أرسله قبل ذلك المقر الأتابك قبل هذه المرة إليه فوجده فى نحو من ألفى نفر، ولا ذا بذاك، ولا عتب على الزمن.
وفى يوم الخميس الثامن والعشرين من ذى القعدة حضر إياس الطويل الذى كان نائب طرابلس فى دولة الظاهر خشقدم، وكان رسم له أن يتوجه لقبرص لقتال الفرنج صحبة الغزاة وتوجه ثم رجع من غير استئذان لرجوعه وحضر الدمياط، وبلغ الظاهر خشقدم ذلك فغضب عليه ورسم للسلطان - هذا الملك الأشرف أبو النصر قايتباى عز نصره - وكان إذ ذاك شاد الشراب خاناه أن أن يتوجه بالقبض عليه ويسجنه بسجن الإسكندرية، وقبض عليه وفعل ما أمر به، وأظهر إياس المذكور للسلطان الأشرف هذا - لما توجه إليه - السرور والابتهاج كون ما قدم عليه إلا من يحبه ويعظمه ويخدمه، واستمر بالحبس فشفعوا فيه عند السلطان أو ذكروه به فرسم بإطلاقه من مدة، وأن يكون بطالا بالشام فاستمر بها، ثم طلب إلى القاهرة فحضر فى هذا اليوم كما [١٧٤ ا] قدمناه وصعد إلى القلعة وقبل يد السلطان فتلقاه بالرحب والإكرام وخلع عليه كاملية مخمل أحمر بسمور بمقلب سمور، وقيد له فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، وأحضر له كرسى خشب عالى حتى ركب عليه الفرس من تحت المقعد بعد تعظيم عظيم، ونزل إلى دار يسكنها ليشغر له إقطاع أو نيابة وقد شاخ وكبر وهرم، وقد ذكرت ترجمته فى الحوادث فيما تقدم مفصلا؛ وأرسل الأمراء إليه خيولا وغير ذلك من الأقمشة.
واتفق فى ثالث الشهر أن سرق للقاضى يحيى الصفطى نقيب سيدنا قاضى القضاة المالكى من بيته الذى هو بجوار بيت الزمام فيروز النوروزى بالقرب من الجودرية مبلغ ذهب جملته ألف دينار وسبعة وثلاثون دينارا، وكان عماله توجهوا للخيام، ولا قوة إلا بالله. هذا رجل له سنون عديدة يخدم ويكتب
стр. 457
ويشهد ويوقع ويقضى حتى حصل هذا المال ويفقد منه بغير رضاه، واستكثر عليه غالب الناس هذا المال، وبعضهم ما هان عليه ذلك، ووقف للسلطان وشكى له حاله فرسم للأمير الدوادار الثانى بالتوجه إليه والنظر فى أمره، وأسفر الحال أن عبده نقب البيت وأخذ الذهب الذى ذكرناه وأخفاه عند جماعة من العبيد وجارية بالحسينية، فتوجهوا إليهم فوجدوا المال قد عجز شيئا يسيرا جدا، فأطلقوا من كانوا قبضوا عليه من غلمان جيرانهم وسجنوا العبد، والله المستعان.
وسرق أيضا لشخصين من الظلمة أحدهما على ابن قمتى رأس نوبة الدوادار الكبير والآخر محمد بن أزبك رأس نوبة حاجب الحجاب بيتيهما (١)، أما الأول فسرق له أمتعة من بيته الذى ببركة الرطلى ولم يوجد له فيها ذهب ولا فضة، وأما الثانى فسرق لزوجته أمتعة من ذهب ولؤلؤ مما جملته ألف دينار.
وفرقت الأضحية السلطانية بقلعة الجبل فى يوم الاثنين ثانى الشهر، والصحيح ثالثه على العادة ولله الحمد.
[١٧٤ ب] يوم الجمعة سابعه ضرب يوسف السمين (٢) ابن أبى الفتح ناظر البيمارستان وناظر الأوقاف وناظر جدة وثانى قلم بديوان المماليك ومباشر الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره، وبهدل بهدلة زائدة وهو مستحق لأضعاف ذلك على سائر جسده من المقر الأشرف الكريم العالى المولوى الكفيلى الأتابكى السيفى أزبك من ططخ الظاهرى أميركبير عز نصره بالبيمارستان المنصورى بالمقعد الذى به، ثم أنزل منه فأمر ببطحه فضرب ضربا مبرحا على
стр. 458
أخفافه نحوا من خمسمائة عصى، ثم أمر بصفعه فصقع من المماليك إلى أن أخرجوه من المرستان، ولهذا أسباب منها أنه شاب صغير بلا لحية عديم الأدب، ومشى مع أهل المرستان على قالب لا يرضون وصار لا يلتفت إليهم، وانفرد بالكلمة مع وجود القاضى عبد الباسط بن الجيعان، واستمر على ذلك إلى أن توفى صلاح الدين صاحبنا ابن مولى على الذى كان مباشرا بالبيمارستان وعليه العمدة به، وتولى عوضه القاضى زين الدين سالم وولده إمام الأتابك المذكور فمشى معهما على عادته، فلما كان هذا اليوم المذكور حضر الأمير الكبير المرستان على العادة وسأل عن الحاصل من يحضره، كرر السؤال، فأخبروه عن المضروب فوقع ما ذكرنا.
ومنها أنه صار يتغدى فى كل يوم فى المرستان بمائتى درهم ويأخذ ذلك من صيرفى المرستان أو أحد من جباته ويتصرف فيه تصريف الملاك.
ومنها أن شخصا من فراشى المرستان يسمى أحمد بن الصلف نزل عن ثيابه فى البيمارستان أو فراشه وأمضى (١) ذلك بخطه من غير مشورة المقر الأتابكى، فسأله عن ذلك فقال ما هى العادة، فحصل ما حصل ولم ينتطح فيها عنزان وما خابت العصى، وفى الواقع فأبوه خيرا منه وأحسن أخلاقا وتواضعا وعرفا بالناس.
وفى هذه الأيام توفى القاضى شهاب الدين الدجوى الشافعى خليفة الحاكم العزيز الشافعى وكان يجلس فى حانوت خارج باب زويلة مجاورة لدار التفاح، وسيرته غير مشكورة.
[١٧٥ ا] ووصل الخبر من البلاد الشامية أن أردوانه أخا شاه سوار
стр. 459
المتقدم ذكر حضوره لعظيم الدنيا الدوادار الكبير وسؤاله (١) فى الأمان لأخيه فرسم له به، وذكروا أنه وقع بين باش العسكر المصرى وبين بقية الأمراء تناوش وأفضى الحال بينهم إلى لبس آلات الحرب، فحصل مطر شديد منعهم من ذلك، ولله الحمد؛ وأسفر الحال أن شخصا من أمراء العشرات هو الذى أثار هذه الفتنة.
وذكروا أيضا أن عظيم الدنيا الدوادار الكبير دخل لمستراحه فوجد به مملوكا بيده خنجر مسلول وهو عريان فقبض عليه وضربه مقارع ثم قطع أعضاءه الأربعة، وأرسل طالع السلطان بذلك، والله الولى والمالك.
وعلم مما نقل - وصحّته عند الله - يوم عيد الله الأكبر الذى هو عاشر شهر تاريخه كان الموكب العظيم إلى الغاية، وذبح السلطان ونحر وخلع على المقر الأشرف الكريم العالى السيفى أزبك الأتابكى وعلى أمير سلاح والزردكاش وقاضى القضاة الشافعى وناظر الخاص على العادة.
وفيه وصل (٢) الأميران الكبيران من ثغر دمياط إلى القاهرة وهما الأمير جرباش كرد المحمدى الناصرى الذى كان أتابكا فى دولة خشقدم، والأمير يشبك من سلمان شاه الفقيه - الذى كان دوادارا فى دولة يلباى ومن قبله لخشقدم، ولهما من سلطنة الظاهر تمربغا إلى يوم تاريخه مسجونين بدمياط - صحبة قاصد المقام الشريف نصره الله أحد الرختوانية المعروف بالصفدى، وصعدا من الغد بين يدى السلطان وقد لبسا طرحا وفى أعناقهما مناديل صفا، فقبّلا الأرض وباسا يد السلطان فخلع عليهما، فكانت خلعة الأمير جرباش كاملية مخمل أحمر بسمور، وأما خلعة الأمير يشبك فكانت كاملية صوف أخضر
стр. 460
بسمور، وشفع جرباش المذكور فى الأمير جانبك (١) كوهيه المسجون بدمياط فما قبل، ولما لبس جرباش المذكور الكاملية وحضر وقبل الأرض ثم يد السلطان قام إليه وأكرمه، ورسم لهما بالإقامة فى القاهرة، وحصل للصفدى الرختوان الذى أحضرهما نحو من ثلثمائة دينار وكاملية سمور وغير ذلك من العسل والسكر والقصب وما شابه ذلك.
وفى هذه الأيام عمر [١٧٥ ب] السلطان بالقلعة طبقة الزمام ووجد فيها هيئة محراب لمسجد قديم لم يعرف له بان ولم يصلّ فيه مدة سنين، فرسم السلطان بنقله فخالفه فى ذلك - أعنى به - الشيخ الإمام البرهان الكركى الحنفى، فاستفتى السلطان شيخ الإسلام المحبوب الكافيجى الحنفى فأفتاه بنقله، وحكم بذلك القاضى خير الدين الشنشى أكبر نواب الحنفية ونقد له بقية المذاهب، والله المستعان وعليه التكلان.
وحضر فى هذه الأيام قاصد نائب قبرص [وهو] شخص من الفرنج وعلى يده الجزية من الصوف وغير ذلك، وركب فرسا مسرجا مفضضا مطليا، وأخبرت أن هذا القاصد توجه رسولا إلى متملك الروم يسأل أن يكونوا تحت نظره، وأن عليهم جزية لسلطان مصر يقومون (٢) بها له، فأحابه بالإكرام مع أنه عظيم صاحب مصر، ولله الحمد.
وفى هذه الأيام حضر (٣) أهل رشيد وأخبروا السلطان أن خمس مراكب من الفرنج تعرضوا لمركبين من مراكب التجار المسلمين وأخذوهم فوقع بينهم قتال شديد، إلا أن أهل رشيد أخذوا من الفرنج مركبا واحدا وأخذ الفرنج المركب الأخزى وما فيها وأسروا من بها من المسلمين فلا قوة إلا بالله، وبلغنى
стр. 461
ممن أثق بنقله أن السلطان لما بلغه ذلك انزعج انزعاجا شديدا وحلف أنه لولا المهم الذى هو به من متعلق المملكة لكان (١) بنفسه.
