مقدمه التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عرفت المؤرخ ابن الحمصي الدمشقي، من كتاب الدكتورة ليلى أحمد، «دراسات في تاريخ ومؤرخي الشام ومصر» فوجدت فيه مؤرخا بارعا أصلا، وندّا كفؤا لمعاصريه من المؤرخين المشهورين، كابن إياس، وابن طولون، لأنه سجل أحداث عصره بدقة وأمانة، وكان شاهد عيان لمرحلة زمنية هامة، وخطيرة من تاريخ الأمة العربية، في مصر والشام، وهي الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع الهجري، إلى منتصف القرن العاشر الهجري. أي نهاية العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، وما ترتب على هذا الانتقال من تغييرات اجتماعية، واقتصادية وسياسية، وإدارية في مصر والشام.
لذلك سعيت للحصول على صورة عن كتاب ابن الحمصي «حوادث الزمان»، وعزمت على تحقيق هذا الكتاب، إحياء له ولصاحبه، وإخراجه إلى النور، بعد أن لفّه النسيان والشتات لفترة طويلة من الزمن. ولما كان هذا الكتاب السفر الوحيد الباقي، والمعروف من آثار ابن الحمصي، بعد أن ضاع كتابه (التاريخ الكبير) الذي استفاد منه مؤرخون معاصرون لابن الحمصي، كالغزّي صاحب كتاب «الكواكب السائرة»، ومن جاء بعده كالسخاوي صاحب «الضوء اللامع».
وكان ابن الحمصي، قد تولى مناصب هامة في الدولة المملوكية، كالتدريس، والقضاء، والخطابة في مصر والشام، وعاشر رجال الدولة، وأهل العلم. فكانت ثقافته عالية، وبيئته علمية، وحالته الاجتماعية والمادية طيبة. ومع ذلك نسيه معاصروه، ولم يترجموا له، إلا ابن الغزي، فإنه ترجم له ترجمة غير شافية، في حين ترجم ابن الحمصي لعدد كبير من الأعلام، والشيوخ في كتابه (حوادث الزمان) على مدى ثمانين عاما. ويعترف ابن الحمصي بأنه دوّن أحداث كتابه، لأنه يحب التاريخ
стр. 2
من جهة، ولاتباعه سنّة الأولين من جهة أخرى.
فجاء كتابه (حوادث الزمان) مختصرا، لكتابه المفقود الذي سمّاه (التاريخ الكبير)، ولكنه يغطي أحداث فترة هامة من الزمن. وتأتي أهمية الكتاب من كونه سجلّ مشاهدات مباشرة، رآها المؤرخ، وتأثّر بها، ودوّنها، وأبرزها فترة الانتقال من العصر المملوكي إلى العصر العثماني، ووصفه خروج قانصوه الغوري من مصر، إلى الشام، لمواجهة العثمانيين في مرج دابق، وهزيمته ونهايته، ثم اجتياح العثمانيين بلاد مصر والشام، ووصف حالة الفوضى، والاضطراب، والفتن التي قامت، وسجل ثورة جان بردي الغزالي بدمشق ضد العثمانيين، وثورة أحمد باشا والي مصر العثماني سنة ٩٣٠ هـ. وكتب لنا أخبار العلماء، والقضاة، والقادة، ورجال الإدارة، وتطرق إلى الظواهر الاجتماعية في العهدين المملوكي والعثماني، كالأعياد، والمواكب، والمناسبات الهامة، والانتصارات في الحروب، ورصد أخبار قافلة الحج سنويا، وأعمال السطو، والنهب التي كانت تتعرض لها، وذكر الأوبئة والطواعين، وأحوال المناخ وتبدلاتها، وسلّط الضوء على الحالة الاقتصادية في مصر والشام، أيام المماليك، والعثمانيين، فتناول أوضاع السوق، والأسعار، والتجارة، ونقص أو زيادة المواد الغذائية، وتغير العملة النقدية، وتحدث عن العمارة، والعمائر في الدولة وأصحابها.
فكان تاريخ ابن الحمصي (حوادث الزمان)، حافلا بالأخبار، والأحداث المثيرة، فاستحق أن يكون مؤرخا عملاقا في عصره، ويعتبر كتابه من أجود المصادر عن تلك الفترة من تاريخنا، وبعد كل ما قدمته من أفكار عن ابن الحمصي، وتاريخه فإني أراه جديرا بالدراسة وكذلك كتابه موضوع التحقيق. وأرجو أن أوفق في تقديمه للقارئ، وللمكتبة العربية. كأحد أعلام المؤرخين العرب في القرن التاسع الهجري.
وسأحاول نفض الغبار عن كتابه المنسيّ من خلال دراسة العناصر التالية:
١ - حياة ابن الحمصي ونشأته.
٢ - معاصرو ابن الحمصي وثقافته وشيوخه.
٣ - دوافع ابن الحمصي لكتابة التاريخ.
٤ - مؤلفات ابن الحمصي.
٥ - منهج ابن الحمصي وأسلوبه.
٦ - أهمية تاريخ ابن الحمصي والنقول عنه.
٧ - ابن الحمصي والحياة الاجتماعية في مصر والشام.
стр. 3
٨ - ابن الحمصي والحياة الاقتصادية.
١ - حياة ابن الحمصي ونشأته:
ثلاثة مؤرخين في مصر والشام، سجلوا الأحداث في أواخر العهد المملوكي، وبداية العهد العثماني، وهم: ابن طولون في الشام، وابن إياس، وابن زنبل في مصر. هؤلاء أرّخوا لتلك الفترة الحاسمة من تاريخنا، وتجاهلوا مؤرخا رابعا عملاقا، لم يذكروه ولم يترجموا له، مع أنه قضى حياته يكتب تاريخ الشام ومصر، في أصالة ودقة، جعلته يقف موقف الندّ من المؤرخ الكبير المعاصر له، وهو ابن إياس (١). ذلك المؤرخ كان ابن الحمصي الدمشقي. وقد دوّن ابن الحمصي لفترة الانتقال من العهد المملوكي، إلى العهد العثماني، بأمانة وموضوعية، وكان شاهد عيان لهذه الفترة الزمنية الدقيقة، فكتبها تاريخا مفصلا شاملا، تطرّق فيه لكل نواحي الحياة.
وابن الحمصي، مؤرخ عالم، ومحدّث فقيه، من دمشق الشام (٢). وقد ترجم له صاحب شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي (٣) فقال: «القاضي شهاب الدين أحمد ابن محمد بن عمر بن أبي بكر ابن أبي بكر بن عثمان الأنصاري الحمصي الدمشقي الشافعي، الإمام العلاّمة الخطيب، البليغ المؤرخ. يتصل نسبه بعبد الله بن زيد الأنصاري، ولد سنة إحدى أو ثلاث وخمسين وثمانمائة، واعتنى بالحديث، والعلم، وأخذ عن جماعة من الشاميين، والمصريين، وفوّض إليه القضاء، قاضي القضاة شهاب الدين ابن الفرفور، ثم سافر إلى مصر وفوّض إليه القضاء أيضا، قاضي القضاة زكريا الأنصاري، وكان يخطب مكانه بقلعة الجبل، وكان الغوري يميل إلى خطبته، ويختار تقديمه لفصاحته، ونداوة صوته، ثم رجع إلى دمشق في شعبان سنة أربع عشرة وتسعمائة، وخطب بجامعها عن قاضي القضاة الشافعية، اللؤلؤي ابن الفرفور، وتوفي يوم الثلاثاء، تاسع عشر جمادى الآخرة، ودفن بباب الفراديس» (٤).
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧١.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧١.
(٣) ابن العماد الحنبلي هو أبو الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد المعروف بابن العماد الدمشقي الحنبلي وهو مؤرخ فقيه ولد سنة ١٠٣٢ هـ وتوفي سنة ١٠٨٩ هـ. نشأ وتعلم بدمشق، ورحل إلى القاهرة، ثم عاد إلى دمشق، واشتغل بالتدريس، والمحبي من تلاميذه، وأشهر مؤلفاته (شذرات الذهب) ترجم فيه للأعيان والعلماء والحكام وغيرهم بدءا من الهجرة النبوية الشريفة إلى سنة ١٠٠٠ هـ، وترجم ابن العماد لابن الحمصي في كتابه المذكور.
(٤) ابن العماد الحنبلي. شذرات الذهب ٨/ ٢٠١.
стр. 4
وقد سجل ابن الحمصي، تاريخ ميلاده في مقدمة كتابه «حوادث الزمان»، فقال: «مولد الفقير جامع هذا التاريخ أحمد بن محمد بن عمر الأنصاري، المشهور بابن الحمصي الشافعي، كما أخبرني والدي رحمه الله تعالى وقت الثّلث ليلة الجمعة الثامن من رجب سنة ٨٤١ هـ - ١٤٣٧ م» (١).
وقضى مؤرخنا حياته في التدريس والقضاء والتأليف والخطابة والإمامة وتحصيل العلم.
وتوفي ابن الحمصي يوم الثلاثاء، تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ٩٣٤ هـ/ ١٥٢٧ م. عن ثلاثة وتسعين عاما، وبذلك يكون قد عمّر طويلا، وكان هو قد ذكر معمّرين كثيرين مثله، من الشيوخ في كتابه (حوادث الزمان)، كالشيخ الذي ذكره عام ٩١٦ هـ - ١٥١٠ م، بمناسبة ظاهرة المطر الشديد الذي نزل بدمشق وقال عنه (٢) «وعمره الآن مائة سنة وأربعة عشرة سنة، وأنه لم ينظر في مدة عمره نظير هذا الشتاء».
أما عن نشأة ابن الحمصي، فقد ورد في كتابه (حوادث الزمان)، أنه قضى معظم سنوات عمره في دمشق، وتعلم بها علوم عصره، على أيدي علمائها، ولا نعلم سبب إطلاق لقب الحمصي عليه، وربما كانت أسرته تسكن في حمص، وانتقلت إلى دمشق في وقت لاحق، ونسبة الأفراد إلى مدنهم، أو أقاليمهم كانت مألوفة، فالغزي المؤرخ نسب إلى مدينة غزة، حيث كانت أسرته تقيم فيها. وابن الحمصي من أسرة اشتهرت بالعلم والدين، فجدته لأمه كما قال عنها في كتابه «هي السيدة الزاهدة زينب بنت شيخ الإسلام، قاضي القضاة ولي الدين محمد بن الفرفور» (٣)، وجده لوالده «هو شيخ الإسلام، الإمام ولي الدين قاضي دمشق الشافعي» (٤).
على أي حال فإن ابن الحمصي نشأ في بيئة علمية، ودينية، تولى فيها كثير من أهله وأقاربه، مناصب مهمة كالقضاء، والتدريس، والإفتاء، والخطابة. ويبدو أن والده كان على قدر كبير من الثراء، لأنه ورث ممتلكات كثيرة عن جده لأبيه، ولا بد أن نصيب المؤرخ ابن الحمصي، كان وافرا من هذه التركة الكبيرة، وليس لدينا
_________
(١) ابن الحمصي. حوادث الزمان. مخطوط فينس الله بتركيا ج ١ المقدمة.
(٢) ابن الحمصي: حوادث الزمان. مخطوط مكتبة رفاعة بسوهاج ج ٣ أحداث عام ٩١٦ هـ و د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٢.
(٣) أحمد بن محمد الحمصي. حوادث الزمان. مخطوط ج ٣ ص /٥١ أ.
