يوم الخميس خامس عشره حضر السلطان من الرماية بعدما اصطاد عدة من الكراكى والبلشون وصعد إلى القلعة من ناحية الصليبة، ولم يصح شئ مما قالوه (١) العوام من القبض على شاه سوار لكنه تفاءل ويكون ذلك قريبا ببركة نبينا ﷺ وشرف وكرم.
يوم السبت سابع عشر موصل قاصد من الأمير تمراز الشمسى وعليه مطالعته ومطالعة غيره من الأمراء المجردين للبلاد الشمالية ومتحصل ما فى مطالعتهم بالمعنى «أن عظيم الدولة باش العسكر المقر الأشرف العالى السيفى أمير دوادار كبير وما مع ذلك سهل الله له كل عسير انتصر على شاه سوار وضرب رقاب نحو خمسمائة نفر وأسر ثلاثمائة نفس، وجهز قبل ذلك الأمير إينال الأشقر رأس نوبة النوب والأمير دولات باى سلاق والأمير جانم الزردكاش ومن معهم إلى حصار أدنة، واستمر الأمير يشبك المذكور على الخيول وأخذ معه عليق ثلاثة أيام وتبع شاه سوار، وأن أدنة أخذت ووجد فيها من المعاملة مائة وخمسون مثقالا، ومن إخوة سوار ثلاثة أنفار»، وحصل بذلك السرور والابتهاج.
وفيه وقف [١٤٤ ا] جماعة من عوام المحلة للسلطان وشكوا له من ظلم ابن زوين الكاشف بها وتكلموا مالا يليق وطلب منهم بينة فأجابوا إن ما لهم بينة، فضربوا على أكتافهم وانصرفوا.
ليلة الثلاثاء العشرين منه ركب السلطان نصره الله من قلعة الجبل والباقى للأذان ستون درجة وتوجه لرماية بركة الجب والمعروفة أيضا ببركة الحج على العادة، وفى خدمته الأمراء الأكابر والأصاغر فاصطاد خمس كراكى وأنواعا من الطيور ودخل من باب النصر فى أبهة زائدة، والطبردارية حوله والبزادرة بين يديه والجاويشية أمامه والجنائب السلطانية والشبابة والأوزان، ومشى الأمراء
стр. 387
الذين لهم عادة - كالوالى ونقيب الجيش والمحتسب والعشرات وبعض طبلخانات والأمراء روءس النوب والحجاب - أمامه والمباشرون على عادتهم، ودعى له الناس دعاء عظيما وابتهجوا به وقدّموا له القصص فمنها قصة تتعلق بالأطرون، وقصة فى القاضى المقسمى ادعى عليه شخص يسمى تقى الدين الطيورى الحلبى المشهور بخروف بمائة دينار عند قاضى الحنفية ابن الشحنة فاعتقله عليها وغير ذلك، فأما الأطرون فله مدة ومحتال به السقايين بالقلعة الشريفة فى جوامكهم ويتعذر إزالته، ووقفوا له قبل ذلك فأمر بضربهم وإخراجهم، وأما المقسمى فقال:
«الشرع يعمل معه» وشاع وذاع وملأ الأسماع أن بطاقة قاصد القاضى ابن مفلح الذى طلب من دمشق وهو قاضى قضاتها ليستقر فى قضاء الديار المصرية أخبر عنه أنه ضعيف وعاجز عن الحركة والهرم وأنه لا طاقة له بذلك، وأشيع حضور تاج الدين ابن شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة سعد الدين سعد بن الدميرى الحنفى من القدس ليستقر فى وظيفة قضاء الحنفية بمال تقدم ذكره، وبعيد أن وصل إلى منى وسوّأ علىّ رحلتى ومقامى.
يوم الخميس ثانى عشريه دار المدراء يخبرون بوفاة ولد المقر الأشرف الكريم العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى أمير كبير وعمره سنتان أو دونهما، وصلى السلطان عليه والأمراء وقضاة القضاة وكانت له جنازة حافلة وكيف لا وأبوه الأتابك، وجده لأمه الظاهر جقمق، ودفن بتربة جده المذكور، وإلى الله ترجع الأمور.
[١٤٤ ب] يوم الخميس بل الأحد خامس عشريه وصل بطاقة الأمير قنباى صلاق من البلاد الشامية من قطيا قاصدا من عظيم الدنيا الدوادار الكبير عز نصره فاهتموا به وبملاقاته، ووصل، القاهرة فى يوم الاثنين سادس عشره وصعد القلعة وتمثل بين يدى السلطان فخلع عليه بعد أن قبل الأرض ويد السلطان وقرئت مطالعته ومضمونها بالمعنى أن بعض العسكر استمر فى طلب
стр. 388
شاه سوار المخذول إلى أن ظفروا بما يتعلق به من قماش وبرك وخيوله وأعوانه، وصاروا فى قبضته. هذا بعد أن استكملنا أخذ القلاع التى كانت معه بأجمعها، وقلعة سيس سلمت بالأمان، وأما العساكر المصرية فالنادر منهم يقيم بحلب والباقون يريدون التوجه للديار المصرية» فما أعجب السلطان ذلك وكظمها وخلع عليه بقية الأمراء الأكابر والأماثل والمباشرون الخلع السنية بالطرز الزركش والسمور والمخمل وغير ذلك، وبالغوا فى إكرامه لأنه من جهة السلطان وزوج قرابته.
واتفق أن المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر كاتب السر ورئيس الدنيا بل ذى الرئاستين لما حضر إليه قانباى المذكور أحضر له مأكولا ومشروبا، وخلع عليه طرازا زنته مائة مثقال وعشرون مثقالا، ودفع له صرة فيها مائة دينار، فأعجب السلطان ذلك وبالغ فى مدحه المقر الأشرف المذكور حتى قال له لما رآه: «بيّض الله وجهك»؛ وفى الواقع فهو عمدة هذا الوجود بلغه الله السؤل والمقصود، فإنه محط رجال الملهوفين والقائم بحقوق المسلمين، ومجمع العلماء والأدباء والمحققين وروح المسلمين وما بالك بالجسد إذا كان بلا روح؟ فجزاه الله عن المسلمين خيرا. آمين.
يوم الثلاثاء سابع عشريه وقعت حادثة غريبة بحارة بهاء الدين قراقوش وهو أن بالقرب من دار شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر قاعة مظلمة طويلة ساكن فيها شخص حلبى أعزب غريب، والقاعة ملك لشخص من أولاد عرب القديم، فاستمال الحلبى امرأة من بنات الخطا وأمها، ودفع لهما شقة حرير وذهب حضر بها إليه عجوز قوادة، وعليهما أقمشة مزر كشة وحرير وأساور ذهب وحلق ببلخش وفيروز ومرسلة ذهب بمسك وأمثال [ذلك] فأوسعهم شرابا من الخمر وصنع فيهم مالا يحل وخنقهم وأخذ ما عليهم وهرب وتركهم
стр. 389
فى القاعة المذكورة قتلى، فاستمروا نحو ثمانية أيام فشاع وذاع نتنهم، فهرع الناس إليهم فوجدوهم مخنوقين وآلات الخمر وبعضه باق والنسوة عرايا، فركب الوالى ونائبه فدفنوهم ورسموا على من عرفوا قتلاهم، وكذا قبضوا على صاحب الملك فأخذوا منه شيئا من الحطام، ثم أشيع بعد أيام من العوام أنهم قبضوا على جماعة يبيعون فى أعيان القتلى وما صح ذلك، والله الولى والمالك.
يوم الاربعاء ثامن عشريه حضر ولد الناصرى نقيب الجيوش المنصورة اين أبى الفرج إلى قضاة القضاة الشافعى والحنفى والمالكى خاصة فإن الحنبلى من حين توفى من حادى عشر جمادى الأولى إلى تاريخه و [لمنصب] شاغر، وأخبرهم أن السلطان رسم للقضاة أن يحضروا بنوابهم بين يديه ليعرضهم.
وسبب ذلك أن السلطان لما عزل الشريف كمال الدين عند حضور مخدومه القاضى عبد البر من البلاد الحلبية، وكان الشريف لاقاه من قطيا وتكلموا فيهما عند السلطان، ووجدوا للقول مساغا فصالوا وطالوا، فما هان عزل الشريف على بيت الشحنة، فسعوا بكل طريق من الأمير تمر الحاجب ومن الأمير تنبك الدوادار الثانى ومن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى فتكلموا مع السلطان مرتين أو ثلاثا فما وافق على ذلك، فألحوا عليه حتى أن الأمير تمر المذكور قبّل رجل السلطان فرسم بعوده فأرسل رأس نوبته لبيت القاضى الحنفى وكذا الأمير الدوادار الثانى، فتوجه القاضى عبد البر بن الشحنة إلى بيت رئيس الدنيا ابن مزهر كاتب السر حفظه الله على المسلمين، وأخبره بما أرسل به الأميران إلى والده من رضى السلطان على الشريف وعوده إلى الحكم والاستبدالات، وسأله أن يسأل السلطان عن ذلك، فطلع فى يوم الاربعاء ثامن عشريه فوجد السلطان منشرحا فتكلم معه فى ذلك فاحتد وتغير وقام وقعد وغضب، وطلب والى الشرطة وأمره أن ينادى فى البلد حسب المرسوم
стр. 390
الشريف: أن أحدا من القضاة لا يحكم حتى يصعد [١٤٥ ب] إلى السلطان، فلا زال به المقر الأشرف المذكور حفظه الله على المسلمين إلى أن رسم لنقيب الجيش بما تقدم ذكره، وبات قضاة القضاة ونوابهم من كل مذهب بكل شر وسوء، فإن هذا عار عظيم وبهدلة زائدة وكسر قلوب لعباد الله المؤمنين، ومعلوم ما يترتب عليه من قوله ﷺ : «هدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من كسر قلب مؤمن» وما حصل للناس بواسطة عبد البر وصاحبه خير والله المستعان. وكانوا سببا فى قطع أرزاق المسلمين الذين لا يقدرون على إظهار السؤال المستحق غالبهم لتعاطى البر والصلات، والمسئول من وابل فيض دنيا الكريم الخلاق أن يحل هذه العقدة بالإطلاق وأن يستمروا على حالهم ببركة المصطفى المنزل عليه «ق» ﷺ وشرف وكرم، وكم وقع مثل هذا فى القديم حتى أن بعض السلاطين - وأظنه الظاهر برقوق - رسم بعرض الشهود فضلا عن القضاة وماتم ذلك، وكان فى دولة المؤيد شيخ والأشرف برسباى رسم السلطان لفضلة القضاة بتخفيف نوابهم ثم يتراجع الحال على ما كانوا عليه، واتفق مرة فى دولة الأشرف برسباى - وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ إذ ذاك قاضى القضاة - أنه رسم له بعدد مخصوص فصار يجعل لكل جماعة منهم أياما معلومة ليتساووا فى الأحكام، وهذا من غاية الأحكام، فرحمه الله تعالى على عدد الشهور والأيام والأعوام، ونفعنا ببركته وأزال همنا وغمنا، آمين آمين.
