← Тараджим

Тараджим · id 30020

عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران جـ 1 - 5

برهان الدين البقاعي

Полный текст (787 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدّمة واضع هذا المعجم المتضمن سير بعض رجال ونساء المجتمع الإسلامي في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط المعروف بالبقاعى، نسبة إلى قرية في إقليم البقاع من أعمال الشام، وقد ولد في قرية خربة روحا بدمشق سنة ٨٠٩ هـ (١٤٠٦ م). وتلقى تعليمه في مطلع أيام حياته وتعلم على أيدي شيوخها وهو تعليم أهّله لأن يجد له مكانا في صفوف تلاميذ علماء هذا الوقت ممن كانوا هناك، وحصّل الكثير من شتى فنون المعرفة التي كانت سائدة في عصره وقتذاك، وقد أهّله ذلك كله لأن يؤلف كثيرا من الكتب والرسائل والمقامات وغير ذلك من ضروب التأليف وفنون هذا الوقت والتي سنعرض بالإشارة إلى بعضها إشارة خاطفة بعد قليل لينصرف القارئ إلى مطالعة ما ينشده من الوقوف على من يريد من التراجم التي يبغيها. بعد أن تلقى البقاعى ما شاء الله له أن يتلقاه من علوم عصره رحل إلى القاهرة التي كانت رجاءه ليجلس إلى بعض شيوخ ممّن كانوا بها وليقضى بقية عمره حتى وافته منيته سنة (٨٨٥ هـ -١٤٨٠ م) فيكون بذلك قد عاصر الكثيرين من سلاطين المماليك الذين حكموا الديار المصرية والشامية. وكان على صلات طيبة مع بعضهم مكّنته من أن يقف على مجريات الأحوال السياسية إلى حد كبير، وأن ينعكس هذا كله فيما ألف لا سيما في ميدان التاريخ. إن الكتاب الحالي الذي بين يدي القارئ يعتبر معجم تراجم، وقد سماه مؤلفه «عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران» وقد جمع فيه المئات من رجال عصره، وألحقه بكتاب آخر على نمطه سماه بعنوان العنوان بتراجم الشيوخ والتلاميذ والأقران، فيكون بذلك مكملا للحالى، ومن ثم كان يشبهه

стр. 2

كثيرا من حيث إلمامه فيه إلى حد كبير بتراجم من عاشوا في هذه الفترة، ولكنه زاد فيه من ذكره من تلاميذه وبذلك يعتبر كلّ من الكتابين أو المعجمين مكملا للآخر، وقد أعددناه هو الآخر وإن أضفنا إلى التسمية تسمية أخرى هي «المعجم الصغير للبقاعى». وليست هاتان المخطوطتان بخط البقاعى، ولكن بأقلام نساخ محترفين ولا نعرف شيئا عنهم، ثم آل ما نسخوه إلى المكتبات الخاصة فالعامة، وقد اعتمدنا على ما صور من هذه النسخ في تقديم الكتابين، وإذ كان المعجم الحالي يتضمن المئات من التراجم فإنّ ما في «عنوان العنوان» يضع بين يدينا معجما أكثر اتساعا، ولذلك فإن من يفوته علم من أعلام هذا العصر في الكبير قد يجده في الصغير. والملاحظة العامة هي أن البقاعى أطال في بعض التراجم إطالة ملحوظة حتى أن بعضها جاوز أو قارب المائة صفحة مما سيراه القارئ، على أن المعجم الصغير كما قلنا متمم للكبير. ولقد كان البقاعى في تقديمه هذين المعجمين مقلّدا أحد شيوخ مؤرخي هذا القرن وهو أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى في كتابه المعروف باسم «المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي» فقد اختصره في كتاب آخر جعل عنوانه «الدليل الشافي على المنهل الصافي» الذي قام بتحقيقه في جزءين العلامة المحقق الأستاذ فهيم محمد شلتوت، وقام من قبله المستشرق الأستاذ جاستون فييت فجرد تراجمه ولكنه أضاف إليها عملا يستحق الثناء عليه من أجله إذ زوّد كل ترجمة بالمصادر والمراجع التي يمكن الرجوع إليها سواء أكانت عربية أم غير عربية وسماه Les Biographies du Manhal Safi . ونعود إلى كتاب «عنوان الزمان» فتقول إن التراجم الواردة فيه تتعلق كلها برجال ونساء عاشوا في القرن التاسع الهجري، ومن ثم كان لا بد من مقارنة هذه التراجم بما ورد عنها أو عن بعضها في القاموس العظيم لرجال هذا القرن

стр. 3

الذي وضعه السخاوي وسماه «الضوء اللامع بأعيان القرن القرن التاسع». والذي قام بنشره عام ١٣٥٣ هـ الشيخ حسام الدين القدسي ثم أعادت بعض دور النشر طبعه مصوّرا في مصر وخارج مصر دون أن تشير أي دار من هذه الدّور إلى صاحب الفضل الأول في إظهاره للعيان، وقد صدرت هذه الطبعات الجديدة منه دون مراجعة أو إضافة أو تعديل أو تصحيح أو غير ذلك مما تقتضيه إعادة مخطوط سبق نشره، كما أهملت الطبعات الجديدة الإشارة إلى جهد المحقق الأول. *** لقد رجعت في إخراج هذا المعجم الذي هو الآن بين يدي القارى إلى نسختين إحداهما منقولة وموجودة في المكتبة التيمورية برقم ١١١٩ وسميتها في الحواشى بالسليمانية حيث كانت في الأصل بها. وأما النسخة الثانية التي سمّيتها بنسخة تونس فهي في الواقع مصورة عن نسخة بمكتبة عارف بالمدينة المنورة وقد تفضل الصديق الأستاذ الدكتور عبد الرحمن العثيمين بتصويرها لي فله الشكر وإن لم تكن كاملة التصوير. *** وخط النسختين نسخ جميل واضح القراءة، غير أن نسخة التيمورية كثيرة الأخطاء ولم أحاول تعقب هذه الأخطاء وإنما اكتفيت بتصحيحها، وربما أشرت إلى الخطأ إن كان كبيرا، ورجعت في التصحيح إلى مصادر ومراجع هذا العصر كالمقريزي في خططه وسلوكه، وأبى المحاسن في مؤلفاته المختلفة وابن حجر في إنبائه، والعيني في تاريخه، والسيوطي في نظم العقيان، والصيرفي في نزهة النفوس وغير ذلك مما صادفته ووجدت فيه ما يقوّم الكلمة أو الاسم أو التاريخ. لقد سبق البقاعىّ صاحبه السخاوىّ في كتابه «عنوان الزمان»، فالمطالع

стр. 4

للضوء يرى السخاوي يشير صراحة إلى ما يدل على أنه طالع «عنوان الزمان» وأخذ منه، ولم يكن ذلك عن رغبة في الاعتراف بفضل السبق ولكن ليتابع عثرات البقاعى، ونستدل على ذلك من مثل هذه العبارة التي كثيرا ما تصادفنا في السخاوي إذ يقول «ذكره البقاعى مجردا». وأن النزعة-التي طبع عليها السخاوي في مهاجمة معظم مؤلفي عصره- لا سيما من كانوا في مثل عمره ومن تتلمذوا على يد شيخ الكثيرين وهو ابن حجر-دفعته إلى التهجم على هؤلاء التلاميذ، وقد يفحش في الهجوم عليهم مما حدا بالسيوطى أن يقول عن السخاوي أنه جعل من لحومهم طعاما. إن التراجم التي جمعها البقاعى في معجمه هذا كانت لرجال ونساء في مصر والشام والحجاز والعراق والهند وبلاد الروم وأفريقية والسودان وغيرها ممن أتيح له معرفة بعضهم على صورة أو أخرى، وبذلك كان كتابه الحالي معجما لهؤلاء جميعا، فكان يترجم لهم من حيث المولد والنشأة والدراسة وآثارهم الفكرية وأوجه نشاطهم وما كانوا عليه من سيرة تختلف من واحد إلى آخر، ويعدّد ما طبعوا عليه وما يقوله الناس عنهم، وقد ينقل-وهذا كثير-بعض عناوين ما ألّفوا. كذلك عرف البقاعى كثيرا من سلاطين العصر والحكام في مصر والشام على وجه الخصوص، وكان له حضور في مجالس بعضهم، ونستدل من ابن حجر في معرض كلامه عن الحملة المصرية على قشتيل الروج أن السلطان جقمق جعل البقاعى إماما لهذه الحملة، بل ويزيد العسقلاني فيقول إن البقاعى كتب تقريرا عن هذه الحملة إلى السلطان ورآه ابن حجر، وقال إنه مورده في كتابه «إنباء الغمر» لكن لم نعثر عليه فيما راجعناه من النسخ الخطية السبعة التي رجعنا إليها في تحقيق الإنباء ونشره، وما كان لابن حجر أن يذكر مثل هذا الخبر الهام إلا أن يكون قد اطلع على هذا التقرير، ولكن أين هذا النص؟. ذلك ما لا ندريه، وفي هذا خسارة لشاهد عيان لحادث من أضخم أحداث

