وصعدوا إلى أعلى الجبل المقابل لحوش السلطان الذى يجلس فيه للخدمة والأحكام واستغاثوا. فسأل السلطان عن أمرهم فأخبروه بحالهم وأن ابن غريب رمى عليهم بزيادة عن السعر وآذاهم وغرمهم وأضر ذلك بحالهم، فغضب السلطان - نصره الله - على ابن غريب، فبادر عظيم الدولة ومدبرها ومشيرها ومالك حلها وعقدها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وما مع ذلك - أدام الله وجوده وبلغه مأموله ومقصوده - وتكلم بكلام أرضى به الله ورسوله والسلطان ومن حضر ومن سمع وقال: «لا يرمى عليهم شئ وجميع ما أخذوه يعيدوه». فردهم السلطان لبيت الأمير المذكور حفظه الله على المسلمين. فلما مثلوا بين يديه أمر برد ما أخذوه إلى مباشرى الدولة ودعوا له وانصرفوا.
وغير ذلك أن غالب بل جميع أرباب الدولة من الأمراء والمباشرين والأعيان وغيرهم بيقدّموا (١) لعظيم الدنيا الدوادار الكبير المماليك والملبوس والخيول والجمال وغير ذلك من آلات السفر. وكان بلغ السلطان - نصره الله - حضور الشرفى الأنصارى من نصف شهر تاريخه فرسم بعوده، ثم إن أكابر الدولة سألوا السلطان فى حضوره ليتمثل بين يديه ويعلمه بما يوجه إليه وبالغوا فى ذلك. فرسم بإحضاره على جرائد الخيل وأن يكون ثقله خارج قطيا، ففعل ذلك وحضر إلى التربة فى يوم الاربعاء حادى عشريه، وأصبح من الغد فصعد إلى بين يدى السلطان فقبل يده فخلع عليه كاملية مخمل مفرية سمور بمقلب سمور بعد أن اجتمع بالسلطان وشكره ونزل إلى داره فى ضخامة لكنه فى غاية الكظم والتشويش، وسبب ذلك ما بلغه من
стр. 282
سفر عظيم الدنيا الدوادار الكبير، وأنه يتوجه فى خدمته لتكفية الرجال والسلاح والعليق والمال، فسعى غاية السعى فى إبطاله من السفر ولم يصل لذلك مع أنه - أعنى صاحب الترجمة - إذا تخدم للأمير المذكور وأظهر له نصحا وخدمة وصفاء ربما يرضى عنه ويسلم منه، فإنه كان بينه وبينه شئ وأزاله من بينهما رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين، والأمر لله الخالق والمبيد، الذى يفعل ما يريد، ولا يسأل عما فعل.
وفيه - أى يوم الخميس ثانى عشريه - طلب عظيم الدنيا الأمير الدوادار الكبير جميع من فى حبسه من الفلاحين والمصادرين وأطلق منهم مائة وسبعين نفرا، وبلغنى عن الأمير المذكور حفظه الله على المسلمين أنه يصالح عن المديونين فى حبسه بمال من عند نفسه، والله أعلم.
ووقع فى هذه الأيام أمور شاعت وذاعت، غير أنى لم أتحققها وإنما أنبئتها بطريق النقل، منها أن جماعة من الأعاجم قبض عليهم وزعموا أنهم جواسيس شاه سوار وابن قرمان وغيرهما، وأمر بإخراجهم من بلادهم. ومنها أن الناصر بن قمتى رأس نوبة الأمير الدوادار الكبير - دامت سعادته - سأل أستاذه المذكور فى سفره إلى الحجاز وببذل ألف دينار، وقيل إنه منعه من ذلك، ورسم لدواداره جانم وخازنداره تغرى بردى أن يكونا متكلمين فى الوزر والأستادارية؛ ولم يصح شئ من سفر ابن قمتى.
وفى يوم الاربعاء ثامن عشريه ختم البخارى بقلعة الجبل بحضور السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى - خلد الله ملكه ومدت قواعد دولته - وكان مجلسا حافلا بالقضاة الأربعة - خلا الحنبلى لضعفه وعجزه عن الحضور - والعلماء والفضلاء والطلبة والأمراء والرءوس النوب والخاصكية وأصحاب الوظائف. وقرأ القارئ الذى هو الشيخ الإمام العالم العلامة برهان الدين
стр. 283
الكركى إمام المقام الشريف نصره الله، فخلع على قضاة القضاة طرحات وكذا على القارئ، وخلع على المشايخ خندات سمور وهم: الشيخ سراج الدين (١) العبادى الشافعى والشيخ قاسم الحنفى والشيخ تقى الدين الحصنى (٢) والشيخ بدر الدين بن القطان وغيرهم كذلك، وبقيتهم خندات مسنجبة وصرر أكثر من ألف دينار: أعلاهم ثلاثة آلاف وأدناهم ألف درهم، ولم يخلع السلطان على السرى عبد البر بن الشحنة شيئا - وله عادة بخنده سمور - فحصل العجب من ذلك وشاشت (٣) الناس وتقولوا وخلطوا ونسبوا ذلك للسلطان.
ومن العجيب أن شخصا ينظم الجزل والمواليا والبليق بأرض (٤) الطبالة يعرف بابن الزيتونى (٥) - ويتكسب من الشهادة بحانوت ليس فيه رفيق له - استجد له فى هذه السنة خندة مسنجبة، وسألت عن ذلك فقيل لى: إنه من جهة بنى الجيعان وأنه فى خدمة سيدى عبد القادر يضحكه ويخامل له وسألوا ناظر الخاص له فى ذلك فأجابه.
стр. 284
وقيل إن ابن الزيتونى هجا داودا المالكى الذى استقر مستوفيا على بنى الجيعان بمدرسة سعيد السعداء وغيرها، ومدح العلمى ابن الجيعان وأولاده.
ولما تكلم داود فى المدرسة المذكورة ترك له بنو الجيعان المباشرة. فانظر إلى هذا العجب العجاب: هذا العالم ولد العالم ابن العالم ابن العالم إلى ما لا مزيد عليه ما تصل له عادته، وهذا السفيه الوضيع يخلع عليه! وأذكر فى هذا اليوم قول من قال وأجاد فى المقال: «وحظى مين يقودوا ويتمسخر!!».
ثم إن الخندة المتعلقة بالزينى عبد البر بن الشحنة وصلت إليه بعد ذلك بسفارة عظيم الدولة ورئيسها المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر حفظه الله على المسلمين فلبسها وتوجه إليه وقبل يده، واعتذروا عن إرسالها بواسطة أشياء، منهم من يقول: السلطان لما عرضت عليه لم يرسم له بها، ومنهم من قال غير ذلك، والأمر لله المالك.
[وفى] ليلة الثلاثين من شهر رمضان المعظم قدره وحرمته توجه قضاة القضاة إلى المنصورية قلاون لرؤية هلال شوال ما خلا قاضى القضاة الحنفى والحنبلى، فالحنفى معتكف بجامع الحاكم، والحنبلى لضعفه وانقطاعه، ولم ير الهلال وهو المقصود الأعظم لئلا تكون خطبتان فى يوم فيكون ذلك يزعمهم على السلطان غير مشكور، فلا قوة إلا بالله.
شوال
أهل بيوم السبت ويوافقه من أيام الشهور القبطية [السابع (١) والعشرين من برمهات ١١٨٦] لأن رمضان جاء تاما.
فيه صعد قضاة القضاة ونوابهم وبعض المشايخ إلى القلعة وكنت حاضرا
стр. 285
ودخلوا القصر السلطانى، فأفيضت الخلع على الأمراء والعساكر وقضاة القضاة وغيرهم على العادة، وكان يوما مشهودا فسبحان من خضعت لعزته العظماء من تلك ومن تلك، وأذعنت لأمره الحكماء من ملك ومن ملك، ولا ريب أن كل من ملك لله مملوك.
ووصل جماعة من علماء القدس الشريف وأجلهم أبو شريف بسبب مخاصمة وقعت بينهم وبين قاضى القدس وشيخ الصلاحية المسمى غرس الدين خليل أخى أبى العباس الواعظ. واختلف فى الحضور على أقوال، فقيل إن المقر الشرفى الأنصارى لما حضر عائدا من البلاد الشامية زار القدس الشريف فحضر إليه العلماء والفضلاء فجلسوا عنده، فجلس الشيخ أبو شريف عن ميمنة الأنصارى، وجلس غرس الدين القاضى عن ميسرته، ثم قال لأبى شريف كلاما معناه «إن هذا المجلس الذى جلست فيه مجلسى فقم منه» فأجابه بأن هذا مباح، وكان بينهما فتنة قديمة، فانتشر الكلام. واقتضى الحال - على ما بلغنى - أن عوام البلد هجموا على القاضى بيته وسبوا حريمه ونهبوا ما فيه، وكتبوا محضرا بأفعاله الذميمة وحضروا به إلى القاهرة، وأرسل القاضى كتابا بصورة الحال إلى السلطان وكتابا إلى عظيم الدنيا الدوادار الكبير - وهو يدعى أنه من جهته - وعرفهما بما اتفق له مع أهل القدس، فلما وصل خصومه تمكنوا من الوقوف بين يدى السلطان وتوجهوا لبيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله، فحال وقوع بصره عليهم أمر بإخراجهم وبهدلتهم وهو معذور لما بلغه، فخرجوا على أقبح وجه.
