← История

История · id 30026

إنباء الهصر بأنباء العصر

ابن الصيرفي المؤرخ

Полный текст (539 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وأصبح يوم السبت فركب السلطان وتوجه إلى القرافة فلعب بحضرته الرماحة فنصره الله على أعدائه آمين. وفيه وصل الخبر بأن عظيم الدنيا الدوادار الكبير - دامت سعادته - أخذ سيس وقلعتها، فلله الحمد والفضل والمنة. شهر ربيع الأول اختلف فى إثباته اختلافا زائدا، فشهد جماعة من المؤقتين عند القاضى الشافعى برؤيته ليلة الأحد فما قبلهم (١)، وصعد يوم الإثنين لتهنئة السلطان بالشهر ورفقته قضاة القضاة وكنت معهم، فلما جلسوا وهنّوه بالشهر قال له السلطان - نصره الله -: «الشهر من البارح» فأخذ عنه القاضى الحنفى فى الجواب، فقال السلطان: «أنا رأيته الليلة الماضية وهو كبير»، فقال القاضى المالكى: «الكبر ما هو شرط» وانصرفوا. ثم إنى رأيت فى يوم الاثنين قصة بخط القاضى الشافعى مؤرخة بثالث ربيع الأول، فعلمت أن القاضى الشافعى أثبت الشهر كما قال السلطان (٢)، والله المستعان. وفى هذا اليوم أو الذى بعده وصل سلاخورى وهجان من عظيم الدنيا المقر الأشرف العالى السيفى؟؟؟ من مهدى - مهد الله له البلاد والعباد - وأخبر أن الأمير؟؟؟ كور طيب، وأن العساكر والأمراء كذلك وهم مقيمون على عينتاب. و؟؟؟ أن شاه سوار المخذول جهز جماعة من أخصائه وأعوانه وأمرائه نحوا من ستمائة نفر وأكمنوا فى بعض الطرق بالقرب من عينتاب ليمنعوا الميرة الواصلة إليهم والمتاجر والبضائع، فأرسل إليهم الأمير خير بك

стр. 352

من حديد الأشرفى وصحبته أربعمائة مقاتل من جهة، وأرسل الأمير إينال الأشقر وصحبته ما ذكر مع خير بك، وتوجه كل أمير بجماعته من جهة، فالتقى الأمير خير بك بهم فقتل من أعيان السوارية (١) ثلاثين نفرا وقبض منهم على جماعة وهرب الباقون. وجرح من العسكر بعض جراحات سالمة، فأكرم السلطان القاصد وخلع عليه كاملية سمور، وخلع عليه بقية الأمراء الألوف كوامل فاجتمع له ثمانى كوامل، وأعطاه السلطان فوقانيا بطراز زركش ومائة دينار وفرسا عظيمة، ولله الحمد على ذلك. يوم السبت سابعه طلع الوالى بثلاثة من الحرامية بين يدى السلطان فرسم بتوسيطهم فشفع فيهم الدوادار الثانى فقطعت أيديهم. وفى هذه السنة كثر غرق الناس بالبحر والخلجان حتى النسوة، والأمر لله. ووصل الخبر فى هذه الأيام أن شاه سوار ركب للصيد فساق فرسه فكبابه فانكسرت رقبة الفرس وانكسرت رجله اليسرى، فحمل إلى محل إقامته، وحصل ريح عاصف فانكسرت خيمته. وفى هذه الأيام كثر النداء بالقاهرة على لسان متولى الحرب عن المقام الشريف - نصره الله - أن أحدا لا يشكو إليه حتى يقف لقضاة القضاة وللحكام فإن لم يخلص يصعد إليه، فإن القصص والشكاوى كثرت لديه على الأكابر والأصاغر حتى شكى عظيم الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله شخص يسمى يوسف السمسار على ما بلغنى ممن أثق به فإنه احتال عليه من جهة عبد الرحمن بن الكويز وقبل حوالته وحاسب بالحوالة ابن

стр. 353

الكوير وكتب عليه بها مسطورا، فلما عزل ابن الكويز وله عليه مال غير هذا أراد [أن] يتخلص فلا بارك الله فيه. وشكى المحيى ابن الشحنة قاضى الحنفية للسلطان بسبب دين عليه. وفى يوم الأحد خامس عشره عمل المولد السلطانى على العادة وحضره قضاة القضاة والأمراء الألوف الموجودون بالقاهرة - وهم ثمانية أنفار - خلا قراجا (١) الطويل فإنه لم يحضر، وكان مولدا عظيما وسماطا حافلا وهيئة عظيمة. وانقطع سد سنيت على البحر، ولا بالى به. وانتهت زيادة البحر إلى يوم تاريخه الذى هو السابع عشر من ربيع الأول الموافق الخامس توت إلى أصبع من تسعة عشر ذراعا. وفيه كسر سد الأمبوبة كسره الوالى وأعوانه، والحمد لله على هذه النعمة الجليلة. وفى يوم السبت رابع عشره ركب السلطان - نصره الله - وتوجه لجامع عمرو بن العاص ليكشف عنه، فإنهم وقّفوا له أرباب الشعائر وذكر له أن أرباب الوظائف ما يباشرون، فركب وكشف الجامع بنفسه وتصدق على جماعة من المجاورين به ورسم بعمارة ما تهدم منه؛ فتقبل الله منه قبولا جميلا ونصره نصرا عزيزا. وتوفى الشيخ الصالح المجذوب المعتقد محمد بن صالح الأزهرى (٢) فى يوم الأحد ثانى عشريه وكانت تذكر له كرامات، وكانت له جنازة مشهودة وحضرها جماعة من أعيان الدولة، نفع الله به.

стр. 354

يوم الخميس سادس عشريه صعد المقر الزينى أبو بكر بن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط إلى القلعة من سفره من البلاد الشامية وقبل الأرض وعليه كاملية فحمل أحمر بسمور خلعها عليه الأمير حاجب الحجاب بدمشق عن نائبها هذا، بعد أن خرج الناس لملاقاته إلى الخانكاه وإلى بلبيس، وركب فى نويسات، وأوقد له أهل الذمة اليهود والنصارى لكونه ناظر الجوالى، وهرع الناس للسلام عليه، ولم يخلع عليه السلطان شيئا. يوم الجمعة سابع عشريه قدّم المقر الأشرف الزينى سيدى أبو بكر ابن المقر المرحوم الزينى عبد الباسط للسلطان من الخيول خمسة وثلاثين فرسا، ومن البغال عشرة أرؤس، ومن البعلبكى مائة ثوب، ومن الشقق الحرير مائة شقة، ومن المخمل الكفوى والصوف والسنجاب والسمور والوشق والشواشى شيئا كئيرا. وسمعت غريبة هى أن شاه سوار المخذول جهز جماعة من جهته فى هيأة العثمانية خديعة للأمير الدوادار الكبير يسألونه فى الصلح بينه وبين شاه سوار المخذول، فلما وصلوا إليه أكرم مثواهم وأنزلهم وأجرى عليهم ما يحتاجون إليه، فنم جماعة منهم عليهم عند بعض الأمراء أن سوارا هو المجهز لهم وأنه قصد الكبس عليهم ويكون هؤلاء معهم الخبر فقبض عليهم وقيّدوا، والله أعلم بحقيقة ذلك، إنه العالم والحاكم. شهر ربيع الآخر أهل بيوم الثلاثاء الموافق له من أيام الشهور القبطية تاسع عشر توت. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكنت حاضرا مع النواب، فوقف شخص للسلطان يشكو القاضى الشافعى بسبب خان السبيل الذى تحت نظره، وأنهى أن بالخان مسجدا وأن الجمالين

стр. 355

جعلوه مخزنا لمتاع الجمال ويخيطون فيه الزرابيل، وأنه منعهم من ذلك فتعصب عليه جماعة وأحضروا له رسلا من عند القاضى الشافعى ونائبه ابن مظفر وصار يشتكى ويستشكى، ومن جملة ما صدر منه الكلام واللغط أن قال: «أطلع إلى الله!!»، وسمع ذلك قاضى القضاة المالكية وأنكره وأراد أن يفعل معه الشرع فقال له بعض رفقته: «يبلغ السلطان فيقول تعصب القضاة عليه»، كل ذلك بجامع الفلعة، ثم طلبوا ودخلوا بالحوش السلطانى فهنّوا السلطان وجلسوا، فبادر المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله وقال لقاضى الحنفية: «عرفت السلطان عن وقف بنت يشبك بن آقبردى تدخل عليكم حتى قررتموه نائبا عنكم وأنه لم يصرف لأحد من المستحقين شيئا ولا يوقفكم على حساب الوقف وأن سيدى عبد البر الذى توجه لحلب ما تكلم على الوقف المذكور، فلما بلغ المسامع الشريفة ذلك رسم على آقبردى ورسم بتجهيزه إليكم لتعملوا مصلحة المستحقين ويعمروا التربة من الفائض»، ثم خاطب رئيس الدنيا ابن مزهر المذكور حفظه الله قاضى الحنفية فقال له: «وقفت عجوز فى قفص حمال للسلطان بهذه القصة مضمونها أن لها استحقاق (١) فى نظر على وقف، وأن ثم من يعارضها وينازعها فى ذلك بغير طريق شرعى، وأن غريمها سألكم فى قصة تعينوها له فامتنعتم، ثم بعد ذلك عينتموها على الشيخ خير الدين السنسى» فقال القاضى المالكى: «هذه المرأة حضرلى غريمها بمكتوب مكشوط مظلم فما رضيت أعيبه» فقال له الحنفى: «مرسوم السلطان أنت تكلم فيه بنفسك»، وهذا بعد أن قال الحنفى للسلطان وللحاضرين إن كتابته على الفصة حياء مما سأل فى التعيين، وانصرفوا على أن لا يحكم فى هذا الوقف إلا القاضى الحنفى وإن توجهوا إلى غيره من القضاة فلا يحكم فيهم إلا قضاة القضاة، وقرءوا الفاتحة ودعوا وانصرفوا.