شهر رجب المفرد الأصم
أهلّ بيوم السبت الموافق له من أيام الشهور القبطية سادس عشر كيهك لأن جمادى الآخر جاء تماما، وحصل فى أمسه مطر عظيم وغيم مطبق.
فيه صعد قضاة القضاة الثلاثة - وهم القاضى ولى الدين الأسيوطى الشافعى
стр. 391
والقاضى محب الدين ابن الشحنة الحنفى والقاضى سراج الدين عمر بن حريز المالكى ونوابهم - وكنت فيهم - فإن القاضى عز الدين أحمد العسقلانى من حين وفاته من حادى عشر جمادى الأول سنة تاريخه والمنصب شاغر - إلى القلعة ليهنوا [١٤٦ ا] السلطان بالشهر على العادة، وجلسوا ينتظرون السلطان بالجامع هم ونوابهم ليعرضوهم عليه حسبما برز المرسوم الشريف وكان السلطان فى الحكم بالاصطبل وهو مبدء حكمه به، واتفق أن القاضى فتح الدين السوهاجى رتب امرأة كانت عنده فى مخاصمة أن تقف للسلطان وتسأله أن تكون دعواها عنده، فلما ذكرت ذلك له لم يتمالك نفسه من الغضب على المذكور وصار يعدد له مساوئ، وطلبه فأخبر أنه هو وقضاة القضاة ونوابهم بالقلعة يحضرون بين يدى السلطان، فلما فرع من الحكومات وصعد إلى الحوش طلب قضاة القضاة ونوابهم فدخلوا وكاتبه معهم، فأول ما عرض نواب، الشافعية وهو جالس على الدكة بل المسطبة التى استجدها آخر الحوش، ووقف بين يديه المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين، والمقر الأشرف الكريم العالى السيفى تنبك قرا الإينالى الدوادار الثانى عظم الله شأنه، وكان الشيخ أمين الدين الأقصرائى الحنفى وجماعته سبقوا القضاة فهنوا وانصرفوا، ثم تبعهم الشيخ سراج الدين العبادى الشافعى، وكان المذكور لما جلس مع قضاة القضاة فى الجامع بالقلعة ونوابهم ورآى ماهم فيه من الاضطراب والوجل بسبب عرض نوابهم قال لهم: «ليش ترضوا لأنفسكم؟» أو ما معناه فقال له القاضى الحنفى: «نحن الآن إذا تكلمنا بسببهم ننسب إلى مساعدتهم، لكن أنت لست بصاحب وظيفة، وأنت شيخ الشافعية وإذا تكلمت ما تنسب لشئ» فلما سبقهم وسلم على السلطان قال له: «أريد أن أتكلم بكلام على نوع الفضول، إن رسم السلطان
стр. 392
تكلمت به وهو نصح» فقال له: «تكلم» فقال: «هذه الخرقة أعنى خرقة الفقهاء رفيعة» أو ما معناه. وحكى له أن ابن تقى الكبير المالكى نائب قاضى القضاة الأنفاصى كان له مجلس بالقرب من المشهد النفيسى [١٤٦ ب] فاتفق أن شيخنا مسك به فحماه وادعى عليه عنده بدعوى، فأرسل جقمق الدوادار الكبير يطلبه منه فامتنع من إرساله وقال للذين حضروا يطلبوه: «ما العادة إلا أن القضاة يأخذون من أبواب السياسة، انعكس الموضوع» فوقفوا قليلا ثم شاوروه على أخذ الغريم ثانيا فالتفت إليهم وسبهم ففروا من بين يديه إلى الأمير وأخبروه بصورة الحال، فأرسل إلى القاضى عشر نقباء ليأخذوا الغريم منه، فلما وصلوا إليه وعرف القاضى ما جاءوا فيه قل لهم: «من أراد أن تضرب عنقه بخيمة الغلمان فليبادر إليه أو يمسه بيده» فرجعوا القهقرى، وبلغ ما قاله للأمير فأرسل عشرة مماليك صحبة العشر النقباء، ووافق أن القاضى دخل بيته ليقضى ضرورة فأخذوا الخصم، فلما بلغه ركب وتوجه لمستنيبه فعزل نفسه، فسئل عن ذلك فأجاب بعد ألف جهد وحكى ما اتفق له، فركب مستنيبه وتوجه صحبته إلى قاضى القضاة علاء الدين بن مغلى فحكوا له ما اتفق وقال له: «أنت صاحب السلطان وأنا ما بقيت أعمل قاضيا» فطيّب خاطره وركب معه وتوجهوا إلى قاضى القضاة صدر الدين الأدمى الحنفى وحكوا له القصة فشق عليه إلى الغاية، وركبوا وتوجهوا إلى القلعة فجلسوا على باب الستارة وأرسلوا أعلموا السلطان بحضورهم (وكان المؤيد شيخ ﵀ فبادر السلطان إليهم وسألهم عن حضورهم فى غير عادتهم وما حاجتهم فذكروا له القصة مفصلة، فأرسل فى الحال قاصدا من غلمانه يسمى حقمق وكان غلاما لجقمق الدويدار المذكور وهو يبغضهم، فأمره بإحضاره فى أسرع وقت على الهيئة التى يكون فيها من غير أن يمكنه بتغيير شئ من ملبوسه، فلما رآه جقمق الدوادار فهم منه الشر وقال: «ما الخبر؟» فأعلمه «أن قضاة القضاة
стр. 393
صعدوا للسلطان وتكلموا عنك بكذا وكذا فأمر بطلبك» فعند ذلك طلب قماشه ليلبسه فقال له: «ما معى دستور أنك تلبس غير [١٤٧ ا] الذى عليك» فامتثل وركب خلف إنسان على بغلة وصعد إلى أن صار بين يدى السلطان فأراد تقبيل يده فأعرض عنه، ثم التفت إليه وقال له: «أنت فعلت كذا وكذا» فأجاب بنعم، فأمر أن يعمل معه الشرع، فادعى عليه ابن تقى بما وقع عند الشافعى أو الحنفى، فأجاب فحكم بتعزيره ونفذ الباقون فقال ابن تقى: «لا أعزره إلا فى مجلس» فقال: «افعلوا» ونزلوا به وعزروه وأودعوه مكانا لا يذكر. هذا خطاب الشيخ سراج الدين العبادى للسلطان أو ما معناه، فإنه أخبرنى بذلك من لفظه فقال له السلطان: «يا شيخ سراج الدين أنا [ما] بهدلت الشرع والقضاة، وإنما أريد أن يكونوا على الأوضاع» وحنق السلطان من هذه الكلمات فصار المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله وأطال بقاءه، يخفض على السلطان ويرضيه ويريضه ويبسط له العذر ويصوب أقواله وأفعاله.
ثم إن الشيخ سراج الدين ختم مجلسه مع السلطان بأن قال: «يا مولانا السلطان: إن الناس من باب المدرج إلى آخر باب النصر اجتمعوا لينظروا ما يفعل بالقضاة ومن ينزل منهم مجبور ومن ينزل منهم مكسور»، ودعى له وانصرف، فجازاه الله خيرا عن المسلمين. آمين.
ثم إن رئيس الزمان وعين الأعيان ذا الرياستين الذى اشتهر بالخير فى أفعاله وأقواله المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف ستره الله فى الدنيا والآخره صار يطلب الناس واحدا بعد واحد إلى أن وصل إلى القاضى فتح الدين السوهاحى، فبمجرد سماع السلطان نصره الله اسمه شاط وعاط وقال له:
«أنت تعمل الحر عبدا والمسلم كافرا والحق باطلا!!» ولم يزل المقر الزينى يتلطف
стр. 394
به حتى قرره على عادته، وكذا لما دعى أبو بكر الأبشيهى الشافعى الحاكم عند مدرسة جانبك الدوادار الأشرفى برسباى حنق عليه وغضب منه وصار يذكر عنه أمورا، كل ذلك وهو [١٤٧ ب] ينشد فى بيتين أولهما:
لا تكسرن قلوبا قد أتيت بها … وقابلنها بحسن العفو والرحب
وعمّ بالخير من قد جاء منكسرا … وبالخصوص إذا ما كنت فى رجب
ثم وصلوا إلى استدعاء ابن الشيخ محيى الدين الطوخى فقال السلطان:
«إبش (١) معنى القضاة الكبار مثل الطوخى وأمثاله، ما تولّوهم؟» وانتهى أمر الشافعية بمساعدة المقر الزينى ابن مزهر إلى هذا.
ثم استدعى المقر الزينى المذكور - زينه الله بالوقار والبهاء والفخار - نواب الحنفية إلى أن وصلوا إلى ابن إمام الشيخونية أمام الأمير آخور الكبير فلما رآه السلطان ابتدره وقال له: «أنت تعرف الحكم الذى حكمت فيه؟» وصار يهدده ويوبخه ويقول له: «ابنك قاضى» فما ساعه إلا الإنكار بأنه ليس بقاض حتى سكت، ثم استدعى بكمال الدين بن الطرابلسى فبمجرد ما وقع بصره عليه سبه وذكر أبوه، وذكر زين الدين الأستادار ومنصور، وقال للقاضى الحنفى: «من عمل هذا قاضى؟» فأجاب بأنه قاضى من أيام ابن الديرى. هذا مع أن كل من يقدم للسلطان من نواب الحنفية ويدعى باسمه يسبق قاضى القضاة الحنفى ويقول للسلطان «هذا من جهة فلان».
ثم طلب الطولونى السمين الذى يجلس بحانوت مجاور لبيت الشيخ خير الدين السنسى الذى كان فى خدمة خير بك الدوادار الظاهرى خشقدم،
стр. 395
فحين رآه سبه وعزله صريحا، وقال للقاضى الحنفى: «من عمل هذا قاضيا؟» فقال له: «خير بك الدوادار»، ثم طلب ابن ظهير، فلما رآه قال له: «أنت مباشر لص حرامى، من عملك قاضيا؟»، ثم التفت إلى مستنيبه وقال له: «هذا صهرك؟» فقال له: «أحضر لى خط الشيخ تقى الدين الشمنى على كتاب الكنز بإجازته له» فقال له: «تحتج علىّ بالأموات؟» فلم يزل المقر الزينى يتلطف به حتى سكت.