стр. 5

التاريخ المصري. لقد قدم البقاعى إلى مصر وتحققت أمنيته أن يكون بها، وأن يتصل بشيخ المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث الذي يسّر له سبل الحياة المرضية: معيشية كانت أو علمية، وأفسح له في مجالسه التي كان يعقدها للإملاء والحديث والشرح إلى غير ذلك من الفنون التي برع فيها ابن حجر وشهد له الجميع بالسبق فيها. واستقر البقاعى في مصر وتزوج فيها أكثر من مرة، وكان له أولاد وإن ماتوا صغارا، وكان قربه من مصادر الأحداث ميسرا له الحصول على قدر كبير من المعرفة بالتاريخ والأخبار، بل إنّ في مجالسته للملوك والسلاطين ما يشير إلى أنه حصل في بعض الأحيان على أخبار لم يتسنّ لغيره الحصول عليها، من ذلك ممّا ينقله من صورة الرسالة التي أرسلها السلطان محمد الثاني من خبر فتحه العظيم للقسطنطينية، وهو الكتاب الذي أرسله إلى السلطان المصري اينال ورد السلطان المملوكى عليه، وحسبنا هذه الإشارة الموجزة لننتقل إلى ناحية أخرى وهي ذكر بعض مؤلفاته وليست كلها. إبراهيم البقاعى محدث ومفسر وفقيه وكاتب سير وتراجم ومؤرخ، وقد برز في الحديث والفقه والتفسير إلى حد كبير. وأما في التاريخ فشأنه شأن معظم كتاب عصره من رجال الطبقة الثانية في أنهم كانوا جماعا أكثر منهم محللين، فلقد حاول البقاعى الكتابة في شتى المواضيع السائدة في عصره والتي برز فيها رجال عدّوا من الطبقة الأولى في عصرهم ولا زالوا يحتلون هذه المكانة في كثير من المواضيع، وتفيض فهارس دور الكتب في بعض البلاد بما خلّف البقاعى، ومعظمه لم ير النور بعد، ولقد أشار كشف الظنون إلى أن له ديوانا سماه «الداعي بأشعار البقاعى» وجاء في وصفه بأن شعره «متوسط»، وشارك السيوطي حاجى خليفة في مثل هذا الحكم على شعر البقاعى إذ قال في نظم العقيان «إن شعر البقاعى كثير، والجيد منه وسط».

стр. 6

ومن مؤلفاته «الاطلاع على حجة الوداع». كما أنه لم يقتصر على فن واحد من فنون التأليف وإنما نراه يسهم في التأليف في مواضيع شتى، فتناول بعض العلوم الرياضية مثل أرجوزته المسماة «الساحة في علمي الحساب والمساحة». كذلك يلاحظ أنه كان للبقاعى هجوم عنيف على ابن الفارض الصوفي حتى لقد كاد أن يرميه بالكفر، وواضح أنه وجد معارضين له لم يذهبوا مذهبه في ابن الفارض، ولا شك أن هؤلاء المعارضين قالوا باللسان وبالقلم ما حمل البقاعى على أن يضع رسالة في الرد عليهم سماها «تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض»، وهذا الهجوم الشديد على ابن الفارض من جانب البقاعى يظهر جليا في المقدمة التي كتبها الشيخ عبد الرحمن الوكيل في مقدمته لكتاب «مصرع التصوف» للبقاعى. ومن هنا نستدل على أن البقاعى كان من الكارهين لرجال الصوفية .. *** واهتم البقاعى بعلم القراءات فألف فيه ما نعرفه باسم «الضوابط والإشارات لإقراء علم القراءات»، وقد وصفه بعضهم بأنه «كتاب لطيف مختصر في القراءات» كذلك أسهم البقاعى في علوم القرآن فترك لنا «نظم الدرر في تناسب الآي والسور» وقد انتهى منه سنة ٨٧٥ هـ أي قبل عشر سنوات من وفاته. إنّ لكل كتاب من كتبه قصة عارضه البعض فيه وأيده غيرهم، وكلهم مغالون فيها ذهبوا إليه، وإنما يكون الحكم الصحيح أو ما هو قريب إلى الصحة يوم يتمّ إخراج ما دبجته براعته من الكتب والرسائل ويوم ترى النور، وهو أمر ما أحسب إلا أنه سيطول، ومعنى هذا أن البقاعى سيظل في زوايا الإهمال حتى يأذن الله بنشر ما ألّف.

стр. 7

وأعود إلى مطالعى هذا المعجم الحالي فأقول إنّ هذه المقدمة ليست دراسة عن البقاعى فلذلك كتاب وضعته عن بعض تلاميذ ابن حجر، وكان هو واحدا منهم وقد ورد فيه عنه وعنهم بالتفصيل ما يوضح حياتهم وأعمالهم، وأرجو أن يخرج هذا الكتاب إلى النور ليلقى الضوء على جوانب بعض مؤرخي هذا العصر. لكن يمكن للقارئ أن يسترشد في ذلك بما جاء في فهارس المخطوطات المختلفة مثل فهرس الفهارس للكتانى، وفهرست المخطوطات المصورة لفؤاد سيد، وكشف الظنون لحاجى خليفة، وفهرست كتبخانة عاشر أفندي، وكتبخانة نور عثمانية وفهرست مخطوطات الظاهرية ليوسف العش، وكوبرلى زاده محمد باشا، وفهرست الخديوية (ج ٥،١) وما كتب عنه في بروكلمان. إن مجال القول ذو سعة عن البقاعى ومؤلفاته. ولكن حسبنا هذه الأسطر القلائل للتعريف به. والله ولى التوفيق حسن حبشي ٣٤ شارع عمر بن الخطاب المهندسين-الجيزة ٢١ مارس ٢٠٠١

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلّى الله على سيدنا محمد «وآله وصحبه» (١). يقول أحوج الخلق إلى عفو الحق، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعى الشافعي: الحمد للّه الذي برأ الخليقة كهولا وشيوخا وشبابا، وأيقظ منهم لحمل العلم فحولا أنجابا، خاضوا في جنة (٢) لجج الدياجير واستهانوا صعابا، وجابوا في طلبه الأراضي سهلا وحزنا شرقا وغربا: إقامة واغترابا، أحمده أن خصّ من بينهم آخر الأمم بالأسانيد ليفضحوا الباطل ارتيابا، ويوضّحوا الحق طرقا وأبوابا، فشّمروا في طلب المشايخ عن ساق العزم ثيابا، وحثوا إلى لقائهم من نياق الحزم ركابا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها توّابا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله نبيا أوّابا، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما أكرمهم آلا وأصحابا، وأعظمهم سادة أحبابا. أما بعد: فهذه تراجم شيوخى الذي أخذت عنهم فنون العلم تطلابا، ورتّبت على حروف المعجم أسماءهم وأسماء آبائهم وإن علوا أنسابا، وأدخلت فيهم جمعا جمّا من أجلاء الأخلاء رجحوا شبابا وفصحوا خطابا، وأشرت (٣) إلى ما لكل من منقول ومعقول بحسب اطّلاعى احتسابا، وذكرت من حال كلّ ما عرفته ورأيت ذكره صوابا، أرجو بذلك يوم الجزاء ثوابا، لعل وعسى أن أفوز بدار المقامة مستقرا ومآبا (٤). بدأته بالأحمدين تيمّنا باسم سيد الأولين والآخرين، عليه منّى صلاة وسلاما دائمين: طابا.

