خواصَّ أصحابه ألَّا يَسألوا الناس شيئًا، كما جاء في شأن أبي بكر أنَّه كان يسقط سوط الدابة من يده، فينزل عن دابته، وهذا فيه كلفة ومشقة، ويتناول سوطه؛ لكيلا يطلب من أحد أن يناوله إيَّاه، مع أن هذه الأمور قد تكون من أقل
стр. 989
أنواع السؤال، ولكنها أمور تَرَبَّى عليها خواصُّ أصحاب النبي ﷺ حتى لا يَسألوا الناس شيئًا أبدًا.
وقد دَلَّت النصوصُ على الأمر بسؤال الخالق والنهي عن سؤال المخلوق في غير موضع؛ كما في قوله تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾ [الشرح: ٧]، فالرغبة تكون إلى الله وحده.
стр. 990
«ونقول: إن المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال ﵇: «الغناء ينبت النفاق في القلب» (١)، وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة».
لا شك أن الغناء محرم، وللعلامة ابن القيم ﵀ رسالة في السَّماع مهمة، بعنوان: «الكلام على مسألة السماع»، بسط فيها الكلام على مسألة السماع والغناء، وردَّ على جُلِّ الشُّبه التي أُثيرت حولها، وفرق فيها بين السماع القرآني والسماع البِدعي والشيطاني.
وإنَّ من الأسباب الرئيسة لهجر استماع القرآن الكريم: استماع الغناء واللهو والمزمار، الذي أصبح منتشرًا الآن.
ولقد صَرَّح ابن القيم بأن «مِنْ مكايد عدو الله ومصائده، التي كاد بها مَنْ قَلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المُنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحَسَّنه لها مكرًا منه وغرورًا، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورًا. فلو رأيتهم عند ذيَّاك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس فلغير الله، بل للشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل
стр. 991
السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزًا، وأَزَّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزًّا، فطورًا يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الدمار.
فيا رحمتا للسقوف والأرض من دكِّ تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطربًا واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور الرحمن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا أثار فيهم وَجْدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا حتى تُلِيَ عليه قرآنُ الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فَجَرَت، وعلى أقدامه فرَقَصت، وعلى يديه فصَفَّقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زمراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.
فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هَلَّا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأحوال السَّنيات عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠] (١).
وأوضح ابن القيم أقسام الناس في سماع القرآن والغناء؛ فقال:
«والناس في السماع أربعة أقسام:
أحدها: مَنْ يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان.
الثاني: عكسه (مَنْ يشتغل بسماع الشيطان عن سماع القرآن).
الثالث: مَنْ له نصيب مِنْ هذا وهذا.
الرابع: ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا.
стр. 992
فالاشتغال بسماع القرآن الرَّحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.
والثاني: حال المشركين والمنافقين والفجار والفساق والمبطلين ومَنْ سلك سبيلهم.
والثالث: حال مؤمن له مادتان: مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منها.
والرابع: حال الفارغ مِنْ ذوق هذا وهذا، فهو في شأن وأولئك في شأن» (١).
ففرقٌ بين سماع القرآن وسماع الغناء، فسماع القرآن يجعل النفس في استقامة وسلامة، وسماع الغناء يجعل النفس في حال خزيٍ وندامة.
стр. 993
قوله: «والذي نختار: قول أئمتنا: ترك المراء في الدين».
مما لا شَكَّ فيه أن المراء مذموم إلا في أحوالٍ تدعو إليه، وهذا كله معروف في أحكام الدين، فيجب على الإنسان أن يترك المراء والجدال في الدين لغير حاجة أو ضرورة، وألا يبحث في المسائل التي لا يحتاج إليها، ولا تعود عليه بالنفع بحال، إلا إذا كان في ذلك رد على زعم باطل؛ فيبين الإنسان وجه الحق، ويدحض هذا الزعم.
وقد تقدم شرح هذه المسألة وبيان الفرق بين الجدال والمراء والفرق بين المحمود والمذموم منهما.
стр. 994
قوله: «والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق».
