← История

История · id 30026

إنباء الهصر بأنباء العصر

ابن الصيرفي المؤرخ

Полный текст (539 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المفرد ويظهر له فيه أمورا ويحصل له المال، فنال ذلك، والله الولى والمالك. *** وفيه نودى فى البلد على لسان المقامى الشريف بين يدى صاحب الشرطة: «معاشر العسكر المنصور: العرض يوم السبت» وأكّدوا فى ذلك، «ومن تأخر لا يلومنّ إلا نفسه». *** وفى هذه الأيام حضر شخص من الفقراء الصلحاء بالوجه القبلى إلى عظيم الدولة وسأله فى إطلاق شخص من أولاد ابن عمير، له مدة مسجون وهو فى الخشب فأطلقه لأجل سؤال الفقير، فجزاه الله خيرا دنيا وأخرى. وفى يوم السبت ثانى عشره أخرج السلطان لجماعة من أجلابه خيولا وقماشا وهم نحو مائتين وأربعين نفرا، وهذا أول خرج أخرجه السلطان فى مملكته (١). *** وفى هذه الأيام تداول حضور العساكر الذين تجرّدوا لقتال شاه سوار إلى الديار المصرية بغير إذن من السلطان لهم فى ذلك، وصار السلطان يبلغه ذلك فيتغافل عنهم تجاهل العارف، ثم فشى ذلك مع أنه لم يتأخر بحلب غير الأمراء الألوف وبعض طبلخانات وعشرات. وفى يوم السبت تاسع عشره عرض السلطان - نصره الله - المماليك السلطانية وعيّن منهم عدة كثيرة ليسافروا صحبة عظيم الدنيا الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير. وفى يوم الاثنين حادى عشره وصل الركب الأول على يد أميره يشبك (٢)

стр. 142

الجمالى يوسف ناظر الجيش والخاص المحتسب، فخلع عليه بعد تقبيله الأرض للسلطان نصره الله. ووصل أيضا الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق بعده بنحو ساعة فعظّمه السلطان وأكرمه وأجلّه وخلع عليه كاملية مخمل سمور بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش، وركب من عند باب السّتارة وحضر المحمل من الغد، وأمير حاجّه الأمير يشبك (١) الإسحاقى الأشرفى الأمير آخور الثانى، وخلع السلطان عليه على عادته. وفى يوم الجمعة خامس عشريه عقد عقد صاحب الحل والعقد ومشير الدولة ومدبرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما أضيف لذلك من ملك الأمراء بالوجه القبلى والبحرى وما مع ذلك، أعزّ الله أنصاره، على بنت (٢) السلطان الملك المؤيد أحمد بن الملك الأشرف إينال بحضرة مولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره بالجامع الناصرى من قلعة الجبل، وحضر قضاة القضاة ورئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى وغيره من الأعيان، وكان عقدا عظيما وكيف لا، وحمل لهذا العقد أشياء عظيمة كثيرة من سكر وحلوى وفواكه وأغنام ومشروب وغير ذلك، والله الولى والمالك. وفى يوم السبت سادس عشريه توجه عظيم الدنيا ودوادارها الكبير وما مع ذلك وفى خدمته جمع من العسكر والمماليك السلطانية إلى سفر الوجه القبلى. انتهى (٣). ***

стр. 143

وتقدم استقرار بن عبد القادر شيخ جبل نابلس فى المشيخة عوضا عن والده بحكم قتله فى وقعة شاه سوار، والملك لله الواحد القهار. وورد الخبر فى هذه الأيام من البلاد الشامية أن نائب حلب وابن دلغادر الذى تولى بلاد شاه سوار أبلغا (١) أن جماعة من أعيان شاه سوار رجعوا إلى موضع يسمى كذا، فنزلوا عليهم ونهبوهم ومسكوا منهم عدة، وقطعوا رءوس جماعة منهم، وسجنوا بقيّتهم بسجن قلعة حلب، ولله الحمد. *** ومما وقع من الحوادث فى هذه الأيام أن شخصا شريفا أكفانيا فى المواريث تزوج بامرأة من عشر شهور كانت زوجا لعبد العظيم بن الدرهم (٢) ونصف اللحام والمعصرانى، ويقال إن الشريف كان يهواها قبل التزويج، فدخل ابن الدرهم ونصف وشكى حاله إلى عظيم الدنيا الأمير يشبك من مهدى الدوادار الكبير - أعز الله أنصاره - وأنهى إليه أن الشريف [أ] فسد زوجته حتى طلقها وتزوجها، فأرسل فى الحال له النقباء والطواشية وهجموا على المرأة [فى] دارها وحضروا بها بين يديه هى وزوجها الشريف، والمرأة المذكورة قريبة لبيت البارزى (٣) ولبيت رئيس الدنيا المقر الأشرف الزينى ابن مزهر حفظه الله على المسلمين، فركب من فوره وصحبته المقر العائلى ابن خاص بك صهر مولانا المقام الشريف - عز نصره - إلى عظيم الدنيا الدوادار الكبير وصاروا على يديه ورجليه حتى صفح عنهما، وقيل إنهما غرما ألف دينار للزوج الذى هو ابن الدرهم ونصف ولغيره، وذاك ذنب عقابه فيه.

стр. 144

وفيه حصل من مولانا السلطان - نصره الله - استياء (١) على عرب غزالة فإنهم شكى عليهم أنهم يفعلون أمورا شنيعة الفساد والنهب وأمثال ذلك، فرسم للكشاف إذا وقع له (٢) منهم أحد بمعضلة تقطع رأسه. ووصلت الأخبار من الوجه القبلى أن القمح وصل ثمنه بها إلى ستمائة درهم الإردب وأنه عزيز الوجود، وأن النصل (٣) كان موجودا فى الآدميين ثم انتقل إلى البقر حتى إن البلاد جافت من ذلك، وشاع وذاع أن الأمير قانصوه (٤) الشاد بالشراب خاناه حصل له فى مخرج الغائط ألم شديد فتحوه بالفولاذ وهو فى غاية الضرورة، وتوجه إليه الأمراء والعساكر للسلام عليه. وفى يوم السبت تاسع عشره أرسل الأمير برقوق - أحد الأمراء المقدّمى الألوف الذى توجّه للشرقية لدفع المفسدين من العرب وغيرهم - تسعين رأسا من الخيول، فأرسل السلطان منها أحدى (٥) وعشرين رأسا لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فإنها أخذت من بلاد السلطان. *** وضرب جماعة من السوقة الذين هم تجار العنب ضربا مقترحا وأشهروا بالقاهرة كونهم لم يقوموا بمكس العنب، وضرب رسول من رسلهم كونه أخفى غريما من السوقة عن الضرب والإشهار. *** وتقدم قبل هذا بأيام أن السلطان - نصره الله - جهز للمنصور عثمان ابن الظاهر جقمق فرسا خاصا بسرج ذهب وكنبوش زركش وكاملية سمور

стр. 145

بمقلب سمور ومدة عظيمة؛ وقد قدّمنا ذكر صعوده للسلطان ولبسه الكاملية الثانية والإنعام عليه بالفرس والسرج والكنبوش. وأما أخت (١) المنصور - جهة المقر الأشرف الأتابكى أعزّ الله أنصاره - فاهتمت بحضوره (٢) وخلعت على المبشرين بمقدمه خلعا سنية، وخلع السلطان على المبشر بقدومه كاملية بسمور، وأنعمت أخته عليه بمائة دينار. ووصل سيدى أبو السعود (٣) - ولد شيخنا شيخ الإسلام الأمين الأقصرائى من الحجاز، وخلع عليه من السلطان، وكذا على شيخنا قاسم الحنفى. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشرى (٤) شهر تاريخه سافر عظيم الدنيا - ومدبرها ومشيرها ووزيرها وأستادارها الكبير وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وما مع ذلك: يشبك من مهدى مهّد الله له السعادة مهادا، والبلاد والعباد على وفق مطلوبه السعيد، وبلّغه ما يريد - إلى الوجه القبلى فى ضخامة عظيمة وأبهّة زائدة وحرمة وافرة كما هى عادته، وفى خدمته من المماليك السّلطانية خمسمائة نفر خارجا عن مماليكه المشتروات والخدّام والمشاة الذين استخدمهم، وعدّة المشاة خاصة مائتان وأربعون نفرا. شهر صفر الأغر أهلّ بيوم الخميس، ففى سحر هذا اليوم صعد (٥) قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة فوجدوه ركب من قلعة الجبل وتوجّه إلى الخانقاه

