و [أخذ] النحو عن الشيخ أحمد الصّنهاجى والشيخ ناصر الدين البار نبارى والقاضي محب الدين بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وعنه أيضا أخذ فقه الحنابلة، والمنطق عن القاياتى وابن مصطفى القرماني والشيخ عبد السلام البغدادي، وأصول الدين والمعاني والبيان عن الشمس البدرشي والمحب بن نصر الله والشرف المكي شيخنا، وغيرهم.
قال: وكان السبكي علّامة في حل منهاج البيضاوي، لا يلحق.
وزار القدس والخليل، وسافر إلى حماة، وسمع الحديث على جماعة من مشايخنا كالتلوانى والسعد ابن الديري وغيرهم.
وهو رجل فقير جدا، انتقل إلى مذهب الحنابلة لأجل وظيفة تصوف، وطلب في درس الحنابلة بالمؤيدية.
وهو شديد الزّهد، يتصدق مع هذا الفقر من خبزه المرتّب في المؤيدية، وهو أربعة أرغفة في كل يوم، وليس في بيته شئ يفرشه فيه: لا حصير ولا غيره، وينام على باب هناك. وهو فاضل مشهور بالفضيلة والدين، يقرأ عليه بعض الطلبة.
وكان قد حصل له اختلال ثم تراجع إليه عقله.
أملي عليّ من نظمه في كتاب له في الألغاز سماه «كتاب ألغاز الرائض في فن الفرائض».
وهو اللغز الأول، ويعرف بالبغدادى:
ألا أيّها القاضي الهمام العالم … كفيت من يخشى ومن يسالم
ونلت من رب العباد حفظا … ومن عباده الكرام لحظا
ما قولكم في امرأة تشكو العنا … تقول: بعلى مات حقا معلنا
стр. 37
وأن حملى منه باعترافه … قد قارب الوضع مع انصرافه
فإن تكن أنثى فنصف المال لي … أو ذكرا فنصفه لي منجلى
وان وضعت الحمل منّى ميتا … وفيت كل ما يروع الفتى
فالمال لي علامة الحكام … فتلك قصتي وذا كلامي
جئنا بها بعد إذ نرجو حلها … إذا ببطش الدهر حلّ أهلها
فمن رآه صاح في أمرا … مع العدا، ومع أمور أخرى
فافتنا كيف يكون المخلص … فما وجدنا غيركم يفحص
الجواب:
«هذه امرأة شرت عبدا، فأعتقته وتزوجته، ثم توفى عنها حاملة منه ولا وارث له غيرها وغير حملها».
١١ - أحمد بن إسماعيل بن عثمان
، الإمام العلامة شهاب الدين الكوراني الشافعي.
ولد سنة ثلاث (١٠٧) عشرة وثمانمائة كما أخبرني في قرية جلولاء (١٠٨) من معاملة كوران، وحفظ القرآن، واشتغل في فنون العلم، ثم انتقل إلى بلاد الجزيرة، وتلا بالسبع على الشيخ عبد الرحمن الجلالي، واشتغل عليه وعلى غيره، ففاق في المعقولات والأصلين والمنطق وغير ذلك، ومهر في النحو والمعاني والبيان، وبرع في الفقه.
ثم انتقل إلى حصن كيفا (١٠٩) فدرس على الشيخ جلال الدين الحلواني في العربية، ثم قدم دمشق في حدود سنة ثلاثين وثمانمائة
стр. 38
فلازم الشيخ علاء الدين [عليا] البخاري وانتفع به. ثم قدم القاهرة في سنة خمس وثلاثين فاشتهر بالفضيلة، وصحب الأكابر من الأمراء والمباشرين فحظى عندهم، وبعد صيته، ورتّبت له المرتبات، وصار يعدّ من الأعيان بالقاهرة، ولازم الشيخ شمس الدين الشروانى كثيرا، وأكبّ على الاشتغال، وحضر المجالس الكبار: مجلس قراءة البخاري بحضرة السلطان وغيره.
وناظر فذكر بالطلاقة والبلاغة والجرأة الزائدة والبراعة، فلما ولى الظاهر جقمق-وكان يصحبه-تردد إليه وصار أحد ندمائه وخواصّه فأقبلت إليه الدنيا.
وكانت له رغبة في النساء، وكان مطلاقا فتزوج النساء المذكورات بالجمال والمال والرياسة، ثم إنه وقع بينه وبين حميد الدين البغدادي.
[الذي] يقال إنه من ذرية الإمام أبي حنيفة-كلام وصلا فيه إلى المشاتمة في سنة أربع وأربعين، وكان الشيخ شمس الدين الكاتب الرومي الأنكردى عائبا عليه في بعض الأمر فذكر للسلطان أنه شتم أجداد حميد الدين، فدخل فيهم الإمام أبو حنيفة، وأن له عادة بانتقاص العلماء، وشهد بذلك القاضي بدر الدين بن عبيد الله فقبض على الكوراني وسجن في البرج، وادّعى عليه عند قاضى القضاة: سعد الدين بن الديري الحنفي، وأثبتوا أن حميد الدين من ذرية أبي حنيفة، وممّن شهد بذلك شيخنا الشيخ عبد السلام البغدادي وتكلّم فيه بسبب هذه الشهادة، فإنّ قاضى القضاة محب الدين البغدادي الحنبلي وغيره من مشايخ بغداد قالوا إنهم لم يسمعوا أحدا من أسلاف المذكور يذكر أنهم من ذرية الإمام، فلما ثبت ذلك عزر الكوراني بأن ضرب نحوا من ثمانين عصا بحضرة السلطان [بل (١١٠) وأمر بنفيه وأخرج عنه تدريس الفقه بالبرقوقية، وكان قد استقر فيه بعد ابن يحيى، وخرج الشهاب منفيا-بعد أن باع أثاثه وأخرجت وظائفه ومرتباته-إلى دمشق وهي من مملكة السلطان] فاجتهد في
стр. 39
الرجوع وهرب من المترسمين عليه غير مرة، وتوسل بكل وسيلة فلم يجب السلطان إلى ذلك، وهرب، وتوصل في إحدى هرباته إلى «الطور» ليحجّ من البحر فقبض عليه وكوتب السلطان فيه فلم يمكنه من ذلك، وردّه مرسّما عليه، مضيقا عليه فوصل إلى «اللجون (١١١)»، ثم هرب من الموكلين به وأوهم أنه ذاهب إلى الناصر، ثم عطف إلى «عيون (١١٢) التجار» ثم عطف إلى «سيدي شعيب» فدعا في مقامه، ثم ذهب إلى صفد فأقام بها أياما، ثم ذهب إلى طرابلس، ثم ذهب إلى حلب، وله في ذلك عجائب.
ثم دخل إلى بلاد الروم فاجتمع بعلمائها وناظرهم فراج عليهم، وكان قاضى العسكر بها ولى الدين الأنكردى وكان صاحب الكاتب وبلديّه فأرسل الكاتب إليه أن يفسد سور الكوراني وكاد يفعل.
وكان ولى الدين شريفا من جهة الأم فمدحه بقصيدة أولها:
حديث شجونى في الغرام مسلسل … وصبري موقوف ودمعي مرسل
وحقّ علوّ قد وطأت سنامه … وجنح ظلام قمت فيه تبتّل
ففي الكون لم يظفر سواك بمدحتى … ولا ترتضى نفسي الأبية تقبل
ولكنني أعطيت ذا الحقّ حقّه … فإنك في الدهر الأغرّ المحجل
لأنك من جنس النبوّة بضعة … وفي (١١٣) مدحكم نظم القوافي مرتل
ومدحك في عقدي زيادة منّة … وزاريك غاو، بل كفور مضلّل
بحقّك لا تعبأ بغيري فإنني … أنا الجوهر الأعلى وغيرى السّجذجل (١١٤)
стр. 40
لجدّك حكم قد رواه ثقاتنا … لكلّ امرئ قدر عليه ينزّل
وتقديم غيرى (١١٥) لم يكن وفق حكمه … إذا العقل يأبى أن يعلّى المسفّل
حنانيك لا تجنح إلى فعل مثله (١١٦) … فرأيك أعلى، والسجيّة أعدل
فلما أعطاه هذه القصيدة وأشار بالسفل فيها إلى بعض الجهال الذين يرفع منهم الولي المذكور قال لبعض أصحاب الكوراني: «نحن كنا غالطين فيه .... هذا لا يطاق، وكنت عازما أن أبعده عنا، ولكن تحرر لي أنه من كبار الفضلاء فلا يحلّ أن يبعد».
ثم رفع من مقداره. ثم لم يلبث أن مات.