(٤) أحمد بن محمد الحمصي. حوادث الزمان. مخطوط ج ٣ ص /١٧ أ.
стр. 5
معلومات عن مناصب والده، أو ثقافته أو مكانته، ولكن مؤرخنا ابن الحمصي أشار إلى والده، في مواضع من كتابه باحترام كبير. وتزوج ابن الحمصي، وأنجب بنين وبنات، ذكرهم في سطور على هامش مؤلفه ومنهم: ابنه ولي الدين محمد، وكانت ولادته في العاشر من شعبان سنة ٨٨٢ هـ، وفي الرابع عشر من شهر شوال سنة ٨٨٨ هـ، ولد له ابنه أبو الفضل، كما ولد له ابن آخر، في العاشر من ربيع الثاني سنة ٩٤٢ هـ، هو زين العابدين، وفي سنة ٩٤٨ هـ، ولدت له البنت خديجة. وتوفي ابنه كمال الدين، في رجب سنة ٩٣٠ هـ (١).
ولم يترجم ابن الحمصي لنفسه، في كتابه الذي بين أيدينا، ترجمة وافية، ولكن سياق الأحداث التي وردت في كتابه، توحي بمعلومات كثيرة عن حياة هذا المؤرخ العالم، تكمل ما أورده ابن العماد الحنبلي، والغزي، لتعطي صورة واضحة عن شخصية ابن الحمصي، ونشأته، وثقافته ومؤلفاته (٢).
٢ - معاصرو ابن الحمصي وثقافته وشيوخه:
تذكر المصادر، أن المؤرخ ابن الحمصي، كان معاصرا لابن طولون الصالحي بالشام، وابن إياس في مصر، وبالرغم من ذلك، فإنهما لم يترجما له، ولم يذكراه في تواريخهما.
كما أن المؤرخين المتأخرين في الشام، أهملوه أيضا، ولم يشيروا إليه أو يذكروه، سوى ابن العماد الحنبلي (٣)، الذي قدم له ترجمة غير شافية، وإن كانت تلقي ضوءا على بعض جوانب حياته، مثل ثقافته، ومناصبه التي شغلها، وشيوخه الذين درس عليهم، وتاريخ مولده، وتاريخ وفاته (٤)، وخلط ابن العماد بين سنة مولد ابن الحمصي، وبين بداية تاريخه في سنة ٨٥١ هـ - ١٤٤٧ م.
كما أنه لم يذكر لنا شيئا عن الكتب التي صنّفها ابن الحمصي، ولا عن أسرته،
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٤.
(٢) د. ليلى أحمد، دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٣.
(٣) ابن العماد الحنبلي: عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد العكري، الدمشقي، الصالحي الحنبلي، المعروف بابن العماد (أبو الفلاح). كان فقيها، أديبا، ومؤرخا، ولد بدمشق ١٠٣٢ هـ، وعاش بالقاهرة ومات في مكة سنة ١٠٨٩ هـ، ومن آثاره: بغية أولي النهى، وهو في الفقه الحنبلي، وشرح البديعية لابن حجة الحموي، وأشهر كتبه، «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» في التراجم والتاريخ.
(٤) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٢.
стр. 6
وكذلك كان موقف ابن الغزي (١)، صاحب كتاب «الكواكب السائرة في أعيان المائة العاشرة». فإنه أشار إلى ابن الحمصي كأحد الصوفية، وأنه مات سنة ٩٣١ هـ - ١٥٢٤ م، ومكان دفنه بمقبرة باب الصغير بدمشق، وأهمله كمؤرخ، ولم يشر إلى تراجمه، وأخباره، وكتبه.
وكانت ثقافة ابن الحمصي واسعة، استندت إلى علوم عصره الدينية، واللغوية والتاريخية، والأدبية، واشتغل بعلوم الحديث، واللغة، والفقه، وسمع من شيوخ دمشق، وانتظم في حلقات الدرس بالمسجد الأموي، ومدارس دمشق، وأخذ علمه من مشايخ الشام، وقد ذكر عددا كبيرا من شيوخه الذين أجازوه، والذين قرأ عليهم، وأشار إلى العلوم التي حصّلها، وقرأها على شيوخه، ومنهم الشيخ القاضي بدر الدين بن المغربي المتوفى سنة ٨٦٨ هـ، وقال عنه ابن الحمصي في كتابه (حوادث الزمان): «عرضت محفوظاتي عليه في رابع جمادى الآخرة سنة سبع وستين وثماني مائة (٨٦٧ هـ)، وأجازني».
وفي نفس العام، التقى ابن الحمصي بالشيخ العلاّمة، زين الدين أبي الفهم عبد الرحمن الشافعي، القابوني، الدمشقي، بالجامع الأموي، وعرض عليه محفوظاته، فأجازه، وكتب له بذلك. وسمع منه عن الشيخ زين الدين العراقي، صاحب الألفية في علم الحديث، والمصنفات الكثيرة، وذكر ابن الحمصي بعضا منها.
وكان من شيوخه بالشام، الشيخ برهان الدين الزرعي، الشافعي المتوفى سنة ٨٧٩ هـ، والذي قال عنه ابن الحمصي: «قرأت عليه صحيح البخاري بكماله، وأجازني، وكتب لي إجازة حافلة في رابع وعشرين جمادى الآخرة سنة ٨٧٣ هـ، وشرحت عليه المنهاج للنووي، والأشنهية في الفرائض، وغير ذلك».
وعرض ابن الحمصي علمه، ومحفوظاته على بعض علماء حلب، كالشيخ ابن مقبل فأجازه. ذكر ذلك في كتابه (حوادث الزمان) فقال «الشيخ المسند المعمر شمس الدين محمد بن مقبل، المتوفى سنة ٨٦٩ هـ، وأنه كتب لي بالإجازة من حلب».
وحضر مؤرخنا مجلس المحدث، قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن قاضي
_________
(١) ابن الغزي: هو نجم الدين محمد بن رضي الدين الغزي من علماء دمشق، نزح أجداده من غزة إلى دمشق. وولد نجم الدين سنة ٩٧٧ هـ وتوفي سنة ١٠٦٠ هـ. كان أبوه شيخ الإسلام. وله مؤلفات في الحديث والنحو واللغة والشعر، وتعلم بدمشق، ورحل إلى حلب ومكة والمدينة طلبا للعلم. وأشهر كتبه كتاب: الكواكب السائرة. ويترجم فيه للأعيان في دمشق وحلب وبلاد الشام ومصر والحرمين والأتراك، ويتألف من ثلاثة أجزاء، وفيه تغطية لتراجم القرن العاشر بكامله.
стр. 7
عجلون، في الجامع الأموي، وحصل منه على الإجازة.
وأخذ ابن الحمصي العلم في مصر، عن قاضي القضاة، الشيخ زكريا زين الدين الأنصاري (١)، المصري، القاهري، الذي فوض إليه القضاء نيابة، والخطابة بقلعة الجبل، لفصاحته وميل السلطان إليه.
ومن شيوخه الذين ذكرهم، الشيخ برهان الدين أبو إسحق المتوفى سنة ٨٦٧ هـ - ١٤٧١ م فقال عنه: «عرضت عليه محفوظاتي في خامس جمادى الآخرة سنة ٨٦٧ هـ وكتب لي وأجازني».
وكان ابن الحمصي شافعي المذهب، كتب عن شيوخه، وترجم لهم، وحضر مجالسهم، وذكر إجازتهم له، وسجّل مؤلفاتهم، وما صنفوه، وكانت أغلب إجازاته في علم الحديث. ويبدو من تتبع مراحل تحصيل ابن الحمصي لعلومه، وكانت أغلب إجازاته، نجدها تنحصر ما بين عامي ٨٦٧ هـ - ٨٧٩ هـ١٤٦٢/ م - ١٤٧٤ م. وأنه درّس في سن مبكرة الفقه وناب في القضاء عن القاضي شهاب الدين ابن الفرفور (٢). وكان يخطب بالجامع الأموي استقلالا بوظيفته. وقال عن ذلك: «خطب القاضي محب الدين الدسوقي بالجامع الأموي، عوضا عني، لأنني حصل لي ضعف، فانقطعت عن الخطبة، وقد تمّ لي في خطبة الجامع الأموي خمس سنوات» أي من عام ٩١٥ هـ - ٩٢٠ هـ. وبعد عودته من مصر، انقطع عن الخطابة لأسباب صحية، ثم عاد إليها في الجامع الأموي سنة ٩٢٩ هـ، وقال في ذلك «هي أنه حال فراغي من الخطبة بجامع بني أمية، صرخ صارخ يقول وقع الحريق … إذا قائل يقول: حرقت دمشق» (٣).
وذكر ابن الحمصي في الجزء الثاني من كتابه (حوادث الزمان)، أنّه كان يحضر مجالس الأمراء المماليك، ومناسباتهم مع جمع من الشيوخ والقضاة العلماء، ومثال
_________
(١) الشيخ زكريا الأنصاري: هو قاضي القضاة شيخ الإسلام في مصر زكريا زين الدين الأنصاري، الأزهري الشافعي. ولد في الشرقية سنة ٨٢٤ هـ. وتعلم بالقاهرة وصار من أكبر المحدثين والفقهاء، وحجة في علوم الحديث والفقه، عمل في التدريس وقصده طلاب العلم من بلاد الحجاز والشام، وتولى القضاء ومناصب أخرى كالإفتاء، وتولى قضاء الشافعية أكثر من عشرين سنة أيام السلطان قايتباي. وصنف كتبا كثيرة في علوم اللغة والحديث والفقه، وعاش زكريا طويلا، وقيل بلغ مائة سنة وسنتين وتوفي سنة ٩٢٦ هـ. انظر: بدائع الزهور لابن إياس ٥/ ٣٧ وابن العماد. شذرات الذهب ٨/ ٢٠٠. والغزي: الكواكب السائرة ١/ ١٩٧ وابن الحمصي في (حوادث الزمان).
(٢) ابن العماد: شذرات الذهب ٨/ ٢٠٠.
(٣) ابن الحمصي: حوادث الزمان الجزء الثالث مخطوط.
стр. 8
ذلك حضوره مع شيخ الإسلام زكريا، ونوابه عقد نكاح الأمير طومان باي، الدوادار الثاني بالقلعة، في ٣ جمادى الآخرة سنة ٩٠٣ هـ - ١٤٩٧ م، وأنّه كان يحضر مع القضاة، والعلماء لتهنئة السلطان بالشهر، في القلعة، فقال: «وكنت حاضرا معهم» (١).
وبعد كل ما قدمناه عن ابن الحمصي المؤرخ، فإنّ من الأهمية بمكان أن نلقي نظرة على الزمان الذي عاش فيه، منذ منتصف القرن التاسع الهجري، وحتى منتصف القرن العاشر الهجري. وتعتبر هذه الفترة هامة في تاريخ العرب في الشام ومصر، لأنها فترة تدهور، وضعف الدولة المملوكية. فقد سادت الاضطرابات أنحاء الدولة، وظهرت الفتنة العصبية العربية، ضد المماليك، وخاصة في مصر، تمثلت بغارات، واعتداءات على هياكل السلطة، في الأقاليم البعيدة عن القاهرة، كما أفسد أمراء المماليك الحياة العامة، من خلال ظلمهم الناس، والاستيلاء على ممتلكاتهم، وخلافاتهم فيما بينهم على المكاسب والمال، ولم تعد خزانة السلطنة قادرة على دفع رواتب الجيش، والإنفاق على الحملات العسكرية في الشمال، ضد العثمانيين وغيرهم، مما سهل على الأتراك العثمانيين هزيمة المماليك في معركة مرج دابق، ووضع مصر والشام تحت السيادة العثمانية، وحدوث تغييرات اجتماعية، واقتصادية هامة تبعا لذلك. وكان ابن الحمصي شاهدا متنقلا بين مصر والشام، فروى ما رآه من أحداث وأخبار، رواية مؤرخ عاش الحوادث وتأثر بها.