وغير ذلك أن شخصا من أولاد التجار المبذرين ضيّع ما كان يملكه ويعرف بابن الناصرى، مات أبوه بالبلاد اليمنية أو الهندية وخلف بهذه البلدة دورا وأموالا وديونا له وعليه، وكان الولد غائبا بمكة [فلما] حضر ليأخذ تركة أبيه ويحتاط على موجوده وديونه وجد قاضى سكندرية المعروف بابن
стр. 286
جنيبات (١) أثبت على التركة مالا جزيلا لشخص، وأرسل حكمه إلى القاهرة فنفذه له الجلال البكرى الشافعى، وحضر التركة أمين الحكم إذ ذاك القاضى تاج الدين الإخميمى الشافعى، وكان قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفى عليه للمتوفى نحو من ثلاثة آلاف دينار، وعلى المتوفى دين لشخص أكثر من ذلك، فدفعه له بحضور الجلال البكرى وحكم له وعليه بذلك وانفصل الحال وأخذ بيده مستندا. فلما حضر الوارث طلب تركة مورثه وشكى حاله لعظيم الدنيا الدوادار الكبير ووقف له مرات وذكر له: «أن القاضى ابن جنيبات - قاضى سكندرية - والقاضى جلال الدين البكرى أثبتا علىّ ما ليس له حقيقة، وأن المحب ابن الشحنة لمورثه عليه ثلاثة آلاف دينار، وأن القاضيين المذكورين صنعوا له صورة وضيعوا ما عليه من المال»، فطلب المحب أو وكيله فأرسل وكيلا عنه، وأظهر مستندا من يده يشهد ببراءة موكله، وطلب الشيخ جلال الدين البكرى فحضر ووقف من تحت المقعد وهدد ورسم عليه وأقام أياما فى الترسيم، ثم أرسل المقر الأشرف المذكور - حفظه الله - فأحضر قاضى سكندرية المشهور بابن جنيبات وأوقفه بين يديه وكلّمه وهدده ووبخه ورسم عليه، واستمر هو والقاضى جلال الدين البكرى فى الترسيم إلى أن رسم بطلوعهما بين يدى السلطان، فلما تمثلوا بين يديه وبمجرد وقوع نظر السلطان على الجلال البكرى قام إليه ونزل من أعلى الدكة وجلس على البساط وأكرمه وعظمه وقربه منه وأمر بجولسه بجانبه، وكذا رسم للقاضى تاج الدين الإخميمى ولابن جنيبات قاضى سكندرية بالجلوس. كل ذلك والأمير الدوادار الكبير - حفظه الله - يشاهد ذلك، ثم قال للجلال البكرى:
«أنت من أهل العلم ومن كبار الشافعية، فما حكم الله تعالى فى ذلك؟» فقال:
أنا نفذت حكم هذا القاضى» فقال: «على بركة الله».
стр. 287
وكان ابن جنيبات حكم للمقر الشرقى الأنصارى فى أشياء من دور وغير ذلك فنفذها الجلال البكرى، ثم سأله عن حكمه فى المال الذى كان على قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة لتركة الناصرى فقال كلاما معناه إن ابن الشحنة أقبض ما كان عليه لمن يستحق قبض ذلك غير أنه بحيلة، وهو أنه صار يدفع له حريرا ومالا ويستعيده، فقال له السلطان نصره الله: «الحيلة صحيحة فى مذهبك؟» فقال: «نعم» فقال: «إعمل الشرع فى ذلك» وأقرّه عليه وطيب خاطره وأمره بالانصراف إلى حال سبيله، وكذا للإخميمى وقاضى الاسكندرية.
فلما انصرفوا من مجلس السلطان أشار الأكابر من أعيان الدولة على الجلال البكرى بتوجهه إلى بيت الأمير الدوادار الكبير لئلا يتحمل عليه، فتوجه هو والإخميمى وقاضى الاسكندرية لبيته، ووقفوا من تحت المقعد أيضا بين النقباء والعوام، وصار الأمير جالسا بالمقعد وعنده جماعة من المشايخ ونواب القضاة ما فيهم إنسان يقوم للجلال بل يتشاغلون عنه حتى إن ابن قمتى - رأس نوبة الأمير المذكور حفظه الله - أمره بالجلوس على دكة لطيفة تحت المقعد فجلس يسيرا، ثم إن الأمير حفظه الله أمر الجلال وابن الإخميمى بالتوجه لحال سبيلهما ورسم على ابن جنيبات قاضى الاسكندرية، وأمره أن يحضر البينة التى شهدت عنده حتى أثبت ونفذ له؛ فاستمر فى الترسيم، ثم عملت مصلحة الولد من المقر الشرفى الأنصارى، ووقع بينهما تبارى، ومن ثم عزل الشيخ جلال الدين المذكور نفسه من القضاء والحكم بين الناس واستمر معزولا بداره بطالا مقهورا يدرس ويفتى ويشغل بالعلم واستراح، فإن الشهود والوكلاء كانوا يحضرون إليه بالأشغال الصعبة يأخذون فيها الجمل من الأموال فيعطونه فيها أدنى شئ ويحملونه مالا يطيق حمله. فأراحه الله.
يوم الاربعاء رابعه خرج خام عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها
стр. 288
ومشيرها ووزيرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما مع ذلك دامت سعادته من داره ونصبت بالقرب من سبيل ابن قايماز بالقرب من تربته التى أنشأها، ونصب خيمة عظيمة لم ير مثلها إلا نادرا، ونصب حولها خمسة عشر صوانا بين كل صوان ورفيقه خمس قباب، ونصب خيمة عظيمة مقابل المدورة وسماها الركتخاناه وغير ذلك من صواوين (١) كبار عظام وشتل وغير ذلك.
وأما ما يحكى عن بركه ويرقه الذى جهزه فى هذه السفرة فيكاد لا يكون إلا لمن يكون سلطانا عظيما من الملوك المتقدمين. وبلغنى أن صحبته من مماليكه المشتروات أربعمائة نفر ومن الخدامة مائتين، ومن الخيول فلعل (٢) مائتى فرس وغالبهم بالسروج لذهب والكنابيش الزركش الخاص، وأما الدشار من الخيول فشئ [كبير] جدا، وأما الهجن الخاص فنحو المائة هجين، وأما الجمال فشئ كثير لا يحصر، وأما اللبوس والقرقلات والخوذ والسيوف والرماح والزردخاناه فأمر عظيم إلى الغاية والنهاية، حتى إن غالب مماليكه ينعلون الخيول ويدقون الطبلخانة ويزعقون بالنفير السلطانى، وفى نفس الأمر فالخام والبرك والمتاع والمال الذى خرج به هذا الأمير المعظم والكهف المفخم لم يسبقه إليه أحد من الأمراء إلا السلاطين، وهو فى حقيقة الحال نادرة من نوادر الزمان، عامله الله باللطف والإحسان.
وبلغنى أن الخلع التى جهزت صحبته نحو ألف خلعة ما بين سلاريات وكوامل وفوقانيات وغير ذلك، وسافر باشا على العساكر المصرية والشامية، وحاكما فى البلاد جميعها يعزل من يشاء ويولى من يشاء ويفعل أفعال السلطان، فألهمه الله العدل والحق فى أقواله وأفعاله، ونصره على أعدائه وأعداء الإسلام.
стр. 289
آمين، وأصحبه بالسلامة فى السفر والإقامة، إنه على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
وفى حادى عشر شهر تاريخه توجه المقر الشرفى الأنصارى إلى البلاد الشامية ليتقدم الأمير الدوادار حفظه الله ويعرض عليه الرجال والسلاح، وقبض الأموال وصرفها بمشاورته فى ذلك وهو فى غاية الوجل والخوف من حرمة الأمير، فالله يحميه منه ويعطفه عليه وهو أيضا ملحوظ بالصلحاء والفقراء فيؤمنه الله.
وفيه توجه السيد الشريف علاء الدين القصيرى [الكردى] ناظر الأشرف إلى البلاد الشامية والحلبية فى مهمات السلطان نصره الله وأعلى مقامه، وترافق هو والمقر الشرفى الأنصارى فى السفر، وأذن السلطان له فى التكلم على المساجد والجوامع والأوقاف وعزل من أراد، واستمرار من اختار من القضاة وغيرهم مطلقا خلا القضاة الكبار، وهو فى ضخامة ومهابة.
وتقدم قبل هذا بأيام عزل السلطان لنائب قلعة حلب المسمى بيبرس الذى وقع له من نائب حلب ما وقع من ضربه له بطبر وغيره، واستقر عوضه بشخص من أمراء حلب يسمى ابن لبينة واستقر بيبرس المذكور أتابك قلعة طرابلس، وأطلق أحمد (١) بن الزينى عبد الرحمن بن الكويز من ترسيم الدودار الكبير على دين لأبى الخير الفراء قدره ثمانمائة دينار بعد أن كان فى السجن بالقاعة التى يسجنون فيها غرماء الوزير والأستادار، فالحمد لله الذى أنجده ونظر إليه وحنن عليه قلوب عباده.
стр. 290
وفى يوم الأحد تاسعه دار النفطية والزدكاشية الذين بخدمة عظيم الدنيا الدوادار الكبير - يسر الله له كل عسير - بالنفوط التى صنعوها، ودار يشبك من حيدر نائب السلطنة بالنفط الذى صنعه برسم السلطان، وأنعم عليه بمائة دينار فإنهم أطلقوه (١) بحضور السلطان فى الرميلة وهو جالس بالقصر الأعظم والأمراء حاضرون فإنها ليلة موكب، واجتمع لهذا النفط النساء والرجال والشيوخ والصغار وغالب سكان مصر، وانقلبت مصر والقاهرة لأجله وتهتكوا.