стр. 146

السرياقوسية (١) فلم يجتمعوا به وعادوا، وصعدوا من الغد إليه فهنؤه (٢) على العادة، وعاد السلطان فى يومه فتغدّى فى تربة عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين ورجع إلى القلعة فى صحة وأمن، نصره الله. وفيه رسم السلطان - نصره الله - بشنق حرامى وهو مستحق لذلك، فإنه سرق فقطعوا يده وأطلقوه فسرق ثانيا فقطعوا أرجله وأطلقوه، فسرق ثالثا فرسم بشنقه فشنق. وقطعت يد صغير سرق وهو غير مكلف. وفى يوم الأحد رابعه الموافق له من أشهر القبط العشرون (٣) من مسرى أخبر أمين النيل ابن أبى الرداد (٤) بوفاء النيل ستة عشر ذراعا وبزيادة أربعة أصابع من الذراع السابع عشر، فأمر السّلطان - نصره الله - الأمير لاجين (٥) الظاهرى أحد مقدمى الألوف بتعدية النيل وتخليق المقياس وفتح فم الخليج الذى هو عند السّد، فبادر وفعل ما أمر به على العادة فى كل سنة، وخلع عليه وأركب فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش على عادة من تقدمه. وفى الأربعاء سابعه صعد المنصور عثمان إلى السلطان لملك الأشرف قايتباى - عز نصره - فسأله فى السفر ووادعه (٦) - وكان تقدم إرسال القاضى

стр. 147

نور الدين الإنبابى (١) له بذلك، وخلع عليه وتوجه من يوم تاريخه لساحل بولاق بالبارزية وذلك بعد أن أضافه المقر الأشرف العالى السيفى برسباى (٢) قرا أحد المقدمين الألوف ضيافة هائلة على ما بلغنى، وسافر من الغد إلى الثغر السكندرى بعد إكرام مزيد من السلطان وضيافات وإنعامات من خلع ونقد وغير ذلك. وفيه وصل القاضى عبد الرزاق بن فخيرة (٣) أحد كتاب المماليك السلطانية من البلاد الحلبية وهو ضعيف فى محفة. وفيه ركب السلطان وتوجه للمنتزه على عادته لمكان يختاره. وفى هذه الأيام خلع على قانصوه الأحمدى شاد الشراب خاناه كونه ضعف وانقطع عن الخدمة أياما ثم عوفى وصعد للسلطان، والله المستعان. وفى خامسه توفيت والدة المقر العلائى على بن خاص بك صهر مولانا السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره، وهى جاركسية الجنس، وكان السلطان يعظمها ولها مدة ضعيفة ملقاة على تخت مقور، وصلى عليها السلطان والأمراء والعساكر، وتوجه قضاة القضاة معها إلى الريدانية وكذلك الأعيان، والله المستعان. ووصل كتاب عظيم الدنيا ورئيسها وصاحب حلّها وعقدها الأمير الدوادار الكبير حفظه الله على المسلمين، وفيه (٤) أن المماليك السلطانية الذين عينوا فى خدمته للوجه القبلى - وعدتهم خمسمائة نفر - لم يتوجه صحبته منهم النصف. وفى عاشره عرض السلطان المماليك الذين توجهوا للقتال صحبة المقر الأتابك

стр. 148

الأتابك أزبك لشاه سوار وطلع غالبهم ضعيفا محمولا على الأقفاص وأمثال ذلك، فأنفق لهم الجامكية والّلحم والعليق، وتأخّر جماعة لم يحضروا. واتفق فى هذه الأيام أن المقر العالى السيفى برقوق - أحد المقدّمين الألوف الذى استقرّ كاشفا لأجل دفع المفسدين عن البلاد والعباد - له موقّع يعرف بالقاضى «هانى» وهو من جملة الموقعين بالدست السلطانى بلغه عنه أنه مدّ يده وبلص (١) من الخولية والمشايخ نحو خمسمائة دينار، فطلبه وسأله عن ذلك فأجاب بعنف، فطلب غلامه فأنكر فضربه فأقرّ، وأحضر المال فى الحال، فعند ذلك ضرب هانى المذكور وبهدله ووضعه فى الحديد وطلب منه ثلاثة آلاف دينار، والأمر لله الواحد القهار. *** وأما المقرّ الأشرف الأتابك أزبك ورفقته من الأمراء المقيمين بحلب فكتب لهم مرسوم شريف أن يستمروا مكانهم إلى بعد الربيع، إما يحل الركاب الشريف أو يرسل لهم بحدة، وأشيع أن الجوالى تتفرق بحضرته ليبقى من يستحق ويمنع غير المستحق. وفى يوم الاثنين تاسع عشره وصل الخبر من البلاد الحلبية للمسامع الشريفة - نصرها الله - أن الأمير قرقماس الأشرف نائب ملطية حصل له الظفر على جماعة من عساكر شاه سوار فأوقع بهم وأسر جماعة من أقاربه وأخصائه، ولذلك سبب هو أن بعض عسكر شاه سوار توجهوا إلى ملطية وضياعها لطلب الميرة، فلما نزلوا على ملطية اختفى قرقماس المذكور فأشيع هروبه فاطمأن الشاه سوارية وأحاطوا بالمدينة، فخرج عليهم قرقماس المذكور على

стр. 149

حين غفلة فأوقع بهم قتلا وأسرا، وفاز من فرّ منهم، ولله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك. وفى يوم الثلاثاء العشرين منه خلع على الشهابى أحمد بن المأمونى واستقر فى حجوبية الحجاب بطرابلس عوضا عن العلائى على بن الأزبكى بحكم عزله عنها، وبذل المستقرّ (١) فى الوظيفة عشرة آلاف دينار. *** يوم الجمعة سادس عشر به وصل الخبر من الوجه القبلى بوصول عظيم الدنيا الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى - مهد الله له الوجود - إلى منفلوط وأخبروا أن جماعة قاسوا مشاقا شديدة وأشرفوا على الغرق، وغرق للمقر الأشرف المذكور - حفظه الله من كل محذور - مركب قمح ضمنها ثلاثة آلاف إردب، وهى فداؤه، فإنه ركن الإسلام. وبلغنى أن شخصا من العربان - يسمى ابن زعازع - غضب عليه عظيم الدنيا المذكور - ختم الله له بالخيور - لما بلغه عنه من الجرائم والمفاسد فأمر بتوسيطه، فضربه المشاعلىّ بين يديه نحو سبع عشرة مرة فلم يقطع فيه السيف بل ينقلب، فأغلظوا على المشاعلى، فقال: «هذا معه شئ يمنعنى من توسيطه»، فأطلقه عظيم الدنيا وحلف له إن أعلمه بصورة الحال فإنه يطلقه وأكد له اليمين وودى فيها، فأخبره أن فى لحم ذراعه خودة فأخرجوها منه وأعطوها للمقر الأشرف المذكور، فقال له صاحب الخوذة: «هذه لا تنفعك فإنها مرقية بإسمى»، فلم يلتفت لمقاله وأمر المشاعلى بتوسيطه، والعمدة على الناقل. *** وشاع وذاع أن بردبك (٢) الفارسى نائب الشام وقع منه أمور تفضى إلى أنه خارج عن الطاعة.

стр. 150

ووصل فى هذه الأيام كتاب المقر الأشرف الكريم العالى عظيم الدنيا الدوادار الكبير وما مع ذلك، يتضمن «أن العربان ما قصدهم وزن الخراج، وقد عم البلاء البلاد والعباد، وإذا ذهب المال يردعهم إرداعا غليظا حتى يستخرج منهم؛ وبلغنا أن المقام الشريف - نصره الله - أرسل العساكر لشاه سوار ولم يظفروا بشئ، وحصل بذلك غاية التشويش، والمسئول من الصدقات الشريفة إن كان المقصود حضور المملوك ليتوجه للعدو المخذول شاه فيحضر المملوك ويعبّى يرقه (١) وأموره، وإلا فالأمر أمر السلطان» فأجيب بالإكرام والاحترام والثناء والشكر، «وإنك تقضى تعلقاتك وحوائجك، وبعد ذلك نفعل ما يريده الله تعالى». *** يوم الأربعاء حادى عشريه الموافق له ثانى توت القبطى، ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى بركة (٢) الحبش وساق نحو الجبل ورجع إلى القلعة فاستمر راكبا إلى أن دخل البحرة، فإن إقامته الآن بها لأنّ الدهيشة رسم بعمارتها وترخيمها وتنميقها وتبييضها، ففعلوا ذلك. *** وفيه توفيت خوند (٣) فاطمة بنت الملك الظاهر ططر، وعاشت بموتها كما قال الشاعر:

