← История

История · id 30026

إنباء الهصر بأنباء العصر

ابن الصيرفي المؤرخ

Полный текст (539 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

شهر جمادى الآخر أهل بيوم الأربعاء. ففى يوم السبت ثامن عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجّه إلى خليج الزعفران فستمر به إلى آخر يوم الاثنين العشرين منه وهو فى لعب وبسط وأكل وصلاة وعبادة ومسايرة ورمى سهام وأمثال ذلك، وعاد إلى القلعة فى صحة وأمن، نصره الله. وكانوا فى أول الشهر المذكور صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه ودعوا له على العادة وانصرفوا. وفى يوم الثلاثاء حادى عشريه قدم الأمير إينال الأشقر الظاهرى [جقمق] المصروف عن نيابة حلب إلى الديار المصرية وصعد لخدمة مولانا السلطان نصره الله، فخلع عليه ونزل بدار الأمير نانق المتوفى فى وقعة شاه سوار المعروف ببيت الأمير قرقماس (١) الشعبانى. يوم الأحد سادس عشريه ركب السلطان نصره الله من قلعة الجبل وسيّر على عادته وعاد فى أمن وسلامة، ثم أصبح من الغد فركب أيضا فى نفر من خواصه وتوجه إلى الخانقاه السرياقوسية وعاد فى آخر يومه. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشريه خلع على القاضى فتح (٢) الدين أبى الفتح

стр. 177

المنوفى الذى كان فى خدمة مولانا السلطان نصره الله وهو أمير قبل مخدومه جانبك القصير الدوادار الكبير وهو الآن أحد أعيان كتاب المماليك السلطانية أعنى ثانى قلم، واستقر فى نظر المرستان (١) المنصورى ونظر الأوقاف المبرورة عوضا عن القاضى شرف الدين عبد الباسط بن البقرى (٢) بحكم عزله عنهما. وأراد أبو الفتح المذكور أن يجعل له نائبا بالمرستان المذكور بل طلب القاضى تاج الدين الإخميمى (٣) المعروف قديما بنفقته بيت القاضى بدر الدين ابن نصر الله، وحديثا بخدمة الأمير زين الدين الأستادار وقرره فى نيابته، وتوجه إلى المرستان كما كان الذى قبله وهو ابن البقرى وجعل نائبه الشيخ جلال الدين ابن الأمانة (٤)، فبلغ السلطان ذلك فأرسل إليه غلاما من الطشتخاناه (٥) بمنع القاضى تاج الدين المذكور من التكلم فى المرستان، فحصل له بذلك نوع كسر. *** شهر رجب المفرد الحرام الأصب. أهل بيوم الخميس. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه ودعوا وانصرفوا على العادة، ولم يتكلم السلطان مع أحد منهم ببنت شفة، وتوجهوا لحال سبيلهم.

стр. 178

هذا والغلاء موجود فى سائر المأكولات لا سيما سعر الغلال، فإن القمح وصل إلى ألف درهم ومائتى درهم الإردب، والشعير والفول بنحو ذلك، وقد طال هذا الغلاء بمصر والقاهرة وضواحيها نحو ثلاث سنين، فلله الأمر. وفى يوم الخميس ثامنه خلع على الأمير لاجين الظاهرى أحد المقدمين الألوف واستقر فى إمرة مجلس عوضا عن الأمير قرقماس الجلب المقتول فى وقعة شاه سوار بحكم شغورها بعد قتله أشهرا. وفى يوم السبت عاشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه لبيت المقر الأشرف السيفى إينال الأشقر ليعوده فإنه تمرّض بعد مجيئه من حلب، فقدّم للسلطان خيولا وغير ذلك فردّها ولم يقبل منه شيئا. وفى يوم الاثنين تاسع عشره قدم الأمير الأتابك جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز إلى القاهرة وتمثّل بين يدى السلطان نصره الله، فقبّل الأرض فأكرمه ورحّب به وقام له وخلع عليه كاملية بمقلب سمور، وقيّد له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ورسم له بالركوب من عند باب البحرة، فركب وتوجه إلى داره مكرما، وهذا من الفرج بعد الشدة، وإلا فما قال أحد بإطلاقه وحضوره إلى القاهرة بعد القبض عليه وسجنه وأسره، فسبحان القادر على كل شئ؛ واستمر فى داره وهو فى التهانى والأفراح والأسمطة وغيرها بعد ما عمل له بيته العزاء عليه أياما وقطعوا وجزموا بموته إلى يوم الخميس ثانى عشريه طلبه السلطان - نصره الله - وخلع عليه بإمرة سلاح عوضا عن الأمير بردبك هجين الظاهرى المقتول فى واقعة شاه سوار بحكم شغورها عنه سنة وسبعة شهور تخمينا. وخلع على الأمير إينال [اليحياوى] (١) الأشقر الظاهرى [جقمق] أحد

стр. 179

المقدمين الألوف واستقر فى وظيفة رأس نوبة النوب (١) عوضا عن الأمير سودون القصروى بحكم قتله فى واقعة شاه سوار وشعور الوظيفة بعد قتله شهورا، وأنعم عليه بإقطاع جانبك الدوادار القصير الذى كان شاد بندر جدة، وكان هذا الإقطاع مضافا للذخيرة الشريفة؛ وما فرح أحد بولاية إينال هذا للحكم بين المسلمين فإنه نقل عنه فى نيابته أحكام لا تحل ولا تجوز. وفى يوم الثلاثاء سابع عشريه طلب السلطان - نصره الله - الأمراء المقدمين الألوف لحضرته وخدمته فصعدوا بين يديه واستشارهم فى أمر شاه سوار وفى طلب من بقى من العساكر والأمراء بحلب وفى إحضار قاصد شاه سوار، واتفق أن الأتابك أزبك خرج من حلب بمن معه من الأمراء وغيرهم إلى القاهرة بغير طلب من السلطان لهم وقبل أن يصل إليهم المرسوم الشريف بأيام، ثم كتب المرسوم الشريف لنواب البلاد الشامية أن التجريدة تخرج من مصر فى أول شوال من هذه السنة لقتال شاه سوار المخذول، فتعجب الناس هل الأمر راجع إلى الصلح أم إلى القتال؟ وفيه خلع على جمق المبسوط المضحك المعروف والمشهور باسمه، واستقر فى نيابة دمياط عوضا عمن كان بها من الأمراء. ***

стр. 180

شعبان المكرم أهلّ بالسبت. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة فهنوا ودعوا وانصرفوا. وفى الاثنين رابع عشريه قدم عظيم الدنيا وصاحب حلّها وعقدها ومشيرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير يشبك من مهدى - مهّد الله له السعادة وبلّغه الإرادة - من الصعيد بعد أن غاب به نحوا من سبعة أشهر، وصعد بين يدى السلطان، فخلع عليه خلعة عظيمة قليق بمقامه، وقيّد له فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، وتوجه لداره فى موكب جسيم عظيم جليل، وفى خدمته الأمراء والمباشرون والأعيان، والله المستعان، وعليه التكلان. وبعد أيام قدّم (١) للسلطان نصره الله تقدمة بنحو مائتى ألف دينار: النقد خاصة مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار، وشعير نحو عشرين ألف إردب - والشعير ثمنه يوم ذلك أشرفيان الإردب - وغير ذلك؛ ومن جملة ذلك بواقى تزيد على خمسة آلاف دينار بالبلاد البحرية؛ وهذا شئ لم يسمع بمثله، فحفظه الله. شهر رمضان أهلّ بالأحد. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، فهنوه ودعوا له وانصرفوا ولم يتكلم معهم.

стр. 181

وفيه صعد المحتسب وشكى إلى السلطان من القمح وأنه وصل إلى ألف وثلاثمائة الإردب، فرسم أن ينادى عليه بألف درهم وفتح شونته وباع بهذا السعر، فهرع الناس وابتاعوا ودعوا للسلطان، فمشى الحال قليلا وصار الخبز بستة دراهم الرطل وكان وصل إلى تسعة الرطل، والشعير وصل إلى تسعمائة درهم الإردب فأبيع فى هذا اليوم بدون الستمائة. وفيه برز المرسوم الشريف - نصره الله وأدام دولته - بردّ ما أخذ من أولاد الناس وغيرهم للذين كانوا يقدمون به عن البديل الذى يتوجه عنهم لتجريدة شاه سوار، فتعجّب الناس من ذلك لأنه مال كبير، كيف سمح السلطان به نصره الله. وفى يوم الخميس خامسه قدم المقر الأشرف العالى السيفى الأتابكى أزبك من حلطخ الظاهرى بمن معه من الأمراء من حلب من تجريدة شاه سوار والأمراء الذين حضروا صحبته من مقدمى الألوف وهم: تمر من محمود شاه الظاهرى حاجب الحجاب وقراجا الأشرفى الإينالى وأزدمر الإبراهيمى الظاهرى وبعض أمراء عشرات وبعض مماليك، وجهز صحبته أيضا شاه بضع بن دلغادر المعزول عن نيابة الأبلستين بشاه سوار. وصعد الجميع لحضرة خدمة مولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره - وقبّلوا الأرض، فخلع السلطان على أمير من المقدمين الألوف فوقانيا بوجهين بطراز زركش عظيم عريض، كل ذلك والسلطان جالس على الدكة، ونزلوا إلى دورهم وذلك بعد أن عرضوا على السلطان الأسرى وفيهم إخوة شاه سوار، وأمر السلطان بسجنهم ببرج القلعة بالقاهرة. وفى يوم السبت سابعه وصل إلى القاهرة قاصد ابن قرمان وصعد بين يدى السلطان فقبّل الأرض وأظهر كتابا معناه الشكاية مما لقيه من متملك