وكان قدم إلى بلاد الشام سنة تسع وخمسين وثمانمائة، فأتاه كتاب السلطان محمد بن السلطان مراد أن يقدم عليه إلى الروم.
وحج سنة إحدى وستين.
ومدح الشهاب الكوراني [السلطان] محمد بن السلطان مراد بقصيدة طويلة [مطلعها]:
لميا إذا أسفرت عن ثغرها الشّنب … سارت بلبى، وأسرى بعده أربى
ومنها
فهذه حالتي بالعين تنظرها: … القلب في صفد، والعين في حلب
فسرت مختفيا، والدهر يتبعني … عساه ينصفنى من جورها «جلبي»
سلطاننا الباهر الباهى له شرف … يسمو على البدر (١١٧) والجوزاء والشهب
ومنها:
رد الحشاشة في الإسلام بعد شفا … بسيفه العاضب اللّماع ذي الشّطب
يجرّهم كوحوش البيد إذ قدمت … ترجو قراك، وذا من أقرب القرب
стр. 41
ومنها:
محمد: أنت فخر القوم قاطبة … سمىّ بدر سما من أنجم العرب
ومنها:
رياض مدحك أزهار مفتحة … وصوت شعري لها كالبلبل الطّرب
وآخرها:
لك البقاء مدى الأيام فوق علا … وضدّك الأبتر المخذول في نصب
*** وأنشدني من لفظه ما ألغزه في لقب القاضي زين الدين عبد الباسط بن خليل ناظر الجيوش:
أتيت بلغزى باسم من فاق (١١٨) رتبة … على كوكب الجوزاء والشمس والبدر
تفطّن له من غير فكر فإنه … هو الغرّة الغراء في جبهة (١١٩) الدهر
ولا تحصرن يوما جميل صفاته … فحاصرها ما عاش لم ينج (١٢٠) من حصر
فشطر اسمه إن فات شخصا فلم تجد … سبيلا إلى نيل المفاخر في العمر
وفي شطره الثاني اجتهد، ذا تأمل … فمن فاته يوما تواصل بالكفر
وفي آخر الشطرين حرف مكرر … وذلك حيوان توطّن في البحر
وجملته وصف لنفس كريمة … بها قام أصل المجد والعزّ والفخر
أتتك عويصات المعاني فكن لها … فهيما بلطف في التدبّر والفكر
فإن (١٢١) كان عيب فليكن ذا مروءة … وعجمتى العجما موضّحة العذر
***
стр. 42
وأرسل إلىّ من بلاد الروم قصيدة رائية نظم فيها علم العروض، أجاد فيها في العلم وإن كان نظمها وسطا. نظمها للسلطان محمد بن مراد بن عثمان سماها «الشافية (١٢٢)، في علم العروض والقافية» وهي في ستمائة بيت، أولها:
بحمد (١٢٣) إله الخلق ذي الطول والبرّ … بدأت بنظم طيبه عبق النشر
وثنيت حمدى بالصلاة لأحمد … أبى القاسم المحمود في كربة الحشر
صلاة تعمّ الآل والشّيع التي … حموا وجهه يوم الكريهة بالنّصر
*** وأنشدني أيضا ما أنشأه وكتبه للقاضي كمال الدين كاتب السر ابن البارزى (١٢٤) بقلم اخترعه، فحلّه:
سموت مقاما لا يضاهيك مفرد … تحل رموزا ما لهنّ مثال
أتنك رموزى طائعات تواضعا … وقد كلّ عن تصويرهنّ خيال
عرائس أشكال حجبن عن الورى … وكشفك إيّاها لهنّ «كمال»
وأنشدني أيضا من قصيدة مدح بها النبىّ ﷺ .
لقد جاد شعري في علاك فصاحة … وكيف وقد جادت به ألسن الصخر
لئن كان كعب قد أصاب بمدحه … يمانيّة تزهو على التّبر في القدر
فلى أمل يا أجود (١٢٥) الناس بالعطا … ويا عصمة العاصين في ربقة الحشر
شفاعتك العظمى تعم جرائمى … إذا جئت صفر الكف محتمل الوزر
стр. 43
١٢ - أحمد بن حسن الرّباط بن علي بن أبي بكر
، عمّى، الفقيه شهاب الدين أبو يوسف وأبو أحمد الرّباط (بضم الراء)، وهو لقب والده لأنه كان طويلا فشبهوه بالرباط الذي تربط به الأشياء، وهو بالكسر لكنهم لحنوا فيه فضمّوه.
ولد الفقيه أحمد [بن حسن الرباط] بعد سنة سبعين وسبعمائة فيما أحسب بقرية خربة روحا (١٢٦) (بالراء المهملة المفتوحة، بعدها واو ساكنة، ثم حاء مهملة بعدها ألف، من البقاع العزيز، ونشأ بها فحفظ القرآن، وكتب الخط الحسن، وتعاني الكتابة إلى أن مهر في صنعة التّرسّل وكان يرتزق منها عند التركمان (١٢٧).
وكان شكلا منعّما، ذا بزّة حسنة ورفاهية ظاهرة (١٢٨).
سمعته يقول: «من أراد أن يغتسل بالماء البارد في زمن البرد ولا يضرّه فليقل: يا ماء لا تؤذين، أشكيك غدا لرب العالمين».
فكنت إذا اغتسلت قلته فوجدته صحيحا مع أنى لا أغتسل بالماء الا باردا، وربما اغتسلت والثلج ينزل على جسمي.
علمني (١٢٩) الكتابة برهة، واستفدت منه إلى أن نزلت بساحته المنون قبل سنة (١٣٠) عشرين وثمانمائة، ﵀.
وخلّف ثلاثة أولاد: يوسف وأحمد حملا، ورضيعا، وستّ العمائم.
стр. 44
قدم يوسف [بن أحمد بن حسن الرّباط] إلى القاهرة في حدود سنة أربعين فعلّمته (١٣١) الكتابة في دون شهر فأجاد، ولو كتب على كاتب ولازم لفاق فيها أهل الزمان، ثم تعلّم صنعة تجليد الكتب فصار يعد من رؤوسهم في دون ثلاث سنين.
وهو ديّن عفيف شجاع في سجيّته (١٣٢)، نظم الشعر، وهو الآن في دمشق، جبره الله تعالى وإيانا، آمين.
١٣ - أحمد بن حسين بن حسن بن علي بن رسلان
، الشيخ شهاب الدين الرملي، الشهير بابن (١٣٣) رسلان، الشافعي، الإمام العالم العلامة الورع الزاهد الرباني العارف بالله (١٣٤) تعالى، المنقطع إليه، بركة البلاد المقدسة.
ولد (١٣٥) سنة ثلاث أو خمس وسبعين وسبعمائة بالرّملة ونشأبها، وحفظ القرآن، وكان أبوه تاجرا، وبلغني أنه أجلسه في حانوت لبيع البز فكان يقبل على المطالعة ويهمل أمره (١٣٦)، فظهرت فيه الخسارة، فلامه والده على ذلك فقال:
«أنا لا أصلح إلا للمطالعة»، فأسلم إليه قياده فلازم الاشتغال، وحفظ، وقدم إلى الرملة (١٣٧) على شيخ مغربى نحوىّ كان يقرر من الألفية كل بيت بربع درهم ولزمه، وكان يقرأ عليه كلّ يوم ثمانية أبيات يبحثها بحث شحيح ضاع في الترب خاتمه، ويتلقى معانيها تلقى جواد أمامه ضيف ينادمه،
стр. 45
فما فرغ من بحثها إلا وهي من كثرة التنقيب قد رسخت، وما نزع من حلها إلا وعقود جمانها كالبحار كلما أراد سخت، ثم ركب مطايا الهمم في العبادة والاشتغال، فما وضع رحله ولا أراح رجله حتى فاز من كعبة الأماني بالوصال، طالما طوى في بيداء الأفكار الأيام والليالي، وكنش (١٣٨) قفار التأميل بمياه بحر الدليل والتعليل السلسال، ونثر في طلب الكمال، إذ حاد عن طرق أهل الزيغ والضّلال [وبذل] كل جمان ومال، وخاض شدائد الطلب حتى هال أصحابها إذ هال كل نفيس (١٣٩) وغال، وكان بعد ذلك يجيد حلها للناس حتى اشتهر بحسن إقرائها.
وتفقه على القرقشندى، وشارك في جميع الفنون إلى أن صار إماما عالما في كل منها لكثرة مذاكرته بما يعرفه، وقصده الخير، وهو مع ذلك شديد الملازمة للخيرات والعبادة، لا تعرف له صبوة.