стр. 356

يوم الجمعة رابعه وصل شاهين الجمالى شاد بندر جدة إلى الصحراء، وأصبح يوم السبت خامسه فصعد للسلطان وقبّل الأرض فخلع عليه وعلى من له عادة. وفى هذا اليوم رسم المقام الشريف بنفى دوادار الوالى الأقطع إلى طرابلس وتوجه رأس نوبة نقيب الجيش ونقباؤه، والسبب فى ذلك أن السلطان نصره الله بلغه أن الخواطئ يفعلن المنكر بالجنينة التى هى أرض الطبالة، ففحص عن من يأخذ جعلهم ورسم بالكبس عليهم، فتوجه دوادار الوالى المذكور فوجد جماعة أجنبيين من هذا المعنى فضربهم وحبس شريفا ثم أخذ جعلهم وأطلقهم، فبلغ السلطان ذلك ففعل به ما فعل، وقيل غير ذلك. والله أعلم. وثبت البحر فى هذه السنة على عشرين إصبعا من تسعة عشر ذراعا ولله الحمد والمنة والفضل والشكر الجزيل، لا إله غيره. وفى يوم السبت خامسه طلب السيد الشريف قاضى القضاة سراج الدين عمر بن حريز المالكى للسلطان لشكوى أقاربه بسبب تركة أخيه قاضى القضاة حسام الدين فطلع للسلطان وحصل كلام كثير أفضى آخره على الترسيم على قاضى القضاة المالكى وبات فى الترسيم فى طبقة الأمير الزمام، والأمر إلى الله الملك العلام. يوم الاثنين سابعه خلع على الأمير يشبك الجمالى بإمرة الحاج على عادته بعد أن كان تعين لها برسباى أستادار الصحبة فما نهض بها واستعفى منها. وخرّج السلطان الأرزاق التى كانت باسم القاضى حسام الدين بن حريز بالوجه القبلى القديمين والمتجددين. واستمر القاضى المالكى فى الترسيم بطبقة

стр. 357

الأمير الزمام ليغلق للناس مالهم على أخيه من الديون بحكم الربع كما التزم بذلك، خلا مال السلطان فإنه الكامل، والله المستعان. وأطلق الوزير قاسم من سجن الديلم إلى حال سبيله بأمر السلطان ومساعدة المقر الأشرف الكريم العالى الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين. [وفى] يوم السبت المبارك ثانى عشره رسم لقاضى القضاة سراج الدين عمر بن حريز بالتوجه إلى منزله من طبقة الزمام بعد إقامته بها ثمانية أيام وهرع الناس للسلام عليه، وصنع عظيم الدنيا ابن مزهر الأنصارى ناظر الإنشاء حفظه الله مدة عظيمة وقرأ ختمة فى ليلة الجمعة المباركة المصبحة ثانى عشر شهر تاريخه وأصبح فعمل نفطا وأطلقه بالبركة فكان له مجلس عظيم، واجتمع فيه عدة خلائق على عادة للتفرجين والمتهتكين، فحفظه الله على المسلمين. وفى الرابع عشر من شهر تاريخه سقط بيت فى الجسر المشهور بجسر بسباى فى البحر وغرقت امرأة مرضعة وطلعوا بها ولم يعرفوا للولد أثرا ولا خبرا. وفيه شفع فى الأقطع دوادار الوالى الذى كان المقام الشريف رسم بنفيه فرجعوا به واستمر بطالا بداره. يوم السبت رابع عشره ركب السلطان وفى خدمته الأمير الكبير وبقية الأمراء وتوجه إلى خليج الزعفران فنصبوا له الخام وتغدى وأقام إلى آخر النهار وركب العصر وتوجه إلى القلعة، وبينما هو فى أثناء الطريق رآى جنازة امرأة فصلى عليها إماما وصلى عليها الأمراء مأمومين فنصره الله وما رأيت أكثر من محاسن هذا السلطان - نصره الله - ومن عدله ولطفه ورفقه وتواضعه للضعيف والفقير والبائس والمحتاج مع شدة سطو حرمته على الجبابرة والمتمردين والظلمة والفجار والمتكبرين فجزاه الله أحسن الجزاء

стр. 358

ونصره الله على الأعداء، وأدام ملكه وثبت قواعد دولته؛ فمن محاسنه الشريفة ومآثره المنيفة على ما بلغنى أنه توجه مرة لخليج الزعفران وانفرد عن عسكره بمفرده كما هى عادته فوجد شيخا عاجزا بيده حمارة محملة من البطيخ الذى هو بالفقيرى وقد عيت الدابة وثقلت وسقط الحمل، فنزل عن فرسه - نصره الله - وحمل الحمّار وسأله عن حاله فأخبره «الحمار عاجز» فأعطاه خمسة دنانير وقال له «اشترى بهذه بهيمة أقوى من هذه»، وأمثال هذا كثير. وأنشأ - نصره الله - بالحوش السلطانى إلى جانب الدكة التى يحلس عليها مقعدا عظيما وهو مهتم به كاهتمامه أيضا بعمارة الإيوان - الذى كان خرب - المجاور للقصر وجاءا فى غاية الحسن من البناء الجليل والرخام الملون والأحجار العظيمة والذهب واللازورد وأمثال ذلك، ولعل مصروفهما يصل إلى خمسين ألف دينار. وعمر أدام الله ملكه آثارا كثيرة كانت درست وعفت رسومها وتغيرت فأحياها بنشر فضله العميم وأعادها فوق ما كانت عليه فى أحسن تقويم. هذا مع إحجام من تقدمه من الملوك العظام، ولكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله هو الملهم والسلام، والعجب أن القلعة أصبحت مشرقة من البناء والبياض الساطع بعد أن كانت سوداء مظلمة فى الهيئة والسكان، فصارت يشار إليها بالأصابع لما أمر بعمارتها وهان عليه صرف المال، فألهمه الله الحق والعدل فى الحال والماضى والمآل. ومن أعظم محاسنه: كاتم سره ورئيس دولته ولسان مملكته القائم فى الحق بقلبه ولسانه ويده، وهذا ديدنه فى ورده وصدره، محب عباد الله من الصلحاء والعلماء والفقهاء سيما الفقراء، وهذا أشهر من علم على قبس تحدى به

стр. 359

الركبان فى الآفاق والبلدان، وليس الخبر كالعيان، فجلّ الملهم المنان. وأما عفته وتفضله وخضوعه وخشوعه وزهده وديانته وأمانته وعقله ولين جانبه وقربه ممن يعلم أنه من حزب ضده وإظهاره البشاشة والقرى وعدم احتجابه عن أحد من خلق الله مع أصالته الباهرة المعزوة للأنصار، وعواقبه الناطق بها كل لسان فى الأقطار والأمصار فلا أطيق عدها ولا حصرها، ولو أن أعضائى جميعا تكلمت حتى صار ملجأ وملاذا لمن يقصده، وغياثا ونصيرا لمن يؤم بابه أو يسترفده، حتى إذا حلف الحالف أنه ليس له فى عصره نظير وهو فوق الغصن النضير حفظ الله مهجته وأدام بهجته وحماه من طوارق الحدثان هو ومن يلوذ به ما ائتلف الفرقدان واختلف الجديدان. ووقع فى يوم الجمعة ثامن عشره أن شخصا من كبار المفسدين من بنى حرام يعرف بابن زامل كان مسجونا مدة طويلة بسجن الجرائم، وأراد السلطان قتله مرارا، وكان حضر صحبة المفسدين الذين حضر بهم الأتابك أزبك أمير كبير من بلاده وصلبهم ورسم بقتل هذا، غير أن عليه مالا لجهة ديوان السلطان فسجن ليوزن المال ويمضوا فيه أمر الله تعالى، ثم نقلوه من سجن الجرائم إلى أن أودعوه بقاعة المسجونين بين السورين المجاورة لبيت المقر الأشرف الأتابك أزبك - عز نصره - فصار يحسن لأصحاب السجن وللقائمين بأعبائه وصاروا يخرجونه فى كل قليل بالحديد فى عنقه ويتوجه فى القاهرة إلى بعض أصحابه فيدفعوا له دراهم ويأكل ويعود فيعطى من يتوجه معه المائة درهم والمائتين ولو كانوا اثنين أو ثلاثة، واستمر على ذلك حتى [إذا كان] هذا اليوم المذكور الذى هو الجمعة ثامن عشر شهر تاريخه ذهب على عادته ليأخذ من أصحابه ما يتنفق به فخرج فى الحديد وصحبته صبى السجن، وأراد الرسول يتوجه معه فقال

стр. 360

فصبى السجن: «أنا فى الحديد والذى يأخذه الرسول أنت أحق به»، فقبل قوله وتوجه معه إلى الباطلية أو ما يقرب منها إلى قاعة برحبة الأيدمرى من ناحية البرقية، وأراد الدخول إليها فامتنع المرسم عليه وكان قد أكمن له فيها رجالا ذوى عدد وعدد، فضربه إنسان على رأسه وأخذ المفتاح وفتح القفل وضرب أيضا بدبوس محدد فسقط، وأركبوا ابن زامل المذكور فرسا وتوجهوا به إلى حيث شاءوا، واستمر الذى كان معه ملقى على قارعة الطريق، فبلغ أهله ذلك فحملوه وهو لا يعى ولا يفيق. يوم الأحد حادى عشريه سافر المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ إلى البحيرة لأجل تخضيرها. وفيه وصل جماعة من بلاد ابن عثمان فى البحر وصحبتهم عدة من الفرنج وأسرى من المسلمين ظفر بهم العثمانية عند دمياط، فاقتتلوا معهم وانتصروا عليهم وصعدوا بهم للسلطان: والحمد لله على ذلك، إنه الولى والمالك. يوم الخميس رابع عشريه عزل السلطان - نصره الله - القاضى السيد الشريف الأرميونى (١) نائب قاضى القضاة المالكية الذى حانوته ومحكمته فى جانب شوارع الشوايين، وسبب عزله أن شخصا يسمى «فلان الرماح» - وهو من جهة السلطان - تخاصم مع جماعة من أهل جامع الأزهر وشكاهم إلى الوالى وغرمهم نحو المائتى درهم، فلما خلصوا من بيت الوالى شكوه من الشريف المذكور وادعوا عليه أنه شكاهم وغرمهم المبلغ المذكور، فاستفسر عن ذلك فقال: «هم ضربونى فضربتهم»، فسألهم: «هل ضربتموه؟» فأنكروا وحلفوا ولم يكن له بينة، فأمر بتعزيره وألزمه بدفع المبلغ الذى غرّمه لهم، ثم