هذه المسألة تفرعت عن مسألة خلق القرآن زمن محنة الجهمية والفتنة المشهورة فهي وليدة هذه الفتنة ومنها نشأ النزاع فيها هل الإيمان مخلوق أم لا؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما سئل: هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟
(فالجواب أن هذه المسألة نشأ النزاع فيها لما ظهرت محنة الجهمية في القرآن هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ وهي محنة الإمام أحمد وغيره من علماء المسلمين، وقد جرت بها أمور يطول وصفها هنا، لكن لما ظهر القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأطفأ الله نار الجهمية المعطلة، صارت طائفة يقولون أن كلام الله الذي أنزله مخلوق، ويعبرون عن ذلك باللفظ، فصاروا يقولون ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، أو تلاوتنا أو قراءتنا مخلوقة، وليس مقصودهم مجرد كلامهم وحركاتهم بل يدخلون فيه نفس كلام الله الذي نقرؤه بأصواتنا وحركاتنا، وعارضهم طائفة أخرى فقالوا: ألفاظنا بالقرآن غير مخلوقة. فرد الإمام أحمد على الطائفتين وقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع. وتكلم الناس حينئذ بالإيمان فقالت طائفة: الإيمان مخلوق وأدرجوا في ذلك ما تكلم الله به من الإيمان مثل (قول لا إله إلا الله)، فصار مقتضى قولهم أن هذه الكلمة مخلوقة، ولم يتكلم الله بها، فبدع الإمام أحمد هؤلاء، وقال: قال النبي ﷺ :» الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: قول لا إله إلا الله (١) «أفيكون قول لا إله إلا الله مخلوقا؟. ومراده أن من قال: إن ألفاظنا وتلاوتنا وقراءتنا للقرآن مخلوقة، كان مقتضى كلامه أن الله لم يتكلم بالقرآن الذي أنزله. وأن القرآن المنزل ليس هو كلام الله) (٢)
وقال ﵀: (وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد (بالإيمان)؟ أتريد شيئا من صفات الله وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) و (إيمانه)
стр. 995
الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق. أو تريد شيئا من أفعال العباد وصفاتهم فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة، ولا يكون للعبد المحدث المخلوق صفة قديمة غير مخلوقة، ولا يقول هذا من يتصور ما يقول، فإذا حصل الاستفسار والتفصيل ظهر الهدى وبان السبيل، وقد قيل أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وأمثالها مما كثر فيه تنازع الناس بالنفي والإثبات إذا فصل فيها الخطاب، ظهر الخطأ من الصواب. والواجب على الخلق أن ما أثبته الكتاب والسنة أثبتوه، وما نفاه الكتاب والسنة نفوه، وما لم ينطق به الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات استفصلوا فيه قول القائل: فمن أثبت ما أثبته الله ورسوله، فقد أصاب، ومن نفى ما نفاه الله ورسوله فقد أصاب، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله فقد لبس دين الحق بالباطل، فيجب أن يفصل ما في كلامه من حق أو باطل، فيتبع الحق ويترك الباطل، وكل من خالف الكتاب والسنة فإنه مخالف أيضا لصريح المعقول، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء ﵈ لا يخالف بعضه بعضا، ولكن كثيرا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: ١٧٦]، ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) (١)
قال الإمام أحمد-﵁: من قال: الإيمان مخلوق كفر، ومن قال: غير مخلوق ابتدع. فقيل: بالوقف مطلقا، وقيل: أقواله قديمة وأفعاله مخلوقة. قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: وهو أصح، ونقله عن ابن أبي موسى وغيره. ونقل الإمام الحافظ ابن رجب في طبقات الأصحاب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي-قدس الله روحه -ما لفظه قال: روي عن إمامنا أحمد-﵁-أنه قال: من قال: الإيمان مخلوق فهو كافر، ومن قال: قديم فهو مبتدع. قال الحافظ عبد الغني: وإنما كفر من قال بخلقه؛ لأن الصلاة من الإيمان، وهي تشتمل على قراءة وتسبيح وذكر الله- -ومن قال بخلق ذلك كفر، وتشتمل على قيام وقعود وحركة وسكون ومن قال بقدم ذلك ابتدع. انتهى بحروفه، والله-تعالى-الموفق) (٢)
стр. 996
قوله: «ومن زعم أن الرسول ﷺ واسط يؤدي، وأن المرسل إليهم أفضل فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر». اه.
ختم الإمام أبي عبد الله بن خفيف كلامه بهذا الموضوع الذي زلت فيه أقدام بعض المتصوفة من دعوى أن الأولياء أفضل من الأنبياء، ودعواهم أن يتلقون عن الله مباشرة بينما النبي يتلقى بواسطة جبريل، ومن ذلك ما زعمه ابن عربي من أن خاتم الأولياء-يعني نفسه-أفضل من خاتم الأنبياء محمد ﷺ وذلك بناء على تفضيله الولي على النبي كما قال في شعره:
مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي
والذين جاؤوا بعد ابن عربي من المتصوفة السائرين في هذا الدرب المظلم رددوا هذه العقيدة في كتبهم وزاد كثير من مشايخهم فزعم لنفسه هذه الولاية الكبرى التي يتم بها -في زعمهم-الولاية، وقد تصدى الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ورضي الله عنه لهذه المزاعم في أماكن كثيرة من كتبه ومن ذلك قوله:
"وكذا خاتم الأولياء لفظ باطل لا أصل له. وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي. وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء: كابن حموي، وابن عربي، وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها، وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي ﷺ من بعض الوجوه، إلى غير ذلك من الكفر والبهتان، وكل ذلك طمعاً في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء، وقد غلطوا، فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك، وليس كذلك خاتم الأولياء، فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ﵁، ثم عمر ﵁، ثم عثمان ﵁، ثم علي ﵁، وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن نقي يكون في الناس، وليس ذلك بخير الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق ﵁، ثم عمر اللذان ما طلعت
стр. 997
شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما" (١)
والصواب أن الأنبياء هم أفضل البشر على الإطلاق، هذه هي دلالة الكتاب والسنة والإجماع والنظر الصحيح.