ثم طلب ابن الردادى فقال السلطان: «من عمل هذا قاضيا؟» فقال مستنيبه: «سألنى فيه أكبر الشافعية سراج الدين العبادى» ثم طلب كاتبه من فوق المصطبة، وأوصلنى المقر الزينى حقى وقال عنى للسلطان: «إنى من طلبة الشيخ محيى الدين الكافيجى وأنه سأل فى ولايتى وأنى قرأت على علماء ومشايخ منهم شيخ الإسلام ابن حجر» فلم يتكلم ببنت شفة مع أن المقر الزينى ستر على قوم من الشافعية والحنفية والمالكية، فمن الحنفية الشريف الوفائى المقسى وابن الفصيف وغيره. وممن طلع ولم يقف للسلطان وتعلل بأنه حصل له قولنج خير الدين الرميثى الشافعى، وكان لما عرض القاضى بدر الدين الدميرى كتكوت قال له: «أنت أيضا قاضى» فقال «يا مولانا السلطان لى عشرين سنة قاضى» قال: «يكفاك استريح». ثم عرضوا نواب المالكية فلم يقع فيهم كلام سوى أنه سأل عن واحد أو اثنين من ولاّهم، وانصرف المجلس على ذلك. ووقع من الحنفى فى وسط المجلس للسلطان: «أنا نوابى لو علمت على أحد منهم سوءا ما وليته. يا مولانا السلطان: شخص يسمى عمر المناوى من نوابى وقعت له قضية فضربته وعزلته وحبسته، ولولا الشيخ تقى الدين الحصنى ما أعدته ومع أنى ما أعدته، وإنما فوضت للشيخ المذكور فإنه سألنى فيه والشيخ يفوض له وسيعرض عليكم»، فلم يدعوه (١) المقر الزينى وستره ستره الله فى نفسه ومن يلوذ به، وآخر الأمر سأل
стр. 396
المقر الزينى فى إعادة الميمونى والشريف الوفائى المعروف بكمال الدين وباس الأمير الدوادار الثانى الأرض وقبّل يده فرسم بعودهما، وسألوا فضل السلطان فى إعادة الطولونى وغيره، فرسم لهم ولله الحمد والشكر والمنة.
يوم الثلاثاء رابعه كان الموكب بالاصطبل السلطانى وكثر الشكاوى على الأكابر والأصاغر، وفى أمسه كان السلطان فى الرماية ببركة الجب واصطاد وعاد.
يوم الأربعاء خامسه وصل قاصد من عظيم الدنيا الدوادار الكبير ومعه كتاب مضمونه بالمعنى أنه قد استمر يتبع سوار المخذول حتى صعد إليه فى المكان الذى هو فيه، فهرب فى نفر يسير وأخذ زوجته فوقعت وحملت إلى بين يديه، فأقامت لحظة وماتت.
يوم الخميس سادسه تغيّظ السلطان على [١٤٨ ب] الأستادار والوزير الذى هو ابن غريب وما أفاد ذلك شيئا، وشكى قراجا الجمالى إلى السلطان من خجداشه قنصوه - الذى كان كاشف بلبيس وعزل - إنه ضربه بسيف شل يده، فدفعهما للشرع والناس فى رجيف من إقامة السلطان بالاصطبل السبت والثلاثاء، والله يقدر بخير إن شاء الله تعالى.
وفى يوم الجمعة سابعه رسم السلطان نصره الله ببعض الخدام من الطواشية أن يتوجه لبيت الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم والد القاضى كمال الدين ناظر الجيش ويحضر حساب والده المتعلق بثغر سكندرية. وسبب ذلك أن السلطان بلغه من مماليك المقر الجمالى أن المحتسب وزوجته التى كانت زوجا لأستاذه وشاهين الذى هو نائب جدّة وأم الصاحب جمال الدين وضعوا يدهم على بهار وأموال وذخائر تقاسموها، فرسم السلطان بطلب المباشرين ومن اطلع على ذلك، فإن وزنوا راج أمرهم وإلا بهدلوا، وطلبوا من المباشرين مالا على
стр. 397
سبيل الخدمة، ومن أم ناظر الخاص يوسف عشرة آلاف دينار، فأرسلت خمسة آلاف فردت إليها.
يوم السبت ثامنه كانت الخدمة بالاصطبل على العادة وشكى الأستادار وناظر الجيش وناظر الخواص وأمير آخور كبير وقاضى القضاة الشافعى وابن زوين كاشف الوجه الغربى؛ فأما ناظر المدرسة فرسم له بالكشف عما ادّعاه خصمه، وإن وجد أن خصمه سابق عليه فى الأخذ يقدم. وخصمه من أقارب الخطيب الحنبلى ويعرف بابن قدامه.
وأما ناظر الخاص فشخص له عليه مال فرسم له بدفعه، وأما ابن غريب المتكلم فى الوزر والأستادارية فشكى عليه بسبب ابن العالمة الضامن أنه زاد على التجار الذين يحضرون بالبضائع فى المكس، فرسم السلطان بإحضاره فذكر ابن غريب أنه ضعيف فرسم بحضوره فى قفص حمال.
وأما القاضى الشافعى فشكاه شخص شرير وذكر أن تحت نظره [١٤٩ ا] خان السبيل، وأن متحصل وقفه فى كل شهر سبعة عشر ألف درهم، وأن به مسجدا لم توقد فيه فتيلة، وأن المذكور صار يشحت ويعمره ويؤم به، وأن شخصا من نواب الحاكم الشافعى ضربه على وجهه ورسم بإخراجه، وأن هذا الأمر خرج من ذمتى وصار فى ذمة السلطان، فرسم السلطان لأحد البريدية أن يتوجه بالمذكور إلى قاضى القضاة الشافعى ويرد الجواب. وأما أمير آخور كبير فشكاه جماعة من النحرارية فدفعهم، واشتكى رأس نوبة الدوادار الثانى للسلطان بحضور أستاذه، شكاه رجل من أهل البلاد القبلية وادعى أنه اشتكى شخصا من بيت أستاذه أنه أخذ منه سبعون دينارا بغير طريق شرعى، فحلف الخصم وخرج المدعى ليبيّن عليه فأطلقه فرسم له بتحصيل غريمه، وانفضّ المجلس وبعد ذلك حضر المداققون بين يدى السلطان ولعبوا،
стр. 398
ووقف له جماعة من الفقراء بقصص فرسم لغالبهم بدينار ورسم لشخص مقطوع الرجلين بثلاثة دنانير، وشكى له نصره الله نائب غزة فجهز له بريديا، وشكى له قضاة حماه فرسم بإحضارهم، والله المستعان.
حادثة غريبة: يوم الأحد تاسعه شكى شخص من أولاد الأتراك مطلقته برسول شريف من بيت المالكى وادعى عليها بمبلغ فأجابت بالإنكار، فالتمس بيتها عند مقام سيدى خلف بالقرب من سويقة السباعين، وكان المذكور يتهمها بشخص غلام، فلما أرادوا الدخول للحلف ضربها بسكين فى خاصرتها فسقطت ميتة، وتوجه والسكين فى يده ملطخة بالدم وذهب دمها هدرا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
يوم الاثنين عاشره وقف للسلطان شخص يسمى الشيخ عثمان الحطاب مقيم بالمدرسة السيفية المجاورة لسوق الجوار (١) وادعى أن تغرى بردى المحمودى أخذ منها (٢) إيوانا وجعله فى ربعه وإصطبله، وتكرر ذلك منه مرارا ولم يظهر لمقاله برهان، وتكرر وقوفه للسلطان والمذكور فيه نوع صلاح، وعمر بالمكان المذكور خلاوى [١٤٩ ب] وجدد به منبرا وعنده فقراء ويصل إليه البر من الأمير برسباى قرا ومن السلطان وهو أمير ومن غيره، وهذه المدرسة المذكورة أصلها كنيسة وليس لها كتاب وقف، والمحمودى أخذ قطعة أرض مهولة بالتراب من جوارها بقصّة استأذن فيها قاضى القضاة ابن حجر وأخذ خطه بإجارتها سنين وثبت ذلك، ثم استبدلها بخط قاضى القضاة بدر الدين العينى وثبت ذلك، ونفذ على قاضى القضاة شمس الدين البساطى وقاضى القضاة
стр. 399
عز الدين المقدسى الحنبلى، فرسم السلطان للمقر الأشرف الزينى ابن مزهر وللمقر الأشرف العالى السيفى تنبك الدوادار الثانى أن ينظرا فى هذه القضية ويعملا بالشرع فيها، ووقف المحمودى آل النظر فيه لقاضى القضاة الحنفية من مدة يسيرة. فلما وقف عثمان المذكور للسلطان احتد وغضب وأساء على رئيس الدنيا ابن مزهر حفظه الله وبهدل القاضى نور الدين الإنبابى نائب المقر الزينى بن مزهر وهدده بضربه بالمقارع، فإن أخاه مباشر الوقف المذكور. ثم أن السلطان قال: «أنا أرسل فى قضية كاتب السر والدوادار والحاجب وما ينقضى لى شغل؟ أنا أتوجه بنفسى، هاتوا الفرس». فوقف الأمير جانبك الفقيه الأمير آخور الكبير وتدخل على السلطان فى عدم اركوب فلم يقبل وتوجه فى خدمته من القلعة من الأمراء المقدمين الألوف تمر حاجب الحجاب وأزدمر الطويل وقراجا الطويل وطبلخانات وعشرات ورؤوس نوب وخاصكية وأخصاء من المماليك السلطانية خلا الدوادار الثانى فإنه لم يحضر صحبة السلطان إلى المدرسة المذكورة، وفى خدمته المقر الزينى ابن مزهر والمقر الشرفى الأنصارى وكيل السلطان والإنبابى ووصلوا إلى المدرسة وجلس السلطان بها وطلب قضاة القضاة الثلاثة -: الشافعى الولى الأسيوطى، والحنفى المحب ابن الشحنة، والمالكى السيد الشريف عمر بن حريز، والحنبلى لم يطلب لشغور المنصب من قاض من حين وفاة العز الحنبلى - طلبا حثيثا برأس نوبة نقيب الجيش والأوجاقية والبابية حتى لم يمهلوهم أن يركب معهم أحد من نوابهم. ومروا بالقاهرة، والخلق من العوام والأوباش ينظرون إليهم ويقولون (١) فيهم ما شاؤا، وصار بعضهم ينسبهم إلى خراب الأوقاف، وبعضهم ينسبهم إلى بيعها، وبعضهم ينسبهم إلى بيع إيوان المدرسة.
стр. 400
والعجيب أن القاضى الحنفى لم يصل إليه النظر فى هذا الوقف إلا من مدة سنة أو أفل، فلما حضروا عند السلطان بالمدرسة تكلم معه الحنفى وهو فى غاية الحدة فكان جواب الحنفى للسلطان: «لا دافع لى ولا مطعن فيما يثبت بالطريق الشرعى» لكونه ناظرا على وقف المحمودى ورفيقه الأمير أزدمر تمساح الرأس نوبة الثانى والأمير جوهر الزمام، فطلب من القاضى الحنفى كتاب الوقف فقال: «يحضر».
