ودعى (١) الناس على من أشار على السلطان بهذا، وقيل إن شخصا عجميا حضر من بلاد حلب وضمنها بسبعة دنانير فى كل يوم للسلطان والله المستعان، وعليه التكلان.
وفى يوم الأربعاء تاسع عشريه ركب السلطان - نصره الله - من قلعة الجبل وتوجه إلى جهة المطرية فأقام بالقبة التى أنشأها له المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى الدوادار الكبير وأقام بها الأربعاء والخميس وصعد القلعة، وكان حصل عنده نكد وحدة مفرطة فإنه بلغه أن جماعة الظاهرية جقمق بلغهم أنه يولى الدويدارية الكبرى لقريبه الأمير أقبردى أحد المقدمين الألوف فأنكروا ذلك وقالوا: «هذا شاب والدويدارية من يتولاها يكون منتصبا للأحكام بين الناس، وهو باب السلطان ولسانه وهو جلب لا يدرى الأمور ويصير أمر الناس فى تشويش»، وأنهم قالوا أيضا أنه يولى دويداره الثانى الشاب قانصوه خمسمائة الإمرة الأخورية الكبرى عوضا عن الأمير قجماس الإسحاقى بحكم نقله إلى نيابة الشام عوضا عن الأمير قانصوه اليحياوى الظاهرى جقمق المقبوض عليه من الرها صحبة بايندرباش عسكر يعقوب باك بن حسن باك ابن قرايلك وهو قد استحق جماعة قبل هذه الوظيفة لتقدمه عليه بالسن والاستحقاق، ولكن هذا راجع إلى رأى السلطان، وفى الحقيقة فقلوب الملوك بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء كما ورد فى الحديث الشريف.
ووصل الخبر أن الأمراء والمماليك السلطانية والنواب المقبوض عليهم صحبة بايندر من وقعة الرها وصلوا إلى يعقوب بك بن حسن بك وزعموا أنه أطلق نائب الشام وجعل فى خدمته عدة من المماليك وأن (٢) بقية النواب وأنه أطلق [الجميع]،
стр. 527
ما عدى النواب والأمراء ومن له ذكر أو وظيفة [فقد] أبقاه عنده، غالبا مماليك الأمراء والنواب، وإلى الله المرجع والمآب.
واننهت هذه السنة وانقضت على ما سمعت ورأيت من المصائب والحوادث التى تقشعر منها الجلود من قتل ونهب وأسر وأخذ أموال وحول وجمال وبغال وهجن وخام وسلاح وقماش وبرك، فلا قوة إلا بالله.
*** ذكر من بلغتنا وفاته فى هذه السنة من الأعيان بمصر ومن بلغنا مقتله فى وقعة الرها مع بايندر باش يعقوب بك بن حسن بن قرايلك ومن تأخر معهم فى الأسر فى قيد الحياة على حروف المعجم:
١ - إبراهيم [بن عمر] (١) بن حسن الشيخ الإمام العلامة المحدث البقاعى الشافعى اشتغل كثيرا ونبغ وفضل ولازم شيخنا شيخ مشايخ الإسلام قاضى القضاة حافظ العصر خادم السنة والأثر، الشهير نسبه الكريم بابن حجر ﵏ وغيرهم من العلماء المتقدمين والمتأخرين كالشيخ العلامة المفنن شمس الدين القاياتى الشافعى والشيخ الأمة المحقق كمال الدين بن الهمام الحنفى وآخرهم الشيخ أبو الفضل أعجوبة الدهر فى المعقول والمنقول الحافظ المالكى المغربى، وصنف وكتب وضبط أسماء الرجال، وخرج فى الحديث العالى والنازل، ورقاه قاضى القضاة شهاب الدين بن حجر حتى جعله قارئ البخارى فى القصر بقلعة الجبل بحضور السلطان فى دولة الظاهر جقمق، وكان يثنى على قراءته وفصاحته وهو كذلك مع الدين والخير، إلا أنه سيئ الأخلاق جدا، نعوذ بالله.