стр. 182

بلاد الروم ابن عثمان، فطيّب السلطان - نصره الله - خاطره وأكرمه وأحسن نزله. وفى يوم الأحد ثامنه جلس السلطان - نصره الله - على الدكة بالحوش السلطانى، واجتمع فى خدمته أولاد الناس الذين كانوا وزنوا عن جوامكهم لكل بديل فأعاده (١) إليهم ولم يعد لأصحاب الإقطاعيات شيئا. وفى يوم الخميس ثانى عشره خلع على الزينى عبد الرحمن بن الكويز (٢) واستقرّ فى وظيفة نظر الخاص عوضا عن القاضى تاج الدين عبد الله بن المقسى (٣) بحكم عزله وهروبه. وهذه ولايته الثانية بعد حضوره من بلاد الروم مع أن الناس فرحوا بولايته وبعزل ابن المقسى لسوء مباشرته فى هذه الوظيفة. وفيه استقر الجمالى يوسف المتكلم على الأغوار أستادار السلطان بدمشق فى نيابة القدس عوضا عن دمرداش العثمانى بحكم انتقال دمرداش هذا إلى نيابة سيس. وفى يوم الاثنين ثالث عشريه حضر إلى القاهرة قاصد شاه سوار فصعدبين يدى السلطان وعلى يده كتاب مرسله وهديته وهى جمال بخاتى وبعض مماليك وجوار، وكان وصل من مدة فلم يأذن له السلطان بإحضار الهدية. وقرئت كتبه فكانت متناقضة منها أنه يطلب الصلح، ومنها أنه يشترط

стр. 183

على السلطان شروطا، منها أنه ينعم عليه بإمرة التركمان وتقدمة ألف بحلب وهو يسلم عينتاب للسلطان. وطال الكلام بينهما فى ذلك وانفض المجلس على غير شئ. ولما عاد القاصد بغير خلعة علم كل أحد أن الشرّ باق على ما هو عليه. وفى خامس عشر برمهات القبطى نقلت الشمس إلى برج الحمل فى الساعة الرابعة من الليل. شوال أهلّ بيوم الثلاثاء ويوافقه من أيام الشهور القبطية ثامن (١) برمودة. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، وكنت صحبة نواب الحنفية ودعونا له وانصرفنا ولم يقع كلام. وفى يوم الخميس سابع عشره خلع على بدر الدين ابن الكويز (٢) قريب سيدى عبد الرحمن (٣) الذى استقرّ فى وظيفة نظر الخاص، واستقر فى معلّمّية المعلمين (٤) عوضا عن المعلم بدر الدين (٥) حسن بن الطولونى بحكم عزله عنها. وفى يوم السبت تاسع عشره خرج المحمل إلى بركة الحاج بعد ما خلع على أميره يشبك الجمالى الذى هو محتسب القاهرة وله كشف القاهرة بنفسه،

стр. 184

وخلع على أمير الركب الأول - وهو آقبردى -، ورحل فى يوم الاثنين حادى عشره أمير الحاج الأول من البركة، ومن الغد رحل أمير المحمل بالمحمل من بركة الحاج بعد طلوع الشمس. شهر ذى القعدة أهلّ بيوم الاربعاء. فيه ركب السلطان بعد صعود قضاة القضاة له وتهنئتهم بالشهر. وكان السلطان فى هذا اليوم قد لعب الصولجان التى يسمونها (١) الكرة، ولعب معه الأمراة المقدمون الألوف. وأما ركوب السلطان - نصره الله - فقد تزايد جدا ولا يكاد ينحصر لكثرته، وهذا دالّ على شجاعته وفطنته وصحته. شهر ذى الحجة المبارك أهل بيوم الجمعة. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، وكنت فى خدمة قاضى الحنفية. وفى يوم السبت ثانيه انتهى لعب السلطان من الكرة. وفيه أرسل مولانا السلطان - نصره الله - كتابا من الطبلخاناه إلى الشيخ تقى الدين الحصنى (٢) بطلبه لبين يديه، فلما حضر لخدمته قام إليه وأكرمه

стр. 185

وقرره فى تدريس الإمام الشافعى ﵁ عوضا عن الشيخ كمال الدين إمام الكاملية وابن إمامها بحكم وفاته فى هذه السنة مع الحاج بثغرة (١) حامد، وركب معه القضاة والأعيان والشيخ الإمام برهان الدين الكركى إمام المقام الشريف. وفى يوم الاربعاء عشريه (٢) الموافق له من أيام شهور القبط سادس عشرى بؤنة أخبر أمين النيل ابن أبى الرداد (٣) القيّاس ببشارة النيل وأن القاعدة ستة أذرع وعشرون إصبعا، وكانت زائدة فى هذه السنة عن الماضية ذراعا واحدة، وزاد من الغد - الذى هو الخميس - خمسة أصابع. وفيه ركب السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - من القلعة وتوجّه إلى خليج الزعفران والمطريّة وغير ذلك، واستمر إلى آخر النهار وعاد إلى القلعة فى غاية الصحة والسلامة، نصره الله.

стр. 186

ذكر من بلغتنا وفاته فى هذه السنة المباركة من الأعيان والأمراء وغيرهم ١ - بتخاص بن عبد الله الأمير سيف الدين العثمانى الظاهرى، أحد أمراء العشرات والحاجب الثانى ، كان بالقاهرة وأصله من مماليك الظاهر برقوق، ودام فى الجندية نحو الخمسين عاما إلى أن تأمّر عشرة فى دولة الظاهر جقمق، ثم صار حاجبا ثانيا واستمر فى الوظيفة مدة سنين فكبر وعجز عن الحركة والخدمة، فأخرج السلطان الظاهر خشقدم إقطاعه ووظيفته وأنعم عليه بإقطاع حلقة يكفيه بأكله طرخانا بلا نصب ولا تعب، واستمر على ذلك ملازما لإقامة فى داره إلى أن مات فى شهر ربيع الأول وقد ناهز المائة سنة من العمر، وكان لا بأس به. عفا الله عنه. ٢ - تمر باى بن عبد الله الأمير سيف الدين ألماس الأشرفى نائب قلعة حلب، وأصله من مماليك الأمير ألماس (١) الأشرفى أحد الأمراء بحلب ، وسعى هو بعد موت أستاذه فى نيابة قلعة حلب فى هذه الدولة بالبذل فوليها، ولولا أنه ولى نيابة قلعة حلب ما ذكرته مع الأمراء والأعيان، لأن أستاذه دون القليلين فما بالك به، وإن كان لا يصلح للسيف ولا للضيف. عفا الله عنه. ٣ - تمرباى [التمرازى] بن عبد الله الأمير سيف الدين الحمزاوى ، أحد الأمراء العشرات والمهمندار، توفّى بمدينة حلب فى ثالث عشرى جمادى الآخرة وهو فى الكهولية، وكان وجّهه السلطان إلى حلب بتقليد نائبها فمات بها، وكان إنسانا حسنا لا بأس به وعنده حذق ونهضة ومعرفة تامة، وهو

стр. 187

من عتقاء الأمير تمراز (١) القرمشى الظاهرى أمير سلاح، وكان عندما حصل له الأرب أدركه الأجل كما قدّمنا. عفا الله عنه. ٤ - جانبك بن عبد الله الزينى المؤيدى [شيخ] الأمير سيف الدين ، أحد أمراء الطبلخاناة ورءوس النوب وصهر الأمير الأجل تمرباى التمربغاوى رأس نوبة النوب فى الدولة الظاهرية جقمق، كان تمرباى المذكور زوجا لأخته فإنّ السلطان كان عيّنه لتجريدة شاه سوار فتوجّه إليها وعاد مريضا فلزم الفراش والوسادة إلى أن مات بعد أشهر فى يوم الأربعاء مستهل رجب من هذه السنة وقد ناهز السبعين من العمر؛ وأصله من عتقاء الملك المؤيد شيخ، وصار خاصكيا فى دولة الملك المظفر أحمد ولد معتقه واستمر عليها دهرا طويلا إلى أن تسلطن الظاهر خشقدم فأمّره عشرة، ثم نقله بعد ذلك إلى إمرة طبلخاناه ودام عليها إلى أن سافر إلى شاه سوار وعاد مريضا ومات بعد ذلك كما قدمنا، وكان أميرا عاقلا ساكنا هينا لينا متواضعا عديم الشر كثير البشر حسن المعاشرة. عفا الله عنه. ٥ - خوند فاطمة بنت السلطان الملك الظاهر ططر وأخت الملك الصالح محمد بن ططر المذكور وزوج السلطان الملك الأشرف برسباى ، وكانت من الخوندات المعظمات فى دولة الملك الأشرف المذكور، فلما مات الأشرف برسباى المذكور ﵀ نزلت من القلعة وسكنت بباب سر المرستان بسكن مرحبا أخت المرحوم المقر الزينى عبد الباسط الذى صار (٢) بعد ذلك ملكا للمقر المرحوم السيفى دولات باى المؤيدى الدوادار الكبير فى دولة الملك الظاهر جقمق وأوقفه وهو الآن وقف على ورثته، وكان معها