وأصبح يوم العاشر من شهر تاريخه فداروا بطلب الأمراء المتوجهين للسفر فى خدمة عظيم الدنيا ومالك حلها وعقدها يشبك من مهدى أمير دوادار الكبير والسلطان نصره الله والأمراء فى خدمته بالقصر ينظرون ذلك، فأول طلب مر عليهم هو طلب الأمير برسباى (٢) المحمدى الظاهرى جقمق المعروف بقرا أحد مقدمى الألوف ولا بأس به، مع أن معه عددا من مماليكه ملبسين وهو متوسط، وخير الأمور الوسط، ثم طلب الأمير خير بك حديد الأشرفى برسباى أحد المقدمين الألوف، وهو بالشرح المذكور، وبعدهما طلب الأمير تمراز الشمسى الأمير قرا أحد المقدمين الألوف واستمر طلبه سائرا لجهة الصحراء إلى الريدانية بغير لبس ولا اهتمام بتنميق ولا بتجميل، وبقية الأمراء شقوا البلد. ثم جاء من بعدهم طلب المقر الأشرف الكريم العالى الزعيمى المسيرى المدبرى عظيم الدنيا على الإطلاق ومالك حلها وعقدها ووزبرها وأستادارها ودوادارها الكبير وما مع ذلك من تولية الذين يدعون بملوك الأمراء من الوجه القبلى والبحرى
стр. 291
دامت سعادته وبلغ مناه وإرادته، وهو فى غاية من الضخامة والعظمة والهجن العديمة النظير فى الحسن والجمال والكسوة العظيمة من الألوان المفضضة والمذهبة والمخمل، وعدتهم نحوا من مائة هجين، ومن الخيول المسومة الكاملة اللبس بالعدة والعدد نحو مائة وأربعين فرسا، فيها (١) ثمانية بسروج ذهب وكنابيش زركش، ومن الأثقال والأحمال مالا يسعنى وصفه، ومن المماليك الملبسين اللبس الكامل هم وخيولهم نحو خمسمائة فارس ومروا بذلك جميعه كما قدمنا ذكره، والسلطان والأمراء والعسكر يشاهدون ذلك، والنفوط تطلق بين يديه، ورؤس النوب والحجاب فى خدمته حتى الأمير تمر حاجب الحجاب الظاهرى جقمق بيده عصى وهو يرتب الأمور. كل ذلك والأمير الدوادار الكبير - مهد الله له البلاد وأطاع له العباد ووفقه لما يرضيه وختم له بخير، وكفاه كل ضرر وضير - والأمراء الألوف المتوجهون إلى السفر راكبون فى خدمته والمباشرون، خلا ناظر الخاص.
ولما انتهى الأمر توجه الأمير المذكور - وقاه الله كل محذور - ومن فى خدمته وصعدوا لخدمة مولانا السلطان المالك الملك الأشرف أبى النصر قايتباى خلد الله ملكه وثبت قواعد دولته ونصره على الأعداء.
واستمر مماليك الأمير الدوادار - الذين ذكرنا عدتهم خمسمائة نفر - ملبسين ينتظرونه تحت القلعة وهم بالعدة والفولاذ والسلاح وآلات الحرب حتى خيولهم، فلما صعدوا قبلوا الأرض بين يديه [،] ودعهم وأكرمهم وخلع عليهم كوامل سمور، وتوجهوا فى خدمة عظيم الدنيا الدوادار الكبيرهم وبقية العسكر، ولم يتأخر عند السلطان إلا نفر يسير من خاصكيته وأعوانه وبعض خدامه من الطواشية؛ وشق الدوادار القاهرة وقد أحدق أهلها وخرجت البنت من خدرها، واجتمع الخلائق لرؤيته، فكان يوما مثل يوم المحمل أو أكثر. وطلع من
стр. 292
باب النصر وهذا تفاؤل له بالنصر والظفر والنجاح وقضاء الأرب، وفى خدمته من ذكر من العساكر والأمراء والمسافرين والمقيمين خلا المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ الظاهرى جقمق أمير كبير - عز نصره - فإنه توجه لمنزله من جهة سوق الباسطية، وكذلك المقر الأشرف الكريم العالى السيفى جانبك الإينالى الشهير بقلقسيز الأشرفى برسباى أمير سلاح، وكان يوما عظيما وموكبا جسيما، هذا مع ما فوض له السلطان نصره الله من التكلم فيما شاء أين شاء حيثما شاء من عزل وولايات وإخراج إقطاعات وإنعام، وكتب له على ورق بياض بعدة مكتبات. وتوجه صحبته كما قدمنا نحو الألف خلعة، ثلثها على ما بلغنى من ديوان الخاص وهو صنع الباقى، وخرج فى رياسة ومهابة وفخامة وتؤدة لم يماثله فيها إلا السلاطين المعظمون، فالله المسئول أن لا يخيب لهم أملا وأن ينصرهم على عدوهم المخذول لتطمئن بذلك قلوب الرعايا ويأمنوا وتعمر القرى وتسكن الفتن ويحصل المقصود ببركة أشرف رسل الله خير خلقه وحبيبه ونبيه. آمين. آمين.
وأصبح يوم الثلاثاء حادى عشره فركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل وتوجه إلى الريدانية إلى عظيم الدنيا وإلى المسافرين، فوقف عند خيمة كل أمير منهم وكلمهم بما يليق بهم، ثم توجه إلى عند الأمير الدوادار الكبير فنزل عنده وتحدث معه طويلا، فأحضر له حلوى وفاكهة فأكل وفرّق وركب وتوجه نحو الخانكاه وصعد القلعة من الجبل، وكان حضوره إلى الأمير الدوادار المذكور فى نفر يسير نحو العشرة أنفس، ثم تلاحق به العسكر.
وصار دوادار الوالى فى هذه الأيام ينادى فى الشوارع والطرقات أن أحدا لا يتأخر عن السفر فى خدمة الأمير الدوادار ولا غيره من الأمراء المسافرين
стр. 293
ومن تأخر وسّط، فاتفق أن السلطان لما توجه إلى الدوادار وجد شخصا من المماليك السلطانية ضعيفا ولم يسأله فى الإقامة فرسم له بالإقامة، ورآى شخصا آخر خيوله ضعاف فرسم له نحيول، فالله ينصره ويبلغه الأمانى ويلهمه الحق. آمين.
يوم الأحد سادس عشره ركب السلطان من قلعة الجبل فى جماعة من أخصائه وأمرائه وتوجه إلى الأمير الدوادار الكبير فوجد الأمراء الذين عينوا معه للسفر رحلوا إلى جهة البلاد الشامية وتأخر هو وقد فك خامه، فنزل عنده وتغذّى معه وتحدثا طويلا فى خلوة زمنا مديدا، وجلس إلى الظهر وعاد إلى القلعة
ورحل الأمير الدوادار فى ليلة الإثنين إلى الخانكاة، وتوجه فى خدمته الجم الغفير ومن جملتهم رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين ورجع فى ليلة الثلاثاء ثامن عشره.
وتقدم فى يوم الخميس ثالث عشره أمران: أحدهما أن شخصا يسمى جكم البواب كان بالقلعة عند السلطان فى خدمة القصر ونزل إلى داره فمات فجأة فى وقته؛ والأمر الآخر أن شخصا يسمى قاسم بن جانبك حاجب الحجاب بدمشق بل واستقر فى نيابة طرابلس أيضا، ومات.
وقاسم المذكور أصله من الأمراء العشرات بدمشق كان تزوج امرأة متمولة كانت زوجا لسودون نائب قلعة الشام ومات عنها، وتزوجها قاسم المذكور واستولدها بنتا فماتت الزوجة ووصت له بأشياء، فأخذ حصته وأخذت البنت حصتها، وحملوا حصة بيت المال له، فلما بلغ السلطان ذلك من الشريف علاء الدين القصيرى الكردى ناظر الأشراف الذى توجه للبلاد الشامية، وظاهر الحال أنه ما عمل مصلحته معه فزاد ونقص وبلغ فيه ما أراد فأنكر
стр. 294
السلطان ذلك ورسم بإحضاره وصحبته التركة بتمامها وكمالها فتباطأ فى الحضور، فأرسل إليه قاصدا يحضر به فى الحديد، فلما تمثلوا به بين يدى السلطان - نصره الله - سأله عن التركة فأجاب جوابا نابيا خشنا، فغضب السلطان وأمر بضربه بالمقارع، فتباطؤوا فى حل أزراره فرسم بشق أثوا به فشقو [ها] وضرب مقارع وعصيّا، وسجن حتى يقوم للذخيرة بما يرضى صاحبها.
وفى هذه الأيام ضرب السلطان مملوكا من مشترواته الذين أعتقهم ونفاه إلى حلب، وسبب ذلك كونه تزوج ونزل من الطبقة وأخذ قماشه وخيوله وصار لا يملك غير ما عليه. وأعجب من هذا أن السلطان غضب أعظم الغضب لكون المملوك صار يأكل الضرب ويقول: «يا ستى نفيسة» فصال السلطان يقول لمقدم طبقته: «هذا ما هو جلب إنما هو زقاقى» يعنى: لأى شئ يضرب ولا يقول «توبة خجم» على عادة الأتراك؟، ثم أمر أن يسلموه لتاجره المقيم بحلب المسمى عبد الكريم فإنه كان قدمه للسلطان.
*** ووصل الخبر من الشام على لسان شخص يسمى «ابن مصطبة» أن الكفيلى نائب الشام أبطل المكوس منها وأن أهل الشام يدعون له دعاء جزيلا. واتفق أن السلطان - نصره الله - رآى شخصا من المماليك السلطانية الخشقدمية كان مسخرته ومسخرة عند هذا السلطان (١) فعينه للسفر صحبة الأمير الدوادار والأمراء والمماليك السلطانية الذين توجهوا لقتال شاه سوار وأخذ النفقة ولم يسافر فغضب عليه ورسم بإحضاره وإخراجه فى وقته، وذكر أنه قبض الكسوة ولم يقبض النفقة فرسم له بها وبفرس وجمل، وسافر فى الحال، وإلى الله المرجع والمآل.