стр. 528
من ذلك اتفق أنه أخذ التحدث على مسجد بجوار الجمالية، وأعلى المسجد طبقة سكناه بعياله ومقابله جار له يسمى على بن الفاوى (١) الجوهرى وله ولد كان يصعد إلى سطح أبيه ليلعب بحمام، فاتفق أنه رآه فى السطح فشطح فيه وفى أبيه ومنعهما من الصعود لسطحهما لكون سطحهم أعلى من سطحه فلم ينتهوا، فرماهم بعدة سهام من النشاب، فشكوه للملك الظاهر جقمق فرسم بالقبض عليه وسجنه بالمقشرة فسجنوه بها، وخرجت وظيفة قراءة البخارى للشيخ جلال الدين ابن الأمانة الأنصارى الشافعى أحد نواب الشافعية وأحشمهم ثم شفع فيه وأطلق واستمر على ما هو عليه، وصنف كتابا فى «مناسبات القرآن» فقاموا عليه وأرادوا حرق الكتاب، وتعصب عليه جماعة وأغروا عليه الأمير تمربغا وكان إذ ذاك رأس نوبة كبيرا، وتعصب له جماعة وكتب لهم أسئلة بسببه وكتبوا عليها بمراده. (٢) … .. ***
[سنة ٨٨٦]
وفى (٣) ليلة الخميس المصبحة عن ثامن عشرى شهر تاريخه اندرج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى جارنا وصاحبنا ومخدومنا وابن مخدومنا الفقير إلى الله تعالى المقر المرحوم الزينى أبو بكر ابن المقر المرحومى الزينى عبد الباسط
стр. 529
ابن خليل الشافعى وكان له نحو عشرة أيام ضعيفا بمرض حاد مستغرقا فيه غائب الحواس، وتأسف الناس عليه فإنه كان رئيسا حشما زهرا لطيفا كريما اجتمعت فيه محاسن، وصلى عليه من الغد بباب النصر وحضر الصلاة عليه قضاة القضاة الثلاثة خلا الحنفى لوفاته فى يوم الزلزلة كما قدمنا ذلك، وحضر المباشرون إلا الأستادار، وحضر من الأمراء المقدمين يشبك الجمالى وتوجهوا معه إلى تربة والده المجاورة لتربة الأشرف إينال فدفن بها. وقيل إن السلطان أرسل إليه الأمير برسباى الخزندار، فحضر دفنه وختم على بيته وموجوده الأمير برسباى المذكور بحضور رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله تعالى فإنه جعله وصيا وذلك حفظا لولده الغائب، وأيضا فالسلطان له عليه مال من حين أفصل من نظر الجوالى وأهمل (١) طلبه له بواسطة والده، فالآن تعين المطالبة به وقبضه.
وكان المتوفى ﵀ أوصى للسلطان - نصره الله - بشئ من القماش والصينى والنحاس والخيول بأجمعهم، ما عدا فرسين للمقر الأشرف الأتابكى أزبك - عز نصره -، وبغلة للمقر الأشرف الزينى ابن مزهر الأنصارى - حفظه الله -، وأربعة أرؤس وبغلين لولده، وذكر فى وصيته ماله وما عليه، وصنع له رئيس الدنيا ابن مزهر المذكور - حفظه الله - يوم وفاته أشياء وجهزها لعياله بكرة النهار مدة عظيمة فحضر جمع من الأكابر والأعيان، وأحضر عدة جوق من القراء فأحيوا عنده تلك الليلة، وهنيئا له مات فى قبره ليلة الجمعة.
وكتبت مراسيم شريفة بإحضار ولده الناصرى محمد من دمشق ويبعد
стр. 530
أن حصل له من تركة أبيه طائل أو نائل فإن السلطان له مبلغ كما تقدم وله عند ابن جنينة الذى كان صيرفى الجوالى مبلغ جملته نحو ثمانية آلاف دينار، وابن جنينة له ذلك القدر فى ذمة الناصرى محمد المذكور فصار (١) للسلطان وعليه غير ذلك لأقوام متفرقين من تجار وغيرهم نحو ثمانية آلاف أخرى.