стр. 9

وها أنا ذا قد عزمت متوكلا على الله الجليل، وهو حسبي ونعم الوكيل. ورتبته على مقدمة وقسمين: (الأول) في أسماء الرواة. (الثاني) في أسماء المرويات. وكلّ من القسمين مرتب على حروف المعجم، وزوّجت النساء بالرجال، وجعلت الشهود تلك الإجازات العوال، وبذلت من ظهور نفائس الأوقات الغوال، وذكر الأيام وسهر الليال، وقلّدت النحور جواهر البحور، ودرر الموشحات والأزجال.

стр. 10

المقدمة (في ذكر الحامل لي على وضع هذا الكتاب) لا مريّة في أنه لما كان علم الحديث هو معرفة صفات المتن والإسناد حيث القبول والرد، وكان استعمال كل ما يتعلق وإسناده لا يمكن الّا بمعرفة أحوال الرواة، وكان نقل الدّين بالإسناد مما خص الله به هذه الأمة المشرفة، وكان علم الدين لا يوجد عند واحد فقط من الأجلة، ولا يفوت كله جميع الأمة، وكان كلّ مسلم مأمورا بإبلاغ من بعده كما أبلغه من قبله، وجب على أهل كل عصر ذكر رواتهم وعلمائهم حفظا لدينهم، إذ ربما ذكر أحدهم شيئا اخترعه، أو كان واسطة فيما سمعه، فلا تعرف رتبة مقولة أو منقوله إلّا بمعرفة حاله، فحثنى على (٥) ذلك، وحداني على تطلّب من يقوم بهذا الغرض أقرانى، كما قام به من (٦) قبلنا بعض مشايخنا ومشايخهم وهلم جرا، فلم أجد منهم [من] شرح لهذا الأمر صدرا، ولا أطلع في سماء معرفته شمسا ولا بدرا، واستمر الحال على ذلك إلى أن رحلت إلى سيدنا ومولانا قاضى القضاة شيخ الإسلام حافظ العصر وعلامة الدهر (٧) الإمام أبى الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر (٨) العسقلاني الكناني، أيّد الله الإسلام بحياته، وأعزّ الأحكام بماضى (٩) عزماته، في سنة أربع (١٠) وثلاثين وثماني مائة، فرأيت مجاله بعولا لأبكار الأفكار، وذكورا لأفهام أولى الأبصار، فلم أزل أهتدى بشهابه، وأقتدى بمحاسن آدابه، إلى أن قام العزم على ساق، وأخذ من متوانى

стр. 11

الحزم على ذلك أمتن عهد وميثاق، ونبّهه من غفلته، وأيقظه من رقدته، فجبت في طلب العلم الأقطار، وأخذت عمّن قدرت عليه من أهل الأمصار، ورأيت من الواجب أن أضع لهم ديوانا يعرّف بأحوالهم ليوصل به إلى المقصود، فإن قيل: «وأنّى يجب ذلك وقد حقق (١١) شيخكم شيخ الإسلام أنه لا يحتاج في معرفة قبول الحديث ورده إلى إسناد خاص بيننا وبين أئمة الحديث الأعلام في كتبهم المشهورة، كسنن أبى داود [و] جامع الترمذي [و] صحيح ابن خزيمة [و] سنن الدار قطني ونحوها لقطعنا بأنها مصنفاتهم: هذا على مذهب شيخكم، وأما على مذهب ابن الصلاح فالأمر أبعد لأنه سد باب التصحيح في هذا الزمان. قلت: بل نحتاج إلى ذلك على الرأيين معا، أمّا على رأى شيخنا فبالنسبة إلى الأجزاء المنشورة والكتب التي ليست مشهورة (١٢)، وأما على الرأيين معا فبالنسبة إلى معرفة الانقطاع والإعضال وغير ذلك من صفات الإسناد الموجبة لضعف ما بيننا وبين المصنفين منه أو صحته أو حسنه، فإن ابن الصلاح لم يمنع تصحيح الأحاديث النبوية، فإنّه قال: «إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنّا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته»، إلى أن قال: «وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة، زادها الله شرفا، آمين». انتهى. وأيضا فهو إنما منع من الجزم بالحكم بالصحة ومفهوم تقييده بالجزم أنه لا يمنع إطلاق الصحة أو الحسن في غلبة الظن ونحو ذلك، ولا الجزم بالحكم بالضعف، وفي كل من ذلك فوائد لا تخفى، فيصير ذلك الكتاب حكما لمن يعد مصنّفه في الجزم لشخص من الناس يسافر إلى بلد ادعى بعض أهلها أنه

стр. 12

لقى ذلك الشخص أو ينفى دخولها عنه، أو بإثبات صفة أو نسب أو نحو ذلك، كما كانت الكتب التي قبلنا عمدة لنا في مثل ذلك، وأيضا فربما تواتر فيه نقل شيء فيفيد القطع، والله أعلم. ولما كان هذا الديوان لأهل زماننا كالعنوان، يستدل بمن ذكر منهم على من ترك (١٣)، سميته: (عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران) إذ لا شك في أنّ معرفة الزمان تكون بمعرفة نوابغ أبنائه وغرائب أنبائه (١٤)، ولما رأيت حسن فعل المتقدمين في تصديرهم (١٥) كلّ كتاب بتراجم تدل عليه لأنّ ذلك مما يعرّف بمقداره، ويكشف عن غامض أسراره، أحببت النسج على منوالهم، والاقتداء بذلك من أفعالهم، وتلك التراجم هي التي يعبّرون عنها بالرءوس الثمانية وهي: الغرض، والمنفعة، والسمة، ومن أي علم هو، ومرتبته، وقسمته، ونحو التعليم فيه، والمؤلف. فأما الغرض فهو الغاية السابقة في الوهم، المتأخرة في الفعل. وأما (١٦) المنفعة: فهي ما يحصل به من الفائدة للنفس ليشوقه الطبع. على أن الغرض والغاية والمنفعة واحد بحسب الذات، وإنما يختلف بالاعتبار، فمن حيث تطلّبه بالفعل يسمى عرضا، ومن حيث يهادى إليه لشيء ويترتب عليه يسمى غاية، ومن حيث حصول الفائدة به وتشوّق الكل إليه بالطبع يسمى منفعة، فيصدر العلم بذكر غاية ليعلم طالبه أنه هل يوافق غرضه أم لا، وبذكر منفعته ليزداد جدا ونشاطا.

стр. 13

وأما السمة في العنوان الدال بالإجماع على فضل ثمة، وسواء أكان ذلك بجّد أو برسم تام أو ناقص أو غير ذلك. وأما من أىّ علم فهو نوع العلم الموضوع هناك. وأمّا مرتبته فبيان متى يجب أن يقرأه. وأمّا القسمة فيه فبيان ترتيب ذلك الكتاب وفنونه، وجملة مقالته وأبوابه، وفصوله. وأمّا نحو التعليم فهو بيان الطريق المسلوك فيه لتحصيل الغاية. وأمّا المصنّف فهو واضع الكتاب ليعلم قدره ويوثق به، على أن السّنة المطهرة جاءتنا (١٧) بذلك في إرسال النبي ﷺ الكتب حيث قدم نفسه فقال: «من محمد». ولما كان الغرض الانقياد لما يأمر به من تلك الأمور العظام وعدم مجاوزة الحد به كما فعل بعيسى ﵇ [في] وصف نفسه بما يحتاج إليه في ذلك فقال: «عبد الله ورسوله». ثم بيّن الغرض من ذلك بقوله: «أدعوك بدعاية الإسلام»، ثم أشار إلى المنفعة ترغيبا وترهيبا: «اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين»، ثم أشار إلى حد الإسلام بأنّه التبرؤ من عبادة غير الله، إلى آخر ما ذكره في قوله تعالى «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ١٨ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ» إلى قوله «اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» فأشار إلى أنّ ذلك هو الإسلام، وإذا عرف القصد فلا يعاب [علىّ] (١٩) ذكرى ما أثنى به علىّ مشايخي أو غيرهم. هذا ما يتعلق بالرءوس الثمانية على العموم. ***

стр. 14

وأمّا على الخصوص فالغرض من تاريخ المحدث ضبط صحيح النقل من سقيمه، ولا شك أن ذلك هو المطلوب بالفعل، وهو منفعة من حيث إنه أمر يتشوقه كل أحد طبعا، وغاية من حيث يتأدى به إلى هذا التمييز. وأما سمته فإنه علم يعرف به حال المروى صحة وسقما، وسمة الكتاب تقدمته. وأما من أي علم هو فواضح. وأما رتبته فإنها دون أصول الفقه لأنه آلة إلى تمييز المتن الصحيح الذي يكون منه الاستنباط من غيره. وأما قسمته فتقدمت. وأما نحو التعليم فهو أن تذكر أحوال راويه ومرتبته من ميلاده إلى وفاته. وأمّا مصنفه فهو أن يوصف بما يقتضى الوثاق به والاعتماد عليه.