стр. 151

فالموت فيه حياتى … وفى حياتى قتلى ولما مات عنها الملك الأشرف برسباى لم يتزوج بها الملك الظاهر جقمق بعده، ونزلت من القلعة ومعها جهاز بنحو مائة ألف دينار، فسكنت بباب سر البيمارستان بجوار بيت والد كاتبه بقاعة المرحومة مرحبا أخت المقر المرحوم الزينى عبد الباسط، وصار على بابها طواشية وعندها عدة عجائز، ومن جملة من على بابها القاضى «هانى» الموقّع الآن، وكان إذ ذاك شابا من مجاورى جامع الأزهر يتردد للطواشية، فسأل أن يكون كاتبها فكان كذلك واستمر حاله ينمو ويزيد وركب الخيول واشترت له الوظائف والتواقيع، ولبس الأقمشة، ولبس الخف والمهماز، وجعل فى رقبته طوقا بعد أن كان من الفلاحين المجاورين بالجامع المذكور، وفى يده دق أخضر شاهدته، وصارت خوند المذكورة تبيع من قماشها وترهن وتقترض وتبذر وتبيع الغالى والعالى بالرخيص السافل وتقترض الدرهم بمثله، حتى ضيّعت جميع ما ملكته وصارت تقترض وتعطى، ثم صارت تقترض فلا تعطى، ثم صارت لا ترى أحدا يقرضها شيئا، وتزوجت بالقاضى شرف الدين التتائى الأنصارى وكانت تهواه وكان [هو] بضد ذلك، وهذا من الشقاوة عملا بقول الشاعر المجيد البليغ: ومن السعادة تحبّ وأن تحبّ … وأن يحبّك من تحبّ ومن الشقاوة أن تحبّ … فلا تحبّ ولا يحبّك من تحبّ وأنفقت عليه أموالا فى ما تصنعه له من المآكل المفتخرة والمشارب المعطرة، ومع ذلك لم بفدها ذلك وطلّقها فكادت تتجئّن (١) وشكته إلى الأشرف

стр. 152

إينال لما تزوج بعدها بخوند (١) مطلقة الملك الظاهر جقمق بنت الأمير جرباش (٢) الكريمى الشهير بعاشق، فغضب عليه وخرّج وظائفه وباع أملاكه ببولاق وورقه الذى يحمل بتنيس وبالمنية وغير ذلك، فصبر وأعيدوا له بعد ذلك فى دولة خشقدم الظاهر. ولقد كانت (٣) تستحل أخذ أموال المسلمين حتى إنها كانت تستعير من الرؤساء والمحتشمين المتاع ثم تجحده ثم تعترف به وتكتب عليها به الوثيقة ولا يصل أصحابه إلى شئ من ثمنه، وتراكمت عليها الديون، وقام الظاهر جقمق ﵀ معها وأعطاها خمسة آلاف دينار، ورسم للمقر المرحوم الجمالى يوسف - ناظر الجيش والخاص كان - أن يصالح عنها أرباب الديون ففعل ذلك، وما مضت سنة حتى عاد الحال على ما هو عليه، وصارت النقباء ورسل الشرع على أبوابها والتجار والسماسرة والدلاّلات الذين تشترى منهم البضائع يستغيثون منها ومن معاملتها، وتقرّبت فى أيام الملك الأشرف إينال لحريمه فصارت تخدمهن فى المهمات، وزعمت أنها تقضى حوائج الناس، وصارت تتكلم عندهم للناس وتساعد من تختار وتحمى بالقوة وتركب وتدور، ولا تتأخر عن فرح ولا كره (٤) لأحد من الأكابر، وكانت مشهورة باللباقة فى المأكل والمشرب، وصارت مثلة فى العالم من هذه الأفعال الرذيلة والأحوال التى لا يقدم عليها غيرها، وصار التجار والعوام لا يقدرون على الخلاص منها، ولا تفكر فى نقيب ولا رسول ولا غير ذلك، وقيل إن منصور الأستادار

стр. 153

المقتول بسيف الشرع بباب الصالحية (١) تزوج بها وأقام معها قليلا وطلّقها، ولما بلغ السلطان وفاتها أرسل لها أربعين دينارا وثوبا بعلبكيا، وطلبها ليصلى عليها فما وافقت أمها فى سرعة تجهيزها حتى تفعل الأمور الكفريات التى ترتكبها (٢) النساء من أعمال الجاهلية من اللطم على الخدود وشق الجيوب والنياحة ودعوى الجاهلية، فلما كان يوم الخميس - ثانى عشريه صلى عليها بسبيل المؤمنى فلم يحضر السلطان الصلاة عليها بل صلى عليها قضاة القضاة وبعض الأمراء والرؤساء، ودفنت بجوار الإمام الليث ابن سعد - نفعنى الله به - بتربة والدها الظاهر ططر، وطلع الدائنون ووقفوا للسلطان بسبب مالهم و [طالبوا] أن يأخذوا عوضه من أوقاف أبيها فردوا ردا شنيعا وهدّدوا، وأخرج السلطان أوقافها وتعليقاتها لمستحقيهم ولمن يختار ويروم، وإلى الله عاقبة الأمور. وكانت تعصبت على الشيخ سرى (٣) الدين عبد البر - ولد شيخنا قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة - فيما ثبت له بالطريق الشرعى من النظر على وقف جدّه قاضى القضاة ولى الدين السفطى (٤) بعد حكم المالكى وتنفيذ بقية القضاة له، وصعدت إلى السلطان وسبقته بالأقوال والأفعال، وإلى الله المرجع والمآل. *** وفيه توفى الأمير طومان باى (٥) الظاهرى - أحد أمراء العشرات ورؤوس

стр. 154

النوب - وكان مسافرا صحبة الأمراء المتوجّهين لقتال شاه سوار، فوصل إلى القاهرة من مدة يومين وهو ضعيف فى محفة، وصلى عليه السلطان ودفن بمقابر المسلمين، وكان ظلوما غشوما منهمكا فى اللذات، وكان على قول صاحبنا الجمال يوسف بن تغرى بردى المؤرخ لمّا يذكر ترجمة من يكون غير شجاع وغير كريم فيقول «لا للسيف ولا للضيف»، ولقى عمله والله تعالى يغفر لنا وله. *** ووصلت الأخبار من البلاد الشامية أن قرقماس الصغير - نائب ملطية - اجتمع هو وابن رمضان التركمانى وكبسوا على شاه سوار ففر، ومسكوا أخويه وأقاربه وأمراءه وأعوانه، ونهبوا منه ما لا يحصى ولا يحصر، ويحصل أنه عن قريب يحضر رأسه إن شاء الله. وشكر السلطان - نصره الله - قرقماس نائب ملطية على فعله وأوعده (١) بنيابة عظيمة وخير كثير. *** وتوفى تنبك البواب الأشرفى برسباى الذى كان أمير [الركب] الأول فى السنة الماضية، واستقر كاشفا بالجسور فى يوم السبت خامس عشرى صفر سنة أربع. وفى يوم الثلاثاء المبارك سابع عشريه خلع على الشيخ برهان الدين الكركى (٢) - إمام المقام الشريف - واستقر فى كتابة البيوتات واستيفاء الصحبة، والله أعلم. ***

стр. 155

شهر ربيع الأول المصون المبارك أهل بيوم الجمعة الموافق له من شهور القبط (١) حادى عشره. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فوجدوه قد ركب وتوجّه للقرافة، فانتظروه بالجامع الناصرى حتى عاد وطلبهم فدخلوا إليه بالدهيشة وكان قد فرغ من ترخيمها وتذهيبها وتنميقها وبياضها، ولما جلسوا بين يديه - وكنت حاضرا جالسا معهم - قال له قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى (٢): تهنى بكم كلّ أرض تنزلون بها … كأنكم لبقاع الأرض أمطار فقال له السلطان: «الله يحفظكم» أو ما أشبه ذلك؛ ودعوا له وانصرفوا. *** ووصل الخبر بقدوم الأمير أزدمر (٣) الإبراهيمى الطويل الظاهرى - أحد المقدمين الألوف - إلى الخانكاه وهو ضعيف فى محفة، وكان بلغ السلطان قدومه قبل هذا وضعفه، فرسم له بالعود ولو يموت فى الطريق - فلم بمتثل المرسوم الشريف على ما قيل وحضر وما يزداد إلا شدة - ما دام المخذول شاه سوار فى قيد الحياة، ولذى صحّ أن أزدمر عاد إلى صفد وحضر جماعته كلهم ولم يتأخر سوى مملوك واحد وبواب وشربتلى وطباخ. واتفق من يويميات (٤) أن مولانا السلطان - نصره الله - أمر بعرض جوامك