стр. 295
وتوفى الشيخ نور الدين على بن القاضى شمس الدين محمد بن قاضى القضاة ناصر الدين أحمد المعروف والمشهور بابن التنسى (١) المالكى فى ليلة الجمعة المسفرة عن سابع شوال المبارك فجأة وقت الأذان، وصلى عليه بعد العصر من الغد بمصلى باب النصر، وحضر جنازته القضاة الأربعة وغيرهم من المباشرين والفقهاء والطلبة والأعيان خلا المقر الأشرف الكريم العالى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، ودفن بحوش الصوفية سعيد السعداء، ومولده فى سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة ونشأ بها فحفظ القرآن وكتبا، واشتغل على شيوخ عصره فى الفقه كالشيخ [الزين] عبادة والشيخ ظاهر (٢)، وغالب المعقول والمنقول على الشيخ تقى الدين الشمنى (٣)، وأكثر من ملازمة شيخنا الشيخ شهاب الدين أحمد الآمدى (٤) المغربى فى النحو، وأخذ أيضا عن شيخنا شيخ الإسلام الشروانى (٥)، وعن شيخنا شيخ مشايخ الإسلام الكافيجى، ولم يزل يدأب فى التحصيل حتى تقدم ومهر فى النقول والفنون، وأشير إليه بالفضيلة التامة فناب فى القضاء عن الولى السنباطى (٦)، واستقر فى تدريس الجمالية بعد عمه قاضى القضاة بدر الدين ابن الننسى (٧)، واستقر فى تدريس جامع ابن طولون بعد القاضى الشريف حسام الدين بن حريز (٨)، وانتدب بعد السيد حسام الدين للإقراء فأقرأ كتبا
стр. 296
وأفتى قليلا، ولما مات المحب ابن عبد الوارث من مدة سنة وثمانية شهور عينه رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف - عظم الله شأنه - لقضاء المالكية بدمشق فصعد مرارا ليلبس فلم يتهيأ له ذلك لأمور اقتضت ذلك، إلى أن كان يوم الثلاثاء رابع شوال فصعد للسلطان وخلع عليه واستقر فى قضاء القضاة المالكية بدمشق عوضا عن ابن عبد الوارث، وركب معه القضاة والأعيان فلم يلبث أن فجأه الأجل المحتوم الذى لا محيد عنه ولا مفر، وخلّف جارية مشتملة على حمل، ومن العجيب أن أخاه الشهابى أحمد سافر قبل موته بيوم واحد إلى دمياط فطلب بعد هذا لأجل تركته فإنها تشتمل على ما بلغنى نحوا من ألف دينار، وخرّجوا وظائفه لجماعة، فاستقر فى تدريس الجمالية الخطيب الوزيرى المالكى، وفى تدريس جامع ابن طولون قاضى القضاة سراج الدين بن حريز (١) المالكى، وأخذ مرتبه على الجوالى وصرته فى البخارى عمر بن موسى اللقانى (٢)، وقيل ابن اللقانى أخذ الجوالى والشيخ عباس المغربى (٣) المالكى أخذ صرة البخارى، وباسم صاحب الترجمة طلب بالبديرية (٤) التى بباب سر الصالحية (٥) أخذه يحيى السفطى (٦) نقيب المالكية وأشياء أخرى لا يسعنى تفصيلها.
يوم الخميس العشرين من شوال خرج المحمل والقضاة فى خدمته ونوابهم والفقراء من سائر الطوائف، وأمير الحاج يشبك الجمالى المحتسب مملوك الصاحب
стр. 297
جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، وأمير الأول أقبردى الظاهرى ولبسا خلعهما وتأخر طلوعهما فى هذه السنة إلى بركة الجب (١) عن العادة بثلاثة أيام، وسبب ذلك خوفا على الغلمان الذين توجهوا فى خدمة عظيم الدنيا الدوادار الكبير وغيره من الأمراء المجردين لقتال شاه سوار لئلا (٢) يهربوا صحبة الحجاج، وأقام الأول بالبركة إلى يوم الجمعة حادى عشريه بعد الصلاة، فرحل إلى البويب، ورحل بعده المحمل صبيحة يوم السبت ثانى عشريه، وحصل على الحجاج تشويش كبير برحيله، فإن العادة إذا رحل الأول بعد صلاة الجمعة يرحل المحمل غد تاريخه بعد الظهر، فرحل هذا من الصبح الأكبر، فلا قوّة إلا بالله.
وسافر صحبة أمير الحاج زوجته التى كانت زوجة أستاذه وأم ولديه ناظر الجيش وأخيه ناظر الجوالى، وسافر المذكور صحبة والدته؛ وكانت تقدم لها أنها حجّت وحاضت عند الوقوف بعرفة واستمرت محرمة حتى تعود.
وخلع على أمير المماليك المسمى (٣) .... كاملية بسمور وخرج المحمل فى هذه السنة بطلب عظيم وتحشم زائد إلى الغاية.
وعزل السلطان القاضى الشافعى برهان الدين بن ظهيرة (٤) عالم الحجاز، والقاضى المالكى أيضا المسمى محيى الدين عبد القادر شيخ النحاة بمكة، واستقر عوضهما محب (٥) الدين بن أبى السعادات بن ظهيرة فى قضاء الشافعية
стр. 298
ونور الدين على بن أبى اليمن فى قضاء المالكية.
وفى يوم الخميس العشرين من شوال سافر القاضى سرى الدين عبد البر ابن قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة إلى حلب لمصالح والده وصحبته عدة من المماليك والغلمان والخدم على أحسن هيئة ونظام كهيئة سفر قاضى قضاة الشام أو مباشر عظيم بمصر، فإن صحبته طشطخاناه وشراب خاناه وركنخاناه وسواسا وغلمانا وأتباعا ومماليكا، وأرسل والده (١) صحبته أمينا عليه وحافظا له وشاهدا لأفعاله الشيخ عز الدين الفيومى (٢) الشافعى أخا شريف، وتألم والده قاضى القضاة لسفره ألما عظيما، بحيث أنى ما رأيت أحدا فى هذا العصر يحب ولده كحب قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة لولده عبد البر المذكور، وهو معذور فإنه من أذكياء العالم ونادرة فى شبان هذا العصر، لكنه ما سلم من الترفع على الناس والدعوى العريضة وعشرته لمن يأكلون ما يحضره إليهم ويثنون عليه بالسوء، وسترى ما ينتج من سفرته هذه.
وفى هذه الأيام أطلق الزينى عبد الرحمن بن الكويز (٣) من سجنه بالقاعة التى بين السورين بعد إهانة زائدة وذل كبير وبهدلة وحرفشة، ولعله ما بقى يصعد له - بعد هذه المحنة - أمر.
وضرب تقى الدين [أبو بكر بن على] الطيورى الحلبى الملقب «خروف (٤) المضحك» الفاسق ببيت الأمير تمر من محمود شاه حاجب الحجاب علقتين أو أكثر، إحداها على مقاعده والأخرى على رجليه والأخرى على سيقانه،
стр. 299
ولولا [أن] القاضى كريم الدين بن جلود - كاتب المماليك - ركب فى الليل وتوجه إلى بيت الأمير تمر الحاجب المذكور حتى خلصه ما خلص، وكان الكلام فيه كثيرا (١)، وسبب ضربه أنه شكى شخصا من مباشرى الأمير تمر المذكور بسبب وظيفة أخذها من وظائفه لما نكب بعد الدولة الظاهرية خشقدم، واتفق أن المجلس الشهابى أحمد بن العينى طلب لبيت الأمير تمر المذكور بسبب دعوى عليه لشخص من التجار فحضر وصالح غريمه وتوجه لحاله، وخروف هذا طلب فامتنع مرارا، ثم إنه اجتاز بباب الأمير المذكور وهو راكب فى خدمة رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف فتعرض له ابن أزبك رأس نوبة الأمير المذكور فاحتمى بالمقر الأشرف المذكور، فحماه. ثم إن ابن أزبك تسلمه من المقر المذكور وضمنه ودخل به للأمير فهدده ووبخه بأنواع من اللفظ القبيح فإن بينه وبينه خصومة من دولة خشقدم وهو والى القاهرة، فتدخل عليه المجلس الشهابى ابن العينى بسببه فسكت الأمير لأجله، ثم إن ابن العينى لما أراد التوجه لبيته سأل الأمير فى إطلاقه فدخلوا به ليشاوروا عليه، فوقع بينه وبين القاضى نور الدين البلبيسى (٢) منازعة ومشاجرة، فبادر خروف وأساء إليه إساءة مفرطة وجعله جاهلا وأنه لا يعرف شيئا من مذهب الشافعى وصار يسأله عن أشياء وذلك بحضور القاضى نور الدين (٣) الصوفى الحنفى، فثاروا عليه وأغروا الأمير على ضربه، فإنه أخذ مجلس الصوفى الذى يحكم فيه بجامع (٤) الصالح واستقر فيه قاضيا فى ولاية البرهان الديرى (٥)، وآخر الأمر رسم بضربه كما قدمنا.