стр. 15

حرف الهمزة ١ - أحمد بن إبراهيم (٢٠) بن محمد بن خليل ، الإمام الفاضل الأديب أبو ذر، ابن شيخنا الإمام العادل (٢١) العالم الحافظ برهان الدين المحدث، الطرابلسي الأصل، الحلبي. ولد سنة ثماني عشرة وثمانمائة، وحفظ القرآن وألفيّة العراقي، وبحثها على والده (٢٢)، وتعاني (٢٣) الشهادة ببيت قاضى القضاة علاء الدين بن الخطيب فتقدم فيها (٢٤). رحل إلى حمص سنة (٢٥). . . . . . لملاقاة أخيه من الحجاز، ثم حج [هو] وأخوه أنس (٢٦) -الآتي- سنة سبع وثلاثين وثمانمائة، وسمع والده وقاضى القضاة ابن حجر وابن ناصر الدين وخلقا، وكتب بخطه، وجمع مجاميع، وعلّق عمن لقيه.

стр. 16

اجتمعت به بحلب في رحلتي إليها سنة ست وثلاثين، ونزلت عليه فرأيت له حافظة عظيمة، وملكة في تنميق الكلام، وبديهة (٢٧) على الوجه المستظرف قوية، مع جودة الذهن وسرعة الجواب والقدرة على استحضار ما في ضميره، يذاكر بكثير من المبهمات وغريب (٢٨) الحديث، وبيننا مودة وصداقة، وقد تولّع بنظم الفنون حتى برع في المواليا. أنشدني من نظمه كثيرا، منه: عارضك والخال ذا مسكى وذا ندى (٢٩). واللّحظ والقدّ ذا خطى وذا هندى. والشّعر والفرق، ذا وصلّى وذا صدّى. والخد والثغر، ذا حرّىّ وذا بردى. ومنه: عنى تسليت، وأسياف الجفا سلّيت. عنّى تخليت، وفي قلبي غصص خلّيّت. قتلى استحلّيت، وقيد الهجر ما حلّيت. في القلب حلّيت، مرّى بالوصال حلّيت. مات في ذي القعدة سنة ٨٤. [وثمانمائة]. ٢ - أحمد بن (٣٠) إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أحمد هبة الله، الشهير بابن العديم ، قاضى القضاة جمال الدين بن قاضى

стр. 17

القضاة ناصر الدين بن قاضى القضاة كمال الدين العقيلي-بالتصغير-الحلبي، بن أبي جرادة الحنفي. ولد سنة ٧٦٤، قال شيخنا الحافظ برهان الدين: «هو من بيت كبير مشهورين بالرئاسة، وهو محافظ على الصلوات والأذكار، وله أنظار ببعض المدارس بحلب وتولى قضاءها، وكان والده من قضاة السلف». انتهى. مات (٣١) سنة ٨٤٩. وأجاز شهاب الدين في استدعائى، وقرأت جميع «عشرة الحداد»، وهي في جزء ضخم جدا بسماعه من أولها إلى آخر ترجمة أبى الفضائل الكاغدى، ومن أول ترجمة صالح بن (٣٢) … إلى آخر الجزء على والده، وإجازته منه لباقيه. انا: وسمع على والده «أربعين ابن المجير»، وسمع ثلاثيات البخاري، وجزء الجابري والمنتقى من مسند الحارث بن أبي أسامة وجزء أبى الجهم ومشيخة ابن النجار بن الأصم بسماع والده لأربعين ابن المجير. وسمع والده على البدر محمد (٣٣) بن علي بن أبي سالم بن إسماعيل الحلبي مسلسلات الشيمى، انا. وسمع على الكمال محمد بن حبيب الرابع عشر من مسند الحرث، ومن «فعلت باختلاف المعنيين»، ومن كتاب الفصيح لثعلب إلى آخره، وجميع الجزء الأول من الأمثال السائرة وآخره: حدثنا إسماعيل ابن موسى، انا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن أبي عن علي ﵁ قال: بسم الله، «الحرب خدعة، على نبيه أو قال: «على لسان محمد ﷺ » وجميع أربعين الحافظ أبى طاهر السلفي (٣٤) البلدانية، والميعاد الأول من

стр. 18

الصمت لابن أبي الدنيا (٣٥)، والموطأ رواية العتبى (٣٦)، سوى من أوله إلى آخر الميعاد الثاني، وأول المسموع باب: «ما جاء في خروج النساء للمسجد، وسوى المجلس العاشر وأوله: «باب نفقة الأمة إذا طلّقت وهي حامل، وأول الحادي عشر: باب اللفظة، وسوى من أول الثاني عشر وأوله: «باب الشروط في الرقيق» إلى آخر الكتاب. وسمع على الشرف أبى بكر بن [محمد (٣٧) بن يوسف] الحراّنى كتاب العلم لأبى خيثمة، والمنتقى من مسند الحارث بن أبي أسامة، ومسلسلات الشّيمى السبعة بشرطها، انا بكتاب العلم، وسمع على البرهان إبراهيم بن صديق، الرسام (٣٨) أبوه، الدمشقي. «باب وقت العصر» وآخره «باب: يبدي ضبعيه: من صحيح البخاري المجلس وأوله «ويجافى في السجود»، والثالث والثلاثين وأوله «باب كلام الرب مع جبريل»، وآخره «آخر الصحيح بسماعه لجميع الصحيح على أبى العباس أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم، الحجار». ٣ - أحمد (٣٩) بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن عمر ، شهاب

стр. 19

الدين بن برهان الدين بن فلاح (بفاء ومهملة مخففا) النابلسي الحنبلي ثم الشافعي. ولد في عاشر رجب سنة إحدى عشرة وثمانمائة بنابلس، وقرأ بها القرآن حنبليا على مذهب أبيه، وحفظ كتبا في مذهب أحمد، ثم اتصل بالقاضي بهاء الدين بن حجى (٤٠) قاضى القضاة وناظر الجيش بدمشق، والقاضي كمال الدين البارزى كاتب السر بالقاهرة ودمشق، واختص بهما، فأمراه (٤١) بالتحوّل شافعيا ففعل، وتفقّه بالشيخ عبد الوهاب الحريري، وسمع الحديث من الشمس ابن ناصر الدين والشيخ عبد الرحمن أبى (٤٢) شعر، واشتغل بالنحو على الشيخ علاء الدين القابونى بدمشق والشيخ يحيى السيرامى (٤٣) لمّا قدم عليهم نابلس، ونظم الشعر كثيرا، غير أنه لا يرتضى ما يقع له منه، وتردّد إلى دمشق وسكنها ثم إلى القاهرة وسكنها مع هؤلاء الأكابر. وهو حلو الكلام، سريع الجواب، حلو النادرة، نزه المحاضرة. أنشدني يوم الأربعاء عاشر شعبان سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة قال: «اقترح القاضي بهاء الدين بن حجّى علىّ وعلى الجمال يوسف الباعوني أن نضمّن قول الشاعر «فوالله ما أدرى». البيت الآتي فقلت، وهو أول ما نظمت: أراك إذا ما مست يوما على الرّبى … تحنّ لك الورقا، ويبدو نحيبها