стр. 361

ألزمه القاضى المذكور أن لا يطالبهم بنفسه ولا وكيله إلا بمستند شرعى بعد دعواهم فقال: «من السلطان» فقال له القاضى: «ولا من السلطان»، مع أن الخصم المذكور - كما قدمنا - من جهة السلطان نصره الله، فصعد لحضرة السلطان وأخبره بما وقع له وزاد ونقص، فطلب السلطان الشريف فلما مثل بين يديه قال له: «أنت معزول» وعدّد عليه ذلك. وكان السلطان فى حدة مفرطة بواسطة سعد عبد الأمير زين الدين، فإنه طلبه وسأله عن مال أستاذه فقال: «أنا عبد ولا يطلعنى على المال»، فنهض السلطان من مجلسه ولكمه ثلاث لكمات فسقط مغشيا عليه، وفعل [السلطان] بعبد الوهاب مباشر زين الدين المذكور كذلك، ورسم بسجن عبد الوهاب بالبرج وبسجن سعد فى الطشطخاناه، وبعيد إن وجدوا لزين الدين مالا. ومما وقع من الحوادث فى الأحكام العجيبة أن شخصا شكى ولده عند المحتسب وادعى عليه بثلاثة آلاف دينار، فأنكر الولد ذلك وحلف ولم تقم عليه بينة، فرسم بحبسه ليدفع مالا فى جهته. وفيها أن شخصا ادعى عند المحتسب على شخص بمال فأمر بوزن المال فى بابه وإلا يضربه، فتدخلوا على صاحب الحق فأفرج عنه ودخلوا بشاورونه عليهما، فاحتد وغضب كون خصمه أفرج عنه وصار يهدده إلى إن عاد يشكو من عنده أحد ليفعلن به ويتركن. وفى هذه اليويميات توعك قاضى القضاة الحنبلى بعلة حلقه وضعف بدنه، وتوجه إليه غالب الأعيان. يوم الإثنين ثامن (١) عشريه نودى بوفاة بدر الدين محمد سبط البلقينى

стр. 362

المشهور بابن (١) جنة، وحضر جنازته القاضى الشافعى والشيخ أمين الدين الأقصرائى وأعيان البلد وله أخوان لم يحضرا غسله ولا جنازته، لأنهما صعدا للسلطان وشكيا له أن أختهم احتاطت على موجود أخيهم الميت وأحضرت شهودا وهو ضعيف فشهدوا عليه أنه ملّك داره لها، فعارضه رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - كاتب السر حفظه الله - وقال للسلطان: «هذه وصية ومرجعها إلى الشرع» فحصل غاية الإنصاف، ولله الحمد. شهر جمادى الأولى المبارك أهل بيوم الاربعاء الموافق لثامن عشر بابه لأن ربيع الآخر جاء ناقصا. فيه صعد قضاة القضاة ومشايخ الإسلام لتهنئة السلطان بالشهر، وكنت حاضرا المجلس، وكان السلطان - نصره الله - يلعب الرمح فانتظره القضاة طويلا بالجامع، وانتظره الشيخ أمين الدين بباب الدهيشة وسبق فسلم على السلطان قبل القضاة على خلاف العادة، وكان جالسا بالمسطبة التى أنشأها بآخر الحوش عند سكن ولد الملك الظاهر جقمق والأشرف إينال فى عظمة زائدة ببشتميخ هائل بعد أن لعب الرمح إلى قريب الظهر وهم ينتظرونه وهو لابس سلاريا صوفا أبيض بسنجاب، فسلم القضاة ودعوا وانصرفوا، وعظم السلطان القاضى الحنفى وسأله بالجلوس على مقعده الذى هو جالس عليه مرارا حتى امتثل مرسومه فى ذلك. وفى هذه اليويميات أو قبلها بيسير تولى دمياط شخص من الأتراك يسمى

стр. 363

جان بك الخاسكى الظاهرى عوضا عن جقمق بحكم عزله، وغضب الأتابك أزبك عليه. واتفق فى هذه الأيام أن شخصا من قضاة الريف يعرف «بقاضى البرلس» باع صغيرا حرا لبعض العربان فعرفه أبواه وشكيا القاضى للسلطان فضربه بالمقارع وسأله عن القصة فقال: «إن هذا الذى يدعى أنه أبوه باعه لى بشهود» فطلب منه الشهود فلم يشهدوا بشئ واستمر فى الترسيم، والله عالم بكل شئ. يوم الخميس ثانيه حضر قاصد عظيم الدنيا الأشرف الكريم العالى المولوى المدبرى المنقذى المشيرى الوزيرى أمير دوادار كبير وأمير أستادار العالية وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وأمير الباش على العساكر المصرية والشامية وما مع ذلك يشبك من مهدى مهد الله له البلاد والعباد من أنطاكيا إلى القاهرة فى سبعة عشر يوما، والمحضر ناصر الدين محمد بن نائب قلعة بهسنا ونائبها وعلى يده مطالعة تتضمن «إن العدو المخذول شاه سوار تفلل جمعه، وحضر إلينا عدة من عساكره، وأن الغلاء عنده عظيم، وأنه فر من الجبل الذى كان مقيما عليه وإنا ملكنا الجبل المذكور منه، ونستأذن الصدقات الشريفة هل نتبعه فى الجبال أم لا، وقد بلغنا قتل قرقماس نائب ملطية ودمرداش نائب سيس وضرب أعناقهما صبرا». واتفق فى هذه اليويميات أن السلطان أمر بتجهيز مال للأمراء والعسكر المسافرين صحبة الأمير يشبك الدوادار الكبير، سهل الله له كل عسير، جملته مائة ألف دينار، ورسم للمباشرين بتجهيزها وتوجيهها فجهز المقر الزينى - كاتب السر حفظه الله - له أربعة آلاف دينار والمقر الكمالى ناظر الجيش نظيره، وكان قبل هذا طلب من المباشرين ثمن خيل، فجهز المقر الزينى - كاتم السر حفظه الله - أربعة آلاف، والمقر الكمالى ناظر الجيش مثله، ووزن الأستادار وناظر الخاص خمسة عشر ألف دينار، والمقر الشرفى الأنصارى

стр. 364

ألفى دينار، والمقر العلمى ابن الجيعان مثله، وجهزت أم الصاحب جمال الدين يوسف ابن كاتب جكم - جدة ناظر الجيش - ألف دينار، ومن كاتب المماليك وناظر الاصطبل أيضا. ووصل الخبر أن المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ الظاهرى أمير كبير الذى هو مسافر فى البحيرة تغيظ على نائبها تنبك الأشرفى برسباى (١) وضربه، ولما بلغ السلطان ذلك ما أعجبه ولام المقر الأشرف العالى السيفى تمر (٢) الحاجب على هذا ليكاتبه فإنه خجداشه. يوم الخميس تاسعه خلع السلطان - نصره الله - على الأمير أزبك الظاهرى المشهور بناظر الخاص الخازندار الثانى واستقر به فى نيابة عنتاب التى أخذت من شاه سوار وعينت وظيفته ثم بطل ذلك بعد يومين بسعى كبير واستقر على عادته. ليلة السبت المصبحة عن حادى عشر شهر تاريخه توفى قاضى القضاة عز (٣) الدين أحمد بن قاضى القضاة برهان الدين إبراهيم بن قاضى القضاة نصر الله بن أحمد بن أبى الفتح الكنانى العسقلانى الحنبلى عالم الحنابلة، وصلى عليه من الغد بسبيل المؤمنى لأجل أن السلطان سأل فى الصلاة عليه، ودفن بحوش الحنابلة المقابل لمدرسة كوكاى بالقرب من تربة السلطان إينال، والحوش فيه أسلافه وقضاة الحنابلة كابن العماد وغيره، وكانت له جنازة حافلة اجتمع فيها القضاة والعلماء والرؤساء وأرباب الوظائف ولم يخلف بعد مثله، وأجمع المسلمون

стр. 365

كافة على عفته وتواضعه وزهده وتقلله من متاع الدنيا حتى إنه كان لا يدع على بابه - من حين ولى القضاء وإلى أن مات - نقيبا ولا رسولا ولا نائبا يحكم على بابه فى نوبة. أخبرنى ﵀ أن مولده فى ذى القعدة سنة ثمانى مائة بالقاهرة ونشأبها فحفظ كتاب الله وكتبا فى العلم، وقرأ القرآن تجويدا على شيخنا ابن الزراتيتى، وسمع الكثير على خاله الجمال عبد الله بن العلاء الكنانى، وكذا سمع على الشرف ابن الكويك (١) وخلق، وأجازه الشيخ زين الدين العراقى وعائشة (٢) ابنة محمد بن عبد الهادى، ولازم شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر رحمهما الله فى بداية أمره كثيرا، وانتفع به فى أشياء منها كتابه الذى صنفه فى الأشعار التى سمعت فى المنام، وكان للدهر به جمال. وأخذ الفقه عن مجد الدين سالم وقاضى القضاة علاء الدين بن مغلى (٣) وقاضى القضاة محب الدين بن نصر الله ولازمه ملازمة كثيرة؛ وأخذ النحو عن الشمس البوصيرى (٤) واليسير منه على الشطنوفى، ولازم حضور الدروس عند جماعة من العلماء فى عدة من العلوم منهم العز ابن جماعة وانتفع به كثيرا، وبالعز ابن عبد السلام البغدادى فى علوم شتى منها العربية والأصلين والمعانى والبيان والمنطق والحكمة وغيرها من العلوم، وشمر عن ساعد الجد إلى أن شاع ذكره واشتهر فضله وعلمه، وفاق الأفران، وناظر وأفتى ودرس، وصار هو المشار إليه فى الحنابلة، وناب فى القضاء وهو شاب - وسنه نحو العشرين سنة - عن شيخنا قاضى القضاة علاء الدين بن مغلى، ولم يشتهر عنه بل ولا قيل إنه أخذ على الأحكام شيئا

стр. 366

فإنه كان له ما يكفيه من أملاكه وأطلابه ومرتباته إلى غير ذلك، ثم بعد ذلك ترك هذا الباب أصلا وصار يقرأ عليه فى منزله وغيره، وكان يركب حمارة ويجعل تحته خرجا مملوء خبزا ويتصدق به فى الجبانات وغيرها، وكان كثير التردد لأصحابه والتودد بلفظه وبشاشته وتواضعه حتى ولى قضاء الحنابلة بالديار المصرية مسئولا فى ذلك بعد القاضى برهان الدين البغدادى، واستمر إلى أن مات. وصنف وحدث واشتهرت تصانيفه وكثرت حتى إنه لم يدع علما من العلوم إلا وصنف فيه، ودرس بالشيخونية والمؤيدية والأشرفية وقبة الصالح والحاكم والبديرية، كل ذلك غير التداريس المضافة له، وحج مرارا منها الحجة التى حج فيها ورفيقه المقر المرحوم الزينى عبد الباسط، وأهدى له فيها عدة أشياء من أصناف المأكولات والمشروب فلم يقبل منها شيئا، وكذلك أرسل إليه الأمير جانبك الجداوى وصولا بقمح له جانب فأخذ الوصول لعلمه أنه لا يرضى إلا بقبوله ولم يرسل بقبضه، فلما كان فى العام الآتى أرسل له نظيره فأخرج للقاضى الوصول السابق وأعلمه بعدم قبول شئ، وكذا أرسل إليه الظاهر خشقدم تقدمات فما قبلها. وهذا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى - نصره الله - رسم له بشئ فلم يقبله، وقيل إنه قبله وفرقه على الفقراء، وزار بيت المقدس ودخل الشام فما دونها، وسافر إلى دمياط وغيرها من المحلة والقرى. وله مآثر جميلة وأوصاف حميدة وسيرة صالحة، فمن مآثره الحسنة الجميلة إنشاؤه سبيلا ومسجدا ببيته المجاور لبيت الأمير تمر حاجب الحجاب، ومدرسة مجاورة لبيته الذى بباب سر الصالحية، وأنشأ أيضا مدرسة بشبرا مجاورة لملك أنشأه بها على شاطئ النيل من ضواحى القاهرة إلى غير ذلك، وفى الواقع