ثم انقطع وهو مقيم تارة في القدس وتارة في الرملة، لا يخلّى سنة من السنين عن المرابطة على جانب البحر بالأسلحة الجيّدة، ويحثّ أصحابه على الشجاعة ومعالى الأخلاق، ويدعو إلى اللّه سرا وجهرا، ويأخذ على أيدي الظّلمة، مع محبة الخمول، والشغف بعدم الظهور، لا يقبل لأحد شيئا.
عرضت عليه أشياء من زينة الدنيا فلم يقبل شيئا منها، من جملتها أن الأمير حسام الدين حسن ناظر القدس والخليل ونائبهما كان بنى في القدس مدرسة وقرره شيخا بها وجعل له عشر دراهم فضة كل يوم فأبى، ولم يصل إليه شيء من المال ممّا يقصد (١٤٠) به ليفرّقه على الفقراء بل يأمر صاحبه أن يتعاطى تفرقته إن شاء.
стр. 46
وله في الرملة زاوية (١٤١) يقيم بها من أراد أن ينقطع إليه فيواسيهم بما لديه على خفّة ذات اليد، ويقرئ بها، وأرسل له المال مرارا ليفرّقه على مستحقيه فيأبى أن يدخل في شيء من تعلقه.
وحكى لي أن طوغان-نائب القدس وكاشف الرملة-طلب منه على لسان الشيخ كفّ شيء من الظلم فأبى وقال:
«طوّلتم علينا بابن رسلان، إن كان له سرّ فليرم هذه النخلة»، وأشار إلى نخلة قريبة منه، فهبّت عليها ريح فكسرتها، فتوجّه من ساعته إلى الشيخ واستغفر، فقال له الشيخ: «ما الخبر؟» «فحكيت له الحكاية فقال» لا قوة إلا بالله، من اعتقد أنّ رمى هذه النخلة كان بسببي أولى فيه تعلّق ما فقد كفر، فتوبوا إلى الله من هذه الواقعة وجددوا إسلامكم فإن الشيطان أراد أن يستزلكم» ففعلوا ما أمرهم به، وتوجهوا.
[وكان] وهو بالرملة يقرئ بها القرآن الأطفال وغيرهم لله تعالى، ويشغلهم في «النفحة الوردية» في النحو و «بهجة ابن الوردي» وغيرهما على حسب ما يراه من نجابة الشخص، وانتفع به خلق كثير منهم:
الشيخ الإمام العلامة أبو الأسباط شهاب الدين أحمد المذكور في هذا المعجم، وهو كثير العبادة لم أر ولم أسمع في زمانه بمثله في الزهد والورع والدين والعلم سوى الشيخ تقى الدين الحصني (١٤٢)، الشيخ عبد الرحمن أبى شعرة وعلي بن كنون (١٤٣) الحنبليّين المذكورين مع إجماع الناس على هذا، وخلاف بعض من لا معرفة له في أولئك.
لا نراه ساعة من الساعات إلا في عبادة.
стр. 47
أخبرني (١٤٤) صهره شيخنا العلامة الحافظ تاج الدين بن الغرابيلى (١٤٥) أنه كان قليلا ما يهجع من الليل، وأنه في وقت انتباهه ينهض (١٤٦) قائما كالأسد لعل قيامه يسبق كمال استيقاظه، يقوم كأنه مذعور فيتوضأ ويقف بين يدي ربه يناجيه بكلامه مع التأمل والتدبر، فإذا أشكل عليه معنى آية أسرع في تينك (١٤٧) الركعتين ونظر في التفسير حتى يعرف ذلك، ثم يرجع إلى الصلاة.
ولما سافر السلطان (١٤٨) إلى بلاد ابن قرايلك (١٤٩) هرب من الرملة إلى القدس في ذهابهم وإيابهم (١٥٠) لئلا يجتمع به أحد من الظّلمة، وبالجملة فهو في زماننا كسفيان (١٥١) الثوري في زمانه في كل معانيه، فالله تعالى يطيل (١٥٢) بقاءه رحمة للعباد، ويرزقنا وإياه الثبات على طريق الرشاد.
له تصانيف كثيرة نافعة من أجلّها «شرح سنن أبي داود» في أحد عشر مجلدا، واختصره بضبط ألفاظه، وشرح «جمع الجوامع» المسمى «لمع
стр. 48
اللوامع» في مجلد، وهو مدمج في شرحه على طريقة السعد التفتازاني في شرح المختصر، وله منهاج البيضاوي كذلك في مجلدين، وله «تصحيح الحاوي» و «ألفية نظم في الفقه» عظيمة الجدوى اعتمد فيها غالبا على زبدة (١٥٣) البارزى «وسمّاها صفوة الزبدة وإيضاحها» في مجلد، وشرح السيرة النبوية نظم العراقي، واختصر «شرح البخاري» ووصل فيه إلى الحج، وشرح أحاديث ابن أبي حمزة، وقطعة من «ضبط ألفاظ الشفا» لعياض، وقطعة من «شرح البهجة» لابن الوردي، وشرح «الحاوي» لم يكمل، وقطعة من «شرح الملحة» من حروف الجر إلى آخر الكتاب، وقطعة من تفسير القرآن العظيم واستشكالات على التنقيح [للزركشى] والكرماني، كمل منها مجلد، و «مختصر حياة الحيوانات» للدميري مع زيادات فيه، وقطعة من «النباتات»، وسمع البخاري أجمع على أبى الخير أحمد بن الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدى العلائي، أنبأنا الحجار، أنبأنا ابن الزبيدي، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا الداودي، أنبأنا الحموي أنبأنا العزيزي (١٥٤)، أنبأنا البخاري.
وسمع الموطأ رواية يحيى بن بكير على السراج ابن جعفر عمر بن محمد ابن علىّ الصّالحى ثم البصروى المعروف بابن الزّركشى بالرملة سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة بسماعه من مكرم بن محمد بن حمزة بن أحمد بن فارس الكردي سماعا سوى من كتاب الرهون إلى آخر الكتاب فأجازه، انا الحسن بن الفرج الأزدي الغزي، أنبأنا يحيى بن بكير فذكره.
ومن نظمه:
لفاتحة أسماء عشر وواحد … فأم كتاب والقرى ووافيه
صلاة مع الحمد الأساس ورقية … شفا، كذا السبع المثاني وكافيه
أنشدني لنفسه بقراءتي عليه بالقدس الشريف بالجنينة جوار المسجد الأقصى في عشر محرم سنة سبع وثلاثين وثمانمائة في الأمور التي يكتسبها الاسم بالإضافة.
стр. 49
فأنّث لتنبيه، وعرّف بلفظه … وذكر بتصدير، وخصص مخففا
شفا مثل ما ابن كل حين أناره … ومثل حمى صدق لطالب الاكتفا
أي أن الاسم إذا أضيف إلى مؤنث اكتسب التأنيث مثل «شَفا» في قوله «﴿شَفا حُفْرَةٍ ١٥٥ مِنَ النَّارِ﴾» لما أضيف إلى حفرة أنّث ضميره فقيل ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾. وإذا أضيف إلى مبنىّ أكسبه البناء كقوله «مِثْلَ» لما أضيفت إلى ما «في قوله تعالى (١٥٦) ﴿مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، بنى مثل ما على الفتح ولولا ذلك لكان مرفوعا.
وإذا أضيف إلى معرف اكتسبه التعريف «كابن» لمّا أضيفت إلى الياء في في قوله تعالى (١٥٧) ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، أو إلى ظرف النسبة الظرفية مثل «كان» لما أضيفت إلى «حين» التي هي ظرف زمان في قوله تعالى ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ ١٥٨ حِينٍ﴾، أو إلى مذكر اكتسب التذكير مثل «إنارة» لما أضيف إلى «العقل» في قوله الشاعر:
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى … وعقل عاصى الهوى يزداد تنويرا
وصفها بقوله «مكسوف». أو أضيف إلى ما لا يستحق التصدير إلى ماله الصدر يصدر، مثل «فتى» في نحو قوله «فتى من أنت»؟
وإذا أضيف إلى النكرة اكتسب التخصيص مثل «حمى صدق»، فإذا كانت الإضافة غير مخصصة أفادت التخصيص بسقوط التنوين فقط، مثل «طالب الاكتفا».