стр. 188

ثروة كثيرة من جواهر وقماش فبذّرت وتصرفت تصرفا سيئا، ودخل فيها شخص من تجار القفيصات يسمى «ابن قضاة» فصار يعاملها ويستفيد عليها ويبتاع منها ما قيمته مثلا الدرهم بنصفه، وصار هذا شأنها ودأبها حتى تجمّدت عليها الديون الجزيلة، وصالح عنها الظاهر جقمق أصحاب الديون على يد عظيم الدولة يوسف بن كاتب جكم ناظر الجيش والخاص مرارا وهى لا ترجع، مع أن لها متحصلا من جوامك ورزق وغير ذلك، ومع ذلك فباعت حتى ثياب بدنها، كل ذلك بواسطة تصرّفها السئ، وكانت تزوجت بالمقر المرحوم الشرفى الأنصارى (١) وحسد عليها، فصارت تطبخ له أحسن الأطعمة وأفخرها وتكسوه من أجمل الثياب والقماش وتساعده فى الأمور المهمة العظيمة حتى أنفقت عليه عينها ودينها (٢) وهو لا يميل إليها، بل تزوّج عليها بخوند جهة الملك الظاهر جقمق بنت الأمير جرباش عاشق (٣) أمير مجلس، فكادت تهلك وشكته للسلطان فمن دونه فما رضى بها وقهرها، وكان هذا شأنه وشأنها؛ وافتقرت واحتاجت إلى السؤال وصارت فى حكم الذين ينصبون على أموال الناس، وضعفت فماتت فى يوم الخميس ثانى عشرى شهر صفر ودفنت على والدها عند ضريح الإمام الليث ابن سعد، نفعنى الله به والمسلمين، وقد جاوزت الستين عاما أو قاربتها، وتركت عليها من الديون ما شاء الله فضاع على أصحابه، والله يعفو عنها بمنّه وكرمه. ٦ - قان بك (٤) بن عبد الله المحمودى المؤيدى أحد أمراء المقدمين الألوف ، وأصله من مماليك المؤيد شيخ ومن خاصكيته الصغار، ودام على

стр. 189

الخاصكية إلى أن أنعم عليه السلطان الملك الأشرف برسباى بإمرة طبلخاناه بدمشق، فاستمر بها إلى أن تسلطن الظاهر جقمق استقدمه إلى مصر وأنعم عليه بإمرة عشرة، ثم نقله إلى تقدمة ألف بدمشق فى الدولة الأشرفية إينال واستمر بها إلى أن تسلطن خجداشه الظاهر خشقدم فقدم الديار المصرية فصار بها أمير مائة ومقدّم ألف، ودام على ذلك إلى أن كانت وقعة الظاهر يلباى إلى أن خلع فيها من السلطنة قبض على جانبك (١) هذا وهو إذ ذاك أمير سلاح وحمل إلى الإسكندرية وسجن بها أكثر من سنة ثم أطلق من السجن، ورسم له أن يسكن الاسكندرية فسكن بها بطالا إلى أن مات بها فى شهر ربيع الأول من هذه السنة وقد جاوز السبعين. وكان عنده طيش وخفة، سريع الغضب حتى إنه غضب من السلطان الظاهر خشقدم الذى هو خجداشه مرة فاستمر أشهرا لا يصعد إليه بسبب مخاصمة مماليكه مع مماليك السلطان، ووثب الأجلاب عليه ففر منهم وسكن بتربة بالقرب من القرافة حتى توجه إليه الأتابك قانم خجداشه فطلع به إلى السلطان. وكان جماعا للمال بخيلا، مقترا على نفسه ومماليكه، وأراد (٢) مماليكه الوثوب عليه غير مرة ليقتلوه فما قدّر الله، ونهبت أمواله لما قبض عليه حتى وجدوا عنده أشياء كثيرة من مال وفلوس وأعسال وغير ذلك من متاع الدنيا وزينتها، وندم على ما قدم. عفا الله عنه. ٧ - عبد الرحيم (٣) بن الأمير شهاب الدين أحمد بن القاضى ناصر الدين محمد بن كمال الدين محمد المشهور بابن البارزى الجهنى الشافعى ، الحموى الأصل،

стр. 190

المصرى المولد والدار والوفاة. ولد فى حياة جدّه القاضى ناصر الدين (١) المذكور، وتولى أمر صاحب الترجمة وتربيته عمه القاضى كمال (٢) الدين المذكور سيما لما تزوج بوالدته، ونشأ صاحب الترجمة فى كنف عمه فى سعادة ونعمة وحشمة زائدة، وأقرأه [عمه] القرآن الكريم وجعله شافعىّ المذهب فرأس وضخم وعظم وعدّ من الأكابر والأعيان وصار هو المتكلم عن عمه فى كتابة السر الشريف بالقاهرة وغيرها فى جميع الأمور، وولى استيفاء الصحبة، وكان كريما جوادا، ورئيسا شكلا لطيفا ظريفا قصيرا طويلا (٣) يركب الخيول الحسان، ويلبس الثياب الفاخرة الزاهرة الضّويّة وينعم بها على من يقصده ومن لم يقصده، وكانت عمامته لا يزال فيها الذهب صفوفا بين اللفات ليعطى من يشاء من يختار منهم، وكان يأكل طيبا ويحب من يحضر عنده ويأكل معه ويصرف أكثر متحصله، فتجمدت عليه الديون بسبب ذلك، وصاروا يطالبونه (٤) فيمطلهم لكثرة ما عليه من المصروف، وصار هو بعد موت عمه القاضى كمال الدين رجل بيت البارزى والقائم بأمورهم، وعمّر دارا هائلة على شاطئ النيل مجاورة لدار جده ولدار رئيس الدين ابن مزهر الأنصارى الشافعى كاتب السر الشريف حفظه الله، وحصل بينه وبين رئيس الدنيا ما حصل من الغوغاء لما برز على داره، وقد ذكرتها مفصلة فى محلها. ومن محاسنه أن هذه الدار التى أنشأها (٥) عديمة النظير من البناء المتقن والرخام الهائل الملون والذهب واللازورد والأبواب المطعّمة وغير ذلك، وعند انتهائها سألته فى التفرّج فيها أنا وعيالى فرسم لى بذلك وأرسل إلىّ ما يحتاج إليه من الميرة من غنم

стр. 191

وأوز ودجاج ونفقة، فرحمه الله تعالى. توفى ﵀ فى يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر من هذه السنة وقد جاوز الخمسين من العمر، وكان قدم من دمشق ضعيفا فمات بالقاهرة كما ذكرنا وخلّف ولدين وبنتا، فأنجب الولدين وأكبر هما القاضى زين الدين أبو البقاء وهو الآن عالم فاضل رئيس مشتغل مفنن موصوف بكل فضيلة، وكذلك أخوه. والبنت تزوجها مخدومنا القاضى نجم الدين يحيى بن حجى ثم طلّقها وتزوجت بعده بأحمد أخى القاضى ناظر الجيش بن كاتب جكم فى سنة ثلاث وثمانين وثمانى مائة، وصنع لها عقدا هائلا بالمدرسة المستجدة الأزبكية بحضرة المقر الأشرف العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ، وفى الواقع كان (١) صاحب هذه الترجمة من الرؤساء المعتبرين الأعيان. رحمه الله تعالى. ٨ - يحيى (٢) بن عبد الرّزاق الأمير زين الدين الأستادار، ويعرف بالقديم بزين الدين الأشقر وبقريب ابن أبى الفرج ، مولده بمصر وبها نشأ، وباشر الخدم الديوانية صحبة الكتبة الأقباط، وباشر فى عدة جهات - منها نظر الاصطبل السلطانى ونظر ديوان المفرد غير مرة - ولا ينتج له أمر بل يعزل بعد قليل منها، وهو يتحمل الديون ما شاء الله، ولم يزل على ذلك إلى أن تحرّك سعده وتولى نظر ديوان المفرد رفيقا للأمير قزطوغان (٣) لما ولى الأستادارية، ثم لما أفصل قزطوغان الأستادار رافق الزينى عبد الرحمن بن الكويز، ثم استقل

стр. 192

بالأستادارية فى دولة الملك الظاهر جقمق بعد استعفاء ابن الكويز منها فى سنة ست وأربعين وثمانى مائة عوضا عن ابن الكويز المذكور، ومن يومه نالته السعادة وأثرى وحصل من الحرمة الوافرة والكلمة النافذة والجاه العريض مالا نهاية له، وجمع من الأموال والأملاك والخدم ما لم يتّفق لأحد من أستاداريته فى عصره، بحيث أنه حاز (١) من المماليك مائتى مملوك وخمسين مملوكا، وباسم كل منهم جامكية ببيت السلطان ولحم وعليق وكسوة وأضحية، وغالبهم خاصكية وباسمهم الإقطاعات، وفيهم من صار أمير مائة مقدم ألف، لأن فيهم من تولى [وظيفة] ملك الأمراء بالوجه القبلى، وفيهم من عمل كاشف البحيرة. وعمّر الجوامع العظيمة منها الجامع المجاور لبيته بالقرب من قنطرة الموسكى، ومنها الجامع الذى بالحبّانية، ومنها الجامع الذى ببولاق، وعدة أخر بالقرى والنواحى والضواحى والبلاد، وعمّر الحمامات الهائلة والدور المفتخرة العظيمة، وعمل معروفا زائدا فى الفضل من مغسل وأكفان ومواراة الميت برمسه من الحمالين والحفارين وغير ذلك، وصنع أيضا صنيعا جميلا فى الغلاء للفقراء من تفرقة خبز ودقيق وقمح لكل أحد بقدر ما يلائمه، وكان يحسن لذوى البيوت ويتفقدهم ووصوله التى يكتبها بخطه إذا كانت بمائة ألف أو بدرهم واحد لا تعوق الذرة الواحدة، ودانت له الدنيا وأقبلت عليه، وتاه وصال، وصار السلطان معه مسلوب الاختيار، ومن عارضه يصير السلطان خصمه وتروح روحه، وصار كل مارامه بلغه، ولم يزل على ذلك إلى أن مات السلطان الملك الظاهر جقمق وولى السلطنة بعده ولده الملك المنصور عثمان طلب منه شيئا ينفقه على العسكر فصمم على الامتناع فقبض عليه وصادره وأخذ منه ذهبا نقدا