أما الكتاب: فقد قال مبيناً مراتب أوليائه: وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] النساء: ٦٩ [.
فالله قد رتب عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب وبدأ بالأعلى منهم وهم النبيون، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم قد شق عليهم أن النبي ﷺ في الجنة يرفع مع النبيين في الدرجات العلا فتكون منزلتهم دون منزلته فلا يصلون إليه ولا يرونه ولا يجالسونه، فنزلت الآية (٢) مبينة أن من أطاع الله ورسوله يكون من نعيمه في الجنة أن يتمكن من مجالسة الأنبياء ورؤيتهم وزيارتهم، فلا يفوته ذلك ولذلك قال سبحانه): وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم). وقال: (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) وهذه المعية والرفقة لا تعني تساويهم في الدرجة، بل هم متفاوتون، لكنهم يتزاورون ويتجالسون ويأنسون بقربهم كما كانوا في الدنيا، وهذا بفضل الله لاتباعهم الأنبياء، واقتدائهم بهم.
فالآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر فهم أفضل أولياء الله وأرفعهم درجة على الإطلاق.
وذكر سبحانه جملة من الأنبياء في آيات من سورة الأنعام ثم قال في آخرها: وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ] الأنعام: ٨٦. [
قال ابن سعدي في تفسير الآية: (وكلاًّ من هؤلاء الأنبياء والمرسلين فضلنا على العالمين، لأن درجات الفضائل أربع وهي التي ذكرها الله بقوله: وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فهؤلاء من الدرجة العليا (٣). (وقال : إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ).] آل عمران: ٣٣. [
قال الرازي مبيناً وجه الترابط بين هذه الآية والآيات قبلها: (اعلم أنه تعالى لما بين أن محبته لا تتم إلا بمتابعة الرسل بين علو درجات الرسل وشرف
стр. 998
مناصبهم). (١)
وقال في معرض تفسيره للآية: (بين تعالى أنه اصطفى آدم وأولاده من الأنبياء على كل العالمين. (٢)
فالآية في ذكر الأنبياء خاصة وإن قيل في تفسير لفظ (الآل) فيها بأن المقصود به سائر المؤمنين من ذرية إبراهيم، وعمران، أنبياء وغير أنبياء، ويشهد لتخصيصها الأنبياء فقط، وأنهم هم المعنيون بتفضيلهم على العالمين دون غيرهم أمور:
١ - قوله سبحانه: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى والمراد الاصطفاء بالنبوة كما قاله الحسن وغيره (٣).
وكذا قد ورد الاصطفاء مراداً به الاصطفاء بالنبوة في عدد من آيات الكتاب عند ذكر النبيين، كقوله سبحانه: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ)] الحج: ٧٥. [وقوله في موسى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي)] الأعراف: ١٤٤. [وقوله: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ).
٢ - أنه قد أطلق وصف الاصطفاء وعنى به الرسل خاصة في قوله: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى)] النمل: ٥٩. [
والرسل هم المصطفون من عباد الله الذين سلم عليهم في العالمين كما بينه سبحانه في كتابه جملة وتفصيلاً كقوله سبحانه: (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)] الصافات: ١٨١. [فقوله: (وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) كقوله: (وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) وقال سبحانه: (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ)] الصافات: ٧٩. [وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ)] الصافات: ١٠٨ - ١٠٩. [وقال: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ)] الصافات: ١١٩ - ١٢٠ [
فكما أطلق سبحانه الاصطفاء في آية النمل وهو مقيد في الاصطفاء بالنبوة فكذا في آية آل عمران هذه.
٣ - أن الله قد ذكر في الآية النبيين آدم ونوحاً ثم ذكر آل إبراهيم وآل عمران وفيه إشارة إلى أن المراد بالآل الأنبياء خاصة من ذرية إبراهيم، وذرية عمران، لا عامة المؤمنين.
٤ - أن الله قد ذكر آل إبراهيم وآل عمران لأن الأنبياء بعد إبراهيم لم يكونوا إلا
стр. 999
من ذريتهما، فجمع ذكرهم في لفظ الآل، وهو سبحانه قد ذكر آل إبراهيم، وآل عمران فقط، ويكون في المؤمنين من ليس من ذريتهم، مما يشهد بأن الآية خاصة بالنبيين.