وأنشدني كذلك لنفسه في الأمور المحتاجة للروابط:
ألا إن محتاج الروابط عشرة … مفسرة، موصولة، وصفت، بدل
جواب اسم شرط، لفظ تأكيد مخبر … وما شبهت مع ما تنازع في العمل
стр. 50
وقال لي: «في الصحيحين خمس فواسق تقبل في الحل والحرم انتهت روايتها لتسع يجمع علة التسع الأذى، فجمعتها في بيتين، وأنشدنيهما في التاريخ والمكان كذلك وهما:
تسع فواسق للحلال ومحرم … يقتلن مع شبه الأذيه
كلب، غراب، ذيب، نمر، عقرب … حدأة، فار، عقور، حيه
هكذا قال «أذيه» وهي «فعول» ولا يجوز ذلك في الكامل، فلو قال «يقتلني مع شبه له «أذيه» ورفع تاء التأنيث في البيتين لكان حسنا.
وأنشدني كذلك لنفسه وقال:
تواضع وكن في الناس سهلا ميسرا … لتلقى لهم من فيك درا وجوهرا
وإياك يبس الطبع فيهم ترفعا … عليهم فتوصف (١٥٩) بالقبيح وتزدرى
أما ترى الزرع في سهل البقاع نما … وفي الصخور فلا زرعا ولا ثمرا
ورافع الرأس نحو السّقف يلطمه … ومن يطاطيه في ظله استترا
هكذا أنشدني هذه الأبيات، والأولان من بحر الطويل، والأخيران من البسيط، فلو قال عوضهما:
أما تنظرن سهل الرّبى فزروعها … زكت، وبصخر لست من مثمر ترى
ومن يبتغى سقفا برأس يؤمه … يلطّم، ومن طاطاه في ظلّه جرى
لكانت جميعها من بحر الطويل وهما (١٦٠) كما ترى موفيان بالمعنى.
مات [ابن رسلان] بالقدس في ٢٢ شعبان سنة أربع وأربعين وثماني مائة، ﵀.
стр. 51
١٤ - أحمد بن خليل بن أحمد بن علي بن أحمد بن غانم
بن أبي بكر بن محمد بن موسى بن غانم بن عبد الرحمن بن أبي الحسن بن عبد الله بن غانم بن إبراهيم بن غانم بن علي بن حسين بن إبراهيم بن سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي العبادي، شهاب الدين بن غانم المقدسي (١٦١) الشافعي المعروف بالجنيد، خادم الربعة بالمدرسة المؤيدية.
ولد (١٦٢) في شعبان سنة اثنتين وسبعين وسبع مائة، ومات في حدود سنة ستين وثمانمائة أو قبلها.
ذكر أنه سمع على أبى الخير بن العلائي بالقدس كثيرا بقراءة الشمس القرقشندى، وأن الاثبات عند ابن الرملي، فيطلب.
١٥ - أحمد بن رجب بن طيبغا بن عبد الله المجدى
، الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين بن زين الدين الشافعي.
ولد في العشر الأول من ذي الحجة سنة سبع وستين وسبعمائة، وقرأ بها (١٦٣) القرآن وحفظه، واشتغل بالعلوم (١٦٤) فبرع في كثير منها، وهو الآن (١٦٥) رأس الناس في الحساب بأنواعه والهندسة وما يتعلق بذلك، و [في] الفرائض وعلم الوقت بلا منازعة، وله في ذلك مصنفات فائقة.
أقرأ أقليدس، وهو (١٦٦) ملازم الاشتغال في الفقه والنحو وغيرهما ببيته وبجامع الأزهر.
стр. 52
حضرت مجلسه كثيرا، وأجاز باستدعائى، وسمعت عليه جانبا كبيرا من أواخر «الحاوي» بحثا، وأخبرني أنه سمع الموطأ رواية يحيى بن يحيى على القرافى (١٦٧).
وهو رجل خيّر منقطع عن الناس، بيده إقطاع هو به مستغن عنهم وله مشيخة مدرسة (١٦٨) جانبك.
١٦ - أحمد بن (١٦٩) شهاب بن أحمد بن الشهاب بن أحمد بن عباس
الشرباصى ثم الفارسكورى الحمامي (١٧٠)، عرف بالأدب (١٧١).
ولد سنة ثمانمائة تقريبا في «شرباص» (١٧٢) من عمل دمياط، ونظم الشعر وارتزق من الحياكة وسافر إلى القاهرة والقدس.
اجتمعت به ليلة الجمعة سابع عشر شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة فرأيته عاميا مطبوعا، وهو لا يحسن الكتابة، وكان أبوه أديبا مشهورا.
أنشدني من لفظه لنفسه، وسمع ابن فهد وابن الإمام:
من ذا الذي من مقلتيه يقيني … هذا الذي أخلصت فيه يقيني
ريم له فعل الرماة وإنما … يرمى بقوسى حاجب وجفون
ألف ابن مقلة في الكتابة قدّه … والصّدغ مثل النون في التحسين
стр. 53
والعين مثل العين لكن هذه … شكلت بحسن وقاحة ومجون
وعلى الجبين بشعره سين بدت … حار ابن مقلة عند تلك السين
في خدّه ورد، وتحت شفاهه … خمر جرت من لؤلؤ مكنون
يا للرجال ويا لها من فتنة … في وضع ذاك النقط فوق النون
الله أكبر من قساوة قلبه … مع ما يرى في عطفه من لين
أنا لا أريد تنزّهى في روضة … نظري إلى وجناته يكفيني
كم قال إن شئت الدجى فغدا يرى … أو قلت: نور الصبح فهو جبيني
وإذا أردت الروض فهو بوجنتى … كم فيه من ورد على نسرين
عارضته يوما. فقال: أما ترى … ما قد جرى منهم؟ لقد ظلموني
طمع الغزال بأن يعارض مقلتى … والبدر أيضا طامع يحكينى
فأجبته: إن يفعلا فعلا، فلا … يؤذيك فعلهما ولا يؤذيني
فافتر مبتسما، ووافى بالمنى … نوما، ولا ثقة بوعد ظنين
وكذلك زجل:
فرضت هجر، والبعاد سنّت … من يعنى الشرف لا بتسام غربها
ولأسياف لحظها سنت … حتى ليمضى في مهجتي غربها
خطرت تنثنى في ند عودي … عجبا لأهل الهوى قتلا
قلت يا ظبية الحي عودي … وهبينى من ذا الثغر قبلا
وكذا الأمر فعل من قبلا … كم لخيل التجنى قد عنت
وأوقفها بين شرقها وغربها … ولقلبى قتالها عنت
بدم ادمعى جرى غربها … جلست يوم لسقى خمر مالي
كم لأسياف هذا المعل تبرى … أدهشت وبلبلت بالى
وأصبحت سقمى بالوصال تبرى
قلت انتى طبيب لي كنت … تفسها للطبيب من عجبها
ثار لي أشواق للآن ما كنت
стр. 54
قلت للقلب ان سرت عج بها … لها وجنة فوق خد أحمر خال
كلما رق ماء الحياة مرة راق … وعلى الوجنه من سواد عنبر خال
بالملاحة والحسن قدر وراق … ولها منسل إلى الكعب خال
ما طلب وعندي في الهوى من راق … كم ليله طويله قد جنت
للخلاخيل اروى حديث حبها … اى مليحه منا العقول جنت
بالله عين قلب كل من حبها … أيش لها أرياح تفوح إذا قلت
لا تقل لي عبير ولا غاليه … كم عقود صبر منى قد حلت
وأرخصت في الهوى نفوس غاليه … ولا ترياق كم من عيش حلت
وأنا أتعجب من منيتي غاليه … تلبس الشرب كلما منت
ليلى منا بالوصل شربها … وهي قوت القلوب لو منت
قلى لي من اجل منها في شربها ثياب شرب … صبها صب دمعي ما ماسى
وأصبح فيها يهيم الفؤاد … ولا أرى أحد لودها ناسى
بعض الإحسان بالصبر أو الفؤاد … هدى لولا في عجبها ثنت
ولا كانت قد غيرت صبها … ولا حنت ظهر ولا ثنت
قط ما كان مدامعو صبها … ذا الذي غصن قدها ما ماس
حتى رخص لكل من لو سام … معها لولو ثغر ماسو ماس
وعلى القلب حزن يحكى سام … صبت بالحنا كفها حنت
اشتهى قلبي في الهوى قلبها … قلت حتى قست ولا حنت
ما أحلى لو كان الحب في قلبها … وانا أحمد حالي من البين حال
دوبا والهوى لهيبى وقد … وصحيح صبري في الهوى قد حال
وغرامى قطع فؤادي وقدّ … وعلىّ الهجران فرضى ما حال
سنة البعد وأيش لي حيله وقد … فرضت يجرى والبعاد سنت
من معنى الشرق لا يتسام غربها … ولأسياف لحظها سنت
حتى يمضى في مهجتي غربها
стр. 55
أنشدت هذا الشعر جماعة من أهل بلده، منهم يوسف البلان فقال:
«أشهد بالله ما هذا نظمه» وكأنه حسده، فأرسلت إليه وامتحنته فقال لي: قل لي عن معنى أنظمه فقلت:
«انظم [قصيدة] في آخرها بيت قل فيه: ما لمخضوب البنان يمين» فاعتذر لي بأن ذلك لا يقال إلا للإناث ويسمج مجيئه في الذكور، والقصيدة مذكرة، فأعجبني ذلك منه فقلت: انظم بعد قولك «ولا يؤذيني» بيتا معناه أن العلة في عدم الأذى أنهم لا يصلون إلى مرتبته لأن البدر عليه كلف والأيل الغزال فيه قرون» وقصدت بذلك صعوبة القافية عليه لأنه إن حصلت له أدنى غفلة كانت القافية راجعة إليه بالعيب.