وخلف أخوين أحدهما يسمى عمر وهو الاكبر والآخر يسمى عبد الرحمن وهو ضعيف على خطة، وبينازعوا (٢) ولد الميت فى النظر لأنهم أولاد الواقف وذاك ولد ولد الواقف. وكان المتوفى - عفا الله عنه - شكلا حسنا متجملا فى مركبه وملبسه ومأكله ومسكنه، يقتنى الخيول والجياد والأقمشة الفاخرة الفائقة فى الحسن، وخلف من الخيول والبغال أربعين رأسا ومن القماش شيئا كثيرا جدا، ومن القماش الصوف المسنجب والسمور وغير ذلك نحو أربعمائة قطعة ومن البياض نحو ذلك، وكذا من الحرير وكذا من الصينى والنحاس واللحم والعبى والسروج والسيوف وعدة من الخدام الحبوش؛ وانطلقت الألسن بالثناء الجميل عليه، ونعم الرجل. انتهى.
وفى يوم السبت الثلاثين من تاريخه خلع على الأمير قجماس الإسحاقى الظاهرى جقمق الأمير آخور الكبير كان - الذى استقر فى نيابة الشام - فوقانيا عظيما بطراز زركش عريض جدا، وقيد له فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش. وخرج طلبه إلى الريدانية فى تجمل عظيم زائد الوصف بعد أن مر من تحت القصر بالرميلة وشق القاهرة، وكان طلبا عظيما لكثرة ما فيه من الخيول الجياد والكنابيش الزركش والسروج الذهب والبرك الهائل والقماش الجديد واليرق الحسن والمماليك والخدم، وتوجه معه إلى الريدانية
стр. 531
الأمراء الألوف والطبلخانات والروس النوب والعشرات والخاصكية؛ وكان له يوم مشهود قل أن يجتمع مثله لغيره.
وتوجه إليه فى آخر هذا النهار المقر الأشرف الزينى رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر - حفظه الله تعالى - فحلفه كما هى عادة النواب، فقدم فقدم له فرسا خاصا بسرج ذهب وكنبوش زركش فامتنع من قبوله وحلف وأقسم عليه أن يركبه فبر قسمه وركبه إلى أن وصل به إلى القبة التى أنشأها المقر المرحوم يشبك من مهدى الدوادار وأرسله (١) إليه، فزاده الله محاسنا وآدايا وأفضالا ورفعة وهمة وسؤددا وعفة ونزاهة وشهامة وفخامة.
(شهر صفر الأغر الخير)
أهل بيوم الأحد لأن شهر المحرم الذى قبله جاء تماما ويوافقه من أيام الشهور القبطية سادس برمودة.
فيه صعد قضاة القضاة الثلاثة لتهنئة السلطان - نصره الله - بالشهر على العادة وحضر الشيخ خير الدين السنسى والشيخ صلاح الدين الطرابلسى من الحنفية بسبب عقد مجلس بين يدى السلطان ملخصه أن القاضى تاج الدين وله ولد إمام الشيخونية قبل عزله وقبل موت القاضى شمس الدين الامشاطى عين عليه أن والدته ملّكت أولادها إقطاعا أو رزقا فى أرض مشاع وفى الأولاد من هو صغير عن سن التمييز وحكم بذلك، مع أن السادة الحنفية عندهم تمليك المشاع غير صحيح لأن التمليك لا يصح إلا بالقبض، وطلب السلطان هذا الحاكم المذكور فحضر صحبة الحنفية وغيرهم وكان بلغ مسامع السلطان [أنه] طلب فى هذه الأيام بعد موت ابن عبد قاضى الحنفية من ملك لهم برسول من
стр. 532
بابه وأنه يريد نقض الحكم فأصرّ له نقدة، فحلف أنه من حين مات الحنفى ما حكم ولا أرسل، وأظهر الله براءته عنده وأصرف للقاضى الحاكم فى هذه المسألة نقدة، وآخر الأمر ذكر الشيخ صلاح الدين الطرابلسى أن الحكم صحيح، وهو منازع فى ذلك من سيدنا الشيخ الإمام العلامة شيخ الشيوخ برهان الدين الكركى - أيده الله - ومن الشيخ سرى الدين عبد البر بن الشحنة - لطف الله بى وبه - وغيرهما، وحضرت الصلاح المذكور فى أول هذا الشهر بين يدى سيدنا شيخ الشيوخ البرهانى المذكور وأخبر أنه رآى الشيخ سرى الدين عبد البر وسأله عن عدم حضوره لهذا المجلس فقال: «هذا مجلس معصية معنى كلام السروى عبد البر: أنك قلت عن مذهب أبى حنيفة بما لم يقله»، وبحث معه الشيخ برهان الدين فى عدم صحة التمليك فى المشاع، وذكروا فى المجلس أن الحاكم فى هذه المسألة أخذ فيها ثمانين دينارا، فالله أعلم.