٥ - أن قوله سبحانه: عَلَى الْعَالَمِينَ شاهد على أن المراد بالآية الأنبياء من سائر المؤمنين، ذلك أن اصطفاء المؤمنين وتفضيلهم على الكافرين أمر ظاهر ظهوراً يستغنى به عن الذكر، فكيف بتفضيل النبيين واصطفائهم على الكافرين، والنبيون معنيون في الآية بلا خلاف، فأن يكون المراد اصطفاء النبيين وتفضيلهم على سائر المؤمنين أولى، والله أعلم.
هذا، وقد قال بعض المفسرين بأن المراد بآل إبراهيم وآل عمران الأنبياء منهم، وقال بعضهم أن المراد بآل إبراهيم إبراهيم نفسه (١).
والحاصل فإن الآية نص في تفضيل الأنبياء على البشر سواء كانت في الأنبياء خاصة وهو الأظهر، أو كانت فيهم وفي أتباعهم من المؤمنين عامة، فإنه إذا كان المؤمنون أفضل البشر قد اصطفاهم الله على العالمين فالأنبياء هم الأفضل إطلاقاً بطريق الأولى.
أما السنة: فمن أدلتها على أن الأنبياء أفضل البشر:
قوله ﷺ لما سئل عن أشد الناس بلاء قال:» الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل (٢) «وهذا صريح في أن الأنبياء أمثل البشر.
وقال ﷺ في أبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين (٣) «و في هذا الاستثناء الدليل على أن الأنبياء أفضل الأولين والآخرين.
стр. 1000
وروي عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين» (١).
واستدل ابن تيمية ﵀ على فضل الأنبياء على سائر الناس بحديث: «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر الصديق» (٢).
أما الإجماع: فقد قال ابن تيمية ﵀: (وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على أن الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء. (٣)
وقال: (الأنبياء أفضل الخلق باتفاق المسلمين وبعدهم الصديقون، والشهداء، والصالحون (٤).
وذكر ﵀ أن تفضيل بعض الفرق غير النبي على النبي مخالف لإجماع الأمة (٥).
أما النظر الصحيح: فإن العقل يقضي بكون الأنبياء خير الخلق وأفضلهم، لأنهم رسل الله، والواسطة بينه وبين خلقه في تبليغهم شرعه ومراده من عباده، وشرف الرسول من شرف المرسل وشرف الرسالة، وهم المصطفون من عباد الله، اصطفاهم الله واختارهم واجتباهم ولا يختار سبحانه من الخلق إلا أكرمهم عليه وأفضلهم عنده وأكملهم لديه، قال ابن القيم ﵀: (ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناء على رسالته، وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته فمنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم من كلمه تكليماً، ومنهم من رفعه مكاناً عليًّا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولاً إليه إلا من طريقهم، ولا دخولاً إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحداً منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم
стр. 1001
عليه، وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأطيع، وبهم حصلت محابه تعالى في الأرض) (١)
ولم يكتفي غلاة المتصوفة بإسقاط مكانة الأنبياء وتفضيلهم على من سواهم بل تجاوز ذلك إلى إسقاط مكانتهم في تبليغ شرع الله وزعموا أنهم يتلقون عن الله مباشرة دون واسطة
قال ابن تيمية: "ثم إن صاحب (الفصوص) يعني ابن عربي وأمثاله بنوا الأمر على أن الولي يأخذ عن الله بلا وساطة والنبي يأخذ بوساطة الملك. ولهذا صار خاتم الأولياء أفضل عندهم من هذه الجهة، وهذا باطل وكذب فإن الولي لا يأخذ عن الله إلا بوساطة الرسول وإن كان محدثاً، فقد ألقي إليه بشيء وجب عليه أن يزنه بما جاء الرسول من الكتاب والسنة" (٢).
ومن تخبطات وترهات الصوفية وتناقضاتهم أنهم جعلوا من الأنبياء والأولياء واسطة بينهم وبين الله في التعبد، وهذا كلام باطل ترده النصوص، فالنبي ﷺ واسطة في التبليغ، ولكنه ليس واسطة بين العباد في التعبد، فالنبي ﷺ بشرٌ وعبدٌ ورسولٌ، ولا شك أنه ﷺ الواسطة في تبليغ الدين، لكنه ﷺ ليس وسيلة أو واسطة إلى الله في قبول الأعمال أو الدعاء أو في قضاء الحوائج أو غير ذلك.