ففهم ذلك وفكر (١٧٣) زمانا وقال:
فالبدر ذو غش وفيه تكلّف … والرّيم حاشا أن ترى بقرون
فتحققت أنه نظمه، وأنهما نفس واحد، وعلمت أنهم حسدوه.
وقال إنه كان يعرض نظمه على شخص يعرف النحو فيوقفه (١٧٤) على ما فيه اللحن.
قلت: وابن الأديب (١٧٥) هذا عنده حذق زائد وذكاء ذهن سيّال، وهو كثير التحرز والحذر ولا سيما في اللحن لما يعرف من نفسه من جهل العربية، وله معرفة تامة بالزجل (١٧٦)، يعرف ما يدخله من العيوب. وهو شخص مطبوع مع كونه عامىّ أمّى (١٧٧) لا يحسن الكتابة.
стр. 56
١٧ - أحمد بن عبد الخالق بن عبد المجير
(١٧٨) بن عبد الخالق، الشيخ الصالح شهاب الدين بن الشيخ سراج الدين الأسيوطيّ الشافعي، أخو إسماعيل (١٧٩) الآتي.
مولده سنة خمس وسبعين وسبعمائة تقريبا.
شافهنى بالإجازة وقرأت (١٨٠) عليه، وكان (١٨١) ذا هيئة حسنة وشكالة مقبولة وشيبة منورة، عليه سمت الصالحين وسكينتهم ووقارهم وهيبتهم، [وكان] رضىّ الأخلاق جدا.
حدّثت أن الخطيب درّبه (١٨٢)، قال: «رافقته في الشهادة منذ أربعين سنة ما سمعت منه ما أنكر» وأن الشيخ يحيى العجيسى (١٨٣) قال: «جاورته نيّفا وثلاثين سنة ما عبت منه فيها خصلة».
و [حدّثت] أن أخاه (١٨٤) مجد الدين إسماعيل الآتي قال: مات أبونا وخلف دنيا واسعة فحزتها إلىّ وكنت أعطيه شيئا يسيرا في كل يوم، فلما بلغ اشتغل بنفسه ولم يقل لي يوما من الأيام: «ما فعلت بتركة أبى؟» لا تصريحا ولا تلويحا».
أجمع الناس على الثّناء الحسن عنه يوم موته.
стр. 57
وكان كثير التهجّد والتلاوة، مات يوم السبت ثاني عشرى (١٨٥) ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمنزله من الناصرية بين القصرين، ودفن من يومه، وصلّى عليه قاضى القضاة علم الدين صالح البلقيني.
وولده ولىّ الدين من وجوه نواب الشافعية وأعيان موقعى الإنشاء بالقاهرة.
سمع [الشيخ أحمد بن عبد الخالق] (١٨٦) على جويرية بنت الهكارى من مسند الدارمي من «باب اغتسال الحائض إذا وجب الغسل عليها قبل أن تحيض» إلى آخر الكتاب، وسمع على عمّه العلامة العز عبد العزيز بن عبد المجير جزء أيوب السختياني وجزء الحنبلي على ابن محمد بن عبد الله بن قيم الكاملية بن محمد ابن مؤذن الجامع الأقمر علي بن أبي الحسن، وعلى البرهان الشامي المجلسين الأولين من مسند عبيد بن حميد وهو من أوله إلى (١٨٧).
١٨ - أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد الموفق
إسماعيل بن أحمد بن محمد الشيخ، المسند المعمر شهاب الدين بن زين الدين أبى الفرج الدمشقي الصالحي الحنبلي الشهير بابن ناظر الصاحبية، و [الشهير] أبوه بابن الذهبي.
ذكر أنه من ذرّية أبى الفرج الشيرازي.
ولد سنة ستّ (١٨٨) وستين وسبعمائة، وكان أبوه من طلبة الحديث، ذكر شيخنا حافظ العصر في معجمه وسمعه فأحضره جميع المسند على البدر بن الجوخى (١٨٩)، وسمع والده وأحمد بن محمد [بن إبراهيم بن غانم] بن
стр. 58
المهندس (١٩٠)، وأحمد بن أبي بكر بن أحمد بن عبد الهادي (١٩١) ومن محمد بن الرشيد عبد الرحمن المقدسي وعبد الله بن الحسين بن أبي التائب (١٩٢) وغيرهم. ووقّع عن قضاة الحنابلة، وشهد في قسم البلاد، وأجاز باستدعائى.
وقرأت عليه بدمشق سنة سبع وثلاثين: مائة حديث انتقاها ابن الظاهري من مسند الإمام أحمد بحضوره لجميع المسند بأخبار والده على البدر أحمد بن محمد بن محمود بن الجوخى بسماعه لجميعه على زينب (١٩٣) بنت مكي بن علي بن كامل الحرانية، ثم استدعى هذا الشيخ هو وزين الدين عبد الرحمن بن يوسف [بن (١٩٤) أحمد بن سليمان] الشهير بابن الطحان وبابن قريج، وعلاء الدين علي بن إسماعيل بن محمد البعلى الشهير بابن بردس (١٩٥) إلى القاهرة سنة خمس وأربعين وثمانمائة، ونزلوا في بيت الأمير تغرى برمش (١٩٦) الفقيه نائب القلعة، وهو كان السبب في استدعائهم، وسمعوا
стр. 59
بعامة (١٩٧) الناس، فقرأت عليه (١٩٨) مسند أنس بن مالك ومسند أبي سعيد الخدري، ومن أول مسند جابر إلى قوله
«عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء»، حدثني ابن ناصر وموسى بن داود، وذكر حديث جابر في النهى عن بيع الأرض السقيا مرتين أو ثلاثا.
ثم مات ابن الطّحان فقرأت على هذا الشيخ وعلى ابن بردس بقيّة مسند جابر وهو أول مسند العشرة إلى حديث علىّ في النهى عن خاتم الذهب وعن لبس المنيرة (١٩٩) الحمراء، وعن القراءة في الركوع والسجود وهو آخر المسموع، حدثني ابن هيثم، انا يونس عن الحسن عن علي حديث رفع القلم عن ثلاثة.
ثم حسّن لهما بعض الحسدة الانقطاع وكان زمن حر. وكلمة الشيخ مطاعة-ففعلا ثم سفّروهما بعد فراغهم في قلب الشتاء حرصا على الانفراد بالرواية، والله تعالى يجازى كلا منا على حسب نيته وحسن طويته، وما (٢٠٠) ربّك بغافل عما يعملون.
ومن أغرب ما حملهم عليه الحرص والتهافت أنهم جعلوا هذا الشيخ سامعا للمسند، وأغرب من ذلك أنهم أرّخوا سماعه بالسّنة الرابعة من عمره تقريرا للدعوى، وكتبوا ذلك في بعض الطباق، والحال أنّ روايته للمسند لم تعلم إلّا من جهة أبيه، ولا علم قول أبيه إلا من شيخنا الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي، ولا علم المصريون ذلك إلّا منّى ومن النّجم عمر بن فهد المكي والقطب محمد بن الخيضرى الدمشقي، والذي رأيناه بخط ابن ناصر الدين وأبصر به بعضنا ما نصه:
стр. 60
«أخبرني والده شيخنا أبو الفرج أنه أحضره جميع مسند أحمد على البدر ابن الجوخى، وأخبرني الخيضرى بعد موت ابن ناصر الدين أنه سمعه يقول:
«إن إحضاره إياه كان في الثانية من عمره».
ولقد سألت كاتب الطبقة عن مسنده فيما كتب فلم أجد عنده ثبتا فيه.
إنما كان جوابه: «الظاهر أنى رأيت ذلك بخط ابن فهد». وحدثت عن شمس الدين محمد بن علي بن جعفر بن مختار في أنه لما رآهم بعد إنكاري لسماعه صغيرا عن ادعاء ذلك قال: «اكتبوه، فإنه يغلب على ظني أنى رأيت سماعه في دمشق».