стр. 20

فوالله ما أدرى أأنت كما أرى؟ … أم العين مزهو إليها حبيبها؟ وقال الجمال الباعوني: أراك حبيب القلب تزهو لناظرى … وأن مرضت نفسي فأنت طبيبها فوالله ما أدرى … البيت. وحدثني الشهاب [أحمد بن إبراهيم بن محمد بن فلاح صاحب الترجمة] قال: حدثني والدي برهان الدين، قال حدثني الشيخ القدوة عبد الملك بن القدوة أبى بكر، الموصلي الأصل، نزيل بيت المقدس، قال: قال رأيت في ترجمة وزير لصاحب الموصل سماه (ولكن نسيه الشهاب) أنه تعاهد هو وصاحب الموصل أنه من مات منهما حمل إلى مكة المشرفة وطيف به أسبوعا حول البيت الشريف ثم يردّ إلى المدينة الشريفة فيدفن في رباط جمال الدين. قلت: هو جمال الدين محمد بن علي بن منصور الأصفهاني المعروف بالجواد، وهو الوزير المذكور، ورباط [جمال الدين الذي] أنشئوه وهو أقرب رباط هناك إلى القبر الشريف، وهو الذي في ركن المسجد القبلي، و [طلب أن] يكتب على باب الرباط «ثلاثة (٤٤) رابعهم كلبهم» فمات الوزير وفعل ذلك. قال الشيخ عبد الملك [بن أبي بكر] «فلما قرأت هذه الترجمة تاقت نفسي إلى أن أحجّ وأرى هذا المكتوب، فبينا أنا نائم ليلة إذ رأيت أنّى حججت ودخلت المدينة الشريفة وزرت قبر النبي ﷺ ، ثم لم تكن لي همة إلّا الرّباط لأرى تلك الكتابة، فلما رأيتها إذا هي أربعة أشطر، فجئت تأملتها فإذا هي: «لي سادة قرّبهم ربهم «رجوت أن يحصل لي قربهم «فقلت إذ قرّبنى حبهم

стр. 21

«ثلاثة، رابعهم كلبهم» (٤٥) فانتبهت من نومى فبادرت [إلى] كتابتها في الظلام على هامش كتاب خوفا من نسيانها. وحدثني (٤٦) الشهاب بن فلاح أنه كان بدمشق في بعض الحمامات بلّان كسيح يخدم الناس بالحلق والتغسيل وهو جالس، فرأى في منامه الشيخ رسلان-﵀-فقال له: «يا سيدي، انظر حالتي»، فقال له: «أنا لست في هذا المقام، ولكن سيدخل عليك اثنان فسلهما حاجتك» ثم خرج من عنده ودخل عليه اثنان فإذا هما النبىّ محمد وأبوه إبراهيم الخليل ﵉، فشكى حاله إليهما فقالا له: «قم»، فقام وأصبح صحيحا». قال الشهاب [صاحب الترجمة] «أنا رأيته كسيحا ثم رأيته صحيحا-وسمعت- أن سبب عافيته هذا المنام-من جمع لا يحصى». ٤ - أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد بن أبي الفتح بن هشام (٤٧) بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد، الإمام العلامة القاضي عزّ الدين، بن قاضى القضاة برهان الدين، بن قاضى القضاة ناصر الدين الكناني، العسقلاني الأصل، المصري الحنبلي، من بيت العلم والرياسة والدين والقضاء. ولد بالقاهرة في ذي القعدة سنة ثمانمائة، وتوفى (٤٨) أبوه قاضى القضاة برهان الدين، وعمر [ولده أحمد] دون السّنتين، فقرأ القرآن بعد وفاته، وحفظ كتبا، وتلا على الشيخ شمس الدين الزراتيتى تجويدا، وكتب على الشيخ عبد

стр. 22

الرحمن بن الصائغ الخطّ الجيد، وأقبل على التفهّم، فبحث على الشيخ عبد السلام البغدادي ملحة الأعراب، ثم الألفية، وطوالع الأنوار للأصفهاني في الكلام، وتلخيص المفتاح، وإيساغوجى، والشمسية، «وجمل الخومجى» ولازمه كثيرا، ولم ينتفع بأحد ما انتفع به، وأخذ علم الوقت عن الشهاب أحمد البرديني، وبحث على الشيخ شمس الدين الأبوصيرى (٤٩) «شذور الذهب» و «شرحه» و «الألفية»، وبحث فقه الحنابلة على قاضى القضاة مجد الدين سالم وقاضى القضاة محب الدين [أحمد] بن نصر الله البغدادي، وبحث عليه أصول الفقه، ولازم الجد والسهر. وكان له (٥٠) على مرّ الزمان وعثرة الإخوان صبر حتى صار إماما عالما بارعا مشارا إليه في زمن الشبيبة. ولى نيابة القضاء عن شيخه المجد سالم في حدود سنة ست عشرة وثمانمائة، ثم ناب لمن بعده، وهو في غاية من عزة النفس. ووقع من ابن نصر الله كلمة لا يليق إيرادها بحضرته فلم يل عنه، وهجره سنين عديدة حتى تردد إليه مرارا وأكثر السؤال له في ذلك، وطال هذا الأمر إلى أن لام الناس القاضي عزّ الدين وقامت عليه أمة حتى قبل أن يلي عنه في سنة أربعين وثمانمائة. وهو عفيف النفس جدا، مؤثر للانجماع في بيته وعدم التردد للناس، لم ينقل عنه أنه وصل إليه شئ من جهة القضاء، وحج سنة خمس عشرة، وزار القدس مرارا، ودخل دمشق، وصنّف التصانيف الحسنة نظما ونثرا، وله الشعر الحسن. مات ليلة السبت حادي عشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين (٥١) وثمانمائة.

стр. 23

٥ - أحمد بن إبراهيم بن يوسف الحنبلي ثم الصالحي ، القطان بصالحية دمشق، وسكن بها بقرب المدرسة (٥٢) العنابية، وأخوه يوسف الآتي. ولد ..... (٥٣) سمع على أحمد بن إبراهيم يونس الجزء الأول من «فوائد أبى عمرو»، انا عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق (٥٤) بن محمد بن يحيى بن مندة، أنبأنا القاضي سليمان بن حمزة، أنبأنا محمود بن مندة، أنبأنا أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد القاضي، أنبأنا أبو عمرو بن مندة. ٦ - أحمد بن أبي بكر بن علي بن إسماعيل، شهاب الدين ، الشيخ الصالح الشهير بابن شيخ السوق الحنبلي، بن الرسام الحموي، قاضى حلب. ولد تقريبا سنة ثلاث وستين (٥٥) وسبعمائة، وسمع جماعة، واشتغل بالعلم حتى أذن له بالإفتاء وصنّف، وولى قضاء حلب واستمر بها مدة، وكان يعمل الميعاد. وطبقته في العلم متوسطة في أدناها.

стр. 24

أجاز باستدعائى بحلب، وقرأت عليه «معجم الذهبي» اللطيف. أنبأنا قاضى حماة: الشهاب أحمد بن عبد الرحمن المرداوى (٥٦)، أنبأنا الحافظ شمس الدين بن محمد بن عثمان الذهبي، فذكره. ٧ - أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن قايماز (٥٧) بن عمر (٥٨) الكتاني (٥٩)، شهاب الدين البوصيري الشافعي الإمام المحدث، نزيل مدرسة السلطان (٦٠) حسن بالقرب من قلعة الجبل بالقاهرة، وسليم في أجداده، مفتوح الأول مكسور اللام. ولد في محرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة بأبو (٦١) صير من الغربية، فقرأ بها القرآن، ونشأ على محبة شديدة للعلم، وكان يمنعه من الرحلة فيه (٦٢) برّه

стр. 25

بأبيه، فاستفتى الشيخ عمر (٦٣) بن عيسى بقريتهم فأفتاه بالجواز فتلطف بأبيه إلى أن رضى فرحل، ولازم النور الأدمى فتفقه به، وحصلت له بركاته، وسمع دروس العز (٦٤) بن جماعة في المنقول والمعقول، ولازم الشيخ يوسف بن إسماعيل الإنبابى في الفقه، وسمع البرهان الشامي، والتقى ابن حاتم وغيرهم فأكثر، ولازم الشيخ زين الدين العراقي فبرع في علم الحديث وصنّف فيه وخرّج. ومن مصنفاته: «زوائد ابن ماجة على الكتب الستة» (٦٥)، مع الكلام على أسانيد (٦٦) العشرة للطيالسى، وعبد الحميد، وابن أبي عمر وإسحاق وابن منيع وأبى بكر بن شيبة وعبد والحارث [بن أبي أسامة] وأبى يعلى الموصلي على الستة فجاء في سبع مجلدات، تكلم (٦٧) فيه على الأسانيد، ثم اختصره في ثلاث مجلدات، واستدرك على «ترغيب المنذري» وسماه، «تحفة (٦٨) الحبيب للحبيب بما زيد على الترغيب والترهيب» فجاء في حجم «الترغيب»، وليس فيه حديث عند المنذري الّا إن كان فيه زيادة، وصنف «كتاب المدلسين» وكتاب المخلطين وغير ذلك. لقيته سنة ٨٣٤ بمنزل شيخنا ابن حجر، وأجاز لي مروياته ومصنفاته. أخبرني بالمسلسل بالأولية وهو أول. قال أنبأنا الزين العراقي وهو أول، وقال أنبأنا الميدومى كذلك بسنده. وكان كثير التواضع شديد الانقطاع عن الناس.