وأما عند الصوفية فالنبي ﷺ والأولياء وسيلة بين الله تعالى وبين عباده، ولذلك تجد بلدانهم مليئة بالقبور والأضرحة والقباب، وتصرف لهذه الأماكن الكثير من النذور والأموال، وتُذبح عندها الذبائح الكثيرة من هذا الباب؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن هؤلاء الأشخاص وسائط بينهم وبين الله تعالى، وهذه دعوى كفار قريش الذين قالوا عن الأوثان: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)، وقالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله).
والله ما جعل بينه وبين عباده واسطة في العبادة أبدًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فلم يأمر بأن يُدعى فلانًا أو يُجعل فلانًا واسطة بينه وبين خلقه، إذ دعوة التوحيد تقوم على أنه ليس بين الله وبين خلقه أي واسطة في هذا الشأن أبدًا.
فحقيقة الخلاف في مسائل توحيد الألوهية بيننا وبين أولئك: أن عقيدة السلف
стр. 1002
تقوم على أنه ليس بين الله تعالى وبين خلقه واسطة في العبادة، فالإنسان يدعو الله ولا يدعو سواه، ويَسأل الله ولا يسأل غيره، ويسأله بأسمائه وصفاته، ولا يسأله بجاه فلان أو بمكان فلانٍ من الناس.
أما الصوفية فيتخذون الوسائط في العبادة، حتى دعوهم من دون الله واستغاثوا بهم، ونذروا لهم، وذبحوا لهم، وإذا سألوا الله سألوه بجاههم.
стр. 1003
(١٣١) «ومن متأخريهم: الشيخ الإمام أبو محمد؛ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، قال في كتاب «الغنية»: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد.
إلى أن قال: وهو بجهة العلو، مُستو على العرش، مُحتو على الملك، محيط علمه بالأشياء؛ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان؛ بل يقال: إنه في السماء على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، وذكر كلامًا طويلًا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا» (١).
ولو ذكرت ما قال العلماء في هذا لطال الكتاب جدًّا».
قوله هنا: «ومن المتأخرين»، أي: من متأخري المتصوفة، وأشار في هذا إلى عبد القادر الجيلاني، وهو معروفٌ عند أهل التصوف ويُعظمونه، ويعتقدون فيه الولاية، وله كتابٌ اسمه «الغنية لطالبي طريق الحق»، وهو مطبوع، وفيه فصل في الاعتقاد، وقد دَوَّن فيه اعتقاد أهل السنة والجماعة.
ومعلومٌ أن المتصوفة نَسَبوا لعبد القادر الجيلاني أشياءَ كثيرة لا شك أنه منها بَراء؛ فعقيدته هي التي دوَّنها في هذا الكتاب تدل على أنه من معتدلي المتصوفة، وأن ما نُسب إليه من بعض الكرامات أو أمور العجيبة إنما هي من الأمور التي يفتريها هؤلاء على بعض الصالحين.
стр. 1004
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «فأمرُ الشيخ عبد القادر (الجيلاني) وشيخه حمَّاد الدباسي وغيرهما من المشايخ أهل الاستقامة ﵃: بأنه لا يريد السالك مرادًا قط، وأنه لا يريد مع إرادة الله سواها، بل يجري فعله فيه، فيكون هو مراد الحق» (١).
ونقل عنه هنا من كتاب «الغنية» بعض مسائل الاعتقاد، وأشار من ضمنها إلى مسألة إثبات العلو لله تعالى، وأنه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، مُحيط بعلمه، ففي هذا الكلام الذي ذكره إثبات لصفة الاستواء، وإثبات لصفة العلو، وإثبات لصفة المعية.
وتتمة كلام عبد القادر الجيلاني: «أمَّا معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يُعرف ويُتيقن أنَّ الله واحد أحد فرد صمد، ﴿لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوًا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١]؛ لا شبيه له ولا نظير، ولا عون ولا ظهير، ولا شريك ولا وزير، ولا نِدَّ ولا مُشير» (٢).
فهو في هذا الكتاب تكلم عن مسائل الاعتقاد، وأشار من ضمنها إلى مسألة إثبات العلو لله تعالى، وأنه عالٍ على خلقه، مستوٍ على عرشه، مُحيط بعلمه، ففي هذا الكلام الذي ذكره إثبات لصفة الاستواء، وإثبات لصفة العلو، وإثبات لصفة المعية.
وقال هنا من ضمن ما ذكر: «إنه لا يجوز وصف الله تعالى بأنه في كل مكان»، وهذا مما يزعمه بعض المعطِّلة من قولهم: إن الله في كل مكان. وهو قول بعض الجهمية، ولا شك أنه كلام باطل شرعًا، فالله عالٍ على خلقه مستوٍ على عرشه.