стр. 367

فماله من نظير، وقد شهد له شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر رحمهما الله بعد موت المحب أنه «عالم الحنابلة» وعظمه فى عدة مواضع من مصنفاته منها «رفع الإصر عن قضاة مصر»، وكذا عظمه الشيخ شمس الدين السخاوى الحافظ المحدث فى الذيل الذى صنعه على رفع الإصر ترجمة عظيمة تبلغ كراسة فى كامل السالى. وكان بارعا فى الأدب، يحب المداعبات والألفاظ الفصيحة، وكتب أشياء من ذلك لأصيل الخضرى، وله نظم رائق ونثر فائق وخط شائق، إلا أنه كان يعلقه بحيث أنه فى غالب الأوقات لا يعرف يقرؤه، وكتب من مؤلفانه البدر السعدى تلميذه كثيرا وانتفع به ورباه ورقاه وجعله أكبر النواب، وأذن له فى الإفتاء والتدريس فصار هو المشار إليه، ولقبه «بالشيخ»، وعظم قدره، وترفع عن تعاطى الأخذ على الأحكام، وصار يحضر عقود المجالس عند الأمراء، وهو المشار إليه بين الحنابلة فى مذهبه، وهو أقرب وأصلح لدخوله فى هذا الباب بعد أستاذه لعقله وعلمه وخبرته بالأمور. ومن نظم صاحب الترجمة عفا الله عنه فى لغات الأنملة والإصبع قوله: وهمز أنملة ثلّث وثالثة … والسبع فى أصبع واختم بأصبوع وقوله ﵀ مضيفا لبيت الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض نفع الله به: بانكسارى، بذلتى بخضوعى … بافتقارى، بفاقتى، بفناكا لا تكلنى إلى سؤالى وجدلى … بالأمانى والأمن من بلواكا ووقفت على نظم ونثر وفوائد جمة لو ذكرتها فى هذا لطال، والله ولىّ الأفضال.

стр. 368

وتوفى القاضى ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الله الزفتاوى القاهرى الشافعى أحد النواب بالديار المصرية فى ليلة الجمعة عاشره، وكان قد حفظ فى صغره «المنهاج» وعرض على جماعة منهم مجد الدين إسمعيل الحنفى والحافظ ولى الدين بن العراقى والهيثمى وابن الفصيح وغيرهم، وأجاز له ابن الملقن والأنباسى قطعة، وحدث، وسمع منه الفضلاء، وأخبرنا مخدومنا الشيخ الحافظ شمس الدين السخاوى أن البقاعى قرأ عليه بعد أن أطلق لسانه فيه، وصنف فيه جزءا سماه «أشلاء الباز، على ابن الخباز» وما علمت وصفه بابن الخباز لماذا، وكان ﵀ مزجىّ البضاعة من العلم، وبيننا وبينه صحبة، وسفر إلى الحجاز الشريف فى سنة أربعين وثمانى مائة أو بعدها لما كان الأمير تمر باى التمر بغاوى رأس نوبة النوب دوادارا ثانيا فى دولة الأشرف برسباى لما قرره أمير الحاج، وكان صاحب الترجمة إمامه. وكان ظريفا خليعا بسطا منادما كثير الحشمة، وعمره تخمينا نحو الثمانين سنة، ﵀ وعفا عنه. وتوفى الشيخ شمس الدين محمد بن على بن جعفر بن مختار، الحسينى نسبا، القاهرى مولدا، الشافعى مذهبا. عرف «بابن قمر» ودفن من الغد بعد أن صلى عليه بمصلى باب النصر، وكان مولده بعد الثمانى مائة، ونشأ نشأة حسنة فحفظ القرآن واشتغل فى الفقه وأصوله والعربية وغيرها، وأذن له فى التدريس، وأقبل على الطلب، فسمع من جمع ورحل إلى حلب وما دونها فى طلب الحديث ولازم شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر - رحمهما الله - ملازمة تامة فى المساء والصباح، وكتب أكثر مصنفاته وغيرها بخطه، وضبط أسماء الذين يحضرون السماع عنده وكان يحصل له بذلك شئ من الحطام، وقدمه للاستملاء عليه بعد وفاة مستمليه الشيخ رضوان وكان يميل إليه ويرفده بالعطاء والإحسان كثيرا، وأمّ بالخانقاه البيبرسية مدة فعرف بها، ولما توفى شيخنا المذكور

стр. 369

﵀ ناب فى القضاء عن القاضى شرف الدين المناوى الشافعى، وحصل له فاقة فرغب عن إمامة الخانقاه. وكان إنسانا جيدا متواضعا لينا متقللا من الدنيا قانعا باليسير منجمعا عن الناس خصوصا فى آخر عمره، واختصر «الأنساب لابن الأبار» وكذا شرع فى اختصار «الأطراف للمزى»، وأخذ عنه بعض الطلبة، وخلف بنتين متزوجتين وبيت المال، وضمت تركته مائتى دينار، وخص سعيد السعداء منها شئ يسير، والله تعالى يعفو عنه ويسامحه ويغفر له. وفى يوم الثلاثاء ثالث عشره توفى يوسف شاه العلمى ابن الكويز بعد ضعف وانقطاع، وكان قد استمر فى «المعلمية» عوضا عن البدرى حسن ابن الطولونى مرتين، واستقر فى نظر القرافة عوضا عن أبى بكر المصارع الذى كان من جهة الظاهرى جقمق، وولى كشف الجيزية بواسطة الصاحب أمين الدين إبراهيم بن الهيصم وولى كشف التراب من باب الأستادار، وتكلم فى سواقى القلعة التى تحمل إليها الماء من مصر القديمة، وتنقلت به الأحوال وأملق حاله لكنه [كان] مستورا، وصاهر القاضى بدر الدين الحلاوى بواب أدر الضرب وفى الواقع كان هينا لينا لا بأس به. ﵀. وفى ليلة الاثنين ثامن عشريه توفى بدر الدين محمد بن على المناوى القاهرى، عرف بابن جنة، ونسب لأمه وهجر انتسابه لأبيه لكونها ابنة الشيخ بدر الدين محمد بن شيخ الإسلام البلقينى، وكان قد باشر نيابة القضاء عند القاضى سراج الدين عمر الحمصى لما ولى قضاء دمشق، وصاهر الخليفة أمير المؤمنين. ثم ناب فى القضاء عن القاضى علم الدين البلقينى بسفارة ما بينهما من النسب ولكنه لم يتعاط الأحكام بالقاهرة إلا فى النادر، ثم عزل وصار يتجر فى النماش وغير ذلك، وصلى عليه

стр. 370

من الغد بجامع الحاكم ودفن فى حارة بهاء الدين بفسقية كان القاضى ولى الدين ابن تقى الدين صنعها لنفسه بمدرسته التى استجدها بحارة بهاء الدين قراقوش بالقرب من المدرسة الشريفية القديمة، ودفن الولى البلقينى فى فسقية أعدها صاحب الترجمة لنفسه بدمشق فكانت غريبة. وخلّف ثلاثة إخوة: امرأة ورجلين، وحرم أخويه المذكورين وخصص للأخت وابنتين دارا فأوقفها على إحدى بناته وأخته، والله تعالى يجمع بينهم ويحكم فيهم بعدله، إنه العليم بكل شئ. وفى يوم الثلاثاء حادى عشريه شكى المحتسب للسلطان شركاؤه فاحتد السلطان عليه وهدده وذكر له أمورا. وفيه قبض على شمس الدين محمد صيرفى جده المشهور بابن عبد الرحمن وطلبه فى خلوة وهدده بأمور، وذكر له أنه صدر منه قبائح وقال له: «كم لك سنة صيرفيا بجدة»، فقال: «أربع سنين»، فرسم أن يؤخذ منه عشرون ألف دينار وهو مقيم بالطشطخاناه، وسبب القبض عليه أن السلطان طلب من المحتسب وشاهين نائب جده خجداشه أن يقترضا له عشرة آلاف دينار من أم أستاذهم فما وافقت على ذلك وأظهرت عجزا وشكاية، فغضب السلطان على ما بلغنى فى الباطن، وفى الواقع فهذا السلطان آخر الملوك العادلة فإنه خوّل المحتسب وشاهين فى البلاد المصرية والحجازية. ووصل المقر الأشرف الكريم العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى من البحيرة فى ليلة السبت المسفرة عن خامس عشرى شهر تاريخه ولم «يتكمل» تخضير البحيرة مما صنع فيهم ابن غريب من الظلم فى العام الماضى من القياس. وشكى إلى السلطان فى هذا اليوم شخص من الخاصكية يسمى «دولات

стр. 371

باى حلاوة الأشرفى على تغرى برمش من حميد الدين الإينالى الأشقر الذى استقر أمير عشرة، وهو صهر خليل بن أرغون شاه وأخذ إفطاعه، ورسم له السلطان أن يعطيه منه فى كل سنة مائة ألف درهم، وسبب ذلك أن دولات باى المذكور كان أمير عشرة فعيّنه السلطان لتجريدة شاه سوار فامتنع فقال له السلطان: «كيف تأخذ الإمرة»؟ فقال: «مالى بها حاجة، خذوها» فقال له السلطان نصره الله: «استخير الله»، فاستخار ورمى إمرته فأخذها السلطان ودفعها لهذا المذكور، ورسم أن تكون له إمرة بمبلغ أربعمائة ألف درهم، والمائة الألف التى تفضل من الإقطاع تكون لدولات باى وهو بطال، وطالبه أول سنة فما دفع له شيئا وقال له: «لو جانى قايتباى ما أعطيتك شيئا» وشكاه للسلطان فأضمرها فى نفسه، وجاءت هذه السنة ففعل كما فعل فى الماضى فشكاه للسلطان فأغلظ فى الجواب، فرسم له السلطان بلزوم بيته وهدده فيه، فخرج من الحلقة واجتمع خجداشيته من الإينالية بوسط الحوش فرآهم السلطان فطلبه وطلب العصى، فشفع فيه الدوادار الثانى ومن كان حاضرا، فرسم السلطان بالدواة وكتب بإقطاعه فكتب لغريمه دولات باى وانفصل الحال على ذلك، والله الولى والمالك. وفى يوم الثلاثاء حادى عشريه وقف أولاد ابن إينال للسلطان هم وأرباب الوظائف بمدرسة جدهم، وأظهر كل منهم فتاوى بخط الشيخ أمين الدين الأقصرائى والشيخ محيى الدين الكافيجى والشيخ قاسم الحنفى، فرسم السلطان - نصره الله - لرئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى - حفظه الله - أن يعلم قضاة القضاة والمشايخ الذين أفتوا بينهم أن يحضروا مجلسه فى يوم السبت خامس عشريه، فلما كان يوم السبت المذكور صعد قضاة القضاة الثلاثة ونوابهم - وكنت حاضرا - ومن نواب الحنابلة إثنان: الخطيب الحنبلى والسعدى، والشيخ أمين الدين الأفصرائى والشيخ قاسم وأتباعهم وجلسوا بالحوش السلطانى