стр. 156

الإصطبل السلطانى فعرضوا، فقطع من المتعممين نحوا من مائة ألف درهم فى كل شهر أو أقل، والله أعلم. ووعده السيفى جانم (١) دوادار عظيم الدنيا ومدبرها المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير وما مع ذلك حفظه الله على المسلمين، وحصل له فهاق وطرف فالج، وأوصى بثلث ماله صدقة؛ تقبل الله منه. *** وحضر قبل تاريخه بيومين قاصد نائب جزيرة قبرص وصحبته ثياب صوف ونقد ذهب فقدّم ذلك للسلطان، فقبل والله المستعان. *** وفيه وقف للسلطان شخص من الأمراء العشرات الإينالية يسمى قانصوه (٢) الإسحاقى وشخص آخر من مقولته يسمى شادنك انطه، وطلبا منه إقطاعين: أحدهما إمرة طبلخاناة والآخر إمرة عشرة، فغضب وشاط وقطع ثيابه ورمى النمجاة (٣)، وقام إلى الدوادار الثانى فقيل إنه لكمه، فوقعت عمامة السلطان وتوجه إلى البحرة وغلق الباب. والسبب فى غضبه من الدوادار الثانى أنه رسم له بمسك أحد اللذين (٤) وقفا له فإنه كلم السلطان كلاما خشنا، فلما لم يقبض عليه قام له بالنمجاة فرده عنه الداوادار فوقع ما وقع وحصل غوغاء بين المماليك الإينالية وصارت عيطة (٥)، وطلع جانبك حبيب فخفّض على السلطان فما رجع

стр. 157

ولا قبل، وهم فى أمر كبير، وإلى الله المصير، والسلطان نصره الله ما يفكر فى أحد وإنما هو متكل على الله وهو حسبه ويكفيه محمد وآله. وفيه حضر نوروز دوادار المقرّ الأشرف العالى الأتابكى أزبك من حلب إلى القاهرة، وصعد بين يدى السلطان وأخبره بقضية شاه سوار وما حل بإخوته وأقاربه من القبض عليهم، فلم يلتفت لذلك ولا خلع عليهم، ونزلوا مكسورين منكوسين إلى دورهم. وفيه كسر سد (١) بنى منجا، كسره متولى الحرب السعيد ليشبك الدوادار الكبير - حفظه الله على المسلمين؛ وحضر الأمير تغرى بردى الخازندار، وكان له يوم عظيم. ووصل الخبر عن شاه سوار أنه أصيب بسهم لما قبض على إخوته وأقاربه وأنه هلك، ولم يصح ذلك. *** وفى يوم الخميس سابعه نقل المقر الأشرف العالى السيفى قانصوه الأحمدى الإينالى - شاد الشراب خاناه - إلى إقطاع وتقدمة ألف كانت باسم سودون القصر وهى، وصار من المقدّمين الألوف. وخلع فى يوم الخميس سابعه - بل أنعم - على الأمير يشبك الإسحاقى الأشرف الأمير آخور الثانى المعروف والمشهور بيشبك جن بتقدمة ألف بالديار المصرية من التقادم التى توّفرت من قتل أصحابها فى واقعة شاه سوار المخذول، بلغ الله المسلمين فيه كل مأمول.

стр. 158

وخلع على الأمير دولات (١) باى حمام، الأشرفى برسباى واستقر فى شادية الشراب خاناه عوضا عن قانصوه الأحمدى بحكم انتقاله إلى التقدمة الألف. وفى يوم السبت تاسعه خلع على الأمير بردبك المشطوب اليشبكى أحد أمراء العشرات، واستقر رأس نوبة ثانيا عوضا عن دولات باى حمام بحكم انتقاله إلى شادية الشراب خاناه. وفى يوم الخميس رابع عشره خلع على الأمير جانبك حبيب الأشرفى إينال - أحد الأمراء العشرات - واستقر أمير آخور ثانيا عوضا عن يشبك الإسحاقى بحكم انتقاله لتقدمة ألف. ووصل كتاب عظيم الدنيا ومدبرها ومشيرها المقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير للسلطان نصره الله، يروم منه أن يستخرج المال المتأخر من الديوان، المقرّر من جهة من يذكر فيه كالمجدى ابن البقرى (٢) وغيره من مباشرى (٣) الديوان المذكور، فطلبهم السلطان ورسم للسيفى تغرى بردى - خازندار عظيم الدنيا المذكور - بالترسيم على الأمير مجد الدين ابن البقرى، فرسم عليه حتى يقوم بما عليه، ورسم على يحيى (٤) ابن البقرى - ناظر الاصطبل - ورسم له أن يحضر بأخيه ولا يوزن عنه، فقال إنه يسافر ويحضره، فرسم له بذلك. وورد الخبر أن المقر الأشرف الكبير العالى عظيم الدنيا الدوادار الكبير

стр. 159

ظفر بشخص من المفسدين المجرمين العصاة من مشايخ بنى عدىّ فضربه بالمقارع ورسم أن يشوى بين يديه فى النار وهو حى، فصار يستغيث ولا يغاث، وآخر الأمر أطلقه وقيل للأمير، «لا يعذب بالنار إلا خالقها». ليلة الاثنين حادى عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجّه إلى بركة الحبش، وتوجه صحبته الخام (١) والمطبخ والمأكل والمشرب، فأقام به إلى آخر النهار ورجع فى خير وسلامة. وشاع وذاع أن مولانا السلطان - نصره الله - يعين عدة الأمراء والمماليك السلطانية تجريدة لقتال شاه سوار: غضب الله عليه ولعنه فما (٢) أكثر [ما] قاسى المسلمون بسببه من البوار والدمار. وفيه عمل المولد السلطانى بالحوش على العادة، وصعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام، وحضر الأمراء المقدمون الذين تجدّدوا كالأمير يشبك جن الظاهرى جقمق، والأمير قانصوه الأحمدى، و [حضر] غيرهما من القدماء كالأمير جانبك أمير آخور كبير والأمير لاجين والأمير سودون تستز، و [حضر] غيرهم من الطبلخانات والعشرات وغيرهم، ومد السماط العظيم على العادة. وعند الفراغ من صلاة المغرب توجه (٣) قضاة القضاة والمشايخ وخلعت الشقق (٤) على الفراء والوعاظ، وكان مولدا عظيما جليلا.

стр. 160

يوم الأربعاء العشرين منه ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى بركة الحبش وصعد نحو الجبل ورجع إلى القلعة قريب الظهر، ولا عنه خبر ولا أثر. وأشيع أن السلطان - نصره الله - رسم أن يكون نظر جامع طولون تحت نظر المقر الأشرف العالى السيفى تانبك (١) قرا و [أن] يخرج (٢) من نظر الشافعى، فساعده المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر رئيس الدنيا وكاتب السر الشريف الأنصارى حفظه الله عليا المسملين - حتى عاد إليه، وسبب ذلك أن المستحقين كان يصرف لهم فى السنة ثمانية شهور وأكثر وأقل، فصاروا تصرف لهم فى أيامه فى السنة ثلاثة شهور، وفى الواقع فهو عقد ودين فى الأحكام، لكن الأوقاف فى أيامه أكلها (٣) المباشرون. يوم الثلاثاء سادس عشريه عقد مجلس بالقلعة بحضور السلطان بقضاة القضاة بسبب السيد الشريف نقيب الأشراف وأخيه (٤) الذى كان إمام المقرّ الشهابى ابن العينى، فإن الأشراف شكوا منهما أنهما أخربا البلاد، وكان استعيض عن الشريف المذكور من نقابة الأشراف واستقرار الشريف نور الدين على الكردى صاحب السلطان نصره الله، فسعى الشريف المقدم ذكره عند السلطان بالأمير برقوق وغيره حتى عقد لهما هذا المجلس، وغضب السلطان - نصره الله - من نقيب الأشراف وحطّ عليه ونقم عليه سوء مباشرته فى بلاد الوقف وعدم التساوى بين المستحقّين فى النفقة، ونسب ذلك إلى صنيع أخيه، وأساء عليه بلفظ: «يا شيطان أنت نحس»، فصار يرعد ويقول: «السلطان