فاشتد غضب السلطان منه وقال له: «قضاة القضاة يستحسنوا ويدلّسوا علّى ويغطّوا، قل لى كتاب الوقف عند من؟» فقال له: «يحضر»، وأرسل أحضره وأحضر الإجارة فرسم السلطان للشرفى الأنصارى أن يدّعى على وكيل القاضى الحنفى الذى هو القاضى نور الدين الإنبابى أن من الجارى تحت نظرهم وقف تغرى بردى المحمودى، وأنهم واضعون اليد على إيوان المدرسة السيفية وعمروا عوضه ربعا وإسطبلا وسؤاله هدم ذلك وأخذه للمسجد، وصحبته شاهدين من غلمان الخيول عوام، فسمع الدعوى قاضى القضاة الشافعى.
وطال الأمر على السلطان فركب ورسم للقاضى كاتب السر والأمير تمر حاجب الحجاب والقضاة أن لا ينصرفوا من هذا المجلس حتى ينهوا أمره.
وكان قبل ركوب السلطان من المدرسة تكلم مع القاضى الحنفى فى كونه استقر بتغرى بردى خازندار الأمير الدوادار الكبير شادا بالوقف ووبخه وقال له: «عملته شادا لأجل جاهه؟» فأجابه بأنه أحضر إليه قصة وفيها أن السلطان رسم له بذلك بمقتضى مكتب ومربع شريف، فأنكر السلطان ذلك وطلب تغرى بردى المذكور، فحضر فى الحال إلى مجلس السلطان بالمدرسة فسأله من استقر به فى هذا الوقف فقال: «السلطان بمقتضى مكتب ومربعه» وظهر للقاضى الحنفى بذلك ما رامه.
стр. 401
وكان السلطان - نصره الله - رسم لقضاة القضاة بالكشف عن القطعة الأرض المتنازع فيها التى بنيت ربعا وإصطبلا، فتوجهوا وصحبتهم المهندسون، كل ذلك والسلطان جالس. ثم ركب السلطان وحضر مكتوب الوقف والإجارة فلم يجدوا فيه ما يثبت للمدرسة به شيئا، فرسم للمقر الزينى ابن مزهر أن يكتب للشيخ عثمان الخطاب فتاوى بأجوبته ليأخذ عليها خطوط العلماء بما يهدم به البناء الذى له خمس وثلاثون سنة مثبوت بخط شيخ الإسلام ابن حجر وشيخ الإسلام العينى، وبتقييد شيخ الإسلام البساطى المالكى والمقدسى الحنبلى، فكتب له فتاوى بخلاف ما يرومه، وكلمه القاضى المالكى بكلام خشن فأجابه بأخشن منه فقال له: «حكمت عليك بالتعزير»، وجاء خطيب المكان يتكلم وساعده عثمان المذكور فقال له الشيخ برهان الدين اللقانى خليفة الحكم: «رأيتم المقال وقلتم التعزير باق» فانصرفوا ولم يعمل شيئا.
يوم الثلاثاء كانت الخدمة بالإصطبل السلطانى وشكى الأمير جانبك الفقيه الأمير آخور الكبير ووقف تحت الدكة عند القاضى كاتب السر، وشكى ابن غريب المتكلم والوزراء والأستادارية من عدة أقوام، فوبخه السلطان وبهدله وأساء عليه ورسم لابن العالمة الضامن أن يتوجه لبيت الأمير الدوادار الثانى ويطلب قاسم الوزير المفصول وابن الأهناسى ويسأل منهما عن المكس الذى يؤخذ من الركّاضة.
وشكى علاء الدين ابن زوين كاشف الغربية والتراب من عدة: منهم جقمق وغيره، فرسم السلطان بإحضاره وضربه فضرب بحضرته ورسم له ولأخصامه أن يتوجهوا إلى الأمير الزمام.
وحكى لى رئيس الدنيا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى - حفظه الله - أن من جملة الفصص التى قرأها فى هذا اليوم قصة من مضمونها أن شخصا تزوج
стр. 402
بامرأة وطلقها فادعت عليه أنها حامل فأنفق عليها ولم يظهر لها حمل وتزوجت؛ وسؤاله الاسترجاع عليها ما أخذته منه.
وكذا وقف شخص آخر وادعى أن شخصا من أصحابه أضافه وبات عنده فسرق حماره، وأشياء كذلك من هذه الأمور، فتكلم مع السلطان فى ترك ذلك فرأى له غرض تام فيه فمن جملة ما قال له السلطان: «أنا كنت وأنا أمير أنظر أحكام من تقدمنى فآكل لحمه وأنا والحاضر بين، فاعمل مثلهم» وأنشد نصره الله بيتا مضمونه:
لا تستغيب فتستغاب فربما … من قال شيئا قيل فيه مثله.
*** وفيه خلع على شاهين الجمال بشادية بندر جدة على عادتهم بعد بذله عشرين ألف دينار، وعلى المجلس الشمسى محمد بن عبد الرحمن صيرفى جدة كاملية سمور ووزن عشرة آلاف دينار، فطلب من والده القاضى جمال الدين يوسف بن كاتب جكم ثلاثين ألف دينار فسألت بخمسة آلاف فما قبلت.
وفيه وصلت بطاقة من قطيا بوصول أخى نوروز يبشّر بخير.
وفيه أى فى يوم الاثنين عاشره وهو استكمال مملكة السلطان بمصر وأعمالها أربع سنين وأربعة أعوام، وقف له شخص يسمى الشيخ عثمان الخطاب المقيم بالمدرسة السيفية القديمة المنسوبة لابن بويه المجاورة لسوق الرقيق التى ذكرها المقريزى فى خططه وكان أصلها كنيسة وهدمت، واتفق أن تغرى بردى المحمودى الذى فتح قبرص مع من فتحها فى دولة الملك الأشرف برسباى فى سنة تسع وعشرين وثمانى مائة عمّر ربعا وبيوتا مجاورة (١) للمدرسة المذكورة، فادعى الشيخ عثمان المذكور أن تغرى بردى المذكور أخذ من المدرسة إيوانا وجعله فى ربعه وعمارية، وتكرر وقوفه للسلطان فرسم للأمير الدوادار الثانى
стр. 403
وللمقر الأشرف الزينى ابن مزهر - حفظه الله - على المسلمين أن يحضرا هذه الواقعة هما وقضاة القضاة ويتكلموا مع القاضى الحنفى الناظر على وقف تغرى بردى المذكور الذى آل إليه النظر عليه من نحو سنة أو أقل، فتكلموا مع القاضى الحنفى فى ذلك وطلب مباشرى الوقف وهم القاضى نور الدين الإنبابى وأخيه وتغرى بردى خازندار عظيم الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير سهل الله له كل عسير فإنه الشاد بالوقف، وأظهروا قصة رفعت لقاضى القضاة شيخ الإسلام خادم السنة والأثر الشهير نسبه العريق بابن حجر أن هذه الأرض التى يدعى الشيخ عثمان أنها للمدرسة أنها ليست منها، وأنها كانت مهولة بالأتربة، وثبت ذلك على شيخ الإسلام المذكور واستأجرها مدة ثم استبدلها وحكم بذلك شيخنا قاضى القضاة بدر الدين محمود العينى الحنفى.
ونفذ له شيخ الإسلام قاضى القضاة شمس الدين المالكى البساطى، واتصل بقاضى القضاة المقدسى الحنبلى فما وجدوا لهم مجالا فى ذلك، فإن العين تغيرت وصارت مساكن مسكونة، فلم يعجب السلطان ذلك فإن عثمان الحطاب مشهور بصلاح ودين، وعمر فى المدرسة خلاوى بغير شرط الواقف وجعل بها (١) صغارا يقرؤن القرآن ورجالا يذكورن الله ويصلون، وجعل بها منبرا وخطبا وصار بعض الأمراء الأكابر كالمقر الأشرف العالى السيفى برسباى المحمدى المشهور بقرا أحد المقدمين الألوف والسلطان - نصره الله - وهو أمير وغيرهما يحسنون إليه، فلما بلغ مسامعه الشريفة أن إيوان مدرسة يؤخذ ويصير مساكن حصل عنده غاية الغيرة على حق الله تعالى وبيته وقام فى ذلك بقلبه وقالبه، وبمجرد ما وقف الشيخ عثمان المذكور للسلطان كما قدمنا بالحوش احتد على المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى حدة مفرطة وكلمه بكلام ما سمعه منه قط،
стр. 404
وأساء على القاضى نور الدين الإنبابى إساءة مفرطة من جملتها: «يا شيخ رجلك فى القبر وأنت تداحى على؟ والله أضربك بالمقارع» وكان الأمير الدوادار الثانى غائبا عن المجلس ومن شدة غضبه طلب الفرس وركب من القلعة واستمر إلى أن وصل إلى المدرسة المذكورة فجلس بها، وطلب القضاة الثلاثة الحنفى والشافعى والمالكى يخمسة أو جاقية ورأس نوبة نقيب الجيش وعدة من غلمان الطشطخاناه فحضروا وجلسوا، وتكلم مع القاضى الحنفى بكلام مزعج لمّا طلب منه كتاب الوقف وتأخر بحضوره؛ وأخبرنى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين أنه خشى عليه من العزل، ومن جملة قوله: «أنت مستحسن» مرتين «وأنت تغطى علىّ؟ أنت تخاف ممن؟ قل لى كتاب الوقف عند من؟» فصار يقول: «يحضر، وهو عند القاضى نور الدين الإنبابى» وخشى عليه من البهدلة وما سلم فإنه أسئ عليه بالمدرسة أيضا إساءة مفرطة ثم سأل من القاضى الحنفى: «كيف استقريت بمشد وقف المحمودى الذى هو تغرى بردى خازندار الدوادار الكبير؟ لأجل الجاه؟» فقال له:
«يا مولانا السلطان رفع لى قصة مشمولة بالخط الشريف بتكتيب وتوقيع» فأنكر السلطان، وطلب تغرى بردى فى الحال فأحضر وقال له: «من استقرّ بك مشد هذا الوقف؟» فقال كما قال القاضى الحنفى، فظهر صدقه ورسم السلطان للقضاة أن يكشفوا المكان المدّعى فيه، فتوجّهوا بأنفسهم وصحبتهم المهندسون، هذا بعد أن التفت السلطان من القاضى الحنفى إلى القاضى الشافعى وقال له: «أنت إيش عملت فى وقف قراقوش الذى أرسلت لك بسببه صحبة المهمندار؟» فإنه كان أرسله لما شكى من الشافعى قبل تاريخه، فصار القاضى الشافعى يقول عن الذى اشتكى إنه مجنون، وإنه قال إنه يصعد إلى السماء «ونحن بنعمّر المكان بحسب الحال» واستمر السلطان يتخوف منه وطال الكلام بينهما ثم إن السلطان
стр. 405
رسم للمقر الأشرفى الكريم العالى السيفى تمر حاجب الحجاب والمقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله تعالى «أن لا تنصرنا حتى يحضر كتاب الوقف وينظروا فيه ولا تنصرفوا حتى تنهوا القضية» [١٥٢ ب].