стр. 372

بالمصطبة التى أنشأها فى آخر الحوش تحت المكان المقيم فيه الخليفة الذى كان سكن المنصور بن الظاهر جقمق والمؤيد بن الأشرف إينال، وجلس الشيخ أمين الدين تحت المالكى والشيخ قاسم تحته، ومن يسار السلطان القاضى الحنفى وتحته الشيخ بدر الدين ابن القطان، وتحته الخطيب الحنبلى والشيخ خير الدين الشنشى وبقية الناس خلفهم، وامتلأت المصطبة من القضاة ونوابهم والفقهاء خصوصا جماعة الشيخ أمين الدين، وأبطأ الشيخ محيى الدين الكافيجى وطال انتظاره فجهز له السلطان قاصدا، وسأل السلطان من الحاضرين عن فتواهم فقالوا: «الحق معنا ونحن أفتينا بالمذهب» وصار أتباعهم يقولون: «الكافيجى غلب هرب». ثم إن الشيخ بدر الدين بن القطان تكلم مع السلطان أنه يدرس بالخروبية بمصر، وأن بها جماعة لم يحضروا، وأن المتحصل بها ما يفى الثلث وأن الجابى عجز مما يشتكى بالنقباء والجلبية، والمسئول من الصدقات الشريفة بروز المرسوم الشريف للقاضى كاتب السر حفظه الله بكتابة مرسوم للجابى أن لا يطالب إلا من الشرع الشريف، فرسم له بذلك؛ ثم سأل السلطان - نصره الله - من الشيخ بدر الدين بن القطان من هو الناظر على هذه المدرسة فقال: «القاضى الشافعى»، فالتفت السلطان إليه وقال له: «أخربت الأوقاف» مرتين، فصار الشافعى فى هيئة الأموات، ثم أنه باس يد السلطان، وسأله أن يخرج الأوقاف عنه ويصير القضاء معه بلا أوقاف، فقال له: «أنت عاجز» فتلقى عنه المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر - عظم الله شأنه - وصار يتلطف بالسلطان ويقول: «يا مولانا السلطان، من مائتى سنة مارآى المسلمون سلطانا مثلك» فسكن غضب السلطان. وبينما هم فى ذلك حضر شيخ الشيوخ محيى الدين الكافيجى ومعه نحو ستة نفر فى خدمته من طلبته، وهم العماد الكردى والقاضى شرف الدين يحيى الدمسيسى الشافعى وغيرهما، فلاقاه الدوادار الثانى - حفظه الله وعضده - وصار حامله من إبطه حتى وصل به

стр. 373

إلى السلطان، فقام له المجلس بتمامه واعتنقه السلطان وأكرمه، فجلس تحت قاضى الحنفية المحب ابن الشحنة فسأله السلطان: «أنت أفتيت فى الإدخال أو فى الإخراج»؟ فقال «لا وإنما سئلت عن لفظ من وكلما، فأفتيت بأنهما عام». فقال جماعة الشيخ أمين الدين الاقصرائى: «مرحبا بالوفاق، اقرؤا الفاتحة وانصرفوا»، فقال اللسلطان نصره الله: «إلى أين تذهبوا»؟ ثم التفت إلى الشيخ محيى الدين وسأله: «قولك هذا عام: أولاد إينال يجوز إدخالهم وإخراج غيرهم»؟ فقال: «نعم»، فالتفت إلى الشيخ أمين الدين وقال: «لو أقمتم إلى المغرب ما فارقتكم. إيش الجواب عن ذلك؟» فقال الشيخ قاسم وغيره من الحاضرين: «هذا خاص بأهل المدرسة»، فالتفت الشيخ محيى الدين وقال للسلطان وللدويدار ولقاضى القضاة الحنفى: «هذا الرجل - يعنى قاسم الحنفى - لا يعرف النحو ولا اللغة ولا الأصول ولا الفقه، وإنما يعرف الحيل، وهو محجور عليه فى الفتوى لأنه يأخذ عليها رشوة، وهذا يسمى مفتى ماجن وقد ألفت هذا الكتاب» - وأخرج كتابا فيما كان وقع بينه وبين الشيخ قاسم من الكلام قبل هذا وأعطاه للدويدار، فأخذه الدويدار فدفعه للشيخ قاسم فقال: «أنا ما قصدته بشئ» فأحضر كتاب الوقف وقرأه للمقر الزينى ابن مزهر حفظه الله بين يدى السلطان ومضمونه بالمعنى: أن السلطان الظاهر جقمق وقف على مدرسة إينال وقفا، وجعل النظر فيه لابن إينال، وجعل له أن يدخل من شاء ويخرج من شاء كلما بدى له، فقال السلطان: «هذا كتاب الوقف إيش جوابكم عن ذلك؟»، فقال الشيخ محيى الدين للشيخ أمين الدين: «أنت رجل مفتى وعالم، وأبو حنيفة ﵁ وأبو يوسف كانا يتناظران فى المسألة الواحدة كم مرة، فلا أنت أبو حنيفة ولا أنا أبو يوسف، وهذا المقام من أى العموم؟ من

стр. 374

عموم الأفعال ولا من عموم الأوقات ولا من عموم الاقوال؟» فقال: «هذا من عموم الأوقات» فتبسم الشيخ محيى الدين الكافيجى وقال: «هكذا العلم!! هذا من عموم الأفعال» فقال: «أنا ما قلت إلا من عموم الأفعال» فقال: «السلطان سمع والحاضرون»، ثم قال له: «هذا التخصيص الذى تدعونه من أى تخصيص؟» فأجاب بشئ، فقال: «هذا تقييدو فرق بين التقييد والتخصيص»، واستمر البحث بينهم فى ذلك، فانتقلوا أعنى الشيخ أمين الدين والشيخ قاسم إلى أن قالوا إن السلطان إذا وقف وقفا من أراضى بيت المال لا يجوز له فيه شرط ولا زيادة ولا نقصان ولا إدخال ولا إخراج، فقال الشيخ محيى الدين: «هذا القول بخلاف ما تقول» وأخرج كتابا فقرأه المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله، فقال الشيخ قاسم: «النقل بخلاف ذلك، وهو فى قاضى خان»، فقال قاضى القضاة الحنفى: «قاضى خان طالعته وليس فيه ذكر شرط ولا زيادة» قالوا «مفهومه» قال الشيخ محيى الدين: «المفهوم عندنا ليس بحجة» فقالوا له: «مفهوم الدليل لا مفهوم الكتاب» فقال لهم: «هذا محكم»، ثم قال الشيخ محيى الدين: «هذا الوقف محكوم به، والقاضى إذا حكم عندنا فى شئ - ولو كان زورا - ينفذ ظاهرا وباطنا» فثار عليه - أعنى على الشيخ محيى الدين - جماعة الشيخ أمين الدين مثل الشيخ صلاح الدين الطرابلسى وغيره، وصار الشيخ قاسم يقول له: «أنت ما تعرف هذه المسألة فى كتاب بل ولا وقفت عليها»، وصار علاء الدين المتوفى - نائب الحنفى - راكبا على كتفى الشيخ أمين الدين والشيخ قاسم وهو من خلفهما يكلم الشيخ محيى الدين بمالا يليق، ومن جملة قوله: «إيش هذا الخباط؟» وهو خلف الحلقة وينادى بأعلا صوته: «يا قاضى كاتب السر اسمع لى كلمتين»، ويقول لدوادار السلطان أيضا كما يقول لكاتب السر،

стр. 375

فما وسع كل منهما إلا ترك خطابه إلى أن قال له السلطان نصره الله: «اسكت» فصار يقول: «والله لولا أن السلطان قال لى اسكت ما سكت». هذا مع أن السلطان قال لصلاح الدين ولغيره: اسكتوا، ومع هذا فجماعة الشيخ أمين الدين يطلقون ألسنتهم فى الميمونى ويقولون له: «قم يا صبى النحس عن كتف الشيخ»، واستمر البحث بينهم والكل يساعدون الشيخ أمين الدين بالألفاظ الخارجة عن البحث خلا قاضى القضاة محب الدين والشيخ بدر الدين بن القطان. وقام السلطان من المجلس ورسم لهم أن لا يتوجهوا من المجلس حتى ينهو هذه القضية، فقام الشيخ أمين الدين والشيخ قاسم ليقضيا حاجتهما، فانتدب الشيخ عثمان المقسمى وسأل من خلف الحلقة من قاضى القضاة الحنفى عمّا ما قاله المشايخ من أن السلطان إذا أقطع أرضا من بيت المال هل له زيادة ونقص وإدخال وإخراج أم لا؟ فأمره القاضى الحنفى بالدخول إلى وسط الحلقة فجلس والسلطان غائب، وجلس بجانب المقر الزينى ابن مزهر حفظه الله والأمير الدوادار الثانى وصار يعلى صوته بأن كلام الشيخ فى العموم لا منازع فيه وإن صح كلامهما، أعنى الفريق فطاح ذلك. ثم حضر السلطان وطال النزاع فعند ذلك سئل القاضى الحنفى عن هذه القضية «الحق فيها مع من؟» فقال: «مع الشيخ محيى الدين ولو كان الظاهر حقا» ورآى أن إينال أخرج وقفه فضربه وأدبه، ثم قيل لقاضى الحنفية: «أنت إمام المذهب، أحكم فى هذه القضية»، فقال: «إذا أفتى المفتيان ليس للقاضى أن يحكم حتى يتبين له الراجح من المرجوح»، ثم إن القاضى المالكى قال: «إذا اختلف الأمر [عن] مذهبنا فالسلطان يقضى فى القضية»، فحولها القاضى الحنفى للمالكى فنفر منها. ثم إن القاضى الحنفى قال: «المصلحة أو ما يشبه ذلك