стр. 161

يعرفنى»، وحرجت أخلاق السلطان وعنّف الشريف نقيب الأشراف ووبخه، فكان جوابه: «يا مولانا السلطان، أنا أتوب إلى الله وأستغفر الله». وانفصل المجلس على أن يعمل حساب الوقف بحضور نواب قضاة القضاة، من كل مذهب نائب، ويعملون ما يقتضيه الشرع، وأن يكون السيد الكردى ناظرا على البلاد والمال والمصرف، ونقيب الأشراف يصل إليه معلومه ولا يتكلم فى شئ، وهذا مع جوار السلطان لنقيب الأشراف عدة سنين واتحاده بصحبته؛ وأذكر قول الشاعر: إذا كان هذا فعله فى محبّه … فياليت شعرى فى العدى كيف يصنع؟ ونصر الله مولانا السلطان فإنه قائم مع الحق. *** يوم الخميس ثامن عشريه، خلع على الأمير يشبك (١) الجمالى الذى توجّه فى السنة الماضية أمير الركب الأول واستقر فى حسبة القاهرة عوضا عن قانصوه، وقيل إنها شاغرة واستقر أمير المحمل. وخلع أيضا على آقبردى المجنون زوج بنت يشبك (٢) الأعرج واستقر أمير الأول. وفيه خلع على نقيب الأشراف المقدم ذكره واستقر على عادته. وخلع على السيد الشريف علاء الدين الكردى واستقر ناظر الأشراف. وسأل السلطان عن متحصل الأشراف فقيل له ثمانية آلاف دينار، فقال: «كم تصرفوا للأشراف؟» فقيل له: «النصف من ذلك»، وسأل عن المتأخر فذكر المباشرون أن عدتهم عشرون نفرا، فرسم باستقرار أربعة وإبطال

стр. 162

ما عداهم، وأن يضاف المتأخر ويصرف على الأشراف بالسوية، فنصره الله. *** وفيه نودى على الفلوس العتق (١) المنقاة من الرصاص والحديد بأربعة وعشرين درهما الرطل على عادتهم، وضربت فلوس جدد، كل أربعة بدرهم ونصف، والرطل بستة وثلاثين درهما، وهذا فيه ضياع أموال المسلمين ليحصل للشياطين أهل دار الضرب مقصودهم من جمع المال، فإنهم يأخذون من الناس الفلوس بأربعة وعشرين ويخرجونها بستة وثلاثين، فيخسّرون المسلمين الثلث فى أموالهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. وفيه توفى الأمير يحيى بن عبد الرزاق بن أبى الفرج (٢) بقلعة الجبل، وله من حين مباشرة عظيم الدنيا المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى فى الأستادارية وهو بسجن البرج، وهدّد وخوّف وضرب ضربا فظبعا حتى طار لحم جسده عن بدنه، ونزلوا به من القلعة فى تابوت وعلى رأسه طاقية كشف، وتوجهوا به إلى منزله فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه، وحضر صلاته المباشرون وبعض الأعيان وصلّى عليه بالجامع الأزهر، ودفن بمدرسته (٣) المجاورة لمنزله بالقرب من قنطرة الموسكى. وكان رأسا فى الرياسة وصار فى أيام الملك الظاهر جقمق صاحب الحل والعقد، وعمّر عدة مدارس وجوامع وربط، و [عيّن] خطباء، وأوقف عدة أوقاف عليها وعلى ذريته، وصار لمّا ينكب فى دولة من الدول يستبدلون غالب أوقافه ودوره، ثم لما (٤) يعيدونه يعيدونها، وله بهذه التكبة عشرون مرة.

стр. 163

وكان أصله كاتبا ثم تقرّب لخدمة المقر المرحوم الزينى عبد الباسط، فلما تولى عبد الرحمن بن الكويز (١) الأستادارية استقر صاحب الترجمة ناظر الديوان المفرد، ثم ولى الأستادارية منه وباشرها مباشرة عظيمة فى الدولة الظاهرية جقمق، وساعدته الليالى والأيام، وعمر المدارس والجوامع كما قدّمنا والبيوت والربوع، واشترى المماليك حتى بلغ عدتهم مائتى مملوك وخمسين مملوكا، وفرّق الخبز والقمح الكثير فى الغلاء على الفقراء فى كل يوم، وعمّر المغاسل والأكفان للأموات فى الفصول، فصاروا يغسّلون ويكفنون ويدفنون من وقفه؛ وعمر بدرب الحجاز الشريف أبيارا على سلالم ينزلون إليها وساق إليها الماء، وهو الذى أنشأ أولاد البقرى وابن جلود وابن غريب وغيرهم، ولقى ما قدم وأمره إلى الله، ونفى إلى مكة المشرفة والمدينة المشرقة مرتين ولم يقدر أن يحج. وكان أشقر اللون أزرق العينين، له سطوة وإقدام، وإذا غضب لا يطاق، وكان كريما جوادا، له سماط هائل إلى الغاية يجمع فيه بين اللبن والسمك وغير ذلك من المآكل العظيمة، وبلغ الأوج فى دولة الظاهر واتخفض بعده إلى الحضيض وصودر وأهين وضرب وسجن، فأراح واستراح بموته. فالله يعفو عنه بفضله. شهر ربيع الآخر أهل يوم الأحد لأن ربيع الأول جاء تماما، ويوافقه من شهور القبط عاشر بابه. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لقلعة الجبل بسبب تهنئة السلطان

стр. 164

بالشهر وانتظروه بالحوض حتى حضر من الميدان وطلبهم، فجلس معهم ولم يتكلم معه سوى قاضى الحنفية ودعوا وانصرفوا. وفيه أنعم السلطان على الأمير قرقماس الأشرفى - نائب ملطية - بخلعة بطراز زركش ورسم له بخمسة آلاف دينار ليتقوى بها على العدو باستخدام الرجال والسلاح وما أشبه ذلك، فنصره الله نصرا عزيزا وفتح له فتحا مبينا. *** يوم الاثنين ثانيه أشيع الخبر أن المرسوم الشريف توجه للأمراء بالحضور من حلب بعد أن حضر بعضهم من العشرات. وفى يوم الخميس خامسه رسم السلطان باستقرار الأمير قانصوه (١) اليحياوى نائب طرابلس فى نيابة حلب عوضا عن الأمير إينال الأشقر الظاهرى بحكم عزله عنها وقدومه إلى القاهرة على إمرة مائة وتقدمة ألف، وأنعم عليه بثمانية آلاف دينار يستعين بها على كلفه ومصالحه ويرقه وبركه (٢). وفيه خلع على الأمير لاجين الظاهرى - أحد مقدّمى الألوف - بكشف الجسور بالبهنساوية من الوجه القبلى، وخلع على الأمير يشبك الإسحاقى - أحد المقدمين الألوف - بكشف الجسور بالبحيرة من الوجه البحرى، ورسم له بالتوجّه من فوره لإزالة المفسدين من البلاد والعباد سيما العربان الخارجين عن الطاعة والقادمين إليها فى طلب الميرة، وعين صحبته تجريدة من المماليك السلطانية فسافر من يومه.

стр. 165

وفى الأحد ثامنه قدم الأمير علان (١) الأشرفى - أحد الأمراء العشرات الذى كان أسر عند شاه سوار وخلص منه - فلم يلتفت إليه. وفيه أنعم السلطان - نصره الله - على الأمير يشبك البجاسى - نائب حماة - باستقراره فى نيابة طرابلس عوضا عن الأمير قانصوه اليحياوى المنتقل لنيابة حلب عوضا عن تمراز بحكم انتقال تمراز إلى تقدمة ألف بدمشق. ورسم للناصرى محمد بن المبارك أن يستقر فى حجوبية حجاب دمشق عوضا عن إبراهيم (٢) بن بيغوت الأعرج. وفى يوم الأحد الخامس عشر منه حضر إلى بيت السلطان مملوك الأمير الكبير الأتابك أزبك من ططخ، وعلى يده كتاب مرسله يتضمن أن ابن رمضان أخذ قلعة سيس من أعوان شاه سوار. وفى هذه الأيام وصل المقر الزينى عبد الرحيم (٣) بن البارزى من سفره من حلب وهو موعوك جدا، ونزل بمنزل القاضى كمال الدين. وجهز (٤) للسلطان هدية على يد المقر الزينى أبى بكر (٥) بن المقر المرحومى عبد الباسط قيمتها بنحو خمسمائة دينار فردّها عليه وقال: «أنا ما أقبل منه أو أريد منه إلا فاكهة حلوى مشموم»، وكان بلغ عبد الرحيم المذكور أن السلطان قال: «عند من يهرب منى؟ هذا هو وقع فى القفص» فبلغه ذلك فازدادت علّته واستمر منقطعا إلى أن توفى فى يوم الإثنين المبارك تاسعه بعلة الصرع؛ وكان ﵀ بشوشا متواضعا أصيلا عريقا زهرا فى مأكله وملبسه ومركبه،