стр. 193

نحوا من مائة ألف دينار خارجا عن غلال وأعسال وغير ذلك، ومن ثم أخذ أمره فى الانحطاط وصودر غير مرة، وولى الأستادارية مرات ولم ينجح فيها بعد الملك الظاهر، ولا وجد له مخلصا غير الهرب والتسحب والاختفاء. ويتولى عوضه أستادار فيعجز ثم يطلبونه (١) فيولونه ثم يعزل ويضرب ويحصل عليه من الإهانة والبهدلة والنكاية من أعدائه مالا مزيد عليه. أذكر من لفظه أنه صودر تسع عشرة مرة، واحتاج حتى باع حوائج بيته وقماش خيوله بعد بيع أملاكه، ولم يتأخر له غير بقية أوقافه فإنه حلّ غالبها وغالب ما يملك ولزم داره على أقبح صورة، واستمر على ذلك إلى أن صادره الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - أول مرة وثانية وهو معذور فيه فإنه يدعى فقرا. وعمر بداره - وهو بطال - حماما عظيما وكذلك ببولاق، وفى الثانية حبسه بالبرج من قلعة الجبل وطلب المال فلم يوزن شيئا فأجرى عليه العقوبة إلى أن أشرف على التلف، وحمل إلى البرج المذكور فدام عليلا يتداوى إلى أن مات فى يوم الخميس ثامن عشرى شهر ربيع الأول وقد جاوز الثمانين من العمر. وكان - عفا الله عنه - له سماط عظيم إلى الغاية والنهاية يجمع فيه بين الأوز والدجاج واللحم الضائى والبورى والبطارخ والقشطة والكركى وأمثال ذلك، وكان أكولا يحب من يأكل عنده، وتمتع بملاهى الدنيا المغرورة وقضى نحبه ولحق بربه، وكان قد أخرب دور أمر المدّركين والفلاحين والمباشرين، وأتلف خلقا من المفسدين وأرباب الجرائم وغيرهم، وقال الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ فى تاريخه عنه: «كان زين الدين هذا غالب أحواله بالضد طرفى نقيض الشئ وعكسه، وهو أنه عاش أول أمره فى بحبوحة

стр. 194

فقر خاملا فى ولاياته، لا ينتج له أمر فى شئ من الأشياء، ولم يتحمل الديون بسبب ذلك إلى أن ولى الأستادارية ونال فيها من السعادة وقوة الحرمة ونفوذ الكلمة والجاه العظيم والمال الجزيل ما لم ينله غيره، ثم تغيّر ذلك بعد موت الملك الظاهر جقمق وقاسى من الأهوال أمورا عظيمة من المصادرات والضرب والنكال والحبس إلى أن مات بالبرج تحت العقوبة، فكان أوله بضد آخره، وأما أفعاله فى مباشرته فكانت أيضا بالضد، وهو أنه كان كثير الظلم والجور والعسف وأخذ الأموال الخبيئة، ثم يعمر من ذلك الجوامع والمساجد والأوقاف على البر ويرسل السحابة (١) إلى الحجاز فى كل سنة لأجل الفقراء والمساكين، فهذا أيضا بالضد، وأما مبتدأ أمره فكان أوله فقيرا مملقا لا يملك الثوب إلا بالجهد، ورأس بآخره وتمول حتى صار يضرب به المثل، فهذا أمره من الأول إلى الآخر». انتهى كلام الجمال يوسف المذكور - تغمده الله برحمته - فى ترجمته بفصه ونصه. عفا الله عنه. ٩ - يوسف (٢) بن تغرى بردى من يشبغا الظاهرى برقوق الأتابكى ، والده والكفيلى بدمشق أيضا. مولده بدار الأمير منجك (٣) اليوسفى الملاصقة لجامع السلطان حسن خارج القاهرة فى العشر الأخير من شوال سنة ثلاث عشرة وثمانى مائة تخمينا (٤)، فى الشهر لا فى السنة. ونشأ تحت كنف والده إلى أن

стр. 195

انتقل والده من الأتابكية إلى نيابة دمشق فصحبه معه وأقام بدمشق إلى أن توفى والده فى سنة خمس عشرة وثمانى مائة، فأخذه صهره زوج أخته قاضى القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفى وعاد به من الشام إلى القاهرة وتولى تربيته فأقرأه القرآن الكريم، ثم توفى ابن العديم زوج أخته وتزوجت بعده بقاضى القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى الشافعى فصار تحت كنفه وختم عنده القرآن وجوّد عليه غالبه وأخذ عنه أشياء، وحضر سماع البخارى غير مرة عليه، واستمر على ذلك إلى أن توفى الجلال المذكور فى سنة أربع وعشرين وثمانى مائة فصار (١) تحت كنف جماعة من أكابر مماليك والده، وذكر أنهم علموه أنواع الفروسية فتعلم منها طرفا جيدا على ما قال، ثم حفظ بعد ذلك من العلم الشريف كتاب «مختصر القدورى» فى الفقه، و «ألفية ابن مالك» فى النحو و «إيساغوجى فى المنطق» بذكره، وذكر أيضا أنه قرأ قطعة جيدة من «المختار» على الشيخ محمد، وهذا الشيخ محمد لا أعرفه، وذكر أيضا أنه قرأ «القدورى» على العلامة قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى كاملا، وحضر دروس العلامة علاء الدين الرومى الحنفى فى «تقسيم الهداية» كاملا بذكره. وذكر أنه قرأ «شرح ألهية ابن مالك» لابن عقيل على العلامة تقى الدين الشمنى الحنفى، وقرأ «علم المعانى والبيان» على شيخنا شيخ الإسلام محيى الدين الكافيجى، وقرأ عليه «شرح العقائد» لسعد الدين، وذكر أنه قرأ أيضا «مقامات الحريرى» على العلامة قوام الدين حس القمى الحنفى، وذكر أنه قرأ عليه قطعة جيدة من «علم الهيئة والرياضيات» وغير ذلك، وقرأ علم العروض أيضا بذكره على الشيخ شمس الدين النواجى، وذكر أيضا أنه أخذ علم النغمات وللموسيقى وأدوار صفى

стр. 196

الدين عبد المؤمن عن الشيخ الإمام فتح الدين العجمى وعن غيره. قال عفا الله عنه: «وأخذت علم الفروسية عن خلائق يطول الشرح فى ذكرهم»، وذكر أنه سمع الحديث كثيرا، وأعلى ما سمعه «سنن أبى داود» و «الترمذى» و «الشمائل»، و «ومسند ابن عباس» على المشايخ بقراءة الحافظ تقى الدين عبد الرحمن القلقشندى الشافعى فى مجالس مضبوطة، وذكر أنه سمع «كتاب فضل الخيل» للحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطى بقراءة الحافظ العلامة الحجة المحقق المدقق شيخ السنة وناصرها قاضى القضاة قطب الدين محمد الخيضرى الدمشقى الشافعى فى مجالس مضبوطة - عامله الله بخفىّ لطفه - على شيخنا العلامة الأستاذ آخر من أدركناه حاوى فضيلة التاريخ وعلمه بل والحديث أيضا تقى الدين المقريزى الشافعى، وعنه أخذ علم التاريخ وبه تخرج، ومن فوائده استفاد، وعلى منواله صنّف وكتب وهكذا ذكر. انتهى ما ذكره بفصه ونصه. وأما نظمه ففى الطبقة السفلى، وادعى هو أيضا أنه من الطبقة الوسطى، و [أما] مصنفاته «فمورد اللطافة فى ذكر من ولى السلطنة والخلافة» مختصر إلى آخر دولة الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق فى مجلد لطيف، ثم صنف «المنهل الصافى والمستوفى بعد الوافى» فى ستة مجلدات ضخمة مرتبة على حروف المعجم من الدولة التركية إلى آخر دولة الملك الظاهر جقمق، ثم اختصر المنهل الصافى فى كتاب لطيف الحجم وسماه «الدليل الشافى على المنهل الصافى» وسلك فيه على ترتيب أصله، وله «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» فى سبعة مجلدات ضخمة، وافتتح فيه بفتح مصر ثم من وليها فى الإسلام إلى يومنا هذا، ثم اختصره فى مجلد لطيف أيضا وسماه «الأنوار الظاهرة من الكواكب الطاهرة». وذكر أن له كتابا سماه «نزهة الألباب فى اختلاف

