← История

История · id 30026

إنباء الهصر بأنباء العصر

ابن الصيرفي المؤرخ

Полный текст (539 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ممن يرغب فى تزويجها بمهر المثل والكفاة، صدقة عليها» إلى آخره، فكتب عليها القاضى نور الدين الخطيب أعزه الله تعالى: «ينظر فى ذلك على الوجه الشرعى يعد اعتبار الكفاة متحريا»، فاستوفى كاتبه (١) الشرائط الشرعية وقامت عنده بيّنة أن والدها ووالدتها غائبان الغيبة الشرعية عن القاهرة وأعمالها، وزكّى لها ثلاثة نفر منهم خاصكى، وعقد العقد ودخل بها وهى بنت اثنتى عشرة سنة، غير أنها ذميمة من جهة الهيئة، ولم أأذن له فى الوطء. فاتفق أنه طلقها عن شهود غيرنا بعد الدخول والوطء وسألته خالتها فى جميع حقها وكتبت عليها مسطورا له بسبعة دنانير حتى طلقها، والزوج غلام لشخص من الجند يسمى «فارس» من المماليك السلطانية، وأصله مملوك سيفى، فتوجهت خالتها إلى سكنها ببولاق وأخبرتهم بقصتها وكيف تزوج بنتها وأزال بكارتها وطلقها وكتب عليها مسطورا وشكاها بنقباء وغرّمها دينارا، واجتمع أهل بولاق وحملوا الصغيرة وتوجهوا بها إلى بيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فرسم لبريدى ونقيبين بإحضار الغلام وأستاذه، فخضرا فى أسرع وقت، فلما مثل الزوج بين يديه [قال له]: «أنت فعلت كذا وكذا؟» فتعلم، فأراد ضربه، فنهض أستاذه الجندى وأعلى صوته وقال: «بأى ذنب يضرب غلامى؟ وهو ما فعل شئ إلا بالقاضى والشهود؟» فقال: «اطلبا القاضى»، وكانت بلغتنى المسألة فركبت، فعند مواقاتى لباب الأمير الدوادار الكبير لم أجد الطلب قد توجه لى فدخلت إليه ووقفت بين يديه فقال لى: «يا قاضى: أنت زوجت هذه بهذا؟» قلت «نعم» قال: «كيف؟» قلت: «أذن له مستنيبى فى ذلك بقصة مشمولة بخطه» فقال لى: «هذه تزوّج؟» ويومئ إلى أنها صغيرة فقلت له: «مذهبى ذلك، لأن النبى ﷺ تزوج عائشة أم المؤمنين ﵂ وهى بنت تسع سنين» فقال لى:

стр. 247

«تشبّه هذه بهذه أو مثل هذا بهذا؟» فقلت: «لا يا مولانا وإنما النبى ﷺ مشرع ونحن أمته ومتّبعين (١) سنته»، فسكت عنّى والتفت إلى من حضر فى مجلسه من القضاة والأمراء وقال لهم: «القاضى عبّا لى هذا الجواب، ليس لى عنده شغل، مالى شغل إلا عند المملوك والغلام». فبادر الشيخ شمس الدين الأمشاطى الحنفى وقال لى: «إنت ثبت عندك بيّنة بالغيبة؟» فقلت: «نعم» فقال: «من هم» قلت: «مذكورون فى صداقها» فقال: «أحضروهم» وأشار إلى الجندى بذلك، فأغلظ عليه الأمير الدوادار - حفظه الله - إذ ذاك وأمره بإحضارهم وإن لم يحضرهم ضربه ألف عصاة، وخرجوا على ذلك، فأقمنا إلى يوم الاثنين ثانى شهر جمادى الآخر، فطلبنى أيضا بعد ما أحضر البينة والمزكين وأمرنى بالتوجه، وضرب الغلام مائة شيب بالمقارع ومقترحا نحو المائتين، ورسم بإشهاره بالبلد على من يفتح البنات هو وأستاذه ويأخذ منهم ما لا يستحقه. وكانوا أنهوا إلى الأمير المذكور - أعز الله به الإسلام - أنه تسلط على البنت هو وأستاذه وصاروا يفعلون فيها ما لا يجوز فعله فهربت منهما فغضبت خالتها، وكتب عليها مسطور بغير حق، ثم طلب المملوك وأمر بنزع سلاريه فشفع فيه الحاضرون فى مجلس المقر الأشرف، ثم أمر أن توضع البنت على ظهره وينادى عليه فشفعوا فيه، ورسم بتوجههم لبيت القاضى الحنفى وتساءلوا معه ماذا يلزمه للبنت فوقع بينهما براءة بعد [أن] دفع الغلام لها أربعة دنانير، وصار لها فى البلد غوغاء؛ وفى الواقع فالذى فعله الأمير الدوادار - حفظه الله - مع هذا الغلام وأستاذه صدر من أهله فى محله، فإن هذا الجندى ساكن بحارة (٢) بهاء الدين قراقوش بمنزل شيخنا شيخ الإسلام ابن

стр. 248

حجر ﵀، وأخربها هو وهذا الغلام من كثرة ما يؤذى السوقة والباعة ويأخذ أموالهم هو وأستاذه، وأحرموا تبنا أو دريسا أو دجاجا أو غير ذلك يمر حتى يخطفوه، وإن دفعوا ثمنا فيدفعون ربع القيمة، وفرح فيه أهل تلك الخطة وانخفض جانبه، ولله الحمد على ذلك، إنه الولى والمالك، وكنت أظن أن هذا الغلام يموت من الضرب فلما أصبحت وجدته ماشيا كآحاد الناس الأصحاء وليس يشكو من شئ، فتعجّبت من ذلك، وصدق من قال فى مقاله «إن فى الليل والنهار عجائب»، والحمد لله ثم الحمد لله ثم الحمد لله. يوم الجمعة تاسع عشريه أعنى جمادى الأول الموافق سابع عشرى هتور القبطى، لبس السلطان الصوف الملون وألبسه الأمراء الألوف بعد صلاة الجمعة وتأخر لبسه عن العادة القديمة بعشرين يوما - أعنى عن عادة الملوك المتقدمين مثل الأشرف برسباى وقبله - وعن السنة الماضية بعشرة أيام. وفيه توفى الأمير يشبك الإسحاقى الشهير بيشبك جن وبالبهلوان الأشرفى برسباى أحد مقدمى الألوف بعد مرض طويل اعتراه وانقطع منه فى بيته أياما، وصلى عليه من الغد بمصلاة المؤمنى، وحضر السلطان جنازته والقضاة ومشى فى جنازته المقر الأشرفى الكريم العالى عظيم الدنيا يشبك بن مهدى الدوادار الكبير وليس له تربة، بل دفن فى فسقية على قارعة الطريق، ونقلوا إليه ولديه الصغيرين، فأنزلوهما معه على ما بلغنى؛ وكان المذكور غاية فى الظلم والأذى والتجبر والتكبر، كثيرا لحط على الفقهاء والعلماء، حتى إنه أهلك القاضى فتح الدين السوهائى (١) من كثرة ما يحط عليه ويسبه، فإنه كان جاره بسكنه

стр. 249

ببركة الفهادة (١)، وأصله خاسكى فى الدولة الأشرفية برسباى، وكذا فى الدولة الظاهرية جقمق، ثم ترقى وصار أمير عشرة، ونقله السلطان الملك الأشرف قايتباى عز نصره إلى إمرة مائة وتقدمة ألف بالديار المصرية وأرسله إلى البحيرة فى السنة الماضية فأقام بها شهورا وحضر متعللا إلى أن قضى نحبه، وخلف بنتين على ما بلغنى، وكان سئ الأخلاق على ما بلغنى، إذا ضرب لا يرحم، وإذا خاصم فجر، وإذا غضب لا يطاق، وفرح بموته كثيرون ولقى عاقبة ما قدمه، وأخذ تقدمته الأمير برسباى قرا (٢) الظاهرى الخازندار، واستقر عوضه فى الخازندارية قجماس أنى (٣) السلطان الذى كان مسافرا بالشام وحضر، وقدّمت خيوله للسلطان وجماله ومماليكه وبرقه وبركه، وهكذا شأن الزمان، وبلغنى أن الأمير الدوادار الكبير - حفظه الله - لما أنزلوا يشبك القبربكى وحزن، ومع ذلك فماثم من يعتبر ولا يحسب حساب الآخرة، فسبحان الحليم. شهر جمادى الآخرة أهل بيوم الأحد ويوافقه من أيام الشهور القبطية تاسع عشرى هتور. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر ودعوا وانصرفوا ولم يقع كلام غير السلام. فيه دار المدراء بجنازة الشيخ نور الدين البرقى الحنفى ابن القاضى شمس الدين محمد وكان له مدة يويميات (٤) منقطعا بمنزله من شئ نزل له فى إحدى