стр. 376

فى المصلحة»، فقال الشيخ أمين الدين مجيبا له: «هذه دورتكم» فقال له القاضى الحنفى: «والله وتالله وبالله ما هو صحيح منك، ولا لى فى هذا دورة ولا غرض» فأمّن الحاضرون على صدق مقالة القاضى، ثم التفت القاضى الحنفى له وقال: «هذه فتاوى بخطك إحداهما فيها جواز الإدخال والإخراج، والأخرى بخلافها» فأمره السلطان بقراءتهما فقرأهما القاضى الحنفى فاشتد الأمر، ثم سأل السلطان عن أهل المدرسة كم أخرج عنهم، فقيل له عشرة آلاف درهم فى كل سنة، وسأل عن الذى أوقفه السلطان: أهو على أهل المدرسة بعينهم أم على قوم غيرهم يحضرون؟ فقال: «بل عليهم وغالبهم لا يحضر»، وقال الجلالى: «المتكلم على المدرسة يتكلم» فقال له السلطان: «أنت مرافع». وآخر ذلك رسم السلطان أن يشترى للمدرسة من ماله رزقا يعمل عشرة آلاف درهم فى كل سنة ويوفقه عليهم عوضا عن ما أخرجه ابن إينال لأولاده، فقال: «بل يكون ذلك لأولاد ابن إينال» فغضب السلطان من ذلك وقال: «أناما أحب تعصّب»، فقال القاضى الحنفى: «يعمل الذى قال السلطان ويعذروا ويحكم به ويلتزموا»، وانفض الأمر على ذلك ودعوا وانصرفوا، فسلم الشيخ محيى الدين أولا وانصرف، ثم سلم الجماعة كلهم حتى الجلالى؛ فلكمه السلطان فى رأسه وقال له: «أنت ما تخرج زكاة» وانصرفوا، فبينما هم فى أثناء الطريق وإذا بالعلاء الميمونى قام يتكلم بخباطه بين يدى القاضى الحنفى فقال له: «يا قليل الحيا، ما يكفيك ما فطت مع الشيخ محيى الدين فى مجلس السلطان؟» قال: «فغيرى ما تكلم»، قال: «غيرك أقل أدبا منك، تنادى القاضى كاتب السر فى مجلس السلطان ليساعدك على الكافيجى؟». *** يذكر عن الشيخ شمس الدين الشروانى العالم الراهد أنه من أربعين سنة رآى الكافيجى ببلاد الروم يقرئ «الكشاف» وحلقته فيها من العلماء خلق

стр. 377

لا يحصون. وأمثال ذلك من محاسنه، واستمر الميمونى فى عياط وسباط وخفة وهو راكب على ظهر فرسه إلى أن وصل إلى باب الوزير فأمره القاضى بنزوله من ظهر فرسه تحت بيت الشيخ أمين الدين الأقصرائى، فأنزلوه ثم شفع فيه فأطلق. ولعمرى هذا الميمونى عديم التدبير فإن كلا الفريقين غير راض عنه، وأسمعوه ما يكره، ثم أذكر فى جنونه أنه تقدم له واقعة سقناها قبل هذا من أشهر مع القاضى كاتب السر فى حكم حكمه ثم رجع عنه، وشكى إلى السلطان فدفعه إلى القاضى كاتب السر فسأله عن البينة لينظر فيهم فأجاب بجواب خشن، فأمر بإحضار العصى فشفع فيه الحاضرون فأمر به إلى السجن فتوجهوا به، ثم تدخلوا عليه حفظه الله حتى أطلقه، وأمثال ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله، وخرج وظائف قاضى القضاة عز الدين الحنبلى بعد بعد موته التى هى غير مضمونة لوظيفة القضاء لجماعة، فالأشرفية خرجت لابن الشيشينى، والشيخونية باسم السعدى، والمؤيدية باسم الشيخ جمال الدين يوسف بن قاضى القضاة محب الدين نصر الله البغدادى، وقبة جامع الصالح والأطلاب باسم ولد بنته، ووالده ابن هشام هو المتكلم عليه. يوم الاربعاء تاسع عشريه ركب السلطان على عادته وتوجه إلى الخانكاه وقد قدمنا فى غير موضع من هذا الكتاب أن نحن لسنا بصدد ضبط ركوبه فإنه تزايد جدا. وفيه (١) رأوا الهلال وقوسه أربع عشرة درجة وخمسا وأربعين دقيقة ونوره

стр. 378

إصبع ونصف، وثبت على القاضى محب الدين أخى قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى. شهر جمادى الآخر أهلّ بيوم الخميس (١) لأن الذى قبله جاء ناقصا ويوافقه من أيام الشهور القبطية سابع عشر هاتور القبطى. فيه صعد قضاة القضاة خلا الحنبلى - لوفاته - لتهنئة السلطان بالشهر وهنوه بالمصطبة التى استجدها بآخر الحوش ودعوا وانصرفوا. يوم الجمعة لبس السلطان الأشرف أبو النصر قايتباى [١٤٠ ب] عز نصره الصوف المعد لبسه للشتاء، وكان لبسه فى هذه السنة سابقا على العام الماضى بقليل، وخلع على الأمراء على العادة. وفيه توجه القاضى الحنفى المحب ابن الشحنة لملاقاة ولده القاضى سرى الدين عبد البر من سفرته لحلب فحضر فى يوم السبت ثالثه ودخل الخانكاه فى موكب من نواب أبيه وجماعتهم، ووالده راكب معه فأقام بالمدرسة الأشرفية يوم السبت ورحل منها أول الصبح، وكانت غيبته سبعة شهور وأياما فكانت على والده قدر سبعين عاما، فإنه عبارة عن أبيه فى القضاء من جهة العبانين (٢) وتنفيذ الأمور وقضاء الحوائج، وحصل للشريف الوفائى المعين لعمل الاستبدالات والحموى نقيب الجوهرى ابتهاج وسرور زائد به، ولا قوه فى بلبيس وصحبتهم صهره الذى عمله نائب ابن ظهير، ولا قاه جماعة من الرؤساء منهم الأمير يحيى

стр. 379

ابن الأمير يشبك الفقيه والأمير فارس المحمدى الذى كان ولى الوزارة والقضاء، وحضر له قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى إلى الخانكاه وبات عنده وحضر معه إلى بيت والده، فهرع الناس للسلام عليه ومنهم رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله والمقر الشرفى الأنصارى والمقر الكمالى ناظر الجيش وأخوه والمقر التاجى ابن المقصى ناظر الخاص والمقر الشرفى ابن غريب والأمير تنبك قرا الدوادار الثانى والأمير جانبك حبيب أمير آخور ثانى ومن يشابههم ويماثلهم، واستمر الناس يردون لهم أفواجا أفواجا، وتوجه لهم الشيخ محيى الدين الكافيجى وعمل مدة عظيمة وأكلنا منها، وتوجهنا. يوم الاثنين خامسه صعد القاضى عبد البر بن الشحنة إلى السلطان وقبّل يديه فأكرمه وأرسل يسلم على والده ونزل إلى بيته وقد ركب معه بعض نواب الحنفية فى خدمته ولم يلبس خلعة وكان فى لبسه، إلى أن حضر إليهم رئيس الدنيا ابن مزهر للسلام عليهم وصحبته الشرفى الأنصارى وأراد الانصراف وقام القاضى ليسلم عليهم فأخبروه أن السلطان عزل الشريف الوفائى - الملقب «بدموع» - من الحكم والقضاء ولذلك أسباب منها أن الشيخ شمس الدين الأمشاطى الحنفى له مدة يسعى فى ذلك ووجد له فرصة، وقد تكلم الناس فيه وفى عبد البر قاطبة بما تمجه النفوس مما يصدر منها، وبلغ ذلك مولانا الإمام الأعظم نصره الله وأنه يتعاطى كذا وكذا، ومنها أن العلائى سيدى على بن خاص بك أعزه الله أخبروه عن الشريف أنهم وجدوا غلمانه وشهوده عند زوجة شخص من غلمانه وأخبروه أنه يجلس فى بين القصرين فى محل الحكم وهو غائب الذهن، فطلبه وهدده فيمكن (١) أنه أعلم السلطان به،

стр. 380

ومنها أن العلاء الميمونى لما عزله القاضى الحنفى فى واقعة الشيخ أمين الدين والشيخ محيى الدين سعى عند الأكابر وأعيان الدولة إن السلطان يوليه فامتنع من ذلك وقال: «أستاذه يوليه» فتكلموا فى الشريف وأفعاله. وأما قضيته مع الشيخ شمس الدين الأمشاطى فهو - أعنى الشريف - ظالم عليه لأن ابن زوجته توفى وكان شابا رجلا نائبا فى الحكم الحنفى ومجلسه بالصالحية، وقد أسف عليه فإنه كان عنده كولده وكذلك والدته فأخذ مجلسا بالصالحية وجلس بالإيوان وصار لا يحتشم معه ويتكلم مالا ينبغى، ثم أخذ له دكة عظيمة وضعها بدهليز الصالحية وصار يجتمع فيها بجماعة من شهوده وخدمه (١) وصبيانه وإذا مر عليه لا يقف له وقال له الشيخ: «هذه الدكة جلوسها بدعة فى هذا المكان لأن الواقف ما جعلها»، فأجابه: «وإن الواقف ما أمرك أن تجعل لك دككا داخل المدرسة» وتكلم الشيخ شمس الدين مع الأمير تنبك الدوادار فى أمره، وهذا ما وصل إلى علمى، مع أن الشريف المذكور كريم النفس وعنده ذكاء لكنه جميع ما يحصله يضيعه فى وقته وزيادة عليه، وعليه مرتبات لعبد البر وجماعته ولأجل هذا [فإن] عبد البر ما يعين الاستبدالات والأشغال الهائلة إلا عليه. يوم الثلاثاء سادسه ركب السلطان بعد العشاء بخمسين درجة وتوجه لبركة الجب ورمى الرماية فتوجه معه الأمير الكبير وغيره من الأمراء الألوف، خلا أمير آخور فإنه مقيم بالاصطبل السلطانى، واصطاد السلطان ثلاث كراكى وبلشون ورجع فدخل القاهرة من باب النصر فى موكب عظيم جسيم هائل ملوكى بالقماش والشاش، والأمراء الألوف بكوامل سمور بمقالب سمور، والسلطان