стр. 197

الأسماء والألقاب»، وله «حلية الصفات فى اختلاف الأسماء والصناعات»، مرتب أيضا على الأبواب والحروف فى مجلد يشتمل على نحو ثلاثة آلاف مقطوع من الشعر غير القصائد المطولات، ثم كتاب «البشارة» ذيّله على كتاب الحافظ شمس الدين الذهبى، وله «الإشارة» مختصر فى مجلد لطيف من سنة سبعمائة إلى سنة سبعين وثمانى مائة، وله «حوادث الدهور فى الأيام والشهور» ذيّله على كتاب السلوك من تاريخ المقريزى، ابتدأ فيه من أول سنة خمس وأربعين إلى ثالث عشرى شهر رمضان المعظم قدره سنة أربع وسبعين وثمانى مائة، وهو مرتب على السنين والشهور والأيام، وذكر أن له كتابا فى «الرياضى والموسيقى» وكتابا (١) فى «بيان معانى اللغة التركية» على نوع علم البديعية. هكذا ذكر وسماه «الانتصار للسان التتار»، وله الكتاب الذى سماه «البحر الزاخر من الأول إلى الآخر» الذى ذكر أنه ألّفه عندما بلغه أنى ألفت كتابى الكبير فى التاريخ الذى سميته «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» من لدن سيدنا آدم ﵇ إلى (٢) تاريخه. وذكر أنه كان يطلع إلى القلعة فى أيام الملك الأشرف برسباى ويسوق المحمل ويسوق البرجاس، وصار فى أيام الملك الظاهر جقمق يطلع القلعة فى كل جمعة مرة لا شتغاله بالعلوم، وفى أيام الأشرف إينال لم يطلع القلعة إلا فى السنة مرة واحدة أو مرتين وذلك عن حاجة ضرورية. وصحب فى الدولة الظاهرية خشقدم الأمير جانبك القصير شاد بندر جده، بل فى دولة الأشرف إينال فحصل له منه غاية الملاه والقدرة والجاه والمال حتى أمره بالصعود

стр. 198

فى غالب الأيام إلى القلعة فى سلطنة الظاهر خشقدم بسفارة الأمير المذكور لما صار دوادارا كبيرا، وكان زين الدين الأستادار قد قطع جامكية صاحب الترجمة وعليقه ولحمه وعضده ..... (١) حتى صار فقيرا مملقا فأعانه الله بصحبة الأمير جانبك فردّ له جميع ما ذكر، وأنعم عليه بالجمل من الأموال والخلع وغير ذلك، ثم لما مات أخو صاحب الترجمة المسمى «قاسم» كان بينه وبينه إقطاع شركة فأخذ الأمير جانبك المذكور له الإقطاع فحسن حاله. وهذا ما أخبر به مع زيادات لا طائل تحتها حذفتها قصد الاختصار، والله تعالى هو الواحد القهار. ولا بأس بالتعريف بما نعرفه من حاله مفصلا فى غير مين ولا إطناب ولا إسهاب، فحاصل الأمر فيه أنه عامى داص، ومصداق ما قلته يشهد به خطه فى كتبه التى سردناها، فإنه يكتب كتابة ما تصدر عن صغار الكتاب المتعلمين من تصحيف وزيادة فى الأحرف ونقص ولحن مفرط حتى إن الضاد الساقط يكتبها منشالة وضد ذلك. ووصل فى الأمور المضحكة حتى أنه إذا كتب «حتى» يكتب آخرها «هاء»، وأمثال ذلك فى كتبه المسطورة بخطه لا يسع أحد إصلاحها لكثرة ما فيها من اللحن المفرط البشع المغير لمعانى الألفاظ، وأما إذا نقل حكاية فتجد غالبها تصحيفا ولحنا وما أشبه ذلك، وأما الذى يستحسن مما نسبه إليه فهو تسميته الكتب المذكورة، وقد ثبت عندى بالطريق الصحيح الذى لا يزول من اعتقادى أن سيدنا وشيخنا الشيخ قاسم (٢) بن قطلوبغا الحنفى - عفا الله عنه - هو الذى سماهم له، ولقد سألت

стр. 199

الشيخ المذكور عن ذلك فتغافل عن الجواب، فألزمه وألححت عليه فأخبرنى بذلك من لفظه، ولعمرى فهذه العلوم التى سردناها والشيوخ الذين حضر عليهم ما استفاد منهم مسألة وسلمنا أنه ما استفاد، فلعمرى هذا الصنيع الصادر منه فى تاريخه وغيره من اللحن والتصحيف والزيادة فى الحروف المكتوبة والنقص ما استيقظ أنه كلما فرغ من تصنيف يتوجه به إلى من يعرف العربية فيصلحه له ويصير له به مزية، لكن إذا أراد الله أمرا بلغه، وقد ذكر غيرى ممن هو مشتغل بهذا الفن نحو ما ذكرت ونقل عنه أشياء مفصلة من التصحيف والتبديل والتغيير، بحيث أن كتبه إذا نظر فيها من له أدنى معرفة يرميها من يده لما يمجّه الطبع المستقيم مما يراه واقعا فيها من اللغط والخباط المتقدم ذكره. وأما تعصبه فى تاريخه فهو خارج عن الحدّ لأن منصور (١) بن صفى الذى كان كاتبا فى بيت الأمير قانم من صفر خجا صاهر الأمير زين الدين الأستادار فقرّبه وأكرمه وزوجّه ابنته وجعله ناظر الديوان المفرد فرافعه وأخذ وظيفته وفعل به ما لا يجوز، وهذا دأب المباشرين، غير أنه كان يطنب فى وصف منصور ويرقّيه إلى الأوج وببالغ فى الحط على زين الدين حتى يبلغ به إلى الحضيض كون زين الدين قطع معاليمه وكون منصور أعادها (٢) له، وعندى أن هذا ليس تحته طائل فإن الحقّ أحقّ أن يتبع والصدق جدير بأن يستمع، وكان عفا الله عنه مغرضا فى مثل هذه الأمور فإنه بالغ فى التعصب أيضا مع الأمير جانبك الظاهرى

стр. 200

الجداوى سيما لما استقر فى الداوداريّة الكبرى، وحطّ على أقوام يستحق أن يمدحهم بلسانه وجنانه، وهكذا دأبه مع طائفة الأتراك والقبطة. وأما الفقهاء فغيّر أسماءهم وألقابهم وجعل الشيخ طالبا والطالب شيخا، ومع ذلك فكان له حظّ وافر، وانتهت إليه الأمور من جهة العطايا الجزيلة حتى إنه خلع عليه بكامليّة مخمل أخضر بسمور بمقلب سمور لما ضعف مرة وصعد للسلطان ولكن بسفارة الأمير جانبك المذكور، وترجم المقرّ الصاحبىّ الجمالىّ يوسف بن كاتب جكم (١) بترجمة ادعى أنه كذا وكذا وبلغ بها إليه، فأرسل له جملة وافرة من الذهب، وكذا ترجم غيره، وهكذا كان دأبه وسمته وصفته. ولقد حاضرته مرات فإنه كان يحضر مخدومنا وصاحبنا وجارنا المقرّ الزينى فرج أمير حاجب بن المقر الأشرف العالى السيفى بردبك أحد المقدمين الألوف أعزّه الله ورحم سلفه الكريم، فكنت أمشى معه فى الحوادث فلم يمشنى، وأتكلم معه فى شئ من الفقه فأجده عاريا منه، وكذا فى النحو والعروض من حين عرف أنى اشتغلت بفن التاريخ لم أعارنى كتابا من كتبه ولا أوقفنى على شئ من مصنفاته، فأوقفته أنا على عدة مصنفات لى منها (٢): «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» المقدم ذكره، وأوقفته أيضا على تأليفى للسيرة الشريفة النبوية الملقبة «بالجوهرية» على من هى منسوبة له أفضل الصلاة والسلام، فكاد أن يتجنن وصار يحلف لى أنه ما وقع بصره على تأليف فى هذا الفن مثل هذا التصنيف فى الانسجام والاختصار مع المعانى الجمة الوافرة، وسألنى أن يستو عبها مطالعة فأذنت له وأعادها بعد ذلك، وقد كتب عليها تقريظا مع جملة من كتب من السادة المشايخ والأعيان كالشيخ محيى الدين الكافيجى الحنفى والشيخ أمين الدين

стр. 201

الأقصرائى الحنفى والشيخ عضد الدين السيرامى (١) وقاضى القضاة عز الدين أحمد الحنبلى والشيخ قاسم الحنفى وغيرهم من العلماء والفضلاء، وأردت كشط ما كتبه لى فما كان ذلك، والله الولى والمالك. توفى رحمه الله تعالى فى يوم الثلاثاء خامس ذى الحجة سنة تاريخه بعد العصر ودفن من الغد بتربته التى أنشأها بالصحراء المقابلة لتربة الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم، وأوقف عليها أوقافا، وجعل فتاه الذى كان فى خدمته المعروف بزين الدين مالكها وجعل ما فيها من الوظائف باسمه وغالب الوقف له، فجحف ذلك بأخوته البنات وورثته. عفا الله عنه. *** وانقضت هذه السّنه على ما سمعت ورأيت وشاهدت، والحمد لله على ذلك، إنه الولى والمالك. ***