عود إلى ما كنا فيه.
ثم خلع على القاضى شهاب الدين بن فرفور (١) الدمشقى أجلّ أصحاب مخدومنا المقر الزينى ابن مزهر الأنصارى كاتب السر الشريف حفظه الله، واستقر قاضى القضاة الشافعية بدمشق المحروسة مضافا لما بيده من نظر الجيش الذى وليه فى يوم الثلاثاء سادس عشرى شهر المحرم سنة تاريخه عوضا عن صلاح الدين العدوى بحكم عدم أهليته، وأضيف للقاضى شهاب الدين المذكور ما كان بيد العدوى المذكور أيضا من نظر القلعة ووكالة السلطان ووكالة بيت المال، وفى الواقع فما تصلح بعد من كان فيها إلا للقاضى شهاب الدين فإنه عالم فاضل جواد شهم رئيس نبيل كبير العقل والأدب والسكون؛ ولما خلع عليه جلس - بعد ما قام له السلطان - تحت قاضى المالكية، فأشار رئيس الدنيا ابن مزهر
стр. 533
الأنصارى كاتب السر حفظه الله لقاضى القضاة ولى الدين الأسيوطى الشافعى أن يستدعى له الولاية من السلطان فاستدعى له: «فوضتم له قضاء الشافعية بالديار المصرية»، ثم استدرك فقال: «قاضى القضاة بالقاهرة»، ثم فى الثالثة قال: «قضاء القضاة بالشام وأعمالها» فأجاب لذلك ودعوا وانصرفوا. وركب معه قاضى القضاة الشافعى وقاضى القضاة قطب الدين الخيضرى وغيرهما من الأعيان إلى منزله.
وسبب ذلك كونه من أخصاء المقر الزينى كاتب السر وهو له فضائل وفواضل وفتوة ومروءة وبشاشة وأصالة بيتوتة وقرى، [وهو] كامل الأوصاف ذاتا ومعنى جميل المنظر والمخبر، ويقال إنه تكلف إلى نحو ثلاثين ألف دينار، والله تعالى هو القادر القهار.
وكان سبب عزل العدوى أن سيدنا شيخ الإسلام قطب الدين الخيضرى - أيده الله - صعد للسلطان وأعلمه أن ابن فرفور فيه أهلية للوظيفة عن العدوى ويقوم بما قام به العدوى فوقع ما وقع، وهذا الذى وقع أمر نادر عجب من السلطان كيف يولى إنسانا قضاء الشافعية بدمشق ويعزله بعد أربعة أيام وهو عزيز الولاية والعزل؟ ولكن الله يفعل ما يريد، وقلوب الملوك بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء.
وفى أمسه حضر كاتب من المقر الأشرف الكريم العالى المولوى الأتابكى الكفيلى أزبك من ططح الظاهرى جقمق باش العسكر المنصور من حلب وعلى يده [كتاب] يخبر بسلامة المقر الأشرف المذكور وعافيته، فقرأه المقر الزينى ابن مزهر كاتب السر وفيه ما معناه: «إن جماعة يعقوب يطلبون الصلح» فصعد به القضائى الزينى سالم إلى السلطان.