стр. 250

أنثييه فاستمر به إلى أن قتله وأهلكه، وكانت له جنازة حافلة حضرها الأكابر مثل ناظر الجيش والمحتسب وابن الجيعان وقضاة القضاة وغالب النواب والمشايخ، وصلى عليه بجامع (١) الماردانى ودفن بالقاهرة، وخلف ولدين رجلا ليس فيهما أهلية لشئ مما كان هو فيه، مع أن علم صاحب الترجمة بالفقيرى، وعلماء مذهبه يعرفون ذلك منه، غير أنه معظّم عندهم لأجل الدنيا، بل ترجمه بعض المؤرخين أنه [كان] عاريا من العلم خادما لأهل الدنيا سيما الجمالى (٢) يوسف بن كاتب جكم وهو الذى صيّره صاحب ثروة وأموال وتحف وكتب وغير ذلك، فإنه كان يدفع له كل نقدة ألف دينار وأكثر وأقل، ويأمره أن يتصدق بها فيصرفها فيما يريده، فحصّل الأموال والوظائف والكتب، وأودع عنده جملا من الأموال على ما قيل، وخرجت وظائفه باسم أولاده ووصى عليهم المحتسب والشيخ أمين الدين الأقصرائى والعلمى ابن الجيعان والقاضى الشافعى، وكان سئ الأخلاق مصفرا نحيفا شديد الغضب سريعه؛ ومولده فى سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وقد ترجم شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة حافظ العصر الشهير نسبه الكريم بابن حجر والد صاحب الترجمة فقال: «كان قليل الدين» فكأن صاحب الترجمة اطلع على ذلك فصار يكثر من الصلاة والصيام، سيما إذا بات عند المحتسب أو ناظر الجيش، ورشّح لقضاة الحنفية بالديار المصرية فما قدر الله ذلك والله الحمد. وحدثته نفسه بالقضاء لأنّ رفيقه القاضى ولى الدين الأسيوطى استقر فى قضاء القضاة الشافعية ومع ذلك فكنا نحضر معه دروس الفقه قديما عند شيخنا قاضى القضاة سعد الدين فما رأيناه سأل سؤالا ولا أورد استدلالا، غير أنه

стр. 251

معيد لكلام من حضر ويتم ذلك «بنعم بنعم»، ثم حضرنا معه دروس قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة فما انتقل عما كان فيه، وكان له عند الحنفية اسم وصيت سيما عند شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى، فإنه يبالغ فى قضاء حوائجه وضروراته عند عظيم الدولة فى عصره الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم، وأول ما ناب فى الحكم عن شيخنا الشيخ بدر الدين العينى، ونقضت له عدة أحكام وصار معروفا بخدمة الصاحب جمال الدين المذكور وصحبته، وسافر الحجاز صحبة ولدى الصاحب المذكور ورفيقه قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى قبل أن يلى القضاء، وصارا يقفان على الشيخ ويتعاطيان تصرفه وكلفه ويكتبان له ما يحتاج إليه من خرج ودخل، وحصل على قاضى القضاة ولى الدين السفطى من صاحب الترجمة أمر ما ينكر عليه مع أنه هو الذين رقاه ووصله إلى الأكابر وصار قاضيا بحسه، فاتفق أنه أودعه عشرة آلاف دينار فصارت عنده سنين: ووقع أن الظاهر جقمق غضب على الصفطى وأخذ أمواله وتعلقاته فبادر صاحب الترجمة وأخبر من أخبر السلطان أن عنده وديعة للسفطى بكذا وكذا ألف دينار، فأخذها السلطان ومات السفطى مقهورا منه، سامحهما الله تعالى، وسأستوفى ترجمته عند وضعى لها فى الوفيات من هذه السنة على العادة بأطول من هذا. واتفق قبل هذا بأيام وصول علاء الدين بن زوين كاشف الغربية وصحبته شخص من العربان يسمى عبد القادر بن حمزة بن نصير الدين مسلوخا وقد حشى جلده قطنا، وعدة رؤوس آدميين مقطوعين وصار يشهرهم إلى أن وصل بهم لبيت عظيم الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من مهدى دامت سعادته، ووافق أن الأمير تمراز الشمسى - قريب السلطان وأحد المقدمين الألوف - مشى فى جنازة يشبك جن فشاهد المسلوخ وعرفه وهو من جهته

стр. 252

ويتعصب له ويحميه، وهم يشهرونه هو وبقية الرءوس من الآدميين، وزاحمه بعض مماليك الأمير الدوادار، وكان الأمير تمراز المذكور يحميه من الدوادار حال كونه كاشف الغربية فلما حضر منها قبض عليه ابن زوين وفعل به ما ذكر، فسلّ الأمير تمراز الدبوس على باب الدوادار وضرب المملوك الذى زاحمه ضربا مبرحا، ولو أن الأمير جانبك قلقسيز كان حاضرا مع الأمير تمراز ما حصل خير. وأما عظيم الدنيا الدوادار الكبير - حفظه الله - فما أدرى هل وصل له علم ذلك أم لا. ووصل الأمير قجماس من البلاد الشامية وصحبته موجود الأمير الكفيلى بردبك الفارسى المشهور بالبمجقدار وموجود دواداره أبى بكر، فبلغنى أن النقد خاصة أربعون ألف دينار خارجا عن القماش والصوف والسنجاب والسمور والقاقل والبعلبكى، وهو شئ كثير جدا وكذلك الذهب المزركش. وحضرت بنت (١) خوند شقرا فردّها السلطان إلى حيث جاءت منه فركبت أمها خوند شقرا وتوجهت إلى بيت الأمير الدوادار الكبير دامت سعادته وسألته فى أمر بنتها، فرضى عنها السلطان بشرط أن تزن عشرة آلاف دينار فامتنعت من ذلك فردت، واحتاط المقر الزينى أبو بكر بن عبد الباسط على موجودها جميعه من صامت وناطق وأحمال وجمال وقماش وغير ذلك وأحضره إلى منزله ليطالع السلطان به وبقيمته. وفى يوم الخميس خامسه قبض المقر الأشرف الكريم العالى المولوى السيفى

стр. 253

عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومشيرها وأستادارها ودوادارها الكبير - حفظه الله على المسلمين - على عيسى بن بقر أحد مشايخ العربان ورسم بسلخه، فبلغ السلطان ذلك، فأرسل المقر الزينى أبا بكر بن عبد الباسط يشفع فيه ويطالبه بعشرة آلاف دينار، فوجده قد سلخ من رأسه قطعة فقال: «أنا أوزن» فأمهلوه حتى يوزن. ووصل الخبر من حماة أن القاصد الذى توجه من عند مولانا السلطان - نصره الله - ليولى خير بك القصر وهى نائب حماة نقلا من صفد وجده باللاذقية، فقرأ عليه المرسوم وهو يتعاطى السكر فشرق فمات، فقلت ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (١) فقطع دابر القوم الذين ظلموا. والحمد لله رب العالمين. وبلغنى أن السلطان - نصره الله - ندم على عزل بلاط، وقيل إنه يستقر على عادته. ورسم السلطان بموجود بنت خوند شقرا للمقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير حفظه الله وما أدرى ما سبب ذلك. ووصل الخبر بوفاة سنقر (٢) قرق شبق الأشرفى برسباى الذى كان زردكاشا فى دولة الأشرف إينال وكان شديد الظلم على الخلق سيما لما عمر الأشرف المراكب لغزو قبرص، فخرب غيطان المسلمين وآذى خلق الله تعالى بسبب ما يرميه عليهم من تعلق الزردخاناه، وقد قدمنا ما اتفق له من حروبه وحبسه ونفيه والقبض

стр. 254

عليه قريبا قبل هذا من منية الشيرج (١) صحبة الوالى، وشاهدته دخل به القاهرة ماشيا والوالى ماش بإزائه، وصعد به إلى السلطان نصره الله فخلع عليه واستقر به أميرا بالشام فمات بها، ووصل إلينا خبر وفاته فى هذا الشهر من هذه السنة واستراح وأراح الله العباد والبلاد من ظلمه وشره. وفى هذه الأيام طلب المقر الأشرف العالى السيفى تنبك (٢) قرا الدوادار الثانى أعزه الله ما أحشمه قاضى القضاة صلاح الدين المكينى (٣) الشافعى المعزول عن القضاء بسبب وقف الجاولية المجاورة للكبش (٤) فإن صلاح الدين شيخها والأمير المذكور ناظرها، وأنهى له المستحقون والمباشرون أن الشيخ استبدل من الوقف رزقا فأغلظ عليه فى القول وقال له: «قم فى الترسيم حتى تردّ الرزق» فقال له: «قاضى الشافعية يفعل به كذا» فقال له: «لا رحم الله الذى ولاك قاضى» (٥) أو ما أشبه ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، ومع هذا أطلقه إلى حال سبيله، وعند الله تجتمع الخصوم. وسمعت ممن أثق بنقله أن السلطان - نصره الله - أرسل المحتسب لقاضى القضاة الشافعى يقول له: «أنت وليت عبد البر ابن الشحنة قضاء الشرقية؟» فقال: «ما ولاه إلا أبو السعادات (٦) الذى كان قبلى» وكلمه أيضا فى أموال الأوقاف.