وهناك أربعة رصدوا حركة التأريخ في مصر والشام في هذه الفترة، وهم: ابن إياس وابن زنبل في مصر، وابن الحمصي، وابن طولون في الشام.
وعاش ابن طولون في دمشق (٨٨٠ هـ - ٩٥٣ هـ) (١٤٧٥ م - ١٥٤٦ م) وعاصر ابن الحمصي، (٨٤١ - ٩٣١ هـ) (١٤٣٧ - ١٥٢٤ م) فكانت نشأة، وثقافة، وبيئة المؤرّخين متشابهة، حتى أنهما تشابها في منهجهما، ومؤلفاتهما، والعلوم التي حصّلاها، وشيوخهما (٢).
واشتغل المؤرخان بوظائف التدريس، والخطابة، والإقراء، والفقه في مدارس دمشق، ومساجدها. وعاشا في مدينة واحدة هي دمشق، وفي عصر واحد، ولم يذكر
_________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ٢ أحداث سنة ٩٠٣ هـ.
(٢) ابن طولون ألف كتابا سماه «مفاكهة الخلان في حوادث الزمان» وهو تاريخ لمصر والشام يغطي الفترة من ٨٨٠ هـ - ٩٢٦ هـ في الإقليمين ورتبه على طريقة الحوليات. وكذلك نهج ابن الحمصي ٨٤١ هـ - ٩٣١ هـ في كتابه «حوادث الزمان».
стр. 9
أحدهما الآخر، ولا ندري سبب هذا التجاهل، وربما كان سببه التنافس الشديد بين المؤرخين (١).
ولكن ابن طولون كان أسعد حظا من ابن الحمصي، لأنّ كتبه نشرت، واعتنى بها الباحثون والمستشرقون، في حين ضاعت كتب ابن الحمصي، ولم نعثر إلا على كتابه «حوادث الزمان» الذي نحن بصدد تحقيقه، ووجد متناثرا في أنحاء مختلفة من العالم.
وهذا يفسر جهلنا بهذا المؤرخ في بلده دمشق.
وفي مصر كان المؤرخ محمد بن إياس (٨٥٢ هـ - ٩٣٠ هـ) (١٤٤٧ م - ١٥٢٣ م)، معاصرا لابن الحمصي، وشاهد، وأرّخ بداية السيطرة العثمانية على مصر، كما فعل ابن الحمصي في الشام، والغريب أن ابن الحمصي رحل إلى مصر، وأقام بها طويلا، بحكم شغله مناصب عدة في القاهرة، منها منصب نائب قاضي القضاة الشافعي، وهو من الوظائف الهامة، وهو في عمره متقارب من عمر ابن إياس، فإن أيّا منهما لم يترجم للآخر، ولم يذكره في مؤلفاته، بالرغم من أنّ كليهما، يقف مؤرخا، عملاقا، في العصرين المملوكي والعثماني (٢).
وكانت مؤلفات ابن إياس قد نشرت، وخاصة كتابه «بدائع الزهور في وقائع الدهور» بالقاهرة بين سنتي ١٩٦٠ - ١٩٦٣ م.
والمؤرخ المصري الكبير ابن زنبل (٣)، الذي كتب عن دخول العثمانيين إلى مصر، كان معاصرا لابن الحمصي، وشاهد عيان في جيش السلطان سليم الأول، أثناء الحرب ضد المماليك، حيث كان موظفا بديوان الجيش العثماني. وقد سجل في كتابه «تاريخ واقعة السلطان سليم مع السلطان الغوري»، جميع الأحداث منذ هزيمة المماليك في معركة مرج دابق بالشام، وحتى دخول العثمانيين إلى مصر، وإسقاط الدولة المملوكية، وما تبع ذلك من تنظيمات وتغييرات في بنية الدولة. ويعتبر كتاب ابن زنبل من المراجع الهامة في تاريخ الشام ومصر.
ولكن المراجع التاريخية في القرن العاشر الهجري، لم تنصف ابن الحمصي، وابن زنبل، ولم تبرزهما كمؤرخين عملاقين، كما أبرزت ابن إياس المصري، ومحمد بن طولون الدمشقي.
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٦.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٧٩.
(٣) هو أحمد بن زنبل الزمان له مؤلفات في التاريخ والجغرافية والتنجيم ما زالت مخطوطة وقد توفي ابن زنبل بعد سنة ١٥٥٢ م.
стр. 10
وهناك قاسم مشترك بين ابن طولون، وابن الحمصي، هو أنهما من العلماء الذين شغلوا مناصب هامة في الدولة المملوكية، وأبناء عصر واحد عاشا أحداثه، ودوّناها، كأفضل ما يكون التدوين في الكتابة التاريخية.
٣ - دوافع ابن الحمصي لكتابة التاريخ:
تلقى ابن الحمصي في دمشق ومصر، ثقافة واسعة في مختلف علوم عصره، التي اطّلع عليها وحفظها، وتمثّلها حتى نضجت معارفه، فقدّمها للمجتمع من خلال التدريس في مدارس دمشق، ومشاركته في القضاء في مصر، ومجالسته للعلماء، والأعيان، وحصوله على عشرات الإجازات، من علماء الشام ومصر، والحجاز، والتزامه العلم ومؤسساته، ولم يكترث سنة ٩١٧ هـ، لما وضعته السلطة المملوكية في الترسيم، مع عدد من طلبة العلم، وفيهم كاتبه.
وتوقفت خطبته في مسجد دمشق، فاحتج الناس على الحاجب بسبب ما فعله مع ابن الحمصي (١).
وإن كان ما أسلفنا عن ابن الحمصي من دوافع غير مباشرة للكتابة، فإن دوافعه للكتابة في علم التاريخ تحديدا تتلخص بما يلي:
١ - انتماء ابن الحمصي لطبقة العلماء في الدولة المملوكية، وثقافته الموسوعية، تؤهله لأن يكون في صف علماء التاريخ.
٢ - دراسة ابن الحمصي لعلم الحديث، لأن النبي ﷺ حدّث عن أيام الجاهلية، وقصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم.
٣ - عناية الصحابة والتابعين بعلم الأخبار، والرواية التاريخية.
٤ - محبة ابن الحمصي لعلم التاريخ، وإدراكه لأهميته في الماضي والحاضر.
وكتب في مقدمة كتابه (حوادث الزمان)، نبذة عن مفهومه لعلم التاريخ، قال فيها:
«فعلم التاريخ جليل المقدار، عظيم الأخطار، أنواره على ممرّ الدهور لا تطفى، وفوائده الكثيرة على ذوي البصائر لا تخفى، وقد نطق الكتاب العزيز بجمل من أخبار الأمم الماضية، ونبذ من أنباء القرون الخالية، حدّث النبي ﷺ بكثير من قصص الأيام الإسرائيلية، وما جرى من الوقائع في زمن الجاهلية، ولا ريب أنّ
_________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان ٣/ ١٧ أمخطوط.
стр. 11
الاعتناء بعلم الأخبار، لم يزل من لدن الصحابة الأبرار، ومن تابعهم من التابعين الأخيار، وتابعيهم من الأئمة على ممر الأعصار. ولو لم يكن في معرفته إلا التحلي بما يزين، والتخلي مما يشين، لكان في ذلك للطالب كفاية وللمسترشد هداية» (١).
وقد كان ابن الحمصي متابعا لمؤلفات من سبقه من المؤرخين في عصره، كابن حجر العسقلاني، واعتبر كتابه (حوادث الزمان)، ذيلا على تاريخ العلامة شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، المسمى (إنباء الغمر بأبناء العمر)، الذي وصل فيه إلى سنة ٨٥٠ هـ - ١٤٤٧ م ثم تبعه ابن الحمصي في بدء كتابه اعتبارا من سنة ٨٥١ هـ.
٤ - مؤلفات ابن الحمصي:
لم يذكر العماد الحنبلي الذي ترجم لابن الحمصي، ما صنّف من كتب، واكتفى بترجمة قصيرة، تشبه التعريف بشخصية هذا المؤرخ الكبير، إلاّ أنّ ابن الحمصي أشار في كتابه الذي نحن بصدد تحقيقه، ودراسته «حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران»، أنّه صنف كتابين في التاريخ هما:
أ - التاريخ الكبير: ويبدو أنه كتابه الأول، وأطلق عليه في سياق ما ذكره عنه، اسم (تاريخي الكبير). ولا نعرف الفترة الزمنية التي تناولها المؤرخ في هذا الكتاب، إلاّ أنه أشار إلى أخبار وحوادث متفرقة، سبق له ذكرها في التاريخ الكبير، فأورد في كتابه الثاني «حوادث الزمان» أحداثا جرت في سنة ٨٦٢ هـ - ١٤٥٧ م، منها: ترجمة الشيخ علاء الدين الحنبلي البغدادي، وأنه كان يفتي بمسألة ابن تيمية في الطلاق الثلاث، وقد امتحن بسبب ذلك، في أيام قاضي القضاة، جمال الدين الباعوني الشافعي، وأركب على حمار وطيف به في شوارع البلد، ونودي عليه «هذا جزاء من يقول: بمسألة ابن تيمية في الطلاق الثلاث، وسجن، وورد بذلك مراسيم السلطان، ووقعت أمور يطول شرحها في هذا المختصر، وقد أوضحتها في تاريخي الكبير، سنة ثمان وأربعين وثماني مائة فراجعه» (٢).
ومن تتبع القارئ لكتاب «حوادث الزمان»، يلاحظ أنّ ابن الحمصي يحيل قارئه في الحوادث إلى تاريخه الكبير الذي أشار إليه، فمثلا عند ما يذكر أحداث عام ٨٧٢ هـ - ١٤٦٧ م، وفي أول سلطنة قايتباي، يسلط الأضواء على النزاع بين أمراء
_________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان مخطوط ج ١ ص /١ ب.
(٢) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ١ أحداث عام ٨٦٢ هـ. ودراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام د. ليلى أحمد. ص ١٨١.
стр. 12
المماليك على السلطة والنفوذ، ومنصب السلطان فيقول: «وجرت أمور يطول ذكرها في هذا المختصر، وقد أوضحت ذلك كله في تاريخي الكبير فراجعه فإنه مهم» (١).
ولم يصل إلينا كتاب التاريخ الكبير لابن الحمصي، ولم يذكره أحد سواه، وربما ضاع، أو أصابه التلف، أو نقل كغيره من كتب التراث، خارج الوطن العربي، وقد يكتشفه الباحثون في المستقبل، ويضعونه بين أيدي الأجيال القادمة، عندها يمكن جلاء الغموض، الذي أحاط بشخصية المؤرخ ابن الحمصي، ومؤلفاته، وسيرته التي أغفلها المؤرخون الذين عاصروه. كما أنني أميل إلى الرأي القائل، بأن التاريخ الكبير لابن الحمصي تناول الفترة الزمنية للأعوام من ٨٥١ هـ إلى ٩٣٠ هـ - ١٤٤٦ م - ١٥٢٣ م. بكثير من الشمول والتفصيل، وأنّ ما بين أيدينا مختصر له (٢).