стр. 300
ووصل الأمير شرف الدين بن غريب من وداع الأمير الدوادار الكبير من قطيا وصحبته جانم الدوادار وتغرى بردى الخازندار وطلعوا للسلطان، وصار ابن غريب الآن متكلما فى الوزارة والأستادارية وإليه المرجع ويسافر للوجه القبلى لقبض الغلال وغير ذلك هو والأمير جانم - دوادار عظيم الدنيا الدوادار الكبير -، وحضر قاسم شغيته الوزير المعزول الذى هرب من بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف صحبة سيدنا الشيخ إبراهيم المتبولى إلى بيته حفظه الله على المسلمين فى ليلة السبت المسفرة عن تاسع عشرى شهر تاريخه وهو لابس جبة على هيئة الفقراء وعلى رأسه مئزر، وسأل المقر الزينى المذكور حفظه الله فى الصبر عليه فإنه وزن عنه مالا للأمير الدوادار الكبير قبل سفره فقبله، وتوجه لبيته بالقرافة ونزل بتربته فأقام بها.
يوم الأحد تاسع عشريه لعب السلطان الكرة هو والأمير جانبك حبيب (١٠٩ م) أمير آخور ثانى، فوقعت عمامة السلطان من رأسه إلى الأرض فاحتد وتسودن.
شهر ذى القعدة الحرام
أهل بيوم الاثنين المبارك ويوافقه من أيام الشهور القبطية خامس عشرى برمودة لأن شوال جاء تماما.
فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكنت فى خدمة قاضى الحنفية ابن الشحنة الحنفى، فوجدنا السلطان يلعب بالكرة بالحوش السلطانى فانتظروه بالجامع الناصرى قلاون بقلعة الجبل إلى أن انتهى اللعب وطلبهم فدخلوا الحوش وجلس معهم تحت الدكة، ما خلا
стр. 301
الحنبلى لضعفه، وكان رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله واقفا فى خدمته هو والدوادار الثانى فوقف للسلطان اثنان فى الحديد ومعهما محضر يدل على أن السلطان جهز قاضيا وشاهدا إلى بلد كذا بسبب من وقف له وأخبره عن هذين الاثنين اللذين حضرا فى الحديد أنهما قتلا شخصا لينظرا فى هذه القضية، فحضروا بهما بعد أن شهدوا على إقرارهما بالقتل وأودعوهما الحديد، فسألهما السلطان فأنكرا الإقرار والقتل فدفعهما للقاضى المالكى.
ثم طلب السلطان ابن الحاجب وجماعته - أعنى مستحقى ريع وقف ابن الحاجب - بسبب ما أنهى عنهم للمواقف الشريفة من شخص متزوج بجارية من العتقاء يسمى «أبو الخير الفيومى» الذى كان زركشيا ثم صار شاهدا يجلس فى حانوت بجوار جامع (١) الحاكم ثم خدم القاضى صلاح الدين المكينى فعمله قاضيا إن وقف ابن الحاجب جميع ما يتحصل منه بتواطؤ الناظر الذى هو من الذرية وزوج بعض المستحقين البلوانى ويأكلونه ولا يعطون المستحقين شيئا بل ولا الشعائر -. وهذا المذكور تزوج بجارية من عتقائهم وفعل بهم الأفاعيل التى ستذكر، وهو من الشريرين المشهورين بالجواب وقلة الأدب والمرافعة - فلما مثل ابن الحاجب بين يديه هو وابن البلوانى والمستحقون سألهم عن الوقف وعن متحصله وعن ما يصرف منه وعن ما يتأخر للمستحقين فما أفصحوا له بالجواب، فرسم لقضاة القضاة أن يعينّ كل واحد من نوابه نائبا ويجلسون بالجامع ليحرروا الوقف وشرطه ومتحصله ومصروفه، ويعلمون السلطان بذلك.
وفيه خلع على الجناب العالى الزينى أبى بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط
стр. 302
ناظر الجوالى وما مع ذلك خلعة السفر بسبب توجهه إلى البلاد الشامية لأشغال السلطان ولتعلقات أوقاف والده، وخرج فى هوتك هائل وغلمان ومماليك وعبيد، والحكم لله يفعل ما يريد.
يوم الثلاثاء ثانيه لعب السلطان الكرة على العادة فتقنطر بالجواد ووقع عن ظهره وسقط شاشه عن رأسه ولم يلتفت لذلك ونهض وركب الجواد وساقه سوقا عظيما، هذا بعد أن انقلب الحوش السلطانى ونزل جميع الأمراء عن خيولهم وبادروا لحمل السلطان ولم يحصل له أدنى شدة ولا تشويش غير أنه احتد وتسودن.
وفيه ولد للمقر الأشرف الكريم العالى السيفى عظيم الدنيا وصاحب حلها وعقدها ووزيرها وأستادراها ودوادارها الكبير وما مع ذلك - شيّد الله به الممالك - ولد، فسرّ به السلطان وخلع على الذى بشره به كاملية سمور بمقلب سمور وقيل متمرا، وأنعم له بعشرين دينار ورسم للمولود بإقطاع وجامكية وغير ذلك وسمى «منصورا»، وعملت له الزلابية من حلوى ثلاثة أيام مع الأسمطة، وقدم له الأكابر من كل صنف، وجهزوا ساعيا بالبشارة لوالده وقاصدا آخر لجده لأمه: الملك المؤيد أحمد بن الملك الأشرفى إينال بالإسكندرية، وهرع الخوندات والستات والرؤساء والمباشرون للسلام (١) عليها والتقدمة لها، وصنعوا لها المدات والأسمطة من فاخر المآكل والمشارب وأمثال ذلك.
يوم الأربعاء ثالثه توجه الشيخ شمس الدين السخاوى (٢) ليدرّس بالكاملية (٣) فى الحديث عوضا عن الشيخ كمال الدين بن إمام الكاملية بحكم وفاته بدرب
стр. 303
الحجاز، وللوظيفة المذكورة أشهر يتنازع فيها الشيخ المذكور مع أولاد المتوفى ويساعد الأولاد المقرّ العلائى ابن خاص بك والأمير يشبك الجمالى المحتسب وعنبر المعينى ووقفوا للسلطان كم مرة، وآخر الأمر أن السلطان رسم له بالوظيفة وكتب له مرسوم شريف بالوظيفة، فعندما وصل إلى باب المدرسة الكاملية ليدرس بها - وقد استأذن جماعة من أعيان الفضلاء لذلك - قبض عليه اثنان من نقباء الأمير تمر الحاجب وقالا له: «كلم الأمير» فلما دخل أراد رأس نوبته ابن أزبك - عليه من الله ما يستحقه - أن يوقفه بين يديه من تحت المقعد فامتنع من ذاك وطلع فجلس بجانبه على الدكة، وذكر له القصة مفصلة، وأن القاضى كاتب السر استأذن له السلطان أن يدرس فى هذا اليوم فقال:
«المرسوم مرسوم السلطان لو أخذ امرأتى أعطاها لمن أراد قلت السمع والطاعة، ولكن حتى أشاور السلطان على ذلك»، فقام الشيخ شمس الدين ليتوجه إلى حال سبيله فعندما وصل إلى الباب عوّقوه وأجلسوه فى المسجد الذى فى زقاق بيت الأمير المذكور مرسما عليه، فاجتمع الناس لحضورهم مجلس التدريس فبلغهم ما اتفق فدخلوا إليه مسلّمين. والله المستعان.
وبلغ ذلك سيدنا العلامة الشيخ شمس الدين الأمشاطى (١) الحنفى فحضر إلى الأمير تمر وأعلمه بأن الشيخ شمس الدين (٢) من أهل العلم وخادم السنة، فعند ذلك اعتذر عما وقع وأنكر أنه أمر بالترسيم عليه وطلبه لحضرته.
وكان ولد سيدى الشيخ كمال الدين حضر وحضر صحبته جماعة من جهة البقاعى يساعدونه، منهم شخص من الذين يقرءون عليه يعرف بالقلقيلى (٣)
стр. 304
- مشهور بما لا ينبغى ذكره - وشخص من طلبة العلم وهو شاهد يعرف «بابن روق» صاحب حدة زائدة وأخلاق شرسة وإذا غضب لا يطاق، فلما حضر الشيخ شمس الدين [السخاوى] ليجلس فوق القلقيلى حمله (١) وأراد رميه مع أن القلقيلى من أهل الفضل والذكاء وعنده أن الشيخ شمس الدين ما يفهم عنه، فما وسع (٢) الحاجب إلا أن أجلسه إلى جانبه الآخر وصاروا فرقتين: فرقة من جانب الشيخ شمس الدين، وفرقة من جانب ابن الشيخ كمال الدين، وكل منهم يتكلم بما يريد، وقاموا على أن الأمير - غد تاريخه - يشاور السلطان ومهما رسم به فعل، فالله يلهم السلطان الحق بينهم، آمين.
يوم الجمعة خامسه الموافق له من أيام الشهور القبطية أول بشنس لبس السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - القماش البياض البعلبكى المعد لبسه للصيف، وكان لبسه فى هذه السنة زائدا أى سابقا على العادة سبعة أيام مخالفا للبسه الصوف فى هذه السنة فإنه أخّره أياما أكثر من تقدم الأبيض.
وفيه توجه الأمير شرف الدين ابن غريب - وهو المتكلم فى الوزر عن المقر الأشرف الدوادار الكبير وكذا فى الأستادارية - وصحبته الأمير جانم دوادار المقر الأشرف المذكور إلى الوجه القبلى لمساحة البلاد وقبضها، فأقاما ببر الجيزية إلى يوم الاثنين ثامنه ليحضروا إليه (٣) المماليك السلطانية، وهما فى ضخامة ومهابة وشهامة وأمثال ذلك، والله الولى والمالك.