стр. 255

وليس إنكارهم تولية عبد البر القضاء ولا عزلهم لابنه بعد هذا لجهلهم ولا لسقاطهم إلا لمشيه القبيح ولتعاظمه ودعواه العريضة وما أحسن من قال: «قيراط حظ أحسن من قنطار حظ» ولعمرى أن عبد البر أفضل من الذى يسعى فى قضاء الشرقية كائنا من كان. يوم الاثنين سابعه ركب السلطان من قلعة الجبل فى أمرائه المقدمين والطبلخانات والعشرات والخاصكية والمماليك السلطانية المشترى (١) وغيرهم ومقدم المماليك، ونائبه تأخر بالقلعة، والأمير جانبك من ططخ الفقيه تأخر بالاصطبل، والزمام ونائبه بالقلعة، ولم يتأخر بالقاهرة من المماليك إلا من لا عمدة عليه، وتوجه [السلطان] إلى الخانكاه فأقام بها ثم ارتحل منها بعد أن قدم له من الأبقار المعاليف والأغنام العظيمة والدجاج والأوز والسكر والفاكهة والحلوى شئ كثير من مباشريه وأرباب دولته، وأعظمهم فضلا وقدرا وخير وخبرا كاتب سره ابن مزهر الأنصارى حفظه الله على المسلمين، وانتقلوا من الخانكاه إلى العكرشة (٢). وركب السلطان - نصره الله فى ليلة الخميس المصبحة عن عاشره على الهجن وتوجه معه عدة من الأمراء مجموع ما معهم خمسون هجينا، وأمر بقية العسكر بإقامتهم إلى أن يعود، واختلفت الأقاويل فى توجهه فمن قائل إنه توجه إلى القدس، ومن قائل إنه توجه إلى مكان قطع الفرنج فيه الطريق على المسلمين، وقيل غير ذلك، والله العليم والمالك.

стр. 256

ورجع المقر الكمالى ناظر الجيش بسبب توعك اعتراه وكان يعترى والده وهو الربو. وأخبروا أن السلطان توجه - كما تقدم ذكره - ولم يتوجه قاضى القضاة الشافعى للسلطان ليصلى به الجمعة ولا طلبه السلطان، ومع حضور المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر حفظه الله تعالى [فإنه] ما يحتاج إلى خطيب، وكل ما فى هذه الدولة وحكامها فى غاية الحسن والضخامة والمهابة لولا تعرض بعض حكام الشوكة لحكام الشريعة، فلا قوة إلا بالله، واستمر السلطان إلى يوم الخميس تاسع عشره فصعد القلعة من الصحراء ولم يدخل من البلد مع أن أهل البلد تجمعوا الرؤيته. ووصل الخبر بوفاة الأمير جكم (١) الأشرفى برسباى خال الملك العزيز نائب صفد. وكان ضخما شجاعا أكولا، ولم يقاس شدة فى شدائد الأشرفية برسباى فإنه كان ساكنا ساكتا صابرا على الأذى عاقلا، غير أن الظاهر خشقدم - لما ولى السلطنة - جهزه إلى الوجه القبلى فأقام به مدة ورجع، وكان صحبته عدة من الأشرفية، وكان عديم الشر ملازما لداره إلى أن عيّنه الظاهرى المذكور لنيابة صفد فدام بها إلى أن وصل الخبر بوفاته فى هذه الأيام، وعين نائب غزة الذى هو الأمير أرغون شاه الأشرفى برسباى لنيابة صفد، وسأل الأمير جكم (٢) قرا أمير آخور الجمال - وهو أمير طبلخاناه - أن يستقر فى ذلك والأمر موقوف على ما ترسم به الآراء الشريفة. وفى (٣) الحادى والعشرين منه طلب القاضى تاج الدين الأخميمى (٤) من بيت

стр. 257

المقر الأشرف العالى السيفى يشبك من مهدى عظيم الدنيا وادّعى عليه بشئ يتعلق بمباشرته لمّا كان أمين الحكم فأنكر ثم اعترف فهدد ووبخ ورسم عليه عدة نقباء، وآخر الأمر أن الشيخ علاء الدين (١) الحصنى خلصه منه. والإخميمى له نسبة إلى المقر العلائى ابن خاص بك، وما يبعد أن يكون العلائى تكلم مع العلاء الحصينى بسببه. وفى هذه الأيام ذبح شخص من المسلمين - كان بلانا بأرض الطبالة (٢) بالجنينة وبيفحصوا (٣) عن قاتله. وفى الثامن والعشرين منه ذبح نصرانى بطاحون باب البحر قريب الأذان ولم يعرف له قاتل. وكثر المفسدون واللصوص وتسلطوا على بيوت المسلمين بواسطة عدم عرفان الوالى بالصناعة. وفى هذه الأيام ضرب صاحبنا القاضى عز الدين بن بهاء الدين البلقينى الشافعى الشهير بشفتر (٤) من الأمير جانبك الفقيه المشهور بتاجره (٥) ططخ الظاهرى الأمير آخور الكبير علقة على مقاعده، وسببها أن باسمه تصوفا فى الظاهرية (٦) برقوق أمير آخورية، والصوفية لهم مدة لم يصرف لهم معلوما، والمباشرون بالوقف يصرفون لمن يختارون من الصوفية ويمنعون من يختارون، فصعد عز الدين

стр. 258

إلى القلعة وكلّم الأمير آخور بكلام مزعج فيه نوع إساءة، ففعل به ما ذكرناه، ولم ينتطح فيها عنزان والقتل ما يهدى، وآخر الأمر الرضى، وكل مفعول مضى، وهذه الحادثة من أقبح ما يكون فى حق الفقهاء، فلا قوة إلا بالله، اللهم انتصر له. وفى التاسع والعشرين منه وصل الشريف علاء الدين الكردى - صاحب السلطان الذى استقر ناظر الأشراف - وله مدة مسافر فى شغل السلطان بالبلاد الحلبية والشامية، وصعد لخدمة السلطان فى يوم تاريخه، وخلع عليه كاملية مخمل أحمر بسمور، وهرع الناس للسلام عليه، وسكن فى بيت صاحبنا المرحوم الجمالى يوسف بن الأتابكى تغرى بردى المؤرخ وفرشوا له البيت بسطا ومقاعد ودككا وأمثال ذلك. يوم السبت سابع عشريه وصل الخبر للسلطان أن نائب سيس خرج منها ليسير فغلقوا عليه القلعة والمدينة وعصوا عليه، وأرسلوا إلى شاه سوار بالأمن والأمان فملكها، فحصل بذلك نكد زائد عند السلطان وغيره من المسلمين، فلا قوة إلا بالله تعالى. يوم الأحد ثامن عشريه عين السلطان - نصره الله - المقر الأشرف العالى السيفى أزبك أمير كبير لمساحة البحيرة، وتوجه فى خدمته شرف الدين (١) موسى بن كاتب غريب للمساحة والقبض؛ وغير ذلك أن البالسى (٢) مباشر المدرسة الظاهرية برقوق - الذى كان تعصب قبل هذه الأيام على عز الدين بن بهاء الدين شفتر البلقينى عند الأمير جانبك من ططخ الفقيه حتى ضرب - أقاموا عليه

стр. 259

أمينا الشيخ داود المالكى وظهر فى جهته للوقف ألف دينار فتوزعها هو وشمس الدين الإنبابى وإمام الأمير الذى هو ابن إمام الشيخونية وصيرفى المدرسة وهو فى التّرسيم، وقاسى أضعاف ما فعل بابن البلقينى ولله الحمد، وكما تدين تدان؛ والجزاء من جنس العمل. شهر رجب (١) أهل بالاثنين الموافق له من أيام الشهور القبطية سابع عشرى كيهك، لأن جمادى الآخر جاء ناقصا. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة، وكنت معهم فسلّموا على السلطان بالحوش وهنوه ورجعوا. وفيه ضرب كاتب سر صفد وقاضى الحنفية بها - المشهور بقطين - بين يدى عظيم الدنيا الدوادار الكبير بسبب شكوى عليه من أهل القدس، ورسم عليه وثبت أنه ظالم. يوم الاربعاء ثالثه كان ابتداؤ قراءة البخارى بقلعة الجبل عند السلطان بالقصر وصعد قضاة القضاة والمشايخ على العادة. وفى هذه الأيام أشيع أن الملك المنصور عثمان بن الظاهر جقمق المقيم بالثغر السكندرى رسم له أن يتوجه لثغر دمياط حسب سؤاله فى ذلك، فإنه حصل بين مماليكه ومماليك النائب تشاجر ورموا على بعضهم بالسهام، وأرسل المنصور

стр. 260

يشكو منه (١) للسلطان، فأرسل السلطان إلى نائب الاسكندرية يأمره بالحضور إليه (٢) وتقبيل يديه ورجليه، ورسم [للمنصور] بالتوجه إلى دمياط وغيرها، هذا ما يلغنى، والله أعلم. ورسم السلطان بعمل حساب المكين بن الكويز مع عبد الله بن المقصى ناظر الخاص، ورسم لرئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله أن يحضر حسابهما، مع أن السلطان رقّ له ولحاله ورأف عليه ووعده بكل خير، فنصره الله. *** وفى هذه الأيام أشيع سفر مولانا السلطان إلى الفيوم وغيرها من البلاد كما فعل فى السنة الماضية، وكان تقدّم قبل هذا أن السلطان لما توجه إلى العكرشة قبل تاريخه، ولعب مع المقر الأشرف الأتابكى فغلب بالنّشاب فى رهن عليه بألف دينار فاشترى منها مائة معلوف بستمائة دينار، ومائة خروف بدارى، وسكرا ودجاجا وأوزا وفاكهة وحلوى وما أشبه ذلك، واتفقوا على أن يتوجهوا إلى القناطر العشرة ويقيموا بها أياما يأكلون ويشربون ويتنزّهون. فلما كان يوم الاثنين ثامنه - وقت الأذان - ركب السلطان من قلعة الجبل فى موكب ضخم من مماليكه وأمرائه الصغار، خلا المقدمين فإنهم سبقوه ما خلا من تأخر بالقاهرة مثل أمير آخور كبير وتغرى (٣) بردى ططر ومن سنذكرهم من الأمراء لما توجه السلطان إلى العكرشا، وتوجهوا إلى بر الجيزية وعدّى من مصر وتوجه إلى القناطر العشرة فأقام بها إلى يوم الأحد رابع عشره