ب - كتاب حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ والأقران: ونترك التعريف بهذا الكتاب لمؤلفه ابن الحمصي، الذي قال عنه في مقدمته:
«هذا تعليق مفيد، جامع مزيد، جمعت فيه ما يسّره الله لي من حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ والأقران، منذ مولدي سنة إحدى وأربعين وثماني ماية ٨٤١/ هـ - ١٤٣٦ م/ (٣) وهلمّ جرّا، مفصلا في كل سنة على ما وقع لي وحررته، وشاهدته، واعتمدته، وهذا الكتاب يحسن أن يكون ذيلا على تاريخ العلاّمة، قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر الشافعي (٤)، المسمّى إنباء الغمر بأبناء العمر. فإنّه وصل فيه إلى سنة خمسين وثماني ماية، وابتدأه من مولده سنة ٧٧٣ هـ - ١٣٧١ م، ووفاته ﵀ السبت ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ - ١٤٤٧ م. وقد جعل كتابه المذكور ذيلا، على تاريخ الحافظ عماد الدين ابن كثير. وسميته حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ
_________
(١) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ١ أحداث عام ٨٧٢ هـ. ودراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام د. ليلى أحمد. ص ١٨١.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨١.
(٣) يتضح من ترتيب الحوادث بحسب السنين في الكتاب أن المؤرخ ابن الحمصي لم يبدأ بذكر الأحداث منذ سنة ٨٤١ هـ كما ذكر في مقدمته وهي تاريخ ولادته، ولكنه بدأ بتدوينها ابتداء من سنة ٨٥١ هـ.
(٤) هو شهاب الدين أحمد بن حجر المؤرخ والعالم المصري الشهير، صاحب المصنفات الكثيرة في علوم الحديث والفقه والتراجم، وأهمها كتاب «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» وكتاب «إنباء الغمر بأبناء العمر» وهو تاريخ شامل لمصر بدأه منذ مولده عام ٧٧٣ هـ وحتى وفاته في عام ٨٥٢ هـ١٤٤٨/ م. وكان ابن حجر عالم عصره في الفقه والتدريس والإفتاء والحديث. واطلع على علوم عصره في الحجاز والشام واليمن ومصر، وتولى منصب قاضي القضاة الشافعية في الدولة المملوكية في مصر منذ عام ٨٢٨ هـ١٤٢٤/ م.
стр. 13
والأقران. والله أسأل أن يختم لنا بخير وعافية، بلا محنة فإنه المستعان، وعليه التكلان».
ويتألف كتاب حوادث الزمان، من ثلاثة أجزاء، ويؤرخ الأحداث في مصر والشام، وتراجم الأعيان والشيوخ فيهما، في الفترة ما بين عامي ٨٥١ - ٩٣٠ هـ/ ١٤٤٧ - ١٥٢٦ م.
- ويسجل الجزء الأول من الكتاب، الحوادث والوفيات في مصر والشام، في الفترة من سنة ٨٥١ هـ، إلى سنة ٨٩٤ هـ١٤٤٧/ م - ١٤٩٠ م/. والنسخة الموجودة منه بخط المؤلف، وقد أتمها في القاهرة، كما سجل هو في خاتمتها في عام ٨٩٤ هـ - ١٤٨٨ م، وهي موجودة الآن بمكتبة فيض الله باستانبول، وتوجد منها صورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وتشتمل على ١٦٠ ورقة تحت رقم ٢٢٢ تاريخ.
ويلاحظ سقوط سنوات قليلة بسبب الانتقال من جزء إلى جزء.
- والجزء الثاني من حوادث الزمان، يسجل الأحداث من سنة ٩٠٣ هـ - ١٤٩٧ م إلى سنة ٩٠٨ هـ - ١٥٠٢ م، والنسخة الموجودة منه بخط المؤلف، في مكتبة كمبريدج، وتوجد منها صورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، مسجلة تحت رقم ٥١ تاريخ وتشتمل على ٩٦ صفحة.
- والجزء الثالث من كتاب حوادث الزمان، يؤرخ للفترة من سنة ٩١٥ هـ - ١٥٠٩ م إلى سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م، وتوجد نسخة منه بخط المؤلف بمكتبة رفاعة رافع الطهطاوي بسوهاج، ومنها صورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم ٢٣٩، وهي في ١٩٥ صفحة، ويبدو أن المؤلف كتبها في شيخوخته لأن خطها أقل جمالا، مما كان في الجزأين الأول والثاني.
ونستنتج مما قدمناه، أنّ أجزاء الكتاب كانت مفرقة، ومشتتة في أنحاء العالم، فمنها ما هو في تركيا، ومنها ما هو في بريطانيا، والأخير في مصر (١) وهذا ينطبق على كتاب التاريخ الكبير لابن الحمصي، الذي ضاع، ولم يعرف مصيره حتى الآن.
ونجد ابن الحمصي، يؤرخ في الجزأين الأول والثاني من كتابه (حوادث الزمان)، للفترة المملوكية في الشام ومصر، كأحد أبرز مؤرخي العصر المملوكي، وفي الجزء الثالث من الكتاب، يؤرخ ابن الحمصي، للفترة العثمانية في مصر والشام،
_________
(١) وكان لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة الفضل، في نقل صور من الأجزاء الثلاثة لهذا الكتاب إلى القاهرة.
стр. 14
ويقف في الصف الأول بين مؤرخي العصر العثماني في الشام ومصر (١). وكان شاهد عيان لكل ما سجله في كتابه، من حوادث ووفيات، وظواهر اجتماعية، أو مناخية.
٥ - منهج ابن الحمصي وأسلوبه:
نهج ابن الحمصي في كتابه، نهج المؤرخين الإسلاميين التقليديين، فبدأ تاريخه بحمد الله والصلاة على نبيه، وذكر مقدمة عن علم التاريخ وأهميته، ثم كتبه على طريقة الحوليات بالأيام والشهور والسنين، فجاء سجلاّ يوميا، لما وقع بالشام ومصر، وجاراتهما من الحوادث الكبرى، والصغرى، في عصر المؤرخ. وقد رتب حوادث كل عام، تحت عنوان باسم ذلك العام بخط كبير. وكان يفتتح السنة بذكر الوظائف الكبرى في الدولة المملوكية، ومن يتولاّها، وخاصة إذا جاء بدء السنة موافقا لتولية سلطان جديد، بسبب ما يحصل من تغيير، وتبديل بين موظفي السلطنة، ويذكر المؤرخ أصل السلطان وماضيه، ثم ينتقل إلى ذكر الحوادث، والأخبار حسب ترتيبها الزمني، ثم يختم العام بذكر الوفيات والترجمة لأصحابها. ويطيل فيها إذا كان المترجم له من شيوخ ابن الحمصي أو من الشخصيات الهامة في الدولة، أو المجتمع، ويقصر الترجمة لغيرهم، وقد اقتفى ابن الحمصي أثر ابن حجر العسقلاني، في عنايته بتراجم النساء المحدّثات الفاضلات (٢).
ومنهج ابن الحمصي في التاريخ هو منهج إسلامي تقليدي، اتبعه من سبقه ومن جاء بعده من المؤرخين المسلمين، حتى القرن الثامن عشر، وكان كغيره من المؤرخين، سمّى تاريخه ذيلا على كتاب ابن حجر العسقلاني، فقد كانت العادة التي درجوا عليها، أن يقول معظمهم: إن تاريخه ليس سوى ذيل، أو تكملة لكتب من سبقهم. والهدف من ذلك، أن يستمدوا لأنفسهم من شهرة السابقين، بربط مؤلفاتهم إلى كتب، سلّم الناس بأهميتها من قبل (٣).
وهناك ظاهرة ملفتة للنظر، نهج عليها المؤرخون العرب المسلمون وهي:
اختصار كتبهم ومؤلفاتهم الكبيرة إلى صغيرة، وذلك للتسهيل على القارئ، والرغبة في التداول، أو التركيز على موضوعات معينة. وكذلك فعل مؤرخنا ابن الحمصي، باختصاره تاريخه الكبير، المفقود الآن في كتاب آخر سمّاه «حوادث الزمان».
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٣.
(٢) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٣ - ١٨٤.
(٣) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٤.
стр. 15
ومفهوم ابن الحمصي عن التاريخ، موسوعي يندرج في إطار مفهوم المدرسة التاريخية العربية، التي كانت ترى أنّ التاريخ علم يسع غيره من العلوم، والفنون، والمقاصد، كالحوليات، والمدونات اليومية، والوفيات والتراجم (١).
وابن الحمصي كغيره من معاصريه، يورد الحوادث، والحقائق دون تحليل أو تعليل، أو استقصاء، أو ربط حادثة، أو خبر بأسبابه، أو نقده، إلا من بعض التعليقات على الحوادث، بهدف استخلاص العبرة والعظة.
وقد كان أسلوب ابن الحمصي في كتابه (حوادث الزمان)، سهلا، وكتب بلغة سهلة، خالية من الأخطاء اللغوية والنحوية، إلا أنّه يذكر في بعض الأحيان، عبارات أو كلمات عامية مثل «الأعوام» في سياق روايته عن ثورة جان بردي الغزالي بالشام سنة ٩٢٦ هـ١٥٢٠/ م، ضد السلطنة العثمانية فقال: «لما بلغه أن القلعة التي بدمشق قفلت وحصّنت، زحف عليها بعسكره، وبالأعوام ففتحها» (٢).
٦ - أهمية تاريخ ابن الحمصي والنقول عنه:
يعتبر تاريخ ابن الحمصي «حوادث الزمان»، من المصادر المهمة جدا لدراسة تاريخ بلاد الشام، ومصر، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. وقد ركز ابن الحمصي اهتمامه في كتابه، على أخبار وحوادث مصر والشام، وكان اهتمامه بأخبار الولايات العربية ثانويا، وكان يعتمد في تسجيلها على ما يبلّغه له القادمون من البلاد الإسلامية المجاورة (٣)، ولكن أحداثه، ورواياته عن أخبار مصر والشام، فقد كان شاهد عيان لمعظمها، لأنه عاشها وتأثر بها، وجرت حول مكان إقامته في القاهرة، أو دمشق. وتأتي أهمية تاريخ ابن الحمصي، من تدوينه أحداث دمشق والشام ومصر في الفترة المملوكية، وفترة الانتقال من العصر المملوكي، إلى عهد السلطنة العثمانية، وخاصة بداية خضوع الشام للحكم العثماني، بعد معركة مرج دابق قرب حلب، التي انهزم فيها المماليك وانهارت مقاومتهم في مدن سورية.
وفي الجزء الثالث من كتاب (حوادث الزمان)، سجل ابن الحمصي أحداث عام ٩٢٢ هـ١٥١٦/ م، منذ خروج السلطان قانصوه الغوري مع جيشه من مصر، قاصدا الشام للتصدي للغزو العثماني، ووصف موكبه حين دخل إلى دمشق، والمدة التي
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٤.
(٢) ابن الحمصي: حوادث الزمان ج ٣ ص /٧١ أالمخطوط.
(٣) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٥.
стр. 16
قضاها بها، ورحيله عنها إلى حلب، وركز على التفاصيل في موقعة مرج دابق، التي نشبت يوم الأحد ٢٦ رجب سنة ٩٢٢ هـ - ١٥١٦ م وما كان من «وقوع الكسرة على عسكر سلطان مصر».