ووصل أيضا صحبة هجان المقر الأشرف الأتابكى مملوك المقر الأشرف العالى
стр. 534
برسباى قرا المحمدى الظاهرى جقمق حاجب الحجاب جمعنا الله به على أكمل الحالات وأجمل المسرات وأخبر أن أستاذه المذكور وصل إلى دوركى سالما، وأنه كان فى تاريخه وتاريخ الكتاب المحضر من المقر الأتابكى له ثلاثة عشر يوما، وأن الأمير برسباى المذكور يكون دخل حلب من ستة أيام (١).
وأخبر مملوك الأمير برسباى أن المقر الأشرف الأتابكى … ... (٢)
[٢٠٦ ا] خلق كثير وأخبر أيضا جماعة المسافرين بالبحر المالح أن قطعة منه انحصر الماء عنها حتى ظهرت الأسماك التى فى قاع البحر وانخسف فى وسطه جانب كبير، فالله تعالى يكفينا ويحفظنا بحفظ أوليائه وعباده الصالحين بجاه سيد الأولين والآخرين.
وفى يوم السبت المبارك حادى عشريه وهو السادس والعشرون من برمودة ضرب الشريف الأكفانى - الذى نسبوه أنه قتل زوجته - مقارع وعصيا ضربا مبرحا نحو خمسمائة مقرعة وعصى، وتوجه فى الحديد إلى بيت الوالى، وقد أجمع الخلق على بغضه والإنكار عليه والوقيعة فيه.
وتقدم فى أمسه وصول قاصد المقر الأشرف الكريم العالى الأتابكى أزبك من ططخ عز نصره وأخبر بصحته وسلامته وعافيته، وأن الأمير الأجل برسباى المحمدى المعروف بقرا - حاجب الحجاب وأحد المقدمين الألوف - حضر إلى حلب فى رابع عشرى المحرم سنة تاريخه، وأن المقر الأشرف الأتابكى اهتم بأمره واحتفل بملاقاته وكان له يوم عظيم وهو طيب بخير وسلامة، وأن الأمير درويش الظاهرى جقمق أحد مقدمى الألوف خلع عليه المقر الأشرف الأتابكى المذكور فى أول
стр. 535
هذا الشهر نيابة حلب عوضا عن المقر المرحوم أزدمر الأشرفى قايتباى بحكم القبض عليه من بايندر فى وقعة الرها فى سادس عشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وثمانى مائة كما هو مسطر فى الحوادث فى محله.
ووصل الخبر أيضا أن سيف [بن على] البدوى أمير عرب [العشير]- الذى قتل نائب حماة وعصى وحصلت هذه الفتن بسببه - حضر إلى خارج مدينة حماة وخلع عليه واستقر على عادته، وكذلك حضر على دولات أخو شاه بدق وشاه سوار إلى خارج حلب، وخلع عليه الأمير الأجل جانبك حبيب الإينالى وأرسل ولده رهينة، ولم يدخل كل منهما البلد خوفا من القبض عليهما.
ووصل فى هذا اليوم مماليك المقر المرحوم بردبك نائب طرابلس وبركه وموجوده وبقضّه وخازنداره، فقيل إن المماليك نحو ثمانين نفرا فيهم أربعون كتابيا، فلما رآهم السلطان نصره الله قال لهم: «سوّد الله وجوهكم!»، ثم إنه أخذ الكتابية ففرقهم على الأطباق، وأما الكبار فأمرهم أن يخدموا ببيوت الأمراء أو النواب ووصل صحبته من النقد عشرة آلاف دينار خارجا عن البرك والقماش والخيول والسلاح، فأما القماش فمائة حمل، وأما الخام فعشرون حملا، وأما الخيول فمائة فرس، وغير ذلك.
وفى يوم الأحد ثانى عشريه كان أول الخماسين الذى هو عيد النصارى ويوافقه سابع عشرى برموده القبطى، ونزلت الشمس برج الثور يوم الاربعاء خامس عشريه قبل العصر بثمانى عشرة درجة.