стр. 261

وركب والخدم باق، ولاقاه شخص من الكشاف من جماعة الدوادار الكبير يسمى «صحصاح» وعمل له مدة عظيمة وأضافه عنده. واتفق أن السلطان قبل رحيله من القناطر العشرة توجه مشيا بزربول (١) فى رجليه حتى وصل إلى الأهرام ورجع إلى الوطاق. ما هذا إلا شجاع قوى القلب متوكل على الله. واتفق أنه أوّل ما وصل إلى القناطر العشرة ما أعجبته المنزلة. واتفق فى هذه الأيام أن جماعة بباب اللوق أكلوا كنافة وكانوا نحو سبعة أنفس فمات منهم خمسة أنفس، والاثنان [الباقيان] فى السياق، وفى آخر الأمر أن الملك المنصور توجه لدمياط وهو يصطاد ودخل المحلة وغيرها من القرى، فلله فى هذا السلطان ما أعظم شجاعته عمن تقدمه من السلاطين أنه أطلق للملوك مثل ما أطلق لهم هذا الملك. والله ما له نظير فى جميع أفعاله وأقواله. وحضر فى هذه الأيام شخص تركمانى قاصد من عند شاه سوار هكذا ادّعى، يسأل فى الصلح فرسم بسجنه فسجن ثم تبين أن كلام التركمانى غير صحيح. وتوجه السلطان - كما ذكرنا - إلى الفيوم وعمل له بها مدة عظيمة من الحلوى والخرفان المشوية والشموع للوقود، ورجع إلى القاهرة فدخلها يوم الاثنين ثانى عشريه آخر النهار، فكانت غيبته عن القاهرة خمسة عشر يوما. ووصل الخبر من حلب أن نائبها ضرب نائب القلعة بغدارة (٢) وقيل بطبر عدة ضربات أثخن بها جراحه منها، فكلمه الحاجب فى ذلك فضرب الحاجب أيضا، وأشرف نائب القلعة على التلف. وورد من المحلة شخص وادّعى عليه أنه زنديق فرسم السلطان بدفعه

стр. 262

للمالكى، وشهد عليه جماعة؛ وهذا الرجل الزنديق سأل عظيم الدنيا وزينتها ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله - بمال له صورة ليساعده ويدفعه للشافعى فرده عليه وما قبل ذلك. جزاه الله خيرا. يوم الاربعاء رابع عشريه نادى المحتسب على الخبز بدرهمين الرطل، والدقيق بمائة درهم، وعشرة الدراهم البطة، والأصل فى ذلك أن يبيعوا (١)، والحق أحق أن يتبع، وليس الرخاء والغلاء إلا من صنع الواحد الخلاق. وأما البرسيم فوصل إلى عشرين نصف فضة الفدان. يوم الخميس خامس عشريه خلع على الأمير قجماس (٢) الإسحاقى واستقر فى نيابة الثغر السكندرى عوضا عن يلباى الظاهرى جقمق بحكم انتقال يلباى إلى نيابة صفد عوضا عن جكم خال العزيز (٣). شهر شعبان المكرم أهلّ بيوم الاربعاء الثامن والعشرين من طوبة من شهور القبط (٤). فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر بعد الظهر وكنت مع الحنفية، فهنّوه بالدهيشة ودعوا وانصرفوا، وكان القصر بطّالا من الخدمة ولم يقرأ البخارى. ثانيه خرج الأمير أزبك الأتابكى من القاهرة إلى البحيرة بسبب مساحتها وقبض مالها. وفيه غضب عظيم الدنيا الدوادار الكبير على الوزير قاسم المتكلم عنه فى

стр. 263

الوزارة ورسم عليه ترسيما شنيعا. وتوجه رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله إلى بيت الأمير الدوادار المذكور بسببه فلم يجده، وانتظره إلى نصف الليل ثم اجتمع به وما وافق على إطلاقه. وقيل إنّ ابن منقورة (١) وأخاه اللذين استلمهما المقر الأشرف الصاحبى الأمينى - وكانا فى خدمته - وكان كما قيل يصادرهما ويضربهما ويفعل بهما الأهوال - وابن البحلاق (٢) الذى كان مقدم الدولة رافعوه لعظيم الدنيا المذكور، ويرومان وظيفة الوزر لنفسيهما، فتذكرت قول من قال: لقد هزلت حتى بدى من هزالها … كلاها وحتىّ استامها كلّ مفلس وقد كثر ركوب السلطان أياما ولم أذكر ذلك ولا كتبته لكثرته. وفيه خرج شاهين الجمالى (٣) يوسف بن كاتب جكم شادّ بندر جدّة إليها وصحبته عدة من المماليك الإينالية وغيرهم فرارا من تعيينهم لشاه سوار. ووصل قبل تاريخه بأيام بنت خوند شقرا جهة المرحوم الكفيلى بردبك نائب الشام وصالحت السلطان على مال قيل إنّ جملته عشرون ألف دينار. يوم الجمعة ثالثه أطلق النداء بالقاهرة حسب المرسوم الشريف أن المماليك السلطانية يصعدون غد تاريخه للعرض بسبب السفر لقتال شاه سوار، والله يفعل ما يريد ويختار. يوم السبت رابعه كان العرض، فعرض السلطان خمسة أطباق، واستمرت

стр. 264

الخدمة بالقصر من قلعة الجبل بطالة لأجل العرض، واستمر العرض إلى يوم الاربعاء ثامنه، وجهّز السلطان للأمير برسباى قرا الظاهرى أحد مقدمى الألوف النفقة، وهى أربعة آلاف دينار ليسبق العسكر ومعه عدة من الأمراء العشرات. وتقدم قبل هذا بثلاثة أيام أن امرأة شكت قاضى القضاة المحيى الحنفى ابن الشحنة بسبب دين لزوجها عليه، وتوفى زوجها. فدفعها السلطان لتعمل مصلحتها صحبة الأمير ناصر الدين بن أبى الفرج (١) نقيب الجيوش المنصورة، فاعتذر (٢) أن بلادهم وتعلقاتهم التى بحلب لم يصل إليهم منها شئ (٣)، وحلف أنه ما يملك دينارا ذهبا ولا فضة. وأطلق الوزير قاسم بن غريب بعد أن وزن جملة من المال، وإلى الله المرجع والمآل. مع أن ابن غريب - لما سفّر إلى البحيرة - جهد أن يسدّد الوزر إلى آخر شهر شعبان. واستمر قاسم ببيته بطالا ليقوم بما تأخر عليه مما قيل إنه فى جهته من الأموال السلطانية، هذا مع مساعدة عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله حتى أطلقه، وسلمه له وأخذه وأنزله بجانبه فى بيت ابن رمضان، فأقام أياما ثم هرب فى ليلة الاثنين ثالث عشر شهر تاريخه ولم يعرف له مكان، وإنما هو موصوف بقلّة والدين وعدم الأصالة والحشمة، فإن إنسانا - حفظه الله - خلّصه من الفتك وضمنه فما يجازيه (٤) أن يهرب ولا يقوم بشئ مما ضمنه فيه، فكثرت أدعية الفقراء والصلحاء للمقر الأشرف الزينى ابن مزهر

стр. 265

حفظه الله برد قاسم ليخلص من ضمانه عظيم الدنيا الدوادار الكبير. وانتهى عرض السلطان للمماليك السلطانية بعد أن غضب فى أثنائه ممن عيّنه من الأمراء للتوجه إلى سوار وصاروا يتمنعون ويتعللون، فبطّل السلطان العرض وقال: «أنا أسافر بنفسى». ثم عرض بعد ذلك، وكانوا أشاعوا أن الجاليش يغلق فى يوم تاريخه الذى هو الرابع عشر من شعبان. ومما ينبغى أن يسطر ويدوّن وينشر ويذكر فى صحائف مولانا السلطان المالك الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - عز نصره - أنه أول ما تولى المملكة - وكان فى غاية الاضطرار لأجل النفقات وتجهيزها - فأوحى (١) إليه الوسطاء أن يأخذ من جماعة مالا وعينوهم، فأخذ منهم. ثم علم بعد ذلك أن هذا لا يجوز، فوعدهم بدفع ما أخذه منهم. فلما كان فى الثالث عشر من شعبان هذا طلب السلطان الأمير فارس المحمدى الركنى [فيروز] (٢) الوزير ودفع له ألف دينار وخمسمائة دينار وأربعين دينارا، ودفع للشهابى أحمد بن الأمير أسنبغا (٣) الطيارى وأعطاه ألف دينار، وأعطى ابن فارس السيفى ألف دينار، وهذا أمر عظيم. ووصل كتاب من مكة المشرفة برابع عشرى رجب سنة تاريخه أن السلطان أرسل إلى مكة سنقر الجمالى (٤) ناظر الخواص الشريفة وأمره بحفر العين الواصلة إلى جبل عرفات، فحفرت حتى وصل الماء وملأ منها بركتين وحصل بها نفع عظيم، وعمّر مسجد «الخيف» وعمر مسجد نمرة، وكم مضى من الملوك