стр. 305
يوم الخميس حادى عشره وصلت كتب [الحجاج] العقبة وأخبروا بوصولهم إليها قبل رأس الشهر بليلة، وأن الرخاء معهم وتأخر حضوره عن كل سنة، وأن الفول وصل ثلاث ويبات بدينار، وأن الزبيب والإقامات التى حضروا بها من غزة شئ كثير، حتى أبيع الربع الزبيب بدرهم شامى قيمته ستة دراهم فلوسا، وقيل إن فى الركب الأول رائحة موت فى الجمال.
ووصل ساع من البلاد الشامية، ولم يعرف من خبره سوى أن المقر الشرفى الأنصارى طيب بخير وعافية، وأن عظيم الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى السيفى أمير دوادار كبير خلع عليه، ولله الحمد.
وكذا وصل من عند الأمير شرف الدين بن غريب مقدم الدولة المدعو «نجا» الذى كان ضربه وأهانه وبهدله وكتب عليه مالا وأخذه صحبته إلى البلاد القبلية، فشكت زوجته ذلك لحريم السلطان فإنها من جهتهن (١)، فرسم السلطان للمقر الأشرف العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر أن يكتب له مرسوم شريف بإحضار نجا، فطلب وجهز - كما ذكرنا - للأبواب الشريفة، وأرسل عليه شواهد بما يختاره، وصعد للسلطان وطلع معه من يتكلم عن ابن غريب فى غيبته، وآخر الأمر خلع السلطان على «عبد العال» الذى قرره ابن غريب مقدم الدولة عوضا عن نجا على عادته، وشق المدينة بكاملية سمور والتزم بالسداد عنه فى غيبته.
وفى هذا اليوم الذى هو الثالث عشر منه برز الأمر الشريف بتسمير ستة نفر من المفسدين من أعمال القليوبية المعروفين بفضل وأن يوسطوا بقليوب، فأشهروا على الجمال بين يدى الأمير يشبك من حيدر صاحب الشرطة، وذكر
стр. 306
عنهم أفعالا قبيحة، منها أنهم قتلوا رجلا لأخذ ماله بقليوب وحرقوة بمستوقد الحمام وأمثال ذلك من التهجم والقتل وقطع الطريق، وذاك ذنب عقابه فيه. ووسطوا بقليوب أو قربها وعلّقت جثثهم ليرتدع أمثالهم عن هذه الأفعال المنكرة. رب سلم.
يوم الخامس عشره فرقت الجامكية على المماليك السلطانية بين يدى السلطان بالحوش من قلعة الجبل، وصار من له جامكية ويريد قبضها يعطى له قوس يجذبه فإن جذبه فهو قابض، وإن عجز عنه فهو مقطوع من الشهر الذى بعده ويقبض جامكية هذا الشهر، فإن شفع فيه لشيخوخته أو ضعفه فيكون بحكم النصف، والله أسأل أن ينصر السلطان ويعطفه على الفقهاء والفقراء والأرامل والأيتام، فإن صدقاته جمة ومحاسنه مهمة.
يوم الاثنين ثانى عشريه ركب السلطان من قلعة الجبل وأظهر أنه متوجه إلى جهة الخانكاه، ثم عطف من الجبل وسار إلى أن وصل إلى حلوان وتوجه إلى طرا ووصل إلى مصر القديمة وبولاق واستمر على طوق البحر إلى المنية وشبرا، فصعد من الجبل واستمر إلى أن وصل إلى القلعة، فوقف له جماعة يشكون من الحراقة التى بقليوب أن المتكلمين عليها يقبضون المسافرين من الفقهاء والفقراء ويستعملونهم ويضربونهم، فرسم نصره الله بشنق من يفعل ذلك.
واستمر السلطان - نصره الله - يلعب الكرة مع الأمراء، وتأخر من لعبه بالكرة فى هذه السنة موكب واحد.
ولما مر السلطان من بولاق سأل عن بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين، فلما بلغه (١) ذلك أصبح من الغد فجهز
стр. 307
للسلطان من السكر المكرر عشرة قناطير، ومن الأغنام المعاليف عشرين (١) معلوفا، وما أدرى إن كان ناظر الجيش أرسل أم لا.
وتولى الينبوع سبع (٢) - وهو رجل شيخ طوال رأيته فى بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله - عوضا عن خنافر (٣) بسعى الأمير تمر حاجب الحجاب والأمير أزدمر الظاهرى الطويل أحد المقدمين الألوف له فى ذلك عند السلطان، فأمرهما (٤) أن يسألا كاتب سره المذكور - حفظه الله - فى ذلك، فإن خنافرا المذكور من جهة الشريف محمد (٥) صاحب مكة ومن جماعته، ومحمد أعز أصحاب كاتب السر حفظه الله. وكان هذا المذكور الذى تولى مقيما بالقاهرة بطالا له نحو سنة وشهرين، وركب الأميران المذكوران إلى بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى بأمر السلطان لهما فى ذلك وتعلقا بأذياله، فاستحى منهما ووافقهما على ولايته وخلع عليه. وشرط عليه المقر الزينى المذكور حفظه الله ألا يأخذ على مواهى الحجاج الذى ضمنهم الدبس والزاد والبقسماط شيئا، ورضى بذلك.
وحصل لصاحب مكة محمد بن بركات أمران مشوشان، أحدهما عزل القاضى برهان الدين ابن ظهيرة (٦) فإنه عنده أعز من سمعه وبصره وقلبه على ما أعرفه، ثم عزل صاحب الينبوع الذى هو من جهته وتحت أوامره والأمر إلى الله.
стр. 308
وأخبرنى - من لفظه - المقر الأشرف الزينى ابن مزهر كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين أن السلطان نصره الله أمره أن يكتب للشريف محمد سلطان مكة أن لا يكاتب السلطان «بأقل العبيد»، وكذا إلى المنصور عثمان بن الظاهر جقمق أن لا يكتب له «المملوك»، وكذا للمؤيد أحمد بن الأشرف إينال، فجزاه الله خيرا عن دينه ودنياه وأيّده ونصر جيوشه وبلغه مآربه وألهمه الحق وجنّبه الباطل على، إنه كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
يوم الخميس خامس عشريه ضرب السلطان شخصا من موقعى الأمراء يعرف بابن المصرى بالمقارع بسبب أنه زوّر كتبا على السلطان فرسم بحبسه والذى كتب باسمه ذلك رسم بنفيه، فالله أسأل السلامة.
يوم الأحد ثامن عشريه توجه السلطان إلى كوم اسفير لضيافة القاضى كريم الدين عبد الكريم بن القاضى علم الدين أبى الفضل بن جلود كاتب المماليك، وتوجه فى خدمته المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من طخ الظاهرى وغيره من الأمراء المقدمى الألوف وغالب العسكر وأقام هناك ومدت له المدات الهائلة من المآكل والمشارب والسكر والحلوى والفواكه، وقدم له ما يليق به وعاد إلى القلعة.
يوم الأحد تاسع عشريه حضر عيسى بن بقر فى الحديد وطلع بين يدى السلطان فرسم بضربه فضرب ضربا مبرحا على بدنه، ورسم بسجنه فى المقشرة، ورسم لبقر (١) أن يستقر عوضه وأن يحاسب عيسى على ما فى جهته من مال السلطان ليقوم به وسبب ذلك أنه خرب قطيا وأحرق أشجارها وقتل منها
стр. 309
جمعا وصار ممتنعا من مقابلة عظيم الدنيا الدوادار الكبير، فأرسل السلطان إلى قانصوه الجمالى الكاشف بالقبض عليه فعمل عليه الحيلة حتى قبض عليه، ومع ذلك وقع بينهما قتال، وقتل من كل منهما جماعة. هذا ما بلغنى والله أعلم.
شهر ذى الحجة المبارك
أهلّ بيوم (١) الثلاثاء بالرؤية لأن ذى القعدة جاء ناقصا.
فيه صعد قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر وكان يلعب الكرة فانتظروه حتى فرع منها، وكان هذا ختمها يعنى من اللعب، ودخلوا إليه بالحوش السلطانى وكان قاضى القضاة عز الدين الحنبلى صعد لتهنئته وله مدة متضعف، فجلس فى وسط الحوش على الأرض والسلطان ينظر إليه ثم لما جلسوا قالوا للحنبلى:
«سلامتك، لأى شئ استعجلت؟»، وأمثال ذلك.
وفيه خلع على الأمير بقر عوضا عن عيسى المقدم ذكره، وتسلّم عيسى بعد الضرب الذى تقدم ذكره بين يدى السلطان.
يوم الخميس ثالثه قتل شخص رومى شاب أمرد بلا لحية بالصحراء بجوار سيدى الشيخ المقانعى، وكان له رفيقان من بلاده فوجداه مذبوحا ولا يعلم له قاتل، هذا بعد أن وجدوا فيه عدة ضربات بالسكاكين. والأمر إلى الله تعالى.
يوم الأحد سادسه ضرب شخص - من الذين هم فى سجن المقشرة ويسألون فى الحديد صحبة الجندار - نفسه بسكين، فخرجت (٢) مصارينه فى وسط السوق فمات، وسبب ذلك أن هذا الذى قتل نفسه [كان] عليه مقرّر فى كل يوم
стр. 310
للسجان ثلاثة أنصاف، وللذى معه قدر آخر فإن (١) لم ينهض فيعاقب عقوبة شديدة ويجعلون رجليه فى الخشب، وطال ذلك عليه فقتل نفسه، وحسابه على الله.