وذكر ابن الحمصي تفاصيل وفاة السلطان قانصوه الغوري، وترجم له ترجمة مطوّلة، تناولت حياته، وتاريخ توليه السلطنة، ومدة حكمه، وأعماله وتاريخ وفاته، وما تعرض له خلال سلطنته من مشكلات، واضطرابات.
ثم تناول في الجزء الثالث من الكتاب، وصول السلطان سليم الأول العثماني إلى دمشق، وتحركاته فيها، وتنظيماته الإدارية والعمرانية، وصلاته في الجامع الأموي في يوم جمعة، ورحيله بموكبه خلف جيوشه الزاحفة إلى مصر. وصوّر حالة الفوضى، والاضطراب في الشام ومصر، والخوف من تقدم العثمانيين نحو القاهرة، وترتيب المماليك للمقاومة في القاهرة والصعيد، فقال في مستهلّ سنة ٩٢٣ هـ١٥١٧/ م «استهلّت والناس في اضطراب شديد، وأمور الناس غير مستقيمة لانقطاع الطرق، وكثرة القتلى. وورد الخبر إلى دمشق، بأن السلطان سليم شاه ابن عثمان، المتقدم ذكره، وصل إلى مصر في تاسع عشرينه ذي الحجة».
وذكر ابن الحمصي أحداثا هامة في تاريخه (حوادث الزمان)، منها: مرسوم السلطان سليم الأول الذي بعث به إلى دمشق، وتضمن إتمام السلطان فتح مصر، وإلحاقها بدولته.
وأورد في أحداث عام ٩٢٦ هـ - ١٥١٩ م، ثورة جان بردي الغزالي نائب الشام، على العثمانيين. وكيف تسلطن، وأمر بالدعاء لنفسه على المنابر، وخرج على السلطنة في استانبول، وجند العساكر وحارب العثمانيين، الذين بعثوا حملة كبيرة قضت على ثورته، وأعادت بلاد الشام، إلى دائرة النفوذ العثماني المباشر.
وسجل ابن الحمصي ثورة أخرى في مصر، قادها أحمد باشا والي مصر للعثمانيين سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م، وذلك في الجزء الثالث من كتاب حوادث الزمان فقال: «وصل الخبر إلى دمشق، أن الأمير أحمد الوزير نائب مصر تسلطن بها، وضرب الدرهم، والدينار باسمه، ولقب بالعادل، فلما بلغ نائب الشام، وأمراء دمشق الخبر، انزعجوا لذلك انزعاجا عظيما، وحصنوا قلعة دمشق».
ودوّن ابن الحمصي من الأحداث الهامة في الشام ومصر، أخبار الحكام، والنواب في دمشق، والقاهرة، وأسماء النواب، ونقلهم إلى وظائف أخرى، أو خلعهم، أو وفاتهم، وكذلك أخبار رجال الإدارة من المماليك، أو من العلماء،
стр. 17
وأخبار الأدباء، والعلماء، ومناصبهم التي شغلوها، ومؤلفاتهم، وأحوالهم، وأخبار القضاة، ومناصبهم في مصر والشام (١) وتطرق لرجال الجيش، ووظائفهم الحربية، والإدارية، وأورد أيضا سيلا من المصطلحات، التي كانت سائدة في العهدين المملوكي، والعثماني.
ويبدو أن كتب ابن الحمصي ومؤلفاته كانت معروفة في بلاد الشام ومصر، في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، لأن نجم الدين الغزي صاحب كتاب (الكواكب السائرة)، اعترف في كتابه المذكور أن كتاب ابن الحمصي كان من مراجعه، ولا بدّ أنّه نقل نقولا كثيرة منه، ويتضح ذلك من تراجم الرجال المشتركة بين المؤرخين، وذكر الغزي في الكواكب: «وكنت قد وقفت على قطعة صالحة من تاريخ العلاّمة شهاب الدين أحمد الحمصي، الخطيب الشافعي، الذي ضمّنه من مهمات الحوادث والوفيات، فإذا هو تاريخ عجيب، غير أنه سلك فيه مسلك الإيجاز، والتقريب، فدعاني ذلك إلى تأليف هذا الكتاب» (٢).
ومن يطّلع على كتاب الكواكب السائرة للغزي، يجد أنّه نقل كثيرا من التراجم، من كتاب ابن الحمصي، المسمى بالتاريخ الكبير، والذي اختصره مؤلفه، وسمّاه (حوادث الزمان). والدليل على ذلك، هو أنّ كتاب حوادث الزمان، لم تذكر فيه أحداث سنة ٩١١ هـ - ١٥٠٥ م. في حين نقلها الغزي من تاريخ ابن الحمصي الكبير، والذي يعتبر من المصادر التاريخية الهامة، عن الفترة الزمنية الممتدة من أواخر العصر المملوكي، وبداية العصر العثماني، بشأن بلاد الشام ومصر.
٧ - ابن الحمصي والحياة الاجتماعية في مصر والشام:
اهتم ابن الحمصي في كتابه (حوادث الزمان)، بالحياة الاجتماعية في مصر والشام، وسجّل بعض الظواهر الاجتماعية، التي كانت سائدة في الدولة المملوكية، مثل: الأعياد، والمواسم، والحفلات الشعبية، والمواكب، وإقامة الزينات، في المناسبات الهامة، كانتصار جيش السلطان في الحرب. فقد ذكر ابن الحمصي في الجزء الثالث، من كتابه (حوادث الزمان) انتصار السلطان سليمان العثماني عام ٩٢٩ هـ، في جزيرة رودس، فقال:
«وصل الخبر السّار إلى دمشق على يد مصطفى الرومي، بوّاب السلطان سليمان
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٦.
(٢) نجم الدين الغزي. الكواكب السائرة ج ١ ص ٥.
стр. 18
ابن عثمان بالبشارة لنائب الشام، وأهلها بفتح مدينة رودس، التي كانت سكن الفرنج، وقطاع البحر والطرق. وله في حصارها إلى الآن، نحو تسعة أشهر ففتح الله على المسلمين بأخذها، ونودي في دمشق بالزينة التامة فزيّنت».
- كما ذكر مؤرخنا عيد وفاء النيل بالقاهرة، وكيف يتم عيد (كسر النيل) وتخليق المقياس، وكان يقوم بهذه المهمة السلطان، أو الأتابك، ويتبع ذلك احتفال بهيج، توزع فيه الخلع، والهدايا على المبشرين بتمام الفيضان.
واهتم ابن الحمصي بموسم الحج إلى الديار المقدسة في الحجاز، فسجّل أخبار قافلة الحج، والمشرفين عليها في مصر، والشام في كل عام، منذ خروجها من دمشق، والقاهرة حتى وصولها، وأخبار عودتها، وما تتعرض له من مشكلات، واعتداءات في الذهاب والإياب. فمثلا ذكر حج الناس عام ٩٢٦ هـ، فقال: «في سابع عشره توجه الحاج من دمشق، وكان حجّ لم رؤي (١) مثله قط لكثرة الخلائق التي خرجت من دمشق، ومن حلب، ومن الروم، ومن سائر البلاد. اللهم اصحبهم بالسلامة بجاه محمد».
وقد رصد ابن الحمصي في تاريخه، جميع الجرائم، وأعمال السطو والنهب والسلب التي حدثت في دمشق وضواحيها. فكتب عن أحداث سنة ٩٢٧ هـ «مما تجدد في هذا الشهر استمرار الغلاء بدمشق، وتزايد الظلم بها، وخطف النساء من الأسواق، وغيره من القبائح، وبالله المستعان».
ولم ينس ابن الحمصي، أخبار الأمراض والأوبئة التي كانت تنتشر في مصر والشام، بين حين وآخر، فذكر في أحداث عام ٩١٦ هـ - ١٥١٠ م بشهر شوال: «وفي هذا الشهر شوال، حصل للناس حمّى، وسعال وزكام، وعمّ غالب أهل البلد، واشتد ذلك، وذكروا أنه كان هكذا في القاهرة، وفي غيرها من سائر البلاد». وكتب عن مرض الطاعون سنة ٨٧٤ هـ - ١٤٦٩ م فقال: «في مستهل المحرم تزايد الطاعون بدمشق، ومات منه خلائق لا تعد ولا تحصى، واستمر إلى ثالث شهر منها». ورصد ابن الحمصي الأحوال المناخية، والفلكية في مصر والشام، فتحدث عن كسوف الشمس، وخسوف القمر، والعواصف والبرق، والرعد، وسقوط الأمطار، والثلج والبرد، والصقيع، فكتب في شهر نيسان عام ٩١٦ هـ: «وقع بدمشق مطر كثير، وبرد ورعد لم يسمع نظيره، حتى قال الناس: قامت القيامة، وحصل منه ضرر عظيم».
_________
(١) لم ير.
стр. 19
وقد عني ابن الحمصي في كتابه (حوادث الزمان)، بذكر أخبار الأعيان، ومشاهير العلماء في الشام، ومصر على السواء، فترجم لوفيات القادة، والعلماء والشيوخ، والقضاة، وكتب عن أدوارهم في المجتمع، والدولة، فظهر بين المؤرخين، على أنّه كاتب تراجم من الدرجة الأولى، وكمثال على الترجمة الوافية، ما كتبه عن القاضي زكريا زين الدين الأنصاري، المصري المتوفى عام ٩٢٦ هـ - ١٥١٩ م. كما ترجم لشيوخه من العلماء، والمحدّثين الذين سمع منهم، وأسمعهم، وأجازوه، رجالا ونساء.
٨ - ابن الحمصي والحياة الاقتصادية:
تعرّض ابن الحمصي في تسجيله لأحداث مصر والشام، في تاريخه (حوادث الزمان)، للأحوال الاقتصادية فيهما، فكتب عن التجارة، والأسواق، وأسعار المحاصيل، والسلع، ولا سيما السكر، والقمح، واللحم، والمسكوكات من الذهب، والفضة، والنحاس، والمكاييل، والموازين. وتحدث عن الغلاء، وارتفاع الأسعار، وضيق الناس به. فمثلا ذكر الغلاء الذي أصاب الشام سنة ٩٢٧ هـ، فقال: «تزايد الغلاء بدمشق وسبب ذلك كثرة العساكر، حتى أبيع رطل اللحم بستة عشر دينارا، مع قلة وجوده والأرز الرطل باثني عشر دينارا، والسمن بأربعين دينارا، والزيت الرطل بأربعة وعشرين، والسيرج كذلك، وتفصيل غلوّ الأسعار يطول شرحه، وبالله المستعان». وسجل من أحداث عام ٩٢٨ هـ - ١٥٢١ م، شدة الغلاء في موسم الحج بالحجاز فقال: «قدم الحاج الشام، وأخبروا بما وقع عليهم من الغلاء في العودة، وأنه أبيع المدّ الدقيق، بتسعة أشرفية، ورطل التمر بخمسة أشرفية، وأبيع البقسماط بسبعين».
ولم ينس ابن الحمصي أن يسجل في كتابه (حوادث الزمان)، ما كان ينشأ أو يجدّد بناؤه، من العمائر، والمساجد، والقباب، والمدارس، والمشافي، في مصر والشام كإحدى مظاهر الحضارة، والتطور فيهما. فذكر في أحداث عام ٨٨٨ هـ - ١٤٧٣ م، من أخبار الحجاز فقال: «أخبر الحجاج بعمارة الحرم النبوي، وأنّه عمر الآن عمارة عظيمة».