وركب السلطان وتوجه إلى القلعة وكان يوما مشهودا اجتمع فيه جم غفير من الأمراء المقدمين الألوف كالأمير أزدمر الإبراهيمى الطويل والأمير قراجا الطويل والأمير تمر الحاجب الكبير وعدة طبلخانات وعشرات وخاصكية، وادعى القاضى شرف الدين الأنصارى على وكيل القاضى الحنفى النور الإنبابى برفع يده عن هذه الأرض وهدم الأماكن لأنها من المدرسة، فأظهروا ما قدمنا ذكره من الإجارة والاستبدال والحكم والتنفيذ. وقد امتلأت الأزقة والمدرسة من العوام والخواص وانصرفوا على ذلك وأخبروا به السلطان فلم يعجبه، وكانوا عند الانصراف كتبوا للشيخ عثمان الخطاب فتاوى يأخذ عليها خطوط العلماء إن كانت بينة تسمع أن هذا المكان من جوار المسجد وإيوانه، واتفق أن القاضى المالكى لما كتبوا الفتاوى قال لهم: «اكتبوا كيت وكيت» فكلمه الشيخ عثمان بكلام خشن فقال له: «حكمت عليك بالتعزير».
ثم إن القاضى برهان الدين اللقانى نائبه قال لخطيب المكان: «أنت شاهد زور»، وقال لعثمان «التعزير باق عليك» وانصرفوا.
*** ورسم السلطان بعقد مجلس فى يوم السبت خامس عشره بحضور القضاة الثلاثة والأمير تمر الحاجب والأمير الدوادار الثانى والمقر الأشرف الكريم الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله وأن يحضروا فى المدرسة المذكورة ويفعلوا الشرع، فحضروا، وعين القاضى نور الدين البلبيسى لذلك
стр. 406
وادعى عنده بذلك، وشهد عنده اثنان أو ثلاثة أحدهم الشيخ عز الدين السنباطى أحد جماعة قاضى القضاة شهاب الدين ابن حجر: أن المكان كان مجلسا من المدرسة وشاهده يصلى فيه ويدرس فيه، وأنه أخذ يغير حق، ومستحقّ للهدم.
وثبت ذلك على البلبيسى، وقال قاضى الحنفية: «لا دافع لى ولا مطعن فيما ثبت بالشرع الشريف»، وانفصلوا عن ذلك لعل يقع صلح أو ما أشبه ذلك.
وبلغ السلطان ذلك فرسم بالهدم فهدم.
يوم الجمعة رابع عشره أرسل السلطان يقول للقاضى الشافعى: «اكشف عن [١٥٣ ا] الطيبرسية، أعنى المدرسة التى تحت نظرك، فإن المرحاض غرق الناس فيه»، فحصل عنده من ذلك أمر مهول ورعدة وتشويش.
يوم الاثنين سابع عشره ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجّه إلى [أبى] زعبل أو غيرها فإنه عمر هناك سبيلا وغير ذلك ورجع من قنطرة الحاجب، فأذن المغرب عليه بها فصلاه بمدرسة الجناب العلمى ابن الجيعان، وصلى إماما، ودخل من باب القنطرة من بين الصورين، ومرّ من سويقة الصاحب وجاز من بين العواميد على المدرسة السيفية وتكلم فى أمرها، وحول فرسه الخلق من العوام يدعون له بالبقاء والدوام، وفى خدمته من الأمراء الألوف تمر حاجب الحجاب ونحو سبعة ثمانية: عشرات وطبلخانات، ومن المماليك السلطانية نحو ثلاثين نفرا أمامه، وخلف ظهره من غير فوانيس ولا منجنيق، حتى أخبرنى من شاهده بباب زويلة كذلك إلى أن صعد القلعة، فنصره الله.
يوم الثلاثاء ثامن عشره كان الموكب بالإصطبل السلطانى على العادة وحكم وأمر ونهى وكثرت الشكايات فى الأكابر والأصاغر، وضرب ابن العالمة الضامن نيروز الوزير بالمقارع، ووضع فى عنقه الحديد ثم شكى أيضا، فطلب وأمر بحضوره للحوش، وشكى الأستادار فى هذا اليوم عدة شكاوى بسبب
стр. 407
الديوان المفرد والدولة، وشكى تقى الدين ضامن الخضر بسبب ظلمه كابن الملك،؟؟؟ فأبدى حجته فخلص وكشف رأسه ودعى للسلطان.
ومنها شخص له مرتب على الجسم؟؟؟ فلم يصرف له من أول الشهر.
ومنها امرأة شكت أن لها مرتبا هى وإخوتها على الشونة بالوجه القبلى من إخميم: فى كل سنة أربعون إردبا، ولها ثلاث سنين لم يصرف لها شئ، فأجاب ابن غريب: أن الأمير الدوادار الكبير لم يصرف لها شيئا، ثم إن الأمير نقيب الجيش ابن أبى الفرج مسك عصابتها وصار بين العسكر وهم ينظرون إليه وهو يقول: «المقنزع ملأ المدينة من هذا النساء، وكذا السراقوس» فرسم السلطان أن ينادى للنساء أن لا يلبسن (١) عصائب مقنزعة ولا سراقوس، وأشهر النداء بذلك بين يدى الوالى على لسان السلطان فى القاهرة، وخافت (٢) النسوة من لبس ذلك، وتركنه، وشكى القاضى ناظر الجيش وشكى على المحتسب أنه سجن إنسانا ولم يمكنه من بيع حوائجه حتى يوفى دينه، فرسم للمقر الأشرف الكريم العالى السيفى الدوادار الثانى أن يطلب الغريم من بيته وينظر فى أمره بالشرع الشريف.
وشكى ناظر الخاص مرارا وغيره وانقضّ المجلس على ذلك، والتفت السلطان للعلامة فنهض الدوادار الثانى وفى خدمته المباشرون، ثم خلع على الأمير برسباى أستادار الصحبة بإمرة الحج عوضا عن يشبك الجمالى بحكم عزله عنها، وغضب السلطان عليه بسبب ما ظهر أنه فى جهته وجهة زوجته التى كانت زوجة أستاذه من أخذ تركة المذكور من المال، فإن السلطان كان طلب منهم
стр. 408
عشرة آلاف دينار قرضا فامتنعوا، وصار يشبك - عليه من الله ما يستحقه قريبا عاجلا - يعتذر عنهم، فطلب السلطان ولى الدولة وسأله الحساب الخاص، فأخبره أنه فى بيت الصاحب جمال الدين يوسف فرسم بالختم على الحساب، وصاروا يسألونه بالعشرة آلاف التى طلبها فامتنع حتى سئل أربعين ألف دينار وهو يمتنع، وبلغوا السلطان ما على باب المحتسب من الظلم والرسل والأعوان، وأن كل واحد منهم يحصل له فى كل يوم دينار وأكثر وأقل، وصار لهم البغال والحمير الفره والأقمشة: شئ ما فرحوا به على باب محتسب قط، وكل ذلك من أضلاع المسلمين؛ وأما الورق الذى (١) يكتبونه للسوقة فى كل يوم فنحو ثلاثة آلاف ورقة، كل ورقة بثلاثة دراهم فى كل يوم، وأمثال ذلك، وذلك مع كبر نفسه على الأكابر والأصاغر وبهدلته للعلماء والصلحاء والقضاة والشهود، فالله أسأل بجاه خير خلقه محمد ﷺ أن يعامله بعدله قريبا، ما أشقّه على أمة محمد ﷺ .
*** يوم الاربعاء سابع عشره وقع مكان مقابل المدرسة التى بالأبارين ومات تحت الهدم أربعة أنفار من المسلمين فلا قوة إلا بالله، وأرسل السلطان إلى الغربية بالحوطة على موجود ابن زوين الكاشف بها من صامت وناطق فأحضروه فأخذ أحسنه ورد عليه أخسه، وذلك بمرافعة المقدم الذى فى خدمته، فإنه كان ضربه وأهانه وقاسى منه ذلا، فعرف شرف الدين ابن غريب بذلك فحصل عليه ما ذكرنا، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.
يوم السبت ثانى عشريه عمل الموكب بالإصطبل السلطانى على العادة
стр. 409
ووقف الشكاة ونودى فى المدينة حسب المرسوم الشريف أن من له دعوى على ضامن الخضر من الغيطانيين أو غيرهم يحضر بين يدى السلطان، وشكى المقر التاجى ابن المقسى ناظر الخواص الشريفة، شكاه شخص يبيع الفراء وادعى أن له فى ذمته مبلغا ثمن أصناف ابتاعها منه، وكتب له بها وصولات على الجهات فلم يصرفوا له شيئا، فالتفت السلطان إلى الأمراء وصار يذكر لهم مساوئ ابن المقسى فبرز المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر الشريف حفظه الله وقال: «أنا أعمل مصلحته» فدفعهما السلطان له. وشكى قبل هذا ابن قمتى رأس نوبة الدوادار بسبب غيط فأجيب عنه بأنه مسافر ليقبض مغل السلطان للديوان المفرد، فرسم السلطان إذا حضر يخلص حق الشاكى منه.
وفى يوم الأحد المبارك ثالث (١) عشريه حضر المقر الأشرف الكريم السيفى الأتابك أزبك من ططخ الظاهرى أمير كبير من سرحته ونزهته وصعد القلعة فى يوم الاثنين رابع عشريه فاجتمع بالسلطان ورجع إلى منزله مبجلا معظما مكرما مهابا.
وتقدم سفر والد القاضى النابلسى إلى البلاد الشامية وعلى يده مرسوم شريف بإعادة القاضى الحنفى بها المشهور والمعروف بابن العجلونى عوضا عن الحلاوى، ويقوم بعشرة آلاف دينار، فإن امتنع يحمل إلى القلعة فما ساعه إلا الإذعان والاستقرار، وأن يكشف على قاضى القضاة العلامة قطب الدين الشافعى بها وكاتب السر أيضا وأخذ ما ظهر فى جهته، فلم يظهر فى جهته شئ، وأراد الترسيم عليه وإيداعه القلعة والمكاتبة فيه بما يختار، فما ساعه إلا أن اختفى وحضر إلى القاهرة، ويقال إنه مختف فى بيت المقر الأشرف الأتابكى، وبأنه حضر فى السابع والعشرين من شهر تاريخه، فالله أعلم.