стр. 266

السالفة ولم يلهموا لفعل هذا الصنيع الحسن، حتى إن العين المذكورة لها - من حين حفرها جوبان (١) - نحو مائة سنة وهى داثرة، فأحياها مولانا السلطان نصره الله. وفى يوم الاثنين - العشرين منه - استأذن رئيس الدنيا المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى حفظه الله فى السفر إلى مكة والمجاورة بها فأذن له بعد أمور وعدة سؤالات، ومن جملة من سأل له الأتابك أزبك والأمير الدوادار الكبير، وسرّ بذلك سرورا عظيما فقال أصحابه وأحبابه وجماعته - وأنا منهم - «حج فى أهل هذه البلدة بإقامتك فيها لنفعك العام للمسلمين»، فلم يقبل ذلك. وفى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين منه ضرب زين الدين عبد الرحمن بن تقى الدين - قريب فرج ابن النحال (٢) الذى كان والده عمل ناظر الدولة - بالمقارع وحبس بالمقشرة، والسبب فى ذلك أن المذكور سافر إلى البلاد الشامية وزوّر مراسيم شريفة، وخلع على جماعة، وأمر بعزل جماعة، وكان رفيقه فى الطريق السيد الشريف علاء الدين الكردى - ناظر الخانكاه - الذى هو من جهة السلطان، فبلغ السلطان ذلك ففعل ما ذكر، ولولا مساعدة الأمير تنبك الدوادار الثانى حفظه الله ما حصل له خير، فإن المذكور سيرته قبيحة، وسيما قبض عليه أنه سرق سرجا مفضضا ببيت الولى وخلصوه منه بعد بذل مال. وقبل هذا بيوم سمّر اثنان من البزادرة (٣) ووسطا بقنطرة (٤) الحاجب

стр. 267

خارج القاهرة بعد إشهارهما بالقاهرة بسبب قتل الحلبى الذى سكنه بالجنينة وأخذ ماله، فإنه تبين أنهما قتلاه فقتلا به، ولله الحمد. وكان هذان من الأشرار المفسدين، فأزالهما الله عن المسلمين. وفى يوم الاثنين العشرين منه وصلت الأخبار من الرحبة أن حسن بك (١) مشى على البلاد. وحدث فى هذه الأيام أمور تؤذن باقتراب الساعة، منها أن السيد الشريف الوفائى - نائب قاضى الحنفية - أخبرنى بحضوره أن الأمير تمر المحمودى (٢) حاجب الحجاب شاهد عنده بغلة ولدت وعاش الولد أياما ومات بعد ذلك. وفيه - بل فى يوم الخميس ثالث عشريه - توجه قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة وسيدى (٣) عبد البر - ولده - لزيارة الشيخ بدر الدين بن عبيد الله (٤) الأردبيلى فإن له مدة [وهو] متوعك و [قد] أشرف على التلف، وباسمه وظائف جليلة بمدارس الحنفية، لكن الشيخ برهان الدين الكركى - إمام السلطان - سعى فيها وأنعم بها عليه. ومع ذلك [فقد] توجها إليه وصحبتهما

стр. 268

صهره ابن النوبرى الذى هو نقيبهم، ولا زالوا به حتى نزل لسيدى عبد البر عن درس الأبو بكرية (١) والصر غتمشية وأم السلطان، والتزم له بمائة دينار، وأنه ما دام حيا يتعاطى معاليمها، وكتبوا ذلك وشهد به أربعة من نوابهم وشخص من العدول يسمى ابن صلاح، وأظهروا ذلك وأنهم وصلوا لمقصودهم فبلغ ذلك المقام الشريف - نصره الله -[و] أن الإشهاد الذى صدر منه كان فى غير عقله، وأن نواب الحنفى وصهر ابن عبيد الله كتبوا لقاضيهم مهما أراد، فاحتد السلطان من ذلك وانزعج، ومات النازل (٢) فى يوم السبت خامس عشريه، فطلب السلطان الشهود والقضاة الذين حضروا وكتبوا وشهدوا بين يديه، وأكد فى حضورهم وصحبتهم صهره، فإنهم نسبوا صهره أيضا إلى أنه أخذ أشياء من وظائف وتعلقات كانت باسمه قديمة، فلما مثلوا يدى السلطان قسا (٣) عليهم وبالغ فى الحط على صهره وأوعده وهدده وقال له: «تشهدوا (٤) على شخص غايب الوجود ومصداق ذلك مات من ليلته وأخّرتوه إلى يوم السبت؟» فاعتذروا عن ذلك فلم يقبل منهم. ورسم بطلب بقية الشهود وأن يصعدوا بهم غد تاريخه الذى هو الأحد سادس عشريه بين يديه، فرسموا عليهم وصعدوا بهم إلى القلعة عند جامع الناصر ابن قلاون وخاف أحد

стр. 269

الشهود المسمى محمد بن صلاح وهو شاب من فقهاء الأطباق الذين يقرئون المماليك بالقلعة، واتفق أن هذا الشاهد وقف للسلطان مرة وغضب عليه بسبب جامكيته، وما خلص منه إلا بأمر عظيم. وصار يستغيث فلا يغاث، فأنجده الله بلطفه أن بعض أكابر الخاصكية تكلم معه ووطنه على أن يسأل له بعض الأمراء فى الشفاعة فيه، فمشى معه ودخل من باب الستارة، فخرج من الحوش ونزل من السبع حدرات ونجى بنفسه، فلما طلبهم السلطان بين يديه - وكان السلطان نصره الله رسم بإحضار نساء ابن عبيد الله وبنته ليسألهن هل صدر عنه (١) هذا النزول وهو حاضر الحس أم لا، فقلن: «كان ضعيفا»، وسأل عن الشاهد فأجابوه أن بعض الأتراك أخذوه لطبقتهم لأنه فقيههم، فرسم نقيب الجيش على النقيب بالترسيم عليه، وأمر نائب مقدم المماليك فدخل الأطباق ففتشها طبقة طبقة فلم يجدوه، وآخر الأمر أنّ رئيس الدنيا ابن مزهر شفع فيهم وبالغ فى ذلك فلم يقبل السلطان ذلك وصمم على حضور الشاهد الذى هرب، فنزلوا فى الترسيم ببيت نقيب الجيش، وأطلقوا النساء إلى بيوتهن. فلما كان يوم الثلاثاء الثامن والعشرين منه صعد الشهود أيضا إلى القلعة ليدخلوا بين يدى السلطان، فلما جلس على الدكة بالحوش برز عظيم الدنيا الدوادار الكبير - دامت سعادته - فشفع فيهم ولمس الأرض بسببهم، ثم تبعه الأمير المحمودى الظاهرى - حاجب الحجاب - فقبّل الأرض، ثم تبعهما عظيم الدنيا ابن مزهر الأنصارى فقبّل الأرض ثم باس رجل السلطان فرسم بإطلاقهم. هذا مع أن قاضى القضاة الحنفى وولده لما بلغهما

стр. 270

غيظ السلطان والترسيم على نوابه والشهود، أرسلا إلى السلطان النزولات صحبة المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله، وطلع المقر الزينى ابن مزهر المذكور حفظه الله يوم الأحد القلعة مع أن عادته الراحة فيه، فتعجب السلطان وصار يقول له: «لا تدخل نفسك فى هذه القضية»، فأجابه حفظه الله تعالى: «أنت أمرتنى بذلك لأنك جعلتنى كاتب السر، وكاتب السر يتكلم فى هذا وفى غيره»، فجزاه الله خيرا عن المسلمين. وامتلأت القاهرة بصرف (١) قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة من وظيفة القضاء وأن البرهان الكركى يستقر فيها، ثم بطل ذلك. لكن قالوا: إن السلطان - نصره الله - أرسل إلى الشيخ أمين الدين الأقصرائى ينظر له قاضيا يوليه، فذكر له شيخ الظاهرية (٢) الشيخ عضد الدين السيرامى (٣) والشيخ شمس الدين الأمشاطى (٤)، وقيل إن السلطان ذكر الشيخ محيى الدين الكافيجى فنسبوه إلى السذاجة وعدم العرفان بالمصطلح، وما عساهم يفعلون ويأبى الله إلا ما أراد. وفى الواقع فقضاة الشرع لوعظموا أوامر الله وحقوقه لعظمهم، ولكنهم خافوا على وظائفهم فأهانوا أنفسهم، والأمر إلى الله. *** وتوفى الشيخ بدر الدين بن عبيد الله الأردبيلى الحنفى بمدرسة أم السلطان، وله من العمر إحدى وثمانون سنة تخمينا، وكان فقيها فاضلا له قدرة على الاشتغال والمطالعة سيما مع الأتراك فإنه عرف بهم وسيما صحبته للمقر الأشرف