وفى هذا اليوم أودع الشريف الأكفانى المنسوب لقتل زوجته المقشرة حسب المرسوم الشريف.
وفى يوم الخميس سادس عشريه وهو الثامن من بشنس القبطى لم يركب رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله لوعك اعتراه بجنبه، فالله يحفظ جنبه وجانبه، وهرع المباشرون والأعيان للسلام عليه، فركب
стр. 536
يوم السبت الذى هو الثامن والعشرون من شهر تاريخه إلى القلعة فى خير وعافية، ولله الحمد على ذلك.
وفى يوم الجمعة - الذى هو السابع والعشرون من شهر تاريخه والثامن من بشنس - لبس السلطان نصره الله القماش الأبيض المعد لبسه للصيف قبل صلاة الجمعة، وسبق العادة بخمسة أيام، وما قارب الشئ يعطى حكمه.
*** غير ذلك:
أن القاضى شمس الدين قاضى القضاة الغزى فوض لجميع نوابه بعد تسعة أيام من ولايته على التدريج حتى عمر المناوى، وتوقّف فى ولايتى واعتذر بأنه ما أذن له أن يولى إلا من مات عنه الأمشاطى وابن عيد وهم مولون، و «عمر» هذا المذكور مات الأمشاطى وهو غير مولى فانتقض العذر، فأجاب أنه قيد عليه أنه لا يحكم فى شئ حتى يعرضه ولا يعقد عقدا حتى يعرضه، والله المستعان.
غير ذلك:
أن رئيس الدنيا احتقن بسبب ألم جنبه وانقطع بمنزله من يوم السبت ثامن عشريه، فالله أسأل أن يمتع المسلمين بوجوده وبعافيته.
ورسم السلطان نصره الله للأمير برسباى قرا المحمدى حاجب الحجاب - الذى ذكرنا قبل هذا خلاصه ووصوله إلى حلب وحضور القاصد للسلطان بذلك - من الجمال العادة بمائة جمل، ومن الجمال المعدة للأحمال ستة قطر، ومن الأكاديش بواحد وعشرين إكديشا، ومن الخيول الخواص بأربعة أرؤس، وبجامكية مماليكه أربعة شهور لكل نفر منهم يلبس بلبس كامل، وبخمسة دنانير ذهب لكل نفر برسم النفقة فى الطريق.
وحصل لمولانا السلطان نصره الله هوى فوعك منه بسبب أنه نزع
стр. 537
الفروة وصار بالجوخة فاستهوى وأفصد واحتمى وحتم من أكل الزفر، وكان فصده يوم السبت تاسع عشريه.
وأصبح يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول ويوافقه من أيام الشهور القبطية خامس بشنس والسلطان - نصره الله وحفظه - طيب فى خير وعافية فلله الحمد والمنة على ذلك، وحضر الخليفة أمير المؤمنين أبو العز عبد العزيز المتوكل على الله العباسى لتهنئة السلطان بالشهر على العادة وهو لابس الشاش والقماش المعد للخدمة ودعى له وانصرف، ثم حضر قضاة القضاة الثلاثة خلا المالكى فإنه أرمد فانقطع بسبب ذلك، فلم يخاطبهم السلطان ببنت شفة ودعوا وانصرفوا؛ ولم يحضر هذا المجلس رئيس الدنيا ابن مزهر الأنصارى كاتب السر حفظه الله تعالى لوعكه وانقطاعه، فحضر إليه قضاة القضاة فعادوه ودعوا له، تقبّل الله منهم.
وتوفى فى هذا اليوم جمال الدين يوسف أحد نواب الحاكم الحنفى المشهور بالسمرقندى وبابن الفراء وكان قد انقطع ستة أيام وقضى نحبه بعد أن أقبلت عليه الدنيا وصار فى خدمة الأمير قانصوه الدوادار الثانى الذى صار أمير آخور كبيرا وخلف ولدا صغيرا، عفا الله عنه.