ومعلوم أن المعطلة لما عطلوا صفة الاستواء جاءوا بعددٍ من التأويلات، منها: قول مَنْ يقول: استوى معناه: استولى. وقولهم: إن العرش المراد به: المُلك. ومنها قولهم بأن الاستواء صفة للعرش، وليس صفة لله ، وأنواع أخرى من التأويلات كلها تَعود إلى إنكار صفة الاستواء، وإنكار أن الله استوى على عرشه حقيقة.
وقد نقل ابنُ القيم عن عبد القادر الجيلاني أنه حكى الإجماع على فوقية الله وعلوه على خلقه:
стр. 1005
هذا وخامس عشرها الإجماع من … رسل الإله الواحد المنان
فالمرسلون جميعهم مع كتبهم … قد صَرَّحوا بالفَوْق للرَّحمن
وحكى لنا إجماعَهم شيخُ الوَرَى … والدِّين عبد القادر الجيلاني (١)
وكل هذه الأمور تقدم ذِكرها في أول شرحنا للفتوى الحموية.
стр. 1006
(١٣٢) «وقال أبو عمر بن عبد البر: «روينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت».
قال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃ فهو عِلم يُدَان به؛ وما حَدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة» (١).
وقال في «شرح الموطأ» لمَّا تكلم على حديث النزول قال: «هذا حديث ثابت النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى مِنْ فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو مِنْ حُجَّتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله في كل مكان.
قال: والدليل على صحة قول أهل الحق قول الله-وذكر بعض الآيات-إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مُسلم.
وقال أبو عمر بن عبد البر أيضًا: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك مَنْ يحتج بقوله».
وقال أبو عمر أيضًا: «أهل السنة مُجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز إلا إنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحدون فيه صفة محصورة.
وأمَّا أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن مَنْ أقر بها مشبه، وهم عند مَنْ أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهم أئمة الجماعة» (٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1007
بعد أن انتهى المصنف من النقل عن المتصوفة بدأ في ذكر أقوال طائفة أخرى من العلماء؛ منهم الإمام أبو عمر بن عبد البر، وهو إمام معروف من أئمة المالكية، وله بعض التصنيفات في العلوم المختلفة، وعلى رأسها الفقه والحديث، ومن أشهر كتبه: «التمهيد»، و «الاستذكار»، و «جامع بيان العلم وفضله»، وهنا يقول: «روينا عن مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي، ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت».
فهؤلاء أعلام التابعين ولهم مكانتهم وفضلهم قالوا: «أمروها كما جاءت»، والمقصود: أن هذه النصوص لا تُؤوَّل، ولما ظهر تأويلات الجهمية تصدَّى السلف لها وأبطلوها، وبينوا أن هذه النصوص إنما هي على ظاهرها وعلى ما كانت عليه حقيقة.
فقول أئمة السلف: «أمروها كما جاءت»، وجاء عن بعضهم: «أمروها كما جاءت بها»، فيه رد ما يزعمه البعض من أن السلف لم يُبينوا معاني هذه النصوص، وأنهم آمنوا بها دون فهم لمعانيها.
وليس هناك عاقل يَقبل أن السلف لا يفرقون بين قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وبين قوله ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»، فأهل السنة يؤمنون أن النزول له معنى، وأن الاستواء له معنى، ويَفهمون من هذه الآية معنى غير الذي يُفهمونه من قول النبي ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (١).
فالسلف فهموا معاني هذه النصوص وأمرُّوها كما جاءت، وكما سبق وأسلفنا أن إيمانهم بهذه النصوص هو إثبات وجود، لا إثبات كيف.
فإذًا المقصود هنا: أن تُمَرَّ كما جاءت، أي: على ما دَلَّت عليه في ظاهرها من غير قولٍ بالكيفية.
وقال أبو عمر: «ما جاء عن النبي ﷺ من نقل الثقات، أو جاء عن الصحابة ﵃،
стр. 1008
فهو عِلْم يُدَان به»؛ بمعنى: أننا نعتمد في هذا الباب على ما جاء عن النبي ﷺ أو ما جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما أُحدث بعدهم ولم يكن له أصل فيما جاء عنهم، فهو بدعة وضلالة، ولا شك أن المقصود بهذا: أقوال الجهمية والمعتزلة ومَن جاء بعدهم.
وقال في «شرح الموطأ» لما تكلم على حديث النزول ذكر كثيرًا من مسائل الاعتقاد المتعلقة بباب الأسماء والصفات، وهو كلام نفيس أُوصي بالرجوع إليه.
وعمومًا فعلماء المالكية عرف عنهم أنهم كانوا من أكثر الناس تمسكًا بالسنة، ولم يُؤثر عنهم التأثر بالبدع إلا بعد دخول ابن تُومرت الذي قتل ما قتل من علماء المغرب الذين كانوا متمسكين بالسنة، وقتل أتباعه كثيرًا من العلماء المتمسكين بعقيدة أهل السنة والجماعة، وبعد ذلك انتشرت عقائد المعتزلة والجهمية والأشاعرة.