وفيه توجه المقر الأشرف العالى السيفى تمر حاجب الحجاب إلى الشرقية لأجل ردع العربان المفسدين الذين ملأ وا البلاد والعباد فسادا من نهب وعرى وقتل، وهم سعد ووائل، وأحرموا الطير يطير. فبلغ خبرهم السلطان فرسم. للأمير المذكور بالتوجه لردعهم وتطمين البلاد وكتب مراسيم شريفة للكشاف بالتوجه فى خدمته وكذلك لمشايخ العربان حتى نائب غزة وعدة من المماليك، وخرج فى هوتك عظيم وموكب جسيم.
وفى هذه الأيام سافر قانصوه الأحمدى المشهور بالخسيف - أحد مقدمى الألوف - إلى بلاده كأنه هرب من تفرقة الأضحية، وفرّق السلطان - نصره الله - الأضحية على المماليك السلطانية وغيرهم فجزاه الله خيرا دنيا وأحرى بمحمد وآله وصحبه.
عيد الأضحى فى عاشر ذى الحجة، خلع فيه على قاضى القضاة ولى الدين أحمد الأسيوطى الشافعى كونه خطب بالسلطان على العادة، وخلع على المقر التاجى ابن المقسى ناظر الخواص كونه سد الأضحية ومن له عادة، وشكر الناس ودعوا للسلطان بسبب تفرقته فى هذه السنة الأضحية على الغنى والفقير.
يوم السبت ثالث عشره ركب السلطان من قلعة الجبل بعد أن ذبح وأكل وسيّر وتوجه لبيت المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ فلم يجده، ومرّ من الوراقين وشقّ البلد وصعد إلى القلعة وهو فى نحو خمسين مملوكا: أمامه عشرة والباقون خلفه.
стр. 311
وفى العشرين منه وصل عدة سعاة من عظيم الدنيا يشبك من مهدى الدوادار الكبير حفظه الله وصحبتهم كتب للسلطان - نصره الله - ولجماعته وبيته، واتضح الخبر على أن الأمير الدوادار - بلّغه الله مأموله - يضحى بمدينة حماة، وغير ذلك أن المبشرين (١) وصلوا فى رابع عشريه وأخبروا أن الوقفة الخميس مخالفة لهذه البلدة فإنها كانت الأربعاء، وأخبروا عن الحاج بالخير والسلامة.
*** واتفق أن القاضى برهان الدين ابن ظهيرة الشافعى قاضى مكة وعالمها لما بلغه العزل على لسان أمير الحاج يشبك الجمالى جمع أهل مكة: تجارها وأوساطها وفضلاءها وعلماءها وقال لهم: «هل أخذت من أحد منكم رشوة؟ قبلت له هدية؟ ظلمته مظلمة؟ فعلت معه شيئا ونسيته؟ ذكرونى به» فأجابوه بالثناء عليه ومدح صفاته وأوصافه وعفته وصيانته وديانته وأمانته سيما فى مال الأيتام، ثم أحضر ما كان تحت يده من أموال الأيتام - وجملة (٢) ذلك عشرون ألف دينار - وقال لأمير الحاج المذكور: «هذا المال لزيد ولعمرو، ولى سنين أتجر فيه مع أقوام حتى سلم للأيتام بحمد الله وأوزن زكاته لمستحقها، وها هو خلص من ذمتى وبقى فى ذمتك». فامتنع أمير الحاج حتى يشاور السلطان؛ وكان حاضرا هذا المجلس القضاة الذين تولوا، فبرز المالكى المتولى وتكلم مع القاضى برهان الدين المفصول كلاما كثيرا. وآخر الأمر انفصلوا ولم يسلّمهم المال.
стр. 312
وأصل هذه الفتنة فى عزل القاضيين الشافعى والمالكى قصة الخواجا ابن (١) الزمن لما أراد أن يبنى بالمسعى حوانيت (٢) فمنعه القاضى برهان الدين من ذلك (٣) وجمع الناس وجدد المسعى فوجد ما يروم بناءه ابن الزمن داخلا فى المسعى فمنعه، فلما ولى القاضى محب الدين بن أبى السعادات عوضا عنه أقام عنده الخواجا ابن الزمن بينة أن هذا البناء وضع بحق وأنه يملكه وأنه تلقاه بالشراء، وهو حوانيت على الهيئة التى يروم فعلها وثبت ذلك عليه وحكم به، وشرع فى بنائه ليلا فما (٤) أصبح النهار إلا وقد بلغ مقصوده.
وغير ذلك أن غرس الدين خليل قاضى القدس الذى وقع بينه وبين المقادسة ما تقدّم ذكره من وثوبهم عليه ونهبهم لداره وقتله، ولولا اللطف لفتكوا به، ثم حضروا إلى القاهرة فانتصف عليهم أولا ثم انتصفوا عليه بعناية الله ومساعدة رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين، فإنهم علماء صلحاء، غير أن القاضى أراد الترفع عليهم وما ساعه (٥) إلا أن اختفى، وذلك مع مساعدة عظيم الدنيا الدوادار الكبير والسلطان وضرب أحد من خاصمه بالمقارع، ومع ذلك فإن أركان الدولة ما هم راضون به، وأيضا فما هو
стр. 313
أهل لمشيخة الصلاحية، وولايته لها تخالف شرط الواقف على ما بلغنى. فالله أعلم.
ورسم السلطان بعمارة الإيوان المجاور للقصر السلطانى بقلعة الجبل الذى هو إنشاء المنصور محمد بن قلاون، ورسم لرئيس الدنيا ابن مزهر - كاتب السر - أن يكون هو القائم على عمارته وقدّر مصروفه مبلغا جملته عشرة آلاف دينار ويحتاج إلى مثلها. ودفع السلطان أول نقدة من ماله خمسة آلاف وخمسمائة دينار.
ووصلت الأخبار عن الحجاج أنهم لما دخلوا مكة - أو قبل دخولها - كانت الشربة الماء وصلت لدينار، والعسل كل خمسة أرطال بدينار، والسيرج كذلك، والسمن واللحم بثلاثين الرطل. والله يلطف بالمسلمين آمين. إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.
وانقضت هذه السنة على خير وسلامة وعلى ما سمعت ورأيت، فلله الحمد والشكر والمنة والفضل، لا إله سواه.
стр. 314
ذكرى من توفى فى هذه السنة المباركة وبلغتنا وفاته من الأعيان
١ - إبراهيم بن عبد الله الحلبى النحوى الفرضى الشافعى صاحب الفتوح الذى حصله فى دولة الملك الظاهر جقمق ﵀
. مات فجأة فى الليلة المصبحة عن الخميس ثالث عشر شهر الله المحرم سنة تاريخه، أى خمس وسبعين وثمانى مائة. وكان فاضلا فى العربية والفرائض، وأما الفقه فكان فيه بالفقيرى، وكان رزق ولدا فلما صار فى سبع سنين من العمر فى بداية دولة الملك الظاهر المذكور هذّبه وأدبه وأقرأه القرآن، وكان شكله لطيفا وذهنه وقادا وحفظه سريعا راسخا، وعلّمه والده - صاحب هذه الترجمة - إعراب آيات من كتاب الله العزيز، وصار يسأل منه عن إعرابها (١) بحضور الظاهر المذكور ومن عداه من أمرائه ومباشريه وأرباب دولته فيجيب بإتقان وتؤدة، ويسرد ذلك كالماء الجارى لما تقرر فى ذهنه وقريحته الوقادة، وصار الأكابر يحسنون إليه ويعجبهم صنيع هذا الولد الصغير، وأدب هذا الوالد الكبير له.
وأما الظاهر المذكور فصار ينعم عليه بالذهب والكتب حتى إنه اشترى له ملكا بنحو خمسمائة دينار، وصار يتردد للأكابر والأعيان فيعلم أولادهم الكتابة والقراءة والفرائض والعربية وإعراب الأبيات والأحاديث، ومن جملة من قرأ عليه وعلمه الشيخ سرى الدين عبد البر ابن قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة وولدا (٢) أخيه اللذان هما قاضيان فى مدينة حلب أحدهما شافعى
стр. 315
والآخر حنفى، وصار له بين الناس ذكر فقصد لتأديب أولادهم، ومن جملة من طلبه لذلك المقر المحيى ابن الأشقر، والمقر الأشرف الزينى ابن مزهر حفظه الله، والمقر الكمالى ناظر الجيش، وصار يسعى فى تحصيل ما يسأل فيه من الأكابر، فقرر له على الجوالى ورتب له على الأوقاف التى تحت نظر حاكم المسلمين الشافعى وحاكم المسلمين الحنفى، و [قرر له] حضور بمدرسة جمال الدين، وحضور بمدرسة بيبرس، وأخذ أيضا التكلم على زاوية الشيخ نصر الله بخان الخليلى وغير ذلك، لكنه كان يرمى بأنه شيعى وأنه - والعياذ بالله تعالى - ما يحب السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، وأنه يوم العشر (١) يأخذ معزاة وينتف شعرها بيديه، ولكنا ما ظهرنا على ذلك منه.