стр. 26

توفى يوم (٦٩) الأحد ثامن عشرى محرم سنة أربعين وثمانمائة بمدرسة السلطان حسن بعد أن نزل به الحال (٧٠) وخفّت ذات يده جدا وطالت علته، ووافق يوم وفاته وفاء النيل، ﵀ آمين. سمع جميع المجالس الخمسة وهي الثالث والرابع والسادس والسابع والحادي عشر من «أمالي أبى محمد الجوهري» على الحافظين شيخ الإسلام الزين العراقي والنور الهيثمي كما في أحمد بن محمد العقبى (٧١)، وسمع من البخاري من باب الصوم من آخر الشهر إلى آخر باب القرعة في المشكلات، والميعاد الأخير وأوله: «باب كلام الرب مع الأنبياء يوم القيامة» على البرهان إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد الشامي، والميعاد الأخير بمشاركة البرهان الأنباسى والشمس محمد بن محمد بن علي الغماري (٧٢) والزين عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك الغزي بن الشيخة، ومن باب قول الله (٧٣) ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ إلى آخر الكتاب بمشاركة الحافظ زين الدين أبى الفضل العراقي بسماع الأول لجميع الصحيح على أبى العباس الحجار، أنبأنا ابن الزبيدي سماعا والقطيعي والقلانسي وابن اللتي إجازة، قالوا أنبأنا أبو الوقت سماعا عليه لجميع الكتاب إلّا ابن اللتي «من باب غيرة النساء إلى آخر الكتاب فقط. قال الأنباسى «قرأت جميع الصحيح على الضياء محمد بن

стр. 27

عبد الرحمن بن محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسن القسطلاني إمام مقام المالكية بمكة المشرفة، عرف بالفقيه خليل (٧٤) المالكي، نا الشيخ العلامة الفخر عثمان بن محمد بن عثمان الإفريقى (٧٥) والرضى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري (٧٦) والجمال محمد بن أحمد بن خلف العبادي (٧٧) المدني، عرف بالمطرى-قال التوزرى: «أخبرني به جماعة منهم الحافظ رشيد الدين أبو الحسن يحيى بن عبد الله بن علي بن عبد الله العطار، أخبرنا البوصيري»، وقال الطبري أخبرنا جماعة منهم أبو عبد الله الهمداني، أنبأنا أبو الوقت إجازة عامة، وقال العبادي أخبرنا الحافظ شرف الدين الدمياطي أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد الله بن حسن بن محمد العمادي بحلب وأبو الحسن محمد بن أحمد بن عمر القطيعي، قالا أخبرنا أبو الوقت، وقال الغماري «أخبرني بجميع الصحيح قطب العارفين جمال الدين عبد الله بن أسعد اليافعي الشافعي بقراءتي عليه لبعضه وسماعا عليه لبقيّته، قال أنبأنا به الشيخ رضى الدين إبراهيم بن محمد الطبري المكي إمام مقام إبراهيم ﵇، أخبرنا أبو عبد الله بن محمد أبى البركات الهمداني، أخبرنا أبو الوقت إجازة عامة وبسماع الغماري أيضا لجميع الصحيح على الشيخ ضياء الدين المكي، خلا الميعادين الأخيرين، فأجازه له منه بسنده المقدم. وقال ابن الشيخة أخبرني به الشيخان الحافظ فتح الدين محمد بن الحافظ أبى عمرو محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري وشقيقه زين الدين أبو القاسم سماعا

стр. 28

عليهما خلا الميعاد الرابع من المجلد الرابع من تجزئة ستة أجزاء، قالا: أنبأنا عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصيقل الحراني، أنبأنا أبو المعالي هبة الله بن محمد بن يحيى، أنبأنا أبو الوقت، وقال العراقي أنبأنا ابن شاهد الجيش والإمام الحافظ قاضى القضاة علاء الدين أبو الحسن علي بن عمار بن مصطفى -عرف بابن التركماني-الحنفي قراءة عليهما وأنا أسمع، قال الأول أخبرنا المعين وابن رستق وابن عمون سماعا عليهما (٧٨)، قالا «من باب المسافر إذا جدّ به السير تعجل إلى أهله في أواخر كتاب الحج إلى أول كتاب الصيام، خلا من باب ما يجوز من الشروط في المكاتب» إلى قوله «باب الشروط في الجهاد»، وخلا من باب «غزو المرأة في البحر» إلى باب: «دعا النبي ﷺ إلى الإسلام»، فأجازه بينهم. قالوا أنبأنا التدمرى والأرتاحى بسندهما، وقال ابن التركماني أنبأنا به جماعة منهم أبو الحسن علي بن محمد بن هارون التازي (٧٩)، أنبأنا ابن الزبيدي صح بقراءة الشهاب الكلوتاتى في مجالس آخرها يوم الأحد ثامن عشر شعبان المكرم سنة خمس وتسعين وسبعمائة بجامع الأقمر (٨٠) بالقاهرة، وأجاز لكل (٨١) من المستمعين رواية ما (٨٢) له وعنه، وتلفّظ بذلك، ومن خطّ ضابط الأسماء يوسف بن محمد القحافى الحنفي «نقلت»، وصحح العراقي والأنباسى.

стр. 29

٨ - أحمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير (٨٣) بالتكبير-بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن محمد بن مسافر، الشيخ الإمام العالم قاضى القضاة شهاب الدين البلقيني ثم المحلى الشافعي الشهير بالعجيمى-مصغرا-. ولد سنة سبع وستين وسبعمائة (٨٤) في بلقينة (٨٥)، وتوفى أبوه صغيرا فانتقلت به أمه إلى المحلة (٨٦)، وحفظ بها القرآن وصلّى به، ثم انتقل إلى القاهرة إلى عمه شيخ الإسلام سراج الدين عمر، وحفظ «العمدة» و «المحرر» و «ألفية ابن مالك» وبعض «منهاج الأصول»، ومن أول التدريب إلى الفرائض، وكان يوصف بالدهاء والحيل وسوء السيرة في القضاء وغيره، لكن أخبرني الإمام (٨٧) أنه ما أخذ عمالة في مال يتيم قط، والله أعلم. وبحث على شيخ (٨٨) الإسلام في الفقه والأصول. وكذا على أخيه البهاء أبى الفتح رسلان، والنحو على سرحان المالكي والعلامة محب الدين محمد بن الجمال عبد الله بن هشام، وحضر دروس البرهان الأنباسى وناصر الدين محمد بن الميلق والبدر الطنبدى، وقرأ على الشهاب الأذرعى درسا واحدا، وقدم عليهم القاهرة واستمر

стр. 30

بالقاهرة إلى سنة أربع وثمانين فقدم (٨٩) المحلة واشتغل بها في الفقه على قاضيها العماد البارينى، وناب في الحكم العزيز بها عن قاضى القضاة عزّ الدين عبد العزيز بن سليم-بالتصغير-جد شيخنا المحب لله الإمام لأمه. وناب بالقاهرة عن الجلال البلقيني والولي العراقي والشهاب ابن حجر بالصالحية وغيرها، وولى قضاء بلاد كثيرة من نواحي القاهرة واستمرّ إلى سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة، سوى تخللات يسيرة. وصنّف في الفرائض كتابا سماه «الروضة الأريضة في قسمة الفريضة» قرظه له الجلال ابن عمه والجلال ابن خطيب داريا. قال لي إنه رأى النبىّ ﷺ مرتين، إحداهما أنه رأى إلى جانبه اثنين فوقع في قلبه أن أحدهما أبو بكر الصديق والآخر إمامنا الشافعي، قال ثم إن النبي ﷺ أعطاني سيفا وأشار إلى شخصين هناك أعرفهما (ولم يسمهما)، لكن قال إنهما من الفقهاء، وقال: «قاتل هذين» فأخذت السيف وحملت به عليهما وقلت لهما: قولا أشهد ألا اله الا الله وأشهد أن محمد رسول الله، وكررت ذلك فلم يقولا، ثم انتبهت. فاتفق بعد يومين أو ثلاثة أنى سمعت أن شخصا أسلم، وأنه يخاف أن يظهر الإسلام، فأرسلت إليه فأسلم على يدي، ثم تتابع من أسلم على يدي فبلغوا نيفا وثلاثين. وقال لي إنه سمع على عمه السراج البلقيني والسراج ابن الملقن والمعين عبد الله قيّم الكاملية والمعزّ أبى اليمن بن الكويك، وأنهم أجازوا له مروياتهم، وقال إنه سمع «سيرة ابن سيد الناس» على الفرسيسى (٩٠) و «صحيح البخاري» على عمه السراج.