يقول هنا: لما ذكر حديث النزول، قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد، لا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي ﷺ ، وفيه دليل على أن الله جل وعلا في السماء على العرش استوى مِنْ فوق سبع سماوات، كما قالت أهل السنة والجماعة، وهو مِنْ حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة.
فهذا زعم المعتزلة، وهذا الدليل بما يُرَدُّ به عليهم، وذكر بعض الآيات التي جاءت في إثبات العلو، إلى أن قال: «وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يُوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مُسلم».
وهو الاضطرار هو دليل الفطرة، وهو الذي احتج به الهمداني على الجويني؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ أبي جعفر الهمداني مع الجويني (من رءوس الأشاعرة)؛ لما أخذ يقول على المنبر: «كان الله ولا عرش». فقال الهمداني: «يا أستاذ، دَعنا من ذِكر العرش-يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع-أخبرنا عن هذه الضرورة التي نَجدها في قلوبنا؛ فإنَّه ما قال أحد قط-يا الله-إلا وجد من قلبه ضرورة تَطلب العلو؛ لا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فَلَطم الجويني على رأسه، وقال: «حَيَّرني الهمداني، حيرني الهمداني»، ونزل» (١).
стр. 1009
فهذه مسألة فُطر الناس عليها، ولا يمكن دفعها، فقال: هذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى هدايتهم؛ لأنه لم ينكره عليهم أحد.
ولو سألت طفلًا على فطرته، وقلت له: أين الله؟ لأجابك بفطرته النقية: الله فوق كل شيء، كذلك قال: «أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حُمل عنهم التأويل أنهم قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾: هو على العرش وعلمه في كل مكان، فالعلماء من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فسَّروا المعية فقالوا: إن المقصود بها معية العلم، وقال: هو على عرشه وعلمه في كل مكان. وما خالفهم في ذلك مَنْ يُحتج بقوله».
فمَن أراد أن يعرف أقوال السلف فليرجع إلى أقوال المفسسرين في تفسير المعية، وقد ذكر السيوطي في «الدر المنثور» ذكر أقوال العلماء عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في تفسير المعية، وهذا أمرٌ واضح، فمن الذي على الحق في تفسير هذه الآية؟ هل هم السلف أم الجهمية.
وقال أبو عمر أيضًا: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفة محصورة».
فإذًا يثبتون الصفات ولا يَدخلون في شأن الكيفية، هذا هو منهج السلف، وهذا الذي يقرِّره الإمام ابن عبد البر، وهو من أعيان القرن الخامس.
قال ابن عبد البر: «وأمَّا أهل البدع؛ الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم يُنكرها، ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعم أن مَنْ أقر بها مشبه».
أهل البدع من الجهمية والمعتزلة كلهم والإمامية من الخوارج، كلهم ينكرون الصفات.
فالجهمية والمعتزلة والإمامية من الرافضة الإمامية الاثنا عشرية، يوافقون المعتزلة في نفي الصفات، وكذلك الزيدية من الشيعة، والإباضية من الخوارج، وكذلك النجارية والكرامية، كل هؤلاء يقولون بنفي هذه الصفات عن الله تعالى، ولا يثبتونها حقيقة؛ لذا قال: «ويزعمون أن من أقرَّ بها فهو مُشَبِّه، وهم عند مَنْ أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهم أئمة الجماعة».
стр. 1010
(١٣٣) «وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توَلِّيه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري وذَبِّه عنهم، قال في كتاب «الأسماء والصفات»: «باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين-لا من حيث الجارحة-لورود خبر الصادق به، قال الله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]».
وذكر الأحاديث الصِّحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث، في حديث الشفاعة: «يا آدم، أنت أبو البشر، خَلقك بيده، ونفخ فيك من روحه» (١)، ومثل قوله في الحديث المتفق عليه: «أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك الألواح بيده»، وفي لفظ: «وكتب لك التوراة بيده» (٢)، ومثل ما في «صحيح مسلم»: «وغرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده» (٣)، ومثل قوله ﷺ : «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفاها الجَبَّار بيده، كما يتكفى أحدكم خبزته في السفر؛ نزلًا لأهل الجنة» (٤).
وذكر أحاديث مثل قوله: «بيدي الأمر» (٥)، «والخير بيديك» (٦)، «والذي نفس محمد بيده» (٧)، و «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويَبسط يده
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1011
بالنهار ليتوب مسيء الليل» (١)، وقوله: «المُقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» (٢)، وقوله: «يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجَبَّارون؟ أين المتكبرون؟» (٣)، وقوله: «يمين الله ملأى لا يَغيضها نفقة سحاء الليل والنهار؛ أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يَغض ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القبض يخفض ويرفع» (٤)، وكل هذه الأحاديث في الصحيح.