стр. 166

وباشر استيفاء الصحبة عدة سنين، وخرجت عنه الوظيفة فى هذه الدولة قريبا باسم الشيخ الإمام برهان الدين الكركى إمام مولانا السلطان الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره -، ومات وسنه نحو الأربعين تخمينا. وكان قصير القامة طلق اللسان كريم اليد، ورشح لكتابة السر مرارا فلم يتفق له، وحضر جنازته والصلاة عليه الأعيان من قضاة القضاة والمباشرين والرؤساء، ودفن بالقرافة بعد الصلاة عليه بالجامع الأزهر، وكان عريّا من العلم، سئ المعاملة لا سيما ما يستحره من السوقة برسم المأكل، وخلف ذكرين وبنتا، وانقطع بموته بيت البارزى، ولم يتخلف من البيت سوى بنت المقر الكمالى زوج المحتسب الأمير يشبك الجمالى مملوك زوجها الصاحب جمال الدين بن يوسف والبهائى نجم الدين بن حجّى، وخلّف دنيا عريضة ولكنها بالبلاد الشامية والحلبية من أوقاف عمه وأبيه، وعليه ديون نحو ستة آلاف دينار والله يرحمه. آمين. *** وفيه توفى الأمير قانصوه (١) الساقى المصارع الأشرفى برسباى، وكان شكلا حسنا شجاعا، وتوجه السلطان للصلاة عليه وكذلك غالب الأمراء ومن حضر. ووصل الخبر إلى الديار المصرية بوفاة الأمير الأجل قانبك (٢) المؤيدى الذى كان مقدما على ألف فى دولة الظاهر خشقدم واستقر أمير مجلس وأمير سلاح فى دولة الظاهر يلباى، وكان أميرا مباركا عديم الشر والخير، وهو كما قال مخدومنا الجمال يوسف عين المؤرخين «لا يصلح للسيف ولا للضيف». ***

стр. 167

وحصل فى هذا الشهر أمور، منها أن قاسم الوزير - نائب عظيم الدولة الدوادار الكبير - كبسه الوالى بالجزيرة ومعه امرأة وأطلقت، ومنها أن المقر الأشرفى العالى السيفى قانصوه أحمد الإينالى وصل له غم من الوجه القبلى فأراد (١) أخذها بغير مكس فعوّقها قاسم الوزير فأرسل إليه قانصوه يطلبها فامتنع، فهمّ قانصوه بالركوب إليه ليبهدله ويضربه، فبلغ قاسم ذلك فركب وحضر إليه ليصالحه على شئ، فضربه ضربا مؤلما ومع ذلك فلم يطلق له قاسم الغنم، وصار يقبل بأمر عظيم الدنيا المقر الأشرفى الدوادار الكبير، وآخر الأمر أقول كما قال الشاعر: «أوسعتهم سبّا وفازوا بالإبل»، وهذا بالغنم. وفى هذه الأيام وصل المقر الأشرف العالى المولوى السيفى تمراز الشمسى أحد المقدمين الألوف الذى كان كاشف المحلة وكاشف التراب بها ليقيم فى هذه البلدة شهرا واحدا ويعود إلى محل ولايته. واستقر فى كشف البحيرة والتخضير المقر الأشرفى الكريم السيفى يشبك جن أحد المقدمين الألوف، وخلع عليه بذلك ويسافر قريبا. وطالع عظيم الدنيا المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير المسامع الشريفة - نصرها الله - فى طلب السيد الشريف سراج الدين قاضى المالكية إلى الوجه القبلى ليحاسبه على ما فى جهته من أموال الدولة، فأجيب أنه يرضيه فى المال والحال والمآل. وفى ثامن عشره ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل وتوجه إلى القرافة بمفرده ومر على «صبحة المحيا» التى يصنعها (٢) ساداتنا بنو الوفا، ثم

стр. 168

لحقه العسكر أفواجا أفواجا، واستمر إلى آخر النهار حتى صعد القلعة. ووقع فى هذا اليوم أو قبله أن شخصا من العدول الجالسين عند أحد نواب الحكم العزيز الحنبلى بباب الصالحية قتل برحبة (١) الأيدمرى، وألقوه فى بئر وقبضوا غلاما ومملوكا اتهمهما (٢) ورثته بقتله، ووقفا للسلطان، ورسم - نصره الله - بالفحص عن أمرهما. وفى هذه الأيام عرض السلطان الجوالى المرتّبة للناس على البلاد الشامية والحلبية والطراباسية وقطع منهم جماعة كالصدر البهوتى (٣) والشيخ إبراهيم القادرى (٤) وأمثالهما. وفى يوم الثلاثاء رابع عشريه الموافق لرابع هتور القبطى ركب السلطان وتوجّه إلى التربة التى أنشأها بالصحراء عظيم دولته المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير فأقام بها وعاد بعد ذلك إلى القلعة. وفى هذا الشهر رسم السلطان - نصره الله - للقاضى علاء الدين ابن الصابونى بالتّوجه إلى المدينة الشريفة على هيئة المنفى، فشفع فيه إلى القدس والخليل فخرج مقهورا، وسبب ذلك أنه سأل بعض أركان الدولة السلطان له فى شئ يقوم بحاله فغضب ورسم بذلك، وقيل - وهو الصحيح - إن ابن المزلّق (٥) كاتب السلطان فيه «ما ينهض يباشر» والقاضى علاء الدين

стр. 169

المذكور موجود عند السلطان، وأنه أشاع أن السلطان - نصره الله - وعده بأن يقرره فى وظيفة عظيمة، وثار (١) عليه خصومه، فحصل ما حصل. وفى يوم الأحد البارك - تاسع عشريه - ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى جهة القرافة، فسير على عادته وعاد بعد ذلك، والله الولى والمالك. وتقدم فى الخامس عشر من هذا الشهر حضور مملوك المقر الأشرف العالى السيفى الأتابكى أزبك مقدم العساكر السلطانية من البلاد الحلبية بين يدى السلطان - نصره الله -، وعلى يده كتاب مرسله يتضمن أن ابن رمضان أخذ قلعة سيس من أعوان شاه سوار، والأمر الله الواحد القهار. شهر جمادى الأولى المبارك أهل بيوم الاثنين (٢)، ويوافقه من أيام الشهور القبطية عاشر هتور. وفيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر، وكنت ممّن حضر من نواب الحنفية فجلسوا بين يديه بالحوش ودعوا له وانصرفوا. وفيه سافر السيد الشريف علاء الدين بن الصابونى إلى القدس أو الخليل منفيا كما قدمنا (٣) ذلك، وذكر له السلطان وقائع، والمحب ما يبغض وضده. وفيه سافر السيد الشريف علاء الدين القصيرى الكردى الذى استقرّ ناظر الأشراف وشيخ الخانقاه السرياقوسية إلى البلاد الشامية حسب المرسوم الشريف له فى ذلك، واختلف فى توجهه فقيل لقبض أموال السلطان، وقيل بخلعة من السلطان لنائب الشام، وقيل غير ذلك والله أعلم.

стр. 170

يوم الجمعة خامسه ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل على عادته وتوجه إلى القرافة فى نفر يسير من مماليكه. يوم الأحد سابعه قدم الأمير قراجا السيفى جانبك - نائب جدة أحد أمراء العشرات الذى كان استقر فى نيابة جدة عوضا عن مخدومه - من حلب، وأخبر بوصول المقر الأشرف العالى السيفى جانبك قلقسيز الأتابكى، وقايت بن أخت المقرّ المرحوم السيفى قرقماس أمير مجلس وصحبتهما بعض أمراء، وحضرت أمه وبعض أمرائه إلى حلب، وصحبتهم مفاتيح القلاع التى أخذها من معاملات السلطان ويعتذر عما صدر منه، ويقول إنه مات من عنده أكثر ممن (١) بقى، وقيل إن شاه سوار مر عليهما يوما فتضرعا له وتخضعا فأطلقهما وسيرهما إلى حلب، وندب شاه سوار الأتابك جانبك أن يكون سفيرا بينه وبين السلطان فى الصلح والرضى عنه، وما علم أحد الصلح يكون على أى وجه. وفيه توفى القاضى علم الدين أبو الحسن ابن الصاحب تاج الدين ابن الهيصم مستوفى الخاص وله مدة ضعيف يعالج، وكان عريا من الإسلام كثير الميل إلى دين النصرانية، مدمنا على السكر لا يكاد يوجد صاحيا لحظة، ولماولى البباوى (٢) الوزر طلبه وضربه ثلاث علقات فى مجلس واحد بسبب أنه لم يشهد صلاة الجمعة، ودفن فى يوم العاشر وحضر جنازته المباشرون وقاضى القضاة ولىّ الدين الأسيوطى الشافعى لأن المقر الكمالى ناظر الجيش قريبه من أمه، وصلى عليه بباب النصر ودفن بمقابر المسلمين، والله أعلم بما هو عليه. وفى ليلة الأربعاء عاشره ركب السلطان الملك الأشرف - نصره الله - من