ولقد كذب والله وافترى، وما هي-لعمري-بأول أكذوباته التي جرّبناها عليه وذلك بسماع ابن الطحان وأخباره وابن بردس بإفادة الخيضرى على الصلاح محمد بن أحمد بن أبي عمر، قال ابن الطحان «لجميعه»، وابن بردس «لمسند ابن عباس خاصة والباقي إجازة بسماعه» كما يأتي تحريره في ترجمة ابن الطحان، وأجازه ابن الجوخى بن الفخر عليّ بن أحمد بن عبد الواحد البخاري، قال هو وزينب، أنبأنا حنبل بن عبد الله بن الفرج المكبر الرصافى، أنبأنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني، أنبأنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد التميمي، أنبأنا أبو بكر بن أحمد بن جعفر بن فهد أن العطيفى أنبأنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد ابن حنبل الشيباني المروذى: حدثني أبى الإمام أحمد في كتابه»، فذكره.
١٩ - أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر
، الإمام العلّامة المحقق المفنن الشيخ شهاب الدين أمير الأسباط الرملي، تليمذ الشيخ شهاب الدين بن رسلان، وليس في تلامذته (٢٠١) مثله علما وعدلا، بارع مفنّن رحال.
стр. 61
ولد (٢٠٢) في حدود سنة عشر وثمانمائة على ما أظن في الرملة، وسمع شيخنا شيخ الاسلام ابن حجر والولىّ العراقي وغيرهما، واشتغل بالفنون على الشيخ شهاب الدين بن رسلان والشمس البرماوى وغيرهما حتى برع في الفقه والنحو والأصول وغير ذلك، وكتب الكثير بخطه الحسن السريع، وعنده عقل وافر وتواضع كثير وصلاح وسكينة وبشر للأصحاب وتودّد مع تؤدة، وشكله مقبول، وسمته حسن، وليس في الرملة الآن من يدانيه علما ودينا وعقلا، ولّاه الشيخ شمس الدين (٢٠٣) الونائى قاضى دمشق قضاء (٢٠٤) الرملة في آخر سنة أربع وأربعين فحسنت سيرته جدا، وكثر ثناء الناس عليه، وله نظم، وبيننا صداقة أكيدة.
كان الله (٢٠٥) له.
٢٠ - أحمد بن عبد الرحمن بن حمدان بن حميد
(بالتكبير) شهاب الدين العبتاوى (٢٠٦) (بفتح المهملة وسكون الموحدة ثم مثناة فوق) نسبة إلى قرية عبتا من جبل نابلس، الصالحي، العدل بها بقرب الجامع المظفري (٢٠٧)، أخو إبراهيم الآتي (٢٠٨).
стр. 62
ولد سنة ست وسبعين (٢٠٩) وسبعمائة ظنا، وسمع الحافظ أبا بكر بن عبد الله بن المحب الصامت وموسى بن عبد الله بن موسى المرداوى وأبا الهول. أجازنى باستدعاء ابن فهد.
٢١ - أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن
بن محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن شيخ الإسلام ابن عمر بن محمد بن أحمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، شهاب الدين بن زين الدين بن أبي عمر القرشي العمرى المقدسي الصالحي.
ولد (٢١٠) سنة خمس وسبعين وسبعمائة بصالحية دمشق.
٢٢ - أحمد بن عبد القادر بن محمد بن طريف
(بالمهلة مكبر) شهاب الدين، بن الفاضل محيي الدين الحنفي الشاوى (٢١١) (بالمعجمة) الأدمى بالركن، أحد الصوفية بالجمالية.
ولد (٢١٢) سنة ست وتسعين وسبعمائة، وقرأ القرآن، وتعلم صنعة السّراميج (٢١٣)، وكان معلما بالركن المخلّق بالقاهرة في ظهر سعيد السعداء، وهو معتبر بين أهل صنعته.
стр. 63
وكانت أصولهم كلها شافعية إلّا أن أراه خالط الشيخ أكمل الدين وحصلت له عنده حكاية فجعله حنفيا وأمره أن يحنف أخاه عبد الوهاب (٢١٤) الآتي ففعل.
سمع (٢١٥) مشيخة ابن شاذان الصغرى سوى الكلام على الشيخة سارة بنت العلامة قاضى القضاة تقى الدين علي بن عبد الكافي وعلى أبى المجد بن البخاري وعليه معجم الإسماعيلي.
٢٣ - أحمد بن عبد العال بن عبد المحسن بن يحيى الحريري السّندفائى
(٢١٦) الأصل، ثم المحلاوى، الشافعي، الصالح شهاب الدين الشهير بوالده.
ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة تقريبا بسندفا من أعمال الغربية، وحفظ بها القرآن وصلّى به، وحفظ بعض المنهاج، وحضر دروس القاضي عماد الدين إسماعيل البارينى والقاضي كمال الدين جعفر وسيدي عمر الطرينى في الفقه والنحو وغير ذلك، وحجّ قبل القرن، وتردّد إلى القاهرة مرارا قرأ في بعضها من البخاري على شيخ الإسلام ابن حجر.
وهو عامي طبعه، وربما وقع له الشعر الجيد.
سمع جميع البخاري سنة ثماني عشرة وثماني مائة على تاج الدين أبى البركات إسحاق بن محمد بن إبراهيم التميمي الخليل الشافعي، أنبأنا أبو الخير ابن العلائي في آخر سنة ست أو أول سبع وسبعمائة، أنبأنا الحجار بسنده.
стр. 64
اجتمعت به يوم الأربعاء ثاني (٢١٧) عشرى شعبان سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بعلو جامع المحلة فأنشدنا من لفظه لنفسه، وسمع ابن الإمام وابن فهد البيتين الأولين من قصيدته التائية المخمسة الآتية، ثم أحضر لي ديوانه في مجلد وذكر من أوله (٢١٨) مرائي، منها أنه ذكر له رجل يقال له الشيخ على الرائي رأى النبىّ ﷺ نحوا من مائة مرة، قال: قدمت إليه فأخبرني أنّ النبي ﷺ قال له في بعض مرائيه (٢١٩): من أحب أن يراني في منامه فليقل قبل أن ينام: اللهم صلّ على محمد وعلى آله حق قدره» ست عشرة ألف مرة، فجلست في بيتي وصمت ذلك اليوم وصلّيت على هذا القدر وعددت ذلك بسبحة عدتها خمسمائة قلبتها اثنتين وثلاثين مرة، فاتفق فراغى من ذلك بين المغرب والعشاء، فلما نمت رأيت النبي ﷺ ، فأمرّ بيده الكريمة على ظهري ودعى لي».
قال: ورأيته مرة ثانية وعليه جبة لونها عسلى [و] أكمامها إلى حد الكوعين، وأذيالها إلى نصف الساقين، وعلى رأسه الشريفة عمامة لطيفة شديدة البياض، وعلى كتفه الكريمة طيلسان (٢٢٠) أبيض ليس على رأسه منه شيء وإنما هو منسدل على كتفيه الشريفتين، ووجهه الشريف عظيم الهيبة، ولحيته كثّة، ما وقع بصرى على شيء أحسن منه فلما رأيته ﷺ هممت بالسلام عليه فإذا جمع من الناس مقبلون للسلام عليه، فقبّلوا يده الكريمة وقضوا مآربهم، وكانوا في حال اجتماعهم كالأطفال بين يديه لم يبلغ أحد منهم طول قامته الزكية ﷺ ، فصبرت حتى انصرفوا فوقفت ونصبت أصبعي السبابة وقلت السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال وعليك السلام، فقلت «ولك» ثلاث مرات.
стр. 65
كل ذلك [وهو] يرد علىّ السلام.
ثم قلت: يا رسول الله «ادع لي»، فقال «ادع أنت لي».
فوقع في نفسي أنه إنما قال لي ذلك ليعلم أي الدعاء أحب إلىّ فيدعو لي، فقلت:
«ختم الله لك بخير»، فقال: «ختم الله لك بخير».
وكان ذلك سبب اشتغالى بامتداحه ﷺ .
حكى لنا هذين المنامين من لفظه يوم الأحد سادس عشرى شعبان من السنة لنفسه في علوّ جامع المحلة الأعظم.