стр. 410
يوم الثلاثاء خامس عشريه كان الموكب بالإصطبل وشكى على جماعة: منهم الشيخ عفيف الدين الزاهد العالم المقيم بسطح جامع الحاكم بسبب الخلوة التى هو ساكن بها، فأخذ رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله قصته ووعده أن يعمل مصلحته فحضر إليه وأعطاه شيئا من الحطام وكتب عليه إشهادا، وشكى صاحبنا الزينى عبد الحفيظ الدوادار من الصيادين ببحر منجا، فطلبه السلطان فتكلم بين يديه بكلام متع، فرسم له أن يواظب طلوع القلعة ورسم له أن يتوجه إلى الأمير الدوادار الثانى لينظر فى أمرهم. وشكت امرأة على زوجها للسلطان أنه تزوّج عليها ويضاجرها، فردها ردا قبيحا، فلا قوة إلا بالله.
وكثرت الشكاة حتى إن بياع الفجل قال: «أشتكى للسلطان».
*** وفى هذه الأيام حضر من بلاد جاركس أخت المقر الأشرف العالى السيفى تنبك قرا الدوادار الثانى وأخت المقر الأشرف الكبير العالى السيفى الأتابكى أزبك عز نصره، وكثر ركوب السلطان ونزوله من القلعة جدا حتى إنى تركت كتابته، ووصل (١) خيول الأمراء الذين بالبلاد الشمالية ليبيعوها ويتوجهوا إليهم بعد ذلك، والله الولى والمالك.
يوم السبت تاسع عشريه كانت الخدمة بالإصطبل [١٥٥ ا] السلطانى - كما تقدم فى أول شهر تاريخه - السبت والثلاثاء، وشكى ناظر الخاص ابن المقسى من ثلاثة أنفار متفرقين أحدهم الذى تقدم وقوفه للسلطان كم مرة، ودفعهما السلطان للقاضى كاتب السر لعمل مصلحته فما وافقه التاحى ابن المقسى لأمر يريده الله فعندما وقع بصر السلطان عليه طلب ناظر الخاص وسبّه ولعنه والتفت
стр. 411
إلى المقر الزينى ابن مزهر فاحتدّ عليه وقال له: «إنت ما تنصحنى؟»، ورسم بضرب ابن المقسى فبطح بين يديه وضرب من الروس النوب على مقاعده، وكان يوما باردا شديد البرد جدا، ورسم السلطان بنزع ثيابه وضربه على اللباس، وصار يستغيث فلا يغاث حتى انقطع حسه بعد ذلك، فقام من حضر المجلس من الأمراء فشفعوا فيه فازداد غضب السلطان وحدته ورسم بضربه مقترعا فجرد من ثيابه وصار عريانا مكشوف الرأس، فضربه الوالى وأعوانه نحوا من خمسين مقرعة، فشفع الأتابك أزبك وبقية الأمراء، فأراد السلطان قطع ثيابه من الحدة فأقاموه وصار يقول له: «أنا أعدل وانت تظلم؟ أنا أعمر وأنت تخرب؟» ثم التفت إلى رئيس الدنيا ابن مزهر حفظه الله ورسم له بحضور ولده سيدنا القاضى بدر الدين أعزه الله ليستقر فى نظارة الخاص وكرر ذلك مرارا فأخذ يعتذر على ذلك، فلم يقبل منه وما ساعه إلا حضوره، فحضر صحبة قاصد السلطان، هذا مع أن من حضر هذا المجلس من الأكابر عد كالهالك خصوصا مباشرين الدولة وأعظمهم رعبا وخوفا شرف الدين بن كاتب غريب المتكلم فى الوزارة، والأستادار عوضا عن عظيم الدنيا يشبك من مهدى الدوادار الكبير عز نصره؛ وأما ناظر الجيش وكاتب المماليك فما نزلا إلا محمولين وكانت ساعة نسأل الله السلامة، ورسم بالترسيم على ابن المقسى وأودع الطشطخاناة، ثم نقل إلى طبقة الخازندار.
وشكى فى هذا اليوم ابن قمتى رأس نوبة الدوادار فرسم بحضوره من أى مكان فيه [١٥٥ ب]. وشكى قاضى جدة أبو البركات بن ظهيرة من امرأة بسبب ميراث أبيها، ثم شكى ضامن الخصر والغيطان المشهور بتقى الدين وهو من أسماء الأضداد فرسم السلطان للوالى أن ينادى فى المدينة لأصحاب الغيطان أن يحضروا غدا تاريخه بين يدى السلطان، ثم خلع على القاضى بدر الدين
стр. 412
محمد بن رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم العالى الزينى، ابن مزهر كاتب الإنشاء الشريف حفظهما الله كاملية بسمور بالتحدث فى الخاص وفى يوم الإثنين يلبس التشريف والطرحة على العادة بعد أن استعفى والده. وذكر للسلطان نصره الله أنه رجل من أهل العلم ومن ذرية الأنصار والعلماء، ولبيتهم فى الإسلام ثلاثمائة سنة كتاب سر مصر وغيرها من الوظائف السنية فكيف يباشر وظيفة المكس فقال: «ابنك نائبى ويطالعنى بالخبر وأنا أعمل مصالحة» وانصرفوا على ذلك. أخبرنى المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - حفظه الله على المسلمين وصرف عنه كل سوء وأعانه على ما هو يصدده - أن باسمه مرتبات على جهات المكس ما يرضى يتعاطاها، وله عادة على قضاة البلاد الشمالية وكل سنة نحو أربعة آلاف دينار فتركها، فكيف يتكلم فى المكس فقلت له مخفضا عليه: «ابن بنت الأعز جمع بين الوزارة وقضاة القضاة» وأنشدته بعد أن أخبرته عن ابن الأعز إنه إذا رفع له أمر مكس يكتب عليه يحط من ذلك، والذى أنشدته له حفظه الله على المسلمين:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها … تم فالمخاوف كلهن أمان
ثم أنشدته:
لن تبلغ الأعداء فيك مرادهم … كلا ولن يصلوا إليك بمكرهم
فلك البشارة بالولاء عليهمو … فالله يجعل كيدهم فى نحرهم
وصار رئيس الدنيا ابن مزهر فى مباشرة الخاص كلما وجب على أحد التجار
стр. 413
مكس مثلا ألف دينار وخرجوا ليوزنوه يطلبهم ويقول لهم: «أنتم تعلمون أنى مغصوب فى هذه الوظيفة، تروا أنى أدفع لكم من هذه الألف مائة دينار وأكثر أو أقل وتبروا ذمتى [١٥٦ ا] مما تزنوه وتأذنوا لى فى صرفه؟» فيجيبوه من طيب قلب وانشراح صدر: «أذنّا ورضينا» ويدعون له؛ وكذا صنع مع المرتبين فى صرف معاليمهم شيئا مارأوه فى زمن من كان قبله حتى صاروا يعدوا أنفسهم أنهم فى المنام، وآخر الأمر غرم من ماله أكثر من مائة ألف دينار واقترض من الأتابك ومن الدوادار الكبير ومن التجار، وكسب الثناء والدعاء وما خاب من دعى له، والله تعالى يحفظه على المسلمين.
ولقد تأسف بعض الناس على ابن المقسى وحزنوا عليه حزنا شديدا حتى أعداؤه، وما أحسن من قال:
رثى له الشامت مما به … ياويح من يرثى له الشامت
غير أنهم أيضا ذكروا عنه أنه سئ المعاملة جدا ومعلوم أن المعاملة هى الدين، وأنه إذا ابتاع شيئا لا يقول فى نفسه إلا أنه ملكه ولا يدفع ثمنه إلا لمن له جاه أو صولة أو شوكة، أما الضعفاء والفقراء والمرتبون الخاص فنهاية ما عنده كتابة الوصولات ويكتب بخطه بالصرف على كل وصول نحو العشر مرات ولا يصرف لهم شيئا، وغالبهم يضيع وصوله، وغالبهم يتعب، وغالبهم يترك، والنادر من يتجوه بأحد حتى يصل إلى بعض شئ.
وله المملوك والمماليك الحسان يركبون الخيول الخاص والسروج الذهب والأقمشة الملونة من الديباج والحرير والصوف والسمور، وكذا العبيد الحبوش، وفى خدمته شخص يسمى ابن الصناج دواداره يلبس كل بدلة بمائة دينار،
стр. 414
وبلغنى أنه طلع إلى السلطان بشئ من عند أستاذه فوجد عليه مفرية بعلبكية لابسها، فقال له: «قل للقاضى ناظر الخاص يفصّل لنا مثل هذا» وأمثال من إنعامه على من يجتمع عليه من ندمائه وجلسائه بالصوف والسنجاب والسمور وغير ذلك.
وسمعت أن جامع المقسى الذى هو متحدث عليه قطع غالب معاليم قومته، وأبطل ملئ فسقيته وغير ذلك، فدعوا عليه عشاء وضحى وظهرا وعصرا ومغربا، والدعاء من المظلوم فى الأسحار لا يخطئ، ولما بلغتنى قصته تذكرت قصة البرامكة لما صاروا بعد العز الشامخ إلى الذل والهوان والسجن والقتل حتى قال الولد لوالده: «يا أبه انظر ما نحن فيه وما صرنا إليه» فقال له «يا ولدى: دعوة مظلوم غفلنا عنه» وما أحسن من قال، ولقد أفاد وأجاد وأبلغ فى المقال:
أتهزؤ بالدعاء وتزدريه … وما تدرى بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطى ولكن … لها أجل وللأجل انقضاء
(شهر شعبان المكرم)
أهل بيوم الأحد الموافق الخامس عشر طوبة القبطى لأن رجب جاء ناقصا وثبت هذا الشهر على قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى.