وذكر في أحداث سنة (٩٢٦ هـ - ١٥١٩ م)، أنّ والي الشام جان بردي الغزالي، أمر بعمارة الجامع الأموي بدمشق فقال: «بدأوا بتجديد رخام الجامع الأموي، ودهانه، ودهان أعمدته، وذهب جداره، بإشارة من ملك الأمراء، جان بردي الغزالي نائب الشام».
стр. 20
وسجّل ابن الحمصي في أحداث سنة ٩٢٨ هـ - ١٥٢١ م، أنّ السلطان العثماني، زوّد كمال الدين قاضي حماة، بالتفتيش على الأوقاف، وتحريرها بدمشق. «فابتدأ بالجامع الأموي، وزاد في الأجر على المستأجرين، نحو ألف دينار، ذكر أنها تؤخذ للذخيرة، وكذلك بقية الأوقاف جميعها».
وأضاف من الأخبار المالية عن نفس السنة: «ورد مرسوم السلطان إلى دمشق بتغيير الذهب، والفضة، وإبطال بقية معاملات السلاطين المتقدمة، فنودي على ذلك، وتعامل الناس بالمعاملة الجديدة إلى يومنا».
خاتمة:
وبعد أن استعرضنا كتاب ابن الحمصي (حوادث الزمان)، ودرسناه كمؤرخ يمكننا القول: إنّه كان أمينا في عرضه للأحداث، التي قدمها في العهدين المملوكي، والعثماني. وموضوعيا محايدا في تسجيل أخباره، ورواياته، ولم يكن له أي موقف تأييد، أو إعجاب، أو تذمر من الأحداث التي شهدها، لأنه كان من طبقة العلماء، الذين ترفعوا عن التدخل في الأمور العامة، ليحافظوا على كرامتهم، فكانوا في موقع الرعاية، والاحترام، لدى كل من السلطتين المملوكية، والعثمانية.
وكان ابن الحمصي في الجزء الثالث من كتابه، «حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران» مؤرخا عملاقا لبدايات العصر العثماني، وخاصة السنوات الأولى، التي شهدت بداية التغيير الحاسم في حياة الأمة العربية (١).
والتي كان فيها مؤرخنا شاهد عيان لأحداثها، فكتب عنها كتابة المؤرخ المعاصر في دقة، وأمانة، وفهم مستفيض لتلك الأحداث، مما جعله يقف موقف المساواة، من معاصريه المؤرخين ابن إياس المصري، وابن طولون الدمشقي (٢).
وصف النسخة المعتمدة من المخطوطة:
هذه النسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة، وتتألف من ثلاثة أجزاء (١ - ٢ - ٣) والجزء الأول، الموجود بالمعهد تحت رقم (٢٢٢) تاريخ، يشتمل على ١٩١ صفحة، مصوّر عن النسخة الأصلية، الموجودة الآن بمكتبة فيض الله
_________
(١) د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٩.
(٢) المرجع السابق نفسه.
стр. 21
باستانبول، بخط ابن الحمصي المؤلف. ويتناول فيه الأحداث من سنة ٨٥١ هـ إلى ٨٩٤ هـ١٤٤٦/ م - ١٤٨٨ م، وكتبه المؤلف بالقاهرة كما سجل هو في خاتمته في عام ٨٩٤ هـ - ١٤٨٨ م. مقاس الورقة ١٣*١٨ وفي كل صفحة ١٥ سطرا. ونسخة هذا الجزء تامة، وكتبت بخط جميل واضح، ولم يشر المؤلف إلى الأصل الذي نقل عنه، سوى ما ذكره، بأنه مختصر لتاريخه الكبير، الذي فقد، ولا نعرف له أثرا، ولكن الصورة التي بين أيدينا صوّرت عن المخطوطة الأصلية التي كتبها المؤلف بخطه.
ويبدأ هذا الجزء الأول من كتاب ابن الحمصي (حوادث الزمان)، بفوائد على الصفحة الأولى، وكذلك بولادات أولاده، وعلى الصفحة الثانية، فائدة، تتضمن من أدركه المؤلف من نواب دمشق من المماليك. وعلى الصفحة الثالثة فائدة، أوضح فيها المؤلف اسمه الكامل، وتاريخ ميلاده، ثم فائدة أخرى، عن ولادة ابنه ولي الدين، وابنه أبي الفضل، وابنه زين العابدين، وابنته خديجة. وعلى الصفحة الرابعة، دوّن المؤلف ابن الحمصي، عنوان كتابه واسمه على الشكل التالي:
«كتاب حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران»
جمع كاتبه، أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن أبي بكر بن عثمان بن عبد اللطيف بن حمد بن عبد الرحمن بن علي الأنصاري، الشهير بابن الحمصي، الشافعي.
بدأ تاريخه منذ مولده سنة ٨٤١ هـ - ١٤٣٦ م، كما قال هو. ولكن حوادث الكتاب بدأت منذ عام ٨٥١ هـ - ١٤٤٦ م، وانتهت سنة ٩٠٠ هـ - ١٤٩٤ م. وجعله مؤلفه كما قال، ذيلا على تاريخ ابن حجر العسقلاني الشافعي المسمى (إنباء الغمر بأبناء العمر) وكان تاريخ نسخ ابن الحمصي، لهذا الجزء من كتابه بخطه هو سنة ٨٩١ هـ.
أما الجزء الثاني من المخطوط، فصورته بمعهد المخطوطات العربية، موجودة تحت رقم (١٤٢٨) تاريخ، ويتألف من ٩٧ ورقة، وفي كل ورقة ١٥ سطرا، ومقاسها ١٣*١٨ سنتم.
وهذا الجزء مصور عن النسخة الأصلية، الموجودة الآن بالآستانة، بمكتبة (ملت) منذ سنة ١٣٦٨ هـ - ١٩٤٩ م، ربيع الآخر. وذكرت الدكتورة ليلى أحمد، أنه يوجد في كمبريدج نسخة عن الجزء الثاني، وأن معهد المخطوطات بالقاهرة، أخذ عنها صورة مسجلة تحت رقم ٦١ وتشتمل على ٩٦ ورقة.
ويوجد على الصفحة الأولى، من الجزء الثاني، عنوان الكتاب ثم اسم صاحبه ومالكه، الفقير، الحقير الحسيب، النسيب، السيد شمس الدين محمد الحسني،
стр. 22
المقدسي. كذلك يوجد عليه: ملكه مرّة قبله، وبعده الفقير لعفو الله عبده الفقير، محمد بن إسحق، الطامع بلطف الله.
ثم عبارة: دخل في ذمة الفقير الحقير، عبد الله كريم الدين، كاتب محكمة البانقوسة في سنة ١٠٧٧ هـ - ١٦٦٦ م، وفي الجانب الأيمن من الصفحة الأولى، اسم السيد شمس الدين عفت، وأشياء أخرى مطموسة وغير مقروءة. وعلى الجانب الأيمن منها، خاتم مستدير كتب فيه: «وقف شيخ الإسلام فيض الله أفندي، غفر الله له، ولوالديه. بشرط أن لا يخرج من المدرسة التي أنشأها بالقسطنطينية سنة ١١١٣ هـ - ١٧٠١ م» ويوجد هذا الخاتم على صفحة أخرى من هذا الجزء، وفوقها عبارة:
لناظمها الشيخ عبد الواحد الجسري إلى سيدي علاء الدين، ثم عبارة: «يا جامع الشمل».
ويبدأ ابن الحمصي في هذا الجزء، تأريخ الأحداث في سنة ٩٠١ هـ - ١٤٩٥ م، وسلطان مصر والشام الأشرف أبو النصر قايتباي. وينتهي بغاية سنة ٩١٤ هـ - ١٥٠٨ م.
أما الجزء الثالث من مخطوطة ابن الحمصي (حوادث الزمان)، فتوجد منه نسخة بخط المؤلف أيضا، بمكتبة رفاعة رافع الطهطاوي بسوهاج. ومنها صورة بمعهد المخطوطات بالقاهرة تحت رقم (٢٣٩) تاريخ. وقد أثّر الزمن بنسخة الجزء الثالث، كما أن تقدم السن بالمؤرخ ابن الحمصي، جعل خطه يهتز، وأصبح أقل جمالا، مما كان في الجزأين الأول، والثاني. ويؤرخ المؤلف في هذا الجزء، من سنة ٩١٥ هـ إلى ٩٣٠ هـ - ١٥٠٩ م - ١٥٢٣ م ويلاحظ على الصفحة الأولى من صورة المخطوط، اسم المكتبة (سوهاج ٢٣٩ تاريخ) ثم اسم الكتاب:
(حوادث الزمان) مرتب على السنين. ولم يذكر تاريخ نسخ هذا الجزء، وقياس الورقة ١٣*١٨، وعدد الأسطر مختلف من صفحة لأخرى، وعدد الأوراق هو ١٩٦ ورقة. وأنّ الصورة صوّرت عن الأصل المحفوظ بمكتبة سوهاج، في سنة ١٣٦٧ هـ١٩٤٨/ م. وهناك على الصفحتين ١ و ٣ خاتم مكتبة سوهاج، وخاتم مثله على الصفحة ١٩٦، وكتب عليها، ولدت المولود محيى الدين. وفي آخر الصفحة ١٩٥، كتب المؤلف: انتهى هذا الجزء.
ونلاحظ أنّ الأجزاء الثلاثة للكتاب، قد أصابها التشتت (١) فمنها، ما كان في
_________
(١) انظر: د. ليلى أحمد. دراسات في تاريخ ومؤرخي مصر والشام ص ١٨٣.
стр. 23
تركيا، ومنها ما هو في مصر، وثالثها في بريطانيا (١).
صحة نسبة الكتاب إلى مؤلفه:
إن كتاب «حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران» الذي تناولته بالشرح، والتحقيق، والمؤلّف من ثلاثة أجزاء، والموجود صورة عنها في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، تحت الأرقام تاريخ «٢٢٢،١٤٢٨،٢٣٩» وقد صوّرت عن الأصل الموجود في تركيا، ومصر، وبريطانيا، وهي بخط المؤرخ: أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر الأنصاري، الشهير بابن الحمصي، الشافعي، كما هو مبين على الصفحة الأولى من الجزء الأول. وذكر ابن الحمصي، أنّ كتابه حوادث الزمان، هو مختصر لكتابه التاريخ الكبير، الذي فقد ولم يصل إلينا، وأنّ كتابه ذيل على تاريخ المؤرخ ابن حجر الشهير (إنباء الغمر بأبناء العمر)، وكتبه في القاهرة، وسجل اسمه الكامل وتاريخ ميلاده، وأسماء أولاده، وبناته، وتاريخ ميلادهم. كما أنّ المكتبات التي اقتنت هذا الكتاب في مصر، وتركيا، وبريطانيا، سجلته بوضوح على أنّه لمؤلفه ابن الحمصي. وهذه الأدلة مع اعتراف ابن الحمصي بنسبة الكتاب إليه، تؤكد وتثبت من دون أي شك بأنّ كتاب حوادث الزمان، من تأليف ابن الحمصي، باعترافه، وتصريحه، وكتبه بخطه.