стр. 271

العالى السيفى يشبك من سلمان شاه الفقيه (١) المؤيدى، أحسن الله خلاصه فإنه كان شيخا (٢) له ومقيما عنده فى غالب أيامه كثير الإحسان إليه، وقرأ عليه عدة كتب فى الفقة منها «الهداية» و «الكنز»، واشتغل قديما، وقرأ على عدة من الشيوخ منهم القاضى محب الدين بن الشحنة قاضى حلب والد شيخنا قاضى القضاة محب الدين الحنفى قاضى مصر، وولى القضاء عن الزينى التفهنى (٣) وبعده عن البدر العينى، وعن الشيخ سعد الدين ابن الديرى (٤) وكان يجهز إلى البلاد الحلبية والشامية ليحكم بقتل بعض المفسدين فيفعل، وتوجه مرة وحكم أيضا بقتل جماعة بقنطرة الحاجب أن يغزوا بالرماح ففعل بهم ذلك. وامتحن مرة بسبب واقعته مع تغرى برمش الزردكاش فى أيام الظاهر جقمق ورسم بحبسه، وكان المدعى عليه سيدى أحمد بن أزدمر، ثم رسم أن يتوجه به إلى بيت قاضى القضاة بدر الدين البغدادى الحنبلى ليدعى عليه بين يديه، فادعى عليه أنه قال: «ما ثم بعث ولا نشور، ولا حياة» وما أشبه ذلك، فصعد الشيخ أمين الدين الأقصرائى والقاضى بدر الدين الحنبلى البغدادى للسلطان وسألاه فيه وتلطفا به فأطلق، واتفق له فى هذه المدرسة التى مات بها وهو شاب أن بعض البوابين بها كان بينه وبينه خصومة فقبض عليه على ما ادعى وفى داخل ثوبه كراز (٥) نبيذ فكسره، وتوجه به للبدر العينى وأخبره أن البواب فعل هذا من عند نفسه ونسبه إليه، فقام البدر العينى معه وساعده وطلب البواب وأدّبه. واتفق بعد ذلك بأيام عقد مجلس بين الشيخ بدر الدين العينى المذكور وبين شخص فى مسألة، فصار صاحب الترجمة عليه وحصل له منه قهر شديد.

стр. 272

وكان له سطوة وعنده جرأة وإقدام فى الجلوس والركوب وحضور المجالس. اتفق لما كانت وفاة سيّدنا الشيخ كمال الدين بن الهمام الحنفى (١) تقدم الشرفى يحيى (٢) المناوى للصلاة عليه بحضور السلطان فجذبه من بين كتفيه وقال له: «نحن أحق بالصلاة على أهل مذهبنا»، وقدم الشيخ سعد الدين الديرى للصلاة عليه. وكان يفتى لكن فى آخر عمره ترك، ولم يترك الاشتغال فى الفقه وأصوله وكان محبا لبيت القاضى محب الدين بن الشحنة، وهو الذى كان سببا لمصاهرة بنتهم بابن الأمير يشبك الفقيه الدوادار، وخلف بنتا كبيرة وزوجة وحصل على القاضى محب الدين بن الشحنة وعلى ولده السروى عبد البر ومن حضر معهما من النواب والشهود من البهدلة مالا يوصف بسبب أنهم كتبوا عليه نزولا (٣) بعدة وظائف ونسبوا إلى التزوير. انتهى. واستمر هذا الشهر بلا خدمة فى القصر. وفى يوم الاثنين سابع عشريه كان عرس المقام الأشرف الكريم العالى تنبك (٤) قرا الدوادار الثانى الإينالى على بنت (٥) بنت السلطان السعيد الشهيد الملك الأشرف إينال من بردبك الدوادار الثانى، وعمل مدة عظيمة للأمراء والأكابر والأعيان. وركب وفى خدمته عدة من الأمراء الظاهرية والإينالية، كالأمير إينال حبيب والأمير أزدمر الظاهرى والأمير قانصوه الأحمدى الإينالى الشهير بالخسيف، والأمير دولات باى سلاق وغيرهم من الأمراء والخاصكية.

стр. 273

وحضرت العروس إليه - من دار الأمير قراجا (١) الطويل التى هى مقابل الكبش لأنه زوج أمها - فى محفة زركش والخدّام حولها والخواندات بين يديها راكبين وماشين بالشموع والمناجيق والفوانيس الكبيرة الزهرة، وقيل: إن الجهاز الذى وصل إليه قيمته ثلاثون آلف دينار، والملك لله الواحد القهار. شهر رمضان أهلّ بيوم الخميس (٢) لأن شعبان جاء ناقصا. فيه توجه قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وأقبل عليهم، وكذا تكلم مع قاضى الحنفية ولم يعاتبه بشئ أصلا مع أنهم كانوا فى أمسه توجهوا للمنصورية (٣) بسبب الرؤية للهلال، ولم يحضر المحتسب معهم، لكن حضر أحد خجداشيته من مماليك المقر الجمالى ناظر الخواص الشريفة، وثبت على القاضى زين الدين الأبشيهى بشهادة أحد نواب الحكم الشافعى وكتبوا بذلك للسلطان (٤)، والله المستعان. يوم الجمعة ثانيه نودى بالقاهرة أن المماليك السلطانية يصعدون غد تاريخه ليقبضوا النفقة برسم التوجه لقتال شاه سوار، وأن يقبضوا الكسوة، ورسم للقاضى علم الدين أبى الفضل بن جلود بالنفقة وصرّها قبل أن يعلم أحد بذلك. وفيه جهّز للمقر الأشرف الكريم العالى - المولوى السيفى

стр. 274

عظيم الدنيا يشبك من مهدى الدوادار كبير وصاحب الحل والعقد ومشير الدنيا ومدبرها - من فائض الدولة الشريفة بمائة ألف دينار، وصعد بها دواداره قانصوه الشكل الحسن، فخلع عليه السلطان كاملية سمور بمقلب سمور وفوقانيا بطراز زركش، وأنعم عليه بخمسمائة دينار وبتركاش فضة وقوس حلقة خاص، وعاد إلى دار أستاذه فى مهابة عظيمة وحشمة زائدة. ولما كان يوم السبت ثالثه صعد المماليك السلطانية لقبض كسوتهم، فحين حضر واحد منهم وقبض الكسوة أعطى نفقة السفر فسقط فى يده، ولم يسع من حضر إلا السمع والطاعة، وأصبحوا كذلك فى قبض الكسوة والنفقة. واتفق فى هذه النفقة أمور غريبة منها أن تغرى بردى المحيى بن الشحنة طلع فقبض كسوته أسوة بالمماليك السلطانية فلم يعطوه نفقة شاه سوار لأنه ما كتب، وخرج من الحلقة، ثم عاد وسأل فى السفر إلى شاه سوار وقبض النفقة فردّ فألح، فطلب له السلطان قوسا فلم يقدر على جبذه واستعيدت منه الكسوة، ومسح اسمه من الديوان، فانظر لهذا الصنيع القبيح. ومنها أن شخصا من المماليك السلطانية قبض نفقة شاه سوار وكسوته فسقطت منه ورجع إلى السلطان وأخبره بذلك ليعطيه عوضها فزجره وهدده ولم يصدقه على ذلك فعاد مكسورا، فقدّر الله أن وجد الصرة شخص من الجند، وبلغته قصة المملوك الذى سقطت منه فسأل عن بيته وأعلمه بأنه وجد النفقة، فلم يرض بأخذها منه وقال له: «أصعد أنا وأنت لخدمة السلطان لتعلمه بما وقع!»، فأصبحوا وأعلموا السلطان بالقضية فأنعم على المملوك الذى وجد الصرة بها، وأبطل الذى ضاعت منه من السفر إلى قتال شاه سوار. ومنها أن شخصا من المماليك الظاهرية خشقدم وقف للسلطان يسأله فى إبطاله من سفر شاه سوار، واعتذر بأن عينيه فى غاية الألم وحصل عليهما حرقة

стр. 275

زرقاء فطلبه السلطان لبين يديه وأمره بفتح عينيه، فعلم السلطان أنها حيلة ورمى النفقة ومشى خطوات، فأمر السلطان بضربه فضرب ضربا مبرحا أشفى منه على التلف، ورسم لنقيب الجيش بنفيه إلى طرسوس، فأخرجوه إلى الجامع، ثم إن الأمراء تدخلوا على السلطان بسببه فطلبه وأهانه وأعاد له النفقة ورسم بالسفر، وما حصل على طايل ولا نايل. انتهت الأمور الغريبة. وأما إشاعة عزل قاضى الحنفية فبطلت، والسبب فى إبطالها رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله على المسلمين، فإنهم - أعنى بيت الشحنة - تراموا عليه فضمن لهم ذلك، وقال: «الضامن مبلى» وكان كذلك، وبطل ما قالوه. وانتهت الكسوة ونفقة المماليك المتوجهين لقتال شاه سوار يوم الاثنين خامس شهر رمضان. وتقدم فى يوم الجمعة ثانيه أن البرهان البقاعى (١) عمل ميعادا بالجامع الظاهرى بيبرس البندقدارى خارج القاهرة بالحسينية على عادته بعد العصر، فحضر جماعة إليه قصدا من معتقدى سيدى الشيخ عمر بن الفارض نفع الله به وأساؤا عليه على ما بلغنى، فشكاهم لقصروه الحاجب فطلبهم ورسم عليهم، ثم إن البقاعى طلب جماعة من جهته وأوقفهم فى عدة مواضع ومفارق ومخارص من الطرقات،