стр. 202

سنة خمس وسبعين وثمانى مائة الميمونة المباركة أهلت بيوم السبت المبارك لأن الشّهر جاء ناقصا ونقل (١) أرباب التقويم أنه لا يرى إلا عسرا لأنه على ثمانى درجات وشئ، ولم يثبت له نور، ويوافقه من الشهور القبطية سابع (٢) أبيب. والخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف دام شرفه وهو بالقلعة مقيم من سلطنة الظاهر خشقدم من سنة خمس وستين وثمانى مائة وإلى تاريخه فى سكن المنصور عثمان بن الظاهر جقمق حال كون والده سلطانا وليس له فى الخلافة إلاّ الإسم. والسلطان الملك الأشرف قايتباى المحمودى سلطان مصر والشام والحجاز، أدام الله نصره وخلّد ملكه. وقضاة القضاة الأربعة على عادتهم، وأتابك العساكر المنصورة المقر الأشرف الكريم العالى السّيفى أزبك من ططخ الظاهرى جقمق - وزوج ابنته أعز الله أنصاره. وأمير سلاح جانبك قلقسيز الأشرفى برسباى. وأمير مجلس لاجين الظاهرى جقمق المشهور بلالا (٣) سيدى عثمان. وأمير آخور كبير جانبك [من ططخ] (٤) الظاهرى جقمق المشهور بالفقيه، والداودار الكبير - ومضاف إليه الأستادارية والوزارة والوجه القبلى والبحرى - يشبك من مهدى الظاهرى جقمق الذى كان له اليد الطولى فى الوقعة العظيمة

стр. 203

التى كانت بينه وبين العرب بالوجه القبلى وبيّض فيها وجهه. وخلّص ثأره، وصاحب الوقعة أيضا عند ما قبض (١) الأجلاب على الظاهر تمربغا وركب مع الأتابك قايتباى وأخذ له القلعة وقبض على الظاهر تمربغا وجهّزه إلى البحيرة وعزله من السلطنة كما ذكر ذلك فى محله، وهو الآن عظيم الدنيا على الإطلاق، من غير إسهاب ولا إملاق، وصاحب الحل والعقد حفظه الله على المسلمين. ورأس نوبة النوب إينال الأشقر (٢) الظاهرى جقمق الذى كان والى القاهرة فى آخر دولته، وهو ظالم غاشم. وحاجب الحجاب تمر من محمود شاه الظاهرى جقمق الذى كان والى القاهرة فى آخر دولة الظاهر خشقدم فى أوائل سنة ثلاث وسبعين وثمانى مائة. وأما الأمراء المقدمون الألوف الذين بغير وظائف فهم سودون (٣) تستز الظاهرى وأزدمر الطويل الظاهرى وقراجا الطويل الإينالى، وبرقوق الظاهرى جقمق، وتمراز العزيزى (٤) يوسف بن الملك الأشرف برسباى، وقانصوه الأحمدى الإينالى الشهير بالخسيف؛ فهذه جملة عدد الأمراء المقدّمين ثلاثة عشر أميرا خارجا عن تقدمة الوزارة والأستادارية. وأما المباشرون فرئيس الدنيا المقرّ الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف، والمقر الكمالى (٥) محمد ناظر الجيش بن الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، وناظر الخاص عبد الرحمن ابن الكويز وهو مذموم المباشرة، والوزير والأستادار هو الداودار الكبير الذى تقدّم أنه صاحب الحل والعقد، والمحتسب يشبك الجمالى يوسف ناظر الخواص المبغض لأهل الله ورسوله

стр. 204

الذين (١) يسمع فيهم بل يقبل فيهم قول الفسّاق والجهلة، فعليه من الله ما يستحقه؛ والداودار الثانى تنبك الإينالى المشهور يقرا، وهو إنسان حسن يحكم بالعدل والإنصاف، جزاء الله خيرا. ونائب الشام الأمير بردبك الفارسى المشهور بالبجمقدار الظاهرى جقمق. وقاضى الشام الشافعى القاضى قطب الدين الخيضرى وهو مقيم بالقاهرة فى بيت الأمير أزبك بسبب أمر اقتضى حضوره وتغليقه، وهو تغليق ثلاثين ألف دينار للسلطان نقلوا عنه أنه أخذها من متحصّل الأموات بدمشق وهو يحلف بضد ذلك، فالله أعلم، وتكلّف العشرة آلاف دينار للحاشية، وقيل إن الذى تكلم فيه المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط، وما شكر على ذلك وهو ممسك، ليس فيه من المعروف لا من ماله ولا من جاهه شئ لأحد من الملهوفين والفقراء المساكين إلاّ أن يكون صاحب كلمة فى الدولة أو ظالما أو ملسنا، فالله يغنينا عنه. آمين. و [القاضى] الحنفى بدمشق علاء الدين العجلونى. وأما المالكى من حين موت ابن عبد الوارث بدمشق نحو سبعة شهور ولم يتول الوظيفة أحد. والقاضى الحنبلى برهان (٢) الدين ابن مفلح وهو من العلماء والرؤساء. ونائب حلب قانصوه اليحياوى نقلا من نيابة طرابلس، ونائب طرابلس يشبك البجاسى، ونائب حماة ملاط الذى كان فى صفد، ونائب صفد جكم خال الملك العزيز، ونائب غزة أرغون شاه الأشرفى، ونائب القدس والخليل كذا (٣). وسلطان مكة المشرفة محمد بن عجلان.

стр. 205

ولو أردنا ذكر بقية النواب والقلاع لطال الشرح فى الكلام، والله يهدينا إلى دار السلام. شهر الله المحرم فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، ولم يتكلموا فى شئ من أمر ابن الفارض لا بنفى ولا إثبات (١). وطلع البرهان البقاعى فى هذا اليوم قبل كل أحد وجلس بالجامع وصحبته كتب كثيرة وليس هو راجعا عما قاله فى كلام الشيخ ابن الفارض وتكفيره، وبلغنى من عدة جماعات أنه أوصى، وعنده أن هذا الأمر ليس التكلم فيه إلا فرية محض، فإن قتل قتل شهيدا، فالله أعلم. وفيه ركب العسكر بتمامه وكماله على مرات: فرقة الأمراء وفرقة المباشرين وفرقة قضاة القضاة وتوجهوا لبيت المقر الأشرف الكريم العالى السيفى عظيم الدنيا يشبك من مهدى أمير دوادار كبير وما مع ذلك فلم يجتمعوا به فإنه محجوب، حتى [كان] من جملة من توجه إليه المقر الأشرف الكريم العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ عز نصره وإينال الأشقر رأس نوبة النوب فلم يجتمعوا به وهو محجوب، ولم يصعد فى هذا اليوم إلى الخدمة. وسبب ذلك أن السلطان - نصره الله - شكى له من ابن غريب قبل هذا ورفعت له قائمة بما استأداه الأمير الدوادار من الوجه القبلى من الجبايات وغيرها، فجاء مجموع ذلك مائتى ألف دينار وخمسين ألف دينار، خارجا عن الخيول والبقر والرقيق، فرمى الأمير الدوادار - حفظه الله - الوظائف، أعنى الوزارة والأستادارية فتدخلوا عليه أن لا يغضب فحلف لا يتكلم فى شئ إلا إن أعلمه السلطان بمن قدّم له القائمة، إن كان مباشرا فيحضر ويثبت مقالته إن كان كذبا أو صدقا،

стр. 206

ويعمل معه ما يستحقه، واستمر الأمر على ذلك. على أن الناس أشاعوا أن السلطان يقرر ابن غريب أستادارا وقاسم شغيته وزيرا ويحاسبهما على ما يتوفر من الديوان المفرد والدولة فيحملونه له فى كل شهر. واستهلت هذه السنة والأسعار بحالها وزيادة، فإن القمح الطيب بتسعمائة وما دونه بثمانمائة الإردب، والدقيق كل بطة زنتها خمسون رطلا بمائتى درهم وعشرين درهما، والشعير بثلاثمائة وثمانين درهما الإردب، والفول بقريب ذلك، والقفة الدريس بدرهم وهو رخيص بالنسبة للعام الماضى، والتبن موجود كثير كل حمل بخمسة أنصاف وأكثر بحسب حشوه وما فيه، واللحم الضانى بعظمه (١) بتسعة دراهم الرطل وبلا عظم بإثنى عشر درهما، والبقرى بستة دراهم الرطل، والدجاج لا يوجد إلا نادرا عند الأكابر، [أما] السمين منه فعديم الوجود، وكل طائر منه بأربعة أنصاف، والفروج الواحد بلغ إلى خمسين درهما وليس فيه أوقيتان من اللحم، والأوز موجود لكن بثمن زائد على ثمنه مرة أخرى، فإن ثمن الزوج المليح ستة أنصاف فوصل فى هذه السنة إلى ضعف ذلك. وأما الخبز عند الباعة فصغير جدا، الماوى نصف رطل ويعجز أيضا عنه بدرهم، والرومى أقل منه بنصف أوقية مع سواد فيه، وصار الخبز غالبه من الشعير عوض القمح، وصار غالب الناس بأكلونه وما رأينا غلاء وقع واستمر نظير هذا، فالأمر إلى الله يفعل ما يشاء ويختار. والجبن الحالوم بإثنى عشر درهما الرطل والأزرار والمشوى بثمانية دراهم الرطل، والمقلى بأحد عشر درهما الرطل، وأما العسل النحل من عند الزيات بأربعة وعشرين درهما الرطل، والعسل الأسود بإثنى عشر درهما الرطل، والسيرج بثمانية عشر درهما الرطل، والزيت الطيب كذلك، والحار بتسعة، والأرز