ثم فى يوم الخميس العشرين منه ورد الخبر من دمياط أو الطينة أن الفرنج أخذوا مراكب للمسلمين فشق ذلك على كل من يسمعه من قريب أو بعيد، والحكم لله يفعل ما يريد.
ما هذه الفتن فى هذه الأيام إلا كثيرة: الفتن مرة من بنى حرام بالشرقية، ومرة من عربان قبلى، ومرة من المخذول شاه سوار، وهذه المرة من الفرنج، فالله يلطف ويدبر بحق محمد وآله آمين.
وتكرر ركوب السلطان الكرة بعد الكرة، وركب فى يوم السبت خامس عشره هو والأمير الكبير وأعيان المقدمين الألوف والأمير تنبك الدوادار الثانى، وركب المحتسب فى هذا اليوم بخدمة السلطان بشفاعة الأمير الدوادار الثانى فإن له مدة [١٧٦ ا] وهو مغضوب عليه، وتدخل على المقر الأشرف العالى السيفى تنبك الدوادار الثانى حتى أذن له فى اللعب مع السلطان بعد أن شاوره نصره الله فى ذلك، فلما كان يوم الثلاثاء ثامن عشره ركب السلطان ولعب الكرة على العادة، فضرب الأمير الكبير الكرة ضربا شديدا مبرحا مزعجا فطارت وانقسمت وخرج منها قطعة فى وجه ابن غريب الظالم الأستادار فجرح منها وجهه وسال دمه، فبلغنى أن السلطان نصره الله ومن حضر سرهم ذلك وأقول: يا ليتها كانت القاضية، مع أنه لما توجه إلى داره هرع إليه بعض الناس وسلموا عليه.
يوم الجمعة حادى عشريه بعد صلاة العصر سافر عظيم الدولة ورئيسها
стр. 462
وأصيلها وعالمها وابن عالمها - من لم يعرف له صبوة سوى حب الفقهاء والعلماء والصلحاء والفقراء - إلى دمياط بسبب كشف تعلقات الخاص والذخيرة وهى (١) الدواليب وأمثال ذلك، بلغه الله مأموله وكتب له السلامة فى السفر والإقامة، وحفظه وحفظ ولده ووالدته ورده ردا جميلا مع بلوغ القصد آمين. ما أرجح معقوله ومنقوله.
يوم السبت وقع بظاهر القاهرة غوغاء زائدة وهى أن عرب بنى حرام تحاربواهم وعرب بنى وائل وسعد محاربة شديدة آل أمرهم فيها [إلى] هروب عرب بنى حرام منهم ودخلوا الحسينية وإلى قنطرة الحاجب وصاروا يشلحون المسافرين والقادمين، وامتنع المسافرون من التوجه إلى الخانكاه وغيرها وصار العوام يلهجون بألفاظ مختلفة، واستمر ذلك إلى آخر النهار، والأمر لله الواحد القهار. ولما كان آخر هذا اليوم بلغ المقام الشريف أبا النصر قايتباى عز نصره ذلك، فأمر فى الحال للمقر الأشرف الأتابك أزبك من ططخ وللمقر العالى السيفى جانبك الإينالى المشهور بقلقسيز الأشرفى الظاهرى [١٧٦ ب] أمير سلاح والأمير أزدمر الإبراهيمى الطويل الظاهرى أحد مقدمى الألوف [بالخروج] إلى العرب المذكورين فخرجوا فى الحال قبل المغرب، وأرسل صحبتهم عدة من المماليك السلطانية. فأما الأتابك أزبك ومن صحبه [فقد] باتوا بالخانكاه وأعمالها وحضروا من الغد، وأما الأمير قانصوه فرسم له أن يقيم بالشرقية. وحضر صحبة الأتابك بعض عرب قبض عليهم، ووافق حضور شخص من الأمراء العشرات من بلده فى ذلك اليوم يسمى كذا فرآى جماعة من المسافرين يصيحون ويبكون [و] قد عراهم (٢) العربان المفسدون
стр. 463
فتلاحق بهم قرد عليه العرب واراد واحد منهم ضربه وطعنه بحربة طويلة فأخلى له وتصادما، فضربه الأمير بالسيف فسقط عن الفرس فكتّفه ودخل به القاهرة فكان له بعض حركة، وصعدوا به إلى السلطان صحبة من حضر مع الأمراء، فضرب بين يدى السلطان بالمقارع ورسم بحبسه وحبس من أحضروه. واستقر قانصوه الأحمدى أحد مقدمى الألوف مقيما بالشرقية إلى أن يفعل الله ما يريد.
وفى يوم الاربعاء سادس عشريه وصل قاصد نائب سكندرية ببشارة، وصعد للسلطان نصره الله فأخبره بالقبض على مركب من مراكب النصارى المفسدين بالبحر وأنهم غنموهم وغرقوا المركب وقتلوا منهم نحوا من ثلاثين نفرا وأسروا عشرة أنفار.
وفى يوم الخميس سابع عشريه بعد العصر حضر قاصد [نائب] (١) الاسكندرية وصحبته الفرنج المفسدون المقدم ذكرهم وهم فى الحديد فأودعوا السجن حتى يعرضوا على المواقف الشريفة.
وفيه وضعت امرأة أربعة أولاد فى بطن واحد: اثنان ذكور واثنان إناث، ووالدهم فقير من حارة اللوق وماداناها، فوقف بهم للسلطان فلما رآهم قال لأبيهم: «إنت شاطر»، ورسم له بعشرة دنانير وخمسة أرادب قمح على ما بلغنى من عدة خلائق، ومات منهم بعد ذلك [١٧٧ ا] اثنان، والله المستعان.
ووصل مبشرو الحاج فى سابع عشريه وأخبروا أن الوقفة الاثنين على حكم القاهرة ثم نقض بعد ذلك بما ورد من قاضى المحلة أنه ثبت عليه ذلك، وأخبر بعضهم فى كتابه بأن الأشياء رضية وموجودة.
يوم السبت تاسع عشريه صعد الفرنج المقبوض عليهم من أتكوا فى
стр. 464
الحديد بين يدى السلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره، مع أن الأمير قجماس الإسحاقى أرسل يعلم السلطان أنه هو الذى قبض على الفرنج وأخذ مركبهم وحضر أهل أتكوا وقالوا إنهم هم الذين قبضوا عليهم فالله أعلم بذلك، إنه الولى والمالك؛ ولما عرضوا الفرنج على السلطان كما قدمنا وصحبتهم أهل أتكوا وكان قجماس عرّف السلطان أن أهل أتكوا تعدوا ونهبوا ما فى مركب الفرنج فلما وقفوا بين يدى السلطان رسم على جماعة منهم - من أكابر أهل أتكوا - وأودعوا الفرنج سجن المقشرة، فما هان على غالب الناس الترسيم على أهل أتكوا فإنهم مجاهدون وصلحاء وصنعوا جميلا، غير أن مولانا السلطان نصرة الله غطّى عليه فى أمرهم؛ وأصبح يوم الأحد سلخه فطلب السلطان الفرنج المسجونين بالمقشرة فأسلم منهم ثلاثة فأطلقوا، وسجنوا من تأخر بلا إسلام بالمقشرة.
وفيه أشهر بالمدينة وشوارعها ثلاثة مسلوخون من أكابر عرب بنى حرام قبض عليهم الأمير قانصوه من جوار غيط سيدى الشيخ إبراهيم المتبولى (١) فسلخهم وجهزهم وصحبتهم أربعة أنفار أخر أودعوا بالسجن ومروا بهم إلى خارج القاهرة ليصلبوا أياما ويرتدع المفسدون بذلك ويقمعوا.
وبلغنى وصول الشيخ علاء الدين الحصنى من عند عظيم الدنيا الدوادار الكبير حفظه الله ولم يحضر صحبته كتاب من الأمير المذكور بسبب تغيّظه عليه [١٧٧ ب] فإنه لما جهزه رسولا (٢) إلى متملك بلاد الروم بلغنى أنه
стр. 465
قصر فى تأدية الرسالة وتكلم فيه الأعادى بما أرادوا، فنقص من عينه وفارقه، وهذا ملخص ما بلغنى من عدة ثقات.
يوم الجمعة ثامن عشريه نزلت النقطة، وهذا اليوم هو الذى يسمونه عيد ميكائيل، ووزن الطين فيها على العادة وذلك أنهم يزنون ستة عشر درهما من الطين الذى بمجرى الحوت فبلغنى أنه زاد ثلاثة قراريط وأن القيراط بذارع، فالله أعلم بذلك، إنه الولى والمالك.
وانقضت هذه السنة على ما سمعت ورأيت.
(ذكر من توفى فى هذه السنة من الأعيان)
١ - إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن سعد قاضى القضاة برهان الدين بن قاضى القضاة شمس الدين أخو شيخنا قاضى القضاة سعد الدين سعد الديرى الحنفى
، نشأ تحت كنف والده وقرأ وتعانى المباشرات أولا فباشر نظر الاصطبلات السلطانية والجوالى فى دولة الملك الظاهر جقمق، ثم عزل عنهما فناب عن أخيه الشيخ سعد الدين سعد فى قضاء الحنفية، وكان هو القاضى، والكلام صدره وورده إليه وإلى نقيبه السيد الشريف، ثم ولى نظر الجيش فى دولة الملك الأشرف إينال عوضا عن المقر الأشرف الشرفى الأنصارى فى دولة الأشرف إينال، ثم عزل عنها وتولى كتابة السر فى دولة الملك الظاهر خشقدم عن المقر المحيى ابن الشحنة فأقام به خمسة عشر يوما وعزل عن الوظيفة بعد أن وزن فيها خمسة آلاف دينار، وسبب ذلك أن والدة المقر الشهابى أحمد ابن العينى الذى هو ابن زوجة الظاهر خشقدم توفيت فى يوم سبت وأخرجوها من الحريم السلطانى بالقلعة، وجلس الأمراء والمباشرون ينتظرون خروجها وقضاة القضاة، والعادة أن كاتب السر يكون صحبته الأمير الدوادار
стр. 466
الكبير وكان الدوادار إذ ذاك الأمير جانبك الجداوى وكاتب السر جالس بإزائه، فتكلم [١٧٨ ا] صاحب الترجمة معه وقال: «العادة إذا خرجت ست يوم السبت من مكان أو دار يتبعها كبير ذلك المكان» فقال له الدوادار: «فالسلطان يتبعها؟» قال: «نعم»، فلما مضت الجنازة والدفنة صعد الدوادار المذكور للسلطان وأعلمه بما وقع فتكيف السلطان واحتد وكتب عدة فتاوى عليها خطوط العلماء مثل الشيخ أمين الدين الأقصرائى والشيخ محيى الدين الكافيجى وغيرهما بأن هذا الكلام لا يعبأ به وإن اعتقد صحة ذلك يقع فى كيت وكيت. ثم إن الأمير قانم من صفرخجا المؤيدى عارض الدوادار فى نقله ذلك عنه، فما ساع الدوادار إلا أن صبر عليه حتى صعد للسلطان وقال بحضوره وأقسم عليه برأسه أنه ما ذكر له ذلك، فقدر الله أن سكت وأذعن، فحصل له من السلطان نقده وعزله، وكان قد وزن خمسة آلاف دينار فى الوظيفة واقترض غالبها من عدة أقوام، فلما رأوه عزل شكوه وطالبوه بحقوقهم وضيقوا عليه فباع الغالى بالرخيص وأرضى خصومه واستمر بطالا بداره، وكان قد تسبب فى عزل أخيه وصعد للدوادار والسلطان فأخبرهما أن أخاه عجز عن القضاء وأنه ذهل، ووعد فى كتابة السر بثمانية آلاف دينار فعجل منها بخمسة وتأخر عليه ما بقى، فحصل لأخيه منه حصر زائد، فيقال إنه دعى عليه بالقهر فما مضى خمسة عشر يوما حتى قهر، وقد ذكرنا هذه المحنة فى الحوادث بأطول من هذا.
ثم ولى قضاء الحنفية بالديار المصرية عوضا عن قاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة فأقام بها ستة شهور وعزل عنها بمن أخذها عنه مع أنه باشرها مباشرة حسنة سيما فى أوقافها، وبعد ذلك ما سلم من الخفة الزائدة، ثم ولى مشيخة المؤيدية ومزدادة، وسكن بقاعة المشيخة بالمدرسة المذكورة وصار
стр. 467
يزرع فى عدة مواضع يستأجرها وهو ملازم لداره، غير أن نفسه تحدثه بالعود إلى المناصب السنية وظهور الشمم الزائد والترفع على الأكابر، وصار يحضر مجلس البخارى بالقلعة لكونه شيخ [١٧٨ ب] المؤيدية ويجلس تحت قاضى الحنابلة، وبحث مرة فى مجلس البخارى بالقلعة بحضور الظاهر خشقدم مع شيخ مشايخ الإسلام الكافيجى فقطعه الكافيجى بحضور الجم الغفير.
ومات فى ليلة الجمعة تاسع شهر الله المحرم من هذه السنة، وعمره نحو سبعين عاما تخمينا.
وكانت له جنازة حافلة عظيمة حضرها قضاة القضاة ومشايخ الإسلام وأعيان الرؤساء والمباشرين، ومشى غالبهم فى الجنازة من المؤيدية إلى سبيل المؤمنى، وركب السلطان ونزل إليه حتى صلى عليه، وتقدم للصلاة عليه إماما قاضى القضاة ولى الدين أحمد الأسيوطى الشافعى، وشكر رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله على المسلمين بين يدى السلطان فيه وأثنى عليه بحضور السلطان وقضاة القضاة ومشايخ الإسلام، ووصفه بالعفة والديانة والنظر السديد فى الأمور سيما فى أوقاف الحنفية وصرر الحرمين.
وتكلم سيدنا الشيخ زكريا الشافعى مع السلطان فى هذا المجلس بالوصية على ولده محمود، وسأل صدقات السلطان نصره الله أن لا يخرج عن ولده شئ من وظائفه فسكت ولم يجب لما بلغ السلطان عن ولده أن بضاعته من العلم مزجاة وأنه لا يصلح لمشيخة المؤيدية، ثم ولى المشيخة المذكورة شيخنا المحقق الزاهد سيف الدين بسؤال له فى ذلك من غير سعى منه. وولى مزدادة الشيخ العلامة شمس الدين العنتابى الأمشاطى (١) وأخذ بقية وظائفه وجواليه ومرتباته ولده محمود بتوقيع شريف، واستمر رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر
стр. 468
حفظه الله يحسن لولده محمود المذكور فى كل سنة بالصوف والبعلبكى والذهب والفضة، وكل ما طلبه منه أنعم له به، ومن العجيب أن جميع الوظائف التى (١) وليها صاحب الترجمة أخذها عنه مخدومنا ابن مزهر المذكور إلا القضاء، واستمر يحسن لولده المذكور إلى سنة اثنتين وثمانين وثمانى مائة [ولما] سافر الحجاز مجاورا أنعم عليه بنقدة جليلة [١٧٩ ا] تكفيه فى سفره، وكتب له عدة كتب إلى سلطان مكة وقاضيها وأكابرها بالوصية والإحسان إليه، فجزاه الله خيرا.
وكان رحمه الله تعالى عالما فاضلا زكيا بهجا زهرا نورا يحب الملبس النظيف والشهامة والمركب الجميل، ويحضر عنده بعض جماعة ويأكلون عنده على سماطه بالفقيرى، ومات مقهورا عفا الله عنه ورحمه بفضله، فإنه كان لى على إقبال ويودنى ويصلنى فى كل قليل - لما ولى القضاء - بشئ من الدنيا.
٢ - أحمد بن مظفر الشيخ الصالح المبارك، كان غالب إقامته فى المدرسة المنسوبة للقيمرية والمنكوتمرية بحارة بهاء الدين قراقوش
، وكان له خلوة فى كل منهما، وكان هو ووالده على خير كثير وصلاح ودين متين، وقد ترجم شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ والده وأثنى عليه بصلاح وخير، وكان له كلمات صادعة فى القلوب منها «اللهم إنا راغبون إليك، ندعو ونرجو نفلك، أنت يامن لم تخب دعوة راج، أسألك فأعطنا من سعة يا من تعالى فملك.
سبحانك اللهم ما أجل عندى مثلك» وكان كثيرا ما يتمثل بالأبيات التى تذكر وهى:
يا من يرى مد البعوض جناحها … فى ظلمة الليل البهيم ألا انجلى
ويرى مناط عروقها فى نحرها … والمخ فى تلك العظام النّحّل
وغيرها من الألفاظ الحسنة السهلة اللطيفة والأدعية المأثورة النافعة، مع
стр. 469
الهيئة الجليلة الجميلة الزاهرة الظاهرة، مع ملازمته لتلاوة كتاب الله وسرعة دمعته وشيخوخته النضرة.
وكان والده شاهدا بحانوت يتكسب منه مع عفته وصلاته. وأما صاحب الترجمة فكان لا يتعاطى شهادة ولا غيرها، فقيرا مجردا إن وصل إليه شئ قبله، متقللا من الدنيا نظيف الثوب والبدن بشوشا كثير الدعاء لمن يسأله، منطرح النفس قليل الكلفة متواضعا متوددا للناس، وكان لطيفا ظريفا، بينى وبينه صحبة ومودة، وكان إذا أراد التنزه [١٧٩ ب] يتوجه إلى الأهرام بالجيزية فيقيم به الخمسة أيام والأكثر والأقل. توفى رحمه الله تعالى بخلوته بالمدرسة القيمرية المجاورة لسوق أمير الجيوش، وكانت له جنازة جليلة فى يوم السبت ثانى عشر (١) صفر الأغر سنة تاريخه حضرها جماعات من العلماء والصلحاء والفقهاء والفقراء والفضلاء والقضاة. وممن حضر جنازته ودفنه شيخنا الشيخ أمين الدين الأقصرائى، وأثنوا عليه خيرا، ودفن بالصحراء ﵀ ونفعنا به.
٣ - أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد بن أبى الفتح قاضى القضاة عز الدين ابن قاضى القضاة برهان الدين بن قاضى القضاة زين الدين بن شهاب الدين الكنانى العسقلانى قاضى القضاة الحنابلة بالديار المصرية وابن قاضى القضاة وعالم الحنابلة فى عصره
. أجمع المسلمون كافة على عفته وتواضعه وزهده وتقلله من الدنيا بحيث أنه لما ولى المنصب عوضا عن القاضى بدر الدين البغدادى الحنبلى لم يجعل على بابه نقيبا ولا رسلا ولا نائبا من نوابه يحكم فى بابه بالنوبة على عادة قضاة القضاة.
стр. 470
أخبرنى ﵀ أن مولده فى ذى القعدة سنة ثمانى مائة بالقاهرة ونشأ بها فحفظ القرآن الكريم وكتبا فى مذهبه، ثم جود القرآن تجويدا على شيخنا ابن الزراتيتى، وسمع الكثير على خاله الجمال عبد الله بن العلاء على الكتانى، وسمع على الشرف ابن الكويك وعلى خلق غيرهما، وأجازه الشيخ زين الدين العراقى وعائشة ابنة محمد بن عبد الهادى، ولازم شيخنا - شيخ الإسلام خادم السنة والأثر المشهور نسبه الكريم بابن حجر رحمهما الله - فى بداية أمره كثيرا وانتفع به فى أشياء منها كتابه الذى صنعه فى الأشعار التى سمعت فى المنام وكان للدهر به جمال. وأخذ الفقه عن قاضى القضاء علاء الدين بن مغلى وعن قاضى القضاة مجد الدين سالم وقاضى القضاة محب الدين بن نصره الله ولازمه ملازمة كثيرة، وأخذ النحو عن الشمس [١٨٠ ا] البوصيرى واليسير منه على الشطنوفى، ولازم حضور الدروس عند جماعة من العلماء فى عدة علوم منها العربية والأصلين والمعانى والبيان والمنطق والحكمة وغيرها (١) من العلوم، وشمر عن ساعد الجد إلى أن شاع ذكره وانتشر فضله وعلمه وفاق الأقران، فناظر وأفتى ودرس، وصار هو المشار إليه فى الحنابلة، وناب فى القضاء وهو شاب سنه نحو العشرين سنة عن مخدومنا قاضى القضاة علاء الدين بن مغلى، ولم يشهر عنه بل ولا قيل بل ولا ذكر عنه أنه أخذ على الأحكام شيئا، فإنه من حين نشأ وهو فى غنية عن الناس له ما يكفيه من أطلابه ودروسه ومرتباته وأجرة أملاكه إلى غير ذلك، ثم ترك هذا الباب أصلا وصار يقرأ (٢) عليه الفضلاء بمنزلة وبالمسجد الذى أنشأه بجوار بيته وبغيرهما من المدارس، وكان يركب حمارة ويجعل على ظهرها خرجا مملوء من الخبر ويتوجه إلى الجبانة فيتصدق به
стр. 471
على الطلاب وغيرهم من الفقراء المحتاجين، وكان كثير التودد لأصحابه حلو المفاكهة غزير البشاشة مطبوعا على التواضع وهذا ديدنه إلى أن ولى قضاء الحنابلة بالديار المصرية مسئولا فى ذلك بعد وفاة القاضى بدر الدين البغدادى الحنبلى، واستمر على هذه الطريقة إلى أن توفى فى ليلة السبت الحادية عشرة من جمادى الأولى سنة تاريخه (١) وصلى عليه من الغد بسبيل المؤمنى لأجل أن السلطان سأل فى الصلاة عليه، ودفن بحوش الحنابلة المقابل لتربة كوكاى بالقرب من تربة السلطان الملك الأشرف إينال، والحوش فيه أسلافه وعلماء الحنابلة أيضا كالقاضى ابن العماد وغيرهم، وكانت له جنازة حافلة شهدها قضاة القضاة والعلماء والرؤساء وأرباب الوظائف، ولم يخلف بعده مثله، وصنّف وحدث، واشتهرت تصانيفه وكثرت حتى لم يدع علما إلاّ وصنف فيه، ودرس كما قدمنا بعدة أماكن كالشيخونية والمؤيدية الأشرفية وقبة الصالح والحاكم والبديرية وتداريس القضاء، وحج مرارا منها الحجة التى حج فيها [١٨٠ ب] صحبة المقر المرحوم الزينى عبد الباسط وأهدى (٢) له فى هذه السفرة أشياء من تحف ومن أصناف المأكولات والمشروبات فلم يقبل منها شيئا، وأرسل إليه الأمير جانى بك الدوادار الجداوى وصولا بقمح له جانب فأخذ الوصول لما علم أنه لا يرضى إلا بقبوله ولم يقبضه، فلما كان فى العام الآتى جهز إليه نظيره فأخرج للقاصد الوصول السابق وأعلمه بعدم قبوله شئ، وكذا أرسل إليه الظاهر خشقدم نقدات فما قبلها، وهذا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى نصره الله وخلد ملكه فى العالمين رسم له بشئ فلم يقبله، وقيل إنه قبله وفرقه على الفقراء سرا من غير أن يعلم أحدا بتفرقته.
стр. 472
وزار بيت المقدس ودخل دمشق فما دونها، وسافر إلى دمياط والمحلة وغيرهما من القرى، وله مآثر جميلة وأوصاف حميدة وسيرة صالحة، فمن مآثره الجميلة إنشاؤه سبيلا ومسجدا ببيته المجاور سر بيت الأمير تمر حاجب الحجاب، ومدرسته أيضا مجاورة لبيته المجاور لباب سر الصالحية ومدرسة أيضا مجاورة لإنشاء بيته الذى بشبرا الخيمة المطل على البحر من ضواحى القاهرة المحروسة إلى غير ذلك، وفى الواقع فما خلف بعده له نظير، وقد شهد له شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة ابن حجر رحمهما الله بعد موت المحب البغدادى أنه عالم الحنابلة وعظمه فى عدة مواضع من مصنفاته كرفع الإصر عن قضاة مصر وغيره، وكذا ذكره الحافظ العلامة الشيخ شمس الدين السخاوى الشافعى فى الذيل الذى وضعه على رفع الإصر المذكور بترجمة عظيمة طويلة فمن أراد الوقوف عليها يراها (١).
وكان بارعا فى الأدب ويجب المداعبات والألفاظ الفصيحة، وكتب أشياء من ذلك الأصيل الخضرى ذكرناه فى وفاة أصيل المذكور وله نظم رائق وخط فائق إلا أنه كان يغلقه بحيث يصير عسر الفك من القراءة، وكتب الكثير من مؤلفاته تلميذه القاضى بدر الدين السعدى وانتفع به ورقاه ورباه وصيره أكبر نوابه لما ظهر له من الفهم المجيد والذكاء الوافر والعقل الباهر، وأذن له فى الإفتاء [١٨١ ا] والتدريس وصار هو المشار إليه فلقيه الشيخ وعظم قدره وترفع عن تعاطى الأخذ على الأحكام وصار يحضر عقود المجالس عند الأمراء وهو المشار إليه فى مذهبه وهو أقرب وأليق وأصلح لدخوله فى هذا الأمر بعد صاحب الترجمة لعقله وعلمه وخبرته بأحوال الناس، ومن نظم قاضى القضاة عز الدين ﵀ فى لغات الأنملة والأصبع قوله:
وهمز أنملة ثلث وثالثة … والسبع فى أصبع واختم بأصبوع
стр. 473
وقوله ﵀ مضيفا لبيت الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض نفع الله به:
بانكسارى، بذلتى، بخضوعى … بافتقارى، بفاقتى، بغناكا (١)
لا تكلنى إلى سواك وجدلى … بالأمانى والأمن من بلواكا
ووقفت له على نظم ونثر رائق شائق وفوائد جمة لو أوردتها فى هذا الكتاب لطال والله ولى الأفضال. وكان ﵀ يودنى ويميل إلى، ووقف على جزء من تاريخى الكبير فى فضائل أبى بكر وعمر ﵄ وكتب لى عليه كتابة جيدة، والتاريخ المذكور الذى وقف عليه «نزهة النفوس والأبدان فى تواريخ الأزمان» ابتدأت فيه من آدم ﵇ وإلى الآن.
٤ - طوخ بن عبد الله الأمير سيف الدين الأبو بكرى المؤيدى شيخ الزردكاش
، كان فى دولة الظاهر خشقدم والظاهر يلباى ثم ركب مع خجداشه الأمير يشبك من سلمان شاه الفقيه المؤيدى الدوادار على خير بك الظاهرى خشقدم ومن فى حزبه وقد قدمنا ذلك فى الحوادث مفصلا، وآخر الأمر قبض عليه ونفى لدمياط بشفاعة السلطان الملك الأشرف قايتباى وهو أتابك، ثم لما ولى السلطنة أحضره إلى القاهرة فلزم داره بطالا ورتب له فى كل شهر ما يكفيه لنفقته وكان قد أسنّ وجاوز الستين وضعف يومين ومات فى مستهل [١٨١ ب] شعبان من هذه السنة وكانت له جنازة بالفقيرى، وصلى عليه السلطان وبعص أمراء. وكان عفيفا عن الفروج والمنكرات إلا أنه لم يشهر عنه شجاعة ولا كرم ولا حرمة ولا همة؛ باشر نظر كوكاى الناصرى ولهم على الديوان المفرد خراج رزقه فى قليوب كل سنة أربعون ألف درهم يتحصلها أضعاف ذلك خمس
стр. 474
مرات ومع ذلك ضيّع على الوقف ست سنين بإهماله، وإمهاله وضيع من الزردخاناة أشياء كثيرة. وكان المقر المرحوم الزينى عبد الباسط تسرّى بأخته لما اشتراها وصارت عنده فى الأوج وكان اسمها سكرباى فعرف به وقدمه ورقاه عفا الله عنه.
٥ - عبد العزيز ابن … الميقاتى كان واحد عصره فى علم الميقات والزايرجا وما أشبه ذلك، ويكتب فى كل سنة عدة تقاويم للاكابر بطلب منهم له فى ذلك
، وقرأ عليه جماعة من الناس والأكابر وكان لا بأس به وله مصنفات مفيدة فى هذا الفن، وكان باسمه رئاسة مدرسة الملك المؤيد شيخ فاتفق وفاته فجأة فى يوم الثلاثاء سادس عشرى ذى القعدة سنة تاريخه فإنه كان نائما بالمدرسة المذكورة وسبح بها وحضر لصلاة الصبح فحصل له فى حلقة انحدار فأراد القئ فما استطاع فسقط مغشيا عليه فحمل فى عباءة بين أربعة أنفس وصعدوا به إلى بيته فمات من فوره ولم يخلف بعده مثله، وكان ساكنا دينا هينا لينا وللناس فيه محبة وابتهاج زائد فإنه حلو المذاكرة لطيف المحاضرة، وأخذ وظيفته من بعده التى بالمؤيدية مؤذن المقر الاشرف الأتابك أزبك بجاهه وكان له مشهد عظيم وأثنوا عليه ثناء حسنا، وأبيعت مصنفاته وأوراقه وكتبه بأضعاف أضعاف قيمتها وتسابق الكبراء لمشتراها، ونقل لى عنه أنه قال عن نفسه إن عليه قطعا فى يوم موته وإن سلم منه فيكون عجيبا، وكان كذلك والله الباقى على الدوام وما سواه فان.
٦ - [١٨٢ ا] محمد (١) بن عبد الرحمن بن عبد الله الشيخ نجم الدين ابن الشيخ ولى الدين ابن الشيخ زين الدين الزرعى كان والده قاضى عجلون
،
стр. 475
وعجلون قرية من قرى دمشق. كان صاحب الترجمة إماما عالما علامه بارعا فاضلا حجة محققا مدققا دينا خيرا، عين أعيان الشافعية بدمشق بل وبالقاهرة، كيّسا زهرا نضرا فى ملبسه ومركبه ومنظره ومخبره عديم النظير.
مولده سنة إحدى وثلاثين وثمانى مائة بدمشق ونشأبها تحت كنف والده فحفظ القرآن وجوده بالروايات على الأشياخ، ثم قدم به إلى القاهرة المحروسة فى سنة خمسين وثمانى مائة تخمينا فقرأ بها على عدة من المشايخ منهم شيخنا إمام الحفاظ خادم السنة والأثر الشهير نسبه الكريم بابن حجر وحضر الإملاء بين يديه؛ وقرأ على الشيخ علاء الدين القلقشندى فى ألفية العراقى؛ واختلف فى قراءته على الشيخ شمس الدين القاياتى وقرأ على شيخنا شيخ مشايخ الإسلام محيى الدين الكافيجى فى الأصول والمعقول، وقرأ على شيخنا العلامة الأمة شمس الدين الشروانى (١) فيما قرأ على الكافيجى، وقرأ على قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى وسمع عليه وحضر دروسه، وانتفع بالشيخ شمس الدين الشروانى فإنه كان نزيلهم، وقرأ على شيخنا العلامة المحقق كمال الدين ابن الهمام فى كتابه «التحرير» ولازمه وانتفع به واستفاد منه، وكان آية من آيات الله تعالى فى التحقيق والحفظ، حفظ اثنين وعشرين كتابا كالفاتحة، وصنف التصانيف الفائقة منها «تصحيح المنهاج» ومنها «التاج (٢) على المنهاج»، ومنها «تحرير المنهاج» إلى غير ذلك من العربية وغيرها.
وكان عنده تواضع ولين، سهل الانقياد، طلق المحيا، أبيض معتدل القامة، كثير العبادة، شديد الورع فى مأكله وملبسه، حتى إنه قال بتحريم
стр. 476
السنجاب لأنه مخنوق وخالفه جمع كثير من مصر والشام [١٨٢ ب] وهو لا يرجع عن ذلك لما قام عنده من الدليل فى صحة دعواه. وكان ﵀ قد اشتهر بدمشق وصار عالمها ومفتيها، ومدار أمورها عليه وله صحبة تامة بالسلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى عز نصره هو وأخوه الشيخ زين الدين عبد الرحمن والأمراء وأهل الدولة سيما رئيسها وعظيمها المقر الأشرف الكريم العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله على المسلمين.
وكان جل قصده فى الحضور إلى مصر لأجل السلطان والمقر الزينى المذكور، وبلغنى أنه رشح لولاية قضاء الشافعية بالديار المصرية فلم يتهيأ له ذلك، ودخل القاهرة موعوكا بالحمى والباردة، ثم اختلف عليه الأطباء والأدواء وتصرفوا فيه فزاد المه وظهر سقمه ولزم الوسادة، فحصل له استسقاء فسافر به أخوه فى محفة إلى الشام بعد أن نصحه غالب الفضلاء والأحباب فى عدم السفر به، ومن جملة من ذكر له ذلك المقر الزينى ابن مزهر حفظه الله وبالغ حتى قال له بحضورى:
«أقم به هذا الشهر وجميع ما تكلفته على السفر أنا أدفعه لك» فما وافق، مع أن المقر المذكور ما ضبط عليه أنه كان يأكل وحده لما يحضر صاحب الترجمة وأخوه، مع وافر فضله وإحسانه العميم إليهما وقبول كلامهما فى جميع ما يرومانه (١)، وسافر به فحصل له تشويش على ضعفه من وعثاء السفر ولم يوافقهم على الإقامة حتى كان ما كان، وسافر صحبة سنباى بعد أن أرسل به لهما السلطان نفقة مائة دينار فى يوم الجمعة عاشر شوال من هذه السنة، فما كان إلا يوم الاثنين المبارك ثالث عشره [حتى] وصل الخبر بوفاة الشيخ نجم الدين ببلبيس ورجعوا به إلى القاهرة فدفن بتربة رئيس الدنيا المقر الأشرف الكريم
стр. 477
العالى الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله ولم يحضر السلطان ولا الأمراء ولا غالب العلماء والفقهاء دفنه.
أما السلطان فإنه نصره الله كان ركب [١٨٣ ا] من القلعة يوم الأحد ثانى عشره صبيحة اليوم المذكور وعدى من بولاق إلى أوسيم لضيافة الأمير خشقدم العثمانى الساقى وليكشف على هجنه وجماله وبلاده، وأما بقية الأمراء والعلماء فإنهم لم يعلموا بدفنه فإنهم دفنوه من غير مدبر.
وخلف أخا من أهل العلم غير الشيخ زين الدين بدمشق ووالدة وزوجة وجوارى بيضا ودنيا عريضة من كتب ووظائف وضياع وأملاك أخذها أخوه زين الدين عبد الرحمن من السلطان بعد أن عدى لخدمته ثانى يوم دفنه الذى هو الرابع عشر، وتأسف عليه السلطان ورئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله، وصنع له أعزه الله فى أول جمعته قراءة وغير ذلك من أنواع البر، وكان أخوه قد سافر فتقبل الله منه وجعله كنز الأحياء والأموات.
٧ - محمد بن صالح الشيخ صالح المجذوب المعتقد المشهور بالأزهرى لكثرة إقامته بجامع الأزهر ومخالطته بأهله من الفقراء والطلبة
، وكان مع جذبته يصلى ويتعبد ويلازم الحضور لجامع سيدى محمد (١) الغمرى وجامع الزاهد وغيرهما سيما لما يكون سيدى أبو العباس ولد الغمرى مقيما به، ويطلب من الأكابر الذهب والفضة فيبادرون بها له، وله أولاد وحفدة وخدمة يحصل لهم بواسطته من الناس الحطام. وكان له مكاشفات وكلمات خوارق، ووقع لصاحبنا الحافظ الشيخ شمس الدين السخاوى معه قضية بحضورى فكانت
стр. 478
أمرا عظيما وهو أن الشيخ شمس الدين المذكور أخد درس الحديث بالمدرسة الكاملية بين القصرين - التى هى دار الحديث عن الشيخ كمال الدين ابن إمام الكاملية المذكوره بحكم وفاته وله أولاد ثلاثة رجال - بن الناظر الشرعى، وحكم له به (١) فوقف أولاد الشيخ كمال الدين ينازعون فى وظيفة والدهم، ووصل أمرهم للمقر العلائى ابن خاص بك وللمحتسب ولحاجب الحجاب وللسلطان وعجزوا أن يأخذوا الوظيفة من السخاوى [١٨٣ ب] لأمور منها أن الحق صار له وأنه من أهل التحديث وزيادة بخلافهم (٢) ومنعوه ثم تعصبوا عليه، ثم رسم له السلطان بكتابة توقيع باستقراره فى وظيفته ومع من يعارضه، وانقطع اليأس من الوظيفة لأولاد الشيخ كمال الدين، واتفق حضور صاحب الترجمة فى ختمة قريبة بجامع الغمرى وحضر فيه جمع جم ومن جملتهم الشيخ السخاوى فقال له: «لا تغتر بأنك أخذت الوظيفة من أولاد فلان عد (٣) لهم وظيفتهم، وإلا نحن بعد يومين أو ثلاثة ناخدها لهم» فما مضى ما ذكره حتى رسم لهم بأخذ الوظيفة بمساعدة خوند وجوهر (٤) المعينى الساقى، وما ساع الشيخ شمس الدين
стр. 479
إلا الامتثال وأعذر (١) لهم فيها وترك حقه.
وكانت له جنازة حافلة وصلى عليه جماعة من أعيان الدولة، وتوفى يوم الأحد ثانى عشرى شهر ربيع الأول من هذه السنة، نفع الله به.
٨ - قرقماس بن عبد الله الأمير سيف الدين الظاهرى جقمق نائب ملطية وما معها
، وصل إلينا الخبر بوفاته على الوجه الذى سيذكر فى العشرين من شهر الله المحرم سنه تاريخه، وسبب موته على ما وصل إلى أنه خرج فى هرتك جسيم وجحفل عظيم لقتال شاه سوار وكان شجاعا، وبلغه أنه فى فئة قليلة، وله عادة بالوثوب عليه وعلى جماعته ونهبهم والفتك بهم حتى أبادهم، وقيل إنه وصل إليه خبر أن التجار المسافرين حضر صحبتهم مماليك وجوار فخرج عليهم جماعة شاه سوار وأخذوا ما معهم ونهبوهم وذكروا أنهم فى فئة يسيرة، فخرج إليهم فكسرهم كما هى عادتهم معه وفروا منه فلحقهم، فخرج عليه كمين وتكاثروا عليه، فقيل إنه أصيب فى عينه من سهم ولا زال يقاتل حتى قطعت أيدى فرسه الذى هو راكبه ورجلاه فسقط وأسر وقيل إنه قتل، ورسم لإينال الحكيم باستقراره فى نيابة ملطية عوضا عنه؛ وكان أميرا باسلا فارسا مقداما له عزم وقلب، وحصل له ما حصل فى قبرص وسلم مع رفقته المماليك وكانوا نحوا من مائتى نفر [١٨٤ ا] أو يزيدون، وقتل جانبك الأبلق وما كانت منيته إلا كما ذكر، رحمه الله تعالى.
٩ - محمد بن محمد بن عبد الله الزفتاوى القاهرى الشافعى القاضى ناصر الدين أحد النواب بالحكم العزيز
، نشأ فى صغره تحت كنف أبيه فحفظ كتاب الله و «العمدة فى الحديث الشريف» و «المنهاج» فى الفقه، وعرض على جماعة منهم مجد الدين إسماعيل الحنفى والحافظان العراقى والهيثمى و [التاج] ابن الفصيح
стр. 480
وغيرهم، وأجاز له ابن الملقن والأنباسى قطعة وحدث. سمع منه الفضلاء.
وأخبرنى الشيخ الحافظ شمس الدين السخاوى أيده الله أن البقاعى قرأ عليه بعد أن أطلق لسانه فيه أيضا جزءا أسماه «ابتلاء (١) البازعلى ابن الخباز» وما علمت وصفه بابن الخباز لماذا؟ وكان رحمه الله تعالى مزجى البضاعة من العلم، وبيننا وبينه صحبة، وسفر إلى الحجاز الشريف فى سنة أربعين وثمانى مائة أو بعدها لما كان الأمير تمرباى رأس نوبة النوب أمير حاج المحمل وكان هو إمامه، وكان ظريفا خليعا طريفا نظيفا بسطا منادما كثير الحشمة، وعمر نحو الثمانين سنة. وتوفى فى يوم الجمعة عاشر شهر جمادى الأول من هذه السنة رحمه الله تعالى.
١٠ - محمد بن على بن جعفر بن مختار، الحسينى نسبا، القاهرى مولدا، الشافعى مذهبا
، الشيخ شمس الدين المشهور والمعروف بابن قمر، مولده بعد الثمانى مائة ونشأ نشأة حسنة فحفظ القرآن وأقبل على طلب الحديث فسمع من جمع كثير، ورحل إلى حلب وغيرها، ولازم شيخنا شيخ الإسلام قاضى القضاة خادم السنة والأثر الشهير نسبه الكريم بابن حجر ملازمة تامة، وكتب أكثر مصنفاته وغيرها بخطه وضبط أسماء الذين يحضرون السماع عنده، وكان يحصل له من ذلك شئ من الحطام؛ وقدمه للاستملاء عليه بعد وفاة مستمليه الشيخ زين الدين رضوان، وكان يميل إليه ويرفده بالإحسان ويصله بالوظائف والعطاء، وأمّ بالخانقاه البيبرسية مدة فعرف بها، ولما مات شيخنا ابن حجر ﵀ ناب فى القضاء عن الشرف المناوى، [١٨٤ ب] وحصل له فاقة فى آخر عمره فرغب عن إمامة الخانقاه.
وكان إنسانا حسنا جيدا متواضعا هينا لينا متقللا من الدنيا قانعا باليسير منجمعا عن الناس خصوصا فى آخر عمره، واختصر «الأنساب» لابن الأثير،
стр. 481
وكذا شرع فى اختصار «الأطراف» للمزى. وأخذ عنه بعض الطلبة. وتوفى فى شهر جمادى الأول من هذه السنة، وكانت له جنازة شهدها الفضلاء والطلبة وأثنوا عليه خيرا، وخلف بنتين متزوجتين [ولما مات (١)] جاءت تركته نحو المائتى دينار، فخص خانقاه سعيد السعداء منها شئ لأنه كان صوفيا بها فشاركت بيت المال، والله يعفو عنه ويرحمه.
١١ - [محمد بن عبد الرحمن] أبو الفوز ربيب سيدنا قاضى القضاة شمس الدين الأمشاطى العنتابى الحنفى
، كان خليفة الحكم بالديار المصرية عن قاضى القضاة سعد الدين وقاضى القضاة محب الدين ابن الشحنة، وكان زهرا نورا حشما له خلوة بالصالحية (٢) النجمية بجوار زوج والدته قاضى القضاة شمس الدين المذكور يحكم فيها والناس يكرمونه (٣) لأجله، وهو خفيف الوطأة كثير التواضع حسن الشكل، يركب البغلة الجميلة ويلبس الأثواب البهية ويقرأ على عمه المذكور وعلى الشيخ أمين الدين الأقصرائى وغيرهما، وكان باسمه تصوف بمدرسة الأشرف برسباى المجاورة للوارقين فخرج عنه بعد وفاته لقريبه الشيخ شهاب الدين بن اسماعيل بن الصائغ (٤) وكان ذلك من أهله فى محله، وفجعت به والدته (٥) وأسفت عليه أسفا زائدا وهى معذورة.
وتوفى فى يوم الأحد خامس عشرى شهر الله المحرم من هذه السنة، وخلف بنتا صغيرة وزوجة ووالدته المذكورة، وكانت له جنازة حافلة مشهودة حضرها القضاة والعلماء والفضلاء والمشايخ وأعيان الرؤساء، وصعدوا معه إلى
стр. 482
تربته التى دفن بها بالقرب من جوشن، وكثر الثناء الحسن عليه. ﵀.
١٢ - محمد بن حنه سبط البلقينى، عرف بوالدته لأنها بنت الشيخ جلال الدين البلقينى، [١٨٥ أ] واسم والده على ويعرف بالمناوى القاهرى
، وكان قد باشر نيابة القضاء عند سراج الدين عمر الحمصى (١) صهر الخليفة لما ولى قضاء الشام زمنا طويلا، واجتهد فى تحصيل وظائف هناك فتّمت له ثم ناب فى القضاء عن قاضى القضاة علم الدين البلقينى بسفارة ما بينهما من النسب، ولكن لم يتعاط (٢) الأحكام فى القاهرة إلا نادرا ثم عزل وصار يتجر فى القماش وغير ذلك، وتوفى يوم الاثنين ثامن عشره أى شوال، وصلى عليه من الغد بالحاكم ودفن بفسقية كان القاضى ولى الدين ابن تقى الدين أعدها لنفسه بمدرسته التى استجدها بحارة بهاء الدين المجاورة لمنزله وبالقرب من المدرسة الشريفية القديمة، واتفق أن صاحب الترجمة أعد له فسقية بدمشق فقدر الله أن الوالى البلقينى لما ولى قضاء الشام فى دولة الأشرف إينال وضعف فيها مات (٣) فدفن بالفسقية المذكورة فكانت هذه القضية من غرائب الوجود.
وخلف بنتا وأختا وأخوين رجلين فحرمهما ميراثه: أعنى الذكرين.
وشكوا (٤) اللسلطان أمرهما وما أفادهما ذلك وعند الله يجتمع الخصوم، فهو كريم.
١٣ - محمد بن [عبد الله بن على (٥)] المعروف والمشهور بابن الحفار الواعظ
،
стр. 483
كان قد أسن وشاخ وزاد على الثمانين (١) وكان له مناسبات عقب قراءة البخارى بالقلعة بحضور السلطان وقضاة القضاة والجم الغفير من العلماء والطلبة ويأتى بعجائب وغرائب؛ وكان مرصدا لإنشاد المديح فى ختم «البخارى» عند شيخ الإسلام ابن حجر، وهو جيد ساكن عديم الشر والأذى إلا أنه كان قليل البضاعة فى العربية، وربما صحح علىّ الأشياء التى ينشدها لما يجتمع بى؛ وكان له قدم فى معرفة الأمور المتعلقة بالوعظ والمجالس، طوالا شكله، حسن الهيأة فى نظافته ديّنا لا تعرف له صبوة ولا شهوة، ولا يستغيب أحدا، ولا يتكلم فيما لا يعنيه، ولا يشاحح فيما يعطى، وله سماع قديم. توفى ﵀ [١٨٥ ب] فى يوم الأحد ثامن شعبان من هذه السنة، وكانت له جنازة حافلة وأثنوا عليه خيرا.
١٤ - محمد بن محمد بن محمد المشهور والده بالخير والصلاح والعلم [والمعروف] بابن إمام الكاملية
، هو أحد أولاده الثلاثة الرجال الذين أخذوا وظيفة تدريس الحديث بالكاملية عن الشيخ شمس الدين السخاوى الحافظ ولم يمهل له فى أجله بعد أخذه الوظيفة الا أياما يسيرة، وكان دينا خيرا ملازما للصلوات فى أوقاتها والأذكار والأدعية، وتوفى فى العشرين (٢) من شوال سنة تاريخه وخلف أربع زوجات وبنتين وأخوين، وكانت له جنازة حافلة، وأثنوا عليه خيرا. رحمه الله تعالى.
١٥ - خوند مغل بنت القاضى ناصر الدين ابن البارزى كاتب السر أخت القاضى كمال الدين كاتب السر زوج القاضى علم الدين ابن الكويز كاتب السر
، ثم من بعده تزوجت بالملك الظاهر جقمق وهو أمير فأقامت معه حتى تسلطن وصعدت القلعة واستمرت خوند صاحبة القاعة ورزقت منه بنتا،
стр. 484
فزوجها السلطان المذكور لمملوكه الأمير أزبك من ططخ الساقى ورقّاه وربّاه وعظّمه، واتفق موت حظية السلطان المسماة «سور باى (١)» وكان يهواها؛ فنسبوا خوند صاحبة هذه الترجمة إلى أنها تسببت فى موتها بشئ أدخل عليها من السم وحاشاها من ذلك، فهجرها السلطان الظاهر وطلقها فنزلت من القلعة وسكنت عند بنتها ببيت الأمير المذكور واستمرت مقيمة عنده وصارت هى القائمة بأموره وأمور بنتها وأمور بيته، ومات الظاهر. ثم ولدت بنت الظاهر ولدا فاستمرت خوند مغل قائمة بتربيته حتى أن الجوارى اللائى (٢) يتسرى بهن الأمير عندها لم يعلمن ما خلفته بنتها لما ماتت لأنها أسندت وصيتها للأتابكى وجعلته ناظرا، وكذلك فوضت إليه خوند مغل النظر على أوقاف أبيها وأخيها وأوقافها وثبت ذلك على الشرع الشريف، وكانت وفاتها فى يوم الثلاثاء ثامن عشرى شوال من هذه السنة، ووافق حضور المقر الأشرف الأتابك أزبك من سفرة كان فيها قبل موتها بيوم واحد أو أقل من ذلك، وكانت لها جنازة حافلة جدا مشى فيها الأعيان من الأمراء وغيرهم وقضاة القضاة وغيرهم من رؤساء الدولة ومباشريها وأعيانها، وعمل على تابوتها بشخاناه مثل ما يصنع للخوندات على العادة، ودفنت بالحوش المجاور لسيدنا الإمام الشافعى ﵁؛ وكانت دينة خيرة رئيسة أصيلة عريقة من بيت كبير فى العلم أصلها طيب وفرعها، وكانت كثيرة البرّ والمعروف والخير للفقراء والفقهاء والصلحاء والمعتقدين، خصوصا للشيخ مدين ﵀، فإنها عمرت له مدرسة
стр. 485
وزاوية ومدفنا وغرمت عليها أموالا كثيرة فى الرخام والأحجار والذهب واللازورد والأخشاب والآجر والبناء وأشبه ذلك، وجعلت بها خطبة ومؤذنين وقومة، وأوقفت عليها أوقافا تقوم بالمذكورين وبفقراء الشيخ، وعمرت لهم عدة خلاوى يسكنون بها وهم إلى الآن قاطنون فيها يذكرون الله ويصلون ويدعون لها عقب كل صلاة؛ وكذا لما توجهت إلى القدس الشريف صحبة صهرها المقر الأتابكى أزبك فى دولة الملك الأشرف إينال وضعت فيه من الخيرات مالا مزيد عليها، فرحمها الله.
- يحيى، الأمير سيف الدين ابن المقر الأشرف الكريم العالى السيفى يشبك من سليمان شاه الفقيه المؤيدى الدوادار الكبير وسبط الملك المؤيد شيخ، كان نادرة من نوادر العصر والزمان فى أولاد الأمراء، فارسا شجاعا بطلا مفننا فى كل فن من الفنون من لعب الكرة والرمح والنشاب وسوق الخليل وغير ذلك، وقام سنينا يسوق المحمل مع الباشات، وكان هو الدوادار الكبير فى أيام والده فى دولة الظاهر خشقدم، واستقر فى إمرة عشرة أو طبلخاناة عوضا عن شخص من الأمراء قتل بالبحيرة، وصار له ضخامة وفخامة وعظمة وأبهة ورياسة وشهامة وزهارة فى ملبسه ومنزلته وتجمله [١٨٦ ب]. وكان شكلا حسنا ظريفا لطيفا فصيحا أريبا عاقلا لبيبا، يكتب الخط الحسن، وحظه أحسن، و [أما] هيئته ونضارته وبهاؤه وأصالته فإليها النهى لأن الملك المؤيد شيخ جده لأمه، فإن أمه آسية بنت المؤيد المذكور وصار هو المتكلم فى أوقاف جده بالمؤيدية وغيرها، وصاهر قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة الحنفى على ابنته ورزق منها بنتا، وكان الملك الظاهر خشقدم أرسله فى شغل إلى البلاد الشامية فحصل فيه المال الجزيل ورجع ضعيفا فاستمر متعللا بأمراض منها القولنج الصفراوى وداء الأسد، وطالت علته وآخر أمره صرع كم مرة، ومات فى ليلة
стр. 486
السبت المباركة المسفرة عن سابع عشرى شهر رمضان المعظم قدره من هذه السنة، وتهتكت (١) حريمه وسراريه ووالدته وسرن (٢) خلف جنازته وانذهل والده وفجع فيه وساروا خلف جنازته إلى الرميلة، فحضر السلطان إلى سبيل المؤمنى وصلى عليه هو والأمراء الموجودون الأكابر والأعيان والخاصكية وقضاة القضاة - خلا الحنبلى لفقده بالموت - ومشايخ الإسلام، وأثنوا عليه خيرا وفهما فى العلم وذوقا سليما وطبعا مستقيما، ودفن بالمؤيدية شيخ عند جده؛ رحمهما الله تعالى وعفا عنه وغفر له.
١٦ - يونس بن عمر بن جربغا بن عبد الله، وجربغا المذكور من مماليك الملك الكامل
- كان دوادارا بخدمة الأمير فيروز (٣) النوروزى مدة طويلة، وكان من المقربين لديه والمعتبرين عنده، وألقى مقاليد أموره كلها إليه فصار متكلما فى أمواله وتعلقاته حتى فى الذخيرة، وكان فيروز نافذ الكلمة وافر الحرمة كثير المال فحصل صاحب الترجمة الوظائف والعقارات والإقطاعات وأثرى وضخم وعظم وصار معدودا من الأكابر والرؤساء، ثم قرر فى أستادارية الذخيرة بالقاهرة، وسافر إلى الشام ليولى من يشاء ويعزل من يشاء من الأستادارية، ثم أفصل ونوّه به للوزر عدة مرار وهو يمتنع وأستاذه يدفع عنه إلى أن كانت دولة الظاهر خشقدم وتولى المجد ابن البقرى الوزارة بعد اختفاء العلاء ابن الأهناسى، ثم انفصل ابن البقرى وطلب صاحب الترجمة فقرر فى الوزارة ولم ينتج له فيها أمر، ورافقه فيها البباوى المعامل بعد أن قرر فى نظر الدولة، ثم وثب عليه وأفصله وغرم فيها مالا له وكأنه
стр. 487
اشترى له بالمال اسم «الصاحب» أو «الوزير». وكان يقرأ ويكتب ويحب النظر فى التاريخ، وصار فى داره منقطعا بجوار بيت المقر المرحوم الزينى عبد الباسط لا يتردد لأحد إلا إلى الجمعة وزيارة القرافة فى يوم الجمعة وزيارة سيدى حسين الجاكى فى يوم الأربعاء، كل ذلك بكرة النهار ويعود إلى منزله إما ينسخ أو يطالع فى التاريخ، وطلب منى تراجم (١) الملوك من السلاطين بمصر إلى عصرنا هذا مختصرا فأرسلت بها إليه بعد طلب حثبث.
وله ولد رجل يسمى عمر (٢) [كان] شكلا حسنا، وهو حنفى المذهب ويلبس زى الأتراك. ومات صاحب الترجمة فى ليلة الجمعة المسفرة عن خامس عشر شهر ذى القعدة الحرام سنة تاريخه، ضربه دم فعبر (٣) عنه الأطباء «بالزنطارمه»، ودفن من الغد، وكان مسيكا وله بالسلطان الملك الأشرف أبى النصر قايتباى نصره الله معرفة حال إمرته، وهو الذى ساعده فى خلاصه من الوزارة، وكان (٤) أرسل ولده إلى الشام فى شغل؛ وكان صاحب الترجمة عفيفا عن القاذورات ويحب العلماء ويتردد إليهم خصوصا شيخنا شيخ الإسلام محيى الدين الكافيجى، فإنه كان يتردد لبابه ويسأله فى كتابة مصنفاته. وأما الشيخ قاسم الحنفى فإنه كان يحضر لبيت صاحب الترجمة لقراءة ولده عمر المذكور ويصل إليه منه بر ومعروف، وأتلف ولده جميع ما خلفه له والده من رزق وأوقاف وإقطاع، وتحمل ديونا كثيرة واختفى فى آخر أمره من الديون، والله تعالى يعامله بلطفه والمسلمين. آمين.
стр. 488
١٧ - يوسف شاه ابن عبد الله العلمى ابن الكوين، كان أحد المعلميّة عند ابن الطولونى مرتين
، واستقر فى نظر القراقتين عوضا عن أبى بكر المصارع الذى كان من جماعة الظاهر جقمق، وولى كشف الأعمال الجيزية بوساطة الصاحب أمين الدين بن الهيصم، وولى الكشف أيضا من أبواب الأستادارية للتراب، وخبزه بغالب الأقاليم، وتكلم أيضا فى السواقى التى تحمل الماء إلى القلعة من مصر القديمة مدة طويلة، وتنقلت به الأحوال وأملق حاله لكنه كان مستورا، وصاهر صاحبنا البدر ابن الحلاوى على بنته، وفى الواقع ف [إنه] كان جيدا هينا لينا. توفى ﵀ فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر جمادى الأولى من هذه السنة، وكانت له جنازة بالفقيرى، عفا الله عنه وسامحه.
***
سنة سبع وسبعين وثمانى مائة
استهلت هذه السنة بخير وسلامة، وخليفة الوقت المستنجد بالله أبو المظفر يوسف العباسى دام شرفه، وسلطان الديار المصرية والممالك الإسلامية والأقطار الحجازية الملك الأشرف أبو النصر قايتباى المحمودى الأشرفى الظاهرى عز نصره؛ والقاضى الشافعى ولى الدين أحمد الأسيوطى، والقاضى الحنفى محب الدين محمد بن الشحنة، والقاضى المالكى سراج الدين عمر بن حريز، والقاضى الحنبلى بدر الدين محمد السعدى؛ وأتابك العساكر أزبك من ططخ الظاهرى، وأمير سلاح جانبك قلقسيز الإينالى الأشرفى، وأمير مجلس لاجين الظاهرى، وأمير آخور كبير جانبك من ططخ الظاهرى المشهور بالفقيه، ورأس نوبة النوب إينال الأشقر الظاهرى وهو مسافر لمحاربة شاه سوار، والأمير الدوادار الكبير يشبك من مهدى وهو
стр. 489
باش العسكر المتوجه لقتال شاه سوار وهو أيضا وزير الديار المصرية وأستادار العالية ويتكلم عنه فى الوظيفتين الشرفى موسى ابن غريب وحاجب الحجاب الأمير تمر المحمودى الظاهرى جقمق، فهؤلاء سبعة أمراء أصحاب وظائف؛ وأما الأمراء المقدمون الألوف الذين هم بغير وظائف فهم: الأمير سودون تستز الظاهرى، والأشرفى برسباى، والأمير قانصوه الأحمدى الإينالى وهو فى التجريدة لقتال العربان بالشرقية وصحبته جماعة من المماليك السلطانية، والأمراء، ومنهم: الأمير أزدمر تمساح الظاهرى، والأمير أزدمر الطويل الإبراهيمى الظاهرى، والأمير قراجا الطويل الإينالى الأعرج وأمر الأعوان أن يتوجهوا معه فإن أحضر المال والقماش فبها، وإن لم يحضر ما ذكر فيوسط هناك ولا يشاور عليه، فتوجههوا به فأحضر ثمانى مائة دينار وقماشا وكتبا ومتاعا، ثم خاطب عظيم الدنيا ابن البقرى وقال له: «يا خائن تحلف لى إنك لا تخون ولا تخفى منى شيئا، وهذا خطك يشهد عليك مما استأديته؟»، ثم أمر بضربه فضرب نحو أربعين شيبا وهذه رابع علقة بالمقارع، ثم ضرب على رأسه نحو عشر شيوب، وطلب له جمل فوضع عليه فى وسط دوار الأمير وهو فى الحديد ليشهره بالمدينة على من يحلف ويكذب ويخون، فنهض رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى حفظه الله وترامى على الأمير ولا زال به حتى قبلت شفاعته وأنزل عن الجمل والحديد فى عنقه، وتوجهوا به فى الترسيم ليقوم بما عليه، ثم قبض على جماعات اتهموا بصحبته ومن جهته، منهم محمد بن الأستادار المشهور بباب النصر، وكذلك ولده فإنه تسبب إلى أنه هو الذى حمله وهرب به، وضرب ووضع فى الحديد، وعن العزيز بن البرهان وبرد دار الديوان المفرد فإنه كان قضى عليه ثم أطلقوا بعد ذلك، وصار الأمير مجد الدين يباشر وهو فى الترسيم مقيما بدار الأمير قانصوه لا يركب ولا يتوجه إلى منزله، وأطلقت والدة المجد بن البقرى وعياله ورد عليه قماشه وكتبه ومتاعه.
стр. 490
وفى يوم الثلاثاء رابع عشره رسم الأمير عظيم الدنيا أمير سلاح بنفى شخص من المماليك السلطانية يسمى خشقدم من جيران الأمير مجد الدين ابن البقرى بلغ الأمير - دامت سعادته عنه - ما أوجب ذلك، فأخرجه نقيب الجيش من فوره على العادة.
وفى يوم الاربعاء خامس عشره ويوافقه مستهل شهر بشنس القبطى، ففى ثالثه الموافق له من الشهور العربية سابع عشره عند صلاة الجمعة لبس السلطان نصره الله القماش البعلبكى المعد لبسه للصيف ونزع الصوف، وهذا سابق على العادة بأربعة أيام وموجب ذلك هجوم الحر وشدته.