стр. 171

قلعة الجبل إلى (١) بركة الحجاج قبل أن يلبس الصوف، وعاد فى يومه. وفى الجمعة ثانى عشره الموافق له من أيام شهور القبط حادى عشرى هتور لبس السلطان القماش والصوف الملون المعد لبسه للشتاء فى كل سنة عندد خوله لصلاة الجمعة، وتأخر عن العادة أكثر من عشرة أيام، هكذا قال الجمال يوسف ابن تغرى بردى فى تاريخه، وعندى إنما هو متأخر عن عادته بخمسة أيام، وقيل سابق بخمسة أيام، والأول أصح. وفى هذه الأيام ارتفع سعر الغلال فأبيع الإردب القمح بألف درهم ومائتى درهم الإردب، والفول والشعير بدون السبعمائة، والحمل التين بثلثمائة، والرطل الخبز بسبعة دراهم، لكن الأشياء موجودة، فلله الحمد على ذلك. وتقدم قبل هذا بأيام أن السلطان - نصره الله - خلع على شرف الدين موسى ناظر حبس (٢) طرابلس. وفيه خلع أيضا على تاج الدين بن القاضى أبى الحسن بن الهيصم واستقر فى استيفاء الخاص عوضا عن والده بحكم وفاته، ووزن على ذلك من الذهب ألف دينار، وقد استقر فى هذه الوظيفة إسما لا غير، ذلك لأنه ما يحصل له منها غير المعلوم، وأما المباشرة فمتعلقة بولى الذلة النصرانى الكاتب المشهور. يوم الأربعاء سابع عشره ركب السّلطان من قلعة الجبل واتجه إلى ناحية الخانكاه، وأمطرت السماء مطرا غزيرا واستمرت الترحمة منهمكة عليه وعلى أهل مصر وما حولها مدة ليلتين ويومين آخرهم يوم الخميس مع ليلته المصبحة عن التاسع عشر من شهر تاريخه حتى دلقت البيوت ووهى بنيانها من كثرة الهواء والمطر، وحكى غالب النّاس أن لهم سنين عديدة ما رءوا مثلها، وأخبر

стр. 172

الفلاحون وأهل البلاد أن [قد] حصل لهم بهذا خير كثير فى مزارعهم وزرعوا الأراضى العلوّ التى ما وصل إليها البحر، وحصل لهم بها فرح وسرور، ومع هذا فالأمطار قد ملأت الأسواق والدروب، والناس يخوضون فى ذلك إلى قريب أوساطهم: والخبز لا يوجد والناس يزدحمون عليه فى الأفران وهو أسود كمكم، والرطل بسبعة ونصف فلوس. وأما الفقراء والمساكين ففى أمر عظيم، والأمر إلى الله العلى العليم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقّب لحكمه وهو على كل شئ قدير. ووصل الخبر عن المقرّ العالى السيفى يشبك جن أحد المقدمين الألوف الذين توجّهوا للبحيرة بأن العربان وثبوا عليه، وأنه رجع منهم إلى دمنهور بعد أن قبل من مماليكه عدة، فلما بلغ المسامع الشريفة ذلك عيّن له عدة من المماليك السلطانية لينصروه، ويكونون فى خدمته على العادة. وفيه ورد الخبر عن عظيم الدّنيا المقرّ الأشرف الكريم العالى المولوى النصيرى البصيرى يشبك من مهدى الدوادار الكبير - حفظه الله على المسلمين - أن العربان وثبوا فاقتتل معهم، وقتل من الفريقين ما الله أعلم بذلك، إنه المولى والمالك. وتقدم فى يوم الأربعاء سابع عشره أن شخصا من نواب الحنفية يسمى محمدا ويلقب بمحيى الدين وينتسب للحلبيين وليس منهم، وإنما هو من كفر كنا (١) والناصرية من عمل صفد، وكان قد سعى عند المحب بن الشحنة لعدّة من الناس ولازم السعى حتى قرّر قاضيا، فصار يصول ويطول ويعزّر، وعمل له سوقا فصار نافقا، ولقبه أهل مصر «بكبش العجم» حتى قال بعضهم:

стр. 173

«هو ما تأدّب بالخروف الذى تقدّمه فى دولة الظاهر خشقدم»، وفتح له صاحب هذه القضية مجلسا فى رحبة الأيدمرى بجوار مدرسة الأمير بردبك الذى كان دويدار الملك الأشرف إينال، وعندما جلس به منع شهوده وعجزوا فيه أن يعيدهم، حتى إن عظيم الدولة فى عصره المقر الأشرف العالى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف أرسل له رسالة بسببه على يد صاحبه وخصيصه الشيخ نجم الدين بن عون الشافعى فلم يقبل الرسائل وردّها ردا شنيعا ولم يلتفت لأحد، وصار ساكنا بالحارة المذكورة يضرب ويرشى ويكشف الرءوس ويسجن، ويبلغ مستنيبه ذلك فلا يكلّمه ببنت شفة، بل لما بلغه أن المقر الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى سأل فى الشهود وامتنع كتب لهم بعدم المنع ورفع التعزير، ومع ذلك فلم يمتثل له أمرا. واتفق فى غضون ذلك أن امرأة -[كانت] زوجا لشخص صاجاتى بالبند قانيين (١) تحتمى عند شخص من الأمراء العشرات يسمى أزدمر من إخوة المقر الأشرف العالى قانصوه الأحمدى الخسيف أحد المقدمين الألوف - وقفت لهذا القاضى وطلبت زوجها من عنده فأرسل إليه رسولين، فلما وصلا إليه توجه معهما إلى بيت أزدمر المذكور واحتمى به، ومباشر أزدمر أخو نور الدين بن عرب فكتب بخطه ورقة إلى القاضى يعلمه أن هذا المطلوب من جهة الأمير، وأن زوجته لها ثلاثة أيام غائبة من بيتها، وأنهما تقدم لهما دعاوى ببيت قاضى القضاة سراج الدين بن حريز المالكى، وأن المصلحة إرسال هذه المرأة، فلما وصلت إليه الورقة قام وقعد وزبد وأرغى وتوجه إلى مقدّم المماليك السلطانية الأمير سيف الدين مثقال وأعلمه بصورة الحال، ووافق أن الأمير مقدم المماليك بينه وبين ابن عرب وقفة بسبب أوقاف تحت نظره، وأولاد [ابن]

стр. 174

عرب كثيرون، ثم توجّه القاضى إلى بيت مستنيبه المحيى بن الشحنة وكان مطواعا له، فإنى رأيته مرة أخذ خصما من بيته بحضورى وتوجّه به إلى منزله ليقضى فيه، فحكى له حكاية جميلة أنه طلب شخصا واحتمى عليه وأنه بلغ خبره إلى مقدّم المماليك، «وأنه يريد إشارتكم للتقدم بنصرة الشرع» وأن يطلب المحمى، فأمر برسول يتوجّه صحبته له، فلما وصل الرسول إليه أخذه وتوجه به إلى السلطان وأخبره الخبر، وأن قاصد القضاة الحنفى أرسله بسبب ذلك. وأوقف السلطان على الورقة التى بخط ابن عرب وحط عليه، فغضب السلطان ورسم بطلب أزدمر وابن عرب والصاجاتى فنزلوا فى طلبهم، فهرب الصاجاتى ومسكوا أخا ابن عرب وأزدمر فصعدوا بهما للسلطان، ووافق نزول المطر الغزير فى ذلك الوقت، فعرضا على السلطان فأنكر عليهما وقال لابن عرب: «هذا خطك؟»؛ قال: «لا وإنما هذا خط أخى ويحضر بين يدى السلطان». فرسم السلطان للمحتسب أن يكونوا عنده وينظر فى أمرهم ويحرر أمرهم ويطالع السلطان به. فقام أزدمر - وهو من كبار الإينالية - وتعصّب معه الأمير الدوادار الثانى ويشبك المحتسب، وبهدلوا المقدم وعرّفوا السلطان أن المرأة التى طلبت زوجها لها ثلاثة أيام مقيمة عند القاضى، فبمجرد وصول ذلك للمسامع الشريفة غضب وهو معذور. ثم إن بعض أركان الدولة شرعوا يقولون: «حدث قضاة جدد وهذا منهم»، وقام بعض الأتراك يشكون فى بعض نواب الشافعى السوهاجى وغيره، فرسم أن يكون فى كل مذهب عشرة، وإذا قطعوا ما عداهم فيحصل لهم ضرر كبير بواسطة فقدهم، وعيّنوا من العشرة محيى الدين الطوخى والبدر