стр. 31

اجتمعت به يوم الثلاثاء العشرين من شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بالمحلة بمنزله، فرأيته شيخا وقورا عنده عقل وتؤدة ودهاء وتودّد، وهو متّبع في كلامه وحكمه. *** حكى لي أن شيخ الإسلام سراج الدين أبا حفص البلقيني حكى له قال: «كان عم الشيخ عيسى بن عمر البسانى (٩١) -يعنى جد شيخنا الشيخ عيسى- أراد أن ينتقل من سمنود (٩٢) إلى محّلة (٩٣) خلف، فنزل تلك الليلة يتوضأ من البحر فرأى الجنّ وهم يقولون: ليت الغنى لو دام … وشملنا ملتام. قرأت عليه الجزء السادس من فوائد أبى طاهر المخلص بإجازته من السراجين البلقيني وابن الملقن بأخباره، بإجازتهما من أحمد بن كشتغدى بن عبد الله الصيرفي، بإجازة البلقيني من الشمس محمد بن غالى بن نجم الدمياطي (ابن الشماع) بسماعهما من النجيب عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، بسماعه من حماد بن هبة الله بن حماد الحراني، بسماعه من أبى القاسم سعيد بن البناء، بسماعه من الشريف ابن نصر الدبيثى (٩٤)، أنبأنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن المخلص، وهو جزء ضخم جدا أوله حديث ابن عمر في تفسير «يَوْمَ يَقُومُ ٩٥ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ»، وآخره «ولكنما في ذلك يرغبون».

стр. 32

ثم توفى بالمحلة عصر يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثماني مائة، ودفن صبيحة الثلاثاء، وصلّى عليه ولده القاضي عمر. وكان بجنازته (٩٦) خلق كثير وأثنوا عليه خيرا. ٩ - أحمد بن (٩٧) أبى السعود إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد بن علي السعودي (نسبة إلى الشيخ أبى السعود صاحب المزار بالقرافة)، المنوفى الشافعي، أبو العباس شهاب الدين بن أبي السعود، الفاضل الأديب البارع. ولد في شوال سنة أربع عشرة وثمانمائة بمنوف (٩٨)، فقرأ بها القرآن وصلّى به، وحفظ المنهاج للنووي،، وبحث بعضه على الشيخ برهان الدين الكركي، وبعض «الألفية» لابن مالك، ثم انتقل إلى القاهرة سنة تسع وعشرين وثمانمائة فحفظ بها الألفية ومنهاج البيضاوي، وبحث على الشيخ (٩٩) زين الدين القمنى

стр. 33

في الفقه وسمع منه، وأخذ عن الشيخ زين الدين عبد الرحمن الأبوتيجى (١٠٠) الفرائض والحساب فتقدم فيها، وكان يتنقل تارة بمنوف وتارة بالقاهرة، وتولع بالشعر حتى طارح الأدباء وعرف بينهم، وحل الأقفال ونظم الكثير، وشعره في درجة المقبول وأحسنه المقاطيع، ونثره أحسن من نظمه. وصف شيخنا أستاذ العصر أبو الفضل قاضى القضاة ابن حجر بعض قصائده «بعدم تمكن القوافي» فسمع بذلك فرده بكلام من لم يفهم ما معنى تمكن القافية. ومطولاته كلها-أو جلها-كثيرة الحشو لا سيما في القوافي، وهو لا يعلم من أدوات الأدب إلّا بعض غريبه، ولا عبرة بعلم العروض، فربما وقع له من قافية إلى أخرى، وذهنه متوسط، وعنده إعجاب مفرط، وزهو مانع. وفهمه قصير بالنسبة إلى دعواه العريضة وبه طيش، وهو على طريقة شيخه النواجى في ثلب الأعراض، والولع بالأحداث، والتشنيع بما لم يعط وبغض الناس له على ذلك، قلّ أن صحب أحدا إلّا آذاه بكلامه أو هجائه. أنشدني كثيرا من نظمه، وكنت أصلح له بعض القوافي. وأنشدني من نظمه يوم الأربعاء ثالث عشرين ربيع الآخرة سنة ثمان وثلاثين في مليح منجم (اسمه وفا). لمحبوبى المنجّم قلت يوما … فدتك النفس يا بدر الكمال برانى الهجر فاكشف عن ضميري … فهل يوما أرى بدري وفى لي؟ وأيضا في صدر رسالة: ولما بكيت الدمع بعدك والدما … ولم يبق في عيني الجريحة ما يجرى أهلت من التقريح أسودها وقد … كتبت به لمّا افتقرت إلى الحبر

стр. 34

وأيضا: لله بستان حللت بفتية … مع صاحب من بينهم ممقوت فتبسمت أزهاره، وتهللت … من زهره، واسودّ وجه التوت وأنشدني في مليح اسمه «على»: قل لي متى ظعنهم، جدّ السرى بعلى … وأي دمع عليه غير منهمل قد سارع الحزن بعد فرقتهم … فلا تسل عن مصابى يوم سار «على». وقال لي إن الشهاب أبا الطيب الحجازي قال له «اصنع قافية نتناظم (قال) «فقلت: «قافية غرامه، وسلامه»، ثم سكت قليلا فقلت بيتين على البديهة: قطع الوصل والسلام «سلامه» … وجفاني وما سلوت غرامه وألفت الجوى وكيف حياتي … بعد أن يقطع الحبيب «سلامه» قال: فحلف الشهاب بأن لا يناظمنى بعد هذا في شيء. هكذا أخبرني. وقد جرّبت عليه الكذب فالله أعلم. ثم سألت الشهاب الحجازي عن ذلك فكذّبه. وفي سنة خمس وأربعين قال قصيدة مطلعها: أجفانه من سهدها تتوجع … صبّ يموت وعينه تتطلّع فعارضه بعض الظرفاء (١٠١).

стр. 35

فاستأذن أبو البر المتوكل في معارضته وقال بديها: في أي سلح ترتطم … وبأي كف تلتطم ذقن الوليد البحتري … أبى عبادة في الرحم ووصله بما يشابهه من السخف فخرج البحتري مسرعا فقال: وعلمت أنك منهزم … وعملت إنك منهزم فضحك المتوكل حتى استلقى على قفاه، وأمر لأبى البر بعشرة آلاف درهم. ١٠ - أحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عمر بن خالد ، الشيخ شهاب الدين الإبشيطى الشافعي ثم الحنبلي. ولد [سنة (١٠٢) اثنتين وثمان مائة] في قرية إبشيط (١٠٣) من غربية مصر وقرأ بها القرآن، وحفظ بها العمدة والتبريزي، وتلا برواية ابن عمرو على الشيخ أحمد الهرمسى (١٠٤) (بالراء المهملة)، ثم انتقل إلى القاهرة للاشتغال، وأخذ الفقه عن الشهاب (١٠٥) السيرجى عم البرهان البيجورى (١٠٦) والشمس البرماوى وغيرهما.