فيه صعد قاضى القضاة المذكور ورفقته من قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكنت صحبتهم فوجدوا السلطان بالحوس على المصطبة التى استجدها بجوار طبقة المنصور عثمان بن الظاهر جقمق، وكان أمير المؤمنين الخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف دام شرفه هنى السلطان وانصرف إلى
стр. 415
طبقة المنصور التى هى الآن سكنه من حين سلطنة الظاهر خشقدم، فسلموا عليه بعد أن قام لهم وجلسوا فى خدمته على عادتهم، فخاطب رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله القاضى الشافعى فى أمر المدرسة السيفية المجاورة لسوق الرقيق التى تقدم الكلام عليها، وقال السلطان نصره الله يسأل: «ما فعلتم فى هدم المجاور للمدرسة المذكورة؟» فقال: «نهدم منها ثلاثة أروقة وما تحتهم، ونضيفه للمدرسة إلى عند الحوض، والشيخ عثمان ما يرضيه إلا أن يهدم جميع ما بناه المحمودى»، فقال السلطان نصره الله: «افعلوا الشرع واعتمدوا على الشهود الذين يشهدون عندكم»، فتكلموا مع السلطان فى مائة دينار يدفعها لمستحقى وقف تغرى بردى المحمودى ليستبدلوا بها مكانا يحصل منه عوض ما نقص لهم أو بعضه، وتكلموا مع السلطان أن فى هذه المسألة خلافا فى الصلاة فبعضهم يقول إنها تكره، وبعضهم يقول إنها تحرم، فلم يوافق السلطان على شئ من ذلك. ثم طلب الفقيه نور الدين بن الفاكهى المكى وغرماؤه فتداعوا عند القاضى الشافعى وادعى الفقيه نور الدين المذكور على خصومه أن امرأة تسمى كذا وتعرف بأم كمال أوقفت وقفا عليه وعلى إخوته، وثبت ذلك على قاضى القضاة برهان الدين ابن ظهيرة قاضى مكة ونفذ بالقاهرة على المذاهب، ثم رجع عن حكمه لما قام عنده فيه يذكره ولم يبينه «وأنا أسأل السلطان فى إيصال حقى وخلاصى من القاضى الذى أبطل حكمه ورجع عنه، وهذا إشهاد على خصومى بأن لا دافع لهم ولا مطعن» فأجابه (١) خصومه بأنهم ما أشهدوا هذا الإشهاد إلا ليدفع لهم مالا من تركة أم كمال المذكورة؛ فإنها بنت عمهم، وتكلم على ابن الفاكهى بعلم غزير مع فصاحة ونطق صحيح وما عرف خصومه بل ولا من ادعى ضدّه يحجوه (٢). وآخر هذا الأمر دفع إلى قاضى القضاة
стр. 416
الشافعى أمرهم لينظر فيه ويلغى ما حكم به ابن ظهيرة، كل ذلك والمقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر كاتب السر الشريف حفظه الله جالس بجانب قاضى القضاة المالكى، ثم ادعى أيضا الفاكهى على عبد العزيز بن الراحلى التاجر أنه واضع يد له على حصة من مكان سماه وجدده بمكة، فأجاب بأن بيده مستندا شرعيا أنه ابتاع المكان المذكور من شخص من التجار يسمى مير محمد، وحكم بذلك حاكم شرعى، وأن قاضى القضاة برهان الدين ابن ظهيرة «حكم بعدم دعوى فصمى هذا على وسماعها ومطالبته لى بشئ» وأظهر مستنده، فأبدى فيه الفاكهى عشرين وجها من البطلان، وانصرفوا على الصلح.
ثم حضر ابن الناصرى التاجر وادعى عند القاضى الشافعى على القاضى شرف الدين التنائى الأنصارى بأنه وضع يده له على عدة أملاك وسماهم، مخلفون له من قبل والده وسماهم وجددهم، وإن قيمتهم كذا كذا ألف دينار، فأجاب القاضى شرف الدين أن عمه هذا المدعى أثبت على أبيه الذى هو أخوها مالا جملته كذا كذا ألف دينار وضع يده عليه من تركة أبيها ببلاد اليمن وتصرف فيه ولزم ذمته، وثبت ذلك على قاضى سكندرية شعبان المشهور بابن جنيبات بشهادة جماعات من التجار، واتصل حكمه بالشيخ جلال الدين البكرى وحكم به، ثم إن الشيخ المذكور رجع عن ذلك لما وقع له ما وقع من طلبه وإقامته فى الترسيم ببيت عظيم الدنيا الدوادار الكبير. فأمر السلطان القاضى كاتب السر أن يطلب ابن جنيبات بين يديه وأن قاضى القضاة الشافعى ينظر فى ذلك، والله الولى والمالك.
وكان تقدم أن شخصا شكى على ابن قمتى رأس نوبة المقر الأشرف الكريم العالى الدوادار الكبير السلطان وادعى أن الرأس نوبة أشهد عليه بشئ ولم يقبضه له، وأن عنده بينة بذلك، فأمر بإحضار البينة فعجز عنها فأحضر ابن
стр. 417
قمتى القاضى والشهود بين يدى السلطان فشهدوا بصحة مقالة ابن قمتى، فرسم للدوادار بطلب غريمه وتأديبه.
يوم الاثنين ثانيه قبض الوالى على شخص من أولاد الناس المتهتكين وهو سكران فصعد به للسلطان فضربه الحد وحلفه أن لا يعود يسكر ولا يضرب بالآلة.
وفيه خلع على ابن زوين بكشف التراب والدم بالغربية فقبل الأرض بين يدى السلطان فتقدم الأمير تمر المحمودى حاجب الحجاب والأمير آخور الكبير فتكلما مع السلطان فى ظلمه وفجوره، فهدده السلطان وونحه وقرعه وأوعده إذا لم يمش مليح وإلا أتلفه ووصاه أن لا بسكر، فبرز شخص من الأمراء العشرات يسمى تانى بك الجمالى الذى كان السلطان جهزه إلى تروجة لعمارة سورها وبالغ فى سبه بالتركى، وقال: «من يولى هذا اليهودى هذا الكلب على المسلمين»؟ وكنت (١) حاضرا لهذا المجلس؛ فغضب السلطان غاية الغضب واحتد حدة مفرطة إلى الغاية، وطلب ابن زوين ونزع الخلعة من عليه وخلعها لتنبك المذكور حتى الكلفتاه فصار يمتنع ويتدخل ويبوس الأرض والسلطان مصمم على ولايته، فعند ذلك تقدم الأمير آخور الكبير والأمير تمر حاجب الحجاب والأمير تنبك الدوادار وصاروا يقبلون الأرض ويقبلون يد السلطان حتى نزعوا الخلعة عنه وعادوها على ابن زوين بعد ألف جهد، ثم طلب سيدنا القاضى بدر الدين ابن رئيس الدنيا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى حفظه الله تعالى فخلع عليه بنظر الخاص وقبل الأرض، فأقبل عليه السلطان وأكرمه وعظمه وبجله وقال له: «أنا ناظر الخاص وأنت يا بنى مهما كان لك حاجة قل لى ولا تظن أن أباك ناظر الخاص، وتكلم وافتح عينك» وأمثال ذلك. فركب معه قضاة القضاة والأمير تمر الحاجب الكبير والأمير تنبك
стр. 418
الدوادار الثانى وناظر الجيش والإمام البرهان الكركى وأعيان الدولة وأركانها، وحضر إليه بعد ذلك بقية الأمراء الألوف، وكان له موكب عظيم وعليه خفر جسيم، فحفظه الله وحفظ والده من كل محنة ورعاهما بعين عنايته بمحمد وآله وصحابته.
يوم الثلاثاء ثالثه توجه السلطان إلى ضيافة الجناب الزينى أبى بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط فى ربيعه بخليج الزعفران وعمل له أشياء تليق به.
وفى هذا اليوم رسم السلطان للفقراء بمبلغ ثمانى مائة دينار تفرق عليهم بالإصطبل السلطانى، فإنهم كانوا يصعدون إلى السلطان فى كل موكب من مواكب حكمه وقد انتهت الخدمة به هذه السنة، أخبرنى بذلك رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله. ورأيت بعض الفقراء ممن حضر التفرقة وذكر أن حصل له تسعة أنصاف وقيل أكثر، وقيل أقل، فالله يتقبل منه قبولا حسنا جميلا.
وفى أمسه توفى الأمير طوخ الأبو بكرى المؤيدى شيخ الزردكاش، وكان له مدة مقيما (١) فى داره بطالا، وكان قد قبض وسجن فى وقعة يشبك الفقيه الدويدار كما ركب على الخشقدمية بدمياط ثم رسم بحضوره إلى القاهرة، ورتب له على الذخيرة فى كل شهر ما ينفقه، وكان قد أسن وقارب السبعين وضعف يومين، وكان عفيفا عن الفروج والمنكرات لا يلوط ولا يزنى ولا يسكر، إلا أنه لم يشهر عنه شجاعة ولا كرم، وكان المرحوم المقر الزينى عبد الباسط تسرى بأخته ثم تزوج بها فصار يعرف به، وحضر السلطان للصلاة عليه بسبيل المؤمنى ولم تكن جنازته حافلة كغيرها من [جنازات] الأمراء رحمه الله تعالى. وتقدم حضور قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى كاتب سر دمشق وقاضيها فارا من الشام من ابن النابلسى بسبب ما أتهاه عنه وطلبه منه وهو مقيم بتربة الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره من سلخ رجب أو قبله
стр. 419
بيويميات وشاوروا السلطان عليه ليصعد بين يديه فقال: «لا يتوجه من مكانه حتى يوزن خمسين ألف دينار، ولا يدخل من باب النصر، ولا يصعد إلىّ»، وتوجه إليه المقر الأشرف الزينى ابن مزهر كاتب السر حفظه الله والمقر الشرفى الأنصارى وغيرهما للسلام عليه، فالله يلطف به والمسلمين آمين.
يوم الأربعاء (١) رابعه كانت الخدمة بالقصر السلطانى بقلعة الجبل ولها مدة بطالة، وابتدئ بقراءة البخارى به، وحضره قضاة القضاة الثلاثة خلا الحنبلى لشغور المنصب بعد وفاة قاضى القضاة عز الدين أحمد من حادى عشر جمادى الأول من قاض حنبلى، وقرأ الشيخ برهان الدين الكركى الإمام على عادته ولم يحضر السلطان والله المستعان.
وفى الأحد ثامنه رسم للقاضى تاج الدين ابن المقسى أن يتوجه من طبقة الزمام إلى بيت المقر الأشرف الشرفى الأنصارى ليسعى فى وزن ما حوسب، فظهر فى جهته من مال السلطان وذلك بمساعدة الأنصارى وغيره له من أعيان الدولة فإنهم حزنوا عليه.
وفيه توفى الشيخ شمس الدين محمد بن [عبد الله بن على] (٢) الشهير يابن الحفار الواعظ المشهور وكان قد أسن وأظنه فى الثمانين تخمينا، وكان له مناسبات عقب قراءة البخارى بالقلعة من القراءة والقصائد والغرائب والعجائب، وكان قليل البضاعة فى العربية، وربما صحح علىّ أشياء ينشدها لما يجتمع بى، وكان من الأقدمين فى معرفة الأمور المتعلقة بالوعظ والمجالس، طوالا سمينا حسنا دينا لا تعرف له صبوة، ولا تشتهر له شهوة، ولا يستغيب أحدا، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يشاحح فيما يعطى، وله سماع قديم. رحمه الله تعالى.
وفى هذا اليوم الذى هو الثلاثاء عاشره وقف شخص يشكو من رأس نوبة نقيب الجيش للسلطان، وصار يشكى ويتقول، فضربه السلطان
стр. 420
فطاش الرأس نوبة وسب خصمه ولعنه وصار يقول: «ما أخذت منه سوى دينار واحد»، فعند ذلك رسم السلطان بضربه، فضرب بين يديه بالعصى، ورسم الوالى أن ينادى فى المدينة: «أن أحدا لا يشكو أحدا للسلطان حتى يقف على القضاة والحكام، فإن أنصفوه وإلا يقف له»، ونودى بذلك فى المدينة حسب المرسوم الشريف.