стр. 207

من عند الباعة بنصفين القدح، غير أن الفاكهة والبطيخ رخيصان، والعبدلى كذلك. وأما الناس فصاروا ثلاثة أثلاث: الغنى افتقر، والمتكسب ما يفى بنفقته، والفقير فبعد أن كان يسأل فى الرغيف صار يطلب لقمة أو لبابة. وأما غير ذلك فمن جهة: الظلم والجور والأحكام الباطلة وانتهاك حرمة الشرع وبهدلة القضاة والفقهاء وعدم نصرة المظلوم، وفشا هذا الأمر وانتشر فأهلك الله من يؤذى المسلمين، وصار من قدّمنا ذكرهم من القضاة والشهود والرؤساء وأصحاب الوظائف على قلبهم الوجيف بواسطة حكّامهم كالأمير إينال الأشقر وأمثاله كالمحتسب فإنه فعل مع الذين يقرؤن القرآن احتسابا عند الإمام الليث يبتغون بذلك وجه الله فمنعهم من القراءة بشروط، وكفعله مع قضاة الإسلام فى إبطال أحكامهم وينسبهم لما ليس فيهم، مع توليته نيابة الحسبة لمن شاع وذاع عنه من القبائح مالا يوصف، وغير ذلك أن غالب الأمراء فى بلادهم، وليس بالقاهرة سوى أمير كبير وأمير سلاح وأمير آخور، وإينال الأشقر رأس نوبة النوب - أزاله الله عن الحكم بين المسلمين بجاه سيد المرسلين - حضر قريبا من بلده، وأزدمر الطويل الإبراهيمى، والخدمة [لها] مدة بطالة ثم عملت فى ليلة الاثنين ثالث شهر تاريخه من هذه السنة، وفى الواقع فسلطان مصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان، ديّن عفيف الفرج لا يلوط ولا يزنى ولا يسكر، وله ورد فى الليل من صلاة وقيام، وعنده تؤدة عظيمة سيما فى العزل والولايات، ولو بلّغه المقربون لحضرته ما يحصل على المظلومين من أمرائه ومحتسبه على الوجه الصحيح لأنصف المظلومين من الظالمين، غير أن أرباب الوظائف من المباشرين صاروا باخلين بمالهم على الفقراء حتى وبجاههم؛ وأما عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها المقر الأشرف الكريم

стр. 208

العالى السيفى أمير دوادار كبير وما مع ذلك - عظم الله شأنه - فما عنده من يعلمه بهذه الأمور. وأما السلطان - نصره الله - فقريب لكن من يعلمه؟ والله أسأل أن يهلك الظالمين والساعين عندهم فى أذى المسلمين، وأن يرمى كيدهم فى نحرهم آمين آمين، يا رب العالمين. يوم الثالث منه ضرب أبو الحجاج (١) نائب القاضى الشافعى ببيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير، وسبب ضربه أن شخصا يسمى أبا الحسن [كان] مباشرا بالدولة فى بلدة تسمى دلجا (٢) تأخّر عليه مبلغ كثير، فرسم عليه من بيت الأمير المذكور فهرب، فتكلم قاسم الوزير عند الأمير المذكور أن أبا الحجاج صهره وأنه اختفى عنده، فهجموا دار القاضى فلم يجدوا فيه أحدا فحملوه وحملوا عليه الأمير فحصل ما حصل، والأمر لله. وفيه ختم على حمام قاضى القضاة الحنفى المحب بن الشحنة المجاور لمنزله من باب عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين، وسبب ذلك أن الحنفى اقترض من شخص من نوابه يسمى محمد بن الدهانة (٣) أربعمائة دينار ورهن عنده الحمام المذكور، ثم اطّلع صاحب الدّين أن الحمام رهنها سابقا عند غيره من التجار وهو من طلبة الشيخ أمين الدين الأقصرائى فشكى حاله لتغرى بردى خازندار الدوادار وله به معرفة بواسطة الشيخ أمين الدين المذكور، فوصّله لأستاذه، فأرسل ضرب رنكه وختم عليها، وذكر ابن الدّهانة أن الحمام المذكورة باعها

стр. 209

بيع أمانة على ما بلغنى وما بقى الدوادار يرضى إلا بأخذ المكان فإنه أعظم القائمين عليه، وسيما الساعين عليه عنده مثل القاضى تاج الدين بن قاضى القضاة سعد الدين الديرى فى قضاء الحنفية بمبلغ ثلاثة آلاف دينار، والملك لله الواحد القهار. ووقع لى من وجه صحيح أخبرنى به الشيخ العلامة الربانى شيخ الإسلام زكريا الشافعى أبقاه (١) الله تعالى أن الجناب العالى العلائى على بن خاص بك - صهر المقام الشريف نصره الله - أنه ركب إلى جهة القرافة ورآى شخصا أمامه عليه سمت وهيئة جميلة، فصار يحبس لجام الفرس وهو خلفه إذ وافى الرجل رجل عظيم الهيئة جدا فتحادثا، وانصرف الرجل المذكور أعنى الثانى فسأل سيدى على من الأول: «من هو هذا الرجل؟» فقال له: «أنت ما تعرفه؟» ثلاث مرات وهو يقول: «لا» فقال: «هذا عمر بن الفارض، فى كل يوم يصعد من هذا المكان وهو يسعى فى أن الله يكفيه فيمن تكلم فيه»، وذهب الرجل فلم يعرف من أىّ مكان توجه. والله أعلم. يوم الخميس سادسه رسم السلطان بقطع يد ابراهيم الصيرفى المشهور بابن فريعين (٢) بحضور السلطان، وسبب ذلك أنه سأل السلطان عنه فى الجامكية هل هى مغلقة كاملة؟ فقال: نعم، ثم تلعثم بعد ذلك، وكان السلطان قد ضربه مرارا ضربا مبرحا وأكّد عليه أن لا يطلع بالجامكية من الأستادار إلا كاملة، وآخر الأمر عدم (٣) يمينه وحزن المسلمون عليه حزنا كبيرا، وصار منقطعا بالجامع

стр. 210

الأزهر فى حلق الذكر والعبادة والفراءة، فحسن حاله وعمل له عدّية (١) ورتّب له جامكية ولحما وعليقا وكسوة وأضحية على ديوان السلطان، والله الأمر يفعل ما يشاء. وفى هذا اليوم عقد مجلس - حضر فيه قضاة القضاة إلا الحنبلى فلم يحضر - ببيت رئيس الدنيا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين بسبب تركة قاضى القضاة حسام الدين بن حريز وأولاده وأولاد أخيه وأخيه سراج الدين، وانتهى أمرهم على غير شئ. يوم الجمعه سابعه بعد الصلاة وصل المبشر من الحجاز المسمى قانصوه الجمالى وهو عريان وليس معه أحد سوى هجّان واحد، وذكر أنهم عرّوه فى أكبرة (٢) ورجعوا به إلى خيبر وأرادوا قتله، فنهضت امرأة وأظهرت أبزازها وحمته منهم وحضر بهذه الحالة، وذكر أن الوقفة كانت الجمعة، موافقة لمصرنا، فله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك. وفيه بعد صلاة الجمعة توفى بدر الدين محمد الشاب الحسن ولد الشيح العلامة سراج الدين العبادى بعلة عسر البول والخصية، وانقطع ثلاثة أيام ودفن من الغد بالصوفية، وكانت له جنازة حافلة حضرها قضاة القضاة الثلاثة إلا الحنبلى وغالب الأعيان وأجلّهم كالمقر الزينى بن مزهر كاتب الإنشاء الشريف حفظه الله على المسلمين، والمقر الشرفى الأنصارى وغالب فقهاء البلد، وتوجّهوا صحبة والده إلى التربة. وكان شابا جميلا بلا لحية، وفيه أهلية للاشتغال بالعلم، وقرأ عدة كتب فى مذهبه، وخطب بجامع الزاهد وجامع الغمرى، وكثر الأسف عليه وفجع فيه أبوه؛ عوضه الله الجنة.

стр. 211

وفيه شفع المقر الأشرف الكريم الأتابكى أزبك - عز نصره - فى ابراهيم بن فريعين الصيرفى الذى قطعت يده فأطلق من بيت الوالى وتوجّه إلى منزله، وسعى فى وظيفته جماعة فما قبلهم السلطان. وفى أول هذا الشهر ضرب الأمير إينال الأشقر رأس نوبة النوب غلاما من غلمان أحد الأتراك بسبب أنه سرق طائر أوز وعليقة شعير، فضربه ضربا مبرحا ومثّل به فجعل فى أنفه سهما مثقوبا وأشهره بالمدينة، فلا قوّة إلا بالله. يوم الاثنين عاشره نودى فى البلد على لسان المقام الشريف بين يدى الوالى وأتباعه للعسكر المنصور المعروض المكتوب قبل تاريخه [أن] يحضروا غدا تاريخه ليتوجهوا إلى جهة «سوار» بسبب ما بلغهم عنه، وعيّن إينال الأشقر رأس نوبة النوب رأس الباشق، وعيّن معه من الأمراء العشرات والطلبخانات قوم كثيرون ونحو ألف من المماليك السلطانية. ووصل الخبر أن عرب لبيد نزلوا على البحيرة ونهبوا ما حولها. وأرسل الأمير يشبك الإسحاقى المقيم بها يخبر أن المماليك المتوجهين صحبته رجع غالبهم من عنده ويطلب نجدة، فقيل إن عظيم الدنيا الأمير يشبك من مهدى - مهّد الله له السعادة - يتوجّه له فى عدد وعدد من المماليك السلطانية، فالله أعلم. يوم الثلاثاء حادى عشره عرض السلطان العسكر فأنفق فيهم مائة دينار لكل مملوك، وصار يقول: «من له غرض فى السفر يتقدم بلا أمرى»، فبرز ثلاثة نفر من الخاصكية فكتبوا أنفسهم، فرسم لهم إذا شغرت إمرة فى غيبتهم تكون لهم. وجهز فى أمسه للأمير إينال الأشقر إثنى عشر ألف دينار، والملك لله الواحد القهار.