وأنشدني هذه القصيدة وما بعدها من لفظه، وسمع ذلك رفيقاى النجم ابن فهد والمحب بن الإمام. بلّغنا الله مطلوبنا:
فضائل خير الخلق أحمد قد سمت … وأنواره زادت، وآياته نمت
وشرعته في العالمين تختمت … وألسنة المداح لما ترنّمت
ببعض صفات الهاشمي تكلمت
فقالوا جميعا إنه خير من يرى … وأكرم مبعوث إلى أكرم الورى
وأعطى حوضا في المعاد وكوثرا … وفي كفه ماء زلال تفجّرا
وكم من فقير بالجوائز أكرمت
له رتبة عليا وقدر مبجّل … ورفعته ما نالها قط مرسل
ختام جميع الأنبياء وأول … وكل به في شأنه يتوسّل
ملوك السما صلت عليه وسلمت
стр. 66
كريم على المولى، رفيع جنابه … قريب ولا يخفى علينا اقترابه
عظيم ومقصود الخلائق بابه … وطلعته كالبدر، غاب سحابه
وراحته مثل البحار إذا طمت
له عرق من سائر الطيب أطيب … ونكهته مسك وندّ وزرنب (٢٢١)
وريقته كالشهد بل هي أعذب … ونغمته منها الخلائق تطرب
وحرمته منها الأعادى تضرّمت
له قامة كالغصن بل هي أقوم … وهمّته كالدّهر بل هي أعظم
وراحته كالسّحب بل هي أكرم … ويزرى بنور البدر إذ يتبسم
وفي فمه الميمون درّ تنظمت
له خلق لم يخلق الله مثله … ولم ير شكل في البريّة شكله
وفي الرمل إن يمشى فلا أثر له … وفي الصخرة الصماء تنظر نعله
وكم معجزات للحبيب تقدّمت
جميل المحيا باسما خير من يرى … جوادا شجاعا منعما عالي الذرى
مهيبا كحيل الطرف، أدعج، أحورا … أعد مدحه حتى يصير مكررا
فمدحته جلّت وللقلب قد حلت
نبىّ بمعراج الجلالة قد رقى … ونال مقاما لم ينله من ارتقى
وأكبر آيات أراه محقّقا … وقال له: يا خير خلقي مطلقا
شريعتك العظمى لشرعى تمّمت
ملوك السما لم تحص ما خصّه به … وكلّ نبىّ مرسل مقتد به
لقد خصّه رب السماء بقربه … يدلل ما في النّجم من قول ربه
«دنا فتدلى»، يا لها رتبة سمت
стр. 67
وفاز من المولى بطيب كلامه … وخصّصه لما دنا بسلامه
وأعطى ما يرضى بنيل مرامه … سقاه شراب الوصل ضمن ختامه
نوافح مسك والثغور تبسمت
أنخت ركابى أرتجى برّ سيّدى … ففزت بإكرام وفضل مؤيّد
وكلّ نوال جاء من فضل أحمد … وسيلتنا يوم المعاد محمد
نبىّ له صمّ الحجار تكلمت
شفاعة خير الخلق في الحشر عمدتى … فخد بيدي يا سيدي: أنت عدّتى
وكن جابرا يوم القيامة غربتي … بمدحك أرجو اللّه يغفر زلّتى
وأعطى أمانا من جحيم تضرّمت
خليفة عبد العال يرجو فجد له … بجائزة يوم المعاد لعلّه
يجوز على متن الصّراط فكن له … فإن لم تكن يا أكرم الخلق: من له؟
إذا شهدت أعضاؤنا وتكلمت
*** وأنشدنا كذلك وسمعنا:
إن جزت بان النّقا والمربع الأرج … إلو العنان إليهم سرعة، وعج
وخلّ عيسك ترعى في خمائله … وما عليك إذا لم ترع من حرج
فإنها نشقت عطرا شذى وسقت … من دمعها منزلا ذا رونق بهج
ومنها:
وإنّ مدح رسول الله ينعشنى … لي الأمان بمدح السيد البهج
ومنها:
ونوره فاق نور البدر معجزة … وضوء طلعته يغنى عن السّرج
стр. 68
ومنها:
وإن يرد غزوة فالرّعب يسبقه … مسيرة الشهر يأتي الرعب بالفرج
تبارك الله ما أحلى شمائله … في ثغره درر (٢٢٢)، لم يخل من فلج
*** وخمّس (٢٢٣) قصيدة ابن الفارض التي [هي] آخر ديوانه، وأنشدنا كذلك وسمعنا:
أضاء لنا نور بدى وهو ساطع … فأخفى شعاع البدر إذ هو طالع
فناديت من وجدى، وطرفي دامع … أبرق بدى من جانب الغور لامع
أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقع (٢٢٤)؟
ومنها:
هي الكعبة الغرّاء فيها تعاظمت … أجور لمن قد زارها وتراكمت
تحيتها في القلب قدما تقادمت … ولمّا تجلّت للقلوب تزاحمت
على حسنها للعاشقين مطامع
لها تخضع الأقمار في أفق السها … وأعينها فاقت على أعين المها
ومن أين للبدر المنير تشبّها … لطلعتها تعنو البدور، ووجهها:
له تسجد الأقمار وهي طوالع
ومنها:
تزايد وجدى نحو ساكنة الحمى … وقلّ اصطبارى، والغرام تحكّما
لئن وصلتنى، إنّ في ذاك مغنما … وإن قسمت لي أن أعيش متيما
فشوقى لها بين المحبين شائع
غريق بحار الحبّ مل قراره … قتيل هواها ليس يؤخذ ثاره
غريب عن الأوطان شطّ مزاره … تقول نساء الحي: أين دياره؟
فقلت ديار العاشقين بلاقع
стр. 69
ومنها:
لقد أنشقتنى من نسيم هوائها … وقد عطّرت وقتي بطيب ثنائها
وقد سلبت عقلي بحسن بهائها … ولما تراضعنا بمهد ولائها
سقتنا حميّا الحبّ فيها المراضع
تبدّت فأبدت لي ضياء وبهجة … بوجه يفوق البدر حسنا وطلعة
سقتني شرابا: شربة ثم شربة … وألقى علينا الحبّ منها محبة
فهل أنت يا عصر التراضع راجع؟
ومنها:
عظيمة قدر، والصدود حلا لها … ولم تر عيني في الملاح مثالها
وقصدي من الدنيا أنال وصالها … بوادي [الهوى (٢٢٥) و] الحبّ أرعى جمالها
ألا في سبيل الحب ما أنا صانع!