عملي في التحقيق:
لما كانت منهجية المؤرخ ابن الحمصي في تأليف كتابه (حوادث الزمان)، قد قامت على ترتيب الأخبار في مصر والشام، منذ منتصف القرن التاسع الهجري، إلى منتصف القرن العاشر الهجري تقريبا، بحسب السنين، فقد وضعت خطا تحت بداية كل سنة، وأشرت إلى كل ترجمة بدائرة سوداء، وفصلت الحاشية عن المتن بخط طويل، وخرّجت في الحاشية الآيات والأحاديث والأخبار، والأشعار، والأقوال.
وعرّفت بالأعلام، وترجمت لهم للإحاطة بأهم أخبارهم، وذلك من المصادر المعاصرة لهم، ما وسعني ذلك، وشرحت الكلمات التي تحتاج إلى شرح بالحواشي، ورجعت في شرحها إلى معاجم اللغة. وضبطت النصوص والأعلام، وشرحت أسماء
_________
(١) كان الفضل في نقل صور من الأجزاء الثلاثة من تاريخ ابن الحمصي إلى القاهرة، لمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة.
стр. 24
الأماكن، بالرجوع إلى معاجم البلدان، والجغرافيا. وبينت الخطأ، ورجحت الصواب، وأثبته في المتن. واعتبرت صورة المخطوط للأجزاء الثلاثة لكتاب «حوادث الزمان»، لابن الحمصي أصلا، لأنها أخذت عن النسخة الأصلية، المخطوطة بخط المؤلف نفسه، وتتبعت الصّواب أنّى وجدته، مع مقارنة ذلك بأصل الخبر، ما وجدت إلى ذلك سبيلا. وقدمت للكتاب بدراسة عن المؤرخ ابن الحمصي مطولة شملت حياته، وثقافته، وشيوخه، ومن عاصره من المؤرخين، ومؤلفاته، ودوافعه لكتابة التاريخ، وأهمية تاريخه، ومن نقل عنه من المؤرخين، ومنهجه، وأسلوبه في الكتابة التاريخية، واهتماماته الاقتصادية، والاجتماعية في مصر والشام، في أواخر العهد المملوكي، وبداية العهد العثماني.
وبذلت ما استطعت من جهد في تحقيق الكتاب، فإن أصبت فمن فضل الله وإن قصّرت، فإن الله لا يكلّف نفسا إلا وسعها.
عبد العزيز فياض حرفوش
دمشق في ١٦ شوال ١٤١٦ هـ
٦ - آذار ١٩٩٦ م
стр. 25
الصفحة الأولى من الجزء الأول من المخطوط
стр. 26
الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من المخطوط
стр. 27
فوائد متفرقة (¬*)
/ - فائدة:
توفي الوليد بن عبد الملك (١) واقف الجامع الأموي، في يوم السبت منتصف جمادى الآخرة، سنة ست وتسعين من الهجرة. وكانت مدة خلافته تسع سنين وسبعة أشهر، وتولّى بعده أخوه سليمان بن عبد الملك، وتولّى بعده عمر بن عبد العزيز.
فائدة:
مولد الشيخ العلاّمة المقرئ شمس الدين محمد بن محمد بن الجزريّ (٢) في الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة إحدى وخمسين وسبع مائة. ووفاته في العاشر من شهر الحجّة، سنة ثلاث وثلاثين وثمانمئة. رحمه الله تعالى، وهو شيخ والدي.
فائدة:
مولد الشيخ العلاّمة الحافظ زين الدين العراقي (٣) في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمئة، ووفاته في شعبان سنة ست وثمانمئة.
стр. 28
فائدة:
توفي الشّيخ العلاّمة زين الدين عمر بن الورديّ (١)، مصنّف (البهجة) (٢) سنة تسع وأربعين وسبعمئة، تغمّده الله تعالى برحمته، آمين.
فائدة:
مولد الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة الأديب (٣)، سنة ست وثمانين وستمئة، ووفاته سنة ثمان وستين وسبعمئة، فتكون مدّته اثنتان وثمانون سنة.
/فائدة:
من أدركته من نيّاب (٤) دمشق:
جلبان المؤيديّ (٥). قاني باي الحمزاوي (٦). جانم المكحّل (٧). تنم (٨) برسباي البجاسيّ (٩)، بردبك (١٠). أزبك (١١). ثم بردبك أيضا. برقوق (١٢). جاني بك
стр. 29
قلقميش (١). قانصوه اليحياويّ (٢). ثم قجماس (٣). ثم قانصوه اليحياويّ. ثم كرتبايّ الأحمر (٤). ثم جان بلاط (٥). ثم قصروه (٦)، ثم دولات باي (٧) أخو العادل. ثم قانصوه (٨) البرجيّ المحمديّ ومات بها، ثم أركماس (٩) وعزل. ثم تولّى سيباي (١٠) أمير سلاح في سابع عشر شوال. ثم تولّى الأمير أحمد يخشي الرّوميّ (١١) من قبل السلطان سليم شاه بن عثمان، وهو أول من حكم في الشام من الروم في سنة أربع وعشرين وتسعمئة. ثم بعده تولّى الأمير جان بردي (١٢) الغزاليّ الجركسيّ، من قبل السلطان سليم شاه بن عثمان، في سنة أربع وعشرين وتسعمئة، وقتل عند وصول عسكر السلطان الملك المظفر سليمان، إلى ضواحي دمشق في سابع عشر صفر، سنة سبع وعشرين وتسعمئة. ثم تولّى بعده الأمير إياس (١٣) الرّوميّ، ووصل خبر عزله إلى دمشق في سابع المحرم، سنة ثمان وعشرين وتسعمئة. ثم تولّى بعده الأمير فرحات (١٤) الذي كان نائب طرابلس، ودخل إلى دمشق في يوم الاثنين سابع عشر المحرم، سنة ثمان وعشرين وتسعمئة.
/فائدة:
مولد الفقير جامع هذا التاريخ: أحمد بن محمد بن عمر الأنصاريّ، المشهور
стр. 30
بابن الحمصي الشافعي. كما أخبرني والدي رحمه الله تعالى، وقت الثلث ليلة الجمعة، الثامن من رجب الفرد، سنة إحدى وأربعين وثمانمئة. أسأل الله الوفاة على التوحيد بكرمه آمين.
فائدة:
علامة الوليد بن عبد الملك (١)، واقف الجامع الأموي، قيل: «الله يعطيك» تغمّده الله برحمته، وأسكنه بدوحة جنّته آمين.
فائدة:
ولد الولد السعيد المبارك: ولي الدين محمد (٢) بن الحمصي، في عاشر من شهر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمانمئة.
ولد المولود السعيد المبارك: أبو الفضل (٣) عليّ، في رابع شهر شوال سنة ثمان وثمانين وثمانمئة. أنشأه الله نشوءا صالحا. وكان شهر وفاة عليّ المذكور في عشر ربيع الأوّل، ﵀، ودفن بدمشق.
• ** /هي نوبة شرف الدين ابن شيخ الإسلام، عفا الله عنه، آمين.
ولد الولد السعيد المبارك سيدي زين العابدين، كاتبه. أنشأه الله تعالى نشوا صالحا بمحمد وآله في عاشر ربيع … (٤)
ولدت الولد خديجة بنت كاتبه … (٤) ثم سميت ست العيش.
ولد الفقير كاتبه الخواجا نور الدين سنة ٩٠٣ كما نضرته بخط والدي في ثاني شوال سنة ٩٣٣.
стр. 31
/كتاب حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران
جمع كاتبه أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن أبي بكر بن عثمان ابن عبد اللطيف بن أحمد بن عبد الرحمن بن علي الأنصاري المحدث الشهير بابن الحمصي الشافعي خادم الشرع الشريف
غفر الله ذنوبه، وستر
في الدارين عيوبه
آمين
стр. 32
بداية الجزء الأول من المخطوط
стр. 33
مقدمة المؤلف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الباقي، والبقاء من صفات ذاته، الحي فلا نهاية لحياته، العالم بجميع معلوماته، القادر، وقدرته نافذة في سائر مخلوقاته، المريد فلا يخرج شيء عن إراداته، السّميع الذي وسع سمعه حركات العالم وأصواته، البصير الذي يبصر ما خفي في ظلماته، المتكلّم بكلام قديم لا مبدّل لكلماته. أحمده على جزيل هباته، وأشكره على غزير صلاته. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله تصرّف في مخلوقاته، وأتقن أمر مصنوعاته، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي نظّم شمل الإسلام من بعد شتاته، ووصل حبله بعد انقطاعه، وانبتاته، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، وبنيه، وبناته، وعلى أصحابه، وأحبابه، وزوجاته، صلاة دائمة على ممرّ الزّمان وأوقاته، مقرونة بأتم السلام، وأزكى تحياته وسلّم تسليما، وزاده شرفا وتعظيما.
وبعد: فعلم التاريخ جليل المقدار، عظيم الأخطار، أنواره، على ممرّ الدّهور لا تطفى وفوائده الكثيرة على ذوي البصائر/لا تخفى. وقد نطق الكتاب العزيز، بجمل من أخبار الأمم الماضية، ونبذ من أنباء القرون الخالية، وحدّث النبيّ ﷺ بكثير من قصص الأيّام الإسرائيليّة، وممّا جرى من الوقائع في زمن الجاهلية. ولا ريب أنّ الاعتناء بعلم الأخبار لم يزل من لدن الصّحابة الأبرار، ومن بعدهم من التّابعين الأخيار، وتابعيهم من الأئمة على ممرّ الأعصار. ولو لم يكن في معرفة ذلك إلا التّحلّي بما يزين، والتخلي عمّا يشين، لكان في ذلك للطالب كفاية وللمسترشد هداية.
وهذا تعليق مفيد، جامع فريد. جمعت فيه ما يسّره الله لي من حوادث الزمان، ووفيات الأعيان من الشيوخ والأقران، منذ مولدي سنة إحدى وأربعين وثمانمئة، وهلمّ جرّا. مفصلا في كلّ سنة على ما وقع لي، وحرّرته، وشاهدته، واعتمدته.
стр. 34
وهذا الكتاب يحسن أن يكون، ذيلا على تاريخ العلاّمة، والبحر الفهّامة، قاضي القضاة: شهاب (١) الدين [أحمد] بن حجر [العسقلاني] الشافعيّ، تغمّده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنّته.
/المسمّى: إنباء الغمر بأبناء العمر. فإنّه وصل فيه إلى سنة خمسين وثمانمئة وابتدأه من مولده سنة ثلاث وسبعين وسبعمئة، ووفاته ﵀ كما سيأتي في ترجمته، يوم السبت الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة.
وجعل كتابه المذكور ذيلا على تاريخ الحافظ عماد (٢) الدين ابن كثير، رحمه الله تعالى وسمّيته:
«حوادث الزّمان ووفيّات الشّيوخ والأقران»
والله أسأل أن يختم لنا بخير، في عافية بلا محنة، فإنه المستعان وعليه التّكلان.
٨٥١ هـ - ١٤٤٦ م - سنة إحدى وخمسين وثمانمئة:
[سلطنة الملك الظاهر جقمق]
استهلّت وسلطان مصر والشام والحجاز: السلطان الملك الظاهر جقمق (٣).
[كان] (٤) كثير المحبة لأهل العلم والقرآن، والصلحاء والفقراء. [وكان] (٥)، يحبّ من النّسّاخ للقرآن، من يكتب المصاحف الكبيرة الحجم، ويكره من يكتبها صغارا.
стр. 35
أهدى له بعض النّسّاخ مكرما (١) في غاية الكبر. فأجازه بألف دينار، وأهدى له بعض النّسّاخ مكرما في غاية الصّغر، فأمر بقطع يده، فشفع فيه.