стр. 276

وبأيديهم العصى والخشب، وقرر معهم إذا مروا عليهم فيضربونهم وينكلون بهم؛ فبلغ ذلك رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف عظم الله شأنه [فأرسل] إليهم بدواداره بركات فأطلقوهم، وتكاثرت الأدعية له - حفظه الله تعالى على المسلمين. ثم فى يوم السبت ثالثه أصبح البقاعى على ما أمسى وشكى خصومه لبيت الأمير تمر حاجب الحجاب وأعلمه بما أراد، فاجتمع الجم الغفير والخلائق أفواجا، وحضر من العلماء والفضلاء جماعات منهم الشيخ بدر الدين بن القطان (١) والشيخ تاج الدين بن شرف والشيخ الخطيب الوزيرى (٢) وبرزوا للبقاعى وطلبوه، فحضر بين يدى الأمير المذكور وأراد الطلوع من المقعد فما مكنه خصومه ووقف من تحت المقعد، وجلس المشايخ المذكورون وادعى على جماعة فيهم شخص شريف حضروا إليه إلى مسجده ليقتلوه بطبر، فقال له الشيخ بدر الدّين ابن القطان: «لا تقل مسجدى فإن المساجد لله»، وترضوا عن الشيخ عمر بن الفارض ولعنوا وكفروا من يكفره وحصل له بهدلة ما توصف، وانفصلوا على غير طائل، ولم يحصل للبقاعى مقصوده ولا غرضه فإنه مخمول سيما أنه يتعرض لجناب سيدى الأستاذ العارف بالله عمر بن الفارض ﵁. يوم الاربعاء سابعه صعد قضاة القضاة لقراءة البخارى على العادة فى كل سنة بالقصر السلطانى من قلعة الجبل، ولم يحضر إليهم السلطان، وهذا جريا على العادة فإنه من حين قرئ البخارى وإلى تاريخه ما حضر مجلسهم. وفيه توفى الشيخ شهاب (٣)، الدين أحمد بن محمد بن على شاعر الوقت

стр. 277

أبو الطيب الأنصارى الشافعى المقرئ المعروف والمشهور بالحجازى. مولده كما أخبرنا به فى شعبان سنة تسعين بالقاهرة، ونشأ بها فحفظ القرآن وكتبا، وسمع الحديث على الزين (١) العراقى والهيثمى (٢) وابن أبى المجد (٣) والتنوخى والمنجا إسمعيل الحنفى وآخرين، واشتغل فى الفقه وأصوله وأنقن العربية، وأخذ عن الولى (٤) العراقى والشمس (٥) البرماوى وجماعة بعدهما وقبلهما، وجوّد القرآن فمهر وصار أحد أعيان قراء الجوق، وكذا جود الخط الحسن وكتب به الكثير، وتعانى الأدب حتى صار له سجية وطار صيته به بحيث وصفه شيخى شيخ مشايخ الإسلام ابن حجر حافظ العصر ﵀: «بالعلامة فخر المدرسين، عمدة البلغاء» وناهيك بهذا الوصف من مثله. وقرأ مقامات الحريرى وأقرأها وعلق عليها شرحا، وطارح الأدباء ومدح الأكابر، وجمع المجاميع الحسنة وألف وصنّف وزادت تذكرته على خمسين مجلدة فيها فوائد كثيرة، وسار نظمه ونثره فطبق الآفاق وحج إلى بيت الله الحرام، ودخل إلى دمياط واسكندرية وغيرهما للنزهة وحدث، وسمع منه الفضلاء، وأقبل بآخره على كتابة الحديث والأساتيد والمتون والسؤال ممن يعتقد بقدمه ومعرفته بهذا الفن فيما أشكل عليه، ونعم الرجل تواضعا وتوددا لأصحابه وحرصا على زيارتهم واستجلاب مودتهم ورغبتهم فى صحبته فى الفائدة؛ وذلك مع صحة المصاحبة وصفاء الخاطر وخفة الروح وحلاوة المذاكرة والمحاسن الجمة. تعلل ومات مبطونا شهيدا فى

стр. 278

يوم الاربعاء سابع رمضان سنة خمس وسبعين وثمانى مائة بعد أن رثى نفسه بقصيدة أنشدها لبعض خواصه ﵀ والمسلمين. وكان بينى وبينه صحبة زائدة وبات عندى ليالى وأقام عندى أياما، ورأيته أستاذا فى سائر الفنون كثير الأدب عديم الشر سمح (١) النفس، يحب الفضل وأهله وبكرمهم ولا يتكلم فى أحد بغيبة ولا نميمة ولا تنقيص، ولا يلتفت إلى تحصيل مال ولا جاه، وغالب إقامته بمجلس المدرسة القراسنقرية (٢) نهارا، [وأما] فى الليل فغالب مبيته عند القاضى موفق (٣) الدين - ناظر جيش الشام - ببركة (٤) الرطلى، ﵀ وعفا عنه وعن المسلمين. ومن نظمه: يا من غدا من الذنوب فى خجل … وخائفا من الخطايا والزلل ارحم جميع الخلق وارج رحمة … فإنما الجزا من جنس العمل (٥) ووصل أمير من أمراء شاه سوار هاربا منه بزعمه، وكان وصوله فى عاشر الشهر، وصعد للسلطان فقبل الأرض وأفطر عنده فى ليلة الاثنين فى الرابع عشر منه وأخبر عن شاه سوار أنه فى ذل وصغار وخزى وافتقار وأن غالب من معه فر منه، ومن بقى منهم [بقى] فى أضيق العيش وشدة الخوف وعدم الأمن على أنفسهم، خذلهم الله. هذا ما ذكره والعلم عند الله تعالى. وفرقت الكسوة فى هذه السنة على الفقهاء والمتعممين والأرامل والأيتام،

стр. 279

ومن باسمه فى الديوان شئ وصل إليه. فاللهم أدم أيام مولانا السلطان آمين - أبد الآبدين. وفى الثالث عشر منه - وقت التسبيح -[جاء (١)] المقر الأشرف الكريم العالى المولوى الأتابكى أزبك من ططخ من البحيرة وهو فى موكب جسيم وهو تك عظيم من طبول وزمور ونفط، وصعد للقلعة فى صبح تاريخه. واتفق قبيل هذا بيويميات [أن] الشريف القاضى المالكى - أحد النواب بسويقة (٢) السباعين وصهر القاضى المتوفى أبى الفتح المنوفى ناظر المرستان والأوقاف - طلب لبيت المقر الأشرف العالى المولوى السيفى عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ومشيرها ومدبر مملكتها ووزيرها وأستادارها يشبك من مهدى دوادار كبير وما مع ذلك حفظه الله بسبب وقف يتعلق بوقف فارس (٣) البكتمرى أثبتت المرأة نسبها به بمساعدة الدوادار الكبير والسلطان لها بالحق الظاهر، فوجدوا فى الوقف بعد أن عينه على أولاده فصلا أن الوقف صار ووجب لبنت للواقف مخصوصة غير هذه التى أثبتت نسبها، فلما حضر القاضى الشريف وشهوده بين يدى عظيم الدنيا المذكور وسألهم عن كيفية إشهادهم بهذا الفصل تلعثموا (٤) فوبخهم وهددهم ونسبهم إلى الزور، ورجعوا عن حكمهم وشهادتهم، ورسم بنفيهم ولولا أبو الفتح صهر القاضى ترامى على عظيم الدولة وعلى الشيخ برهان الدين الكركى أمام المقام الشريف حتى توجهوا إلى الأمير المذكور

стр. 280

وسألوه وتراموا عليه حتى أطلقهم بعد ألف جهد، وبعد أن أشهد على القاضى وشهوده بقسامة: أن لا يشهد الشهود ولا يقضى القاضى. *** وأصبحت مصر وأهلها فى ألم شديد من عدة وجوه وهو أن الأساكفة رمى عليهم من ديوان الدولة جلود، وأخذوا منهم عدة زرابيل نحو كل زربول بستة أنصاف تحت ستة آلاف زربول. وأما الخياطون والجوخيون وأرباب الصنائع فهم مجتمعون فى عمل احتياج عظيم الدنيا الدوادار الكبير لأجل سفره، ومصروفه فى كل يوم على ما بلغنى يصل إلى ألف دينار ولا يقطع لأحد منهم درهما واحدا ولا يماطله. وأما التجار الذين بالحوانيت فإنهم من أول شهر رمضان إلى نصف الشهر المذكور بطالون بسبب مبيع تركة الكفيلى بردبك الفارسى المشهور بالبجمقدار نائب الشام هو ودواداره أبى بكر، وإلى الآن ما انتهى المبيع. واتفق (١) أن الأمير شرف الدين موسى بن غريب المتكلم فى الوزارة عوضا عن قاسم رمى الجلود التى أخذها منه من المدابغ على الأساكفة الذين بين القصرين وعلى أهل الصليبة (٢): الدرهم بمثله مرتين على ما بلغنى، وغرموا لأعوانه وقربائه ما لا يطيقونه، فأما أساكفة بين الصورين فوزنوا وصبروا واحتسبوا، وأما أساكفة الصليبة فإنهم أخذوا الجلود ووعدوهم ببعض الثمن، وأصبحوا فوقفوا للسلطان فردهم خدام الحوش السلطانى فرجعوا