стр. 381

نصره الله راكب وبين يديه البزادرة والخيول الجنائب والطبر دارية والأوزان والشبابة السلطانية والجاويشية والوالى ونقيب الجيش والدوادار الثانى والأمراء العشرات والطبلخانات والمحتسب، والخاسكية مشاة فى الخدمة الشريفة من باب النصر إلى القلعة، وقدمت له عدة قصص فرسم بأخذهم (١) لينظر فألهمه الله العدل فى أقواله وأفعاله، وركب المباشرون وأرباب الدولة ورؤس النوب وغالب مماليكه المشتروات ومقدم المماليك ورأس نوبة النوبة الكبير، وكان له مهابة زائدة وأبهة عظيمة. وتصدق السلطان نصره الله بصدقات كثيرة، فنصره الله وأيد به الدين وخلد ملكه أبد الآبدين، آمين. ومما لا يستغنى عنه وينبغى تدوينه ما أخبرنى به رفيقنا وصاحبنا القاضى محيى الدين البدماصى قاضى بولاق عن صهره الشيخ الإمام البرهان الكركى إمام مولانا السلطان أن الأتابكى أزبك من ططخ أخبره (٢) شخص من الصلحاء أن سوارا مقبوض عليه فى هذه الأشهر، وأنه انكسر وأن العسكر انتصر عليه، فاللهم حقق ذلك بمحمد وآله. وفى هذه الأيام وصل قاصد سلطان الهند المسمى غياث الدين، وصاحب الهند هذا تولى عن السلطان خلج الدين وحضر صحبته بهدية سنية للخليفة والسلطان وكتب تتضمن الدعاء والمحبة ويريد تقليد الخليفة له ما وليه، فإن العادة إذا تسلطن سلطان بتلك البلاد يجهز هدية ويسأل أمير المؤمنين أن يرسل له خلعته ويوليه على عادة من تقدمه. وفى ثامنه أو تاسعه وقف للسلطان تجار سوق الأخفاف وكانوا قدموا له قصة وهو طالع القلعة من الرماية مضمونها أن [١٤٢ ا] الوزير استجد عليهم

стр. 382

مظلمة، وهو أنه كان عليهم فى كل شهر أربعمائة درهم فلوسا فصار يأخذها ثلاثة آلاف، فرسم السلطان نصره الله لابن غريب أن يجريهم على عادتهم، فتوجهوا إليه فما وافق لكنه جعلها ألف درهم وخمسمائة درهم، فوقفوا له ثالثا فأبطل مكس الأخفاف مطلقا، فالله ينصره ويحفظه ويخذل أعداءه، آمين. يوم الاثنين ثانى عشره وقعت بطاقة من قطيا مضمونها أن قاصد الدوادار حضر ببشارة خير وفى أثرها حضر هجان المقر الأشرف العالى السيفى يشبك عظيم الدنيا أمير دوادار كبير وباش العسكر وعلى يده كتاب للسلطان، فأخذه الدوادار الثانى ودفعه لرئيس الدنيا ابن مزهر كاتب السر فقرأه على السلطان والدوادار يسمع فوجدوه يخبر بكل خير، وكانت قراءة الكتاب سرا فأمر السلطان - نصره الله - المقرّ الأشرف الكريم الزينى ابن مزهر بقراءته جهرا على العسكر فامتثل ذلك. ومضمونه على ما خبرنى به من لفظه المقر الزينى المذكور حفظه الله على المسلمين بعد البسملة والدعاء والثناء «إنى أردت التوجه من المكان الذى أنا به إلى غيره فما وافقنى أحد من العسكر، فقلت أستخير الله وأستعين به وبنبيه وما أرجع عن طلبى، وسرت فتبعونى إلى أن وصلت بالقرب من نهر جيحون فجهزت المقر الأشرف الكريم العالى السيفى إينال الأشقر أمير رأس نوبة النوب وصحبته عدة من الأراء الشاميين وغيرهم من المشاة وهم بطبول وزمور وسلاح وشطفة ونفوط وما أشبه ذلك ليحاصروا ويقاتلوا من وجدوه، ثم أردفتهم بالأمير دولات باى سلاق وصحبته عدة من المماليك السلطانية والأمراء العشرات وصحبته طبلخاناة ونفط وزمور وشطفة، وتوجه من ذكر إلى أدنة ثم أعقبهم أيضا بالأمير جانم الزردكاش فى عدة من المماليك السلطانية والأمراء

стр. 383

من العشرات والطبلخانات وصحبته مكحلة صنعها بمدينة إياس، فلما رآى (١) أهل أدنة ما حل بهم أرسلوا يعلمون شاه سوار - خذله الله وأذله - وصار الباش المذكور - نصره الله يمدهم بغالب ما عنده من العسكر، وعند الأمير المذكور - وقاه الله كل محذور - كشافة يكشفون له خبر شاه سوار، فأعلموه أنه قريب من وطاقه وأنه فى عسكر يسير. «فركب - نصره الله - فى عدد قليل ومشى هيا فلاح له عسكر شاه سوار عند نهر جيحون فبادر المماليك السلطانية للهجم عليهم والوقيعة فيهم فمنعهم من ذلك ورمى عليهم بالنشاب حتى رجعوا وأفهمهم أنه فر منهم خائفا فتبعوه واستمروا فى أثره حتى يتكامل العسكر وأقام بعضه وهو الكفيلى برقوق نائب الشام على ما قيل لى عند الوطاق والباقون فى خدمة الدوادار وتلاقوا مع عسكر سوار، فما كان إلا مقدار عشر درج - وللمبالغة - أو شربة ماء حتى انكسر عسكر شاه سوار وركب العسكر أقفيتهم فقتلوا منهم خمسمائة نفس وأسروا منهم ثلاثمائة نفر، وما صدهم عن قتلهم أجمع إلا دخول الليل، ومات من المماليك السلطانية إثنان وغرق واحد وجرح الأمير تمراز الشمسى أحد المقدمين الألوف بسهم فى رجله إلا أنها سالمة، وقاتلوا إخوة شاه سوار قتال الموت وبيضوا وجوههم وأخبروا أن الأمير الباش - عز نصره - أرسل خادع أخا شاه سوار حتى حضر إليه، فخلع عليه وأركبه فرسا بسرج ذهب وكنبوش زركش وأنعم عليه بخمسمائة دينار، وفعل بأخيه الآخر كذلك، وإنا نحن جهزنا هذه المكاتبة فى ليلة التاسع والعشرين من جمادى الأولى وغد ريخه ينظر فى بقية القتلى فى المعركة ويتتبع آثار العدو المخذول». وذكر عظيم الدنيا - نصره الله - الذى هو الدوادار الكبير سهل الله

стр. 384

له كل عسير عن العربان الذين سافروا فى خدمته أنهم قاتلوا أحسن عراكا من قتال التركمان فإنهم مالهم منعة ولا قوة سوى أن ولوا الأدبار، فخلع السلطان على الهجان - الذى هو القاصد - كاملية سمور وخلع عليه بقية الأمراء وأرباب الدولة وعظماؤها وحصل بذلك غاية السرور للمسلمين والمسئول من كرم الله تعالى القبض عليه بعد ذلك ودخوله إلى القاهرة كما وقع فى زمن الأشرف برسباى ﵀ لما ملكوا قبرص ودخلوا ملكها وما ذلك على الله بعزيز. وظهرت كرامة الشيخ الصالح الذى أخبر المقر الأتابكى فى ثامن عشرى جمادى الأول أن شاه سوار المخذول انكسر وسيقبض عليه وأخبر السلطان بذلك حتى إن السلطان أخبر كاتم سره بها حفظه الله فأرّخها. وأخبرنى إمام مدرسة الأشرف برسباى بالعنبربين إنه كان فى صلاة الصبح فى المدرسة المذكورة ثامن عشرى شهر تاريخه وإذا بشخص دخل المدرسة وصاح بأعلى صوته: «سوار انكسر» ولما سلّمت سألت من الحاضرين: «سمعتم ما سمعت؟» قالوا «سمعنا ورأينا هيئة صوفى أو ما أشبه ذلك وانصرف». وفى ثالث عشره عزل قانصوه الجمالى عن كشف الجسور والدم بالشرقية واستقر تغرى بردى الذى كان دوادار الصاحب علاء الدين بن الأنباسى عوضه ووزن ألف دينار وقرر عليه مالا يقوم به لديوان المفرد السلطانى، ووقع فى أمسه أو فى الذى قبله أن أبا السعادات البلقينى الذى تولى قضاء الشافعية بالديار المصرية بعد صلاح الدين المكينى فى دولة الظاهر خشقدم شكته زوجته وبنت عمه بنت البلقبنى التى كانت زوجا للخليفة المستنجد بالله أبى المظفر يوسف - دام شرفه - للسلطان بإغراء أخيها صلاح الدين المذكور، فأرسل إليه الأمير ناصر الدين ابن أبى الفرج نقيب الجيوش المنصورة رأس نوبته وأربع نقباء صحبة

стр. 385

عبد زوجة القاضى صلاح الدين المذكور بغير إذن السلطان، فلا جزاه الله خيرا، وتوجهوا إلى منزله بحارة بهاء الدين وأرعبوه وذهبوا به إلى بيت نقيب الجيش وهم حوله، حتى إنه أراد التوجه لبيت المقر الأشرف الزينى ابن مزهر حفظه الله فما مكنوه، وبلغ ذلك المقر الزينى المذكور فطلبه وطلب زوجته وسألها ما سبب ذلك فادعت أنها استدانت له مائتى دينار وخمسين (١) دينارا، وأنها كلما طالبته بذلك يأسى (٢) عليها ولا يدفع لها شيئا، فرسم لهما أن يحضرا غدا تاريخه [١٤٣ ب] فى بيته ويحضر الشيخ جلال الدين ابن الأمامة ويقضى بينهما فى ذلك على الوجه الشرعى، فانظر إلى إهانة القضاة والعلماء والأصلاء، وانظر إلى النساء وكيدهن وانظر إلى حقارته ودناءة نفسه كيف أبقاها فى عصمته، ما ذاك إلا عدم عقل، فالله المستعان. وفى يوم الأربعاء رابع عشره وقت الأذان ركب السلطان من قلعة الجبل وفى خدمته الأمراء الأكابر والأصاغر على العادة لرماية الغمّازة (٣) وببيت ليلة الخميس ويحضر فيه تقدمة ما جهز له من الأغنام والأوز والدجاج والحلوى والسكر والفواكه من المباشرين وأرباب الدولة. وفى ليلة الخميس هذه التى هى الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين وثمانى مائة خسف جرم جميع القمر من بعد عشاء الآخرة بأربعين درجة وقيل ثلاثين واستمر نحوا من ثلاثين درجة وعملوا (٤) النسوة عادتهم القديمة القبيحة من ضربهم على الأوانى النحاس وهو محمر جميعه.