ومنها:
غرام ثوى في القلب ليس بزائل … وهجر سليمى ممرضى ثمّ قاتلي
ولم يثننى عن حبّها قول قائل: … خليلىّ إنّي قد عصيت عواذلى
مطيع لأمر العامرية سامع
أيا عربا ما للغريب مثالكم … تركتم فتاكم وهو (٢٢٦) يدعى خليلكم
طريحا على الأبواب وهو عليلكم … فيا آل ليلى ضيفكم ونزيلكم
بحبّكمو يا أكرم العرب ضائع
ومنها:
فصرت ذليلا حين عزّ وصالها … وواصلت أحزانا وزاد مطالها
خشيت عليها أن تضل جمالها … وناديت لما أن تبدّى جمالها
لعيني يا جمّال قلبي قاطع
стр. 70
أطيب إذا غنى الحداء لعيسهم … ويحيى فؤادي من لطيف حسيسهم
عسى تقبلوا روحي فدا لرءوسهم … فإحياء أهل الحب موت نفوسهم
وقوت (٢٢٧) قلوب العاشقين مصارع
ضميري وسرّى مدرج تحت حيكم … وماء حياتي من عذوبة شربكم
عسى تنفحونى كي أفوز بقربكم … لقد قلت في البيدا (٢٢٨): ألست بربكم
بلى قد شهدنا والولاء متتابع
ومنها:
وحقك أنى شاكر لك حامد … مقيم على عهدي وما أنا جاحد
يقيني يقيني، والتشفع قائد، … فبابك مقصود وفضلك زائد
وجودك موجود وعفوك أوسع
خليفة عبد العال عبد لعبدكم … يكون مع الخدّام في ظل رفدكم
عساكم بأن ترضوه من بعض جندكم … ولا تحسبونى ناقضا عقد عهدكم
ولكنني للخيّرين أتابع
مديح رسول الله قد صار ديدنى … وعن مدحه والله ما (٢٢٩) [أنا] أنثنى
لعلمي بأن المصطفى خير محسن … وأرجوه ذخرا في المعاد وإنني
عن المدح لا ألوى ولا أنا راجع (٢٣٠)
*** وأنشدنا كذلك وسمعنا:
كتاب بدى في طالع السعد يعقد … وعقد به كلّ الهنا يتجدّد
ويوم سرور ما رأى الناس مثله … به تنطفى نار الفؤاد وتخمد
بوجه عريس كالهلال إذا بدى … وقامته كالغصن إذ هو أملد
أنا خاطب زين النساء بفرحة … ليدرك منها كلّ ما كان يقصد
стр. 71
ووافقه فيما أراد وليّها … فتمّ بذاك العقد والناس شهّد (٢٣١)
فما أحد منها أسرّ بقربه … وما أحد منه بما نال أسعد
سألت إله العرش يحفظ جمعهم … ويحفظهم من كل أمر ينكّد
بحرمة خير العالمين محمد … نبي له قدر عظيم وسؤدد
خليفة عبد العال يرجو عناية … بجاه نبي للشفاعة يقصد
عليه سلام الله في كل ساعة … مدى الدهر ما دام المهيمن يعبد
كذاك صحاب المصطفى ثم أهله … عليهم من الرحمن خير مجدّد
*** وأنشدنا كذلك وسمعنا:
قل لمن فارق فينا الوسنا … ورأى بارق نور وسنا
هل رأى في الكون شيئا مثلنا … نهب العفو لعبد قد جنى
ومنها:
كن قريبا من حمانا يا غلام … صاحب الأخيار واسهر لا تنام
حيهم ما دمت حيا بالسلام … واشرب الراح ودع عنك الوسنا (٢٣٢)
لو ترى أحبابنا إذ قربوا … وبشرب الرّاح لما طربوا
سمحوا بالروح لمّا وهبوا … من سلاف الراح رزقا حسنا
*** وأنشدنا كذلك وسمعنا:
اسقني كاسات محبوبى جهار … لا تعيّرنى فما في الحب عار
في مقام الذّكر جالسنا الحبيب … فانبسط واخلع لمولاك العذار
وادخل الحان ولا تخش الرقيب … واجتل الكأس وزمزم إذ يدار
وأعطني الكأس ولا تبخل به … وأدرنى بين ندمان العقارّ
وتغنّى باسمه بين الملا … تغننى عن قول ربّات (٢٣٣) الخمار
стр. 72
وإذا جئت لحانات الرّضا … فاطلب العفو ونادى بانكسار:
يا إلهي سامح العبد الذي … في بحار الذنب والتسويف حار
وتوسّل بحبيب محسن … حسن الأخلاق مرفوع المنار
صاحب الجاه الرفيع المجتبى … من عليه الله قد صلّى جهار
وابن عبد العال أقوى ظنه (٢٣٤) … يتمنى أن يرى ذاك المزار
فسلام الله منىّ دائما … ما بدى الليل وما لاح النهار
يبلغ المختار مصباح الدجى … من إلى العلياء في الدّيجور سار
وعلى الأصحاب (٢٣٥) أرباب النهى … أنجم الدّين وأرباب الفخار
*** وكذلك أنشدناها جميعا، وسمعنا:
حدى حادي الركائب ثم حيّا … بألحان تعيد الميت حيّا
فقلت له: رعاك الله زدني … وكرّر ذكر أحبابي عليّا
وشنّف مسمعى بحديث قوم: … أعزّ الناس في الدنيا لديّا
وإن وافت قلوصك أرض نجد … فحيّا ساكنى ذاك الحميّا
وقل خلّفت مضنى ظل يبكى … بدمع صار يروى الأرض ريّا
ومنها:
حمى المختار خير الناس طرا … وأفضل من مشى تحت الثريّا
ومنها:
أبرّ الناس في قول وفعل … غزير العقل [مقداما] (٢٣٦) حييّا
كريما، طيب الأعراق، سهلا … جميلا، باسما، طلق المحيّا
ومنها:
غنىّ النفس ذا كرم وجود … كثير البذل جوّادا سخيا
عطوفا، محسنا، برا، رؤوفا … صدوق القول، مفضالا وفيّا
стр. 73
به أسرى المهيمن جنح ليل … إلى أن صار للمولى نجيّا
وأسمعه الخطاب بغير شك … خطابا بينا سهلا جليا
وقال له: رفعت الأمر فارجع … قرير العين مبعوثا نبيّا
*** وكذلك أنشدناها جميعا، وسمعنا: (٢٣٧)
نسخت بحبّى آية العشق من كلّى … فلا أحد يقوى لقولي ولا فعلى
وحاولت أمرا لا يقاس بمثله … إذا صمّم الواشون عمدا على قتلى
فأهل الهوى جندي، وحكمي على الكلّ
وكلّ فتى يهوى فإنّى إمامه … ودهركمو في قبضتىّ زمامه
وجمر الرضا ما زال عنى ختامه … إذا عدل الواشي وزاد كلامه
فإنّى برئ من فتى سامع العذل
*** وأنشدنا كذلك، وسمعناه:
مكانك من قلبي وعيني كلاهما … مكان السويدا من فؤادي وأقرب
وذكرك في نفسي وإن شفّها الظما … ألذّ من الماء الزلال وأعذب
٢٤ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الله
بن أحمد بن (٢٣٨) مجلّى (بالجيم واللام الثقيلة المكسورة) المرداوى (٢٣٩) المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، الملقب جده بزعرور (بفتح الزاي وسكون العين وضم الراءين المهملتين وبعد الواو راء مهملة)، نزيل الصالحية بقرب الروضة.
ولد سنة خمس وستين وسبعمائة، ويعرف بابن عبد الله.
стр. 74
٢٥ - أحمد بن عبد الله بن خلف الشيرازي
(٢٤٠)، إمام الشرابية، سمع على الناصر ابن الفرات المجلس الأخير من الشفا لعياض في التاريخ والمكان، وابن عبد الوارث بقراءة الكلوتاتى.
٢٦ - أحمد بن عبد الله بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله
بن أبي الفتح بن هاشم بن إسماعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكناني، العسقلاني الأصل، المصري الحنبلي، شهاب الدين بن الإمام العالم المسند المكثر جمال الدين الجندي بن قاضى القضاة علاء الدين.
ولد سنة (٢٤١) ثمانمائة بالقاهرة، وقرأ القرآن بها ولم يشتغل بالعلم، وهو أحد الدّلالين بسوق الكتب بالقاهرة.
قرأت عليه منتقى العلائي من مشيخة الفخر بسماعه لجميع المشيخة بإجازة ابن عمته العلامة القاضي عزّ الدين أحمد بن إبراهيم المتقدم، على والده جمال الجندي (٢٤٢)، انا العرضي، انا الفخر، وجزء ابن لطيف (٢٤٣) بسماعه على فاطمة بنت التركماني.
٢٧ - أحمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن لاجين
، أبو العباس الرشيدى، شهاب الدين بن الشيخ المحدث جمال الدين بن شمس الدين المقرئ الشافعي، أخو الخطيب شمس الدين الآتي.
ولد سنة سبعين (٢٤٤) وسبعمائة تقريبا، وسمع المسلسل بالأولية من
стр. 75
القاضي مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن محمد الكناني الحنفي بقراءة والده بسماعه من الميدومى بسنده، وسمع على العلامة التقى أبى الفتح محمد بن العلامة البهاء أحمد بن محمد بن حاتم الشافعي إمام جامع ابن الرفعة جميع كتاب دلائل النبوة للبيهقي، أنا أبو المحاسن يوسف بن عمر بن الحسين الحسنى الحنفي الصوفي من أول الكتاب إلى قوله:
«باب سباق بدر» عن مغازى موسى بن عقبة، ومن «أتم» إلى آخر الكتاب. والنجم أبو بكر بن يوسف بن عبد العظيم المنذري الطحان، عرف بابن الصناج، قال:
أنبأنا لا حق بن عبد المنعم الأرتاحى، أنبأنا الحافظ المبارك بن علي بن الحسين البغدادي المعروف بابن الطباخ، أنبأنا أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن أحمد البيهقي. أنبأنا جدى المؤلف. و [سمع] جميع جزء الصغار وكتاب الإعلام بفضل النبي ﵊. كما في ابن أبي التائب، وجميع الأربعين التساعيات تخريج الحافظ قطب الدين محمد بن عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي الحنفي الصوفي من مروياته لنفسه على العلامة التقى ابن حاتم بسماعه على المخرج القطب الحلبي فذكرها، وجميع سنن الشافعي رواية المزنى على الزيني عبد الرحمن بن الشيخة، وجميع مجلس الطاعة على الشمس الأذرعى (٢٤٥).
٢٨ - أحمد بن عبد اللطيف بن موسى بن عميرة
(٢٤٦) بن موسى المخزومي اليبناوى (٢٤٧) (بضم التحتانية وسكون الموحدة بعدها نون) المكّى نزيل دمشق، شهاب الدين المحدث الفاضل، [ولد في ربيع الأول سنة سبع وثمانمائة بمكة] (٢٤٨).