стр. 281

وصعدوا إلى أعلى الجبل المقابل لحوش السلطان الذى يجلس فيه للخدمة والأحكام واستغاثوا. فسأل السلطان عن أمرهم فأخبروه بحالهم وأن ابن غريب رمى عليهم بزيادة عن السعر وآذاهم وغرمهم وأضر ذلك بحالهم، فغضب السلطان - نصره الله - على ابن غريب، فبادر عظيم الدولة ومدبرها ومشيرها ومالك حلها وعقدها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وما مع ذلك - أدام الله وجوده وبلغه مأموله ومقصوده - وتكلم بكلام أرضى به الله ورسوله والسلطان ومن حضر ومن سمع وقال: «لا يرمى عليهم شئ وجميع ما أخذوه يعيدوه». فردهم السلطان لبيت الأمير المذكور حفظه الله على المسلمين. فلما مثلوا بين يديه أمر برد ما أخذوه إلى مباشرى الدولة ودعوا له وانصرفوا. وغير ذلك أن غالب بل جميع أرباب الدولة من الأمراء والمباشرين والأعيان وغيرهم بيقدّموا (١) لعظيم الدنيا الدوادار الكبير المماليك والملبوس والخيول والجمال وغير ذلك من آلات السفر. وكان بلغ السلطان - نصره الله - حضور الشرفى الأنصارى من نصف شهر تاريخه فرسم بعوده، ثم إن أكابر الدولة سألوا السلطان فى حضوره ليتمثل بين يديه ويعلمه بما يوجه إليه وبالغوا فى ذلك. فرسم بإحضاره على جرائد الخيل وأن يكون ثقله خارج قطيا، ففعل ذلك وحضر إلى التربة فى يوم الاربعاء حادى عشريه، وأصبح من الغد فصعد إلى بين يدى السلطان فقبل يده فخلع عليه كاملية مخمل مفرية سمور بمقلب سمور بعد أن اجتمع بالسلطان وشكره ونزل إلى داره فى ضخامة لكنه فى غاية الكظم والتشويش، وسبب ذلك ما بلغه من

стр. 282

سفر عظيم الدنيا الدوادار الكبير، وأنه يتوجه فى خدمته لتكفية الرجال والسلاح والعليق والمال، فسعى غاية السعى فى إبطاله من السفر ولم يصل لذلك مع أنه - أعنى صاحب الترجمة - إذا تخدم للأمير المذكور وأظهر له نصحا وخدمة وصفاء ربما يرضى عنه ويسلم منه، فإنه كان بينه وبينه شئ وأزاله من بينهما رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين، والأمر لله الخالق والمبيد، الذى يفعل ما يريد، ولا يسأل عما فعل. وفيه - أى يوم الخميس ثانى عشريه - طلب عظيم الدنيا الأمير الدوادار الكبير جميع من فى حبسه من الفلاحين والمصادرين وأطلق منهم مائة وسبعين نفرا، وبلغنى عن الأمير المذكور حفظه الله على المسلمين أنه يصالح عن المديونين فى حبسه بمال من عند نفسه، والله أعلم. ووقع فى هذه الأيام أمور شاعت وذاعت، غير أنى لم أتحققها وإنما أنبئتها بطريق النقل، منها أن جماعة من الأعاجم قبض عليهم وزعموا أنهم جواسيس شاه سوار وابن قرمان وغيرهما، وأمر بإخراجهم من بلادهم. ومنها أن الناصر بن قمتى رأس نوبة الأمير الدوادار الكبير - دامت سعادته - سأل أستاذه المذكور فى سفره إلى الحجاز وببذل ألف دينار، وقيل إنه منعه من ذلك، ورسم لدواداره جانم وخازنداره تغرى بردى أن يكونا متكلمين فى الوزر والأستادارية؛ ولم يصح شئ من سفر ابن قمتى. وفى يوم الاربعاء ثامن عشريه ختم البخارى بقلعة الجبل بحضور السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - خلد الله ملكه ومدت قواعد دولته - وكان مجلسا حافلا بالقضاة الأربعة - خلا الحنبلى لضعفه وعجزه عن الحضور - والعلماء والفضلاء والطلبة والأمراء والرءوس النوب والخاصكية وأصحاب الوظائف. وقرأ القارئ الذى هو الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين

стр. 283

الكركى إمام المقام الشريف نصره الله، فخلع على قضاة القضاة طرحات وكذا على القارئ، وخلع على المشايخ خندات سمور وهم: الشيخ سراج الدين (١) العبادى الشافعى والشيخ قاسم الحنفى والشيخ تقى الدين الحصنى (٢) والشيخ بدر الدين بن القطان وغيرهم كذلك، وبقيتهم خندات مسنجبة وصرر أكثر من ألف دينار: أعلاهم ثلاثة آلاف وأدناهم ألف درهم، ولم يخلع السلطان على السرى عبد البر بن الشحنة شيئا - وله عادة بخنده سمور - فحصل العجب من ذلك وشاشت (٣) الناس وتقولوا وخلطوا ونسبوا ذلك للسلطان. ومن العجيب أن شخصا ينظم الجزل والمواليا والبليق بأرض (٤) الطبالة يعرف بابن الزيتونى (٥) - ويتكسب من الشهادة بحانوت ليس فيه رفيق له - استجد له فى هذه السنة خندة مسنجبة، وسألت عن ذلك فقيل لى: إنه من جهة بنى الجيعان وأنه فى خدمة سيدى عبد القادر يضحكه ويخامل له وسألوا ناظر الخاص له فى ذلك فأجابه.

стр. 284

وقيل إن ابن الزيتونى هجا داودا المالكى الذى استقر مستوفيا على بنى الجيعان بمدرسة سعيد السعداء وغيرها، ومدح العلمى ابن الجيعان وأولاده. ولما تكلم داود فى المدرسة المذكورة ترك له بنو الجيعان المباشرة. فانظر إلى هذا العجب العجاب: هذا العالم ولد العالم ابن العالم ابن العالم إلى ما لا مزيد عليه ما تصل له عادته، وهذا السفيه الوضيع يخلع عليه! وأذكر فى هذا اليوم قول من قال وأجاد فى المقال: «وحظى مين يقودوا ويتمسخر!!». ثم إن الخندة المتعلقة بالزينى عبد البر بن الشحنة وصلت إليه بعد ذلك بسفارة عظيم الدولة ورئيسها المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر حفظه الله على المسلمين فلبسها وتوجه إليه وقبل يده، واعتذروا عن إرسالها بواسطة أشياء، منهم من يقول: السلطان لما عرضت عليه لم يرسم له بها، ومنهم من قال غير ذلك، والأمر لله المالك. [وفى] ليلة الثلاثين من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته توجه قضاة القضاة إلى المنصورية قلاون لرؤية هلال شوال ما خلا قاضى القضاة الحنفى والحنبلى، فالحنفى معتكف بجامع الحاكم، والحنبلى لضعفه وانقطاعه، ولم ير الهلال وهو المقصود الأعظم لئلا تكون خطبتان فى يوم فيكون ذلك يزعمهم على السلطان غير مشكور، فلا قوة إلا بالله. شوال أهل بيوم السبت ويوافقه من أيام الشهور القبطية [السابع (١) والعشرين من برمهات ١١٨٦] لأن رمضان جاء تاما. فيه صعد قضاة القضاة ونوابهم وبعض المشايخ إلى القلعة وكنت حاضرا

стр. 285

ودخلوا القصر السلطانى، فأفيضت الخلع على الأمراء والعساكر وقضاة القضاة وغيرهم على العادة، وكان يوما مشهودا فسبحان من خضعت لعزته العظماء من تلك ومن تلك، وأذعنت لأمره الحكماء من ملك ومن ملك، ولا ريب أن كل من ملك لله مملوك. ووصل جماعة من علماء القدس الشريف وأجلهم أبو شريف بسبب مخاصمة وقعت بينهم وبين قاضى القدس وشيخ الصلاحية المسمى غرس الدين خليل أخى أبى العباس الواعظ. واختلف فى الحضور على أقوال، فقيل إن المقر الشرفى الأنصارى لما حضر عائدا من البلاد الشامية زار القدس الشريف فحضر إليه العلماء والفضلاء فجلسوا عنده، فجلس الشيخ أبو شريف عن ميمنة الأنصارى، وجلس غرس الدين القاضى عن ميسرته، ثم قال لأبى شريف كلاما معناه «إن هذا المجلس الذى جلست فيه مجلسى فقم منه» فأجابه بأن هذا مباح، وكان بينهما فتنة قديمة، فانتشر الكلام. واقتضى الحال - على ما بلغنى - أن عوام البلد هجموا على القاضى بيته وسبوا حريمه ونهبوا ما فيه، وكتبوا محضرا بأفعاله الذميمة وحضروا به إلى القاهرة، وأرسل القاضى كتابا بصورة الحال إلى السلطان وكتابا إلى عظيم الدنيا الدوادار الكبير - وهو يدعى أنه من جهته - وعرفهما بما اتفق له مع أهل القدس، فلما وصل خصومه تمكنوا من الوقوف بين يدى السلطان وتوجهوا لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله، فحال وقوع بصره عليهم أمر بإخراجهم وبهدلتهم وهو معذور لما بلغه، فخرجوا على أقبح وجه. وغير ذلك أن شخصا من أولاد التجار المبذرين ضيّع ما كان يملكه ويعرف بابن الناصرى، مات أبوه بالبلاد اليمنية أو الهندية وخلف بهذه البلدة دورا وأموالا وديونا له وعليه، وكان الولد غائبا بمكة [فلما] حضر ليأخذ تركة أبيه ويحتاط على موجوده وديونه وجد قاضى سكندرية المعروف بابن
следующие страницы →