стр. 386

يوم الخميس خامس عشره حضر السلطان من الرماية بعدما اصطاد عدة من الكراكى والبلشون وصعد إلى القلعة من ناحية الصليبة، ولم يصح شئ مما قالوه (١) العوام من القبض على شاه سوار لكنه تفاءل ويكون ذلك قريبا ببركة نبينا ﷺ وشرف وكرم. يوم السبت سابع عشر موصل قاصد من الأمير تمراز الشمسى وعليه مطالعته ومطالعة غيره من الأمراء المجردين للبلاد الشمالية ومتحصل ما فى مطالعتهم بالمعنى «أن عظيم الدولة باش العسكر المقر الأشرف العالى السيفى أمير دوادار كبير وما مع ذلك سهل الله له كل عسير انتصر على شاه سوار وضرب رقاب نحو خمسمائة نفر وأسر ثلاثمائة نفس، وجهز قبل ذلك الأمير إينال الأشقر رأس نوبة النوب والأمير دولات باى سلاق والأمير جانم الزردكاش ومن معهم إلى حصار أدنة، واستمر الأمير يشبك المذكور على الخيول وأخذ معه عليق ثلاثة أيام وتبع شاه سوار، وأن أدنة أخذت ووجد فيها من المعاملة مائة وخمسون مثقالا، ومن إخوة سوار ثلاثة أنفار»، وحصل بذلك السرور والابتهاج. وفيه وقف [١٤٤ ا] جماعة من عوام المحلة للسلطان وشكوا له من ظلم ابن زوين الكاشف بها وتكلموا مالا يليق وطلب منهم بينة فأجابوا إن ما لهم بينة، فضربوا على أكتافهم وانصرفوا. ليلة الثلاثاء العشرين منه ركب السلطان نصره الله من قلعة الجبل والباقى للأذان ستون درجة وتوجه لرماية بركة الجب والمعروفة أيضا ببركة الحج على العادة، وفى خدمته الأمراء الأكابر والأصاغر فاصطاد خمس كراكى وأنواعا من الطيور ودخل من باب النصر فى أبهة زائدة، والطبردارية حوله والبزادرة بين يديه والجاويشية أمامه والجنائب السلطانية والشبابة والأوزان، ومشى الأمراء

стр. 387

الذين لهم عادة - كالوالى ونقيب الجيش والمحتسب والعشرات وبعض طبلخانات والأمراء روءس النوب والحجاب - أمامه والمباشرون على عادتهم، ودعى له الناس دعاء عظيما وابتهجوا به وقدّموا له القصص فمنها قصة تتعلق بالأطرون، وقصة فى القاضى المقسمى ادعى عليه شخص يسمى تقى الدين الطيورى الحلبى المشهور بخروف بمائة دينار عند قاضى الحنفية ابن الشحنة فاعتقله عليها وغير ذلك، فأما الأطرون فله مدة ومحتال به السقايين بالقلعة الشريفة فى جوامكهم ويتعذر إزالته، ووقفوا له قبل ذلك فأمر بضربهم وإخراجهم، وأما المقسمى فقال: «الشرع يعمل معه» وشاع وذاع وملأ الأسماع أن بطاقة قاصد القاضى ابن مفلح الذى طلب من دمشق وهو قاضى قضاتها ليستقر فى قضاء الديار المصرية أخبر عنه أنه ضعيف وعاجز عن الحركة والهرم وأنه لا طاقة له بذلك، وأشيع حضور تاج الدين ابن شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة سعد الدين سعد بن الدميرى الحنفى من القدس ليستقر فى وظيفة قضاء الحنفية بمال تقدم ذكره، وبعيد أن وصل إلى منى وسوّأ علىّ رحلتى ومقامى. يوم الخميس ثانى عشريه دار المدراء يخبرون بوفاة ولد المقر الأشرف الكريم العالى السيفى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى أمير كبير وعمره سنتان أو دونهما، وصلى السلطان عليه والأمراء وقضاة القضاة وكانت له جنازة حافلة وكيف لا وأبوه الأتابك، وجده لأمه الظاهر جقمق، ودفن بتربة جده المذكور، وإلى الله ترجع الأمور. [١٤٤ ب] يوم الخميس بل الأحد خامس عشريه وصل بطاقة الأمير قنباى صلاق من البلاد الشامية من قطيا قاصدا من عظيم الدنيا الدوادار الكبير عز نصره فاهتموا به وبملاقاته، ووصل، القاهرة فى يوم الاثنين سادس عشره وصعد القلعة وتمثل بين يدى السلطان فخلع عليه بعد أن قبل الأرض ويد السلطان وقرئت مطالعته ومضمونها بالمعنى أن بعض العسكر استمر فى طلب

стр. 388

شاه سوار المخذول إلى أن ظفروا بما يتعلق به من قماش وبرك وخيوله وأعوانه، وصاروا فى قبضته. هذا بعد أن استكملنا أخذ القلاع التى كانت معه بأجمعها، وقلعة سيس سلمت بالأمان، وأما العساكر المصرية فالنادر منهم يقيم بحلب والباقون يريدون التوجه للديار المصرية» فما أعجب السلطان ذلك وكظمها وخلع عليه بقية الأمراء الأكابر والأماثل والمباشرون الخلع السنية بالطرز الزركش والسمور والمخمل وغير ذلك، وبالغوا فى إكرامه لأنه من جهة السلطان وزوج قرابته. واتفق أن المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر كاتب السر ورئيس الدنيا بل ذى الرئاستين لما حضر إليه قانباى المذكور أحضر له مأكولا ومشروبا، وخلع عليه طرازا زنته مائة مثقال وعشرون مثقالا، ودفع له صرة فيها مائة دينار، فأعجب السلطان ذلك وبالغ فى مدحه المقر الأشرف المذكور حتى قال له لما رآه: «بيّض الله وجهك»؛ وفى الواقع فهو عمدة هذا الوجود بلغه الله السؤل والمقصود، فإنه محط رجال الملهوفين والقائم بحقوق المسلمين، ومجمع العلماء والأدباء والمحققين وروح المسلمين وما بالك بالجسد إذا كان بلا روح؟ فجزاه الله عن المسلمين خيرا. آمين. يوم الثلاثاء سابع عشريه وقعت حادثة غريبة بحارة بهاء الدين قراقوش وهو أن بالقرب من دار شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر قاعة مظلمة طويلة ساكن فيها شخص حلبى أعزب غريب، والقاعة ملك لشخص من أولاد عرب القديم، فاستمال الحلبى امرأة من بنات الخطا وأمها، ودفع لهما شقة حرير وذهب حضر بها إليه عجوز قوادة، وعليهما أقمشة مزر كشة وحرير وأساور ذهب وحلق ببلخش وفيروز ومرسلة ذهب بمسك وأمثال [ذلك] فأوسعهم شرابا من الخمر وصنع فيهم مالا يحل وخنقهم وأخذ ما عليهم وهرب وتركهم

стр. 389

فى القاعة المذكورة قتلى، فاستمروا نحو ثمانية أيام فشاع وذاع نتنهم، فهرع الناس إليهم فوجدوهم مخنوقين وآلات الخمر وبعضه باق والنسوة عرايا، فركب الوالى ونائبه فدفنوهم ورسموا على من عرفوا قتلاهم، وكذا قبضوا على صاحب الملك فأخذوا منه شيئا من الحطام، ثم أشيع بعد أيام من العوام أنهم قبضوا على جماعة يبيعون فى أعيان القتلى وما صح ذلك، والله الولى والمالك. يوم الاربعاء ثامن عشريه حضر ولد الناصرى نقيب الجيوش المنصورة اين أبى الفرج إلى قضاة القضاة الشافعى والحنفى والمالكى خاصة فإن الحنبلى من حين توفى من حادى عشر جمادى الأولى إلى تاريخه و [لمنصب] شاغر، وأخبرهم أن السلطان رسم للقضاة أن يحضروا بنوابهم بين يديه ليعرضهم. وسبب ذلك أن السلطان لما عزل الشريف كمال الدين عند حضور مخدومه القاضى عبد البر من البلاد الحلبية، وكان الشريف لاقاه من قطيا وتكلموا فيهما عند السلطان، ووجدوا للقول مساغا فصالوا وطالوا، فما هان عزل الشريف على بيت الشحنة، فسعوا بكل طريق من الأمير تمر الحاجب ومن الأمير تنبك الدوادار الثانى ومن رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى فتكلموا مع السلطان مرتين أو ثلاثا فما وافق على ذلك، فألحوا عليه حتى أن الأمير تمر المذكور قبّل رجل السلطان فرسم بعوده فأرسل رأس نوبته لبيت القاضى الحنفى وكذا الأمير الدوادار الثانى، فتوجه القاضى عبد البر بن الشحنة إلى بيت رئيس الدنيا ابن مزهر كاتب السر حفظه الله على المسلمين، وأخبره بما أرسل به الأميران إلى والده من رضى السلطان على الشريف وعوده إلى الحكم والاستبدالات، وسأله أن يسأل السلطان عن ذلك، فطلع فى يوم الاربعاء ثامن عشريه فوجد السلطان منشرحا فتكلم معه فى ذلك فاحتد وتغير وقام وقعد وغضب، وطلب والى الشرطة وأمره أن ينادى فى البلد حسب المرسوم

стр. 390

الشريف: أن أحدا من القضاة لا يحكم حتى يصعد [١٤٥ ب] إلى السلطان، فلا زال به المقر الأشرف المذكور حفظه الله على المسلمين إلى أن رسم لنقيب الجيش بما تقدم ذكره، وبات قضاة القضاة ونوابهم من كل مذهب بكل شر وسوء، فإن هذا عار عظيم وبهدلة زائدة وكسر قلوب لعباد الله المؤمنين، ومعلوم ما يترتب عليه من قوله ﷺ : «هدم الكعبة حجرا حجرا أهون عند الله من كسر قلب مؤمن» وما حصل للناس بواسطة عبد البر وصاحبه خير والله المستعان. وكانوا سببا فى قطع أرزاق المسلمين الذين لا يقدرون على إظهار السؤال المستحق غالبهم لتعاطى البر والصلات، والمسئول من وابل فيض دنيا الكريم الخلاق أن يحل هذه العقدة بالإطلاق وأن يستمروا على حالهم ببركة المصطفى المنزل عليه «ق» ﷺ وشرف وكرم، وكم وقع مثل هذا فى القديم حتى أن بعض السلاطين - وأظنه الظاهر برقوق - رسم بعرض الشهود فضلا عن القضاة وماتم ذلك، وكان فى دولة المؤيد شيخ والأشرف برسباى رسم السلطان لفضلة القضاة بتخفيف نوابهم ثم يتراجع الحال على ما كانوا عليه، واتفق مرة فى دولة الأشرف برسباى - وكان شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ إذ ذاك قاضى القضاة - أنه رسم له بعدد مخصوص فصار يجعل لكل جماعة منهم أياما معلومة ليتساووا فى الأحكام، وهذا من غاية الأحكام، فرحمه الله تعالى على عدد الشهور والأيام والأعوام، ونفعنا ببركته وأزال همنا وغمنا، آمين آمين. شهر رجب المفرد الأصم أهلّ بيوم السبت الموافق له من أيام الشهور القبطية سادس عشر كيهك لأن جمادى الآخر جاء تماما، وحصل فى أمسه مطر عظيم وغيم مطبق. فيه صعد قضاة القضاة الثلاثة - وهم القاضى ولى الدين الأسيوطى الشافعى
следующие страницы →