стр. 175

ابن القطان (١) من الشافعية، ومن الحنفية شمس الدين الأمشاطى (٢) وبدر الدين ابن الغرس (٣) من الحنفية، والمذكورون لهم مدة لم يحكموا عن أحد. وقال رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله: «القضاة المعتبرون الذين تقدم ذكرهم ما يرضوا (٤) أن يكون أحدهم رفيقا لهؤلاء القضاة»؛ وهذه القضية - أى منع القضاة - وقعت كثيرا ولم ينتج منها شئ، كلما نقصوهم عادوا وزادوا، فالله يقطع رزق من يتسبب فى قطع أرزاق المسلمين، بمحمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين. وكانت حادثة هذا النائب فيها مشقة زائدة على رفقته بل وسائر نواب المذاهب، ولولا أن الخواجا ابن الزّمن (٥) صاحب السلطان - نصره الله - أرسل حريمه إلى خوند وأعلمنها (٦) أن المرأة التى اشتكت زوجها كانت مقيمة فى بيتهن مدة غيبتها، وأن القاضى برئ مما نسب إليه: ما كان حصل له خير. واستمر القاضى وابن عرب فى الترسيم فى بيت المحتسب ثمانية أيام حتى أطلقا معزولين، وسكت الأمر عن بقية النواب حتى استمر كل أحد على حاله ومنهاجه، فما شاء الله، ولا قوة إلا بالله. ***

стр. 176

شهر جمادى الآخر أهل بيوم الأربعاء. ففى يوم السبت ثامن عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجّه إلى خليج الزعفران فستمر به إلى آخر يوم الاثنين العشرين منه وهو فى لعب وبسط وأكل وصلاة وعبادة ومسايرة ورمى سهام وأمثال ذلك، وعاد إلى القلعة فى صحة وأمن، نصره الله. وكانوا فى أول الشهر المذكور صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه ودعوا له على العادة وانصرفوا. وفى يوم الثلاثاء حادى عشريه قدم الأمير إينال الأشقر الظاهرى [جقمق] المصروف عن نيابة حلب إلى الديار المصرية وصعد لخدمة مولانا السلطان نصره الله، فخلع عليه ونزل بدار الأمير نانق المتوفى فى وقعة شاه سوار المعروف ببيت الأمير قرقماس (١) الشعبانى. يوم الأحد سادس عشريه ركب السلطان نصره الله من قلعة الجبل وسيّر على عادته وعاد فى أمن وسلامة، ثم أصبح من الغد فركب أيضا فى نفر من خواصه وتوجه إلى الخانقاه السرياقوسية وعاد فى آخر يومه. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشريه خلع على القاضى فتح (٢) الدين أبى الفتح

стр. 177

المنوفى الذى كان فى خدمة مولانا السلطان نصره الله وهو أمير قبل مخدومه جانبك القصير الدوادار الكبير وهو الآن أحد أعيان كتاب المماليك السلطانية أعنى ثانى قلم، واستقر فى نظر المرستان (١) المنصورى ونظر الأوقاف المبرورة عوضا عن القاضى شرف الدين عبد الباسط بن البقرى (٢) بحكم عزله عنهما. وأراد أبو الفتح المذكور أن يجعل له نائبا بالمرستان المذكور بل طلب القاضى تاج الدين الإخميمى (٣) المعروف قديما بنفقته بيت القاضى بدر الدين ابن نصر الله، وحديثا بخدمة الأمير زين الدين الأستادار وقرره فى نيابته، وتوجه إلى المرستان كما كان الذى قبله وهو ابن البقرى وجعل نائبه الشيخ جلال الدين ابن الأمانة (٤)، فبلغ السلطان ذلك فأرسل إليه غلاما من الطشتخاناه (٥) بمنع القاضى تاج الدين المذكور من التكلم فى المرستان، فحصل له بذلك نوع كسر. *** شهر رجب المفرد الحرام الأصب. أهل بيوم الخميس. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر فهنوه ودعوا وانصرفوا على العادة، ولم يتكلم السلطان مع أحد منهم ببنت شفة، وتوجهوا لحال سبيلهم.

стр. 178

هذا والغلاء موجود فى سائر المأكولات لا سيما سعر الغلال، فإن القمح وصل إلى ألف درهم ومائتى درهم الإردب، والشعير والفول بنحو ذلك، وقد طال هذا الغلاء بمصر والقاهرة وضواحيها نحو ثلاث سنين، فلله الأمر. وفى يوم الخميس ثامنه خلع على الأمير لاجين الظاهرى أحد المقدمين الألوف واستقر فى إمرة مجلس عوضا عن الأمير قرقماس الجلب المقتول فى وقعة شاه سوار بحكم شغورها بعد قتله أشهرا. وفى يوم السبت عاشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه لبيت المقر الأشرف السيفى إينال الأشقر ليعوده فإنه تمرّض بعد مجيئه من حلب، فقدّم للسلطان خيولا وغير ذلك فردّها ولم يقبل منه شيئا. وفى يوم الاثنين تاسع عشره قدم الأمير الأتابك جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز إلى القاهرة وتمثّل بين يدى السلطان نصره الله، فقبّل الأرض فأكرمه ورحّب به وقام له وخلع عليه كاملية بمقلب سمور، وقيّد له فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش، ورسم له بالركوب من عند باب البحرة، فركب وتوجه إلى داره مكرما، وهذا من الفرج بعد الشدة، وإلا فما قال أحد بإطلاقه وحضوره إلى القاهرة بعد القبض عليه وسجنه وأسره، فسبحان القادر على كل شئ؛ واستمر فى داره وهو فى التهانى والأفراح والأسمطة وغيرها بعد ما عمل له بيته العزاء عليه أياما وقطعوا وجزموا بموته إلى يوم الخميس ثانى عشريه طلبه السلطان - نصره الله - وخلع عليه بإمرة سلاح عوضا عن الأمير بردبك هجين الظاهرى المقتول فى واقعة شاه سوار بحكم شغورها عنه سنة وسبعة شهور تخمينا. وخلع على الأمير إينال [اليحياوى] (١) الأشقر الظاهرى [جقمق] أحد

стр. 179

المقدمين الألوف واستقر فى وظيفة رأس نوبة النوب (١) عوضا عن الأمير سودون القصروى بحكم قتله فى واقعة شاه سوار وشعور الوظيفة بعد قتله شهورا، وأنعم عليه بإقطاع جانبك الدوادار القصير الذى كان شاد بندر جدة، وكان هذا الإقطاع مضافا للذخيرة الشريفة؛ وما فرح أحد بولاية إينال هذا للحكم بين المسلمين فإنه نقل عنه فى نيابته أحكام لا تحل ولا تجوز. وفى يوم الثلاثاء سابع عشريه طلب السلطان - نصره الله - الأمراء المقدمين الألوف لحضرته وخدمته فصعدوا بين يديه واستشارهم فى أمر شاه سوار وفى طلب من بقى من العساكر والأمراء بحلب وفى إحضار قاصد شاه سوار، واتفق أن الأتابك أزبك خرج من حلب بمن معه من الأمراء وغيرهم إلى القاهرة بغير طلب من السلطان لهم وقبل أن يصل إليهم المرسوم الشريف بأيام، ثم كتب المرسوم الشريف لنواب البلاد الشامية أن التجريدة تخرج من مصر فى أول شوال من هذه السنة لقتال شاه سوار المخذول، فتعجب الناس هل الأمر راجع إلى الصلح أم إلى القتال؟ وفيه خلع على جمق المبسوط المضحك المعروف والمشهور باسمه، واستقر فى نيابة دمياط عوضا عمن كان بها من الأمراء. ***

стр. 180

شعبان المكرم أهلّ بالسبت. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة فهنوا ودعوا وانصرفوا. وفى الاثنين رابع عشريه قدم عظيم الدنيا وصاحب حلّها وعقدها ومشيرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير يشبك من مهدى - مهّد الله له السعادة وبلّغه الإرادة - من الصعيد بعد أن غاب به نحوا من سبعة أشهر، وصعد بين يدى السلطان، فخلع عليه خلعة عظيمة قليق بمقامه، وقيّد له فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، وتوجه لداره فى موكب جسيم عظيم جليل، وفى خدمته الأمراء والمباشرون والأعيان، والله المستعان، وعليه التكلان. وبعد أيام قدّم (١) للسلطان نصره الله تقدمة بنحو مائتى ألف دينار: النقد خاصة مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار، وشعير نحو عشرين ألف إردب - والشعير ثمنه يوم ذلك أشرفيان الإردب - وغير ذلك؛ ومن جملة ذلك بواقى تزيد على خمسة آلاف دينار بالبلاد البحرية؛ وهذا شئ لم يسمع بمثله، فحفظه الله. شهر رمضان أهلّ بالأحد. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، فهنوه ودعوا له وانصرفوا ولم يتكلم معهم.
следующие страницы →