وذكر-أيضًا-قوله: «إنَّ الله لمَّا خلق آدم قال له ويداه مَقبوضتان: اختر أيَّهما شئت. قال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة» (٥)، وحديث: «إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده» (٦)، إلى أحاديث أُخر ذكرها من هذا النوع.
ثم قال البيهقي: «أما المتقدمون من هذه الأمة، فإنهم لم يُفَسِّروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب؛ وكذلك قال في الاستواء على العرش، وسائر الصفات الخبرية؛ مع أنه يَحكي قول بعض المتأخرين».
يُعد البيهقي من متقدمي الأشاعرة، ومتقدمو الأشاعرة كانوا يُثبتون الصفات الذاتية؛ فالأشاعرة على قسمين: المتقدمين، والمتأخرين، فمتقدمو الأشاعرة كانوا يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، وبالتالي هم يُفَرِّقون بين الصفات والأفعال، فعندهم أن الله لا تقوم به أفعال، ولذلك في صفة الكلام يُثبتون الجانب الذاتي منها وينفون الجانب الفعلي منها، ويثبتون الصفات التي جاءت في القرآن أكثر
стр. 1012
من إثباتهم للصفات التي جاءت في نصوص السنة؛ بزعم أنها أخبار آحاد؛ فهم لا يعتقدون فيها في باب العقائد.
فتجد البيهقي يثبت الصفات الخبرية التي وردت في القرآن، ويميل إلى هذا كثيرًا، ثم بعد ذلك ما يأتي في السنة وبعض الصفات في القرآن يتوقف في إثباته.
وفي الجملة: هم يُثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، فإذًا أثبتوا شيئًا من الصفات الذاتية: (اليدين والوجه والقَدَم)، ولو قرأت في كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي، ستجد أنه يقول بإثباتها، مع أنه مِنْ الأشاعرة الذين نصروا منهجهم.
وممن ورد عنهم القول بإثبات هذه الصفات من قدماء الأشاعرة ما يلي:
قال القاضي أبو بكر الباقلاني المالكي (ت: ٤٠٣ هـ) - الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا، كذا قال الذهبي (١) - في كتاب "الذب عن أبي الحسن الأشعري": "كذلك قولنا في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله، إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، كما في الحديث وأنه مستو على عرشه" (٢).
وقال أيضاً: "فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهًا؟ قيل: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.
فإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟
قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديمًا بذاته أن يكون جوهرًا؛ لأنا وإياكم لم نجد قديمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.
وكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضًا، واعتلوا بالوجود (٣).
وقال أيضاً: فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل معاذ الله، بل هو مستوٍ
стр. 1013
على عرشه كما أخبر في كتابه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦].
قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله …
إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا (١).
ويقول أبو الفتح الشهرستاني (ت: ٥٤٨ هـ): "اعلم أن جماعة كثيرة (٢) من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزة، والعظمة، ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سوقًا واحدًا، وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين، والوجه ولا يؤولون ذلك، إلا أنهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسميها صفات خبرية" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن؛ وأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (٤)
стр. 1014
لَكِنِ المتأخرون من زمن إمام الحرمين الجويني لا يُثبتون إلا سبع صفات: (العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام)، تحت دعوى أن هذه الصفات هي الصفات العقلية، وأما عداها فلم يُثْبِتها العقل؛ فإمَّا أن يتوقفوا فيها، وإما أن ينفوها، وأكثرهم على النفي والتأويل.
والبيهقي من الفريق الذي يثبت بعض الصفات، وما كان منها فعلية فهم يثبتونها على الأوجه التي ذكرناها؛ فهنا قال: «وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع تولِّيه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وذبِّه عنهم قال في كتاب «الأسماء والصفات»، باب (ما جاء في إثبات اليدين صفتين)، لا من حيث الجارحة؛ لورود خبر الصادق به» (١)؛ فيثبتون صفة اليدين،
وقال ابن تيمية موضحاً أن تأويلات المعطلة لا يمكن أن تصمد أمام النصوص الشرعية لأن النصوص من جهة هي في غاية الإحكام والوضوح من جهة نفسها، والخلل إنما يقع من جهة ذلك المعارض الذي ابتعد عن النصوص وسعى لردها بكل وسيلة؛ فقال ﵀: "وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ وَنَجْعَلُ الْكَلَامَ فِيهَا أُنْمُوذَجًا يُحْتَذَى عَلَيْهِ وَنُعَبِّرُ بِصِفَةِ " الْيَدِ " وَقَدْ:
• قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا "خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.
• وَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
• وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾. وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ " الْيَدِ " فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ . فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