стр. 36

و [أخذ] النحو عن الشيخ أحمد الصّنهاجى والشيخ ناصر الدين البار نبارى والقاضي محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وعنه أيضا أخذ فقه الحنابلة، والمنطق عن القاياتى وابن مصطفى القرماني والشيخ عبد السلام البغدادي، وأصول الدين والمعاني والبيان عن الشمس البدرشي والمحب بن نصر الله والشرف المكي شيخنا، وغيرهم. قال: وكان السبكي علّامة في حل منهاج البيضاوي، لا يلحق. وزار القدس والخليل، وسافر إلى حماة، وسمع الحديث على جماعة من مشايخنا كالتلوانى والسعد ابن الديري وغيرهم. وهو رجل فقير جدا، انتقل إلى مذهب الحنابلة لأجل وظيفة تصوف، وطلب في درس الحنابلة بالمؤيدية. وهو شديد الزّهد، يتصدق مع هذا الفقر من خبزه المرتّب في المؤيدية، وهو أربعة أرغفة في كل يوم، وليس في بيته شئ يفرشه فيه: لا حصير ولا غيره، وينام على باب هناك. وهو فاضل مشهور بالفضيلة والدين، يقرأ عليه بعض الطلبة. وكان قد حصل له اختلال ثم تراجع إليه عقله. أملي عليّ من نظمه في كتاب له في الألغاز سماه «كتاب ألغاز الرائض في فن الفرائض». وهو اللغز الأول، ويعرف بالبغدادى: ألا أيّها القاضي الهمام العالم … كفيت من يخشى ومن يسالم ونلت من رب العباد حفظا … ومن عباده الكرام لحظا ما قولكم في امرأة تشكو العنا … تقول: بعلى مات حقا معلنا

стр. 37

وأن حملى منه باعترافه … قد قارب الوضع مع انصرافه فإن تكن أنثى فنصف المال لي … أو ذكرا فنصفه لي منجلى وان وضعت الحمل منّى ميتا … وفيت كل ما يروع الفتى فالمال لي علامة الحكام … فتلك قصتي وذا كلامي جئنا بها بعد إذ نرجو حلها … إذا ببطش الدهر حلّ أهلها فمن رآه صاح في أمرا … مع العدا، ومع أمور أخرى فافتنا كيف يكون المخلص … فما وجدنا غيركم يفحص الجواب: «هذه امرأة شرت عبدا، فأعتقته وتزوجته، ثم توفى عنها حاملة منه ولا وارث له غيرها وغير حملها». ١١ - أحمد بن إسماعيل بن عثمان ، الإمام العلامة شهاب الدين الكوراني الشافعي. ولد سنة ثلاث (١٠٧) عشرة وثمانمائة كما أخبرني في قرية جلولاء (١٠٨) من معاملة كوران، وحفظ القرآن، واشتغل في فنون العلم، ثم انتقل إلى بلاد الجزيرة، وتلا بالسبع على الشيخ عبد الرحمن الجلالي، واشتغل عليه وعلى غيره، ففاق في المعقولات والأصلين والمنطق وغير ذلك، ومهر في النحو والمعاني والبيان، وبرع في الفقه. ثم انتقل إلى حصن كيفا (١٠٩) فدرس على الشيخ جلال الدين الحلواني في العربية، ثم قدم دمشق في حدود سنة ثلاثين وثمانمائة

стр. 38

فلازم الشيخ علاء الدين [عليا] البخاري وانتفع به. ثم قدم القاهرة في سنة خمس وثلاثين فاشتهر بالفضيلة، وصحب الأكابر من الأمراء والمباشرين فحظى عندهم، وبعد صيته، ورتّبت له المرتبات، وصار يعدّ من الأعيان بالقاهرة، ولازم الشيخ شمس الدين الشروانى كثيرا، وأكبّ على الاشتغال، وحضر المجالس الكبار: مجلس قراءة البخاري بحضرة السلطان وغيره. وناظر فذكر بالطلاقة والبلاغة والجرأة الزائدة والبراعة، فلما ولى الظاهر جقمق-وكان يصحبه-تردد إليه وصار أحد ندمائه وخواصّه فأقبلت إليه الدنيا. وكانت له رغبة في النساء، وكان مطلاقا فتزوج النساء المذكورات بالجمال والمال والرياسة، ثم إنه وقع بينه وبين حميد الدين البغدادي. [الذي] يقال إنه من ذرية الإمام أبي حنيفة-كلام وصلا فيه إلى المشاتمة في سنة أربع وأربعين، وكان الشيخ شمس الدين الكاتب الرومي الأنكردى عائبا عليه في بعض الأمر فذكر للسلطان أنه شتم أجداد حميد الدين، فدخل فيهم الإمام أبو حنيفة، وأن له عادة بانتقاص العلماء، وشهد بذلك القاضي بدر الدين بن عبيد الله فقبض على الكوراني وسجن في البرج، وادّعى عليه عند قاضى القضاة: سعد الدين بن الديري الحنفي، وأثبتوا أن حميد الدين من ذرية أبي حنيفة، وممّن شهد بذلك شيخنا الشيخ عبد السلام البغدادي وتكلّم فيه بسبب هذه الشهادة، فإنّ قاضى القضاة محب الدين البغدادي الحنبلي وغيره من مشايخ بغداد قالوا إنهم لم يسمعوا أحدا من أسلاف المذكور يذكر أنهم من ذرية الإمام، فلما ثبت ذلك عزر الكوراني بأن ضرب نحوا من ثمانين عصا بحضرة السلطان [بل (١١٠) وأمر بنفيه وأخرج عنه تدريس الفقه بالبرقوقية، وكان قد استقر فيه بعد ابن يحيى، وخرج الشهاب منفيا-بعد أن باع أثاثه وأخرجت وظائفه ومرتباته-إلى دمشق وهي من مملكة السلطان] فاجتهد في

стр. 39

الرجوع وهرب من المترسمين عليه غير مرة، وتوسل بكل وسيلة فلم يجب السلطان إلى ذلك، وهرب، وتوصل في إحدى هرباته إلى «الطور» ليحجّ من البحر فقبض عليه وكوتب السلطان فيه فلم يمكنه من ذلك، وردّه مرسّما عليه، مضيقا عليه فوصل إلى «اللجون (١١١)»، ثم هرب من الموكلين به وأوهم أنه ذاهب إلى الناصر، ثم عطف إلى «عيون (١١٢) التجار» ثم عطف إلى «سيدي شعيب» فدعا في مقامه، ثم ذهب إلى صفد فأقام بها أياما، ثم ذهب إلى طرابلس، ثم ذهب إلى حلب، وله في ذلك عجائب. ثم دخل إلى بلاد الروم فاجتمع بعلمائها وناظرهم فراج عليهم، وكان قاضى العسكر بها ولى الدين الأنكردى وكان صاحب الكاتب وبلديّه فأرسل الكاتب إليه أن يفسد سور الكوراني وكاد يفعل. وكان ولى الدين شريفا من جهة الأم فمدحه بقصيدة أولها: حديث شجونى في الغرام مسلسل … وصبري موقوف ودمعي مرسل وحقّ علوّ قد وطأت سنامه … وجنح ظلام قمت فيه تبتّل ففي الكون لم يظفر سواك بمدحتى … ولا ترتضى نفسي الأبية تقبل ولكنني أعطيت ذا الحقّ حقّه … فإنك في الدهر الأغرّ المحجل لأنك من جنس النبوّة بضعة … وفي (١١٣) مدحكم نظم القوافي مرتل ومدحك في عقدي زيادة منّة … وزاريك غاو، بل كفور مضلّل بحقّك لا تعبأ بغيري فإنني … أنا الجوهر الأعلى وغيرى السّجذجل (١١٤)

стр. 40

لجدّك حكم قد رواه ثقاتنا … لكلّ امرئ قدر عليه ينزّل وتقديم غيرى (١١٥) لم يكن وفق حكمه … إذا العقل يأبى أن يعلّى المسفّل حنانيك لا تجنح إلى فعل مثله (١١٦) … فرأيك أعلى، والسجيّة أعدل فلما أعطاه هذه القصيدة وأشار بالسفل فيها إلى بعض الجهال الذين يرفع منهم الولي المذكور قال لبعض أصحاب الكوراني: «نحن كنا غالطين فيه .... هذا لا يطاق، وكنت عازما أن أبعده عنا، ولكن تحرر لي أنه من كبار الفضلاء فلا يحلّ أن يبعد». ثم رفع من مقداره. ثم لم يلبث أن مات. وكان قدم إلى بلاد الشام سنة تسع وخمسين وثمانمائة، فأتاه كتاب السلطان محمد بن السلطان مراد أن يقدم عليه إلى الروم. وحج سنة إحدى وستين. ومدح الشهاب الكوراني [السلطان] محمد بن السلطان مراد بقصيدة طويلة [مطلعها]: لميا إذا أسفرت عن ثغرها الشّنب … سارت بلبى، وأسرى بعده أربى ومنها فهذه حالتي بالعين تنظرها: … القلب في صفد، والعين في حلب فسرت مختفيا، والدهر يتبعني … عساه ينصفنى من جورها «جلبي» سلطاننا الباهر الباهى له شرف … يسمو على البدر (١١٧) والجوزاء والشهب ومنها: رد الحشاشة في الإسلام بعد شفا … بسيفه العاضب اللّماع ذي الشّطب يجرّهم كوحوش البيد إذ قدمت … ترجو قراك، وذا من أقرب القرب
следующие страницы →