ومات ولده المذكور فأسف عليه أسفا عظيما بل [أسف عليه] كل من رآه من الناس، واشترى له عبدا صغيرا ابن سبع سنين وأقرأه وجدّ فيه واجتهد فحفّظه القرآن العظيم، وعلمه إعراب آيات وصار لا يفتر عن تعليمه حتى مهر وبهر واشتهر، وكان صاحب الترجمة يحضر دروس العلماء خصوصا الشيخ تقى الدين الشمنى (٢) الحنفى، ويعرف صناعة النجارة، ويعمل الأشياء النفيسة فيتغالى (٣) الرؤساء فى شرائها بأغلى الأثمان، ويعرف صناعة الحدادة ويتقنها إتقانا حسنا، ويصنع الإسفيداج (٤) وغير ذلك من الطرائف، ورتب له فى البخارى الذى يقرأ بقلعة الجبل - بحضور السلطان يكون ختمه - صرة
стр. 316
ألفى درهم كل سنة. وكان كثير التردد لبيوت الأكابر فيعظمونه (١) ويكرمونه ويقضون حوائجه ويتفقدونه، كل ذلك وهو راكب حمارا قصيرا جدا يشبه حمار القراد و [معه] عبد كثير؟؟؟ جدا، وعيشته زرية إلى الغاية وملبسه أيضا كذلك، ولم يخلف وارثا، غير أنهم ذكروا أن له أولاد أخ بحلب وزوجته هنا. ووجد له من المال تسعمائة دينار فضة وذهبا، وقيل سبعمائة خالصة للوزير غير ما وصل لمباشريه وأرباب المواريث الحشرية، وخرجت وظائفه لعدة من الطلبة المجتهدين فى السعى، المباشرين حضور بيوت الأكابر مثل المقر الأشرف الكريم الزينى ابن مزهر والأمير الدوادار الكبير، ودفن بتربة الصوفية.
والله تعالى يعفو عنا وعنه بمنه وكرمه.
٢ - إبراهيم بن فخر الدين عثمان المشهور بالرقى، عين أعيان موقعى (٢) الدست بديوان الإنشاء الشريف
، وكان فاضلا فى صناعته وزهرا فى ملبسه ومركبه وداره ومأكله ومشربه، بشوشا متواضعا، و [كان] والده رئيسا حشما زهرا نورا تاجرا بسوق (٣) الوارقين يبيع المسك والطيب والماورد والصينى (٤) وأمثال ذلك، وصار له بولده سمعة وحرمة، وكان ولده قد ضخم وصار له المرتبات والجوامك والعليق واللحم والكسوة، ورشح لنيابة كتابة السر، لكن منعه من ذلك صمم اعتراه، إلا أنه صاحب قلم ولسان، وكان الصمم المذكور سببا فى تأخره، ومات بطريق الحجاز فى هذه السنة، وأسف
стр. 317
الناس عليه فإنه كان دينا خيرا ساكنا متواضعا كثير الحياء والأدب، يعرف منازل الناس ومراتبهم، وسعى فى وظيفته الجم الغفير عند السلطان وحواشيه فما قبل السلطان منهم أحدا (١)، وخرّج الوظيفة وما باسمها من المرتبات والجوامك واللحم والعليق والكسوة والأضحية والجراية باسم الوزير المعزول المسمى يحيى (٢) بن صنيعة، وحصل له المعلوم فى كل شهر ستة آلاف درهم، بعد أن كان القاضى شهاب الدين ابن التاج - عين موقعى ديوان الإنشاء الشريف - سعى فى أن يكون ما باسم المتوفى مضافا له فما وافق السلطان على ذلك، فساعده رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله، فرسم له بألف درهم من معاليمه فى كل شهر خارجا عن الستة آلاف التى خرجت باسم ابن صنيعة وأثنى (٣) الناس على صاحب الترجمة خيرا كثيرا وفضلا جزيلا وعقلا وافرا ونبلا باهرا، وعمره - تخمينا - أكثر من ستين سنة، عفا الله عنه.
٣ - أحمد بن محمد بن على الشيخ شهاب الدين، شاعر الوقت، أبو الطيب الأنصارى الشافعى المقرئ المشهور والمعروف بالحجازى
، كان فصيحا فى القراءة دقيق الشعر، آية من آيات الله فى الأدب. مولده فى شعبان سنة تسعين بالقاهرة - كما أخبرنا بذلك من لفظه - ونشأبها فحفظ كتاب الله العزيز وعدة كتب فى الفقه والحديث والأصول والنحو، وعرض ذلك على علماء عصره ومشايخه، ثم اشتغل بفن الحديث الشريف، فسمع على شيخ
стр. 318
مشايخ الإسلام زين الدين عبد الرحيم العراقى والهيثمى وابن أبى المجد والتنوخى والنجا إسماعيل الحنفى وآخرين ومهر فى الفقه وأصوله والعربية وغيرها، وأخذ الفقه عن الولى العراقى والشمس البرماوى وجماعة ممن بعدهما وقبلهما، وجوّد فى القراءات حتى صار أحد أعيان قراء الجوق، وكتب الخط المنسوب، وكتب به الكتب الكثيرة من كل فن، وتعانى الأدب حتى صار له سجية وعرف به، وطار صيته فى الأقطار والأمصار، وكان مقربا عند شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر، خادم السنة والأثر، ﵀، ووصفه (١) «بالعلامة فخر المدرسين عمدة البلغاء» وناهيك بهذا الوصف من هذا العالم العظيم. وقرأ صاحب الترجمة عليه (٢) فى الحديث، وقرأ عليه مقامات الحريرى وأقرأها وعلق عليها شرحا لطيفا بليغا، وطارح أدباء العصر وطارحوه، ومدح الأكابر وجمع المجاميع الحسان، وألف تذكره فائقة زادت على خمسين مجلدة احتوت على فوائد وفرائد ونوادر وحكم وأشعار وتواريخ ومقاطيع وغير ذلك ظهر بها قوة صنيعه وملكته فى هذا الشأن، وسار ذكرها واشتهر، وكذا نظمه ونثره وليس العيان كالخبر.
وحج إلى بيت الله الحرام وزار قبر نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، ومدحه بقصائد مطولات فى غاية الانسجام، وسافر إلى دمياط والاسكندرية وغيرهما للنزهة، وحدّث فسمع منه الفضلاء، وأقبل بآخره على كتابة الحديث الشريف والنظر فى الأسانيد والسماع ممن يعتقد بقدمه فى ذلك مما يحتاج إليه،
стр. 319
ونعم الرجل تواضعا وتوددا لأصحابه وتفقدا لهم، مع حرصه على زيارتهم فى الأفراح والأنراح واستجلاب مودتهم، ويقبل الشئ اليسير من الفائدة ولو كانت ممن يكون، كل ذلك مع خفة الروح وحسن المداعبة وحلاوة المذاكرة والمحاسن الجمة. تعلل مدة ومات ﵀ مطعونا شهيدا فى يوم يوم الاربعاء سابع شهر رمضان سنة تاريخه الذى هو عام خمس وسبعين وثمانى مائة بعد أن رثى نفسه بقصيدة من نظمه أنشدها من لفظه لبعض أصحابه وأحبائه عفا الله عنه - ومن نظمه عفا الله عنه:
يا من غدا من الذّنوب فى خجل … وخائفا من الخطايا والزّلل
ارحم (١) جميع الخلق وارج رحمة … فإنما الجزاء من جنس العمل
انتهت ترجمته ملخصة، ﵀ ووالدينا ومشايخنا والمسلمين.
٤ - بردبك (١) بن عبد الله الأمير سيف الدين الفارسى الظاهرى جقمق، كافل المملكة الحلبية والشامية والمعروف والمشهور بالبجمقدار
. كان من قدماء مماليك الظاهر المذكور وأخذ الإمرة قبل الظاهرية الموجودين، وكان شكلا حسنا طوالا له عصبة وإقدام فى الأمور وفعل فى دولة أستاذه عادة من تقدمه من المماليك السلطانية، وكان يتسلط على الوزير والأستادار والمباشرين بالضرب والسب فيكتبوا له ولمن فى خدمته الجوامك واللحم [الجيد] الصنف والمثمن، وصار (١١٦ م) أستاذه الظاهر يغضب منه كل قليل بواسطة ذلك ويوصيه بهم. وهو من الفرسان الشجعان الأبطال، غير أنه كان مسرفا على نفسه والله يغفر لنا وله.
стр. 320
وترقى فى الوظائف السنية إلى أن وصل إلى حجوبية (١) الحجاب بالديار المصرية فى الدولة الظاهرية خشقدم، وصار له فى البلد حرمة وسمعة، ثم نقل منها إلى نيابة حلب فأقام بها، ثم ولى نيابة الشام فاستمر بها إلى أن قبض عليه فى دولة الظاهر يلباى بواسطة خيربك (٢) الدوادار الظاهرى خشقدم الذى صاهر بيت (٣) الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم فإنه كان صاحب الحل والعقد فى دولته، وتوجهوا به إلى القدس الشريف منفيا، ثم أعيد فى دولة الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - عز نصره - إلى كفالة الشام ثانيا عوضا عن المقر الأشرف العالى السيفى أزبك من ططخ بحكم استقرار الأمير المذكور فى الإمرة الكبرى عوضا عن جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز الأشرفى برسباى بحكم القبض عليه من شاه سوار المخذول.
ومات قبله بأيام يسيرة داوداره أبو بكر، واشتملت تركة صاحب الترجمة وتركة أبى بكر الدوادار المذكور على مال قيل إنه يزيد على مائتى ألف دينار وتوجه لضبط تركتهما الأمير الأجل قجماس الظاهرى جقمق وأحضر صحبته نحوا من أربعين ألف دينار نقدا خارجا عن القماش والصوف والسمور والسنجاب والبعلبكى والسلاح والخيول والجمال والمماليك والعبيد والإماء والأملاك والرزق والإقطاعات والبغال والأمتعة وغير ذلك.
وكان دواداره أبو بكر المذكور أصله فلاحا فخدم بجمقدارا عند صاحب الترجمة مدة فقرّبه وصار يرسله إلى المباشرين والأمراء فحصلت حاله ونمى ماله وكان كثير القلاقل، فبلغه عنه كلام فغضب عليه وضربه وطرده وأخذ ماله