وقال [السّلطان] (٢) له: أنت احتقرت القرآن. وأمر النّسّاخ بكتب المصاحف /الكبار، تعظيما للقرآن.
المحرم: في مستهلّه:
توفّي الشّيخ الإمام العلاّمة:
• عز الدين عبد السلام (٣) بن داود بن عثمان بن عبد السّلام بن عبّاس السّعديّ، المقدسيّ شيخ الصّلاحية.
ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمئة بكفر الماء (٤) قرية بين عجلون وحبراض (٥).
وانتقل إلى دمشق فاشتغل بها بفنون العلم، الفقه والحديث والنحو، والأصول، وغيرها، حتى صار من أعيان الزمان. ثم انتقل إلى القاهرة. فناب في القضاء، للشّيخ جلال الدّين (٦) البلقيني، ومن بعده. وكان من أعيان القضاة، ثم ولي مشيخة الصّلاحية (٧) بالقدس، ومات به يوم الخميس يرحمه الله تعالى.
وفي شهر ربيع الأول منها، توفي نائب حلب.
• قاني باي البهلوان (٨)، يرحمه الله تعالى.
- وفي تاسع عشرين جمادى الأولى، توفّي الشّيخ الإمام العالم المتحدث:
• أمين الدين محمد بن معتوق (٩) بن موسى بن عبد العزيز ابن الكركيّ،
стр. 36
الصّالحيّ الحنبليّ. ودفن بسفح قاسيون بالرّوضة، بطرفها الشّرقيّ يرحمه الله تعالى.
- وفي ثاني رجب منها، توفّي الشّيخ الإمام المحدّث بالمدينة الشّريفة:
• برهان الدين إبراهيم (١) بن محمد بن محمد بن محمد/الخجندي، الحنفي.
سمع البرهان بن صدّيق (٢)، وأجاز له جماعة، ودفن من يومه بالبقيع، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الاثنين ثالث عشري شوّال منها، توفّي الشّيخ الإمام العالم العلاّمة:
• محبّ الدّين محمد (٣) بن القاضي عز الدّين محمد بن محمد بن سليمان بن يوسف بن يعقوب بن عمر بن داود بن موسى بن نصر بن حفّاظ بن الحسين بن يحيى ابن إدريس بن محمد بن علي بن صالح بن إبراهيم بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق، البكريّ، المصريّ الشّافعيّ.
ولد بعد سنة خمس وثمانين وسبعمئة بالقاهرة، واشتغل بالفقه وغيره، وفضل، وكان ممن يتكلّم في مجلس شيخ الإسلام، ابن حجر، ومدحه بقصائد. وكان شعره مقبولا. ومات بالقاهرة في عصر يوم الاثنين، وصلّي عليه من الغد، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة منها. بعد العصر توفّي شيخ الإسلام:
• تقي الدين أبو بكر (٤) بن أحمد بن محمد بن عمر بن محمد بن عبد الوهّاب بن محمد بن ذويب بن مشرف، ابن قاضي شهبة الأسديّ، الشافعيّ، فجأة. وهو جالس يصنف، وصلّي عليه من الغد ودفن/بمقبرة الباب (٥) الصّغير، عند أسلافه، رحمهم الله تعالى. وكانت جنازته حافلة جدا، رفع سريره على رؤوس الأصابع، ورويت له منامات حسنة. ورثاه جماعة من الشّعراء، بقصائد يطول ذكرها هنا، وقد ذكرتها في تاريخي الكبير، وله مصنّفات عظيمة منها: (شرح المنهاج)، وصل فيه إلى الطلاق،
стр. 37
و (طبقات الفقهاء الشافعية). وله (التاريخ) وغير ذلك. رحمه الله تعالى.
وفي سادس عشرين ذي الحجّة منها. توفّي ملك الشّرق.
• شاه (١) رخ بن الملعون تيمور لنك. وسيرته أحسن من سيرة أبيه. وكان فيه الميل إلى العلم والعدل. وعساكره كثيرة جدا أكثر من عساكر أبيه، ومملكته متّسعة.
قابل الله أباه بما فعل. فإن أباه اللّنك (٢) الخارجي، هلك في سابع شعبان، سنة سبع وثمانمئة، بعلّة الإسهال القولنجيّ، وله تسع وسبعون سنة. وكان نصفه بطّالا، أباد البلاد والعباد وأكثر في الأرض الفساد. ولم يكن له في عراق العجم منازع، ثم ملك عراق العرب، ودخل البلاد الشّاميّة، فملكها إلاّ اليسير منها، ودخل دمشق في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانمئة، ثم دخل الرّوم فحارب المسلمين بها،/وترك الفرنج، ودخل إلى الهند قبل ذلك، فحارب المسلمين بها، وترك الكفّار، وعزم في آخر عمره، على الدخول إلى الصّين، فمضى في الشتاء فهلك من عسكره أمم لا يحصون، فرجع إلى سمرقند. فأخذه أسر (٣) البول فتمادى به حتى هلك بالقولنج.
وأراح الله منه البلاد والعباد. وقد بسطت حوادثه في تاريخي (٤) الكبير، فراجعه.
وفي هذه السنة، توفّي الشّيخ الإمام العلاّمة المحدث أقضى القضاة:
• تقي الدين (٥) أبو بكر بن علي بن محمد، ابن الحريريّ، الشافعيّ. أحد نوّاب الحكم بدمشق. أقرأ الحديث، ولازم قراءته، رحمه الله تعالى.
٨٥٢ هـ - ١٤٤٧ م سنة اثنتين وخمسين وثمانمئة:
وفي ليلة الخميس خامس عشر المحرم منها، توفي بالقاهرة الشيخ العلامة:
стр. 38
• برهان الدين (١) إبراهيم بن خضر بن أحمد بن عثمان بن جامع بن محمد بن جامع بن محمد بن فوّارة بن فضالة بن عكاشة بن يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي الطيب بن هبة الله بن أبي إسحاق بن محمد بن ميكائيل بن عمر بن عثمان بن عفان، ﵁، العثمانيّ، الصّعيديّ الأصل، القصوريّ، المصريّ، الشّافعيّ.
ولد في شوّال سنة أربع وتسعين/وسبع ماية، وخاض في فنون العلم، حتى لجج في بحورها، وكان عديم النّظير في الفقه، فاضلا في النّحو، والأصول، والحديث، ذا قريحة وقّادة وخلق حسن، ودين متين. ومات ليلة الخميس بمصر، وصلّى عليه من الغد، البدر (٢) ابن التنسي، وشيّعه خلق كثير من قضاة القضاة، وفضلاء الطلبة، وأعيان النّاس، رحمه الله تعالى.
وفي سابع عشر [من] صفر منها، ليلة الأحد، توفّي الشّيخ الإمام العالم العلاّمة:
• زين الدين (٣) عبد الرحمن بن الشيخ تاج الدين محمد بن محمد بن يحيى، السّندبيسي، الشافعي. ولد سنة خمس وثمانين وسبعمئة بالقاهرة. وكان أحد أعيان الفضلاء فقها ونحوا وحديثا، وغير ذلك. وكان [من] أعرف النّاس بالكتب. ومات بالقاهرة، وصلّى عليه من الغد شيخ الإسلام، شهاب الدين بن حجر، وسمع التّقي ابن حاتم، وجماعة. وحدّث وأفاد، رحمه الله تعالى.
وفي يوم السبت ثاني عشريه توفي بدمشق، قاضي القضاة:
• شمس الدين (٤) أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر بن علي الصفدي، الحنفي، ولي قضاء طرابلس مدة طويلة، ثم ولي قضاء دمشق، ودفن بمقبرة (٥) باب الفراديس /بطرفها الشمالي، رحمه الله تعالى.
стр. 39
وفي يوم الثلاثاء، الثالث والعشرين [من] شهر ربيع الآخر منها. توفي الشّيخ الإمام العلاّمة:
• عماد الدين (١) إسماعيل بن إبراهيم بن شرف، ذو التّصانيف في أنواع العلوم، المقدسيّ الشافعيّ. ولد سنة اثنتين وثمانين وسبعمئة، بالقدس. وكان فقيها، نحويّا، محدّثا، أصوليّا، منطقيّا، تبحّر في العلوم. وكان لا يجارى في الأنساب والفرائض، وصنف في الفقه وغيره، تصانيف كثيرة، مع الدّين المتين، إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وفي ثالث رجب منها، توفي الشّيخ العلاّمة:
• زين الدين (٢) أبو النّعيم (بالفتحة) وأبو الرّضا، رضوان بن محمد الناصر ابن يوسف بن سلامة بن البهاء سعيد. المحدّث الكبير، المكثر، المفيد، المقرئ الشّافعيّ، العقبيّ، خادم الأشرفيّة (٣). ولد بمنية (٤) عقبة من ضواحي القاهرة، يوم الجمعة من رجب سنة تسع وستين وسبعمئة. واشتغل في الفقه والنحو والقراءات حتّى فضل في كلّ منها.
ثم أقبل على الحديث، حتّى غلب عليه واشتهر به، إلى أن مات يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء رابعه، بتربة قجماس (٥) بالصحراء خارج القاهرة./وكانت له جنازة حافلة، رحمه الله تعالى.
وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين [من] رجب، منها. توفي الشّيخ الإمام:
• برهان (٦) الدين إبراهيم بن أحمد بن علي بن محمد بن القاسم بن صالح بن هاشم، ابن القاضي أبو الوفاء برهان الدّين ابن الشّيخ جمال الدّين ابن الحافظ شهاب الدين العريانيّ، المصريّ الشافعيّ.
ولد [في] ثاني عشري جمادى الآخرة، سنة إحدى وتسعين وسبعمئة، وهو من
стр. 40
بيت علم ودين، شغله أبوه بفنون من العلم، ففضل في كلّ [علم] منها. وحصل له في عقله خبل (١) في حدود سنة خمسين وثمانمئة. وتبيّن في منظره، وهيئته وحركاته الخفّة، والاختلال. إلى أن غرق يوم الأربعاء السادس والعشرين [من] رجب منها.
ثم ظهر في نواحي سدّ الأميريّة (٢)، يوم السبت تاسع عشريه فدفن، ثم نبشه بعض أهله، وأتوا به في يوم الأحد سلخه، ثم دفنوه يوم الاثنين مستهل شعبان. رحمه الله تعالى.
وفي شعبان منها، توفي الشّيخ الإمام.
• شمس الدين (٣) محمد بن محمد بن يوسف بن يحيى القاضي ناصر الدين بن سويدان، المنزلي الشّافعيّ. ولد سنة ثمانين وسبعمئة بمنزلة (٤) بني حسّون، واشتغل حتى فضل في الفقه/وغيره، ونظم الشّعر الكثير، والقصائد المطوّلة، وولي قضاء المنزلة ونواحيها، ومات بها رحمه الله تعالى.
وفي ثاني عشر شوّال منها، توفي القاضي نجم الدين:
• يحيى (٥) بن محمد بن المدني، الشّافعيّ، ولي نظر الجيش (٦) بحلب، ثم ولي كتابة السرّ (٧) بدمشق. وكانت وفاته بمنزله بصالحية دمشق، ودفن بتربته بها. رحمه الله تعالى.
وفي ليلة السبت ثامن عشرين الحجة منها، توفي شيخ الإسلام، قاضي القضاة:
شهاب الدين: