← История

История · id 30026

إنباء الهصر بأنباء العصر

ابن الصيرفي المؤرخ

Полный текст (539 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وصارت (١) تثمر له من سائر الفواكه الطيبة، وسماه «الروضة»، وعمر به جامعا ومعصرة ودورا وحوانيت وجسورا وقناطر وغير ذلك. وأقام به عدة من المزارعين والفلاحين والمستأجرين كل ذلك بالأرض التى ابتاعها، وأقرضهم مالا وقوّاهم. هكذا أخبرنى شخص من جماعته. ثم أن الإجارة انقضت فأرادت خوند المذكورة أن يستأجر منها على العادة ويعجل لها، فاعتذر لها بأعذار منها أن الفلاحين عليهم باقى جملة من المال والخراج وأنه ما بقى يستأجر شيئا وكأنه استغنى عن الرزقة بالموقوفة بالذى اشتراه وعمّره وأنشأه، فوقفت لعظيم الدنيا أمير سلاح المذكور ولمولانا السلطان عز نصره وذكرت أن الذى باعته وقف، وأنه غصب من أرض الوقف جانبا أدخله [١٨٩ ا] فى ما أنشأه وزرعه، فسأل السلطان من قضاة القضاة عن هذه المسألة وأمرهم أن يخبروه عن الحق هو فى أى جانب، فذكروا له أن لابدّ لهم من أمور ومقدمات وشهود، وعجزوا فى الصلح بينهم فلم ينفصلوا، فرسم لهم بعقد مجلس ثان بقضاة القضاة فى بيت رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله فحضروا إليه فى يوم الأحد تاسع عشره ولم ينفصلوا، وحصل بين قاضى القضاة المالكى وبين الخطيب الوزيرى مباحثة ومجادلة أدت إلى أن أمر بإقامة الخطيب من المجلس فامتنع، فنهض الشريف رسول المالكى ونقيبه فمسكوه وانقطع طوقه ولم يقم، وساعد القاضى الحنفى المالكى وهم بتأديبه وكلّمه كلمات حسنة، كل ذلك والخطيب لا يقوم من منزله، فقام المالكى من المجلس مغضبا حنقا متوجها لمنزله فحلفوا عليه فامتنع، فتبعه صاحب المجلس وكلمه كلمات من جملتها: «إن المجلس للسلطان» وغير ذلك، فرجع وتكلموا فيما هم فيه، وشهدت البينة بأن الذى ابتاعه الأمير

стр. 492

من خوند عدة كذا وكذا وأنه لم يدخل فيه شئ من الوقف، وخرجوا على تزكية البينة، ولما عاد قاضى القضاة المالكى عاد الخطيب وانفصل المجلس على ذلك، والله الحاكم والمالك. وفى ليلة يسفر صباحها عن يوم الأحد تاسع عشره أطلق عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير وما مع ذلك الأمير مجد الدين ابن البقرى من الحديد والترسيم، وسلمه لأخيه القاضى شرف الدين عبد الباسط، وتوجه إلى داره ليقوم بما عليه من المال، وقيل إنه ساع فى إقامته فى الوظيفة. فالله أعلم بحقيقة ذلك. يوم الاثنين العشرين منه لعب عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير الكرة والصولجان فى بيته هو والأمراء المقدمون الألوف، وأمر مماليكه بإخراج من فى الدوّار والبوابة من الناس ونهرهم فلم ينتهوا ولم يخرجوا فضربوهم، ومن جملة من ضرب نقيب الجيش على ظهره وأكتافه، وكانت ساعة عظيمة مهولة. وفيه شكى لعظيم الدولة المذكور وقاه الله كل محذور على شخص تاجر أنه أخذ من التجار أصنافا إلى أجل واستحق الأجل، فطالبوه فادعى أنه كان عليه ديون لغيرهم وأن جميع ما كان يملكه وفى حانوته أخذه أرباب الديون، فأمره بدفع الحق فتعلل بما ذكرناه فضرب وصار يقول له: «ادفع الحق» فأمر أن يعمل فى الحفير ويدفعوا أجرته لمن له فى ذمته شئ، وما ذاك إلا من حدته منه وإلا فما يتحصل من أجرته؟ وفى يوم الثلاثاء حادى عشريه بعد العصر ركب السلطان نصره الله من

стр. 493

قلعة الجبل وتوجه إلى القبة التى بالمطرية بعد أن أعرض الهجن من أول النهار ليتوجه إلى جهة القرين لينظر ما صنعه وأنشأه من المعروف به، وهو الحوض والسبيل وغيرهما، فبات بالقبة وأصبح فتوجه لما ذكرنا وصحبته عظيم دولته يشبك من مهدى من مهد الله به البلاد والعباد أمير سلاح وما مع ذلك والأمير خشقدم الوزير والإمام والخزندار والأمير قانباى صلاق أحد أمراء الطبلخانات، والأمير يشبك الزردكاش والأمير شاهين الجمالى نائب جده كان. ومن العلماء والفقهاء قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى الشافعى وعدة من الخاصكية المقربين والبيوتات وأرباب الوظائف من السقاة، فالله يكتب له السلامة فى السفر والإقامة. ثم بلغنى أن الأمير قانصوه خمسمائة الدوادار الثانى والأمير جانبك حبيب الأمير آخور الثانى توجها صحبة الركاب الشريف وصحبتهما عدة من الخاصكية. يوم الخميس ثالث سفر السلطان أرسل نصره الله إلى المقر البدرى بن الكويز ناظر الخاص قاصدا يطلب منه خلعا وكوامل وما أشبه ذلك فجهز ذلك سريعا عاجلا، ثم قيل إنه أرسل يطلب الشطفة، فقيل فيها دلالة على أنه نصره الله يريد التوجه إلى ما يريده من زيارة القدس، اللهم أرشد طريقه، واقبل سعيه، ومكنه من البلاد والعباد، واجعل العدل دثاره، ووفقه بحق (١) محمد وآله وأتباعه وأشياعه وحزبه. ثم وصل الخبر عن السلطان أنه توجه وكشف على جسر بلبيس وأهان كاشف بلبيس وحرضه على عمارة الجسور [١٩٠ ا]، وتوجه لشيبين وغيرها من

стр. 494

البلاد لعمل مصالح الجسور والعباد وإزالة الظلم والفساد، فنصره الله نصرا عزيزا وفتح له فتحا مبينا. وفى هذه الأيام غرقت معدية ببحر النيل فيها عدة أنفس من رجال وصبيان ونساء، وغرق فيها شخص من جماعة قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى أعزه الله. وفى هذا الشهر وجدت (١) امرأة وبنت بكر مقتولة بجوار بكى فى الأزبكية لم يعلم لها قاتل ولا وارث وذهب دمها هدرا، وقيل: إنها ماتت ناقصة العقل. وفى يوم الثلاثاء ثامن عشريه وصل سيف الأمير أزدمر نائب حماه قريب السلطان وسيف طومان أمير كبير بها؛ وسبب ذلك أن سيف البدرى أمير آل جار وثب على شخص من أقاربه يدعى غسان بينه وبينه عداوة فخرج النائب لنصرة قريب سيف فإنه فى طاعة السلطنة فمنعوه من ذلك وقالوا له: «مالنا وقتال العرب؟» فلم يمتنع وتبعه عسكر حماه فقاتلوا وتبعوه، فأكمن لهم كمينا فاقتتلوا مع الكمين قتالا عظيما قتل فيه النائب وأمير كبير وخلق، ووصل الخبر بذلك للسلطان فنكد كمدا زائدا وهو معذور فما شاء الله لا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، ما شاء الله كان. (شهر ربيع الأول) استهل بيوم الخميس بالرؤية وثبت على ثلاثة من نواب سيدنا قاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى ووافقه من أيام الشهور القبطية (٢) خامس عشر بشنس، والسلطان مسافر فى مصالح العباد، لكشف الجسور وتجديد المعروف.

стр. 495

وفى يوم السبت ثالثه وصل السلطان نصره الله وأدام أيامه، وصحبته عظيم دولته أمير سلاح الدوادار الكبير ووزيره الأمير خشقدم الأحمدى الإمام والخازندار ومن توجهوا فى خدمته وصعد القلعة قبل الظهر، فوقف له العوام بين القصرين يطلبون منه محتسبا لما نزل بهم من السوقة من تصغير وزن الخبز وزيادة ثمن اللحم النيئ والجبن وسائر المطعومات مع أن القمح بمائتى درهم الأردب، والخبز نصف رطل بدرهم، والأبقار والأغنام رخيصة جدا ويبيعه (١) الباعة من المعلوف بإثنى عشر درهما الرطل [١٩٠ ب] والبقرى بثمانية الرطل مطبوخا مع أن رطل السوقة عشر أواق، والجبن المقلى فى هذه الأيام بتسعة دراهم الرطل، والأزرار والمشوى المالح بستة دراهم الرطل فأضر ذلك بحالهم، ثم وقفوا للسلطان فى هذا اليوم مرة ثانية بالرميلة، فرسم السلطان للأمير قجماس أمير آخور أن يطلب الخبز وينظر فى أمر المسلمين، فنزل (٢) الأوجاقية وصعدوا له من غالب الحوانيت بالخبز فنظر فيه، ثم صعد قضاة القضاة عقب صعود السلطان إليه فشاوروا عليهم فعادوا عليهم بالجواب بأن السلطان فى الحريم فرجعوا، ثم ركبوا بعد العصر وصعدوا القلعة فشاوروا عليهم فأرسل يعلمهم أنه حضر من السفر وعنده بعص وعثاء السفر ولم يحضر لهم، وأرسل يعتذر لهم بخادم من الخدام فرجعوا ولم يجتمعوا، وكان قبل طلوعهم إليه أرسل الأمير زين الدين يعقوب شاه المهمندار يعلمهم أن ينظفوا أبوابهم من الوكلاء ويمنعوا الصبيان الذين على أبوابهم فامتثلوا ذلك، وسببه أن المقر الأشرف السيفى خير بك من حديد الأشرفى أحد المقدمين الألوف كان وكيلا عليه فى مخاصمته مع خوند شقراء بنت الناصر عمر ابن الشيخ عز الدين الفيومى،

стр. 496

وبلغ خير بك عنه أمور فشكاه للسلطان فوقع ما وقع، وطلب قاضى القضاة الشافعى الوكلاء وعمرا المذكور وشرط عليهم شروطا وأكد عليهم فيها وبالغ فيها، وقال عن نوابه إنهم ما يعملون شيئا، وأما نواب قاضى القضاة الحنفى فإنهم مقيدون فى الأحكام من ثانى عشرى ربيع الآخر سنة أربع وثمانين حسبما رسم لهم مستنيبهم أنهم لا يقع منهم حكم إلا بعد خطه على المستندات بالعرض أو التعيين، وما أحد من القضاة يعمل شيئا سوى نواب قاضى القضاة المالكى حفظه الله، فإنه لم يقيد عليهم وشيّخ أكثرهم، ويجيب عنهم فى غيبتهم وحضورهم. وفى يوم الثلاثاء رابعه أصبح السلطان فرسم أن ينادى فى البلد حسب مرسومه الشريف أن اللحم الضأن من المعلوف بعشرة دراهم الرطل والصاج كذلك والمشوى بإثنى عشر درهما الرطل والمسولق بأحد عشر درهما، والبترمان [١٩١ ا] بأربعة عشر درهما الرطل، والسميط بستة دراهم، والجبن المقلى بسبعة دراهم، والأبيض بخمسة، والحالوم بستة، والدقيق بستين البطة، والخبز الماوى تسع أواق بدرهم، والرومى ثمانى أواقى بدرهم، فاطمأن الناس كافة بهذه المناداة وذلك بعد أن طلب السلطان السوقة لبين يديه والطحانين وهددهم بقطع الأيادى والتوسيط، ثم رسم للصاحب قاسم الذى هو الآن ناظر الدولة بالتكلم فى الحسبة إلى أن يختار محتسبا بنفسه، فشكى له السوقة من الفلوس: أن الرطل من الفلوس الجدد يكسب رطلا آخر من العتق، فطلب صناع الفلوس ورسم لقاسم أن ينظر أيضا فى ذلك؛ واتفق فى هذا اليوم الذى هو الرابع من شهر تاريخه حضور مدولب الفضة بآدر الضرب بدمشق، فرافعه شخص نصرانى أنه يعمل فى كل مائة درهم فضة خمسة دراهم من الزغل، فرسم بإيداعهما فى الحديد إلى أن يلهمه الله لما يريد.

стр. 497

وفى يوم الأربعاء سابعه أشهر المقر الأشرف العالى عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير وما مع ذلك اثنين من الأعاجم شهدا بالزور عند شاهين شاه على شخص من التجار ومروا بهما (١) فى شوارع القاهرة مكشوفى الرؤس. وفى يوم (٢) الخميس ثامنه توفى خواجا السلطان المتكلم على البهار السلطانى واسمه محمد ويعرف بابن موسى وخلف جملة من المال: زيتا وأصنافا، وعليه للسلطان نحو ثلاثين ألف دينار، ثم ظهر له ابن عم، وكان فى خدمته شخص من التجار الأجواد يعرف بابن عواض فرسم له السلطان أن يبيع ما خلفه ويأخذ منه مال السلطان وما يتأخر يكون لوارثه. يوم الجمعة تاسعه ويوافقه من أيام الشهور القبطية ثالث عشرى بشنس (٣) وقد مضى من الخماسين ثمانية وأربعون يوما حصل شعث زائد وهواء (٤) مزعج جدا بحيث سقط منه أماكن مخلخلة وحرقت منه بعض دور، فقاسى الناس منه تشويشا عظيم، وبلغوا أن السلطان نصره الله رسم بنصب الخيمة (٥) التى أنشأها الأشرف [١٩١ ب] إينال بالحوش السلطانى على العادة لأجل المولد الشريف النبوى على من هو منسوب له أفضل الصلاة والسلام، فلما انتهوا من نصبها انكسرت أعمدتها وسقطت من عظم الهواء والرياح التى كانت، فاحتاج السلطان نصب خيمة جديدة صنعوها له غير أنها أصغر من تلك، فاللهم اجعلها رباحا ولا تجعلها ريحا ببركة سيد ولد آدم ﷺ . يوم الأحد حادى عشره كان المولد الشريف السلطانى بقلعة الجبل على عادته

стр. 498

ومستقر قاعدته وحضر قضاة القضاة والأمراء والأكابر فقدم [امراء] الألوف بتمامهم وكمالهم إلا الأمير لاجين أمير مجلس لتعلله وبواسطة قدم سنه وعجزه عن الجلوس بين يدى السلطان ووقوفه أيضا وهو بالشاش والقماش. وأما الأمراء فهم المقر الأشرف الكفيلى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى، والمقر الأشرف الكبير العالى عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير أستادار العالية وملك الأمراء بالوجهين القبلى والبحرى وأمير عربان هوارة وما مع ذلك يشبك من مهدى الظاهرى، والمقر الأشرف الكريم العالى لاجين أمير مجلس الظاهرى، والمقر الأشرف الكريم العالى قجماس الإسحاقى الظاهرى أمير آخور، والمقر الأشرف الكريم العالى تمراز الشمسى الأشرفى رأس نوبة النوب، والمقر الأشرف الكريم العالى برسباى المحمدى المشهور بقرا الظاهرى فهؤلاء ستة نفر أصحاب وظائف سبعة، لأن أمير سلاح معه الدوادارية زائدة وغيرها. وأما الأمراء المقدمو الألوف بغير وظائف فهم: الأمير خير بك حديد الأشرفى، والأمير تغرى بردى من ططر الظاهرى، والأمير ورديش الظاهرى، وأزبك الظاهرى المشهور بناظر الخاص، وتنبك الجمالى الظاهرى، وأقبردى الأشرفى (١) قريب الملك الأشرف قايتباى فعدتهم بالوظائف ثلاثة عشر أميرا. و [حضر] الأمراء الطلبخانات والعشرات والخاسكية أصحاب الوظائف والمباشرون والأعيان إلاّ ناظر الخاص فإنه لم يحضر، وكان موكبا حافلا عظيما مهابا ضخما، وهذه الخيمة التى نصبت: عليها اسم السلطان، وجلس السلطان وقضاة القضاة [١٩٢ أ] عن يمينه وشماله، وحضر قاضى القضاة قطب الدين الخيضرى قاضى دمشق وكاتب سرها ورئيسها وجلس تخت المالكى، ومد السماط على العادة فكان هائلا رائعا فى الحسن والنظافة والزهارة، فأكل السلطان وقضاة القضاة ونوابهم وكنت معهم، والأمراء الألوف قائمون على أقدامهم خدمة للسلطان

стр. 499

نصره الله. ثم قام (١) القضاة ونوابهم وجلس الأمراء المقدمون مواضعهم ثم انصرفوا، وقدم المشروب أنواعا فشربوا. ثم حضر رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله وصحبته الأمير خشقدم الوزير والإمام والخزندار والقاضى الرئيس أبو البقاء ابن الجيعان وصحبتهم ستة أطباق مملوءة (٢) بالذهب مستورة بالفوط الكافورى فيها مبلغ جملته ستون ألف دينار بين يدى السلطان والعسكر، وتكلم رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى فأطرب وأغرب وقال بلسانه: إخبارا عن مولانا السلطان نصره الله: «أنه لما حج - تقبل الله منه - فى العام الماضى ووجد ما بأهل المدينة من القحط والإجحاف من عدم المؤنة والقوت ف [إنه] أخرج من ماله الطيب هذا القدر وأرصده ليشترى به بلادا ويوقفها على حرم المدينة الشريفة وسكانها ليصنع بها فى كل يوم خبزا ودشيشة للفقراء والمحتاجين والقاطنين والواردين»، وجعل السلطان نصره الله ذلك ابتداء وقفا على من ذكر [و] ليس كما يفعله الملوك وأبناء العصر فى أوقافهم على أنفسهم أوّلا ثم على أولادهم ثم على أولادهم ثم على نسلهم وعقبهم طبقة بعد طبقة إلى آخره، ثم لفقراء المدينة، وقصد بذلك نصره الله إيصال البر لسكان حرم المدينة الشريفة ابتداء لئلا تخرب الأوقاف وتصير دائرة، هذا إن سلمت من الاستبدال. فشكر الله له هذا الصنيع وتقبله منه بمحمد وآله، إنه قريب مجيب. ثم رسم أن يكون المال المذكور تحت يد قضاة القضاة فتعللوا بعدم حفظه وصونه، فرسم للأمير الكبير والأمير سلاح وللأمير رأس نوبة النوب فامتنعوا من ذلك. وآخر الأمر رسم أن يكون [١٩٢ ب] نصف المال تحت يد الأمير الكبير والنصف [الآخر] تحت يد أمير سلاح، فامتنع الأمير الكبير،

стр. 500

فرسم أن تكون تحت يد خازندار السلطان ليشترى به بلادا وضياعا ويوقفها، وقال نصره الله: «مهما رأيتم من البلاد والخراب اشتروه واستبدلوه وأنا أعمرهم بالغلال والرجال والأبقار وغير ذلك»، ثم قال لقاضى الحنفية: «لا نستبدل شيئا حتى ترسل من تثق به وتكشف عن البلد فإن وجدتها مستحقة للبدل إفعل وإلا فلا» فنصر الله هذا الملك: ما أكثر محاسنه وأعظم شأنه وأغزر همته وأكبر همته. وانتهى المجلس على ذلك، والحكم لله الحاكم المالك. غير ذلك وصل إلى دمياط مركب عظيم مشحون بالبضائع وفيه عدة من المغاربة التجار فأخذه الفرنج بتمامه وكماله ولم ينتطح فيها عنزان، والله المستعان. يوم الاثنين ثانى عشره خلع على الأمير مجد الدين ابن البقرى كاملية مفرية سمور بمقلب سمور من بيت عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير واستقر، والتزم بسداد الديوان المفرد وعمارة البلاد بسعى منه، وما السعى فى العكس إلا خسارة. وفى ليلة الثامن من بشنس ويوافقها ثالث عشر شهر تاريخه أمطرت السماء مطرا غزيرا واستمر ذلك ساعة رمل، والظن بهذه المطرة تهدّى الرياح، وكان الجراد قد انتشر فأوهته هذه الريح، فسبحان من يتصرف فى ملكه كما يريد، وله الحمد على كل حال. وفى هذه الأيام وقف شخص متمجنن تحت القلعة ومشى (١) على الناس وقيل إنه صعد للسلطان وقال له: «أنت سلطان عادل غير أنك عندك حب فى الدنيا، وأسألك أن تطلق هذا الذين يستعطون فى الجنازير ويأخذ الوالى منهم

стр. 501

جميع ما يحصل لهم هو وأتباعه، وأريد أن أجتمع بالعلماء وأتكلم معهم» وما أشبه ذلك من هذه المقولات، فرسم له بمبلغ فلم يقبله، وتكرر وقوفه تحت القلعة وإساءانه، فسمعه الأمير عظيم الدنيا فطلبه لبيته وضربه وسجنه صحبة المجانين بالبيمارستان المنصورى. وفى [١٩٣ أ] هذه الأيام وردت الأخبار عن ابن عثمان نصره الله أنه أرسل إلى رودس ثلاثمائة قطعة ويحاصرها حصارا عظيما وقد ضيق عليهم، فاللهم انصره. وفى يوم الاربعاء سابعه قبض على ثلاثة أنفار من الذين قتلوا أبا السعادات قاضى العباسة ببلد الأمير الكبير عز نصره وأودعوهم السجن. وفى يوم السبت سابع عشره أشهر النداء بالقاهرة ومصر حسب المرسوم الشريف السلطانى أن أحدا لا يتعامل بالفضة إلا بالميزان: الدرهم بأربعة وعشرين فإنها كثر فيها التشويش وصار النصف مقصوصا بنقص ثلاثة دراهم وأكثر وأقل ومشى الحال فيها، وفرح السوقة بذلك لأنهم يسرقون فى الميزان ولهم مدة سنين يتعاملون بها بالعدد، وكانت الميزان بطلت فعادت. وفيه خلع السلطان على بطريرك النصارى الروم الملكيين على العادة عوضا عن الذى هلك. وفيه حضر سيدى محمد بن المقر المرحوم الشرفى الأنصارى وقابل السلطان وكان له مدة غائبا خائفا بعد وفاة والده وزعموا أنه توجه للغرب، فأخبر أنه كان ببلاد القدس والشام وما أشبه ذلك فأمّنه السلطان، وتوجه إلى بيت عظيم الدنيا أمير سلاح فأكرمه وأنعم له بشئ من الحطام، فجزاه الله خيرا.

стр. 502

وفى يوم الاثنين تاسع عشره عين السلطان نصره الله عظيم دولته أمير سلاح الدوادار الكبير ومع ذلك - دامت سعادته وعلت كلمته - إلى البلاد الشامية، وعين معه أميرين من أمراء الألوف: برسباى قرا المحمدى الظاهرى وتنبك قرا الإينالى، وقيل إن تنبك سأل السلطان فى ذلك فرسم له، ثم إنهم أرسلوا قاصدا يكشف الأخبار ويعود سريعا وهو أزدمر سوس أحد الأمراء العشرات، وخرج خام عظيم الدولة المذكور فى يوم الخميس ثانى عشره واستمر مضروبا بالريدانية إلى أن يعود القاصد بالجواب. وفى هذا اليوم خلع على قانصوه دوادار عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير واستقر متحدثا فى وظيفة الأستادارية الكبرى عوضا عن أستاذه وصار المجدى ابن البقرى فى خدمته كناظر الديوان أو ما أشبه ذلك حتى تحقق ما نسب إليه من خراب البلاد. وفى هذه الأيام قبضوا على جمع كثير بالقاهرة من المنسيين والفلاحين والأرياف وأودعوهم الحديد وأرسلوهم إلى المقر الأشرف الأتابكى بسبب ما يعمره من القناطر بالجيزية ويصرف لهم أجرتهم وافية، فإن هذا أمر مهم وفيه عمارة البلاد، وكلما زاد البحر أتلف ما صنعوه، ومقصودهم أن يؤسسوا ويبنوا على الأساس فإن الماء كلما بنوا شيئا قلبه؛ وغرم السلطان على هذا البناء أموالا عظيمة: وبلغنى أن فى هذا البناء نحو ألفى رجل خارج عن مماليك المقر الأشرف الأتابكى، وفيه نحو مائتى معمار ومهندس، وأنهم احتاجوا مع ذلك إلى الرجال فدبروا حيلة وسمروا شخصا ونادوا عليه ببولاق: «هذا جزاء من يقتل النفس التى حرمها الله» فاجتمع الخلائق للتفرج عليه وصاروا خلفه فقبضوا عليهم ورموهم الحديد وجهزوهم إلى العمل، فهذه من العجائب والسلام.

стр. 503

وفى يوم الأحد بل يوم الاثنين حادى عشر بؤنة القبطى ويوافقه خامس عشر شهر تاريخه عرض السلطان المماليك الإينالية وعين منهم نحو المائتى نفر صحبة عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير. وفيه ضرب السلطان عدة من أهل بحطيط (١) بالمقارع واتهم فلاحى (٢) الذخيرة وانكسر عليهم أموال جمة ولهم ثلاث سنين بالسجن فى المقشرة، وشكوا له نصره الله أنهم قتلوا، فرسم بسلخ أربعة منهم بحضور الباقين فسلخوا وأرسلوا إلى البلاد فأشهروا بها ليرتدع بهم أمثالهم، فنصره الله نصرا عزيزا. وفى ليلة السابع والعشرين من شهر تاريخه الموافق لثانى عشر بؤنة القبطى نزلت النقطة ووزن الطين فجاء وزنه تسعة عشر قيراطا تنقص يسيرا. وفى يوم الاثنين سابع عشره نودى فى المدينة حسب المرسوم الشريف بالعرض للماليك السلطانية والخشقدمية والسيفية فصعدوا يوم الأربعاء وكنت منهم جانبا لأتحقق ما كتبه، وقيل إن ذلك برسم التجريدة المجهزة لسيف مع أن سيفا المذكور تقولوا عنه أنه دخل البلاد [١٩٤ ا] بن حسن الطويل، ثم سمعت ممن أثق به أن العرض استكمل ما كتبه السلطان من المماليك الأشرفية والظاهرية والإينالية والخشقدمية والسيفية خمسمائة نفر إلى يوم الأربعاء ثامن عشريه. وفيه توفى شيخ لإسلام سراج الدين عمر (٣) بن حسين بن حسين العبادى الشافعى شيخ الشافعية مطلقا بالديار المصرية فى الفقه، كان أعجوبة زمانه فى

стр. 504

الحفظ والسرد والتقرير، يسرد من صدره كأنما يقرأ من كتاب، هذا فى الفقه، وأما فى الأخبار والتواريخ والنوادر فكان بحرا عجاجا لا يكل ولا يمل، ويستحضر الوقائع الموافقة لكل مجلس يحضر فيه عند سلطان أو وزير أو أمير أو فقيه أو فقير. [كان] مولده فى أول القرن [و] قرأ على العراقى والقمنى وغيرهما من الشيوخ، وأفتى ودرس وهو ابن ثلاثين سنة، وما رأيت أطيب من مفاكهته ولا أشهى من نوادره، [وكان] لطيفا ظريفا متواضعا معتقدا فى الفقراء والصالحين ومن يحضر إليه، وربما قال أو قيل عنه إنه اجتمع بالخضر ﵇، وله عصبيّة ومروة لمن يقصده، ويمشى فى حوائج الناس بنفسه إلى مصر وبولاق وغير ذلك عند الأكابر حتى يقضيها، بشوشا، يكتب على الفتوى إذا وقعت له وهو مار فى الطريق، وناهيك أن غالب فقهاء الشافعية وأعيانهم الموجودين بالديار المصرية قرأوا عليه، وكان ينفق كثيرا ولا يبقى شيئا. استقر فى بداية أمره فقيه العزيز ابن الأشرف برسباى فعظم ورقى وأثرى وحسنت حاله ورتب له الجامكية واللحم والعليق وغير ذلك مما أنعم عليه من الرزق، ثم استقر إمامه ثم استقر فى مسجده: مدرسة المرحوم الزينى عبد الباسط ناظر الجيش من الواقف، ثم أخذ مشيخة سعيد السعداء فى دولة الظاهر خشقدم، وأخذ تدريس الفقه بالظاهرية برقوق وأخذ نظر الأحباس وقرر له الجوالى، وكان له فى كل سنة كامليتان بصمور: إحداهما عند ختم البخارى فى رمضان، والأخرى يوم العيد لوظيفة الأحباس، فنزل عن مشيخة الباسطية لولده الأصغر كمال الدين، وأما مشيخة الظاهرية فكتب بها لولد الشيخ جلال الدين الأكبر النظار عليها؛ وكذا مشيخة سعيد السعداء

стр. 505

فأخذها [١٩٤ ب] الشيخ جمال الدين الكورانى (١) الشافعى بواسطة عظيم الدنيا أمير سلاح فإنه سأله فيها من مدة طويلة بحكم وفاته فأجابه لذلك؛ وأما الأحباس فخرجت باسم القاضى شرف الدين عبد الباسط بن البقرى، وأما الجوالى وماله من المرتب على الأوقاف فلا تخرج (٢) عن وارثه، وأما الكوامل فلا يحصل لهم منها شئ فإن لكل ولد واحدة فى ختم البخارى. وخلف زوجتين إحداهما قديمة. والأخرى بعدها تعرف ببنت الشربدار وكان يميل إليها فيطالب فى تركته بحقوق تستغرق تركته بل وأضعاف أضعافها، فإنه لم يخلف نقدا وإنما خلف بعض كتب وغالبها وقف، وكان رحمه الله تعالى له سنتين متضعفا ولكنه ما يطيق الجلوس فى الدار، وكان يمشى وهو فى غاية الضعف إلى أن انقطع أياما يسيرة وتوفى كما قدمنا ﵀. وكان له جنازة عظيمة حضرها قضاة القضاة ومشايخ العلماء والطلبة والفقهاء والمباشرون والأعيان وبعض الأمراء وصلى عليه بباب النصر، ودفن بتربة الصوفية، وكثر الثناء عليه والترحم والذكر الجميل، وسأستوفى ترجمته فى فى الوفيات إنشاء الله تعالى بأطول من هذه. وفى يوم الخميس تاسع عشريه نودى فى القاهرة حسب المرسوم الشريف بالنفقة على المماليك المعينين صحبة عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير فى أول يوم من شهر ربيع الآخر وإلى الله عاقبة الأمور. وفيه ركب السلطان وتوجه إلى وطاق أمير سلاح الدوادار الكبير

стр. 506

فاجتمع به ثم رجع، ودخل من القاهرة وعظيم الدنيا المذكور فى خدمته قريب المغرب. وهم فى كلام كثير، وإلى الله المصير. (شهر ربيع الآخر) أهل بيوم السبت لأن ربيع الأول جاء تماما يوافق من أيام الشهور القبطية خامس (١) عشر بؤنة، صعد فيه قضاة القضاة لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وكان يتقدمهم أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو العز عبد العزيز دام شرفه فهنأه بالشهر، ثم دخل القضاة بعد أن جلسوا طويلا بجامع الناصر ابن قلاون ينتظرون الإذن فإن السلطان نصره الله كان يلعب بالكرة هو والأمراء المتقدمون، فلما فرغوا جلس بالحوش السلطانى تحت الدكة وكنت معهم فهنوا ودعوا وانصرفوا ولم يتكلم أحد منهم ببنت شفة. وفيه عرض السلطان مماليكه الذين بالأطباق وعين منهم جماعة، وتأخرت النفقة إلى يوم الاثنين ثالثه، وأشيع أن السلطان عين جماعة من الأمراء والمماليك يحفظون مينة الإسكندرية ودمياط ورشيد وألطينة وغيرها، فاللهم الطف بعبادك برا وبحرا سفرا وحضرا. يوم الاثنين ثالثه أنفق السلطان على المماليك المجردين صحبة أمير سلاح الدوادار الكبير وعدتهم خمسمائة نفر، لكل نفر مائة تعجز دينارين، وبعضهم ثلاثة دنانير للخزندارية، وبجاميكية أربعة شهور معجلة، وأنعم لكل واحد بجمل، فكان مجموع المال خمسين ألفا وخمسمائة جمل خارجا عن الجامكية المعجلة، وقيل ستمائة وخمسون فالله أعلم بذلك. [وهذا] خارج عن نفقة الأمراء وباش العسكر أمير سلاح.

стр. 507

وفيه خلع على الأمير تغرى بردى ططرى الظاهرى أحد المقدمين الألوف واستقر فى إمرة المحمل، وخلع على الأمير يشبك من حيدر صاحب الشرطة واستقر فى إمرة الأول، وتهيئوا للسفر. وفى هذا الشهر صنع عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير وباش العسكر المنصور وما مع ذلك - نجاه الله من المهالك - معروفا عظيما للفقراء القاطنين بجامع الأزهر فى كل يوم من الخبز ألف ومائتا رغيف وطعاما يطبخ لهم فى كل يوم، فجزاه الله خيرا وتقبل منه، ثم إنه (١) بعد سفره تخاصم أهل الجامع فيما بينهم، وصاروا يرافعون بعضهم ويقولون: «هذا له وظيفة، هذا له قراءة»، حتى بطل ذلك والأمر بيد الله المالك. وحضر الشيخ جمال الدين الكورانى الكردى فى أول هذا الشهر مشيخة سعيد السعداء التى أخذها عن الشيخ سراج الدين العبادى ولم يلبس لها خلعة، وحضر معه عظيم الدنيا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى ناظر ديوان الإنشاء حفظه الله وولده المقر البدرى أعزه الله والقاضى فتح الدين بن قاضى القضاة علم الدين صالح البلقينى، والقاضى شهاب الدين بن فرفور الدمشقى الشافعى ونعم الرجل دينا وأصالة وحشمة وكرما وأدبا وتواضعا والقاضى شهاب الدين ابن المحوجب الدمشقى الشافعى نديم مولانا المقر الزينى ابن مزهر ونعم الرجل كما وصفنا من تقدمه، وحضر عنده أيضا شيخ الشافعية الآن على الإطلاق الشيخ جلال الدين البكرى (٢) شيخ البيبرسية وكان له حضور زهر نور، وهو من أهل العلم فى النحو والاصول والتفسير والفقه، فعلا قدره فى المنطق وأصول الدين، وحضر معه سيدنا القاضى بهاء الدين ابن حجر وهو شيخه.

стр. 508

يوم الخميس (١) سادسه طلب القاضى بدر الدين بن رئيس الدنيا بن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظهما الله السلطان صحبانا (٢) من غلمان الطشخاناة وقال لوالده: «شخص شكى على ولدك» فوجم القاضى، فلما حضر قال: «أين الشاكى؟» فأحضروا له كاملية مفرية بسمور وبمقلب سمور فخلع عليه بها واستقر فى الحسبة عوضا عن الأمير يشبك الجمالى بحكم إفصاله من خامس عشر شوال وانتقاله إلى وظيفة الزردكاشية، وكان الوالى يشبك من حيدر تكلم فى الحسبة فى سفر السلطان بالحجاز، ثم لما حضر السلطان من القرين ووقف له العوام رسم للصاحب باسم الذى هو ناظر الدولة الآن بالتكلم فيها فتكلم فيها إلى تاريخة. وفيه خلع على طرباى البدوى غريم حسن المقيم بدار المقر الأشرف الأتابكى أزبك عز نصره واستقر فى الإمرة، وخلع أيضا فى هذا اليوم بحجوبية حماه على ...... (٣)، وأرسل السلطان نصره الله بنفقة السفر للأمير عظيم الدنيا أمير سلاح وللأمير برسباى حاجب الحجاب وللأمير تنبك قرا، ورسم بسفر عشرة من أمراء العشرات خارجا عن الطبلخانات. يوم السبت ثامنه دار طلب الأمراء المسافرين فى خدمة عظيم الدنيا أمير سلاح الدوادار الكبير وباش العسكر يشبك من مهدى عز نصره وهم: الأمير برسباى المحمدى وتنبك قرا. وفى يوم الاثنين عاشره خلع على الخواجا زين الدين عبد القادر بن عليبه (٤).

стр. 509

واستقر تاجر السلطان وناظر الذخيرة (١). … ... بعرض أجناد الحلقة فصعدوا القلعة وعرضوا فى ذل زائد وهو ان واحتقار فإنهم لا يملكون ما يلبسونه ولا يركبونه، وكل واحد منهم أو غالبهم إقطاعه لا يصل إليه منه شئ بواسطة الحماية والجرافة والحفير، حتى تمنى بعضهم أن يأخذوا منه الإقطاع لأجل لا نهاية له، وهو وزن ما يقدم، فإن المباشرين ما يعرفون إلا ذلك سواء كانت البلاد عامرة أو خرابا، وسيما إذا كان أصحاب البلاد مثل هؤلاء الضعفاء المساكين. وآخر الأمر رسم السلطان نصره الله لمقدم المماليك خالص (٢) التكرورى جرباش قاشق بعرضهم وأمره أن يوصيهم بأن يكونوا على أهبة كاملة إذا طلبهم السلطان بين يديه، ومعنى ذلك أن يصعدوا بالسيف والتركاش والقوس والملوطة النظيفة والعمامة كذلك فما ساعهم إلا الإذعان، مع أن كل من صعد فيهم أو غالبهم استعار الملوطة والعمامة حتى المنديل، وتقدم ذكر عرضهم فى التاريخ فى كثير من الدول، وتشفعوا فيهم عند السلطان والله المستعان. يوم الثلاثاء سابعه وصل قاصد المقر الأشرف الكريم العالى الكفيلى الأتابكى أزبك من ططخ الظاهرى جقمق عز نصره من دمشق وأخبر بصحته وسلامته وأنه توجه إلى حلب يوم إرسال هذا القاصد، وللقاصد أحد عشر

стр. 510

يوما فى الطريق، فحصل للمسلمين بذلك السرور والابتهاج فإنهم كانوا أشاعوا ضعفه فلله الحمد، وسر السلطان نصره الله فإن القاضى زين الدين سالم [صاحب] ديوان المقر المذكور صعد بالكتاب فرحب السلطان به وأكرمه وأدناه وخلع على الهجان والله المستعان، وفرقت كتبه على أصحابه وخجداشيته كقاضى القضاة وكاتب السر بدمشق حافظ العصر قطب الدين الخيضرى وغيره مثل رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله وما عداهما من الأتراك، وكتبت الأجوبة وسافر القاصد. وفرقت أضحية السلطان نصره الله فى هذه السنة بحضوره فى الحوش السلطانى على الخاص والعام من أمير المؤمنين دام شرفه وقضاة القضاة [١٩٦ ب] حتى إلى اليتيم والأرملة والضعيف والفقير والفقيه والعاجز والمسكين وذلك بوصية السلطان فى ذلك، غير أن الفقهاء والفقراء يقاسون من ديوان الخاص من الشدائد والتعب أمرا عظيما (١)، وذاك أن المتكلم فى هذه السنة فى وظيفة الخاص وكيل السلطان القاضى علاء الدين الصابونى فرسم له السلطان أن لا يعوق أحدا، فصاروا يأخذون الوصول ثم يأخذون خط ابن الصابونى ثم يتوجهون إلى الصيرفى فلا يعطيهم إلا فلوسا؛ وأما أصحاب الجاه والأقوياء فيأخذون ذهبا وفضة وغنما بل ويرسلون إلى بيتهم من غير مطالبة، وغير ذلك أن القاضى الحنفى المعروف بابن عبد الزين (٢) [لما] حضر من دمشق وتولى قضاء الحنفية بالديار المصرية خرج وظائف شخص مات قبل موت القاضى شمس الدين الأمشاطى الحنفى يسمى شمس الدين محمدا ويعرف بابن الإنبابى، والوظائف على أوقاف الحنفية مشمولة بنظر من يكون قاضيا حنفيا بالديار المصرية، ولهذا الميت ولد رجل بلحية كامل موقع عند الأمير قانصوه الدويدار الثانى وكان يباشر هذه

стр. 511

الوظائف فى أيام والده، وهذه الوظائف لها بأيديهم سنون أخذوها عن الآباء والجدود. وكان القاضى الحنفى الأمشاطى ضعف بعد موته ولزم الوسادة فسعى عنده خلق فلم يخرج منها شيئا، وكان يترجى العافية فقبض، فلما تولى هذا عوضه وحضر معه جماعة من دمشق أعطى شخصا منهم وظيفة فيها نحو الألف ومائتى كل شهر، وأعطى شخصا من نواب الحنفية يعرف بابن إسماعيل الحريرى وظيفة منهم بواسطة بعض رؤساء دمشق، وأعطى موقعا بحانوت مقابل الصالحية يعرف ببدر الدين ابن المصرى وظيفة، وشاط ولد الميت وعاط ووقف لأستاذه الأمير قانصوه الدوادار الثانى فأرسل له رسالة فلم يقبلها فإن ما بينهما غامر، وسبب ذلك أن السلطان نصره الله لما (١) سافر إلى البلاد الشامية من القاهرة فى يوم الاثنين ثانى عشرى جمادى الأول سنة اثنتين وثمانين ووصل إلى الفرات وعاد إلى دمشق كان قاضيها توفى وهو القاضى علاء الدين العجلونى الحنفى، فسأل السلطان: «من بدمشق يصلح لقضاء الحنفية؟» فذكروا الشيخ زين الدين عبد الرحمن ابن العينى أجل أصحاب مخدومنا رئيس الدنيا المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر حفظه الله فطلبوه فامتنع فألزموه غصبا فعزل نفسه ولم يقبل، فذكر للسلطان أن القاضى شرف الدين موسى بن عيد كان نائبا عن العجلونى وشكروه فطلبه وولاه، فأقام فى ذلك إلى أن وقع بينه وبين ابن عرب شاه - أحد النواب الحنفية - فحضر إلى القاهرة وتولى عوضه قضاء الحنفية بدمشق، ووزن فى ذلك مالا بمساعدة الأمير قانصوه الدودار الثانى، ووقف مخدومنا المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر حفظه فى عزله فإن السلطان نصره الله أعذق الأمر به وصار يراجع فى ذلك، فكلمه المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير فى عزله، فما ساعه إلا الموافقة بعد أن أحضر، وأمر

стр. 512

كتبه ما يدل على أنه يسأل فى الاستعفاء ولم يسأل فى ذلك بل حصل له ألم كبير بسبب عزله، وصار بطالا حتى وصل إلى القاهرة وتولى كما قدمنا، فهذا هو السبب فى عدم قبول رسالة الدودار الثانى. وأظهر هذا المذكور عن خفة زائدة، وكنا نقول عن الأمشاطى «أذن» فهذا أضعافه سريع الاستحالة مكلح الوجوه، سريع الولاية والعزل، وشرط على نوابه أن لا يأخذوا على الأحكام شيئا مطلقا، ومن أخذ شيئا كان معزولا، وإن بلغه أن أحدا تعاطى شيئا على الأحكام يركب بنفسه لمركزه وبعزره بأمور عددها. هذا لفظه بحضورى للعام منهم والخاص وأن لا يعطوا شيئا مطلقا حتى إذا أرادوا [أن] يعتقلوا أحدا وكتبوا وريقة (١) يعرضونها عليه [وكذلك] فى سائر الأحكام الجليلة والحقيرة، وهم ليس لهم مرتب على بيت المال، وفيهم من لا يملك قوت يومه فيحتاجون إلى الأخذ للضرورة فتصير أحكامهم باطلة وعقودهم فاسدة، وهو فلو فعل ذلك مع أنه يعطى الفقير منهم فى كل شهر ما يكفيه من مرتباته على الأوقاف أن كانوا يمتنعون وهو فما عليه بعد أن تكون له على الأوقاف والجهات فى كل يوم ثلاثة دنانير أو أكثر أو أقل إيش يفكر؟ هو كان له فى أوقاف دمشق ما يبلغ الثمن من ذلك، وكنت توليت عنه ثم منعت نفسى من الحكم بشروطه ولأمور أخر، وندم الأعيان على مساعدته، ويأتى من ألطاف الله تعالى ما لم يكن فى البال. وفى هذه الأيام انتهى حساب الأمير مجد الدين بن البقرى على ما قبضه من البلاد وما قبضه من الخزائن الشريفة وحاسبوه حسابا فتظلم منه وأثبتوا فى جهته أشياء فذكر أنها فى البلاد وعيّنها لهم فلم يوافقوه، وطلبوا منه مال السنة الجديدة فذكر أنه صرفه ولم ينته له أمر وهكذا كان يفعل بمن كان قبله ففعل به، وغير هذا أن شاه بدق وصل إلى جهة حماة فارا من أخيه على دولات وأتباعه فى نفر يسير، وأن

стр. 513

عليا المذكور استولى على البلستين وعلى جميع ما لشاه بدق من صامت وناطق وسلم من القتل وذلك جزاؤه، فإنه كان السبب على ما ذكر فى كسرة العسكر، المنصور إنشاء الله تعالى بعد ذلك. وقيل إن المقر الأشرف الأتابكى أزبك عز نصره سجنه بقلعة دمشق، وذلك ذنب عقابه فيه. وثبت شهر تاريخه بعد ستة أيام أن أوله الأربعاء وعلى هذا يكون عيد النحر يوم الجمعة ويخطب فيه بخطبتين. ووصل الخبر فى أوائل هذا الشهر (١) من نائب ملطية على يد قاصده بها دران كور إسحق الذى هو من عسكر (٢) يعقوب باك أو أمرائه انه أخذ قلعة بالقرب من ملطية تعرف بقلعة ملطية، فإن ملطية بلد ولها سور وليس لها قلعة فيها، والقلعة بالقرب منها بسيبر، وأخذ جميع ما فيها وهدمها إلى الأرض وأخذ أهلها، وقيل إنه أخد المكاحل والكفيات وآلات الحرب التى كانت مع المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى الدوادار التى كانت بمدينة الرها إلى جهة بلادهم، وشاع الخبر أن بايندر (٣) أرسل مطالعة إلى السلطان يذكر فيها أنه تحت طاعة السلطان، وأن الدوادار هو الذى طلب القتال فى شهر رمضان وأنهم سألوه بالصلح مرارا فامتنع، وسألوه أن يعطوه عدة قلاع وأن يرضوه فيما غرمه من الأموال فلم يرجع عنهم حتى وقع ما وقع، وقيل إن المقر الأشرف الأتابكى أزبك عز نصره اجتمع عليه القاصد فقال له: «أخشى عليك إن اجتمعت بالسلطان وأنا غائب أن يوقع بك» ثم أنه أخذ منه الكتاب وأرسله للمواقف الشريفة نصرها الله ضمن مطالعته فقرأها السلطان وفهم مضمونه وكان جوابه الكسرة تارة تكون لهذا، وتارة تكون

стр. 514

لحذا ومزق الكتاب وقال: «لأى شئ قتلوه؟ كانوا شاوروا عليه كبيرهم (١) أو سلطانهم»، وصار خبر الأمير يشبك الدوادار ﵀ فى خبر كان، والله المستعان. يوم الجمعة كان عيد الله الأكبر الذى هو عيد النحر، ويوافقه من أيام الشهور القبطية خامس عشر أمشير، وذبح السلطان الملك الأشرف أبو النصر قايتباى نصره الله ونحر ذبائح عظيمة وفرق فيه من قبله أضاحى من أول هذا الشهر بجمل من الأموال ولم يعط المباشرين فيه لأحد عادته كما رسم لهم، فنصره الله. وخلع فى هذا اليوم على الأمير يشبك الجمالى الزردكاش كما جرت العادة، والعادة أيضا أن يلبس فى هذا اليوم من يكون أتابك العساكر بالديار المصرية فتعذر ذلك كون الأتابك توجه إلى البلاد الحلبية باش العساكر وأمير سلاح، فتعذر ذلك بواسطة أن الوظيفة شاغرة بعد قتل المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى أمير دوادار كبير فى وقعة الرها. وخلع فيه على القاضى علاء الدين ابن الصابونى وكيل السلطان كونه سد وظيفة الخاص من بعد وفاة المقر البدرى ابن الكويز من خامس عشر شعبان سنة تاريخه وإلى تاريخه، وفى الواقع هو منصوب آلة يخوّفون الناس منه وإنما السداد من مباشرى الخاص، ولو وكل الأمر إليه لشذ عن السد ﴿وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. وفى يوم الأحد سادس عشره الموافق له من أيام الشهور القبطية سابع عشر أمشير القبطى نزلت الشمس برج الحوت، والمثل الساير يتمثلون فيه أنها تقول للبرد: «موت».

стр. 515

وفى يوم الاثنين ثالث عشره صعد مباشرو الدولة لبين يدى السلطان - نصره الله - على العادة، وانقضى عيد السادة الحنفية وصار هذا اليوم إلى آخره عند السادة الشافعية عيدا. وفيه حضر ولد شاه بدق الذى تسحب منها، وأخذ منه البلاد أخوه على دولات فخلع عليه سلاريا صوفا خاصا مفريا بسمور. وفيه حضر قاصد من جانب نائب حماه وعلى يده مطالعات لا ندرى ما فيها. وفيه لما صعد الأمير تغرى بردى الذى استقر فى الأستادارية الكبرى إلى الخدمة طلع معه بجماعة من الفلاحين بالبلاد السلطانية وشاوره عليهم فى عمل مصالحهم فأجاب سؤاله، وهو الآن - نصره الله - يقربه ويشاوره وكيف لا فإنه يسد الوظيفة ويطلعه على أموال أستاذه وذخائره وودائعه، وصار بعد ولايته الأستادارية يقف بين يديه فى الخدمة بسلارى جوخ، ففصل له بقجة قماش من صوف سمور ووشق وغير ذلك وأرسلها له فصار يلبسها. وفى هذه الأيام قبض على ولد المقر المرحوم الشرفى الأنصارى يحيى وهو شاب بلا لحية ورسم عليه بعد أن هدد بالضرب ورسم بإقامته فى بيت مولانا رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله وسبب ذلك أن أخاه محمدا الكبير رافعه إلى السلطان وذكر عنه أنه وجد خبية لأبيه وهرب، فطلبه السلطان وقرره فاعترف أنه اشترى من تركة أبيه قشة وجد فيها خاتم من عاج مخروط وله فص منقور، فوجد فيه تحت الفص ورقة مكتوب فيها «ذخيرتى فى مكان كذا وأنكم تعطونها أو تقسموها بين أولادى النساء والرجال إلا ولدى الكبير فإنه أخذ حصته» وأنه توجه لم يجدها فى المكان الذى ذكره، فاحتد السلطان ورسم بالترسيم عليه كما قدمنا عند رئيس الدنيا

стр. 516

ابن مزهر الأنصارى حفظه الله، فتوجهو به إليه، ويا سعد من دخل فى حماه فإنه يأمن بقدرة من لا إله سواه، وصار يحرى عليه كما تقدم لأمثاله من المباشرين المطعومات والمشروبات حتى أجرة الرسل والموكلين به، فجزاه الله خيرا دنيا وأخرى، والله المستعان. وفى يوم الثلاثاء خامس عشره صعد المباشرون والأمراء والخاصكية لخدمة السلطان على العادة بالحوش السلطانى بقلعة الجبل فردهم الخدام وقالوا لهم: «السلطان رسم أن الخدمة فى هذا اليوم بطّالة» فرجعوا، وكان السلطان - نصره الله - طلب الحريم بين يديه إلى البحرة فأكل وانشرح، ثم ركب بعد ذلك وسير على عادته وعاد إلى القلعة، وتقدم له - نصره الله - أنه قبل هذا اليوم فى أيام عيد الأضحى ركب وتوجه إلى القبة التى أنشأها له المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى أمير سلاح الدوادار الكبير وتوجه أيضا إلى بولاق واستمر فى ركبته إلى قليوب فى نفر يسير وعاد إلى القلعة، وما سمعنا ولا رأينا بأكثر من ركوب هذا السلطان ونظره فى مصالح بلاده ورعيته فإنه كان لما توجه لقليوب كشف عن إصلاح الجسور، فاللهم انصره واجعل العدل شعاره ودثاره ووفقه وألهمه للحق. وفى يوم الأربعاء خامس عشره تواتر الخبر على ألسنة العوام أن السلطان غد تاريخه يخلع على الأمير ألماس (١) شاد الشراب خاناه بنيابة الشام، فأصبح يوم الخميس سادس عشره فصعد المتكلم فى الخاص بمنمر وأطلسين وفوقانى بطراز عريض وسرج ذهب وكنبوش زركش، فلم يخلع عليه بشئ ولا أظن أن السلطان يأخذ من وظيفة شاد الشراب خاناه إلى نيابة دمشق دفعة واحدة.

стр. 517

وصعد المتكلم فى وظيفة الخاص أيضا بخلعة السيد الشريف الذى كان والده تاجرا مشهورا بخان النشارين، واستقر فى وظيفة نظر الأشراف بدمشق فلم يخلع عليه أيضا، وسبب ذلك أنه ما وزن ما قرر عليه فى الوظيفة من الرسم، وهذا المذكور هو الذى كان السلطان تغيب عليه بسبب مخاصمته مع النابلسى لما كان وكيل السلطان وضربه وأهانه وهو مستحق. واتفق فى هذا اليوم غريبة هى أن شخصا من أراذل العوام التجار بسوق أمير جيوش [كان] مشهورا بالربا والنحس والأيمان الباطلة، خربا فجرا يعرف بابن الشقيرة كان فى حسبة الأمير يشبك الجمالى، عمله محتسبا لسوق أمير جيوش، فضج منه أهل أمير جيوش ومن ظلمه وكان له معهم مناصف، وكان الأمير يشبك المذكور يساعده ويؤيده فإن الأتراك عادتهم إذا صدق عندهم الواحد مرة ولو كذب بعدها مائة ألف مرة ما يحملونه إلا على الصدق، فاتفق أن يشبك المذكور لما عزل عن الحسبة وتولاها القاضى بدر الدين ابن المقر الأشرف الزينى ابن مزهر كاتب السر حفظهما الله وامتنع من تولية مثل هذا على المسلمين فإنه يعرف أخباره فإنه بالقرب من منزله، بل وكان يبتاع من المقر البدرى أصنافا ويصبر عليه بثمنها ويغالطه فى أشياء منها ويحلف عليه، وتقدم له أنه أراد [أن] يقف للسلطان قبل هذا ويشكو على المقر البدرى أنه ظلمه وأنه أباعه شيئا بثمن زائد، فوقف المقر الزينى بركات حفظه الله نائب والده بينهما، وكان القاضى كاتب السر مسافرا فى كشف بلاد الديوان المفرد وفى خدمته ابن البقرى والأمير شاهين الجمالى ووفق بينهما على أن يتحاسبا، ومهما كان عنده من الأصناف يعيده بسعر ما أخذه منه، فحضر كاتبه (١) هذه القضية ووجدنا للمقر البدرى عنده سطورا بثمن جارية وعبد وقماش، فأعاد

стр. 518

الجارية والعبد بعد أن اعترف بوطأ الجارية، وتأخر للمقر البدرى فى جهته بعد ذلك مال فنزل له منه جانب وكتب بينهما تبارى وشهدت به ورفيق معى واستحكمنا فيه ناسا من نواب المالكى بعد إقرار بعد من الاستحقاق، فصعد فى هذا إلى القلعة بالحوش السلطانى وصار يؤلب ويستشكى على المقر البدرى المحتسب ويتظلم ويدعى أن له فى ذمته ثمن أرز وغير ذلك، ويفسر بألفاظه العامية ويدعى أنه سعى فى الحسبة بكذا كذا ألف دينار، وراجعه (١) الحاضرون فصار يزيد ويقول: «أنا أحدثت مظالم؟ أنا آخذ الجبن «الخبز» أشتريه على ذمتى بثمن زائد على المسلمين؟»، فطلبه الأكابر مثل القاضى أبى البقاء وأخيه المقر الزينى بركات وغيرهما ونهوه عن ذلك، فقال عن المحتسب إنه ضربه بقبقاب «ووعدنى بالطرد والإشهار ولى عنده حق، وما أخلص منه إلا بالسلطان بحضرة الخاص والعام»؛ هذا كله ورئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله تعالى لم يلتفت إليه، وأما ولده فما ساعه إلا السكوت حتى لا يصير خصمه مثل هذا الفاجر المارق الفاسق السفلة، بل صار غلمانهم ومن حضر المجلس يعظونه وجاسوا عليه، مع أننى بلغنى ممن كان حاضرا أن المقر الزينى ابن مزهر أساء على الغلمان لما رآهم يتخاصمون معه - فحفظه الله -. وكثرة الحلم مع الخصم الجاهل الأحمق ماهى محمودة، وإن كانت بعد ذلك تفضى به إلى القتل كما قيل «قتله حلم معاوية»، ولما رأيته لم يساعد ولده على خصمه أنشدت قائلا ومتمثلا البيت المشهور: إذا كان هذا فعله فى محبه … فيالت شعرى فى العدى كيف يصنع وآخر هذه القضية أخرجوا ابن الشقيرة من الحوش وهو يشكى ويتظلم والسلطان جالس على الدكة على تفرقة الجامكية حتى وصل (٢) إلى باب الستارة،

стр. 519

فرآه الوزير خشقدم الزمام فأساء عليه إساءة مفرطة وقال له: «إيش وظيفتك حتى تلبس سمور كشف وتعاند مثل المحتسب ابن كاتب السر؟، والله يضربك السلطان وينفيك» فقال: «أدخلوا بى للسلطان» فدخل هو والقاضى بركات والقاضى المحتسب والوزير إلى السلطان فقال المحتسب: «هذا كان لى عنده مال وجحدنى فيه فتركت له منه جانب وكتبت بينى وبينه مبرأة وحكم فيها مالكى»، فقال الخصم: «كتبت جبرا وضربنى بقبقاب ووعدنى أن يضربنى ويجرسنى، وقال إنى سعيت عليه فى الحسبة» فقال السلطان للمقر الزينى بركات: «توجه بهما إلى بيت القاضى المالكى»، فصار هو يستشكى إلى أن وصلوا لبيت قاضى القضاة المالكى فذكروا القصة للقاضى وأنه كتب عليه مبرأة حكم فأنكرهما ثم اعترف بهما، ثم ادعى بعد البراءة [أنه] أخذ منه ثلاث شاشات بتسعة عشر دينارا ونصف وعشرين أشرفية، فسأل المقر البدرى عن ذلك فأجاب أنه لم يأخذ منه بعد البراءة شيئا مطلقا فالتمس يمينه، وعرف كل من حضر المجلس أن دعواه باطلة لا حق له فيها، ورد المقر البدرى عليه اليمين فنكل عنها تم جسر وحلف وقبض أربعين دينارا. فياليت شعرى لأى شئ ما ضرب هذا وجرس فإنه أنكر أنه ما كتبت عليه براءة ثم اعترف، لكن بلغنى أن قاضى القضاة المالكى - أيده الله - قال لابن الشقيرة: «لولا يقول الناس أن خصمك المحتسب ابن كاتب السر لضربتك وأشهرتك». وإيش يفكر هذا فى مثل هذا الكلام، وكتب بينهما تبارى، وحكم فيه بباب قاضى القضاة، وشاوروا السلطان على ذلك فقال: «لأى شئ المحتسب يعامل مثل هذا؟» وآخر الأمر الرضى وكل مفعول مضى، ولو وقع لهذا هذا الفعل مع الصاحب جمال الدين يوسف بن كاتب جكم أو القاضى زين الدين عبد الباسط أو غيرهما من المتقدمين لأبدلوا بسبب

стр. 520

هذا أموالا وعملوا على ضربه وإخراجه وتفيه وما هو فوق ذلك، والدرهم ما يقنى إلا لفرض أو لمرض أو لغرض وأى غرض يكون أفحش من هذا؟ فالله المستعان. وفيه رسم السلطان على علاء الدين بن قمتى رأس نوبة المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير كان - تغمده الله بالرحمة والرضوان - بسبب ما قسط عليه من بلاد الدولة للمفرد وهى شطنوف فإنه امتنع من وزن المال المقسط وذكر أنها شراقى فلم يقبلوا منه ذلك، وذلك بعض ما يستحقه فإنه من الظلمة المردة المتجبرين. وفى هذه الأيام أيضا عرض السلطان - نصره الله - أولاد الناس الذين باسمهم الجامكية السلطانية، فأما أصحاب الألفين فرسم أن يكونوا على أهبة من السلاح واللبس الكامل كالخوذة والقرقل والرمح والسيف والتركاش والنشاب، ومن جملتهم صاحبنا ومخدومنا سيدى محمد بن جمال الدين وأمره بالسفر فامتثل، وكذلك ابن المغيربى قال له السلطان: «إنت تأكل جامكية السلطان حرام» فأجاب أنه فى سفرة سوار وزن بديلا، فغضب السلطان منه بعد أن كان فى غاية الانشراح. وأما الذين جامكيتهم ألف درهم فى كل شهر أو ما دونها فرسم أن يكونوا محتوصين ومتأهبين بالقوس والنشاب والسيف وغير ذلك وأن يدمنوا فى لعب رمى النشاب، مع أن أولاد الناس ما تعرض لهم أحد من الملوك السالفة ولو عرضوهم يهملون أمرهم فالله المستعان؛ وليت شعرى: من جامكيته خمسمائة أو ثلاثمائة وعنده عيال وهو فقير من أين يفضل له ثمن سيف أو رمح أو تركاش؟ وهؤلاء كان الملوك السالفة جعلوهم وأمثالهم هبة الصدقة عن بيت السلطان، وجماعة أيضا يسمون الطراخين [وهم] مقيمون بالقلعة يأكلون

стр. 521

جامكية السلطان ولا يسافرون ولا يلزمون بخدمة، وجماعة مرتبين على البساط والذى أظنه أن غالبهم ما يحسن رمى النشاب. نعم يرمى بالبندق فضلا عن لعب الرمح أو ضرب السيف فكيف يطلبون (١) منهم ذلك بعد كبرهم وعجزهم وكيف يتيسر لهم ذلك وقد قال الشاعر «العلم فى الصغر كالنقش فى الحجر». وفى هذه الأيام وصل مبشروا الحاج وعلى يدهم الكتب تتضمن أن الوقفة كانت الجمعة وأن أميرهم سافر بهم سيرا مليحا وهم يشكرون، وأنهم طيبون، وأن الرخاء موجود وذلك فى الثالث والعشرين من شهر تاريخه، فالله يكتب لهم السلامة. وفيه وصل للسلطان مطالعة من نائب الروم تضمن مطالعة المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك باش العسكر عز نصره، وفيها أنهم يسألون مولانا السلطان فى عدم الحركة والسفر وأن البلاد (٢) والعباد هلكوا من التجاريد، وأن المقر الأشرف الأتابكى وصل مدينة حلب يوم عيد الله الأكبر وهو طيب بخير وسلامة، فلله الحمد والشكر على ذلك، إنه الولى والمالك. وغير ذلك أن القاضى الحنفى رفعت له قصة [قوم] يشكون على الأمير تغرى بردى الأستادار خازندار المقر المرحوم الدوادار الكبير كان يكتب عليها بحضوره أو وكيله، وشاع وذاع عند الناس مطلقا أنه مع معى (٣) وأنه أذن وأنه ما عنده صلابة فى الأمور ولا تثبت، وأنه يقبل الهدايا من الأكابر كالمقر الزينى ابن مزهر حفظه الله والقاضى بدر الدين أبى البقاء بن الجيعان والخواجا شمس الدين

стр. 522

ابن الزمن وقاضى القضاة الشافعى وقاضى القضاة الحنبلى، وهؤلاء أرسلوا إليه المآكل والمشارب لما حضر من الشام فقبلها وأكلها ولم يرد منها شيئا، وزاد على أولئك (١) المذكورين الخواجا شمس الدين ابن الزمن بأن أرسل له جاريتين فقبلهما وعمر له المكان الذى هو ساكن فيه فى الصالحية من ماله وبيّضه، وأين هذا ممن كانوا قبله وهو الأمشاطى فإنه لما ولى أرسل له المقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله ببقجة قماش من البعلبكى والشاشات وغير ذلك فلم يقبلهم وردهم، مع أنه كان له عادة أن يرسل له فى كل سنة مبلغا له صورة قبل دخوله فى القضاء فيقبله، ومع ذلك فامتنع وصار لا يقبل المبلغ المعتاد، وأهدى له النابلسى وكيل السلطان سجادة فردها عليه، وأرسل نائب الشام قانصوه اليحياوى الظاهرى لقضاة القضاة كل واحد بغلة فقبلوا هديته ولم يقبلها هو، ولم يقبل فى ولايته من أحد شيئا لا كبيرا ولا صغيرا سوى هدية مولانا السلطان لما حضر من الحجاز الشريف فى سنة خمس وثمانين وثمانى مائة وهى هذه السنة، ورحم القائل فإنه كان يقول: «أنا لى ما يكفينى على أوقاف الحنفية ومدارسها من معلوم التداريس وهو فى كل شهر مائة دينار» وها هى صارت لهذا الرجل. وحضر صحبته من دمشق جماعة مكلوبون على الدنيا، فقرر بعضهم فى وظائف من مات وله ولد رجل بلحية صالح للوظائف بل كان يباشرها وأبوه حى، وجعل بعضهم فى توقيع بابه، وحضر إليه المقر الزينى أبو بكر بن عبد الباسط بولد من أولاد الشيخ قاسم الحنفى فقرره أحد الموقعين ببابه، وولى جماعة كان عزلهم الأمشاطى، أحدهم عمر المناوى نسب إلى الزور مرارا فى أيام قاضى القضاة محب الدين بن الشحنة وضرب وسجن وله إقدام وجرأة على

стр. 523

الأمور الفاسدة، والآخر الشريف المقصى فإنه عزله بسبب ما ثبت عنده من أخذ الفلوس الكثيرة والتهوير، واستمر هو مدة ولايته معزولا وعزل من هو بضد ذلك، وإلا إلى الله يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما فعل. يوم الخميس ثالث عشريه خلع الشريف الدمشقى ابن الخواجا بخان النشارين واستقر فى نقابة الأشراف بدمشق على عادته، وكان الأشراف بدمشق شكوا عليه للسلطان فطلبه فحضر من دمشق فخيروهم ينظرون لهم وأن يستقروا (١) عوضه فى نقابة الأشراف فلم يوافقهم أحد لأجل الوزن، فوزن هذا ألف دينار. ولله الأمر إنه الواحد القهار. وفى سابع عشرى شهر تاريخه وصل كتاب المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى السيفى أزبك عز نصره، وقيل إنه يسأل السلطان فى عدم الحركة وأن الصلح حصل، وذكر أن نائب قلعة الروم أرسل إليه مطالعة بذلك، والله تعالى هو الحاكم والمالك. وقبل هذا بيويمات صعد الشيخ زكريا شيخ قبة الإمام الجليل الشافعى ﵁ إلى السلطان وشفع فى يحيى ولد المقر المرحوم شرف الدين الأنصارى وتكرر ذلك منه مرارا فأمره السلطان أن يحلفه أنه ما أخذ الذخيرة، فحلفه وأعلم السلطان بذلك فأطلقه بعد أن عدله أمورا من كذا وكذا، وأنه فى كل ليلة يضيع خمسين دينارا على الوحابية وأمثالها والله المستعان، وأخبار الناس عند هذا السلطان معروفة مضبوطة، فنسأل الله الستر والسلامة، ونعوذ بالله من كلام العدا واختلاقهم. وأما الأمير قجماس الأمير آخور الكبير الذى كان توجه للثغر السكندرى

стр. 524

فحضر ولم يتفق منه شئ مما كانوا أشاعوا أنه توجه بسببه، فإنهم - أعنى العوام - أشاعوا أنه توجه ليقبض على المنصور عثمان بن الظاهر جقمق من دمياط وعلى قانصوه الأحمدى الشهير بالخسيف، وعلى المؤيد أحمد بن الأشرف إينال ويطلب من المؤيد مالا فلم يصح شئ من ذلك ولا تعرض لهما بنت شفة، وإنما البرج الذى عمره السلطان نصره الله بالثغر السكندرى كان وقع بين الأمير الذى فيه وبين المماليك المقيمين به فتنة، فبلغ السلطان ذلك فأمر الأمير قجماس بالتوجه فخلع على الأمير المذكور وأصلح بينه وبين المماليك، وما عدا ذلك فخرافات وهذيانات، نعوذ بالله من كلام العامة. وفى يوم الإثنين سابع عشره خلع على الأمير ألماس شاد الشراب خاناه الأشرفى قايتباى واستقر فى نيابة صفد عوضا عن الأمير جانبك السيفى قايتباى الأشرفى بحكم القبض عليه من وقعة الرها صحبد بايندر باش عسكر يعقوب بك ابن حسن بك بن قرايلك فى سابع عشر شهر رمضان من هذه السنة؛ وغير ذلك أن الذى صح عن المقر الأشرف الأتابكى أزبك عز نصره أنه أرسل مطالعته للسلطان تتضمن القبض على شاه بدق وسجنه بقلعة دمشق، فشكره السلطان على ذلك واستصوب فعله فإنه كان أكبر الأمور فى السبب لكسر العسكر وأنه أرسل يسأل فى تولية علىّ أخيه (١) المشهور بدولات، فإنه أرسل ولديه رهينة وأنه أرسل مفاتيح عدة قلاع من جملتها قلعة زمنطوا والتزم بجمع عدة [٢٠٢ ب] من العساكر وكان قد أرسل أحد أولاده يسأل السلطان فى ذلك فرده ولم يقبله فلما وصلت مطالعة المقر الأشرف الأتابكى بذلك طلبه وأحضره وخلع عليه بالرضى والقبول، ورسم للمقر الأشرف الأتابكى أن يوليه ويولى

стр. 525

غيره من النواب، وأعلم المقر الأشرف الأتابكى المسامع الشريفة بوصول قانصوه الذى كان نائب طرسوس سالما من بايندر بعد قبضهم عليه، وكان السلطان - نصره الله - عين فى وظيفته شخصا من أمراء الألوف بدمشق يسمى قرقماس التنمى، فلما بلغه حضوره رسم له بنيابة بهنسا وأن يلبس خلعته بين يدى المقر الأشرف الأتابكى، وكتب له أن يفعل برأيه السديد ما يراه. انتهى. وتكرر عرض أجناد الحلقة أولاد الناس فعرضوا أيضا فى هذه الأيام كل من باسمه إقطاع (١) جليل أو حقير، أو كل من باسمه جامكية ببيت السلطان كثيرة أو قليلة، ووصّوهم أن يكونوا على أهبة إما للسفر صحبة الركاب الشريف، وإما للتركيز بالقاهرة أو بغيرها من الثغور، والله المستعان. ومما وقع من الحوادث أن شخصا ساكنا بحانوت بجوار رأس سوق أمير جيوش وبجوار الحانوت سردابا (٢)، قد نظفوه وغطوه فقام من الليل ليقضى حاجة فسقط فى السرداب فمات وذهب دمه هدرا ولا قوة إلا بالله، وهذا يسمى السرداب الحاكمى، وأخبر الجمال يوسف بن تغرى بردى فى بعض مؤلفاته أن هذا السرداب سقط فيه قطار جمال محملين بالتبن، وماتوا ولم يظهر لهم أثر ولا يعرف لهم خبر. يوم الثلاثاء ثامن عشريه رسم السلطان أن ينادى على الفلوس العادة التى كل فلس منها نصف: بالميزان، بستة وثلاثين درهما الرطل فخسروا فيها الثلث، فإنها كانت تقف بثمانية وأربعين الرطل فنفر (٣) الناس من ذلك فإنها كان فيها فرج من جهة العدد، وصار السوق والباعة يأخذون فى الميزان ويسرقون

стр. 526

ودعى (١) الناس على من أشار على السلطان بهذا، وقيل إن شخصا عجميا حضر من بلاد حلب وضمنها بسبعة دنانير فى كل يوم للسلطان والله المستعان، وعليه التكلان. وفى يوم الأربعاء تاسع عشريه ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل وتوجه إلى جهة المطرية فأقام بالقبة التى أنشأها له المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير وأقام بها الأربعاء والخميس وصعد القلعة، وكان حصل عنده نكد وحدة مفرطة فإنه بلغه أن جماعة الظاهرية جقمق بلغهم أنه يولى الدويدارية الكبرى لقريبه الأمير أقبردى أحد المقدمين الألوف فأنكروا ذلك وقالوا: «هذا شاب والدويدارية من يتولاها يكون منتصبا للأحكام بين الناس، وهو باب السلطان ولسانه وهو جلب لا يدرى الأمور ويصير أمر الناس فى تشويش»، وأنهم قالوا أيضا أنه يولى دويداره الثانى الشاب قانصوه خمسمائة الإمرة الأخورية الكبرى عوضا عن الأمير قجماس الإسحاقى بحكم نقله إلى نيابة الشام عوضا عن الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى جقمق المقبوض عليه من الرها صحبة بايندرباش عسكر يعقوب باك بن حسن باك ابن قرايلك وهو قد استحق جماعة قبل هذه الوظيفة لتقدمه عليه بالسن والاستحقاق، ولكن هذا راجع إلى رأى السلطان، وفى الحقيقة فقلوب الملوك بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء كما ورد فى الحديث الشريف. ووصل الخبر أن الأمراء والمماليك السلطانية والنواب المقبوض عليهم صحبة بايندر من وقعة الرها وصلوا إلى يعقوب بك بن حسن بك وزعموا أنه أطلق نائب الشام وجعل فى خدمته عدة من المماليك وأن (٢) بقية النواب وأنه أطلق [الجميع]،

стр. 527

ما عدى النواب والأمراء ومن له ذكر أو وظيفة [فقد] أبقاه عنده، غالبا مماليك الأمراء والنواب، وإلى الله المرجع والمآب. واننهت هذه السنة وانقضت على ما سمعت ورأيت من المصائب والحوادث التى تقشعر منها الجلود من قتل ونهب وأسر وأخذ أموال وحول وجمال وبغال وهجن وخام وسلاح وقماش وبرك، فلا قوة إلا بالله. *** ذكر من بلغتنا وفاته فى هذه السنة من الأعيان بمصر ومن بلغنا مقتله فى وقعة الرها مع بايندر باش يعقوب بك بن حسن بن قرايلك ومن تأخر معهم فى الأسر فى قيد الحياة على حروف المعجم: ١ - إبراهيم [بن عمر] (١) بن حسن الشيخ الإمام العلامة المحدث البقاعى الشافعى اشتغل كثيرا ونبغ وفضل ولازم شيخنا شيخ مشايخ الإسلام قاضى القضاة حافظ العصر خادم السنة والأثر، الشهير نسبه الكريم بابن حجر ﵏ وغيرهم من العلماء المتقدمين والمتأخرين كالشيخ العلامة المفنن شمس الدين القاياتى الشافعى والشيخ الأمة المحقق كمال الدين بن الهمام الحنفى وآخرهم الشيخ أبو الفضل أعجوبة الدهر فى المعقول والمنقول الحافظ المالكى المغربى، وصنف وكتب وضبط أسماء الرجال، وخرج فى الحديث العالى والنازل، ورقاه قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر حتى جعله قارئ البخارى فى القصر بقلعة الجبل بحضور السلطان فى دولة الظاهر جقمق، وكان يثنى على قراءته وفصاحته وهو كذلك مع الدين والخير، إلا أنه سيئ الأخلاق جدا، نعوذ بالله.

стр. 528

من ذلك اتفق أنه أخذ التحدث على مسجد بجوار الجمالية، وأعلى المسجد طبقة سكناه بعياله ومقابله جار له يسمى على بن الفاوى (١) الجوهرى وله ولد كان يصعد إلى سطح أبيه ليلعب بحمام، فاتفق أنه رآه فى السطح فشطح فيه وفى أبيه ومنعهما من الصعود لسطحهما لكون سطحهم أعلى من سطحه فلم ينتهوا، فرماهم بعدة سهام من النشاب، فشكوه للملك الظاهر جقمق فرسم بالقبض عليه وسجنه بالمقشرة فسجنوه بها، وخرجت وظيفة قراءة البخارى للشيخ جلال الدين ابن الأمانة الأنصارى الشافعى أحد نواب الشافعية وأحشمهم ثم شفع فيه وأطلق واستمر على ما هو عليه، وصنف كتابا فى «مناسبات القرآن» فقاموا عليه وأرادوا حرق الكتاب، وتعصب عليه جماعة وأغروا عليه الأمير تمربغا وكان إذ ذاك رأس نوبة كبيرا، وتعصب له جماعة وكتب لهم أسئلة بسببه وكتبوا عليها بمراده. (٢) … .. *** [سنة ٨٨٦] وفى (٣) ليلة الخميس المصبحة عن ثامن عشرى شهر تاريخه اندرج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى جارنا وصاحبنا ومخدومنا وابن مخدومنا الفقير إلى الله تعالى المقر المرحوم الزينى أبو بكر ابن المقر المرحومى الزينى عبد الباسط

стр. 529

ابن خليل الشافعى وكان له نحو عشرة أيام ضعيفا بمرض حاد مستغرقا فيه غائب الحواس، وتأسف الناس عليه فإنه كان رئيسا حشما زهرا لطيفا كريما اجتمعت فيه محاسن، وصلى عليه من الغد بباب النصر وحضر الصلاة عليه قضاة القضاة الثلاثة خلا الحنفى لوفاته فى يوم الزلزلة كما قدمنا ذلك، وحضر المباشرون إلا الأستادار، وحضر من الأمراء المقدمين يشبك الجمالى وتوجهوا معه إلى تربة والده المجاورة لتربة الأشرف إينال فدفن بها. وقيل إن السلطان أرسل إليه الأمير برسباى الخزندار، فحضر دفنه وختم على بيته وموجوده الأمير برسباى المذكور بحضور رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله تعالى فإنه جعله وصيا وذلك حفظا لولده الغائب، وأيضا فالسلطان له عليه مال من حين أفصل من نظر الجوالى وأهمل (١) طلبه له بواسطة والده، فالآن تعين المطالبة به وقبضه. وكان المتوفى ﵀ أوصى للسلطان - نصره الله - بشئ من القماش والصينى والنحاس والخيول بأجمعهم، ما عدا فرسين للمقر الأشرف الأتابكى أزبك - عز نصره -، وبغلة للمقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى - حفظه الله -، وأربعة أرؤس وبغلين لولده، وذكر فى وصيته ماله وما عليه، وصنع له رئيس الدنيا ابن مزهر المذكور - حفظه الله - يوم وفاته أشياء وجهزها لعياله بكرة النهار مدة عظيمة فحضر جمع من الأكابر والأعيان، وأحضر عدة جوق من القراء فأحيوا عنده تلك الليلة، وهنيئا له مات فى قبره ليلة الجمعة. وكتبت مراسيم شريفة بإحضار ولده الناصرى محمد من دمشق ويبعد

стр. 530

أن حصل له من تركة أبيه طائل أو نائل فإن السلطان له مبلغ كما تقدم وله عند ابن جنينة الذى كان صيرفى الجوالى مبلغ جملته نحو ثمانية آلاف دينار، وابن جنينة له ذلك القدر فى ذمة الناصرى محمد المذكور فصار (١) للسلطان وعليه غير ذلك لأقوام متفرقين من تجار وغيرهم نحو ثمانية آلاف أخرى. وخلف أخوين أحدهما يسمى عمر وهو الاكبر والآخر يسمى عبد الرحمن وهو ضعيف على خطة، وبينازعوا (٢) ولد الميت فى النظر لأنهم أولاد الواقف وذاك ولد ولد الواقف. وكان المتوفى - عفا الله عنه - شكلا حسنا متجملا فى مركبه وملبسه ومأكله ومسكنه، يقتنى الخيول والجياد والأقمشة الفاخرة الفائقة فى الحسن، وخلف من الخيول والبغال أربعين رأسا ومن القماش شيئا كثيرا جدا، ومن القماش الصوف المسنجب والسمور وغير ذلك نحو أربعمائة قطعة ومن البياض نحو ذلك، وكذا من الحرير وكذا من الصينى والنحاس واللحم والعبى والسروج والسيوف وعدة من الخدام الحبوش؛ وانطلقت الألسن بالثناء الجميل عليه، ونعم الرجل. انتهى. وفى يوم السبت الثلاثين من تاريخه خلع على الأمير قجماس الإسحاقى الظاهرى جقمق الأمير آخور الكبير كان - الذى استقر فى نيابة الشام - فوقانيا عظيما بطراز زركش عريض جدا، وقيد له فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش. وخرج طلبه إلى الريدانية فى تجمل عظيم زائد الوصف بعد أن مر من تحت القصر بالرميلة وشق القاهرة، وكان طلبا عظيما لكثرة ما فيه من الخيول الجياد والكنابيش الزركش والسروج الذهب والبرك الهائل والقماش الجديد واليرق الحسن والمماليك والخدم، وتوجه معه إلى الريدانية
следующие страницы →