وفى يوم السبت ثامن عشره عقد مجلس بالقلعة - داخل الحوش السلطانى بحضور السلطان، حضره قضاة القضاة وبعض نوابهم - بين الأمير خير بك حديد الأشرفى أحد المقدمين الألوف الأشرفى برسباى وبين المصونة خوند شقرا بنت الناصر فرج والظاهر برقوق بسبب ما بينهما من النزاع الذى فى الأراضى التى بالفيوم، وأصل هذه المسألة على ما بلغنى أن خوند المذكورة كان لها هذه الأراضى بالفيوم فأكل غالبها البحر ثم نشأ بجانبها جزائر، فاتفق أن البباوى لما توزر فى دولة الظاهر خشقدم بلغه ظهور هذه الجزائر فسحبها واستولى عليها (١)، فوقفت خوند المذكورة للسلطان خشقدم وذكرت له صورة الحال مفصلة وأن الوزير البباوى استولى عليها، فرسم لها السلطان بالجزائر المذكورة، ورسم لها بكتابة مربعة شريفة فكتب لها مربعة شريفة، وابتاعت ذلك من بيت المال المعمور، وثبت ذلك فى الشرع. ثم باعت ذلك للمقر الأشرف السيفى خايربك المذكور وأجّرته الوقف مدة معلومة بثمن معلوم وقبضت ذلك منه معجلا، فعمر خير بك المذكور فى المكان غيطا عظيما وغرس فيه أشجارا كثيرة
стр. 491
وصارت (١) تثمر له من سائر الفواكه الطيبة، وسماه «الروضة»، وعمر به جامعا ومعصرة ودورا وحوانيت وجسورا وقناطر وغير ذلك. وأقام به عدة من المزارعين والفلاحين والمستأجرين كل ذلك بالأرض التى ابتاعها، وأقرضهم مالا وقوّاهم. هكذا أخبرنى شخص من جماعته. ثم أن الإجارة انقضت فأرادت خوند المذكورة أن يستأجر منها على العادة ويعجل لها، فاعتذر لها بأعذار منها أن الفلاحين عليهم باقى جملة من المال والخراج وأنه ما بقى يستأجر شيئا وكأنه استغنى عن الرزقة بالموقوفة بالذى اشتراه وعمّره وأنشأه، فوقفت لعظيم الدنيا أمير سلاح المذكور ولمولانا السلطان عز نصره وذكرت أن الذى باعته وقف، وأنه غصب من أرض الوقف جانبا أدخله [١٨٩ ا] فى ما أنشأه وزرعه، فسأل السلطان من قضاة القضاة عن هذه المسألة وأمرهم أن يخبروه عن الحق هو فى أى جانب، فذكروا له أن لابدّ لهم من أمور ومقدمات وشهود، وعجزوا فى الصلح بينهم فلم ينفصلوا، فرسم لهم بعقد مجلس ثان بقضاة القضاة فى بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله فحضروا إليه فى يوم الأحد تاسع عشره ولم ينفصلوا، وحصل بين قاضى القضاة المالكى وبين الخطيب الوزيرى مباحثة ومجادلة أدت إلى أن أمر بإقامة الخطيب من المجلس فامتنع، فنهض الشريف رسول المالكى ونقيبه فمسكوه وانقطع طوقه ولم يقم، وساعد القاضى الحنفى المالكى وهم بتأديبه وكلّمه كلمات حسنة، كل ذلك والخطيب لا يقوم من منزله، فقام المالكى من المجلس مغضبا حنقا متوجها لمنزله فحلفوا عليه فامتنع، فتبعه صاحب المجلس وكلمه كلمات من جملتها: «إن المجلس للسلطان» وغير ذلك، فرجع وتكلموا فيما هم فيه، وشهدت البينة بأن الذى ابتاعه الأمير
стр. 492
من خوند عدة كذا وكذا وأنه لم يدخل فيه شئ من الوقف، وخرجوا على تزكية البينة، ولما عاد قاضى القضاة المالكى عاد الخطيب وانفصل المجلس على ذلك، والله الحاكم والمالك.
وفى ليلة يسفر صباحها عن يوم الأحد تاسع عشره أطلق عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير وما مع ذلك الأمير مجد الدين ابن البقرى من الحديد والترسيم، وسلمه لأخيه القاضى شرف الدين عبد الباسط، وتوجه إلى داره ليقوم بما عليه من المال، وقيل إنه ساع فى إقامته فى الوظيفة. فالله أعلم بحقيقة ذلك.
يوم الاثنين العشرين منه لعب عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير الكرة والصولجان فى بيته هو والأمراء المقدمون الألوف، وأمر مماليكه بإخراج من فى الدوّار والبوابة من الناس ونهرهم فلم ينتهوا ولم يخرجوا فضربوهم، ومن جملة من ضرب نقيب الجيش على ظهره وأكتافه، وكانت ساعة عظيمة مهولة.
وفيه شكى لعظيم الدولة المذكور وقاه الله كل محذور على شخص تاجر أنه أخذ من التجار أصنافا إلى أجل واستحق الأجل، فطالبوه فادعى أنه كان عليه ديون لغيرهم وأن جميع ما كان يملكه وفى حانوته أخذه أرباب الديون، فأمره بدفع الحق فتعلل بما ذكرناه فضرب وصار يقول له: «ادفع الحق» فأمر أن يعمل فى الحفير ويدفعوا أجرته لمن له فى ذمته شئ، وما ذاك إلا من حدته منه وإلا فما يتحصل من أجرته؟
وفى يوم الثلاثاء حادى عشريه بعد العصر ركب السلطان نصره الله من
стр. 493
قلعة الجبل وتوجه إلى القبة التى بالمطرية بعد أن أعرض الهجن من أول النهار ليتوجه إلى جهة القرين لينظر ما صنعه وأنشأه من المعروف به، وهو الحوض والسبيل وغيرهما، فبات بالقبة وأصبح فتوجه لما ذكرنا وصحبته عظيم دولته يشبك من مهدى من مهد الله به البلاد والعباد أمير سلاح وما مع ذلك والأمير خشقدم الوزير والإمام والخزندار والأمير قانباى صلاق أحد أمراء الطبلخانات، والأمير يشبك الزردكاش والأمير شاهين الجمالى نائب جده كان. ومن العلماء والفقهاء قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى الشافعى وعدة من الخاصكية المقربين والبيوتات وأرباب الوظائف من السقاة، فالله يكتب له السلامة فى السفر والإقامة.
ثم بلغنى أن الأمير قانصوه خمسمائة الدوادار الثانى والأمير جانبك حبيب الأمير آخور الثانى توجها صحبة الركاب الشريف وصحبتهما عدة من الخاصكية.
يوم الخميس ثالث سفر السلطان أرسل نصره الله إلى المقر البدرى بن الكويز ناظر الخاص قاصدا يطلب منه خلعا وكوامل وما أشبه ذلك فجهز ذلك سريعا عاجلا، ثم قيل إنه أرسل يطلب الشطفة، فقيل فيها دلالة على أنه نصره الله يريد التوجه إلى ما يريده من زيارة القدس، اللهم أرشد طريقه، واقبل سعيه، ومكنه من البلاد والعباد، واجعل العدل دثاره، ووفقه بحق (١) محمد وآله وأتباعه وأشياعه وحزبه.
ثم وصل الخبر عن السلطان أنه توجه وكشف على جسر بلبيس وأهان كاشف بلبيس وحرضه على عمارة الجسور [١٩٠ ا]، وتوجه لشيبين وغيرها من
стр. 494
البلاد لعمل مصالح الجسور والعباد وإزالة الظلم والفساد، فنصره الله نصرا عزيزا وفتح له فتحا مبينا.
وفى هذه الأيام غرقت معدية ببحر النيل فيها عدة أنفس من رجال وصبيان ونساء، وغرق فيها شخص من جماعة قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى أعزه الله.
وفى هذا الشهر وجدت (١) امرأة وبنت بكر مقتولة بجوار بكى فى الأزبكية لم يعلم لها قاتل ولا وارث وذهب دمها هدرا، وقيل: إنها ماتت ناقصة العقل.
وفى يوم الثلاثاء ثامن عشريه وصل سيف الأمير أزدمر نائب حماه قريب السلطان وسيف طومان أمير كبير بها؛ وسبب ذلك أن سيف البدرى أمير آل جار وثب على شخص من أقاربه يدعى غسان بينه وبينه عداوة فخرج النائب لنصرة قريب سيف فإنه فى طاعة السلطنة فمنعوه من ذلك وقالوا له: «مالنا وقتال العرب؟» فلم يمتنع وتبعه عسكر حماه فقاتلوا وتبعوه، فأكمن لهم كمينا فاقتتلوا مع الكمين قتالا عظيما قتل فيه النائب وأمير كبير وخلق، ووصل الخبر بذلك للسلطان فنكد كمدا زائدا وهو معذور فما شاء الله لا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، ما شاء الله كان.
(شهر ربيع الأول)
استهل بيوم الخميس بالرؤية وثبت على ثلاثة من نواب سيدنا قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى ووافقه من أيام الشهور القبطية (٢) خامس عشر بشنس، والسلطان مسافر فى مصالح العباد، لكشف الجسور وتجديد المعروف.
стр. 495
وفى يوم السبت ثالثه وصل السلطان نصره الله وأدام أيامه، وصحبته عظيم دولته أمير سلاح الدوادار الكبير ووزيره الأمير خشقدم الأحمدى الإمام والخازندار ومن توجهوا فى خدمته وصعد القلعة قبل الظهر، فوقف له العوام بين القصرين يطلبون منه محتسبا لما نزل بهم من السوقة من تصغير وزن الخبز وزيادة ثمن اللحم النيئ والجبن وسائر المطعومات مع أن القمح بمائتى درهم الأردب، والخبز نصف رطل بدرهم، والأبقار والأغنام رخيصة جدا ويبيعه (١) الباعة من المعلوف بإثنى عشر درهما الرطل [١٩٠ ب] والبقرى بثمانية الرطل مطبوخا مع أن رطل السوقة عشر أواق، والجبن المقلى فى هذه الأيام بتسعة دراهم الرطل، والأزرار والمشوى المالح بستة دراهم الرطل فأضر ذلك بحالهم، ثم وقفوا للسلطان فى هذا اليوم مرة ثانية بالرميلة، فرسم السلطان للأمير قجماس أمير آخور أن يطلب الخبز وينظر فى أمر المسلمين، فنزل (٢) الأوجاقية وصعدوا له من غالب الحوانيت بالخبز فنظر فيه، ثم صعد قضاة القضاة عقب صعود السلطان إليه فشاوروا عليهم فعادوا عليهم بالجواب بأن السلطان فى الحريم فرجعوا، ثم ركبوا بعد العصر وصعدوا القلعة فشاوروا عليهم فأرسل يعلمهم أنه حضر من السفر وعنده بعص وعثاء السفر ولم يحضر لهم، وأرسل يعتذر لهم بخادم من الخدام فرجعوا ولم يجتمعوا، وكان قبل طلوعهم إليه أرسل الأمير زين الدين يعقوب شاه المهمندار يعلمهم أن ينظفوا أبوابهم من الوكلاء ويمنعوا الصبيان الذين على أبوابهم فامتثلوا ذلك، وسببه أن المقر الأشرف السيفى خير بك من حديد الأشرفى أحد المقدمين الألوف كان وكيلا عليه فى مخاصمته مع خوند شقراء بنت الناصر عمر ابن الشيخ عز الدين الفيومى،