وفيه برز المرسوم الشريف على لسان رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله لقاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى بتولية القاضى بدر الدين السعدى الحنبلى قاضيا للحنابلة لتقضى أشغال الناس ففعل ذلك، وهذه مقدمة تنتج له المطلوب إن شاء الله.
وانفقت (١) حادثة غريبة هى أن مملوكا من المماليك الظاهرية جقمق [كان] ساكنا بالقاهرة بباب سر بيت الأمير تمر الحاجب من إخوة جانبك الوالى الذى صار زردكاشا فى بداية دولة الأشرف إينال، له جارية بيضاء وجارية سوداء وغلام شيخ وعبد أسود ومعه مال له صورة نحو ألفى دينار وخمسمائة دينار، فاتفقوا على قتله وأخذ ماله فأخذوا العبد هرّبوه وقبضوا على الغلام وسألوه عن حال أستاذه فقال: «إنه خرج من يومين وصحبته خنجر وعليه قرصنة ولم يعرف له مكان، وأنه يغوى المطالب»، فسألوه عن العبد فأنكر، فطلبه الأمير تمر الحاجب وقرره وأوعده ووعده وأطلقه من الجنزير، وقال له: «هذا الجندى له قتلى كثير من الجوارى والعبيد والأحرار، ولو قتل ما يقتل به أحد»، وألان له القول فعند ذلك أحضر العبد الصغير واعترف بأن جواريه خنقوه (٢) وقتلوه
стр. 421
ودفنوه بإصطبله تحت نعليه، فقام الأمير تمر الحاجب بنفسه وتوجه إلى إصطبله وحفروا عليه فوجدوا القول صحيحا وهو مخنوق، ومسكوا من ساعد على قتله ومن حضر له فى الإصطبل، وتوجه المباشرون فى [١٥٩ ب] ديوان الخاص إلى أخذ موجوده، وقيل إن جواريه والغلام تقاسموا المال والأمير الحاجب يريد تركته من السلطان إنعاما عليه لكونه جاره وخجداشه، وما أدرى ماتم له، والغلام والجوارى فى الترسيم ليقتلوا كما قتلوا.
وفيه - أو فى الذى بعده - وجد شخص مسلوخ الوجه مقطوع الأنف تجاه باب الفتوح بحدرة عكا، ولم يعرف ولا عرف له أقارب بل ولا قاتل، ودفن وذهب دمه هدرا.
وفى أول هذا الشهر أو الذى قبله ظهر هيئة نجم من الغرب، وقيل إنه صار يطلع من الشرق نصف الليل ويستمر إلى بعد الأذان وله ذنب فيه شعاع نور زائد مستطيل أطول من رمح، وتعجب الناس من ذلك وصاروا يلهجون بالأقاويل الكاذبة الباطلة التى لا يعول عليها.
وفى يوم الجمعة الثالث عشر منه سافر المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله إلى دمياط وصحبته الأمير جانبك الدوادار الأشقر للكشف عن تعلقات الذخيرة وعمل مصالحها، ودعى (١) له الناس دعاء كثيرا يقبله الله، وذلك بعد سؤال السلطان له فى ذلك وقسمه عليه وتأكيده فيه.
وفى يوم السبت رابع عشره خلع على فتح الدين المنوفى ناظر البيمارستان
стр. 422
والأوقاف وثانى قلم فى كتابة المماليك، واستقر فى شادية بندرجدة على عادته ليسافر بنفسه من غير أن يرسل نائبا من جهته.
وفى هذا اليوم رأيت عجيبة من مخلوقات الله تعالى وهو أن شخصا من أصحابى الأفاضل - أعزه الله - أحضر إلىّ فى مجلس الحكم بباب القنطرة عجلا صغيرا وعجلة بيد واحدة ورجلين واليد الواحدة أغلظ من الرجلين والجبهة (١)، واليد الأخرى التى من جهة الشمال لا أثر فيها ولا كتف ولا لوح، فسبحان الخالق.
وفى أمسه الذى هو الجمعة ثالث عشره سافر الأمير الأجل سيف الدين قانباى سلاق (٢) الظاهرى إلى البلاد الشمالية وعلى يده خلع الأمراء والنواب التى هى (٣) كوامل الشتاء صحبته لعظيم الدنيا ورأس الأمراء الدوادار الكبير سهل الله له كل عسير، نحوا من سبع (٤) وعشرين قطعة ما بين وشق وسمور وغير ذلك، ومبلغ [١٦٠ ا] جملته أربعون ألف دينار ليفرق ذلك فيما يحتاج إليه من العسكر وما يختاره، وأن يصلح النواب مع الأمير الدودار، وأيضا فإن المماليك السلطانية كانوا وقفوا للأمير الدوادار الكبير وطلبوا منه نفقة غير جوامكهم ولحمهم وعليفهم وألحوا عليه فقال: «أنا ما عندى شئ أعطيه لكم، فمن أراد يقيم ومن أراد يذهب إلى حيث شاء» فخشنوا عليه فى القول، هذا كله والنواب حاضرون لم يتكلم منهم أحد ببنت شفة، وآخر الأمر قال لهم: «أنا أرسل ساعى (٥) فى أربعة عشر يوما ويحضر إلينا فى مثلها ومهما رسم السلطان فعلت»، فسكنوا وسكتوا.
стр. 423
ووقع بين الأمير الدوادار وبين نائب الشام واستمر الأمير الدوادار نصره الله مغضبا نحو العشرة أيام ثم حضرا واصطلحا، وكان سبب الصلح بينهم الأمير تمراز الشمسى والأمير برسباى المحمدى المشهور بقرا. هذا ما وصل إلىّ خبره والعمدة على الناقل.
وفى يوم الثلاثاء سابع عشره عرض السلطان نصره الله المسجونين الذين بسجن الجرائم والذين بسجن الشرع، فأطلق من سجن الجرائم فى يوم تاريخه وفى اليوم الذى بعده نحوا من أربعين نفرا، منهم شخص يسمى محمد العنبرى له نحو ثلاثين سنة بالسجن، وشرط عليهم أن من وقع منهم شنقه السلطان، والعجيب أنه فى ثانى يوم إطلاقهم قبض الوالى على شخص منهم فضربه بالمقارع.
وأما المسجونون بسجن الشرع فلم يطلق منهم أحدا غير أنه رسم أن تعمل مصالحهم. ومن جملة المسجونين بالشرع رجل سجنته زوجته ولها فى صحبته عدة سنين، فشكى للسلطان حاله فرسم بعمل مصلحته فأطلقه وأطلق جماعة من الفلاحين.
ووقع فى هذه الأيام أن القاضى ولى الدين الأسيوطى قاضى القضاة الشافعية أبطل حكم قاضى القضاة برهان الدين ابن ظهيرة قاضى مكة المعزول الذى رجع فيه عن حكم الوقف لابن الفاكهانى، وقاسى القاضى الشافعى الولى الأسيوطى من الفاكهانى إساءة عظيمة من خشن عبارة، وتكلم معه فى العلم بكلام متع (١).
стр. 424
وفى هذه [١٦٠ ب] الأيام طلب من قاضى القضاة الشافعى على لسان مولانا السلطان نصره الله برسالة الأمير يعقوب شاه المهمندار كتب الأوقاف التى تحت نظره، وما أدرى بما اتفق بعد ذلك. وكان تقدم أن السلطان أرسل للقاضى الشافعى قاصدا لأجل الفاكهى المكى يقول: «إما تعمل الشرع فى أمره وإلا».
وحضر السلطان البخارى فى العصر فى شعبان مرة واحدة فى خامس عشره.
وأما ركوب السلطان فقدمنا غير مرة أنه زاد على الحد حتى إنه لا يضبط.
يوم السبت حادى عشريه ركب السلطان من قلعة الجبل وتوجه إلى الجيزة لخيوله وعزم عليه ابن برقع كبير عرب اليسار وصنع له مدّة عظيمة من أغنام ودجاج وغير ذلك، وبات عنده، وأصبح فتوجه إلى أوسيم لضيافة ابن شقير فلم يستطع للماء الذى فى الطريق، فرجع وعدى من أنبوبة ورسم للأمراء أن يرجعوا إلى أماكنهم، وتوجه وصحبته المقر الأتابك أزبك من ططخ والأمير الدوادار الثانى ونحو المائة وخمسين مملوكا من مماليكه ومقدم المماليك والوالى، ولم يتوجه المحتسب صحبته، وتوجه إلى العباسة فصنع له ابن شعبان الأمير بيبرس ضيافة عظيمة إلى الغاية والنهاية، واستمر مقيما بالعباسة إلى ما سيأتى ذكره.
وأمطرت السماء ليلة الأربعاء خامس عشريه مطرا متراسلا واستمر إلى ليلة الخميس التسبيح سادس عشريه فعمت البلاد وحصل بها نفع وبعض ضرر، فإن الزرع كان فيه ما هو محتاج وفيه غير محتاج، وانهدم من الأماكن والبيوت بسبب ذلك عدة، وامتلأت البلد بالطين والوحل ولم يعهد مثلها إلا نادرا، هذا كله والسلطان غائب. وأخبرنى بعض من كان مع السلطان أن
стр. 425
قاضى ناحية العلاقمة عمل للسلطان مدة عظيمة وأحضرها إليه فلما وصلت وعرف مرسلها قال: «هذا القاضى الذى قتل اثنين؟»، أطلبوه»، فحضر فلما قرب من السلطان نزل عن الفرس فسقط ميتا.
وحضر السلطان يوم الأحد تاسع عشريه وصعد القلعة.
وفى [١٦١ ا] ليلة الثلاثين من شوال (١) توجه قضاة القضاة إلى رؤية هلال شهر رمضان لقبة المنصورية بالمرستان على العادة خلا الحنبلى لفقده بالموت من حادى عشر جمادى الأول سنة تاريخه، ورؤى الهلال، رآه جماعة:
منهم القاضى تقى الدين الزيتونى (٢) والقاضى أبو بكر الأبشيهى وغيرهما من الناس، ونادى نائب المحتسب أن غدا من شهر رمضان، وأرسل القاضى الشافعى نقيبه فأعلم السلطان بذلك على جارى العادة.
(شهر رمضان المعظم قدره)
وأهل بيوم الإثنين لأن الشهر الذى قبله جاء تاما ويوافقه من أيام الشهور القبطية خامس عشر أمشير القبطى. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكنت فى صحبتهم فهنوه ودعوا له وانصرفوا ولم يقع كلام غير السلام.
وفيه خلع السلطان على قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى قاضى الشام الشافعى وولده كامليتين صوف أبيض بسمور، ونزل بيت المقر المرحوم الجمالى ابن البارزى بعد أن قرر عليه ثلاثين ألف دينار، وركب معه قاضى القضاة الشافعى الأسيوطى والسيد المالكى ابن حريز.