وفيه أنهى إلى مولانا السلطان - نصره الله - أن شخصا باع جارية حبشية ليهودى فطلبه وطلب الشهود فصعدوا بين يديه: البائع والمشترى والجارية، فقال نصره الله للبائع: «أنت بعت هذه الجارية لليهودى؟» قال «نعم» وقال لليهودى: «أنت اشتريت؟» فقال: «نعم» وقال للشهود: «أنتم أشهدتم عليهما؟» فقالوا: «نعم، لأنها أقرّت أنها يهودية» فقال السلطان للبائع: «أنا أعرف أنك جلاب» وأمر الشهود والبائع بالتوجه إلى حال سبيلهم، فلما انصرفوا طلب وكيل السلطان العلاء ابن الصابونى اليهودىّ الذى اشترى الجارية وقال له:
стр. 538
«إعمل مصلحة السلطان بألف دينار ولى مائتى دينار وإلا»، فبلّغ اليهود ذلك فداروا على أهل المملكة والأعيان مثل سيدنا القاضى بدر الدين أبى البقاء وأخيه سيدنا المقر الزينى بركات بن الجيعان وغيرهما، فعرّفوا السلطان القضية مفصلة جزاهم الله خيرا، فأنكر ذلك وحلف على أنه لم يأمر به، وسأل من الوكيل عن ذلك فما ساعه إلا الإنكار، وأطلق اليهودى فى الحال، ولله المرجع والمآل.
وفى يوم الخميس رابعه ويوافقه من أيام الشهور القبطية [الخامس (١) من بشنس] طلب السلطان البدرىّ حسن بن الطولونى الذى كان فى خدمة المقر المرحوم السيفى يشبك من مهدى أمير سلاح الدوادار الكبير وسافر فى خدمته إلى البلاد المشرقية وأسر وسلب وخلص، وهو من أصحابنا ومخاديمنا وبيننا وبينه حضور فى عدة دروس للحنفية عند السادة المشايخ كالشيخ أمين الدين الأقصرائى ﵀، وكان لما حضر من الأسر وصعد للسلطان ألبسه سلاريا صوفا مفريا بسنجاب من ملابسه، واستمر ملازما لبيته ولدرس سيدنا العلامة شيخ الشيوخ الإمام البرهان الكركى - أسعده الله -، فساعده عند السلطان نصره الله، وسأل المقر السيفى تغرى بردى الأستادار خازندار المقر المرحوم يشبك من مهدى فيه مولانا السلطان أن يكون معلم المعلمين عوضا عن السائل فيه، فإنّ السلطان رسم للأمير تغرى بردى المذكور بالتكلم فى وظيفة المعلمية من حين وفاة المرحوم البدرى ابن الكويز، وهو يعلم أن مخدومه المرحوم السيفى يشبك من مهدى كان غرضه ذلك وكان يظهره ويتكلم به فى مجلسه؛ ولما بلغه موت ابن الكويز سأل البدرى فى الوظيفة فخلع عليه واستقر فى وظيفة معلمية المعلمين على عادته وعادة آبائه وأجداده وأسلافه، والوظيفة شاغرة من وفاة البدرى ابن الكويز من خامس عشر شعبان سنة خمس وثمانين وثمانى مائة، غير أن الأمير تغرى بردى
стр. 539
الأستادار كان يتكلم فيها حسب المرسوم الشريف بلا لبس خلعة للوظيفة، والبدرى حسن معزول من أول دولة الملك الأشرف قايتباى نصره الله وإلى هذا التاريخ وهو معزول، حتى ألهم الله السلطان فرضى عنه، فسبحان المعطى والمانع.
وقبل أن يخلع عليه أوصاه وقال له: «أنظر إلى هذه العمائر التى أنشأتها ولست بمحتاج إليك، فلا تظلم أحدا وإنما أغا تغرى بردى الأستادار سأل فيك فقبلناك، فشد وسطك وافتح عينك، واحترص فى الحجر الذى تقطعه، وكن على يقظة إذا أردنا إرسالك لمهم».
كل ذلك والكتب (١) … ...