стр. 212

يوم الخميس ثالث عشره رسم السلطان بتوسيط مملوك من المماليك السلطانية الظاهرية خشقدم يسمى يونس فوسّط بالرميلة بعد أن اجتمع عليه من الظاهرية خشقدم عدد ولكن لا ينطقون ببنت شفة، وما التفت إليهم الوالى، وبادر المشاعلى فرماه قطعتين، وسجن رفيقه المسمى «شرمنت» بالبرج؛ وسبب ذلك أن المذكورين سكرا، والذى رسم السلطان - نصر الله - بتوسيطه رمى شخصا من المماليك الظاهرية خشقدم بفردة نشاب فجاءت فى بزه فمات من وقته، وأما المسجون فإنه لم يضرب شيئا، وإنما كان حاضرا لذلك، والله الدائم المالك. وفيه نودى فى البلد على لسان المقام الشريف - نصره الله - صحبة والى القاهرة: أن أحدا من المماليك السلطانية لا يحمل سلاحا ولا يضرب أحدا من العوام ومن فعل ذلك وسّط بلا معاودة؛ وتكرر أيضا النّداء المماليك السلطانية بالعرض فى غد تاريخه، ولما عرضوا وأنفق فيهم صار السلطان نصره الله وأدام ملكه يقول لهم: «من له غرض فليتقدم» فتقدم جمّ كثير من الخاصكية والأمراء العشرات باختيارهم، فوعدهم بالإمرة والانتقال من الجندية إلى الخاسكية ومن الخاسكية للإمرة، والسلطان مهتم بأمر خروج العسكر، فإنّ سببه ما بلغ المسامع الشريفة أن شاه سوار - خذله الله - وقع بينه وبين ابن رمضان التركمانى مواقعة واقتتلا وانهزم ابن رمضان فتبعه شاه سوار إلى قلعة أياس، والله أعلم بصحبة ذلك، فإنه الولى والمالك. وفيه أشيع موت برهان الدين إبراهيم بن … (١) الحلبى النحوى الفرضى الشافعى - الذى حصل له الفتوح من الظاهر جقمق - فجأة فى ليلة هذا اليوم الذى هو الخميس، وكان فاضلا فى العربية والفرائض والفقه بالفقيرى، وكان

стр. 213

له ولد صغير سنه نحو سبع سنين، فأقرأه القرآن وعلّمه إعراب بعض آيات من كتاب الله، وصار يسأله عنها بحضور السلطان ومن عداه فيجيبه حفظا سردا لما تقرر فى ذهنه وقريحته فيحسن له السلطان بالذهب والكتب مثل البخارى، واشترى له ملكا بنحو خمسمائة دينار، ويتردد لمن عدا السلطان من المباشرين والأمراء وأعيان الدولة، ويعلّم أولادهم الكتابة والقراءة والعربية والفرائض والنحو والإعراب. ومن جملة من علمه السرى سيدى عبد البر بن (١) الشحنة وأولاد أخيه القاضى أثير الدين واشتهر بذلك وصار له سمعة بين الناس فطلبوه لتأديب أولادهم، ومن جملة من طلبه لذلك المقر المحيى ابن الأشقر والمقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى حفظه الله، والمقر الكمالى ناظر الجيوش المنصورة والشيخ سرى الدين عبد البر بن الشحنة كما قدمنا هو وأقاربه لنفسهم، وصار يسعى عند الأكابر فقرروا له على الجوالى ورتبوا له على الأوقاف الشافعية والحنفية، وكان باسمه تصوّف بمدرسة جمال الدين، وآخر بمدرسة بيبرس الجاشنكير، وأخذ التكلم على زاوية الشيخ نصر الله بخان الخليلى وغير ذلك، لكنه كان يرمى بأنه شيعى وأنه والعياذ بالله ما يحب السيدة عائشة، وأنه يوم العاشر يأخذ معزاة وينتف شعرها بيديه ولكنّا ما ظهرنا على ذلك منه، وكان يحضر دروس العلماء خصوصا شيخنا العلامة تقى الدين الشمنىّ (٢) الحنفى وكنت أحضر معه، وكان الفارئ على الشيخ نور الدين السّهيلى البصيرفى «العضد» الذى هو الآن عالم المالكية، وكان صاحب الترجمة يتكلم كلاما غالبه مقبول. وكان يعرف النجارة معرفة تامة وكذا الحدادة، ويصنع الأسفيداج

стр. 214

وغير ذلك من الصنائع، ورتب له فى البخارى صرة بألفى درهم فى كل سنة، وكان لا ينقطع عن الترداد لبيوت الأكابر ويحسنون إليه وهو يركب حمارا قصيرا جدا مثل حمار القرّاد و [معه] عبد صغير جدا، وملبسه زرىّ إلى الغاية وعيشه كذلك، ولم يخلف ولدا، وذكر أنّ له أولاد أخ بحلب وزوجة صحبته. وخلّف من الذهب العقد تسعمائة دينار ذهبا وفضة، وقيل أخذ الوزير سبعمائة دينار خالصة غير ما أخذه مباشروه أرباب المواريث، وخرّجوا وظائفه لعدّة من الطلبة المجتهدين فى السعى المترددين لبيوت الأكابر كأمير الدوادار الكبير دامت سعادته والمقر الزبنى ابن مزهر كاتب السر حفظه الله، والله يعفو عنه. وفى هذا اليوم الذى هو الخامس عشر شهر تاريخه توجّه المقر الأشرف الكريم الأتابكى أزبك إلى سفر البحيرة وفى خدمته عدة كثيرة من الأمراء والمماليك السلطانية بسبب عربان لبيد، فإنهم نزلوا على أخذ غلال الناس وحصروا الأمير يشبك جن (١) أحد المقدمين الألوف الذى توجّه قبل هذا بأشهر وصار بدمنهور، وركب هو وأهل دمنهور الأسوار يرمون على العربان بالسّهام والحجارة وأرسلوا يطلبون النجدة. وتوجه أيضا فى صحبة الأمير الأتابك من الأمراء المقدمين أزدمر الطويل وقراجا الطويل وتنبك الدوادار الثانى؛ وأما عدد المماليك السلطانية فخمسمائة نفر، فافترقوا فرقتين حتى يقبضوا على العريان، فالله ينصرهم آمين. يوم الأحد سادس عشره أو قبله بيوم وصل المبشّرون بكتب الحجاج من عيون (٢) القصب، وأخبروا بأن الحاج قاسى شدائد فى الدورة، وأن قاضى الركب الذى توجّه مات، واستقر عوضه القاضى بدر الدين بن الشيخ شمس الدين القرافى (٣) عوضا عنه.

стр. 215

يوم الخميس العشرين منه ضرب زين الدين الأبوتيجى (١) الذى كان فى خدمته قاضى القضاة شرف الدين المناوى (٢) من إينال الأشقر ضربا مبرحا نحوا من ثلاثمائة روتن على مقاعده، وسبب ذلك أن امرأة ادعت على ورثة المناوى أن بيدها مكتوبا يشهد لها بأراضى أنبوبة (٣)، وأن المناوى وضع يده عليها (٤) بغير طريق شرعى، فسئل عن ذلك كونه وصيا على أولاده القاصرين عن درجة البلوغ، فأنكر أنه ليس بوصى فخرج فى الترسيم لتبيّن المرأة عليه، فصالحها على عشرة دنانير وبخل على النقباء والرؤس النوب بشئ من الحطام، فبّلغوا الأمير إينال المذكور عن ذلك فطلبه وقال له: «كيف أنكرت وصالحت؟» فأغلظ فى الرد فضربه ضربا مبرحا. وبلغنى (٥) ممّن أثق بنقله أن امرأة من مدة ستة شهور ولدت ولدا بلا يد ولا رجل ولا ساق، والحكم لله الواحد الخلاق. ووصل الأمير الأول بالحاج فى الجمعة الحادى والعشرين شهر تاريخه بعد الظّهر إلى البركة (٦) وأصبح المحمل فحضر صحبة أميره ظهر يومه و [كان] أمير الأول آقبردى المجنون، وأمير المحمل يشبك الجمالى المحتسب، وأخبروا بالأمن واليمن والرخاء، غير أنهم صادفهم فى طريق المدينة يومان (٧) شديدان من الهواء السخن مات فيهما عدة من الناس والجمال.
следующие страницы →